← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الفرع الثاني في دعاء الاستفتاح أخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد وعبد المجيد وغيرهما، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن عبد اللَّه بن الفضل - هو ابن ركعة بن الحارث ابن عبد المطلب- عن الأعرج، عن عبيد اللَّه بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب أن رسول اللَّه ﷺ قال بعضهم: "كان إذا ابتدأ"، وقال غيره منهم: "كان إذا افتتح الصلاة" قال: "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي، ونسكي، ومحياي، ومماتي، للَّه رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت -قال أكثرهم- "وأنا أول المسلمين" وشككت أن يكون قال أحدهم: -"وأنا من المسلمين"- اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير بيديك والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، أنا بك وإليك لا منجى منك إلا إليك، تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك". أخبرنا الشافعي بهذا الإسناد واللفظ إلى قوله: "وأنا أول المسلمين" [ثم قال: وقال الآخر: "وأنا من المسلمين] " (١). قال الشافعي: ثم يقرأ بالتعوذ، ثم بسم اللَّه الرحمن الرحيم فإذا أتي عليها قال: "آمين" ويقول من خلفه، وفي نسخة "حوله إن كان إمامًا يرفع صوته حتى يسمع من خلفه إذا كان يجهر بالقراءة"، وفي نسخة: "إذا كان ممن

стр. 527

يجهر بالقراءة". أخرج الشافعي الرواية الأولى في كتاب "استقبال القبلة". وأخرج الرواية الثانية في كتاب "الإمامة" (١). فالحديث في نفسه صحيح، أخرجه مسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥). فأما مسلم: فأخرجه عن محمد بن أبي بكر [المُقَدّمي] (٦) عن يوسف بن الماجشون، عن أبيه، عن الأعرج بالإسناد: "أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة قال: "وجهت وجهي" وذكر الحديث وزاد فيه: "ما يقول في الركوع" والقيام من الركوع والسجود، وما يقول عند الفراغ من التشهد قبل السَّلام". وفي أخرى: عن زهير بن حرب، عن عبد الرحمن بن مهدي، وعن إسحاق ابن إبراهيم، عن أبي النضر، عن عبد العزيز بن عبد اللَّه بن أبي سلمة، عن عمه الماجشون بن أبي سلمة، عن الأعرج بالإسناد قال: كان إذا استفتح الصلاة كبر وذكر الحديث مثل روايته. وأما أبو داود: فأخرجه عن عبيد [اللَّه] (٧) بن معاذ، عن أبيه، عن عبد العزيز ابن أبي سلمة، عن عمه الماجشون، عن الأعرج بالإسناد، وذكر لفظ مسلم

стр. 528

إلى آخره ولم يقل فيها: "والشر ليس إليك". وفي أخرى: عن الحسن بن علي، عن سليمان بن داود، عن عبد الرحمن ابن أبي [الزناد] (١)، عن موسى بن عقبة بإسناد الشافعي قال: "إنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة؛ كبر ورفع يديه حذو منكبيه"، وذكر نحوه. وأما الترمذي: فأخرجه عن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، عن يوسف بن الماجشون، عن أبيه، عن الأعرج بالإسناد قال: "وأنا من المسلمين" وذكرنا في الحديث مثل مسلم. وفي أخرى: عن الحسن بن علي الخلال، عن أبي الوليد الطيالسي، عن عبد العزيز بن أبي سلمة ويوسف بن الماجشون. وقال عبد العزيز: حدثني عمي. وقال يوسف: حدثني أبي، عن الأعرج وذكر الحديث بطوله مثل مسلم. وفي أخرى: عن الحسن بن علي الخلال، عن سليمان بن داود الهاشمي، عن [عبد الرحمن بن أبي الزناد] (٢) عن موسى بن عقبة بالإسناد وقال: كان [إذا] (٣) قام إلى الصلاة المكتوبة؛ رفع يديه حذو منكبيه إذا رفع رأسه من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء من صلاته وهو قاعد، فإذا قام من سجدتين رفع يديه كذلك فكبر، ويقول حين يفتتح الصلاة بعد التكبير: "وجهت وجهي" ... الحديث. وأما النسائي: فأخرجه عن عمرو بن علي، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد العزيز بن عبد اللَّه بإسناد مسلم الثاني، ونحو لفظ الشافعي، ولم يقل: "أنت ربي". والشافعي فرق هذا الحديث الطويل؛ فذكر هنا ما يتعلق بدعاء الاستفتاح،

стр. 529

وذكر ما يتعلق بالتكبير وحده، وما يتعلق بالسجود وحده، وكذلك كل جزء منه ذكره مفردًا عند ذكر ما يختص به. ورواية بعض الحديث جائزة، إذا لم يتعلق المتروك بالمذكور تعلقًا يفسد المعنى؛ أو يتوقف فهم المذكور على ذكر المتروك، وقد تقدم فيما سلف من الكتاب ذكر ذلك مستوفيًا. وقد فرق الشافعي في روايته، بين قول بعض الرواة: "كان إذا ابتدأ" وبين قول بعضهم: "كان إذا افتتح الصلاة"، ولم يرد الفرق بينهما من جهة المعنى، وأن هذا الاختلاف يترتب عليه حكم [من أحكام] (١) الصلاة لا يترتب على الآخر؛ فإن المعنى فيهما عنده سواء، بدليل أن هذا الدعاء إنما يقوله المصلي بعد تكبيرة الإحرام، فسواء قال: "إذا ابتدأ" و "إذا افتتح" وإنما كان غرضه بذكر اللفظين؛ المحافظة على ألفاظ الرواة والإتيان بها، حتى لم يتسامح في هذا القدر الذي لا يغير عنده حكمًا. "والفطرة": الخلقة، فطره: إذا خلقه، وهو أيضًا الابتداء والاختراع. قال ابن عباس: كنت لا أدري ما ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾ (٢) حتى أتاني أعرابيان يتخاصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي: أنا ابتدأتها وحفرتها. و"الحنيف": المائل عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، وهو في الأصل: المائل عن الشيء مطلقًا. "والنسك": العبادة في الأصل. "والمحيا والممات": حالة الحياة والموت، وهما مصدران والمراد بهما ما يأتيه في حيويته وما يموت عليه من الأعمال.

стр. 530

"والكاف" في "بذلك": راجعة إلى هذه الأوصاف المشتملة على العبادة والإخلاص. وقوله: "وأنا أول المسلمين" هذا حكاية لفظ إبراهيم خليل الرحمن -صلوات اللَّه عليه- وهو أول المسلمين وكذلك قال هو. وأما قوله: "من المسلمين" فذلك يقوله من هو بعد إبراهيم، لأن كل من دان بدين الإسلام كان من جملة المسلمين. وقد جاء في إحدى الروايات "أول المسلمين" وفي بعضها "من المسلمين" فجائز أن يكون النبي ﷺ لما قال: "وأنا أول المسلمين" حكى لفظ القرآن العزيز الذي أخبر به عن إبراهيم، فقال مثل إبراهيم محافظة على لفظ القرآن وجائز أن يكون أراد أنه ﷺ هو أول المسلمين، لأنه الذي شرع الإسلام وأرسل به. وأما "من المسلمين" فلا لبس في أنه يريد أنه واحد منهم. "والمسلم": اسم فاعل من أسلم يسلم، إذا انقاد وخضع، هذا هو الأصل، ثم جعل اسمًا جامعًا لأوصاف مخصوصة اشترطها الشارع، أولها: الإتيان بالشهادتين لفظًا. وأما قوله: "اللهم" فإن أصله "يا اللَّه" فحذفت "يا" من أوله وعوضت الميم عنها في آخرها, ولذلك لا يجوز الجمع بينهما. وقد جاء في الشعر. "وسبحانك": بمعنى تنزيهك وبرائتك، وهو مصدر. "والباء" في "بحمدك" متعلقة بمحذوف تقديره "وبحمدك سبحت". "والرب": المالك، والسيد، والصاحب، والمدبر، والخالق وغير ذلك إلا أنه لا يرد مطلقًا إلا على اللَّه غالبًا، فأما غير اللَّه فيقال فيه رب كذا، على أنه قد جاء في الشعر على غير اللَّه تعالى مطلقًا.

стр. 531

"والعبد": ضد الحر، وأصله الذل والخضوع، ومنه طريق مُعَبَّد أي مذلَّل. "والظلم": الجور ومجاوزة الحد وأخذ ما ليس لك، وأصله وضع الشيء في غير موضعه. "والنفس" في اللغة: الروح يقال: خرجت نفسه إذا مات، وقد يطلق على الدم: سألت نفسه، وفي الحديث "ما ليس له نفس سائلة" (١) أي ما لا دم له، وقد يطلق على الجسد. وجاء في الشعر. ومعنى "ظلمه نفسه": يريد: بما ارتكبه من الذنوب والمعاصي فإنه ظلمها، حيث قلدها الآثام والأوزار وأخرجها إلى أن تعاقب. وإنما قال: "واعترفت بذنبي" يريد ظلمه نفسه فإنه ذنب واحد؛ وإن كان قد ظلمها مرات كثيرة، إلا أنه يطلق على تلك المرات لفظة الظلم لجمعه إياها، ولأن الذنب معصية والاعتراف به يورث الخجل والفضيحة، لكنه لما علم أن الاعتراف بالذنب يمحوه ويوجب العفو والمغفرة وأراد أن يعترف؛ وَحَّدَ الذنب لئلا يكون معترفًا بذنوب كثيرة؛ فتكبر فضيحته. على أن الذنب قد يقع على القليل والكثير، ولكن لفظ الجمع أفصح فلما جاء إلى طلب المغفرة زال ذلك السبب الذي وحد لأجله، فقال: "فأغفر لي ذنوبي جميعًا" فأتى بلفظ الجمع لتكون المغفرة لها شاملة، وليزول الوهم الذي يحصل من لفظ المفرد عند الإتيان بلفظ الجمع، ثم لم يكفه ذلك حتى قال "جميعًا" تأكيدًا لطلب العفو عن الذنوب كلها.

стр. 532

ثم عقب ذلك بقوله: "لا يغفر الذنوب إلا أنت" إقرارًا منه واعترافًا أنه قد قطع أمله ورجاءه عن كل أحد سواه، وصرف رغبته إلى من لا توجد المغفرة إلا عنده. و"الهدى": ضد الضلال. و"الأخلاق" واحدها خُلُق -بضم اللام وبسكونها- وهي السجية التي جُبِلَ الإنسان عليها من حسن وقبح، ولذلك طلب الهداية لأحسنها. ثم عقب بقوله: "لا يهدي لأحسنها إلا أنت" كما قال في "لا يغفر الذنوب إلا أنت". وكذلك قوله: "واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت". وأما قوله: "لبيك" فإنها لفظة مبنية من ألَبَّ بالمكان إذا أقام فيه، وضعت لإجابة الداعي، والمراد بها إجابة اللَّه تعالى إلى دعاية الخلق إلى الإيمان" ومعنى هذه: التنبيه فيها إجابة بعد إجابة، وإقامة على إجابتك بعد إجابة. وأما "سعديك" فإنها من الألفاظ المقرونة بلبيك، ومعناها إسعاد، أي: ساعدت على طاعتك مساعدة بعد مساعدة. وهما منصوبان على المصدر. وأما قوله: "الخير بيديك، والشر ليس إليك" فله تأويلان (١): أحدهما على مذهب أهل الحق من السنة والجماعة. والثاني على مقتضى مذهب المعتزلة. فأما الأول -وهو الصحيح والصواب- إن شاء اللَّه تعالى- فإنما ذكره على

стр. 533

سبيل الإرشاد إلى استعمال الأدب في الثناء على اللَّه ومدحه، بأن تضاف محاسن الأشياء إليه دون مساوئها, وليس المقصود نفى شيء عن قدرته ولا إثباته لها، فإن محاسن الأشياء تضاف إلى اللَّه عند الثناء عليه دون مساوئها، كما قال اللَّه ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١) فيقال: يا رب السموات والأرض، ولا يقال: يا رب القردة والخنازير (٢). وقد سئل الخليل بن أحمد عن ذلك؟ فقال: معناه ليس ذلك مما يتقرب به إليك، كقولهم: أنا منك وإليك، أي: معدود من جهتك ومنتم إليك. وأما على القول الثاني: فإن المعتزلة يذهبون إلى أن الخير من اللَّه والشر من الإنسان، وهذا يوافق ظاهر اللفظ. ولكلا المذهبين شرح وتفصيل ودليل يذكر في علم الكلام، لا حاجة بنا إلى ذكره هنا، لكنا نسأل اللَّه العصمة والتوفيق في القول والعمل، وأن لا تزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا؛ وأن يستن بنا منهج أهل السنة، ويجمع لنا طرق الجماعة بمنه وكرمه (٣). وفي رواية الشافعي "والخير بيديك" وفي غيرها "في يديك". والمعنيان متقاربان إلا أن مع "الباء" يكون متمسكًا به، ومع "في" يكون حاويًا له، وهذا تمثيل كما يقال: البلدة في يد السلطان وبيد السلطان، أي أمرها إليه وحكمها منوط به، وإلا فلا شيء على الحقيقة باليد ولا فيها. واليد وإطلاقها على اللَّه تعالى -من قبيل التشبيه المحض، إذا أريد بها الجارحة ونعوذ بالله من ذلك، وإنما يراد بها القدرة والاستيلاء والحكم، وهذا تمثيل كما

стр. 534

قلنا وبحثنا، والتقدير: أن الخير في حكمك وتحت أمرك وقدرتك (١). وقوله: "المهدي من هديت" فيه نفي أن يكون من هداه أحد آخر مهديًّا، أو أنه لا هادٍ سواه. وقوله: "أنا بك وإليك" أي أنا موجود بك في حياتي فلولا أنت لم أكن، ومردي إليك في مماتي. و"المنجى" موضع النجاة أي: لا مهرب ينجو الإنسان فيه منك إلا إليك؛ فإنه إن طلب النجاة عند غيرك ضل، فجاء به على لفظ النفي والإثبات ليكون أبلغ. وقوله: "تباركت" تفاعلت من البركة وهي البقاء والفلاح. و"تعاليت" تفاعلت من العلو والمراد به علو القدرة لا علو المكان (٢). "والاستغفار": طلب المغفرة، "والتوبة": الرجوع من الذنب والإخلاص

стр. 535

في الترك، والندم على الفائت. والذي ذهب إليه الشافعي؛ قال في الأم: أنه يأتي بهذه الأذكار جميعها من أولها إلى آخرها؛ عقيب تكبيرة الإحرام في الفريضة والنافلة، لأنه قال لما ذكرها: وبهذا أقول وآمر وأحب أن يأتي بها كما روى عن النبي ﷺ لا يغادر منها شيئًا. وأما المزني فإنه روى عنه أنه يقول "وجهت وجهي" إلى قوله "من المسلمين" وقال مالك: لا يدعو بشيء بل يكبر ثم يقرأ. وقال أبو حنيفة: يدعو بقوله: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك. وبه قال الثوري، وأحمد، والأوزاعي، وإسحاق. وروي عن أبي يوسف أنه قال: يقول معه: وجهت وجهي. وقال الشافعي في سنن حرملة: وخالفنا بعض الناس فقال: افتتح بسبحانك اللهم وبحمدك، وذكر باقي الكلام ثم قال: وأصل ما نذهب إليه أن أول ما نبدأه بقوله وفعله؛ ما كان في كتاب اللَّه -تعالى- وسنة نبيه محمد ﷺ قال: فقد روينا هذا القول عن النبي ﷺ من حديث بعض أهل مذهبكم -قلنا له ولبعض من حضر: أحافظ من رويت عنه هذا القول، ويحتج بحديثه؟ فقال عامة من حضره: لا ليس بحافظ. قال الشافعي: فكيف يجوز أن تُعارِضَ برواية من لا يحفظ وتقبل حديث مثله وعلى الانفراد روايةَ مَنْ يحفظُ ويُثْبِتُ حديثه؟ وإنما أراد حديث حارثة بن محمد، عن عمرة، عن عائشة عن النبي ﷺ بهذا الافتتاح، وحارثة بن محمد هو حارثة بن محمد بن أبي الرجال، وهو ضعيف لا يحتج بحديثه، ضعفه

стр. 536

يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، والبخاري وغيرهم (١). قال الربيع: قال الشافعي -فيما بلغه عن هشيم، عن بعض أصحابه، عن أبي إسحاق، عن أبي الخليل، عن علي، كان إذا افتتح الصلاة قال: "لا إله إلا أنت سبحانك ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت وجهت وجهي" وذكر إلى قوله: "من المسلمين". ثم قال الشافعي: وقد روينا من حدثنا عن علي عن النبي ﷺ ، أنه كان يقول هذا الكلام إذا افتتح الصلاة، يبدأ بهذا: "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض". ...

стр. 537

الفرع الثالث في الاستعاذة والقراءة والتأمين وفيه ستة أنواع:- النوع الأول: في الاستعاذة أخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن ربيعة بن عثمان، عن صالح ابن أبي صالح أنه سمع أبا هريرة وهو يؤم الناس رافعًا صوته: ربنا إنا نعوذ بك من الشيطان الرجيم -في المكتوبة- وإذا فرغ من أم القرآن (١). هكذا جاء في المسند "وإذا فرغ" بواو قبل إذا. والذي رواه البيهقي في السنن والآثار (٢): "إذا فرغ من أم القرآن" بغير واو وهو الظاهر والصواب إن شاء اللَّه -تعالى-، لأنه مع إثبات الواو يقتضي أن يكون يستعيذ قبل أم القرآن وبعدها. فإن الواو للعطف وهي تقبل معناه؛ فإذا قال: "وإذا فرغ" يستدعي وجودها معطوفًا عليه. والخلاف في الاستعاذة، إنما هو في محله قبل الفاتحة أو بعدها. فأما في الجمع بين الحالين فلا. "عاذ" بالشيء يعوذ به: إذا التجأ إليه وكذلك: استعذت به، وقال: عياذي وملاذي أي ملجأي. و"الشيطان" في الأصل: العاتي المتمرد من الجن والإنس والدواب، والوارد به إذا أطلق إبليس -لعنه اللَّه- وشياطين الجن، فإذا أريد إطلاقه على غير الجن

стр. 538

قيل: شيطان الإنس، وهو من شطن إذا بعد، والنون فيه أصلية ووزنه فيعال، وقيل: هي زائدة ووزنه فعلان فيكون من شيط إذا أحرق، أو من قولهم: استشاط فلان غضبًا إذا اشتد والتهب. و"الرجيم": المرجوم فعيل بمعنى مفعول، وهو الملعون المْبعد. و"أم القرآن": فاتحة الكتاب وسيجيء معنى تسميتها فيما بعد. و"المكتوبة": صلاة الفريضة. والذي ذهب إليه الشافعي: أنه يستحب أن يتعوذ قبل القراءة وبعد دعاء الاستفتاح في الفرض والنفل. وبه قال أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وقال مالك: لا يتعوذ في المكتوبة؛ ويتعوذ في قيام رمضان. وحكى عن النخعي، وابن سيرين أنهما كانا يتعوذان بعد القراءة، عملًا بظاهر لفظ القرآن وهو قوله -تعالى- ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (١) فعقَّب القراءة بالاستعاذة. والأكثرون على خلاف ذلك، فإن الإجماع منعقد على أن قول اللَّه ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٢) أن الوضوء قبل الصلاة فكذلك التعوذ. ولفظ التعوذ عند الشافعي: "أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم" بلفظ القرآن، وبه قال أبو حنيفة. قال الشافعي: وأي كلام استعاذ به أجزأه. وقال الثوري: يزيد على هذا اللفظ إن اللَّه هو السميع العلم.

стр. 539

وقال الحسن بن صالح: يقول: أعوذ باللَّه السميع العلم من الشيطان الرجيم. وحكي ذلك عن ابن سيرين. والمذهب: أنه يسر بها في الصلاة السرية، وهو في الجهرية مُخَيَّر، وهو مستحب في أول كل ركعة والأولى آكد. وقال الحسن البصري، والنخعي، وعطاء بن أبي رباح، والثوري: يجزئه الاستعاذة في أول ركعة. قال الشافعي: وكان ابن عمر يتعوذ في نفسه، وأيهما فعل أجزأه. قال: ولا نأمر به في شيء من الصلاة أمري به في أول ركعة. النوع الثاني في البسملة أخبرنا الشافعي: أخبرنا [عبد] (١) المجيد، عن ابن جريج قال: أخبرنى أبي، عن سعيد بن جبير ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (٢) هي أم القرآن، قال أبي: وقرأها عليَّ سعيد بن جبير حتى ختمها، ثم قال: بسم اللَّه الرحمن الرحيم الآية السابعة، قال سعيد: قرأها ابن عباس كما [قرأتها] (٣) عليك، ثم قال بسم اللَّه الرحمن الرحيم الآية السابعة، وقال ابن عباس: فدخرها لكم فما أخرجها لأحد قبلكم". قال الشافعي في كتاب البويطي: قال اللَّه : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (٤) هي أم القرآن أولها بسم اللَّه الرحمن الرحيم.

стр. 540

وهذا التفسير: روي عن علي بن أبي طالب من قوله، وعن أبي هريرة مرفوعاً وموقوفًا، وعن محمد بن كعب القرظي (١). وقال البويطي: أخبرني غير واحد، عن حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أن رسول اللَّه ﷺ "كان إذا قرأ بأم القرآن بدأ بسم اللَّه الرحمن الرحيم فعدها آية، ثم قرأ الحمد للَّه رب العالمين بعد ست آيات" (٢) وبمعنى ذلك رواه جماعة عن ابن جريج من غير هذا الوجه. وقد ثبت بالروايات الصحيحة عن ابن عباس، أنه كان يعد "بسم اللَّه الرحمن الرحيم" آية من الفاتحة (٣).

стр. 541

وهذا الحديث إنما أخرجه الشافعي، ليثبت به ما ذهب إليه من كون البسملة آية من الفاتحة. وقد صرح بها ابن عباس في هذا الحديث، حيث قال: بسم اللَّه الرحمن الرحيم الآية السابعة. والسبع المثاني: قد اختلف العلماء فيها. والذي ذهب إليه الأكثرون منهم: أنها فاتحة الكتاب، وروي ذلك عن النبي ﷺ وعلي بن أبي طالب؛ وعبد اللَّه بن مسعود، وابن عباس؛ وأبي هريرة، وأبي ابن كعب، وأبي سعيد بن المعلى. وقال آخرون: السبع المثاني هي السور الطول: البقرة، وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف، والسابعة سورة الأنفال وبراءة جعلها بمنزلة سورة واحدة من الطول. وقال آخرون: السبع المثاني هي كل القرآن. والوجه الأول (١)، وأدل شيء عليها أن قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ في سورة الحجر وهي مكية والسور الطول إنما نزلت بالمدينة. إذا ثبت هذا فنقول: إنما سميت سبعًا لأنها سبع آيات. وقيل: لأن فيها سبع آداب كل آية لأدب، وهي: الحمد للَّه؛ والثناء

стр. 542

بصفات الذات وبصفات الأفعال، والعبادة، والاستعانة، وطلب الهداية، والتبري من حال الكافرين. وإنما سميت المثاني: لأنها في كل صلاة يقال ثَنَّيْتُه إذا رددته وليست هذه الخاصية لغيرها من السور. وقيل فيهما أقوال أخرى غير ذلك. و"المثاني": جمع مثنى. و"مِنْ " في قوله: "من المثاني" للبيان، وإنما عطف القرآن العظيم على قوله: "سبعًا" والسبع قرآن لأن القرآن اسم يقع على البعض كما يقع على الكل. وأما عدد هذه الآيات السبع، فقد اختلف فيه. فالذي ذهب إليه أهل مكة، والكوفة وهو قول الشافعي: أن البسملة الآية الواحدة من الفاتحة؛ والثانية: العالمين؛ والثالثة: الرحيم؛ والرابعة: الدين؛ والخامسة: نستعين؛ والسادسة: المستقيم؛ والسابعة: الضالين. وتفصيل القول في المذهب: أن البسملة عند الشافعي آية من الفاتحة ومن كل سورة إلا براءة. وحكى عنه قول آخر: أنها آية من الفاتحة تحسب، وروي ذلك عن الزهري، وعطاء، وابن المبارك، وأبي عبيد، وأبي ثور. وقال مالك، وأبو حنيفة، وداود، والأوزاعي: إنها ليست من القرآن إلا في سورة النمل. وقال الكرخي: إنها آية في مكانها ليست من السور، وروي ذلك عن أحمد. وروي عنه: أنها من الفاتحة.

стр. 543

وقوله: "هي أم القرآن" تفسير السبع المثاني. ومعنى قول ابن عباس، وابن جبير: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الآية السابعة وأنها هي الأولى، يريد أن الفاتحة سبع آيات وهي آية من السبع، أي أن الفاتحة بها كملت سبع آيات؛ وإن كانت في الوضع هي الأولى، فلولاها كانت ست آيات. وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، من جعل البسملة من الفاتحة ومن لم يجعلها؛ أن موضعها في التلاوة في الأول. ومن أحسن ما استدل به من ذهب إلى أن البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة سوى سورة براءة؛ إجماع الصحابة على إثباتها في أوائل السور في جميع المصاحف من غير استثناء، وأنهم لم يدخلوا في المصاحف شيئًا سوى القرآن؛ حتى احترزوا من النقط والإعراب، وحتى قيل: إن إثبات النقط والإعراب في المصاحف بدعة لم يعرفها الصحابة ولا كانت في المصاحف، وإنما فعلوا ذلك نفيًا أن يكتبوا مع القرآن شيئاً ليس منه، فكيف بهم وقد احترزوا من مثل هذا الأمر السهل أن يكتبوا في المصاحف مائة وثلاث عشرة آية ليست من القرآن؟. ومما يؤكد ذلك [] (١) حديث عثمان بن عفان سؤال ابن عباس إياه، قال: قلت له: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني -وإلى براءة- وهي من المائين -فقرنتم بينهما, ولم تكتبوا سطر بسم اللَّه الرحمن الرحيم [و] (٢) وضعتموها في السبع الطول؟. فقال عثمان: إن رسول اللَّه ﷺ كان يأتي [عليه] (٢) الزمان؛ تنزل عليه السور ذوات عدد؛ فكان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من كان يكتب

стр. 544

فيقول: "ضعوا هذه في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا" وتنزل عليه الآية فيقول: "ضعوا هذه في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا" فكانت الأنفال من أوائل ما أنزل بالمدينة وبراءة من آخر القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فقبض رسول اللَّه ﷺ ولم يبين لنا أنها منها؛ فظننا أنها منها فمن ثم قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر "بسم اللَّه الرحمن الرحيم". وقال ابن عباس: كان النبي ﷺ لا يعلم ختم السورة حتى تنزل "بسم اللَّه الرحمن الرحيم" (١). وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثنا صالح مولى التوأمة أن أبا هريرة [كان يفتتح الصلاة ببسم اللَّه الرحمن الرحيم] (٢) وقد رواه حرملة

стр. 545

ابن يحيى، عن عبد اللَّه بن وهب، عن حيوة، عن خالد بن يزيد، عن سعيد ابن أبي هلال، عن نعيم المجمر (١) قال: صليت وراء أبي هريرة فقال: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم" ثم قرأ بأم القرآن، حتى إذا بلغ "غير المغضوب عليهم ولا الضالين" قال: آمين، وقال الناس: آمين، فلما ركع قال: اللَّه أكبر وذكر التكبير في كل خفض ورفع وقيام وقعود، فلما سلم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاةً بنبيِّ اللَّه (٢). وروى البويطي: عن عمر بن الخطاب، وعن رجال من أصحاب رسول اللَّه مثل ذلك أخرج الترمذي (٣): عن أحمد بن عبدة، عن المعتمر بن

стр. 546

سليمان قال: حدثني إسماعيل بن حماد، عن أبي خالد الوالبي، عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ يفتتح صلاته: بسم اللَّه الرحمن الرحيم. والباء في "بسم اللَّه" إما للابتداء، أو للاستعانة، أو للملابسة التقدير: ابتدأت باسم اللَّه، أو استعنت على قراءتي باسم اللَّه، أو قرأت متبركًا ملتبسًا باسم اللَّه. ثم لما كثر الاستعمال وصارت الباء كأنها من نفس الكلمة حتى أنه احتاج لّما أراد أن يعدي الافتتاح إلى البسملة في قوله: "كان يفتتح الصلاة" أدخل بالتعدية على "بسم اللَّه" كما هي والباء فيها فصارت ببسم اللَّه؛ فجمع بين بائين زائدتن؛ وإنما حسن له ذلك كثرة الاستعمال؛ وَإِلْف الأسماع لها مقترنة بها غير عارية منها؛ حتى إنهم لكثرة مصاحبتها في الأسماع لما صرَّفوا من اللفظ كلمة، صرفوا من الباء والاسم واللَّه جميعًا، فقالوا: البسملة وإلا فالقياس أنه كان يقول: يفتتح الصلاة "ببسم اللَّه الرحمن الرحيم". وأخبرنا الشافعي: عن مسلم وعبد المجيد عن [عن] (١) بن جريج، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان لايدع بسم اللَّه الرحمن الرحيم لأم القرآن والسورة التي بعدها. هذا الحديث هكذا أخرجه الشافعي من رواية ابن جريج، عن نافع (٢). وقد رواه كذلك عبيد وعبد اللَّه ابنا عمر، وجويرية بن أسماء، وأسامة بن زيد وغيرهم، عن نافع، عن ابن عمر. وفي رواية عبيد اللَّه: بيان جهره بها في الفاتحة والسورة جميعًا.

стр. 547

وكذلك رواه غير نافع، عن ابن عمر. وكان عبد اللَّه بن الزبير يفعله؛ وكان أَخَذَها عن أبي بكر الصديق. وقد روي عن حميد الطويل: عن بكر بن عبد اللَّه قال: كان ابن الزبير يفتتح القراءة في صلاته ببسم اللَّه الرحمن الرحيم ويقول: ما يمنعهم منها إلا الكِبْر. وقال الشافعي -في من حرملة: "كان ابن عباس يفعله ويقول: نَزَعَ الشيطان منهم خير آية في القرآن". وفي قول نافع: "أنه كان لا يدع بسم اللَّه الرحمن الرحيم" دليل على شدة محافظته عليها وتعهده لها، فإنها لو لم تكن عنده بمكانة من الوجوب لما حافظ عليها حتى لايدعها؛ ثم سوى فيه بين الفاتحة وغيرها من السور. وقوله: "السورة التي بعدها" لا يريد سورة مخصوصة هي بعدها في الموضع والكتابة، وإنما يريد بها السورة التي يقرؤها بعدها في الصلاة، أي سورة كانت، هذا إذا ابتدأ بأول السورة، فأما إذا لم يبتدئ بأولها فلا يقرأ قبلها "بسم اللَّه الرحمن الرحيم". وسنذكر المذهب في ذلك. و"السورة": طائفة من القرآن أقلها ثلاث آيات، فإن كانت واوها أصلية فإما أن تكون من سُور المدينة؛ لأنها طائفة من القرآن محدودة محوزة على انفرادها بأول وآخر، كالبلد المسور، ولأنها محتوية على فنون من العلوم، وأجناس من الفوائد، كاحتواء سور المدينة على ما فيها. وإما أن يكون من السورة المرتبة والمنزلة؛ لأن السور بمنزلة المراتب، أو لرفعة بنائها وجلالة قدرها في الدين. وآكدها (١) منقلبة عن همزة، ولأنها قطعة من

стр. 548

القرآن كالسور البقية من الشيء والقطعة منه، وجمع السورة سُوَر مثل: ظُلْمة وظُلَم، وهذا مطرد في بابه. أخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد المجيد، عن ابن جريج قال: [أخبرني] (١) عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم، أن أبا بكر بن حفص بن عمر أخبره أن أنس بن مالك قال: صلى معاوية بالمدينة صلاة [فجهر] (٢) فيها بالقراءة، فقرأ "بسم اللَّه الرحمن الرحيم" لأم القرآن، ولم يقرأ لها للسورة التي بعدها حتى قضى تلك القراءة، ولم يكبر حين يهوي حتى قضى تلك الصلاة، فلما سَلَّمَ ناداه من سمع ذلك من المهاجرين من كل مكان: يا معاوية، أسرقت الصلاة أم نسيت؟ فلما صلى معاوية بعد ذلك قرأ "بسم اللَّه الرحمن الرحيم" للسورة التي بعد أم القرآن، فكبر حين يهوى ساجدًا. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه: أن معاوية قدم المدينة فصلى بهم ولم يقرأ "بسم اللَّه الرحمن الرحيم"، ولم يكبر إذا خفض وإذا رفع؛ فناداه المهاجرون حين سلم والأنصار: يا معاوية، أسرقت الصلاة؟ أين "بسم اللَّه الرحمن الرحيم"؟ وأين التكبير إذا خفضت وإذا رفعت؟! فصلى بهم صلاة أخرى، فقال ذلك فيها الذي عابوا عليه. أخبرنا الشافعي: أخبرنا يحيى بن [سليم] (٣)، عن عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، أن معاوية والمهاجرين والأنصار مثله أو مثل معناه لا يخالفه.

стр. 549

وأحسب هذا الإسناد أحفظ من الإسناد الأول (١). هذا الحديث اعتمد عليه الشافعي: بإجماع أهل المدينة من المهاجرين والأنصار في أمر البسملة؛ وأنها من أم القرآن ووجوب قراءتها. ولقد أتى بما حقق غرضه وأثبت مذهبه، لاسيما وقد أنكر المهاجرون والأنصار على معاوية ترك البسملة في أول السورة غير الفاتحة؛ ومعاوية يومئذ صاحب الأمر وذو الحكم، وكان الناس من سطوته خائفين؛ ومن بأسه جد حذرين، فلم يسامحوا أنفسهم ولا رأوا في أديانهم أن يقروه على أمر خالف فيه السنة، حتى إنهم أنكروا ذلك عليه أشنع إنكار بقولهم: أسرقت الصلاة أم نسيت؟.

стр. 550

ولو لم يكن الجهر بالبسملة راسخًا في نفوسهم متيقنًا لديهم مألوفًا عندهم مستمرًّا في صلاتهم؛ لما بادروا إلى الإنكار عليه. ولو لم يكن معاوية قد ترجح في نظره صدقهم؛ وثبت عنده صحة إنكارهم؛ لما رجع إلى ما قالوه ولا وافقهم على ما عابوه. وبعد ذلك موافقة من قد كان حاضرًا في المسجد، ممن سمع إنكارهم فلم يرده وهم بين أمرين: إما موافق قولًا واعتقادًا. وإما ساكت مقر لمن أنكر على ما أنكره. وكلا الأمرين يعضد صحة ذلك. وقوله: "صلى صلاة يجهر فيها" وفي نسخة "فجهر فيها" أما الجهر -بالياء: فإنه يريد به صلى صلاة جهرية، فوصف الصلاة بالفعل المستقبل. وأما قوله: فجهر -بالفاء- فإنه عطف على صلى. و"الجهر": ضد الإخفاء وجهر بكلامه أي رفع صوته، وهو رجل جهوري تقول منه: جهر الرّجل -بالضم- فهو جهير. وقوله: "قرأها لأم القرآن دون السورة" يريد أنه ابتدأ في أول الفاتحة بالبسملة؛ ولم يبدأ بها في أول السورة التي قرأها بعد الفاتحة. و"اللام " في "لأم القرآن" "وللسورة" لام التخصيص؛ أو "لام" أجل؛ والأول أحسن. وقوله: "لم يكبر حين يهوى" يريد حين يخر راكعًا وساجدًا. "هوى" -بالفتح- يهوي -بالكسر- إذا وقع من عال إلى أسفل وقوله: "إذا اخفض وإذا رفع" يريد إذا ركع وسجد وإذا قام من الركوع والسجود.

стр. 551

وقوله: "فقال ذلك فيها" يريد ما أنكروه عليه من ترك البسملة والتكبير. وقوله: "الذي عابوا عليه" هو بدل من ذلك، لأنه لما قال: "فقال ذلك فيها" رأى أنه لم يفصح عن الغرض، فربما سبق الوهم إلى البسملة دون التكبير، أو إلى التكبير دون البسملة، فأبدل منه فقال: الذي عابوا عليه، فتحقق أنه قال: البسملة والتكبير. و"العيب" و "العاب" بمعنى، تقول: عبته وعبت عليه يتعدى ولا يتعدى، أي صار ذا عيب ويجوز أن يكون أراد عيب قوله أو فعله عليه فعداه إلى مفعوله، ثم لما أراد أن يضيف إليه ذِكْرَ المعيب جاء بحرف الجر ليتعدى إليه فقال: عبت فعله عليه. والفرق بين "ياء" و "أي" في النداء، أن أي ينادى بها من كان أقرب مسافة ممن ينادي بيا. وقوله: "أسرقت الصلاة" أي أخذت بعضها فكتمته. وقد جاء مثل هذا عن النبي ﷺ فيما رواه النعمان بن مرة أن رسول الله ﷺ قال: "ما ترون في الشارب، والزاني؛ والسارق"؟ -وذلك قبل أن ينزل فيهم الحدود- قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "هن فواحش، فيهن عقوبة، وأسوأ السرقة الذي يسرق في الصلاة" قالوا: وكيف يسرق صلاته يا رسول الله؟ قال: "لا يتم ركوعها ولا سجودها" (١).

стр. 552

فسمى النقص الذي يدخل الصلاة سرقةً، كما سموه في هذا الحديث. قال الشافعي: وقوله: "فصلى بهم صلاة أخرى" يحتمل: أن يكون أعادها، ويحتمل أن تكون الصلاة التي تليها. وإنما قال الشافعي: وأحسب هذا الإسناد أحفظ من الأول، لأن اثنين روياه عن ابن خثيم عن إسماعيل، ولذلك رواه إسماعيل بن عياش، عن ابن خثيم، إلا أنه قال: عن إسماعيل بن عبيد، عن أبيه، عن جده. ورواه عبد الرزاق: عن ابن جريج، كما رواه عنه عبد المجيد بن عبد العزيز. وابن جريج حافظ ثقة، إلا أن الذين خالفوه عن ابن خثيم -وإن كانوا غير أقوياء- عدد (١). ويحتمل: أن يكون ابن خثيم سمعه من الوجهين معًا. والذي ذهب إليه الشافعي: أن قراءة البسملة قبل "الحمد لله رب العالمين" فرض لا تصح الصلاة إلا بها كباقي الفاتحة. وسنذكر المذهب في الفاتحة بعد هذا. ثم الجهر بها في الصلاة الجهرية قبل الفاتحة وقبل السورة مستحب. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وابن الزبير، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة. وإليه ذهب عطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، ومجاهد. وقالت طائفة: لا يجهر بها، وإليه ذهب علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وعمار. وهو مذهب: الثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وأحمد، وأبي عبيد.

стр. 553

وقال مالك: المستحب أن لا يقرأها. وقال الحكم، وابن أبي ليلى، وإسحاق: إن جهرت بها فحسن وإن أخفيت فحسن. واستحب أبو حنيفة قراءتها قبل الفاتحة مع الإخفاء دون السورة. ***

стр. 554

النوع الثالث في الفاتحة أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن محمود بن [الربيع] (١)، عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا الموطأ. فأما البخاري (٢): فأخرجه عن علي بن عبد الله، عن سفيان بالإسناد واللفظ. وأما مسلم (٣): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد، وإسحاق بن إبراهيم جميعًا عن سفيان بالإسناد واللفظ. وفي أخرى: عن أبي الطاهر وحرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري بالإسناد قال: "لا صلاة لمن لم يقترئ بأم القرآن". وفي أخرى: عن الحسن بن علي الحُلْواني، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح، عن الزهري بالإسناد نحوه. وفي أخرى: عن إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري مثله، وزاد: "فصاعدًا". وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن قتيبة بن سعيد، وابن السرح، عن سفيان بالإسناد واللفظ وزاد: "فصاعدًا". وأما الترمذي (٥): فأخرجه عن ابن أبي عمر وعلي بن حجر، عن سفيان

стр. 555

بالإسناد واللفظ. وأما النسائي (١): فأخرجه عن محمد بن منصور، عن سفيان بالإسناد واللفظ. وفي أخرى: عن سويد بن نصر، عن عبد الله عن معمر، عن الزهري مثله وزاد: "فصاعدًا" هؤلاء كلهم أخرجوا الحديث ولم يذكروا فيه "فيها" إلا الشافعي (٢). وفي ذكرها فائدة وإيضاح وبيان، فإن قوله: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحه الكتاب" وإن كانت قرينة الحال والعلم بها يدلان على أنه يريد القراءة في الصلاة، ولكن لا كدلالة قوله "فيها" فإن ذلك الوهم يزول، ويصير اللفظ مطابقًا للمعنى دالًّا عليه دلالة واضحة لا يحتاج أن تعلم بقرينة حال ولا علم سابق. وقوله: "لا صلاة" نفي مستغرق كقولك: "لا رَجُلَ في الدار" فلا يجوز أن يكون فيها رجل البتة؛ ولا أقل منه ولا أكثر منه. وكذلك "لا صلاة" تدل أنه ليس للصلاة العارية من قراء الفاتحة وجود ولا اعتبار، كأنها لعدم صحتها والاعتداد بها؛ صارت كأنها معدومة بالنفي المستغرق. والمنفي بعد هذه لا يُبْنَى على الفتح أبدًا، وقد اختلف أهل الأصول في مثل هذا النفي إذا وقع في الشرع، على ماذا يحمل؟ بعضهم يُلْحِقُهُ بالمجملات لأن نصه يقتضي نفي الذات، ومعلوم ثبوتها حِسًّا فقد صار المراد مجهولًا.

стр. 556

وهذا الذي قالوه خطأ؛ فإن المعلوم من عادة العرب: أنها لا تضع هذا لنفي الذات في كل مكان؛ وإنما تورده مبالغة فيذكر الذات ليحصل لها ما أرادت من المبالغة. وقال آخرون: بل يحمل على نفي الذات وسائر أحكامها، ويخص الذات بالدليل على أن رسول الله ﷺ لا يكذب. وقال قوم: لم تقصد العرب إلى نفي الذات، ولكن لنفي أحكامها ومن أحكامها الكمال والإجزاء، فيحمل اللفظ على العموم منها. وأنكر هذا بعض المحققين؛ لأن العموم لا يصح دعواه فيما يتنافى، ولا شك أن نفي الكمال يشعر بحصول الإجزاء، فإذا قُدِّر الإجزاء منتفيًا بحق العموم، قُدِّر ثابتًا بحق إشعار نفي الكمال بثبوته، وهذا يتناقض وما يتناقض لا يحمل الكلام عليه. وصار المحققون إلى التوقف بين نفي الإجزاء ونفي الكمال، وادعوا الاحتمال من هذه الجهة، لا مما قاله الأولون. فعلى هذه المذاهب يخرج قوله ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب" (١).

стр. 557

وإنما سميت فاتحة الكتاب: لأنها مكتوبة في أول القرآن فهي التي يُفْتتح القرآن بها. وإنما سميت أم القرآن، وأم الكتاب: لأنها مقدمة أيضًا على سوره كالإمام، أو لأنها مجمع الخيرات كما يقال للدماغ: أم الرأس؛ لأنه مجمع الحواس. و"القراءة": معروفة وهي القرء: الجمع، ومنه سمي القرآن، تقول: قرأت الكتاب قراءة وقرآنًا، وتقول: قرأ سورة كذا وبسورة كذا. و"الباء": زائدة. و"الكتاب": مصدر كتبت أكتب كتابًا، كما تقول: حسبت حسبانًا، فالكتاب هو المكتوب، وهو اسم لكل ما يكتب إلا أن الاستعمال الشرعي وكثرته جعله خاصًّا بالقرآن العزيز من بين الكتب. وقوله في رواية مسلم: "لمن لم يقترئ" الاقتراء: افتعال من القراءة. وقوله: "فصاعدًا" أي فزائدًا عليه، تقول: بعت الثوب بدينار فصاعدًا أي فزاد الثمن صاعدًا، وهو منصوب على الحال (١). والذي ذهب إليه الشافعي: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة؛ لا تصح الصلاة إلا بها. وهو قول عمر بن الخطاب، وجابر بن عبد الله، وعمران بن حصين، وعثمان بن أبي العاص، وخوات بن جبير، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وابن عباس، وغيرهم من الصحابة. وبه يقول الثوري، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وابن المبارك، وأبو ثور، وداود.

стр. 558

وقال أبو حنيفة: الواجب آية واحدة من القرآن. وقال أبو يوسف ومحمد: ثلاث آيات أو آية كبيرة. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج فهي خداج". هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم، والموطأ، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. فأما الموطأ (١): فأخرجه عن العلاء، عن أبي السائب -مولى هشام بن زهرة- عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، هي خداج، هي خداج غير تمام" قال: قلت: يا أبا هريرة إني أحيانًا أكون وراء الإمام؟ قال: فغمز ذارعي ثم قال: اقرأ بها في نفسك يا فارسي، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله ﵎: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين" وذكر حديثًا طويلًا. وقد رواه الشافعي في سنن حرملة: عن مالك. قال حرملة: قال الشافعي: الحفاظ يروونه عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه يخالفون مالكًا، ومالك يرويه عنه عن أبي السائب. قلت: وهذا الحديث يرويه عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة (٢): شعبة بن الحجاج، وابن عيينة، وروح بن القاسم، وأبو غسان: محمد بن مطرف، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وإسماعيل بن جعفر، ومحمد بن يزيد البصري، وجهضم بن عبد الله.

стр. 559

ورواه مالك، وابن جريج، ومحمد بن إسحاق بن يسار، والوليد بن كثير، ومحمد بن عجلان، عن العلاء، عن أبي السائب، وكلاهما صحيح. وأما مسلم (١): فأخرجه عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، عن سفيان بالإسناد قال: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثًا -غير تمام"، وذكر مثل رواية مالك وأخرجه أيضًا: عن قتيبة، عن مالك بالإسناد. وعن محمد بن رافع: عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن العلاء بالإسناد. وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك بإسناده ولفظه. وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن قتيبة، عن عبد العزيز بن محمد، عن العلاء مثل مسلم بطوله. وأما النسائي (٤): فأخرجه عن قتيبة، عن مالك بإسناده ولفظه. قوله: "كل صلاة" لفظ عام يدخل فيه الفريضة والنافلة والفرادى والجماعة، لأن لفظة "كل" تفيد العموم، و "كل" رفع بالابتداء، واحتاج في هذا الحديث إلى ذكر "فيها" ليعود الضمير إلى المبتدأ، فلو أسقطه لم يجز، بحيث إنه لو قال: "كل صلاة لم يقرأ بفاتحة الكتاب" لم يصح ولا كان اللفظ مستقيمًا حتى يقول: "فيها". و"الخداج": الناقص نَقْصَ فسادٍ وبُطْلان، تقول العرب، أخدجت الناقة، إذا ألقت ولدها وهو دم لم يتبينَّ خلقه. وقيل: ألقته ناقصَ الخَلْقِ وإن كانت أيامه تامة فهو مخدج.

стр. 560

والولد مخدج، وخدجت تخدج خداجًا فهي خادج، والولد خديج، وكِلَا المعنيين دائر على نقص مفسد: إما في تمام الأيام، أو في تمام الخلقة. وقوله: "فهي خداج" أي وهي ذات خداج لأن الخداج مصدر، والمصدر لا يوصف به إلا بذي للمذكر؛ وذات للمؤنث تقول: مررت برجل ذي قيام، وامرأة ذات قيام. والفاء في "فهي" لا حاجة إليها، وإن كان لوجودها أثر صالح وفائدة حسنة، لأن خبر المبتدأ لا يحتاج إلى فاء تقول: كل عبد لي حر، وعليه قوله تعالى ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (١). و ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٢). فأما دخولها في هذا الموضع وأمثاله، فإنما يكون مع الإشمال (٣) له يتضمن نوعًا من الشرط، ولها موضعان: أحدهما: الأسماء الموصولة إذا كانت صلتها فعلًا وظرفًا كقوله تعالى ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (٤) وكقوله قوله ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ (٥). وأما قوله ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٦) وأمثاله فإن الخبر عند سيبويه محذوف تقديره: وما يتلى عليكم السارق والسارقة. والمُبَرِّد يحمله على الباب. والموضع الثاني: النكرات الموصوفة إذا كانت صفتها فعلًا وظرفًا كقولك: كل رجل يأتيني فله درهم، وكل رجل في الدار فله درهم، وهذا الحديث هو من النكرة الموصوفة بالفعل. والفرق بين دخول الفاء وعدمها أن الدرهم مع الفاء يُسْتَحَقُّ بالإتيان ولا

стр. 561

يُسْتَحَقُّ مع عدمه؛ ويتنزل منزلة الإخبار كقولك: زيد له درهم، وكل لك. قوله: "كل صلاة لم يُقْرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج". فإن النقص لهذه الصلاة لازم موجود بدخول الفاء، لا في الكلام من معنى الشرط كأنه قال: إن صليت بغير فاتحة الكتاب فصلاتك ناقصة، فدخولها الفاتحة آكد وأقوى من عدمها، ويدل على صحة ذلك ما جاء في رواية الجماعة "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" فجاء بمن التي هي للشرط مصرحا بهًا فأجابها بالفاء، ثم تكرار قوله: "فهي" مما يؤكد نقصها وبطلانها، لأنه لو لم يكن عنده ذلك مؤثرًا لما كرره وأكده. وكذلك قوله: "غير تمام" تأكيد للنقص حتى يفهمه كل من سمعه؛ فإذا جمع في الإخبار بن إثبات الشيء ونفي ضده؛ كان آكد له وأثبت وأصح عند السامعين. والذي ذهب إليه الشافعي: أن المأموم يجب عليه قراءة الفاتحة في السرية والجهرية، إلا في ركعة المسبوق. ونقل المزني: سقوطها عنه في الجهرية. وبه يقول الأوزاعي، وابن عون، وأبو ثور. وقال أبو حنيفة: لا يجب عليه قراءة شيء من القرآن رأسًا، وإليه ذهب سفيان الثوري، وابن عيينة، وجماعة من الكوفة. وقال الزهري، ومالك، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق: يجب عليه في السرية ولا يجب في الجهرية؛ سواء سمع المأموم قراءة الإمام أو لم يسمع. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن أيوب، عن قتادة، عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان يفتتحون القراءة "بالحمد لله رب العالمين". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة.

стр. 562

فأما مالك (١): فأخرجه عن حميد الطويل، عن أنس قال: قمت وراء أبي بكر وعمر وعثمان وكلهم كان لا يقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم" إذا افتتحوا الصلاة. وأما البخاري (٢): فأخرجه عن حفص بن عمر، عن شعبة، عن قتادة بالإسناد واللفظ ولم يذكر عثمان. وأما مسلم (٣): فأخرجه عن محمد بن المثنى وابن بشار كليهما عن غندر (٤) محمد بن جعفر، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس قال: صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع [أحدًا] (٥) منهم يقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم". وفي أخرى: عن محمد بن مهران الرازي، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن قتادة، عن أنس قال: صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، ولا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها. وأما أبو داود (٦): فأخرجه عن مسلم بن إبراهيم، عن هشام، عن قتادة بالإسناد ولفظ الشافعي.

стр. 563

وأما الترمذي (١): فأخرجه عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن قتادة بالإسناد واللفظ. وأما النسائي (٢): فأخرجه مثل الترمذي، ولم يذكر عثمان. وفي أخرى: عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري، عن سفيان، عن أيوب بإسناد الشافعي؛ قال: صليت مع النبي ﷺ ومع أبي بكر وعمر فافتتحوا بالحمد. وقد روى المزني: عن الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن حميد قال: سمعت أنس بن مالك يقول: "كان أبو بكر وعمر يفتتحان القراءة بالحمد لله". قال: أخبرنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، عن حميد، عن أنس "أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر، وعثمان كانوا يستفتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين". قال الشافعي: في سنن حرملة -فإن قال قائل: قد روى مالك، عن حميد، عن أنس: "صليت وراء أبي بكر وعمر وعثمان كلهم لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم". قيل له: خالفه سفيان بن عيينة، والفزاري، والثقفي، وعدد لقيتهم سبعة أو ثمانية متفقين مخالفين له، والعدد الكثير أولى بالحفظ من واحد، ثم رجح روايتهم بما رواه الربيع وهي الرواية الأولى. ثم قال: معنى يبدأون بقراءة أم القرآن، قيل: ما يقرأ بعدها، والله أعلم- ولا يعني أنهم يتركون بسم الله الرحمن الرحيم.

стр. 564

قال البيهقي: هكذا رواه أكثر [أصحاب] (١) قتادة، عن قتادة، عن أنس. وكذا رواه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة وثابت البناني، عن أنس، يعني كما رواه الشافعي. ولم يتعرضوا في روايتهم إلى ذكر بسم الله الرحمن الرحيم، إنما يقولون: كانوا يفتتحون الصلاة "بالحمد لله رب العالمين". قال الدارقطني: هذا هو المحفوظ عن قتادة وغيره، عن أنس وقال الدراقطني بإسناده: قال: سألت أنس بن مالك أكان رسول الله ﷺ يفتتح بِـ "الحمد لله رب العالمين" أو بِـ "بسم الله الرحمن الرحيم"؟ فقال إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه وما سألني عنه أحد قبلك، قلت: أكان رسول الله ﷺ يصلي في النعلين؟ قال: نعم (٢).

стр. 565

وفي هذا دلالة على أن مقصود أنس بن مالك بما رواه الشافعي وغيره عن قتادة عنه؛ ما ذكر الشافعي من تأويل قوله والله [أعلم] (١). وقد روى البيهقي (٢) بإسناده: عن محمد بن أبي السري العسقلاني قال: صليت خلف المعتمر بن سليمان ما لا أحصي صلاة الصبح والغرب يجهر ببسم
следующие страницы →