← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

يُسْتَحَقُّ مع عدمه؛ ويتنزل منزلة الإخبار كقولك: زيد له درهم، وكل لك. قوله: "كل صلاة لم يُقْرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج". فإن النقص لهذه الصلاة لازم موجود بدخول الفاء، لا في الكلام من معنى الشرط كأنه قال: إن صليت بغير فاتحة الكتاب فصلاتك ناقصة، فدخولها الفاتحة آكد وأقوى من عدمها، ويدل على صحة ذلك ما جاء في رواية الجماعة "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" فجاء بمن التي هي للشرط مصرحا بهًا فأجابها بالفاء، ثم تكرار قوله: "فهي" مما يؤكد نقصها وبطلانها، لأنه لو لم يكن عنده ذلك مؤثرًا لما كرره وأكده. وكذلك قوله: "غير تمام" تأكيد للنقص حتى يفهمه كل من سمعه؛ فإذا جمع في الإخبار بن إثبات الشيء ونفي ضده؛ كان آكد له وأثبت وأصح عند السامعين. والذي ذهب إليه الشافعي: أن المأموم يجب عليه قراءة الفاتحة في السرية والجهرية، إلا في ركعة المسبوق. ونقل المزني: سقوطها عنه في الجهرية. وبه يقول الأوزاعي، وابن عون، وأبو ثور. وقال أبو حنيفة: لا يجب عليه قراءة شيء من القرآن رأسًا، وإليه ذهب سفيان الثوري، وابن عيينة، وجماعة من الكوفة. وقال الزهري، ومالك، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق: يجب عليه في السرية ولا يجب في الجهرية؛ سواء سمع المأموم قراءة الإمام أو لم يسمع. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن أيوب، عن قتادة، عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان يفتتحون القراءة "بالحمد لله رب العالمين". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة.

стр. 562

فأما مالك (١): فأخرجه عن حميد الطويل، عن أنس قال: قمت وراء أبي بكر وعمر وعثمان وكلهم كان لا يقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم" إذا افتتحوا الصلاة. وأما البخاري (٢): فأخرجه عن حفص بن عمر، عن شعبة، عن قتادة بالإسناد واللفظ ولم يذكر عثمان. وأما مسلم (٣): فأخرجه عن محمد بن المثنى وابن بشار كليهما عن غندر (٤) محمد بن جعفر، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس قال: صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع [أحدًا] (٥) منهم يقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم". وفي أخرى: عن محمد بن مهران الرازي، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن قتادة، عن أنس قال: صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، ولا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها. وأما أبو داود (٦): فأخرجه عن مسلم بن إبراهيم، عن هشام، عن قتادة بالإسناد ولفظ الشافعي.

стр. 563

وأما الترمذي (١): فأخرجه عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن قتادة بالإسناد واللفظ. وأما النسائي (٢): فأخرجه مثل الترمذي، ولم يذكر عثمان. وفي أخرى: عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري، عن سفيان، عن أيوب بإسناد الشافعي؛ قال: صليت مع النبي ﷺ ومع أبي بكر وعمر فافتتحوا بالحمد. وقد روى المزني: عن الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن حميد قال: سمعت أنس بن مالك يقول: "كان أبو بكر وعمر يفتتحان القراءة بالحمد لله". قال: أخبرنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، عن حميد، عن أنس "أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر، وعثمان كانوا يستفتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين". قال الشافعي: في سنن حرملة -فإن قال قائل: قد روى مالك، عن حميد، عن أنس: "صليت وراء أبي بكر وعمر وعثمان كلهم لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم". قيل له: خالفه سفيان بن عيينة، والفزاري، والثقفي، وعدد لقيتهم سبعة أو ثمانية متفقين مخالفين له، والعدد الكثير أولى بالحفظ من واحد، ثم رجح روايتهم بما رواه الربيع وهي الرواية الأولى. ثم قال: معنى يبدأون بقراءة أم القرآن، قيل: ما يقرأ بعدها، والله أعلم- ولا يعني أنهم يتركون بسم الله الرحمن الرحيم.

стр. 564

قال البيهقي: هكذا رواه أكثر [أصحاب] (١) قتادة، عن قتادة، عن أنس. وكذا رواه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة وثابت البناني، عن أنس، يعني كما رواه الشافعي. ولم يتعرضوا في روايتهم إلى ذكر بسم الله الرحمن الرحيم، إنما يقولون: كانوا يفتتحون الصلاة "بالحمد لله رب العالمين". قال الدارقطني: هذا هو المحفوظ عن قتادة وغيره، عن أنس وقال الدراقطني بإسناده: قال: سألت أنس بن مالك أكان رسول الله ﷺ يفتتح بِـ "الحمد لله رب العالمين" أو بِـ "بسم الله الرحمن الرحيم"؟ فقال إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه وما سألني عنه أحد قبلك، قلت: أكان رسول الله ﷺ يصلي في النعلين؟ قال: نعم (٢).

стр. 565

وفي هذا دلالة على أن مقصود أنس بن مالك بما رواه الشافعي وغيره عن قتادة عنه؛ ما ذكر الشافعي من تأويل قوله والله [أعلم] (١). وقد روى البيهقي (٢) بإسناده: عن محمد بن أبي السري العسقلاني قال: صليت خلف المعتمر بن سليمان ما لا أحصي صلاة الصبح والغرب يجهر ببسم

стр. 566

الله الرحمن الرحيم؛ قبل فاتحة الكتاب وبعدها؛ وسمعت المعتمر يقول ما [آلو أن] (١) أقتدى بصلاة أبي، وقال أبي: ما آلو أن أقتدي بصلاة أنس [بن مالك وقال] (١) أنس: ما آلو أن أقتدي بصلاة رسول ﷺ (٢). ورواة هذا الإسناد كلهم ثقات معمول بروايتهم. وَلْنَعُدِ الآن إلى بيان معنى ألفاظ الحديث:- أما قوله: "كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان يفتتحون". فله معنيان:- أحدهما: أنهم كانوا فيما مضى ثم رجعوا عنه، وهذه دلالة لفطة لا طائل

стр. 567

وراءها ولا عمل عليها. والثاني: أنهم كانوا مدة حياتهم وإلى أن ماتوا يفتتحونها بالحمد لله، وعلى هذا المعنى قوله ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ و ﴿كَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ وأمثال ذلك مما جاء في القرآن؛ لم يرد أنه كان ثم زال. و"افتتاح القراءة": هو الابتداء بها، ويريد بها قراءة الصلاة وقد جاء ذلك مصرحًا به في رواية مسلم ومالك وإحدى روايتي النسائي. وقوله: "يفتتحون بالحمد لله رب العالمين" يريد سورة الفاتحة لا سورة أخرى، كما يقال: قرأت البقرة وآل عمران وغيرهما من السور بذكر أسمائها، فأراد أراد أنس أن يعرف الناس أنهم كانوا يفتتحون الصلاة بهذه السورة -ومن أسمائها سورة الحمد- وحينئذ تدخل البسملة فيها ولا يحتاج إلى أن يذكرها؛ لاسيما عند من قال: إنها آية منها. وهذا يوضح ما فسره الشافعي من معنى قول أنس كما رواه. ويجوز أن يكون المعنى: أنهم كانوا يفتتحون بالحمد ويخفون البسملة؛ فالسامع إنما روى ما سمع؛ فليس في كونه لم يسمعها دليل على إسقاطها من التلاوة. والذي جاء في رواية مالك ومسلم الواحدة: "أنهم كانوا لا يقرأون بسم الله الرحمن". فقد تقدم بيان مخالفة أكثر رواة الحديث لهذه الرواية، وإنما لم تجئ إلا من هذا الوجه، فترجح ما كثر رواية أولى وأحرى. وقوله: "فكلهم كان لا يقرأ" يجوز في رد الضمير إلى كل وجهان: تارة مفردًا، وتارة جمعًا، تقول: كل الرجال قام ردًّا إلى اللفظ، وكلهم قاموا ردًّا إلى المعنى، وعليه -قوله تعالى-:

стр. 568

﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ (١) فوَحَّد الضمير وقال: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ (٢) فجمع. و"الحمد": نقيض الذم وهو أعم من الشكر؛ لأن كل شكر حمد، وليس كل حمد شكرًا تقول: حمدت الرجل على إحسانه وشكرته عليه؛ وحمدته على جميل صفاته، ولا تقول: شكرته عليها. واللام في "لله" لام الملك أي هو مستحق الحمد ومالكه، ومجيئها بلام التعريف المستغرقة لجنس الحمد: دليل على أنه خاص به دون غيره؛ وأن غيره ليس فيه نصيب كما تقول: المال لزيد أي: ليس لغيره فيه حق. و"العالمون" جمع عالم وهو واقع في كل موجود على سوى الله تعالى وقيل: هو واقع على الملائكة والإنس والجن وقيل غير ذلك والأول أكثر. وهذا الحديث إنما أخرجه الشافعي ليبيِّن أن من خالفه واستدل بحديث أنس؛ لا دلالة له فيه لما قدمنا ذكره مما حكيناه عن قوله؛ وما عضدناه به من قول الدارقطني والبيهقي وغير ذلك وأن المعتمد في حديث أنس هو ما رواه الشافعي عنه من طريقه، وغيره من الطريق التي لم يتعرض فيها إلى ذكر بسم الله الرحمن الرحيم، والله أعلم. وقد أخرج الشافعي -في سنن حرملة: عن عبد الوهاب بن عبد المجيد، عن الجريري، عن قيس بن عباية -وهو أبو نعامة- عن ابن عبد الله بن مغفل قال: سمعني (٣) أبي وأنا اقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، فقال لي: مه إياك والحدث إني قد صليت مع رسول الله ﷺ ومع أبي بكر وعمر وعثمان؛ فكانوا

стр. 569

يفتتحون بالحمد رب العالمين، ولم أر أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ كان أشد عليه الحدث منه" (١). تفرد به أبو نعامة واختلف عليه في لفظه، كما اختلف في حديث شعبة عن قتادة، عن أنس. وابن عبد الله بن مغفل وأبو نعامة لم يحتج بهما صاحبا الصحيح، وقد عارضه الشافعي بحديث أنس وغيره في قصة معاوية -والله أعلم-.

стр. 570

النوع الرابع في التأمين أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي [سلمة] (١) أنهما أخبراه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أمّنَ الإمام فأمِّنُوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه". قال ابن شهاب: وكان النبي ﷺ يقول: آمين. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك قال: أخبرني سُمَي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال " [إذا قال] (٢) الإمام ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: "آمين"، فإنه من وافق قولُه قولَ الملاتكةِ غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قال أحدكم آمين، وقالت الملائكة في السماء آمين فوافقت إحداهما الأخرى؛ غفر له ما تقدم من ذنبه". أخرج الشافعي هذه الروايات الثلاث في كتاب "استقبال القبلة". وعاد، أخرج الرواية الأولى بإسنادها في كتاب "اختلافه مع مالك" (٣). وقد روى عنه المزني أيضًا قال: حدثنا الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة بمثله وقال: "فإن الملائكة تؤمن" ولم يذكر قول الزهري. والحديث في نفسه حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة. فأما مالك (٤): فأخرج الرواية (٥) إسنادًا ولفظًا.

стр. 571

وأما البخاري (١): خرج الأولى والثالثة عن عبد الله بن يوسف، عن مالك بالإسناد واللفظ. وأخرج الرواية الثانية: عن القعنبي، عن مالك. وأما مسلم (٢): فأخرج الرواية الأولى عن يحيى بن يحيى، عن مالك وأخرج الثانية: عن قتيبة، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: "إذا قال القارئ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال من خلفه: "آمين"، فوافق قوله قولَ السماء غفر له ما تقدم من ذنبه". وأخرج الثالثة: عن القعنبي، عن المغيرة، عن أبي الزناد. وأما أبو داود (٣): فأخرج الأولى عن القعنبي، عن مالك. وأخرج الثانية: عن القعنبي أيضًا، عن مالك، عن سمىّ. وأما الترمذي (٤): فأخرج الأولى عن أبي كريب محمد بن العلاء، عن زيد ابن حباب، عن مالك. وأما النسائي (٥): فأخرج الأولى عن عمرو بن عثمان، عن بقية، عن الزبيدي، عن الزهري. وأخرج الثانية والثالثة: عن قتيبة، عن مالك يإسنادهما ولفظهما. لا خلاف بين أهل الإسلام، أن آمين ليست من سورة الفاتحة ولا من القرآن وقد أتى بها النبي ﷺ في صلاته ورغب فيها وأمر بها، وإنما اختلفوا في تفسيرها ومعناها:- فقال قوم: معناها: اللهم افعل. وقال آخرون: اللهم استجيب. وقال آخرون: كذلك يكون. والذي تقتضيه اللغة وإليه ذهب أبو علي الفارسي: أنها اسم سمي به الفعل كأمثاله، نحو: صه، ومه، وإيه، ووَيْه فكذلك آمين بمعنى استجيب.

стр. 572

وفيه ضمير مرفوع أنه فاعل، وفيها لغتان: المد والقصر، والمد أفصح فإن الرواية بها أكثر؛ ورواية القصر قليل. والنون فيها مبنية على الفتح؛ وإنما بنيت على الفتح هربًا من اجتماع ساكنين: نون والياء قبلها مثل: أين وكيف، وطلبًا لأخف الحركات. وقوله: "أمّن" فعل ماض مبني من آمين تقول: أمن يؤمن تأمينًا. وفي قوله في الرواية: "فقولوا آمين" دليل على أن الإمام لا يقولها. وإنما أمر بها المأمومين، ولكن صريح الرواية الأولى يبطل ذلك، ومعنى قوله: "فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة" أن الملائكة تؤمن على دعاء المؤمن طمًعا في الإجابة والقبول؛ ويعضد ذلك قوله تعالى ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١). و"الموافقة" بين الشيئين؛ يكون في الذات والوقت والحال. والمراد به هنا: الوقت، يريد أنه من اجتمع تأمينه وتأمين الملائكة في وقت واحد. وقد قيل في الموافقة بين تأمين الملائكة والمصلين خمسة أقوال:- الأول: الموافقة -في الابتداء- في النية والإخلاص؛ ولا قبول إلا بهما. الثاني: الموافقة في الفائدة وهي الإجابة، المعنى: من استجيب له كما يُستجاب للملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه. الثالث: الموافقة في الوقت أي: حتى يتواردوا عليه جميعًا؛ فتعم الناس البركة الكائنة من الاشتراك مع الملائكة. الرابع: الموافقة في الكيفية: وهي بأن يدعو لنفسه وللمسلمين كما تفعل

стр. 573

الملائكة؛ لأنها تدعو لجميع الأمة كما أخبر الله في قوله ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾. الخامس: أن يدعو في طاعة الله ولا يمزجها بغيرها؛ فإنها أقرب إلى الإجابة. وقوله: "غفر له ما تقدم من ذنبه" فيه فائدة حسنة وهي أنه يغفر له وأن يسأله المغفرة؛ لأن الملائكة سألتها له بقوله: "ويستغفرون لمن في الأرض". وقد جاء في التفسير أن "المَغْضوبِ عليهم": اليهود، و "الضالين": النصارى. "والملائكة": جمع ملك، قال الكسائي: أصله مألك بتقديم الهمزة من الألوكة وهي الرسالة، ثم قلبت وقدمت اللام فقيل مالك، ثم حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال فقيل ملك، فلما جمعوه ردو إليه الهمزة فقالوا: الملائكة والملائك أيضًا. والذي ذهب إليه الشافعي: أنه يستحب للإمام والمنفرد إذا فرغ من قراءة الفاتحة أن يقول: آمين، فإن كانت الصلاة سرية أخفاها، وإن كانت جهرية جهر بها. وبه قال أحمد وداود. وقال أبو حنيفة والثوري: لا يجهر بها. وعن مالك روايتان:- إحداهما: لا يقولها رأسًا. والثانية: يخفيها. ثم المأموم هل يجهر بها؟ فيه قولان للشافعي، وبالجهر قال أحمد وأبو ثور وإسحاق وعطاء، وبالإخفاء قال الثوري وأبو حنيفة. قيل للشافعي.: فإنا نكره للإمام أن يرفع بها صوته، قال الشافعي: فهذا

стр. 574

خلاف ما روى صاحبنا وصاحبكم، عن رسول الله ﷺ -يريد حديث مالك، عن ابن شهاب- قال الشافعي: ولو لم يكن عندنا وعندكم إلا هذا الحديث الذي ذكرنا عن مالك، انبغي أن نستدل به على أن النبي ﷺ كان يجهر بآمين، وأنه أمر الإمام أن يجهر بها؟ فكيف ولم يزل أهل العلم عليه؟ وروى وائل بن حجر أن النبي ﷺ كان يقول: "آمين يجهر بها". ويحكي مطّه إياها (١). ويقول أبو هريرة للإمام: لا تسبقني بآمين -وكان يؤذن له. وقد روى الزهري: عن أبي سلمة وسعيد، عن أبي هريرة قال: "كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من أم القرآن رفع صوته قال آمين" (٢).

стр. 575

وهذا حديث (١) صحيح، وروي من غير طريق عن الثوري بمعناه. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء قال: كنت أسمع الأئمة -وذكر ابن الزبير ومن بعده- يقولون آمين ويقول من خلفه آمين، حتى إن للمسجد للجَّة. أخرجه الشافعي في كتاب "الأمالي"، وعاد إخراجه بالإسناد في كتاب اختلافه مع مالك (٢). قال: كنت أسمع الأئمة -من ابن الزبير ومن بعده- يقولون: آمين ومن خلفهم آمين، حتى إن للمسجد للجة. في كتاب السنن والآثار (٣): كنت أسمع الأئمة -ابن الزبير ومن بعده- بإسقاط من قبل ابن الزبير. و"اللجة": (بفتح اللام) الصوت، الْتَجَّتِ الأصواتُ: إذا اختلطت، وسمعت لجة الناس أي أصواتهم. واللام الأولى في قوله: "للجة" لام التأكيد دخلت في اسم إن، ومن حقها أن تدخل على الخبر؛ لأنه هو الذي يحتاج إلى التأكيد، ولكن لما كان الخبر هاهنا جارًّا ومجرورًا؛ كان الاسم نكرة، وقد تأخر لذلك أدخل اللام عليه كما تقول: إن زيدًا لقائم، وإن في الدار لزيدًا, ولا يجوز إن لزيدًا قائم. و"من" في قوله: "من ابن الزبير" لابتداء الغاية، أي: كان في ابتداء سماعه منه. ويجوز أن يكون للتفصيل؛ لأنه لما قال الأئمة فَجَمَعَ .. فصَّلَهُم، فقال: من فلان وفلان.

стр. 576

وأما قوله "ومن بعده" فيجوز أن تكون جارَّةً فتكون معطوفة على من الأولى، ويكون التقدير: من عهد ابن الزبير والذين بعده. وأما قوله: "ومَنْ خلفهم" فإن "مَنْ" اسم، يريد: والذين هم خلفهم؛ يعني المأمومين. وفي هذا الحديث من الفقه: استحباب التأمين للإمام والمأموم والجهر به لهما -والله أعلم. النوع الخامس في قراءة السُّورة أخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن زياد بن علاقة، عن عمه قال: "سمعت النبي ﷺ يقرأ في الصبح ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾. قال الشافعي: يعني: بقاف. هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم (١)، و [الترمذي] (٢)، والنسائي (٣). فأما مسلم: فأخرجه عن أبي كامل الجحدري: فضيل بن حسين، عن [أبي] (٤) عوانة، عن زياد بن علاقة، عن عمه قطبة بن مالك قال: صليت وصلى بنا رسول الله ﷺ فقرأ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ حتى قرأ ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ قال: فجعلت أرددها ولا أدري ما قال. وفي أخرى: عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن شريك وابن عيينة وعن زهير بن حرب، عن ابن عيينة، عن زياد بن علاقة، عن قطبة بن مالك

стр. 577

سمع النبي ﷺ يقول في الفجر: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾. وأما الترمذي: فأخرجه عن هناد، عن وكيع، عن مسعر وسفيان، عن زياد بن علاقة، وذكر الحديث. وأما النسائي: فأخرجه عن إسماعيل بن مسعود ومحمد بن عبد الأعلى، عن خالد، عن شعبة، عن زياد، عن عمه قال: صليت مع رسول الله ﷺ الصبح فقرأ في إحدى الركعتين ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾. قال شعبة: فلقيه في السوق في الزحام فقال: "ق". "الباسق": العالي، بسق النخل بُسُوقًا إذا طال وعلا. ولم يرد أنه قرأ بهذه الآية التي هي ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ وإنما أراد أنه قرأ سورة "ق" التي فيها ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ بدليل قول الشافعي: يعني بقاف أي سورة "ق" وكذلك جاء في رواية مسلم والنسائي. وإعراب "باسقات" وإن كان في اللفظ جرًّا فإنه في موضع نصب؛ لأنه في موضع الحال من النخل. و"النخل" منصوب عطفًا على ما قبله. وعلامة جمع التأنيث السالم في النصب والجر تقول: رأيت الهنداتِ، كما تقول: مررت بالهنداتِ، ولما كان "باسقاتٍ" جمع باسقة أي نخلةٍ باسقةٍ جرى كذلك. و"طلع النخل": معروف. و"النضيد": المنضود وهو الموصوف من قولك: نضدت المتاع إذا جعلت بعضه فوق بعض. والذي ذهب إليه الشافعي قال: أحب أن يقرأ المصلي بعد أم القرآن سورة من القرآن وإن قرأ بعض سورة أجزأه.

стр. 578

قال: ويبتدئ القراءة في السورة التي بعدها بـ "بسم الله الرحمن الرحيم". واستدل بحديث ابن عمر، وسيجيء في فتح القراءة على الإمام. وأما صلاة الفجر: فإنه يستحب أن يقرأ بطوال المفصَّل بعد الفاتحة مثل سورة "ق"، و"الواقعة"، ويستحب في صبح يوم الجمعة أن يقرأ في الأولى: بـ "آلم السجدة" وفي الثانية: بـ "هل أتى". وقال في الأم: وأحب أن يكون أقل ما يقرأ مع فاتحة الكتاب قدر أقصر سورة من القرآن ولم يفصل بينهما وإلى هذا ذهب أكثر الصحابة. وقيل: يستحب له أن يطيل في القراءة في الركعة الأولى أكثر من الثانية لاسيما إن كان إمامًا؛ وهذا الاستحباب في الفجر أكثر. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يستحب له ذلك في الفجر دون غيرها، وأن يقرأ فيها من ثلاثين آية إلى ستين آية، وفي الثانية من عشرين إلى ثلاثين. وقال الثوري ومحمد: يستحب ذلك في جميع الصلوات. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن مسعر بن [كدام] (١) عن الوليد بن سريع، عن عمرو بن حريث قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ في الصبح ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾. قال الشافعي: يعني في الصبح ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾.

стр. 579

هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم (١)، وأبو داود (٢)، والنسائي (٣). وأما مسلم: فأخرجه عن زهير بن حرب، عن يحيى بن سعيد وعن أبي بكر ابن أبي شيبة، عن وكيع. وعن أبي كريب، عن ابن بشر، عن الوليد بن سريع، وذكر الحديث. وأما أبو داود: فأخرجه عن إبراهيم بن موسى، عن عيسى، عن إسماعيل، عن أصبغ -مولى عمرو بن [حريث] (٤)، عن عمرو قال: كأني أسمع صوت النبي ﷺ يقرأ في صلاة الغداة ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. وأما النسائي: فأخرجه عن محمد [بن] (٥) أبان البلخي، عن وكيع، عن مسعر. والمسعودي عن الوليد بالإسناد قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ في الفجر ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. "عسعس الليل": إذا أدبر، وقيل: إذا أقبل ظلامه والأول أكثر. و"كُوِّرَتْ": عبارة عن إزالتها وإذهابها وإلقائها عن فلكها، من تكوير العمامة أي لفها وجمعها، أو من التكوير والإلقاء والرمي. وارتفعت الشمس بفعل مضمر يفسره "كورت"؛ لأن "إذا" تطلب الفعل لما فيها من الشرط. و"الخنس": جمع خانس وهي النجوم الخمسة: زحل والمشترى والمريخ والزهرة وعطارد. سميت خنسًا: لأنها ترجع في مسيرها، بينا تراها مُشَرِّقَةً قد رجعت مُغَرِّبَةً، وهو الذي يسميه أهل علم الهيئة الرجوع وذلك من الخنوس: التأخر.

стр. 580

وقيل: هي الكواكب كلها، سميت بذلك لأنها تخنس في أماكنها بالنهار، فتغيب عن العيون وتظهر في الليل. و"الجواري": السيارة: جمع جارية. و"الكنس" التي تكنس: أي تغيب من كنس الوحش إذا دخل في كناسته؛ وهو بيته ومأواه الذي يكون فيه. قال الشافعي: وليس نعد هذا اختلافًا؛ لأنه قد صلى الصلوات عمره، فيحفظ الرجل قراءته يومًا [والرجل قراءته يومًا] (١) غيره. وهذان الحديثان والذي بعدهما أخرجهما الشافعي في كتاب "اختلاف الحديث" (٢). وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد وعبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج قال: أخبرني محمد بن عباد بن جعفر قال: أخبرني [أبو] (٣) سلمة بن سفيان، وعبد الله بن عمرو، والعابدي، عن عبد الله بن السائب قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح بمكة فاستفتح سورة المؤمنون حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر عيسى أخَذَتِ النبي ﷺ سعلة فحذف فركع". قال: وعبد الله بن السائب حاضر ذلك. هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه البخاري (٤)، ومسلم (٥)، وأبو داود (٦)، والنسائي (٧). فأما البخاري: فأخرجه تعليقًا قال: ويذكر عن عبد الله بن السائب: "قرأ النبي ﷺ "المؤمنون" في الصبح، حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون أو

стр. 581

عيسى، أخذته سعلة فركع". وأما مسلم: فأخرجه عن هارون بن عبد الله، عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج. وعن ابن رافع، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن محمد [بن] (١) عباد، عن أبي سلمة بن سفيان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن المسيب العابدي، عن عبد الله بن السائب، وقال فيه: محمد بن عباد يشك، واختلفوا عليه -يعني في قوله "أو ذِكْر عيسى"- وفي روايته "سعلة فركع". وفي أخرى: "فحذف فركع". وفي أخرى: "ولم يذكر ابن عمرو بن العاص". وأما أبو داود: فأخرجه عن [] (٢). وأما النسائي: فأخرجه عن محمد بن علي، عن خالد، عن ابن جريج، عن محمد بن عباد بالإسناد قال: "حضرت رسول الله ﷺ يوم الفتح فصلى في قبل الكعبة، فخلع نعليه فوضعهما عن يساره، فافتتح سورة المؤمنين فلما (٣) ذكر موسى وعيسى ﵉ أخذته سعلة فركع". قوله: "فاستفتح" يريد ابتدأ بقراءة أول سورة المؤمنين، وسورة المؤمنين هي سورة "قد أفلح المؤمنون" كأنه شبه الابتداء بفتح باب. وقوله: "فحذف" يريد ترك القراءة وقطعها لما أخذته من السعلة فركع. وقُبُل الكعبة: تقدمها مما يلي الباب.

стр. 582

وفي هذا الحديث من الفقه:- أن المستحب أن يقرأ في صلاة الفجر من السور الطوال كهذه السورة وقد ذكرنا ذلك. والنبي ﷺ إنما افتتح السور ليقرأها وهي مائة وتسع عشرة آية. وفيه من الفقه: أنه يجوز الاقتصار في الصلاة على بعض السورة كما فعل النبي ﷺ في هذه. وسواء قد قوي أن يقرأ السورة كلها أو بعضها، فإنه قد ذهب قوم (١) في تفسير قول النبي ﷺ أنه نهى عن الاختصار في الصلاة، إلى أنه نهى عن قراءة بعض السورة في ركعة. وهذا تأويل بعيد، فإن صح ففي هذا الحديث ما يبطله ويكون ناسخًا له. والله أعلم. وفي قوله: "فحذف، فركع" بفاء التعقيب دليل على أن للقارئ إذا ارتج عليه في الصلاة؛ أو عَرَضَ له مانع منها؛ أن يقطع القراءة ويركع ولا يتوقف ليتذكر أو ليزول المانع. وقوله: "فخلع نعليه ووضعهما عن يساره" من الآداب المستحبة للمصلي فلا يتركهما بين يديه؛ لأنها جهة قبلته؛ ولا عن يمينه حرمة لليمين. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن هشام، عن أبيه أن أبا بكر الصديق صلى الصبح، فقرأ فيها بسورة البقرة في الركعتين كلتيهما. هكذا أخرجه الشافعي في كتاب "اختلافه مع مالك" (٢) وقد أخرجه الربيع أيضًا في غير المسند عن الشافعي قال: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن شهاب، عن أنس أن أبا بكر صلى بالناس الصبح

стр. 583

فقرأ بسورة البقرة، فقال له عمر: كربت (١) الشمس أن تطلع فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين. هكذا أخرجه البيهقي في كتاب "السنن والآثار" (٢). والرواية الأولى هكذا جاءت في الموطأ (٣)؛ إلا أنه قال: فقرأ فيه، ولم يقل فيهما. فأما فيهما: فإنه إشارة إلى الركعتين؛ لأنه لما قال: "صلاة الصبح" وقد علم أن صلاة الصبح ركعتان، قال "فيهما" كالتفصيل والبيان لما أجمله، والضمير المثنى راجع إلى غير مذكور، وإنما حسن ذلك لدلالة لفظ الصلاة وفهم كميتها عليه فقال: فيهما. ثم أعاد البيان وأكد القول بقوله في الركعتين كلتيهما. فجاء باللفظ الصريح الظاهر، لا يحتاج إلى البيان. وأما رواية الموطأ فإنه قال: "فيها"، وأعاد الضمير إلى الصلاة مفردًا، ثم بَيَّنَ المجمل بقوله: "في الركعتين كلتيهما". وقوله في: "الركعتين كلتيهما" يحتمل أمرين:- أحدهما: أنه قرأ كل ركعة بسورة البقرة. والثاني: أنه قرأ السورة في الركعتين، ففرقها عليهما، وهو الأشبه؛ لأن قراءة البقرة مرتين في الركعتين في وقت الصبح يبعد، لاسيما مع قراءة مِثْلِ الصديق وترتيله وتأنيه فيها. و"كلا" و "كلتا": اسمان مفردان موضوعان للتثنية وليسا بمثنيين فكلا

стр. 584

للمذكر، وكلتا للمؤنث، ومتى أضفتهما إلى مظهر أجريتهما على حالهما تقول: جاءني كلا أخويك، ورأيت كلتا أختيك، ومررت بكلا أخويك. ومتى أضفتهما إلى مضمر أعربتهما إعراب التثنية تقول: جاءني أخواك كلاهما، ورأيت كليهما، ومررت بهما كليهما. و"كَرَبَ أن يفعل كذا": أي كاد وقرب وتقول: كربت الشمس أن تطلع وأن تغيب، وقد يقولون: كربت الشمس مطلقًا، إذا دنت للغروب، قاله الجوهري ولا شك أن الطلوع مثله. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن هشام، عن أبيه أنه سمع عبد الله بن عامر بن ربيعة يقول: صلينا وراء عمر بن الخطاب الصبح فقرأ فيهما بسورة يوسف وسورة الحج، فقرأ قراءة بطيئة فقلت: والله لقد كان إذًا يقوم حين يطلع الفجر، قال أجل. هكذا جاء هذا الحديث في المسند من رواية مالك. وكذا رواه مالك في الموطأ (١) وقال: فقرأ فيها. ورواه [أبو] (٢) أسامة، ووكيع، وحاتم بن إسماعيل، عن هشام، عن عبد الله ابن عامر دون ذكر أبيه فيها، وهو الصواب، والله أعلم. والحكم فيهما وفيها كما قلنا في الحديث الذي قبلها. وقوله: "قراءة بطيئة" يريد بتأنَّ وترتيل؛ فإنه المستحب أن يقرأ في الصلاة كذلك لا يستعجل. و"أَجَلْ": بمعنى نعم. و"إذًا": حرف مكافأة وجواب تنصب الفعل المستقبل إذا تقدم، فإن تأخرت

стр. 585

أو توسطت وكان الفعل بعدها معتمدًا على ما قبلها لم تعمل. تقول في الإعمال -إذا قال لك قائل: الليلة أزورك- إذن أُكْرِمَكَ فتنصب، وتقول في ترك الإعمال: أُكرِمُكَ إذن، فترفع فإن كان الفعل الذي بعدها فعل حال لم تعمل؛ لأن فعل الحال لا تعمل فيه العوامل الناصبة، وإذا وقفت على "إذن". قلت: "إذا" فتقف بالألف. وفي هذا الحديث -والذي قبله- دلالة على تقديم صلاة الصبح في أول وقتها والمحافظة عليه، وقد صرح به في هذا الحديث. وهذان الحديثان والذي بعدهما؛ مسوقه لبيان جواز إطالة القراءة في صلاة الصبح. وأما المستحب والأولى فهو ما ذكرناه قبل هذا. أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، وربيعة بن أبي عبد الرحمن أن الفرافصة بن عمير الحنفي قال: ما أخذت سورة يوسف إلا من قراءة عثمان بن عفان إياها في صلاة الصبح من كثرة ما كان يرددها. هذا الحديث أخرجه الموطأ (١). وقولى: "ما أخذت سورة يوسف" يريد حفظه إياها وتلقيه لها؛ فسمى سماعه لها وحفظه إياها من قراءة عثمان لها أَخْذًا، أشبهها بالشيء المأخوذ من غيره. و"مِنْ" الأولى: لابتداء الغاية، والثانية: لتبيين النوع: أو هي بدل من الأولى، وكأنه قال: ما أخذته إلا من كرة قراءته إياها. و"الترديد": إعادة الشيء مرة بعد مرة، تقول: ردد يردده ترديدًا وهي فعل من ردَّ يردِّ، وهذا البناء موضوع للتكثير.

стр. 586

مثل: ضَرَّب من ضَربَ، وقَتَّل: من قتل، وذلك لمن يكثر وقوع الضرب والقتل منه. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر: كان يقرأ في الصبح في السفر بالعشر الأولى من المفصل، في كل ركعة بسورة. هذا الحديث أخرجه الموطأ (١) وقال: بالعشر السور الأولى من المفصل في كل ركعة بأم القرآن. و"العشر الأولى" (٢): يريد العشر السور الأولى، بدليل ما جاء في رواية الموطأ مصرحًا به. و"الأُولى": تأنيث الأول وهو صفة المفرد، ولذلك وصفت به العشر حملًا على اللفظ، ولو رده إلى المعنى لقال الأُوَلِ، والجميع جائز وقد جاء به القرآن العزيز قال الله : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٣) فوصف الأسماء وهي جمع اسم بالحسنى؛ وهو مفرد تأنيث الأحسن. وكذلك قوله ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ (٤) وقال -عز من قائل-: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ (٥) فوصف الجمع بالجمع. وإنما حسن وصف الجمع بالمفرد؛ لأن اللفظ المؤنث يجوز إطلاقه على جماعة المؤنث بخلاف المذكر، ردًّا إلى لفظ جماعة المؤنث. وقد كرر لفظة "في" في ثلاثة مواضع فقال:- في الصبح، في السفر، في كل ركعة.

стр. 587

وذلك أنه لما أراد أن يخبر عن قراءته في الصبح جاء بلفظ الظرف ليبين غرضه، ثم إنه لم يكن إخباره عن مطلق صلاة الصبح، إنما كان غرضه عن صلاة الصبح في السفر، فجاء بلفظ السفر أيضًا تخصيصًا لحالة السفر، ثم لما كان صلاة الصبح أكثر من ركعة وقد قال: "بالعشر الأولى" فأجمل؛ احتاج أن يبين كيفية قراءته فقال: في كل ركعة. فبان لك أن كل واحد من هذه اللفظات الثلاث مخصصة لما قبلها. وأراد بالعشر الأول سورة الحجرات، وقد تقدم بيان ذلك. وفي رواية الموطأ زيادة أفادت حكمًا، وهي قوله: "بأم القرآن وسورة" فبين أن السورة التي كان يقرؤها في كل ركعة؛ إنما هي سوى أم القرآن. وقد احتج المزني عن الشافعي: عن سفيان، عن عثمان بن أبي سليمان قال: سمعت عراك بن مالك يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قدمت المدينة ورسول الله ﷺ بخيبر، ورجل من غفار يؤم الناس، فسمعته يقرأ في صلاة الصبح في الركعة الأولى بسورة "مريم" وفي الثانية بـ "ويل للمطففين". وكان عندنا رجل له مكيالان يأخذ بأحدهما ويعطي بالآخر، فقلت: ويل لفلان. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: "سمعت رسول الله ﷺ قرأ بالطور في المغرب". هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا الترمذي.

стр. 588

فأما مالك (١): فأخرجه بالإسناد واللفظ. وأما البخاري (٢): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك. وأما مسلم (٣): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن مالك. وعن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، عن سفيان. وعن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس. وعن إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر كلهم عن الزهري. وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك. وأما النسائي (٥): فأخرجه عن قتيبة، عن مالك. جاء في رواية الشافعي ومالك والبخاري: "قرأ بالطور في المغرب". وفي بعض رواية الباقين "في المغرب بالطور". وفي رواية الشافعي ومالك "سمعته قرأ". وعند غيره "سمعته يقرأ". فأما الأول: فإنما قدم اسم السورة على المغرب، لأن الحديث مسوق لبيان ما قرأ في المغرب، فكان تقديم المقروء أولى من تقديم اسم الصلاة. وأما من قدم ذكر المغرب: فلأن الأصل هو الصلاة؛ ثم القراءة تترتب عليها فقد ذكر الأصل.

стр. 589

وأما الثاني: فإن رواية الشافعي تدل على أنه قد سمعه مرة يقرأ بالطور، لأنه ذكر الفعل ماضيًا، وحكاية الماضي إنما تكون للمرة الواحدة. وأما الرواية الأخرى التي هي "سمعته يقرأ" فإنها تدل على أنه سمعها مرة وأكثر من مرة، لأن الفعل المستقبل يقتضي المرة وأكثر منها. والذي ذهب إليه الشافعي: أن المغرب يُسْتحب أن يُقْرَأَ فيها بقصار المفصل، "كالقارعة" و "ألم نشرح لك صدرك" وما أشبهها. قال الشافعي: ويقرأ في المغرب مع أم القرآن "بالضحى"، و "ألم نشرح لك صدرك" وأشباههما, ولسنا نضيق أن يقرأ بأكثر منه وإن كانت الإطالة فيها جائزة؛ ولكن الأولى الأول. وهذا الحديث مسوق لبيان الإطالة فيها. وقد روى المزني هذا الحديث عن الشافعي: عن سفيان بن عيينة، عن ابن شهاب بالإسناد. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن أم الفضل بنت الحارث سمعته يقرأ: "المرسلات عرفًا" فقالت: يا بني لقد ذَكَّرْتَنِي بقراءتك هذه السورة؛ أنها لآخر ما سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بها في المغرب. وقد روى المزني عن الشافعي: عن ابن عيينة، عن ابن شهاب بالإسناد "أنها سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالمرسلات". وهذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة. فأما مالك (١): فأخرجه إسنادًا ولفظا. وأما البخاري (٢): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك.

стр. 590

وأما مسلم (١): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن مالك. وقد أخرجاه من أوجه أخرى. وأمما أبو داود (٢): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك. وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن هناد، عن عبدة، عن محمد بن إسحاق [عن] (٤) الزهري بالإسناد قالت: "خرج إلينا رسول الله ﷺ وهو عاصب رأسه في موضعه (٥)، فقرأ بالمرسلات فما صلاها بعد حتى لقي الله ". وأما النسائي (٦): فأخرجه عن عمرو بن منصور، عن موسى بن داود، عن عبد العزيز بن سلمة (٧) الماجشون، عن حميد، عن أنس، عن أم الفضل قالت: "صلى بنا رسول الله ﷺ في بيته المغرب فقرأ المرسلات، ما صلى بعدها صلاة حتى قبض". وله في أخرى: عن قتيبة، عن سفيان، عن الزهري بالإسناد: "أنها سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالمرسلات". "المرسلات": الملائكة أُرسلن بأمر الله . وقيل: هي الرياح. فإنما جمعها جمع التأنيث: لأنه أراد بها صفة جماعة مرسلة؛ ثم جمع مرسلة جمع صحة فقال: مرسلات.

стр. 591

و"العرف": قيل: أراد بها متتابعة كشعر عرف الفرس وهو منصوب على الحال؛ وهو بمعنى العرف الذي هو نقيض المنكر، فيكون منصوبًا لأنه مفعول له؛ أي أرسلن للإحسان والمعروف. وقوله: "ذَكَّرْتَنِي بقراءتك هذه السورة" يحتاج ذكرتني إلى مفعولين:- الأول منها: ضميرها. والثاني: هذه السورة أي ذكرتنيها. وإن جعلت هذه السورة مفعولًا لقراءتك؛ أي بقراءتك إياها كان المفعول الثاني محذوفًا؛ وحسن حذفه لدلالة الحال عليه، وذلك أنها قالت: "إنها لآخر ما سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بها" فكان هذا الكلام دليلًا على المفعول الثاني المحذوف. وقوله: "عاصب رأسه" أي سنده بعصابة. وقوله: "فما صلاها بعد" يريد ما صلاها معهم وبهم؛ وإلا فقد كان يصلي في موضعه وهو في بيته مُفْرِدًا؛ إلى أن مات ﷺ . وقد أخرج الشافعي من رواية المزني عنه قال: أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب أنه قال: "صليت مع رسول الله ﷺ العتمة فقرأ: بالتين والزيتون". قال: وحدثنا الشافعي قال: أخبرنا عبد الوهاب، عن يحيى بن سعيد بالإسناد: "أنه صلى مع رسول الله ﷺ العشاء فقرأ فيها بالتين والزيتون". وهذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة (١) باختلاف طرقهم ورواياتهم.

стр. 592

وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن أبي عبيد -مولى سليمان بن عبد الملك- أن عبادة بن نسي أخبره أنه سمع قيس بن الحارث يقول: أخبرني أبو عبد الله الصنابحي أنه قدم المدينة في خلافة أبي بكر الصديق؛ فصلى وراء أبي بكر الصديق المغرب؛ فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة من قصار المفصل، ثم قام في الركعة الثالثة فدنوت منه؛ حتى إن ثيابي تكاد [أن] (١) تمس ثيابه؛ فسمعته قرأ بأم القرآن وهذه الآية ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. هذا الحديث أخرجه مالك في الموطأ (٢). "الأوليين": يجوز أن تكون تثنية "الأولى" فتكون بتاء وياء تحتهما نقطتان وتكون الهمزة مضمومة. ويجوز أن تكون تثنية "الأولة"؛ فتكون بياء وتاء وتشديد الواو. وقوله: "بسورة سورة" يريد في كل ركعة بسورة. وقوله: "أن تمس" المشهور في العربية والأفصح ألا تدخل "أن" في خبر "كاد" تقول: كاد زيد يفعل، وكدت أقوم، وعلى ذلك جاء التنزيل قال ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا﴾ (٣)، ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ (٤)، ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ (٥). وأما دخول "أن" في خبرها فإنه قليل، وإنما أدخلوا عليها تشبيهًا لكاد بعسى؛ كما شبهوا عسى بكاد فحذفوا "أن" من خبرها وهو قليل؛ مثل قلة دخول "أن" في خبر كاد.

стр. 593

و"الزيغ": الميل عن الحق؛ ومنه زاغت الشمس إذا مالت عن وسط السماء. "ولدن": مثل عند إلا أنها أقرب منها. قال الربيع: سألت الشافعي، أيقرأ أحد خلف أم القرآن في الركعة الآخرة من شيء؟ قال: أحب ذلك وليس بواجب عليه، فقلت: وما الحجة؟ فذكر هذا الحديث. وقال الشافعي: قال سفيان بن عيينة: لما سمع عمر بن عبد العزيز بهذا عن أبي بكر الصديق قال: إن كنت لعلى غير هذا حتى سمعت بهذا فأخذت به. واستدل الشافعي أيضًا بحديث ابن عمر، وسيجيء عقيب هذا الحديث. وقال الشافعي -في القديم-: لا يقرأ في الركعة الثالثة والرابعة غير الفاتحة. ورواه عنه المزني والبويطي، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر: أنه كان إذا صلى وحده: يقرأ في الأربع جميعًا في كل ركعة بأم القرآن وسورة من القرآن قال: وكان يقرأ أحيانًا بالسورتين والثلاث في الركعة الواحدة في صلاة الفريضة. هذا الحديث أخرجه في الموطأ (١) وزاد في آخره "ويقرأ في الركعتين من المغرب بأم القرآن وسورة سورة". وقال: "من صلاة الفريضة"، ولم يقل: "في صلاة الفرض". قوله: "الأربع" يريد الصلاة الرباعية كالظهر والعصر والعشاء. و"الأحيان": جمع حين وهو: جزء من الزمان مجهول المقدار؛ يقع على القليل والكثير، هذا هو الصحيح.

стр. 594

وقوله: "في صلاة الفريضة" بدل من قوله: "في الركعة الواحدة" وهو بدل اشتمال، أو هو على تقدير: في الركعة في صلاة الفريضة، وأما رواية الموطأ "من صلاة الفريضة" فظاهره تقديره: الركعة التي من صلاة الفريضة. والذي ذهب إليه الشافعي: أن المنفرد له أن يقرأ في صلاته بما شاء من قليل وكثير لا حجر عليه، إنما على الإمام أن لا يطيل بالمأمومين إلا بإذنهم. وسيجيء بيان ما يتعلق بالإمام في صلاة الجماعة. وهذا الحديث مؤكد لقول الشافعي في الجديد، وأنه يستحب قراءة السورة في الركعات جميعها، إلا أنه حيث قال: "إذا صلى وحده" فكان الاستدلال به فيه نظر؛ لأن حكم المنفرد في الإطالة والقصر خلاف حكم الإمام، وقد ذكرنا أن للمنفرد الإطالة والتخفيف؛ وكذلك أن يقرأ بسورة وسورتين أو أكثر أو أقل. قال الربيع: قلت للشافعي أتستحب أنت هذا؟ قال: نعم وأفعله -يعني الجمع بين السور-. وهذه الأحاديث الثمانية، أخرجها الشافعي في كتاب اختلافه مع مالك (١). وقد أخرج الربيع قال: قال الشافعي: عن ابن علية، عن أيوب، عن محمد أن: "ابن مسعود كان يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب". قال الشافعي: وبهذا نقول ولا يجزئه إلا أن يقولوا هم -يعني العراقيين- يقولون: إن شاء قرأ، وإن شاء سبح، وإن شاء لم يقرأ. وإنما استدل الشافعي بهذا الحديث؛ على وجوب القراءة في كل ركعة.

стр. 595

النوع (١) السادس في نسيان القراءة هذا النوع لم يرد في المسند فيه شيء. وقد روى الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: "أن عمر بن الخطاب صلى بالناس المغرب فلم يقرأ فيها؛ فلما انصرف قيل له: ما قرأت؟ قال: كيف كان الركوع والسجود؟ قالوا: حسنًا، قال: فلا بأس -وفي رواية- فلا بأس إذًا" (٢). وروى الشافعي: عن رجل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن عمر صلى بالمغرب فلم يقرأ فقال: كيف كان الركوع والسجود؟ قالوا: حسنًا، قال: فلا بأس. قال الشافعي -في كتاب اختلافه مع مالك: قد رويتم هذا عن عمر وصلاته بالمهاجرين والأنصار، فكيف خالفتموه؟ -يريد أصحاب مالك-. قال: فإن كنتم إنما ذهبتم إلى [أن] (٣) النبي ﷺ قال: "لا صلاة إلا بقراءة" فينبغي أن تذهبوا في كل شيء هذا المذهب؛ فإذا جاء شيء عن النبي ﷺ لم تدعوه لشيء؛ إن خالفه غيره كما قلتم هاهنا" (٤). والذي ذهب إليه الشافعي: أنه إذا نسي قراءة الفاتحة لم تجزئه صلاته في القول الجديد، وكان يقول في القديم: تجزئه لهذا الحديث.

стр. 596

وهذه الروايات مرسلة. وقد روى يونس: عن الشعبي، عن زياد بن عياض ختن أبي موسى قال: صلى عمر فلم يقرأ فأعاد. ورواه أيضًا: أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عمر: صلى المغرب ولم يقرأ فأعاد (١). وهذا موافق للسنة في وجوب القراءة والقياس؛ فإن الأركان لا تسقط بالنسيان -والله أعلم. قال الربيع: قال الشافعي فيما بلغه عن زيد بن الحباب، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي أن رجلاً قال: إني صليت ولم أقرأ؟ قال: أتممت الركوع والسجود؟ قال: نعم، قال: تمت الصلاة. قال الشافعي: وهم لا يقولون بهذا يزعمون أن عليه إعادة الصلاة. والحارث هو الأعور، ولا يحتج بحديثه فإن العلماء قد تكلموا فيه (٢). ...

стр. 597

الفرع الرابع في الركوع والسجود وفيه سبعة أنواع النوع الأول في: صفتهما وأقل ما يجزئ منهما والطمأنينة فيهما . أخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن جده رفاعة بن مالك أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فليتوضأ كما أمره الله ثم ليكبر فإن كان معه شيء من القرآن قرأ به، وإن لم يكن معه شيء من القرآن فليحمد الله وليكبر ثم ليركع حتى يطمئن راكعًا، ثم ليقم حتى يطمئن قائمًا ثم يسجد حتى يطمئن ساجدًا، ثم ليرفع رأسه فليجلس حتى يطمئن جالسًا، فمن نَقَصَ هذا فإنما ينقص من صلاته". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: أخبرني محمد بن عجلان، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن رفاعة بن رافع قال: "جاء رجل فصلى في المسجد قريبًا من رسول الله ﷺ ، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فقال النبي: "أَعِدْ صَلاتَكَ فإنك لَمْ تُصَلِّ"، فقام فصلى كنحو مما صلى، فقال له النبي ﷺ "أعد، صلاتك فإنك لم تصل" فقال: علمني يا رسول الله كيف أصلي. قال: "إذا توجهت إلى القبلة فكبر ثم اقرأ بأم القرآن وما شاء الله أن تقرأ فإذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك ومَكِّنْ ركوعك وامْدُدْ ظهرك؛ فإذا رفعت فأقم صُلْبَكَ وارفع رأسك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها، فإذا سجدت فمكن السجود، فإذا رفعت فاجلس على فخذك اليسرى، ثم اصنع في كل ركعة".

стр. 598

وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن ابن عجلان عن علي بن يحيى، عن رفاعة بن رافع أن النبي ﷺ قال لرجل: "إذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك ومَكِّن لركوعك، فإذا رفعت فأقم صُلْبك وارفع رأسك؛ حتى ترجع العظام إلى مفاصلها" أخرج الشافعي الروايتين الأوليين في موضع من كتاب "استقبال القبلة". وعاد أخرج الرواية الثالثة في كتاب "استقبال القبلة". أيضًا بعد ذلك (١). وهذا الحديث قد أخرجه أبو داود (٢)؛ والترمذي (٣)؛ والنسائي (٤). فأما أبو داود: فأخرجه عن [موسى] (٥) بن إسماعيل، عن حماد، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن عمه أن رجلاً دخل المسجد وقال، فذكر نحوه. يريد به نحو حديث ذكره قبله عن أبي هريرة، ثم قال أبو داود: قال فيه: فقال النبي ﷺ : "إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء -يعني مواضعه- ثم يكبر ويحمد الله ويثني عليه، ويقرأ بما شئت من القرآن، ثم يقول: الله أكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائمًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه فيكبر؛ فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته". وله في أخرى: عن الحسن بن علي، عن هشام بن عبد الملك والحجاج بن المنهال، عن همام، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى

стр. 599

ابن خلاد، عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع بمعناه. وفي أخرى: عن وهب بن بقية، عن خالد، عن محمد بن عمرو، عن علي ابن يحيى بن خلاد، عن رفاعة بن رافع بهذه القصة. وفي أخرى: عن عباد بن موسى، عن إسماعيل بن جعفر، عن يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع الزرقي، عن أبيه، عن جده، عن رفاعة بن رافع، فقصَّ هذا الحديث. وأما الترمذي: فأخرجه عن علي بن حجر، عن إسماعيل بن جعفر عن يحيى ابن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع الزرقي، عن جده، عن رفاعة بن رافع وذكر نحو رواية الشافعي. وأما النسائي: فأخرجه عن قتيبة، عن بكر بن مضر، عن ابن عجلان، عن علي بن يحيى الزرقي، عن أبيه، عن عمه -وكان بدريًّا- قال: كنا مع رسول الله ﷺ إذ دَخَلَ رَجُلٌ المسجد فصلى؛ وذكر نحو ما تقدم من رواية الشافعي. وقد ذكره البيهقي في كتاب "السنن والآثار" (١) وزاد في آخر الرواية الثانية بعد قوله: "في كل ركعة" قال: "وسجدة حتى تطمئن" وهذا الحديث قد جاء في طرقه اختلاف في الرواة، ومدار طرقه كلها على عليّ بن يحيى بن خلاد:- فرواه مرة: عن أبيه، عن جده رفاعة بن مالك. ومرة: عن رفاعة بن رافع. ومرة: عن عمه. ومرة: عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع. ومرة: عن جده، عن رفاعة بن رافع.

стр. 600

ونحن نذكر أولاً نسب علي بن يحيى، ونذكر اسم عمه، وما جاء في اختلاف طرق حديثه، حتى يتبين ذلك بيانًا ينتفي اللبس معه -إن شاء الله تعالى. فأما هو: فهو علي بن يحيى بن خلاد بن رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق الزرقي، الأنصاري المدني. قال البخاري في التاريخ (١): روى عن أبيه، عن عبيد بن رفاعة بن رافع. وفي نسخة: روى عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع. وروى عنه: محمد بن عجلان، وداود بن قيس، وبكير بن عبد الله، وابنه يحيى بن علي (٢). وأما رفاعة بن رافع: فهو أبو معاذ رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق الزرقي الأنصاري صحابي بدري. روى عنه معاذ، وعبيد ابناه، وابن أخيه يحيى. وأما ما جاء في رواية الشافعي الأولى: عن جده رفاعة بن مالك، فإنما يريد به رفاعة بن رافع بن مالك، فنسب رفاعة إلى جده وحذف ذكر أبيه، وهذا كثير في الروايات لا حرج فيه؛ ألا ترى أن رسول الله ﷺ لما قال له الأعرابي: أيكم ابن عبد المطلب؟ قال له: "أنا ابن عبد الطلب" (٣). وإنما عبد المطلب جده.
следующие страницы →