وهذه الروايات مرسلة.
وقد روى يونس: عن الشعبي، عن زياد بن عياض ختن أبي موسى قال: صلى عمر فلم يقرأ فأعاد.
ورواه أيضًا: أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عمر: صلى المغرب ولم يقرأ فأعاد (١).
وهذا موافق للسنة في وجوب القراءة والقياس؛ فإن الأركان لا تسقط بالنسيان -والله أعلم.
قال الربيع: قال الشافعي فيما بلغه عن زيد بن الحباب، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي أن رجلاً قال: إني صليت ولم أقرأ؟ قال: أتممت الركوع والسجود؟ قال: نعم، قال: تمت الصلاة.
قال الشافعي: وهم لا يقولون بهذا يزعمون أن عليه إعادة الصلاة.
والحارث هو الأعور، ولا يحتج بحديثه فإن العلماء قد تكلموا فيه (٢).
...
стр. 597
الفرع الرابع في الركوع والسجود
وفيه سبعة أنواع
النوع الأول في:
صفتهما وأقل ما يجزئ منهما والطمأنينة فيهما .
أخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن جده رفاعة بن مالك أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فليتوضأ كما أمره الله ثم ليكبر فإن كان معه شيء من القرآن قرأ به، وإن لم يكن معه شيء من القرآن فليحمد الله وليكبر ثم ليركع حتى يطمئن راكعًا، ثم ليقم حتى يطمئن قائمًا ثم يسجد حتى يطمئن ساجدًا، ثم ليرفع رأسه فليجلس حتى يطمئن جالسًا، فمن نَقَصَ هذا فإنما ينقص من صلاته".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: أخبرني محمد بن عجلان، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن رفاعة بن رافع قال: "جاء رجل فصلى في المسجد قريبًا من رسول الله ﷺ ، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فقال النبي: "أَعِدْ صَلاتَكَ فإنك لَمْ تُصَلِّ"، فقام فصلى كنحو مما صلى، فقال له النبي ﷺ "أعد، صلاتك فإنك لم تصل" فقال: علمني يا رسول الله كيف أصلي. قال: "إذا توجهت إلى القبلة فكبر ثم اقرأ بأم القرآن وما شاء الله أن تقرأ فإذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك ومَكِّنْ ركوعك وامْدُدْ ظهرك؛ فإذا رفعت فأقم صُلْبَكَ وارفع رأسك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها، فإذا سجدت فمكن السجود، فإذا رفعت فاجلس على فخذك اليسرى، ثم اصنع في كل ركعة".
стр. 598
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن ابن عجلان عن علي بن يحيى، عن رفاعة بن رافع أن النبي ﷺ قال لرجل: "إذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك ومَكِّن لركوعك، فإذا رفعت فأقم صُلْبك وارفع رأسك؛ حتى ترجع العظام إلى مفاصلها" أخرج الشافعي الروايتين الأوليين في موضع من كتاب "استقبال القبلة".
وعاد أخرج الرواية الثالثة في كتاب "استقبال القبلة".
أيضًا بعد ذلك (١).
وهذا الحديث قد أخرجه أبو داود (٢)؛ والترمذي (٣)؛ والنسائي (٤).
فأما أبو داود: فأخرجه عن [موسى] (٥) بن إسماعيل، عن حماد، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن عمه أن رجلاً دخل المسجد وقال، فذكر نحوه.
يريد به نحو حديث ذكره قبله عن أبي هريرة، ثم قال أبو داود: قال فيه: فقال النبي ﷺ : "إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء -يعني مواضعه- ثم يكبر ويحمد الله ويثني عليه، ويقرأ بما شئت من القرآن، ثم يقول: الله أكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائمًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه فيكبر؛ فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته".
وله في أخرى: عن الحسن بن علي، عن هشام بن عبد الملك والحجاج بن المنهال، عن همام، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى
стр. 599
ابن خلاد، عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع بمعناه.
وفي أخرى: عن وهب بن بقية، عن خالد، عن محمد بن عمرو، عن علي ابن يحيى بن خلاد، عن رفاعة بن رافع بهذه القصة.
وفي أخرى: عن عباد بن موسى، عن إسماعيل بن جعفر، عن يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع الزرقي، عن أبيه، عن جده، عن رفاعة بن رافع، فقصَّ هذا الحديث.
وأما الترمذي: فأخرجه عن علي بن حجر، عن إسماعيل بن جعفر عن يحيى ابن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع الزرقي، عن جده، عن رفاعة بن رافع وذكر نحو رواية الشافعي.
وأما النسائي: فأخرجه عن قتيبة، عن بكر بن مضر، عن ابن عجلان، عن علي بن يحيى الزرقي، عن أبيه، عن عمه -وكان بدريًّا- قال: كنا مع رسول الله ﷺ إذ دَخَلَ رَجُلٌ المسجد فصلى؛ وذكر نحو ما تقدم من رواية الشافعي.
وقد ذكره البيهقي في كتاب "السنن والآثار" (١) وزاد في آخر الرواية الثانية بعد قوله: "في كل ركعة" قال: "وسجدة حتى تطمئن" وهذا الحديث قد جاء في طرقه اختلاف في الرواة، ومدار طرقه كلها على عليّ بن يحيى بن خلاد:-
فرواه مرة: عن أبيه، عن جده رفاعة بن مالك.
ومرة: عن رفاعة بن رافع.
ومرة: عن عمه.
ومرة: عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع.
ومرة: عن جده، عن رفاعة بن رافع.
стр. 600
ونحن نذكر أولاً نسب علي بن يحيى، ونذكر اسم عمه، وما جاء في اختلاف طرق حديثه، حتى يتبين ذلك بيانًا ينتفي اللبس معه -إن شاء الله تعالى.
فأما هو: فهو علي بن يحيى بن خلاد بن رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق الزرقي، الأنصاري المدني.
قال البخاري في التاريخ (١): روى عن أبيه، عن عبيد بن رفاعة بن رافع.
وفي نسخة: روى عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع.
وروى عنه: محمد بن عجلان، وداود بن قيس، وبكير بن عبد الله، وابنه يحيى بن علي (٢).
وأما رفاعة بن رافع: فهو أبو معاذ رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق الزرقي الأنصاري صحابي بدري.
روى عنه معاذ، وعبيد ابناه، وابن أخيه يحيى.
وأما ما جاء في رواية الشافعي الأولى: عن جده رفاعة بن مالك، فإنما يريد به رفاعة بن رافع بن مالك، فنسب رفاعة إلى جده وحذف ذكر أبيه، وهذا كثير في الروايات لا حرج فيه؛ ألا ترى أن رسول الله ﷺ لما قال له الأعرابي: أيكم ابن عبد المطلب؟ قال له: "أنا ابن عبد الطلب" (٣).
وإنما عبد المطلب جده.
стр. 601
ونحن نبين الآن ما يصح من هذه الروايات مع هذا النسب.
وقد قال البيهقي -لما روى هذا الحديث بهذه الطرق التي في المسند- ما هذا حكايته- قال: لم يُقِمْ إسناده إبراهيم بن محمد، والصواب عن يحيى بن عليّ بن خلاد، عن أبيه، عن جده [عن] (١) رفاعة بن رافع؛ هذا هو الصحيح بهذا الإسناد.
وقال أيضًا لما ذكر الرواية الثانية: لم يقم إبراهيم بن محمد إسناد هذا الحديث أيضًا، فإن ابن عجلان إنما رواه عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه يحيى بن خلاد بن رافع، عن عمه رفاعة بن رافع.
هكذا رواه عنه الليث بن سعد وغيره عن محمد بن عجلان.
وكذلك رواه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وداود بن قيس، ومحمد ابن إسحاق بن يسار، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه يحيى بن خلاد بن رافع، عن عمه رفاعه بن رافع.
وقد كتب الشافعي هذا الحديث: عن حسين الألتغ، عن يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه، فأكد الشافعي رواية إبراهيم بن محمد بهذه الرواية الموصولة. انتهى كلام البيهقي (٢).
قلت: أما رواية أبي داود الثانية التي قال فيها: عن علي بن يحيى بن خلاد،
стр. 602
عن أبيه، عن عمه -يعني بأبيه يحيى بن خلاد، ويعني بعمه رفاعة بن رافع (١)، والهاء في "عمه" راجعة إلى يحيى لأن رافعًا عمه، ويحيى روى عنه.
وكذلك روايته الرابعة: التي أخرجها عن مؤمل بن هشام وقال فيها: عن علي، عن أبيه، عن عمه رفاعة.
وكذلك روايته الخامسة: التي أخرجها عن عباد بن موسى.
وقال فيها عن يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه -يعني عليًّا- عن جده -يعني يحيى بن خلاد، عن رفاعة بن رافع.
وكذلك رواية الترمذي: فإنه قال فيها: عن يحيى بن علي بن يحيى، عن جده -يعني يحيى بن خلاد، عن رفاعة بن رافع.
وكذلك رواية النسائي فإنه قال فيها: عن علي بن يحيى، عن أبيه، عن عمه.
فهذه خمس روايات ظاهرة الصحة، لا تحتاج إلى زيادة إيضاح (٢).
ويبقى رواية الشافعي، وروايتا أبي داود الأولى والثانية فيهن النظر:-
فأما الرواية الأولى من روايات الشافعي فقد تقدم قول البيهقي: إن إبراهيم
стр. 603
بن محمد لم يقم إسنادها.
وأما الرواية الثانية: فإنها منقطعة لأنه قال: عن علي بن يحيى بن خلاد، عن رفاعة بن رافع، وعلي لم يرو عن رفاعة إنما روى عنه أبوه يحيى، وروى علي عن أبيه.
وأما الرواية الثالثة: فإنها مثل الأولى.
وأما رواية أبي داود الأولى: فلا تصح حتى يراد فيها عن أبيه، حتى تصير مثل روايته الثانية؛ وألا تكون منقطعة؛ وألا يكون قد قال فيها: عن عمه وليس عمه وإنما هو عم أبيه، ثم هذا قد كان يمكن التسامح فيه؛ لو كان علي بن يحيى قد روى عن عم أبيه الذي هو رفاعة بن رافع.
وأما الرواية الثالثة التي لأبي داود: فإنها منقطعة لأن علي بن يحيى لم يرو عن رفاعة بن رافع.
هذا بيان ما عرفناه في هؤلاء الرواة، والصواب ما ذكرناه، والله أعلم.
ولنعد الآن إلى شرح ما في الحديث من الغريب، والمعنى، والفقه؛ فإنه حديث جمع أوصافًا من أعمال الصلاة، فلنوسع القول فيه وإن كان قد تقدم بعض ما يفيد ذكره فيه.
قوله: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فليتوضأ" مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (١) - الآية.
وكقوله تعالى ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ (٢) المراد إذا أردتم وعزمتم على القيام إلى الصلاة، والدخول فيها؛ فتوضأوا وإذا أردتم القراءة فاستعيذوا.
وإنما عبر عن إرادة الفعل بلفظ الفعل: لأن الفعل مُسَبَّبٌ عن الإرادة، وهو
стр. 604
مع القصد إليه موجود، فكان منه بسبب وملابسة ظاهرة.
و"الكاف" في "كما" في موضع النصب لأنها صفة لمصدر محذوف، تقديره: فليتوضأ وضوءًا مثل الوضوء الذي أمره الله تعالى، ويريد بالذي أمره الله قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية. وإن شئت كما أمره الله ورسوله من باقي سنن الوضوء وأحكامه، كالمضمضة والاستنشاق وغيرهما: فإن أمر الرسول أمر عن الله تعالى.
وقوله: "ثم ليكبر" يجوز كسر لام "ليكبر" وسكونها، وقد قرئ بمثلها في القرآن العزيز كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ (١) بالكسر والسكون، فمن كسر فعلى الأصل لأن أصل لام الأمر الكسر، ومن سَكَّنَ فلطلب الخفة.
وهذا التكبير: هو تكبيرة الإحرام والدخول في الصلاة، وهو فرض وركن من أركان الصلاة وقد تقدم بيان ذلك.
وقوله: "فإن معه شيء من القرآن قرأ به" فيه دليل على قول من لم يشترط قراءة الفاتحة في الصلاة؛ لأنه قال: "شيء من القرآن" والشيء يقع على القليل والكثير، ولكن هذا عام والأمر بقراءة الفاتحة قول خاص، والخاص يقضي على العام.
وقوله: "وليكبر ثم يركع" هذه تكبيرة الركوع؛ وليست ركنًا من أركان الصلاة بل هي مستحبة.
و"الطمأنينة": السكون والثبات على الحالة تقول: اطمأن الرجل اطمئنانًا وطمأنينة، فهو مطمئن إلى كذا أي سكن. وقوله: "أعد صلاتك فإنك لم تصل" فيه دليل على وجوب هذه الأفعال المعددة في الحديث من التكبير والقراءة والركوع والقيام والطمأنينة والسجود،
стр. 605
لأنه لم يعتد بصلاته حيث لم يأت بها على هذا الوجه.
و"الراحة": الكفُّ.
وقوله: "وَمَكِّنْ رُكُوعَكَ" التمكين: الاستقرار والثبات على الشيء.
و"الصُّلْبُ" و "الظهْر" سواء؛ وهو في اللغة: كل موضع من الظَّهْر فيه فقار فهو "صُلْب".
و"المفاصل": المقاطع التي بين كل عضوين من أعضاء الحيوان.
الواحد: مَفْصِل -بفتح الميم، وكسر الصاد- وهو من الفصل بين الشيئين.
وفي هذا الحديث: أحكام كثيرة من أفعال الصلاة وأقوالها، فلنشر إلى بيانها فنقول:-
اعلم أن الصلاة فعل وقول يلزم المكلف؛ ولا يصح التلبس بها إلا لأمر يتألف من عقد وقول وفعل.
أما العقد: فهو النية؛ ولا خلاف في وجوبها بين الأمة، وهي قصد التقرب إلى الآمر بفعل ما أمر به لحق الآمر خاصة.
والأصل في كل نية: أن يكون عقدها مع التلبس بالفعل المنوي بها.
وقيل: ذلك بشرط استصحابها، فإن تقدمت النية أو طرأت غفلة مع التلبس بالعبادة في تلك الحالة لم يعتد بها؛ كما لم يعتد بها إذا وقعت بعد التلبس بها.
وقد رُخِّصَ في تقديمها في الصوم، ولعظيم الحرج في اقترانها بأوله.
وأما القول: فهو التكبير وهو واجب.
وقد ذكرنا الخلاف فيه، وأن منهم من جَوَّزَ إبدال التكبير بغيره من الصفات الجائزة على الله تعالى، وإبدال اسم الله بغيره من أسمائه قالوا: لأن الأصل فيه
стр. 606
قوله تعالى ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (١) فلم يعين اسمًا خاصًّا.
وهذا اللفظ الذي هو ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ لفظ محتمل لكون المراد بالذكر النية والذكر باللسان؛ ففي القرآن الأمر بالذكر مطلقًا، وفي السنة الأمر به مقيدًا بصفته ووقته فكان أولى، وإذا تعين التكبير حسب ما عينه الرسول في هذا الحديث قولًا حيث قال له: "كبِّر" وحسب ما عينه فعلًا حين قال: "الله أكبر" فلا يجوز مخالفته.
ولذلك ذهب من قال إلى أنه لا يجوز "الله الأكبر" لأنه زيادة الألف واللام على البيان في عبادة لا مجال للقياس فيها.
وأما الفعل فنحو: استقبال القبلة، ورفع اليدين، وستر العورة، وقد تقدم بيان ذلك.
وقد تعارضت روايات الناقلين لأحاديث الصلاة جملة وتفصيلًا كأبي حميد الساعدي، وأبي هريرة وغيرهما ممن نقل أكثر أحكامها في حديثه، وكغيرهما من الصحابة ممن نقل بعض أوصافها؛ واجتمع البيان في كل طريق منها.
والذي نقل عنه في هيئة الصلاة بين الأفعال والأقوال ما يقارب خمسين خصلة؛ اختلف مناهج العلماء فيها على ثلاثة أنحاء:-
الأول: أنها كلها واجبة.
والثاني: أن كل ما يُضَمَّنُ القرآن منها واجب، وما خرج منها فهو مسنون.
والثالث: المقابلة بين الأفعال والأقوال؛ فما يخلص منها إلى الوجوب والسنة قُضِي به.
وهذا هو المنهج الأَسَدُّ وبيان ذلك:
стр. 607
أن النبي ﷺ قال: "صَلُّوا كما رأيتموني أُصَلِّي" (١) فوجب الانتهاء إلى هذا، وتعين الاقتداء به، ثم نظر الأئمة إلى ما ورد عنه في أحكام الصلاة، نظرًا مجملًا ومفصَّلاً:
أما المجمل: فنحو هذا الحديث حيث قال له النبي ﷺ :
"ارجع فَصَلِّ فإنك لَمْ تُصَلِّ" إلى أن بَيَّنَ له فقال: "توضأ واصنع" إلى آخر الحديث؛ فذكر ذلك كله في معرض التعليم؛ وسكت عن بعض ما بينه في غير هذا الحديث؛ من رفع اليدين وتعيين القراءة، وتكبيرات الانتقال، والجلسة الوسطى، والتشهد، والسلام، وغير ذلك.
ثم إنهم استقرؤا الشريعة فثبت أنه قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، وكل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خَدَاج" (٢) فتعينت قراءة الفاتحة لذلك.
وترك النبي ﷺ الجلسة الوسطى ناسيًا؛ ولم يجعل ذلك قادحًا في الصلاة، لكنه عَوَّضَ عنها بالسجود وقال: "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم" (٢).
ثم اختلف العلماء في هذه الأخبار، بحسب اختلافهم في مراتب الأدلة من الكتاب والسنة وارتباطها باللغة، واختلاف الرواية في الأحاديث والزيادة والنقصان، وعلى هذه الأصول ابتنى اختلاف الاجتهاد بين العلماء.
والذي تقرر عليه مذهب الشافعي: أن الصلاة تشتمل على فرائض، وسنن, وهيئات، وآداب.
أما الفروض فهي أربعة عشر: النية، وتكبيرة الإحرام، والقيام، وقراءة الفاتحة، والركوع مع الطمأنينة، والاعتدال عنه قائمًا، والسجود مع الطمأنينة، والاعتدال عنه، والجلوس للتشهد الآخر، والتشهد الأخير، والصلاة على النبي
стр. 608
والسلام، ونية الخروج من الصلاة في أحد الوجهين، وترتيب الأفعال المذكورة.
وأما السنن فمن الأفعال خمس: وهي رفع اليدين في تكبيرة الإحرام، وعند الهوي إلى الركوع، وعند الاعتدال منه، والجلسة للتشهد الأول، وجلسة الاستراحة.
ومن الأقوال خمسة عشر: وهي دعاء الاستفتاح، والتعوذ، والتأمين وقراءة سورة بعد الفاتحة، وتكبيرات الانتقال، والذكر في الركوع والسجود وفي الاعتدال منها، والتشهد الأول، والصلاة على النبي فيه، والصلاة على آله في التشهد الآخر، والقنوت في صلاة الصبح، والدعاء في آخر التشهد الآخرة، والتسليمة الثانية.
وأما الهيئات والآداب: فنشر الأصابع، وحد رفعها، والتورك، والافتراش، والإطراق، والتجافي، وترك الالتفات، ووضع اليد على الركبة في الركوع، ومد الظهر والعنق، والبداية بالركبة ثم باليد في السجود، والسجود على الأنف، ورفع البطن عن الفخذ في السجود، ووضع اليدين على الأرض للقيام، ووضع اليد اليمنى على الفخذ اليمنى مقبوضة، والإشارة بالمُسَبِّحَةِ، ووضع اليد اليسرى على الفخذ اليسرى مبسوطة، والجهر بالقراءة، والإسرار، ووضع اليمين على الشمال، والنظر إلى موضع السجود. ونحو ذلك مما قد فرغ من تقسيمه وتفصيله في كتب الفقه، وكل واحد من هذه الأركان؛ وأكثر هذه الأحكام له موضع يُذْكَرُ فيه؛ إلا أن الذي يخص هذا الحديث هو ذكر الركوع، والسجود، والطمأنينة فيها، وهي فرض عند الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا تجب الطمأنينة في واحد منها, ولا يجب الرفع والقيام من الركوع.
ولم يثبت عن مالك في ذلك نص، ومَيْلُ أصحابه إلى وجوبها.
والله أعلم.
стр. 609
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد عن النعمان بن مرة أن رسول الله ﷺ قال: "ما تقولون في الشارب والزاني والسارق"؟ وذلك قبل أن ينزل الله الحدود -فقالوا: الله ورسوله أعلم؛ فقال رسول الله ﷺ : " [هن] (١) فواحش وفيهن عقوبة؛ وأسوأ السرقة الذي يسرق صلاته"، ثم ساق الحديث.
هكذا جاء في المسند ولم يذكر باقيه، وقد أخرجه الموطأ (٢) بتمامه؛ "قالوا: وكيف يسرق صلاته يا رسول الله؟ قال: "لا يتم ركوعها ولا سجودها"، قال النعمان: وكان عمر يقول: إن وجه دينكم الصلاة فَزَيِّنُوا وجه دينكم بالخشوع.
"الشارب": اسم فاعل من شرب يشرب شُرْبًا فهو شارب، ويقال ذلك: لكل من شرب شيئًا من المياه والمائعات واللبن ونحوه، ثم جعله كثرة الاستعمال إذا ذُكِرَ مطلقًا خاصُّا بشارب الخمر والنبيذ حتى كأنه موضوع في الأصل له، فإذا قيل: فلان شارب وفلان يشرب لا يذهب الفهم إلا في ذلك، وإذا أريد أنه شرب شيئًا بعينه؛ قرن به لفظ المشروب حتى يُعْرَفَ، فيقال: شرب ماءً، وشرب لبنًا وغير ذلك.
ولهذا قال النبي ﷺ في هذا الحديث: "ما تقولون في الشارب؟ ".
يريد به شارب الخمر.
وقوله: "قبل أن ينزل الحدود" غنية لسؤاله ﷺ إياهم عن الواجب على
стр. 610
الشارب والزاني والسارق، لأنه بعد نزول الحدود ومعرفتهم لا يتجه السؤال إلا على جهة التقرير، ولذلك قالوا في الجواب: الله ورسوله أعلم.
"الحدود": جمع حَدّ، وهو ما أوجبه الله على من باشر شيئًا من المحظورات التي قرن بها الحدود.
وأصل الحد في اللغة: المنع، والحد الحاجز بين الشيئين، ويرجع إلى المنع لأنه يمنع أحد الشيئين أن يدخل في الآخر.
و"الحد" أيضًا: منتهى الشيء.
وكل مدار هذا اللفظ يرجع إلى المنع، فكأن الحد يمنع مرتكب الذنب من معاودته.
و"الفواحش": جمع فاحشة، وهي كل خصلة قبيحة في العقل والشرع معًا، وكل شيء جاوز حده فهو فاحشة.
وقد جعل الاستعمال إطلاق الفاحشة على الزنا أكثر من غيره.
و"العقوبة" معروفة: وهي المؤاخذة بالذنب والانتقام من جانيه تقول: عاقبته معاقبة، والعقاب والعقوبة سواء.
و"أسوأ": أفعل من السوء خلاف الإحسان أي أكثر سوءًا، قد جعل الذي لا يتم ركوع صلاته وسجودها سارقا؛ لأنه تارك بعضها فكأنه قد أخذ منها شيئًا؛ فنقصها كما ينقص السارق المال الذي يسرقه.
وقوله: "أسوأ السرقة" مبتدأ، وخبره: "الذي يسرق صلاته" فجعل الصفة خبرًا عن الحدث، وإنما يصح هذا على تقدير حذف مضاف، التقدير: أسوأُ السَّرِقَةِ سَرِقَةُ الذي يسرق صلاته، أو أسوأ ذوي السرقة الذي يسرق صلاته، كقوله -تعالى- ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ (١).
стр. 611
التقدير: ولكن البِرَّ بِرُّ من اتقى، أو لكن ذا البر من اتقى.
وتمام الركوع والسجود هو الاعتدال فيهما والطمأنينة.
وهذا الحديث أخرجه الشافعي في كتاب "اختلاف الحديث" (١).
...
стр. 612
النوع الثاني في أعضاء السجود
أخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: "أمر رسول الله ﷺ أن يسجد على سبعة: يديه، وركبتيه، وأطراف أصابعه، وجبهته، ونُهِيَ أن يكفت منه الشعر والثياب".
وزاد ابن طاوس: "فوضع يده على جبهته، ثم مَرَّ بها على أنفه حتى بلغ طرف أنفه، فكان أبي يَعُدُّ هذا واحداً.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار سمع طاوسا يحدث عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ أمر أن يسجد منه على سبعة، ونهى أن يكفت شعره أو ثيابه".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: "أمر أن نسجد على سبع فذكر منها كفيه وركبتيه".
أخرج الشافعي الروايتين الأوليين: في كتاب "استقبال القبلة" (١).
وأخرج الرواية الثالثة: في كتاب "اختلافه مع مالك" (٢).
وهو حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا الموطأ.
فأما البخاري (٣): فأخرجه عن قتيبة، عن سفيان، عن عمرو بن دينار بالإسناد قال: "أمر النبي ﷺ : أن يسجد على سبعة أعضاء -ولا يكف شَعْرًا ولا ثَوْبًا-: الجبهة، واليدين، والركبتين، والرجلين".
стр. 613
وفي أخرى: عن مسلم بن إبراهيم، عن شعبة، عن عمرو بن دينار بالإسناد أن النبي ﷺ قال: "أمرنا أن نسجد على سبعة أعظم، ولا نكف شعرًا ولا ثوبًا".
وفي أخرى: عن معلى بن أسد، عن وهيب، عن عبد الله بن طاوس بالإسناد قال: قال النبي ﷺ : "أمرتُ أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة -وأشار بيده إلى أنفه-، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، ولا نكفت الثياب ولا الشعر".
وأما مسلم (١): فأخرجه عن يحيى بن يحيى وأبي الربيع الزهراني، عن حماد ابن [زيد] (٢)، عن عمرو بن دينار بالإسناد، وذكر نحو رواية البخاري الأولى.
وفي أخرى: عن محمد بن بشار، عن محمد بن جعفر، عن شعبة مثل البخاري.
وفي أخرى: عن عمرو الناقد، عن سفيان، عن ابن طاوس.
وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن مسدد وسليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن عمرو بالإسناد قال: "أمِرَ نبيكُم أن يسجد على سبعة ولا يكف شعرًا ولا ثوبًا".
وفي أخرى: عن محمد بن كثير، عن شعبة، عن عمرو بالإسناد قال: أمِرَ نبيكُم أن يسجدَ على سبعة آراب.
وأما الترمذي (٤): فأخرجه عن قتيبة، عن حماد بن زيد، عن عمرو بالإسناد وذكره.
стр. 614
وأما النسائي (١): فأخرجه عن قتيبة مثل الترمذي.
وله روايات أخرى كثيرة.
قوله: "أُمِرَ ونُهِيَ" على ما لم يسم فاعله؛ يريد بالآمر: الله -لأنه هو الذي يأمر النبي ﷺ .
ويريد بالمأمور: نحن وقد صرح به.
و"السجود"، في اللغة: الخضوع.
وهو في الشرع: عبارة عن هيئة مخصوصة على ما هو معرف في الصلاة وهو على الحقيقة خضوع، تقول: سجد يسجد سجودًا، والاسم السجدة -بالكسرة- فأما بالفتح فهو المرة الواحدة من السجود.
و"الكَفْتُ": الضم، تقول: كَفَتُّ الشيء أَكْفِتُه كَفْتًا إذا ضممته إلى نفسك.
والكف: من كف الثوب وهو خياطته وعطفه؛ المعنى: لا يعطف ثوبه ويجمعه.
و"الأعضاء": جمع عضو وهو الطرف من أطراف الإنسان، كاليد، والرِّجْلِ، والرأس، وغير ذلك.
و"الأعظم": جمع عظم.
و"الآراب": جمع إرب (بكسر الهمزة) -وهو العضو أيضًا.
والمراد بالأعضاء والأعظم والآراب شيء واحد. ولما كانت في هذا الحديث سبعة جمعها على القلة؛ فإن أفعلًا وأفعالًا جَمْعَا قلة، ولما لم يرد في جمع الأعظم أعظام؛ عدل إلى ما ورد فيه من جموع القلة وهي أعظم، ولم يقل "عظام" لأن فعال جمع كثرة.
стр. 615
و"الثوب": ما يُلبس ويُتزر به ويُتغطى به؛ سواء كان مخيطًا أو غير مخيط.
و"الشعر" (بفتح العين وسكونها): اسم جنس لِـ "شَعْرة" (ساكنه العين) فهو يقع على القليل والكثير.
وأهل اللغة يسمون هذا النوع جَمْعًا، والنحويون يسمونه جِنْسًا.
وقوله: "أن يسجد منه" في لفظة "منه" زيادة في البيان والتخصيص، وأن الأعضاء المأمور بالسجود عليها هي من الساجد.
فإنه إذا أطلق احتمل أن يكون من غيره.
وكذلك هي في قوله: "يكفت منه".
وقوله: "كان يعد هذا واحداً" يعني: أن الجبهة والأنف هما شيء واحد من السبعة.
و"أطراف الأصابع": يريد بها أصابع الرجلين وفي رواية: الرجلين ولم يذكر الأصابع وذكرها أولى لأنه أخص؛ ولأن السجود الحقيقة على أطراف الأصابع لا على الرجلين جميعًا.
وأما ذكر الرجلين: فلأن السجود على بعضها؛ وقد يطلق الكل ويراد به البعض، ويطلق البعض ويُراد به الكل لفهم الخطاب، ولذلك قال: "على يديه" وإنما أراد كفيه فأطلق الكل وأراد البعض.
وإنما نهى عن كف الثياب والشعر -وهو جمعها وضمها من الانتشار، والثوب خاصةً جَمْعُهُ باليدين عند السجود- وأمر بإرسالهما:
ليسقطا على الموضع الذي يصلي عليه صاحبهما من الأرض فيسجُدَا معه.
و"كف الشعر" كناية عن عقصه؛ فإن شعور العرب كانت مرسلة على أكتافهم، ولذلك لما رأى أبو رافع -مولى النبي ﷺ الحسين بن علي بن أبي
стр. 616
طالب ﵁ وقد عقص شعره في قفاه حله وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ذلك كفل الشيطان" (١) أي معقده. والذي ذهب إليه الشافعي: أن الواجب على المصلي أن يسجد على جبهته، وأما الأنف فعنده مستحب.
وبه قال أبو حنيفة وصاحباه، والثوري، ومالك.
وقال الأوزاعي، وإسحاق، وأحمد في إحدى الروايتين عنه:
يجب السجود عليهما.
وقال أبو حنيفة: إن سجد على أنفه دون جبهته أجزأه.
وقال أبو يوسف ومحمد: إنما يجزئه السجود على الأنف إذا كان بالجبهة علة.
وأما باقي الأعضاء: وهي اليدان، والركبتان، والرجلان، فيها للشافعي قولان:-
أحدهما: أنه واجب، وبه قال أحمد، وإسحاق.
والثاني: ليس بواجب، وبه قال أبو حنيفة، وأكثر الفقهاء ولكنه مستحب.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: أخبرني يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن عامر بن سعد، عن العباس بن عبد المطلب أنه سمع النبي ﷺ يقول: وإذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب: وجهه وكفاه وركبتاه وقدماه".
стр. 617
هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم (١)، وأبو داود (٢)، والترمذي (٣)، والنسائي (٤).
فأما مسلم: فأخرجه عن قتيبة، عن بكر بن مضر، عن ابن الهاد.
وأما أبو داود، والترمذي، والنسائي فأخرجوه مثل مسلم أيضًا.
وللنسائي أخرى عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب، عن الليث، عن ابن الهاد.
وفي الباب عن أبي هريرة، وجابر، وأبي سعيد الخدري.
وهذا الحديث مؤكد للحديث الذي قبله، إلا أن ذلك أقوى دلالة على وجوب السجود على الأعضاء التي يسجد عليها؛ لأنه قال فيه: "أمرت وأمرنا" وقال في هذا: "إذا سجد العبد سجد معه" فهو إخبار عن حال الأعضاء التي تسجد، ولذلك ولذلك قال في الأول: "جبهته" وقال هاهنا: "وجهه" وذلك أخص دلالة؛ لأن الإجماع منعقد على أن السجود على الجبهة.
ومنهم من أضاف الأنف دون باقي الوجه، فيكون المراد بالوجه في هذا الحديث بعضه. كما بيناه من ذكر الكل والمراد البعض؛ ولأن الجبهة أعم ما في الوجه وأعلاه وأشرفه؛ ولأنه إذا وضع جبهته على الأرض فقد وضع جميع وجهه وألقاه على الأرض، فمعنى السجود موجود فيه.
وقال هاهنا: "كفاه" وذلك صريح في اللفظ؛ لأنه قال في الأول: "يداه" وأراد بهما كفيه؛ لأنهما اللذان يباشران الأرض. وسمي ذلك افتراش الكلب تشبيهًا بوضع الكلب ذراعيه على الأرض.
стр. 618
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان إذا سجد وضع كفيه على الذي وضع عليه جبهته. قال: "ولقد رأيته في يوم شديد البرد يخرج يده من تحت برنس له".
أخرج الموطأ (١) هذا الحديث إسنادًا ولفظًا [وزاد] (٢) "حتى يضعهما على الحصباء".
"البرنس": قلنسوة طويلة كان النساء يلبسونها في صدر الإسلام، وقد تبرنس الرجل: إذا لبس البرنس، هكذا قاله الجوهري. ولفظ الحديث يخالفه لأنه قال يخرج يديه من تحت برنس له، واليدان لا تغطيهما القلنسوة؛ وإنما تغطيهما الشملة والملاءة والقميص ونحو ذلك من الثياب.
والصحيح ما قاله الأزهري قال: البرنس كل ثوب رأسه منه ملتزق به دُرّاعة كانت أوجُبَّة، أو غير ذلك، وهو الذي يلبسه اليوم الرهابين والمطارقة من معه من النصارى يسمونه البرنس. وإذا أراد لابسه أن يضع يديه على جبهته احتاج أن يخرجهما من تحت البرنس.
"والحصباء": الحصى الصغار.
والذي ذهب إليه الشافعي في كون الكفين من أعضاء السجود، قد تقدم بيانه.
وغرضه من هذا الحديث حكم آخر وهو: أن الواجب عنده أن لا يضع جبهته على شيء يحول بينها وبين ما يسجد عليه من أرض أو مصلى، سواء كان الحائل بعض أعضائه أو ثوبه، أو طرفًا من ثوبه، أو شيئًا هو حامله في الصلاة.
كل ذلك لا يجوز أن يحول بين جبهته وبين ما يسجد عليه.
стр. 619
وقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: لا يجوز ذلك، ويجوز السجود على كور العمامة.
وروي عن شريح: أنه كان يسجد على برنسه.
فأما غير الجبهة من أعضاء السجود كاليدين، والركبتين، وأصابع القدمين ففيه للشافعي قولان:
أحدهما: أن السجود عليهما يجب.
والثاني: لا يجب. وقد ذكرنا ذلك.
فإن قلنا بالوجوب ففط كشف الكفين قولان:
أحدهما: لا يجب وهو المشهور.
والثاني: يجب.
وأما الركبتان والقدمان فلا كلام في كشفهما، بل يستحب تغطية الركبتين.
واستدل الشافعي بهذا الحديث على كشف الكفين.
وقد أخرج الشافعي: عن مالك، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد ابن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري قال: أبصرت عيناي رسول الله ﷺ انصرف علينا صبحة إحدى وعشرين من رمضان، وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين.
وهذا حديث صحيح أخرجه الجماعة (١) إلا الترمذي.
قال الشافعي: فإن سجد على الجبهة دون الأنف أجزأه. واحتج بما تقدم من حديث رفاعة.
стр. 620
وأخرج الشافعي أيضًا من رواية المزني عنه قال: أخبرنا عبد المجيد قال: أخبرنا ابن جريج قال: أخبرنا عمران بن موسى قال: أخبرني سعيد بن أبي سعيد المقبري أنه رأى [أبا] (١) رافع -مولى رسول الله ﷺ مر بحسن بن علي يصلي قد غرز ضفرته في قفاه، فحلها أبو رافع فالتفت إليه الحسن مغضبًا، فقال أبو رافع: أقبل على صلاتك ولا تغضب فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ذلك كفل الشيطان".
مقعد الشيطان -يعني: مغرز ضفرته.
هذا الحديث أخرجه أبو داود (٢)، والترمذي (٣) إلا أنهما قالا: عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه أنه رأى أبا رافع.
والكفل (بكسر الكاف وسكون الفاء): ما اكتفل به الراكب، وهو أن يدار حول سنام كساء ثم يركبه.
وقد تقدم بيان منعه من كفت الشعر، وأنه أراد به أن يقع على الأرض في حالة السجود.
стр. 621
النوع الثالث في التجافي
أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن داود بن قيس الفراء، عن [عبيد الله بن عبد الله] (١) بن أقرم الخزاعي، عن أبيه قال: "رأيت رسول الله ﷺ بالقاع من نمرة، أو النمرة -يشك الربيع- ساجدًا. فرأيت بياض إبطيه".
هكذا أخرجه الربيع عن الشافعي في كتاب "استقبال القبلة" وعاد أورده الربيع فيما لم يسمعه من الشافعي في كتاب "عليّ بن عبد الله" (٢) بالإسناد من غير شك.
وهذا الحديث أخرجه الترمذي (٣)، والنسائي (٤).
فأما الترمذي: فأخرجه عن أبي كريب، عن أبي خالد الأحمر، عن داود بن قيس بالإسناد قال: "كنت مع أبي بالبقاع من نمرة فمرت ركبة فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي قال: فكنت أنظر إلى عفرتي إبطيه إذا سجد، أي: بياضه".
وأما النسائي: فأخرجه عن علي بن حجر، عن إسماعيل، عن داود بن قيس بالإسناد قال: "صليت مع رسول الله ﷺ فكنت أرى عفرة إبطه إذا سجد".
وفي الباب عن ابن عباس، وابن بحينة، وجابر، وأحمر بن جزء، وميمونة، وأبي حميد الساعدي، والبراء بن عازب، وعدي بن عَمِيرة، وعائشة.
стр. 622
وليس لعبد الله بن أقرم عن النبي ﷺ حديث غير هذا الحديث.
"نَمِرة" -بفتح النون وكسر الميم-: موضع بعرفات فيه ضربت للنبي ﷺ يوم عرفات قبته. هذا هو المشهور في اسمها، وقد جاء في هذا الحديث بالشك "النمرة" بالألف واللام وهو جائز، وكان يعقوب بن سفيان يذهب إلى أنها بالتاء، والأول الوجه.
"والقاع": الموضع المستوي من الأرض.
"والإبط" -بكسر الهمزة وسكون الباء-: ما تحت الجناح معروف يذكَّر ويؤنث.
"وبياض الإبط": ما تحت أعلى الكتف، وهو الموضع الذي لا ينكشف من الإنسان إلا إذا رفع يده.
"والرَكَبة" -بفتح الراء وفتح الكاف-: أقل من الركب، والركب أصحاب في السفر دون غيرها؛ وهم العشرة فما فوقها.
"والركاب": الإبل لا واحد لها من لفظها.
"والعُفْرة" -بضم العين المهملة وسكون الفاء-: البياض، والمراد من هذا الحديث: هو المبالغة في التجافي وابعاد اليدين عن الجنبين، والذي ذهب إليه الشافعي: أن التجافي هيئة من هيئات الصلاة؛ وهو مستحب وليس بواجب.
وإليه ذهب الأئمة والفقهاء لم يختلف في ذلك.
وأخبرنا الربيع قال: قال الشافعي: أخبرنا سفيان، حدثنا عبد الله بن أخي يزيد بن الأصم، عن عمه، عن ميمونة أنها قالت: "كان النبي ﷺ إذا سجد لو أرادت بهْمة أن تمر تحته لمرت مما يتجافى".
стр. 623
هكذا أخرجه الربيع في كتاب "اختلاف علي وعبد الله" (١) وهو مما لم يروه الربيع عن الشافعي، إنما قال: قال الشافعي.
والحديث في نفسه حديث صحيح، أخرجه مسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤).
فأما مسلم: فأخرجه عن يحيى بن يحيى وابن أبي عمر، عن ابن عيينة.
وأما أبو داود: فأخرجه عن قتيبة، عن سفيان.
وأما النسائي: فأخرجه مثل أبي داود.
إلا أن مسلمًا وأبا داود روياه عن عبيد الله بن عبد الله بن الأصم، عن عمه يزيد بن الأصم (٥).
والشافعي والنسائي: روياه عن عبد الله بن عبد الله بن الأصم عن عمه (٦).
وعبيد الله وعبد الله أخوان، وعبد الله أكبرهما (٧).
ومثل الشافعي رواه الحميدي (٨): عن سفيان قال: حدثنا أبو سليمان عبد الله
стр. 624
ابن عبد الله بن أخي يزيد بن الأصم.
وقال يحيى بن يحيى وقتيبة عن عبيد الله.
ورواه مروان بن معاوية، وعبد الواحد بن زياد، عن عبد الله.
"البهمة": الصغيرة من الغنم.
"وجافى جنبه عن الأرض": إذا رفعه عنها ولم يلصقه بها.
وإنما أراد الشافعي بإخراج هذا الحديث في كتاب "اختلاف علي وعبد الله" (١) ما قاله الربيع قال: قال الشافعي: عن رجل عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن عامر بن عبدة قال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود- هيئت عظام ابن آدم للسجود، فاسجدوا حتى بالمرافق.
قال الشافعي: وليسوا -يعني العراقيين- يقولون بهذا، يقولون: لا نعلم أحدًا يقول بهذا.
فأما نحن فأخبرنا سفيان، عن داود بن قيس وذكر حديث ابن أقرم، ثم ذكر بعده حديث ميمونة، فذكر دليل ما ذهب إليه، وذكر حديث عبد الله ومخالفتهم إياه فيما ذهب إليه وروي عنه.
стр. 625
النوع الرابع في وضع اليدين علي الرُّكب
لم يرد في المسند شيء في هذا المعنى، وإنما قال الربيع: قال الشافعي: قال الأعمش: عن إبراهيم، عن علقمة والأسود قالا: دخلنا على عبد الله في داره، فصلى بنا فلما ركع طبق بين كفيه فجعلهما بين فخذيه، فلما انصرف قال: كأني انظر إلى اختلاف أصابع رسول الله ﷺ بين فخذيه، وأقام أحدنا عن يمينه والآخر عن يساره (١).
قال الشافعي: وليسوا -يعني العراقيين- يأخذون بهذا ولا نحن.
أما نحن: فنأخذ بحديث رواه يحيى القطان، عن عبد الحميد بن جعفر قال: حدثني محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي حميد الساعدي أنه سمع في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ أحدهم أبو قتادة يقول: "كان رسول الله ﷺ إذا ركع وضع يديه على ركبتيه" (٢).
وروى الربيع قال: قال الشافعي: وروى ابن علية، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني علي بن يحيى بن خلاد الزرقي، عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع أن رسول الله ﷺ قال لرجل: "إذا ركعت فضع يدك على ركبتيك".
стр. 626
وهذا الذي رواه ابن مسعود كان حكمًا في ابتداء الإسلام، ثم صار منسوخًا ولم يبلغه نسخه؛ حتى أخبر به أهل المدينة.
وفي ذلك دلالة على أن أهل المدينة أعلم بالناسخ والمنسوخ ممن فارقها وسكن العراق من الصحابة والله أعلم (١).
وقد روى الأسود عن عبد الله بن مسعود قال: علمنا رسول الله ﷺ الصلاة فكبر ورفع يديه، فلما ركع طبق يديه بين ركبتيه. فبلغ ذلك سعدًا فقال: صدق أخي، قد كنا نفعل ذلك، ثم أمرنا بهذا يعني الإمساك على الركبتين.
وقال الشافعي في سنن حرملة: أخبرنا سفيان، عن أبي [حصين] (٢)، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قال عمر بن الخطاب: قد سنت لكم الركب فخذوا بالركب (٣).
وهذا دليل على ترك التطبيق، ووضع اليدين على الركبتين؛ لأن قوله: "قد سنت لكم الركب" صريح أن الأخذ بها سنة، وأن ذلك أمر يضاف إلى من له أن يسن وهو النبي ﷺ .
ثم لم يكتف بالإخبار عن السنة حتى أردفه بقوله: "فخذوا بالركب" فأمر بعد أن أخبر حتى لا يجزي من بعض من يسمع قوله يوقف في العمل بإخباره فعضد الإخبار بالأمر تأكيدًا.
стр. 627
النوع الخامس في سجود المريض
أخبرنا الشافعي: أخبرنا الثقة، عن يونس، عن الحسن، عن أمه قالت: "رأيت أم سلمة -زوج النبي ﷺ تسجد على وسادة من أدم من رمد بها" (١).
"الوسادة": المخدة.
"والرمد": وجع في العين رَمِدَ يَرْمَدُ رَمَدًا فهو رَمِدٌ، وَأَرْمَدُ العين.
و"من" الأولى لتبيين الجنس يريد أن الوسادة هي أدم لا غير من الأشياء التي يعمل منها المخاد.
وأما التي في قوله: "من رمد بها" فإنها واقعة موقع اللام، التقدير: لأجل الرمد، ومن أجل الرمد.
والذي أراده الشافعي من هذا الحديث: بيان ما يجوز للمريض في السجود، وذلك أن مذهبه في السجود: أنه يجب فيه الطمأنينة والتنكيس، بحيث يكون أسفل ظهره أعلى من رأسه؛ فلو سجد على وسادة وكان رأسه مساويًا لظهره؛ ففيه وجهان لفوات التنكيس، فلو كان به مرض يمنعه من التنكيس، فإن وضعها على يديه لم يجزه؛ لأنه يسجد على ما هو حامل؛ وإن وضعها على الأرض ثم سجد عليها جاز ذلك، فإن لم يستطع أومأ برأسه إيماء.
قال الشافعي: ولا يرفع إلى وجهه شيئًا يسجد عليه.
стр. 628
ثم أخرج في القديم: عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، أن ابن عمر عاد ابن صفوان فحضرت الصلاة، فرآه يصلي على شيء فقال له: "إن استطعت أن تضع وجهك على الأرض فافعل، وإلا فأومئ إيماءً".
قال الشافعي: وإن وضع وسادة على الأرض يسجد عليها أجزأه ذلك إن شاء الله.
وأخرج حديث أم سلمة.
وقد روى سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر: أن رسول الله ( ﷺ ) عاد مريضًا، فرآه يصلي على وسادة فأخذها فرمى بها، فأخذ عودًا ليصلي عليه فأخذه فرمى به وقال: "صل على الأرض إن استطعت وإلا فأوم إيماء؛ واجعل سجودك أخفض من ركوعك" (١).
وهذا يحتمل أن يكون في وسادة مرفوعة إلى جبهته.
ويحتمل أن يكون في وسادة مرتفعة عن الأرض جدًّا، فأما إذا كانت على الأرض وهي قليلة الارتفاع عنها فلا بأس.
стр. 629
النوع السادس في جلسة الاستراحة
أخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: جاءنا مالك بن الحويرث فصلى في مسجدنا قال: "والله إني لأصلي وما أريد الصلاة ولكني أريد أريكم كيف رأيت رسول الله ﷺ يصلي، فذكر أنه يقوم من الركعة الأولى، وإذا أراد أن ينهض. قلت: كيف؟ قال: مثل صلاتي هذه".
أخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد الوهاب، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة بمثله غير أنه قال: "وكان مالك إذا رفع رأسه من السجدة الآخرة في الركعة الأولى فاستوى قاعدًا؛ قام واعتمد على الأرض".
هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (١)، وأبو داود (٢)، والترمذي (٣)، والنسائي (٤).
فأما البخاري: فأخرجه عن معلى بن أسد، عن وهيب، عن أيوب، عن أبي قلابة وذكر الحديث إلى قوله: كيف رأيت رسول الله ﷺ يصلي. ثم قال أيوب: فقلت لأبي قلابة: وكيف كانت صلاته؟ [قال] (٥): مثل صلاة شيخنا هذا -يعني عمرو بن سلمة- قال أيوب: وكان ذلك الشيخ يتم التكبير، وإذا رفع من عن السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض ثم قام.
стр. 630
وله في أخرى: عن محمد بن الصباح، عن هشيم، عن خالد , عن أبي قلابة، عن مالك، أنه رأى النبي ﷺ إذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا.
وأما أبو داود: فأخرجه عن مسدد، عن إسماعيل، عن أيوب بالإسناد ولفظ البخاري.
وفي أخرى: عن مسدد، عن هشيم عن [خالد] (١) بالإسناد ولفظ البخاري إلا أنه قال: جالسًا (٢).
وأما النسائي: فأخرجه عن زياد بن أيوب، عن إسماعيل، عن أيوب بالإسناد قال: جاءنا أبو سليمان مالك بن الحويرث إلى مسجدنا فقال: أريد (٣) أريكم كيف رأيت رسول الله ﷺ يصلي، قال: فقعد في الركعة الأولى حين رفع رأسه من السجدة الآخرة.
وفي أخرى: عن علي بن حجر مثل الترمذي وقال: قاعدًا (٤).
وفي أخرى: عن محمد بن بشار، عن عبد الوهاب، عن خالد، عن أبي قلابة قال: كان مالك بن الحويرث يأتينا فيقول: ألا أحدثكم عن صلاة رسول الله ﷺ فيصلي في غير وقت الصلاة، فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية في أول الركعة استوى قاعدًا ثم قام فاعتمد على الأرض.
قوله: "وما أريد الصلاة" يعني أن صلاته هذه ليست فرضًا يؤديه ولا واجبًا فاته فيقضيه، ولا نافلة يتطوع بها؛ لأن نيته لهذه الصلاة ليست للعبادة والتقرب إلى الله وإنما نيته بها أن يريهم كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ .
стр. 631
وهذه وإن كانت صلاة؛ إلا أن الجزاء عليها إنما يقع حسب النية فيها.
فقوله: "فذكر أنه يقوم من الركعة الأولى، وإذا أراد أن ينهض" يريد [] (١) إحداهما ما يفعله عند الفراغ من السجدة الآخرة، والأخرى كيفية النهوض إلى الركعة الثانية.
ويوضح ذلك ما جاء في الرواية الثانية؛ من رواية الشافعي وفي روايات الأئمة الباقين المذكورة.
وإنما اكتفى بقوله ذلك ولم يبين غرضه؛ لأنه لما قال له: كيف؟ قال: مثل صلاتي هذه. فحيث قد شاهد صلاته ورآه كيف صلى، فلم يحتج أن يفصل له ذلك اعتمادًا على ما رآه من صلاته.
وقوله في الرواية الثانية: "من الركعة الأولى" لأن غرضه إنما هو جلسة الاستراحة، والنهوض إلى الركعة الثانية.
وقوله: "فاستوى قاعدًا" قام بتبيين لأحد الحكمين وهو كيفية القيام، إلا أنه أبان عنه بيانًا مقصودًا إليه، وأبان عن الحكم الآخر وهو جلسة الاستراحة؛ بيانًا غير مقصود إليه بقوله: "فاستوى قاعدًا" وهذا البيان وإن لم يكن مقصودًا إليه في اللفظ؛ فإنه أقوى في الإيضاح من البيان المقصود إليه؛ لأنه أورده معطوفًا بالفاء على قوله: "رفع رأسه من السجدة الآخرة" فأخذه مُسَلَّمًا مفروغًا منه، كأنه ثابت مستقر مفهوم لا يحتاج إلى استئناف بيان.
والاعتماد على الشيء: الاتكاء عليه وهو افتعال من العماد والعمدة لما يعتمد عليه، أراد أنه إذا قام اتكأ بيديه على الأرض وقام. والواو في "واعتمد" واو الحال، أي قام وهو معتمد على الأرض، إلا أن هذه الواو مع الفعل الماضي لا تحسن إلا ومعها "قد"؛ إما مظهرة وإما مقدرة أي قام وقد اعتمد على الأرض.
стр. 632
فأما من جعل الواو للعطف، فإنما يجوز إذا كان لا يجعل الواو للترتيب.
فأما من جعلها تفيد الترتيب فلا يجوز؛ لأن الاعتماد على الأرض قبل القيام يقول: قام واعتمد؛ إنما يقول: اعتمد وقام، فجعل الواو للحال أولى لذلك.
وقوله: "إذا كان في وتر من صلاته" الوتر للفرد، والمراد به هاهنا: الركعة الأولى من الصلاة الثنائية والثلاثية والرباعية، والركعة الثالثة من الصلاة الرباعية؛ فإنها وتر أيضًا.
وقوله في رواية النسائي: "في أول الركعة" وإنما هو في آخر الركعة يريد في الركعة الأولى؛ فقدم الصفة على الموصوف.
والذي ذهب إليه الشافعي -في رواية المزني-: أنه إذا رفع المصلي رأسه من السجدة الثانية من الركعة الأولى، ومن الركعة الثالثة من الصلاة الرباعية، جلس مستويًا قبل أن يقوم إلى الركعة الثانية وإلى الرابعة؛ وهي جلسة الاستراحة، وهي مستحبة عنده.
وقال في الأم: يقوم من السجدة الثانية، ولم يأمر بالجلوس.
فقال بعض أصحابه: إن ذلك على اختلاف حالين: إن كان كبيرًا ضعيفًا جلس للاستراحة، وإن لم يحتج إلى ذلك قام من غير جلوس. فقال بعض أصحابه: في المسأله قولان:
أحدهما: لا يجلس. وبه قال مالك، وأبو حنيفة، والثوري، وأحمد، وإسحاق.
وروي ذلك عن: عبد الله بن مسعود، وابن عمر، وابن عباس.
وأما بقية القيام: فقال الشافعي: إذا أراد القيام من الركعة الثانية ومن جلسة الاستراحة؛ فإنه يقوم معتمدًا على يديه.
وحكي ذلك عن: ابن عمر، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق.
стр. 633
وقال أبو حنيفة والثوري: لا يعتمد على يديه، بل ينهض معتمدًا على صدور قدميه، وروي ذلك عن علي وابن مسعود ﵄، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
تم الجزء الأول من كتاب
"الشافي في شرح مسند الشافعي"
﵁
بعون الله وحسن توفيقه
يتلوه في الجزء الثاني: النوع السابع في دعاء الركوع، والسجود، والقيام من الركوع وبين السجدتين.
وكان الفراغ من نسخه يوم السبت
[لتسع] (١) بقين من رمضان المعظم
عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة
والحمد لله وحده
والصلاة التامة على سيدنا محمد وآله
والرضا عن أصحابه