وهذه وإن كانت صلاة؛ إلا أن الجزاء عليها إنما يقع حسب النية فيها.
فقوله: "فذكر أنه يقوم من الركعة الأولى، وإذا أراد أن ينهض" يريد [] (١) إحداهما ما يفعله عند الفراغ من السجدة الآخرة، والأخرى كيفية النهوض إلى الركعة الثانية.
ويوضح ذلك ما جاء في الرواية الثانية؛ من رواية الشافعي وفي روايات الأئمة الباقين المذكورة.
وإنما اكتفى بقوله ذلك ولم يبين غرضه؛ لأنه لما قال له: كيف؟ قال: مثل صلاتي هذه. فحيث قد شاهد صلاته ورآه كيف صلى، فلم يحتج أن يفصل له ذلك اعتمادًا على ما رآه من صلاته.
وقوله في الرواية الثانية: "من الركعة الأولى" لأن غرضه إنما هو جلسة الاستراحة، والنهوض إلى الركعة الثانية.
وقوله: "فاستوى قاعدًا" قام بتبيين لأحد الحكمين وهو كيفية القيام، إلا أنه أبان عنه بيانًا مقصودًا إليه، وأبان عن الحكم الآخر وهو جلسة الاستراحة؛ بيانًا غير مقصود إليه بقوله: "فاستوى قاعدًا" وهذا البيان وإن لم يكن مقصودًا إليه في اللفظ؛ فإنه أقوى في الإيضاح من البيان المقصود إليه؛ لأنه أورده معطوفًا بالفاء على قوله: "رفع رأسه من السجدة الآخرة" فأخذه مُسَلَّمًا مفروغًا منه، كأنه ثابت مستقر مفهوم لا يحتاج إلى استئناف بيان.
والاعتماد على الشيء: الاتكاء عليه وهو افتعال من العماد والعمدة لما يعتمد عليه، أراد أنه إذا قام اتكأ بيديه على الأرض وقام. والواو في "واعتمد" واو الحال، أي قام وهو معتمد على الأرض، إلا أن هذه الواو مع الفعل الماضي لا تحسن إلا ومعها "قد"؛ إما مظهرة وإما مقدرة أي قام وقد اعتمد على الأرض.
стр. 632
فأما من جعل الواو للعطف، فإنما يجوز إذا كان لا يجعل الواو للترتيب.
فأما من جعلها تفيد الترتيب فلا يجوز؛ لأن الاعتماد على الأرض قبل القيام يقول: قام واعتمد؛ إنما يقول: اعتمد وقام، فجعل الواو للحال أولى لذلك.
وقوله: "إذا كان في وتر من صلاته" الوتر للفرد، والمراد به هاهنا: الركعة الأولى من الصلاة الثنائية والثلاثية والرباعية، والركعة الثالثة من الصلاة الرباعية؛ فإنها وتر أيضًا.
وقوله في رواية النسائي: "في أول الركعة" وإنما هو في آخر الركعة يريد في الركعة الأولى؛ فقدم الصفة على الموصوف.
والذي ذهب إليه الشافعي -في رواية المزني-: أنه إذا رفع المصلي رأسه من السجدة الثانية من الركعة الأولى، ومن الركعة الثالثة من الصلاة الرباعية، جلس مستويًا قبل أن يقوم إلى الركعة الثانية وإلى الرابعة؛ وهي جلسة الاستراحة، وهي مستحبة عنده.
وقال في الأم: يقوم من السجدة الثانية، ولم يأمر بالجلوس.
فقال بعض أصحابه: إن ذلك على اختلاف حالين: إن كان كبيرًا ضعيفًا جلس للاستراحة، وإن لم يحتج إلى ذلك قام من غير جلوس. فقال بعض أصحابه: في المسأله قولان:
أحدهما: لا يجلس. وبه قال مالك، وأبو حنيفة، والثوري، وأحمد، وإسحاق.
وروي ذلك عن: عبد الله بن مسعود، وابن عمر، وابن عباس.
وأما بقية القيام: فقال الشافعي: إذا أراد القيام من الركعة الثانية ومن جلسة الاستراحة؛ فإنه يقوم معتمدًا على يديه.
وحكي ذلك عن: ابن عمر، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق.
стр. 633
وقال أبو حنيفة والثوري: لا يعتمد على يديه، بل ينهض معتمدًا على صدور قدميه، وروي ذلك عن علي وابن مسعود ﵄، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
تم الجزء الأول من كتاب
"الشافي في شرح مسند الشافعي"
﵁
بعون الله وحسن توفيقه
يتلوه في الجزء الثاني: النوع السابع في دعاء الركوع، والسجود، والقيام من الركوع وبين السجدتين.
وكان الفراغ من نسخه يوم السبت
[لتسع] (١) بقين من رمضان المعظم
عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة
والحمد لله وحده
والصلاة التامة على سيدنا محمد وآله
والرضا عن أصحابه
الشَّافِيْ
فيْ
شَرْح مُسْنَد الشَّافِعي
لابْن الأثِير
مَجْد الدَّينْ أبي السَّعادَاتْ: المباركْ بْن محمَّد بْن عَبْد الكريم الجزْريْ
стр. 637
جميْع الحقوقْ محفوظة
الطَّبْعَةُ الأولى
١٤٢٦هـ - ٢٠٠٥مـ
مَكتَبةَ الرُّشْدْ
نَاشِروُنْ
المملكة العربية السعودية - الرياض
شارع الأمير عبد الله بن عبد الرحمن (طريق الحجاز)
ص. ب ١٧٥٥٢ الرياض ١١٤٩٤ هاتف ٤٥٩٣٤٥١ فاكس ٤٥٧٣٣٨١
Email :alrushd@alrushdryh.com
website: www.rushd.com
* فرع طريق الملك فهد: الرياض - هاتف ٢٠٥١٥٠٠ فاكس ٢٠٥٢٣٠١.
* فرع مكة المكرمة: هاتف ٥٥٨٥٤٠١ فاكس ٥٥٨٣٥٠٦.
* فرع المدينة المنورة: شارع أبي ذر الغفاري - هاتف ٨٣٤٠٦٠٠ فاكس ٨٣٨٣٤٢٧.
* فرع جدة: ميدان الطائرة - هاتف ٦٧٧٦٣٣١ فاكس ٦٧٧٦٣٥٤.
* فرع القصيم: بريدة - طريق المدينة - هاتف ٣٢٤٢٢١٤ فاكس ٣٢٤١٣٥٨.
*فرع أبها: شارع الملك فيصل - تلفاكس ٢٣١٧٣٠٧.
* فرع الدمام: شارع الخزان - هاتف ٨١٥٠٥٦٦ فاكس ٨٤١٨٤٧٣.
وكلاؤنا في الخارج
القاهرة: مكتبة الرشد - ت ٢٧٤٤٦٠٥.
بيروت: دار ابن حزم هاتف ٧٠١٩٧٤.
المغرب: الدار البيضاء - وراقة التوفيق - هاتف ٣٠٣١٦٢ فاكس ٣٠٣١٦٧.
اليمن: صنعاء - دار الآثار - هاتف ٦٠٣٧٥٦.
الأردن: عمان - الدار الأثرية ٦٥٨٤٠٩٢.
البحرين: مكتبة الغرباء - هاتف ٩٥٧٨٣٣ - ٩٤٥٧٣٣.
الإمارات: مكتبة دبي للتوزيع هاتف ٤٣٣٣٩٩٩٨ فاكس ٤٣٣٧٨٠٠.
سوريا: دار البشائر ٢٣١٦٦٦٨.
قطر: مكتبة ابن القيم - هاتف ٤٨٦٣٥٣٣.
стр. 638
صلاتك ولم يقل مكانًا حتى سكت على قوله: "في بيتي" ثم قال: "اتخذه مصلى" جاز عود الضمير في "اتخذه" إلى البيت لا إلى المكان الذي صلى النبي ﷺ فيه، فلما قال: مكانًا عاد الضمير إليه؛ واختص بالمكان الذي يصلي فيه من بيته.
"واتخذه" يجوز: أن يكون مرفوعًا لأنه صفة المكان.
ويجوز: أن يكون مجزومًا لأنه جواب الأمر.
والمصلَّى: موضع الصلاة لأن ما زاد من الأفعال على الثلاثي فإن الموضع، والوقف، والمصدر، واسم المفعول فيه سواء على المفعل (بضم الميم وفتح العين) نحو: المدخل، والمكرم، والمستخرج.
وفي هذا الحديث من الفقه سوى جواز ترك الجماعة للعذر، وسوى كون هذه الأشياء المذكورة عذرًا: اتخاذ موضع من البيت مسجدًا، وإقامة الجماعة في البيوت.
وجواز استدعاء الصغير الكبير إلى منزله لغرض يخصه، وإجابة الكبير للصغير في استدعائه وسؤاله.
والذي أراده الشافعي من هذا الحديث هاهنا: جواز إمامة الأعمى بدليل أنه أورد الرواية الثانية واقتصر منها على قوله: "إنه كان يؤم قومه وهو أعمى" لم يزد على هذا.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن إمامة الأعمى جائزة كالبصير، ولم يرجح أحدهما على الآخر لأنه قال في كتاب "الإمامة": الأعمى والبصير في الإمامة سواء.
وقد اختلف أصحابه أيهما أولى؟
فقال قوم: البصير أولى لأنه يتوقى النجاسات.
وقال قوم: الأعمى أولى لأنه أخشع في صلاته من البصير.
стр. 639
وأما من رجح البصير فإنه اتبع الظاهر، وراعى قشر الصلاة، وأما من رجح الأعمى فإنه اتبع الباطن وراعى لب الصلاة، وقصد الغرض الذي شرعت الصلاة لأجله: والله أعلم.
وقال بجواز إمامة الأعمى معظم العلماء.
وروي عن ابن عباس أنه قال: كيف أؤم وهم يعدلوني إلى القبلة.
وروي عن أنس بن مالك أنه قال: وما حاجتهم إليه.
قال الشافعي: سمعت عددًا من أهل العلم يذكرون أن النبي ﷺ كان يستخلف ابن أم مكتوم وهو أعمى فيصلي بالناس، في عدة غزوات: والله أعلم.
إمامة العبد
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا عبد المجيد بن عبد العزيز [عن ابن] (١) جريج قال: أخبرني عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة أنهم كانوا يأتون عائشة -أم المؤمنين- بأعلاء الوادي هو وعبيد بن عمير، والمسور بن مخرمة وناس كثير، فيؤمهم أبو عمرو -مولى عائشة- وأبو عمرو غلامها حينئذٍ لم يعتق، قال: فكان إمام بني محمد بن أبي بكر، وعروة.
قوله: "أعلاء الوادي": يريد وادي مكة، كانوا يأتون عائشة يزورونها فيه، ويسمعون منها ويستفتونها.
وذلك عندما كانت تحج، أو لما خرجت مغاضبة لعثمان بن عفان في السنة التي قتل فيها.
"والعتق": تحرير رقبة العبد من الرق تقول: أعتقت العبد فهو معتق.
وعتق هو يعتق عتقا وعتاقة فهو عتيق وعاتق إذا صار حرا، وفلان مولى عتاقة
стр. 640
بالإضافة، ومولى عتق بالتنوين، والغلام: الخادم، والأنثى غلامه.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن العبد يجوز له أن يؤم الأحرار والعبيد في كل صلاة، وبه قال أكثر العلماء.
وحكي عن أبي مجلز أنه كره إمامة العبد.
وقال مالك: لا يؤمهم إلا أن يكون قارئًا، ومن معه من الأحرار لا يقرءون.
قال: ولا يؤم في جماعة ولا عيد.
وحكي عن الأوزاعي أنه قال: أربعة لا يؤمون الناس فذكر العبد إلا أن يؤم أهله.
ومع جواز إمامته فالحر أولى منه.
وقوله: "فكان إمام بني محمد وعروة" يعني أنه كان لهم إمامًا راتبًا.
إمامة الأعجمي
أخبرنا الشافعي ﵁ قال: أخبرنا عبد المجيد، عن [ابن] (١) جريج قال: أخبرني عطاء قال: سمعت عبيد بن عمير يقول: اجتمعت جماعة فيما حول مكة قال: حسبت أنه قال: في أعلاء الوادي هاهنا في الحجر قال: فحانت الصلاة فتقدم رجل من بني أبي السائب أعجمي اللسان قال: فأخره المسور بن مخرمة وقدم غيره، فبلغ عمر بن الخطاب فلم يعرِّفه بشيء حتى جاء المدينة، فلما جاء المدينة عرَّف بذلك فقال المسور بن مخرمة: أنظرني يا أمير المؤمنين إن الرجل كان أعجمي اللسان وكان في الحج، فخشيت أن يسمع بعض الحاج قراءته فيأخذ بعجمته.
فقال: هنالك ذهبت بك؟ فقال: نعم.
فقال: قد أصبت.
стр. 641
وفي نسخة: هنالك ذهبت بها؟.
قوله: "في أعلاء الوادي وفي الحج": بيان لما أجمله، أو لأنه قال: اجتمعت جماعة فيما حول مكة" وهذا عام في المكان والوقت، ثم إنه خصص المكان بقوله: في أعلاء الوادي، وخصص الوقت بقوله: في الحج.
وحان الشيء: إذا قرب وقته والمراد به دخول وقت الصلاة.
"والأعجمي": الذي لا يفصح لسانه وإن كان عربي الأصل.
وقد تقدم بيان ذلك مستوفى؛ وذكرنا الفرق بن الأعجمي والعجمي، والأعراب والعربي.
وأراد بالتقدم والتأخر: التقديم (١) بالإمامة والتأخر عنها.
وقولى: "فلم يعرفه بشيء" أي: لم يعلمه أنه سمع ما بلغه عنه، تقول: عرفت زيدًا، أي: جربته، وعرفت زيدًا، أي: أعلمته، وعرفته بكذا.
وإنما أخر إعلامه بذلك إلى المدينة؛ لأن مكة في الموسم تجمع أخلاط الناس من البلاد؛ وكان عمر أراد أن ينكر على المسور فعله، فلو فعل لانتشر ذلك عنه وتناقلته الرفاق، فأراد عمر أن يرفق به ولا يظهر عنه أنه أخطأ في فعله؛ فأخر تعريفه في المدينة.
وقوله: "انظرني" أي: أخرني ولا تعجل عليَّ في الإنكار؛ حتى أقوم بعذري.
فذكر له السبب الباعث في تأخيره وتقديم غيره؛ وهو المعجمة التي كانت في لسانه.
فلما سمعها عمر قَبِلَ عذره وقال له: قد أصبت.
وقوله: "هنالك ذهبت بك وبها" أي عند ذلك الغرض الذي ذكرت ذهبت بصنيعك الذي صنعت، وفعلت لك التي فعلت من تأخير واحد وتقديم آخر.
стр. 642
والذي ذهب إليه الشافعي: كراهة إمامة الأعجمي.
وبيان المذهب: أن الإمام إذا لحن في قراءته؛ فإن كان لحنًا لا يحيل المعنى صحت صلاته وصلاة من خلفه، لكن يكره أن يكون إمامًا.
وإن كان لحنه يحيل المعنى نظرت: فإن كانت في الفاتحة صحت صلاته دونهم.
وقال في موضع آخر: لا تصح صلاته ولا صلاتهم.
وليست المسألة على قولين؛ إنما على اختلاف حالين:
فالأولى: إنما هي إذا كان لسانه لا يطاوعه على الصواب فحينئذٍ تصح صلاته.
والثانية: لمن يمكنه أن يتعمد الصواب ولا يفعله.
وان كان اللحن فسواء حال المعنى أو لم يحله فإن الصلاة تصح وتصح، إلا أن يكون كفرًا وقد تعمده؛ هذا حكم اللحن. وأما إن كان لسانه أعجميًا ويبدل الحرف بحرف غيره؛ ولا يمكنه النطق به إلا كذلك، فحكمه حكم اللحن الذي يحيل المعنى. والله أعلم.
إمامة المرأة
أخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن عمار الدهني، عن امرأة من قومه يقال لها حجيرة، عن أم سلمة "أنها أمتهن فقامت وسطهن (وفي نسخة) فقامت وسطًا".
قال الشافعي (١): وروى ليث بن سليم، عن عطاء، عن عائشة "أنها صلت بنسوة العصر فقامت وسطهن".
قال: وروى صفوان بن سليم: "من السنة أن تصلي المرأة للنساء تقوم وسطهن".
قال الشافعي: فكان علي بن حسين يأمر جارية له تقوم بأهله في رمضان.
стр. 643
وكانت عمرة تأمر المرأة أن تقوم للنساء في شهر رمضان.
وقد روت أم ورقة "أن النبي ﷺ أمرها أو أذن لها أن تؤم أهل دارها. وكانت [قرأت] (١) القرآن على عهد رسول الله ﷺ " (٢).
وتقول جلست وسْط القوم بالتسكين، وجلست وسَط الدار بالفتح، وكل موضع صلح فيه بين فهو ساكن السين، وإن لم يصلح فيه فهو متحرك فربما سكن وليس بالوجه، والضابط فيه: أن كل ما كان متصل الأجزاء فهو متحرك به؛ وما كان منفصل الأجزاء ساكن.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن المرأة لا يجوز أن تكون إمامًا للرجل. وبه قال عامة الفقهاء.
إلا ما حكي عن أبي ثور، والمزني، ومحمد بن جرير الطبري فإنهم قالوا: يجوز في التراويح إذا لم يكن قارئ غيرها وتقف خلف الرجال.
ويجوز أن تكون إمامًا للنساء؛ وتستحب الجماعة لهن وبه قال عطاء، والأوزاعي، والثوري، وأبو ثور، وأحمد، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة ومالك: يكره لهن. وحكي عن نافع وعمر بن عبد العزيز.
وإذا صلت المرأة بالنساء وقفت وسطهن، ولا يعرف فيه خلاف عند من استحب لهن الجماعة، فإن تقدمت عليهن كره لها ذلك وصحت صلاتها وصلاتهن.
стр. 644
إمامة من لا تحمد حاله
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن نافع "أن ابن عمر [اعتزل] (١) بمنى في قتال ابن الزبير والحجاج بمنى، فصلى مع الحجاج.
"الاعتزال": الانفراد عن الجماعة والاسم العزلة.
"ومنى": لهذا الموضع المعروف يصرف ولا يصرف؛ فمن صرفه فلأنه أراد به الموضع وهو مذكر.
ومن لم يصرفه فلأنه أراد به البلدة؛ فاجتمع فيه علتان التعريف والتأنيث.
وقال (٢) الحجاج لعبد الله بن الزبير من قبل عبد الملك بن مروان، وذلك في سنة إحدى وسبعين.
والمراد: أن عبد الله بن عمر كان قد مضى حاجًّا؛ فصادف الحجاج يحارب ابن الزبير في أيام الموسم؛ فاعتزل القتال ولم يكن مع إحدى الطائفتين.
قال الشافعي: ومن صلى صلاة من بالغ مسلم يقيم الصلاة أجزأه ومن خلفه صلاتهم، وإن كان غير محمود الحال في دينه أي غاية بلغ يخالف الحمد في الدين؛ وقد صلى أصحاب رسول الله ﷺ خلف من لا يحمدون فعاله من السلطان وغيره قال: وأكره إمامة [الفاسق والمظهر للبدع المبدع، ولا يعيد من ائتم بهما] (٣).
وقال مالك: لا تصح الصلاة خلف الفاسق بغير تأويل، والفاسق بتأويل يعيد
стр. 645
في الوقت.
وعن أحمد في الفاسق روايتان.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر، عن أبيه "أن الحسن والحسين ﵉ [كانا] (١) يصليان خلف مروان، قال: فقال: ما [كانا] (١) يصليان إذا رجعا إلى [منازلهما] (٢)؟ فقال: لا والله ما [كانا] (١) يزيدان على صلاة الأئمة".
وهذا الحديث مؤكد لما سبق للحديث قبله، فإن الحسن والحسين على جلالة قدرهما وعلو مكانهما، واستيلائهما على أسباب التقدم جميعها، إذا صليا خلف مروان بن الحكم؛ وهو يومئذ أمير على المدينة من قبل معاوية بن أبي سفيان دل ذلك على جواز إلائتمام بمن لا تحمد حاله، وشد من أعضاد هذا المعنى استفسارة عنهما هل كانا يعيدان صلاتهما في منازلهما؟ فقال: لا؛ لأنهما لو لم يعلما أن صلاتهما وراء مروان صحيحة لأعاداها.
وإنما استفسر عن ذلك؛ لأنه ظن أن صلاتهما وراء مروان كان تقية؛ وخوفًا من أذى يلحقهما لو تركا الصلاة وراءه، ومعاذ الله من ذلك، فإنهما أعلى قدرًا وأعظم دينًا؛ أن يداهنا أحدًا من خلق الله -تعالى- في دينهما.
ولنزد بيان المذهب إيضاحًا: وذلك أن الفاسق من المسلمين بارتكاب الكبائر وإظهار البدع في الدين؛ والطعن علي السلف الصالحين من الخوارج والقدرية والمرجئة؛ والداعي إلى هواه ومن يجري مجراهم؛ تكره الصلاة خلفه فإن صلى صحت صلاته.
وقال أحمد: من صلى خلف [الجهمي] (٣) يعيد، والمرجئ إذا كان داعيًا
стр. 646
إلى هواه لا يصلى خلفه، والقدري إذا كان يرد الأحاديث يعيد من صلى خلفه.
قال ابن المنذر: كل من أخرجته بدعته إلى الكفر لم تجز الصلاة خلفه، ومن لم يكن كذلك فالصلاة خلفه جائزة، ولا يقدم من هذه صفته.
وفي الحديث من الفقه:
أن الوالي أحق بالإمامة من غيره؛ لأن ابن عمر مع فقهه، وقراءته، وهجرته ونسبه، وشرفه، وصحبة رسول الله ﷺ وغير ذلك من الأسباب التي لا يتقدم بها الإنسان على غيره، صلى وراء الحجاج على ما كان عليه من الأمور التي
توجب تأخره لولا الإمارة، وكذلك الحسن والحسين مع مروان.
***
стр. 647
الفرع الثاني (*)
في أولى الناس بالإمامة
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب عن أبي قلابة قال: حدثنا أبو سليمان مالك بن الحويرث قال: قال رسول الله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي؛ فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم".
هكذا رواه الربيع مختصرًا.
فقد رواه المزني عنه بالإسناد قال: "أتيت النبي ﷺ في ناس ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرون ليلة، وكان رسول الله ﷺ رحيمًا رفيقًا، فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلينا واشتقنا، سألنا عمن تركنا بعدنا فأخبرناه فقال: "ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم. فذكر أشياء أحفظها أو لا أحفظها وصلوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم".
وروى الربيع عن الشافعي، عن عبد الوهاب، عن خالد، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث قال: "أتيت النبي ﷺ أنا وحاجب، فلما أردنا الإقفال من عنده قال لنا: "إذا حضرت الصلاة فأذنا ثم أقيما وليؤمكما أكبركما".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا مالكًا.
فأما البخاري (١): فأخرجه عن سليمان (٢) بن حرب، عن حماد بن زيد،
стр. 648
عن أيوب وذكر نحو رواية المزني وقال فيها: لو رجعتم إلى بلادكم فعلمتموهم، مروهم فليصلوا كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا.
وأما مسلم (١): فأخرجه عن زهير بن حرب، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب وذكر [رواية] (٢) المزني.
وأخرج رواية الربيع الآخرة: عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، عن عبد الوهاب.
وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن مسدد، عن مسلمة بن محمد، وإسماعيل عن خالد، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث أن النبي ﷺ قال له ولصاحب له: "إذا حضرت الصلاة فأذنا ثم أقيما ثم ليؤمكما أكبركما".
وفي حديث مسلمة قال: وكنا يومئذٍ متقاربين في العلم.
وفي حديث إسماعيل: قال خالد: "قلت لأبي قلابة: فأين القراءة؟
قال: إنهما كانا متقاربين.
وأما الترمذي (٤): فأخرجه عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان، عن خالد، عن أبي قلابة، عن مالك قال: قدمت على رسول الله ﷺ أنا وابن عم لي فقال لنا: إذا سافرتما فأذنا وأقيما فليؤمكما أكبركما".
وأما النسائي (٥): فأخرجه عن حاجب بن سليمان، عن وكيع مثل الترمذي وزاد قال مرة: أنا وصاحب لي، بدل ابن عم لي.
قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" فيه مجرد الأمر بالصلاة بقوله "صلوا"
стр. 649
والأمر على الوجوب.
وقوله: "كما رأيتموني أصلي" تخصيص للأمر العام بالصلاة، أي صلوا صلاة مثل الصلاة التي رأيتموني أصليها، وهذا أمر مجمل حوى جميع أوصاف الصلاة: فرضها، وسنتها، وهيئتها من أولها إلى آخرها: "فليؤذن لكم أحدكم" هذا أمر على العموم من غير تخصيص لأحد بالأذان، فأيهم أذن أجزأ بخلاف قوله: "وليؤمكم أكبركم" فإنه خص الإمامة بالكبر وهو كبر السنن.
"والشببة": جمع شاب مثل: طالب وطلبة، وكافر وكفرة، وشاب: اسم فاعل من شب يشب شبابا فهو شاب.
"والرفيق": اسم فاعل من الرفق ضد العنف، تقول: رفق به يرفق فهو رفيق.
وقد جاء في روايه البخاري: "لو رجعتم إلى بلادكم فعلمتموهم" وهو من أحسن الألفاظ وأشرفها التي تحصل المعنى المطلوب من الخاطب، والمخاطب على ألطف وضع وأكمل حالة، وذلك كأنه ﷺ تلمح منهم ميلهم إلى العود والرجوع إلى أوطانهم.
وقد كان ﷺ يريد منهم ذلك لأمرين:
أحدهما: إيناسهم وتخفيف كلفة الغيبة عليهم، ولئلا ينفروا من الإسلام لو طال مقامهم عنده أو منعهم من العود.
والثاني: وهو الأهم عنده والأدعى إليه عودهم إلى أهليهم ليعلموهم أمر الإسلام وشرائعه، فاجتمع في ذلك هذه الأغراض المتعلقة به وبهم، فلم يقل لهم: عودوا إلى أوطانكم، ولا ارجعوا إلى بلادكم، ولا علموا أهليكم ما عليهم من الفرائض.
وإنما عدل من هذه العبارة وما فيها من غلظه الأمر الحازم، والتكليف لميثاق الواجبات فقال: "لو رجعتم إلى بلادكم فعلمتوهم" فأتى بأحسن عبارة، وألطف لفظ، وأشرف خطاب، جمع الأغراض المشار إليها حتى كان المنبه لهم
стр. 650
عليه في رجوعهم، الذي هو أكبر أغراضهم ومقاصدهم، حيث جاء بلفظ السؤال والعرض المترفع.
ثم قوله: "فعلمتموهم" لم يأت به بلفظ الأمر وجاء به بلفظ الخبر؛ لئلا يكونوا مع كلفة مشقة التعليم مأمورين به.
ثم لما أراد أن يصدر الأمر الذي يثبت عندهم وجوب المأمورية؛ وإلا كانوا يظنونه غير واجب حيث لم يجئ بلفظ الأمر، قال عقيب هذه الألفاظ اللطيفة: "مروهم فليصلوا كذا في حين كذا" فجعلهم آمرين وأولئك مأمورين، مجمع بين تفضليهم عليهما بالأمر ليهون ذلك عليهم؛ وبين جعل أولئك مأمورين ليتحقق وجوبها المأمور به.
وقوله: "فليصلوا كذا" أي كذا ركعة إما أربعًا، أو ثلاثًا أو اثنتين.
وقوله: "في حين كذا" أي وقت الظهر، أو العصر، أو المغرب، أو العشاء أو الصبح.
فقوله: "فليصلوا صلاة كذا" أي صلاة الظهر والصبح وغيرهما, وليس هذان اللفظان من قبيل التكرار الذي يفيد تأكيدًا وبيانًا فحسب؛ بل كل واحد منهما له معنى جىء به من أجله ليس في الآخر.
أما الأول وهو قوله: "فليصلوا كذا" فإنما ساقه لبيان عدد ركعات كل صلاة؛ وإن لم يعرف المخاطب اسم الصلاة، أي صلوا أربع ركعات بعد الزوال، وثلاثًا بعد المغرب، واثنتين بعد طلوع الفجر؛ وهذا خطاب أول لمن يعرف أسماء الصلوات؛ وإن واحدة منها تسمى صلاة الظهر والأخرى صلاة العصر، ولا يعرف عدد ما عليه من الركعات المفترضة في كل وقت.
فجمع هذا اللفظ بين إعلام عدد الركعات المفترضة؛ وبين أوقاتها.
وأما اللفط الثاني وهو: "صلوا كذا في حين كذا" فإنه مسوق لبيان أوقات
стр. 651
الصلوات التي عرفها المخاطب؛ وعرف مقدار ركعاتها وأسمائها، وإنما كان جاهلاً بأوقاتها.
فلذلك جمع بين هذين اللفظين في البيان، ليكون كل واحد منهما واردًا على من يختص به من المخاطبين، فإن لفظة "كذا" مبهمة يشار بها إلى كل مسمى لا يفصح باسمه.
فوقعت في اللفظة (١) الأول على العدد، وفي الثاني على اسم الصلاة.
وقوله: "ونحن شببة متقاربون" يريد التقارب في الأعمار لا يكبر أحدنا الآخر بكثير.
وقد جاء في رواية أبي داود قال: "يومئذٍ متقاربون في العلم" وقال في روايته الأخرى: "في القراءة".
وقوله: "فلما ظن أنا قد اشتقنا إلى أهلنا" يجوز أن يكون الظن هاهنا على بابه، ويجوز أن يكون بمعنى العلم وهو الأشبه لأنه ﷺ قد علم منهم ميلهم إلى أوطانهم.
والشوق والاشتياق: نزاع النفس إلى الشيء وطلبها وإياه (٢) تقول: شاقني الشيء يشوقني، واشتقته، واشتقت إليه بمعنًى.
والأهلون: جمع أهل وإنما جمع بالواو والنون لأن الأهل يقع على الذكر والأنثى فغلب الذكر، وقد جاء في الشعر مطلقًا على الأناسي قال الشنفري (٣):
ولى دُونَكم أهْلُونَ سيدُ عَملَّس ... وأَرْقَطُ ذُهْلُولٌ وعرفَاء جيأَلُ
стр. 652
وإذا جاز له ذلك لأنه لما ذكر أهله؛ وأنه قد استبدل بهم غيرهم من الوحش قال: ولي دونكم أهلون لذلك.
"والإقفال" (بكسر الهمزة) يريد به الرجوع من السفر، هكذا جاء في الحديث.
والمعروف في اللغة: قفل المسافر يقفل قفولاً، إذا رجع والقافلة: الرفقة الراجعة من السفر. فأما أقفلت فلا أعرفه إلا من قولهم: أقفلت الجند من مبعثهم إذا أذنت لهم في الرجوع؛ كأنك حملتهم على القفول، وكذلك هاهنا كأنهم قالوا: حملنا أنفسنا على القفول وعرضناها له، كما تقول: أبعث الثوب أي عرضته للبيع، وأشريت فلانًا الثوب أي حملته على شرائه.
وقوله: "فأذنا ثم أقيما" ظاهرة يدل على الأمر لهما معا بالأذان والإقامة.
ويجوز أن يطلقه على كل واحد منهما لا على التعيين؛ لأنك إذا قلت لجماعة: اضربوا زيدًا فضربه بعضهم دون بعض؛ كانوا قد امتثلوا الأمر لأن عرضك إنما هو وقوع الضرب بزيد وقد حصل؛ ولم يرد أن يضربه كل منهم.
وعليه قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (١) فهو وإن كان أمرًا للكافة إلا أنه إذا قتلهم بعضهم حصل الامتثال بحصول القتل.
وكذلك قوله ﷺ : "أذنا وأقيما" أي أن الأذان والإقامة مأمور بهما للمسلمين كافة؛ ومتى حصلا من البعض أغنى الباقين لوجودهما.
وهذا مطرد في جميع المأمورات الشرعية إذا وردت عارية من الضوابط والتخصيصات؛ ولم يتعقبها بيان وإيضاح من الشارع ونقصان، أو تفصيل، أو إجمال، أو تخصيص، أو تعميم أو إطلاق ونحو ذلك من أحكام الشرع الواردة في أماكنها.
والذي جاء في رواية أبي داود: "كانا متقاربين في العلم"، "وكانا متقاربين
стр. 653
في القراءة بيان لأنه إنما قال: "ليؤمكما أكبركما" لعلمه أنهما لم يتفاضلا في العلم والقراءة، فإن القراءة والعلم يقدمان في الإمامة على السنن على ما سيأتي بيانه.
وقوله في رواية الترمذي: "إذا سافرتما فأذنا" فيه دليل على أن الأذان في السفر.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الأكبر في السنن مقدم على الأصغر؛ والأسباب التي يستحق بها التقديم في الإمامة: الفقه، والقرآن، والهجرة، والشرف، والسن.
فأما الفقه والقرآن: فمقدمان على الثلاثة الأخرى.
وفي تقديم الفقيه على القارئ؛ والقارئ على الفقيه خلاف مرجعه إلى مسيس حاجة الصلاة إلى الفقه أكثر من القراءة ومسيس حاجتها إلى القراءة حيث هي ركن من أركانها.
وبتقديم الفقيه قال أبو حنيفة والأوزاعي وأبو ثور، وبتقديم القارئ قال الثوري، وأحمد، وإسحاق.
والأول أولى؛ لأن القدر الواجب من القراءة لا يترجح به على الفقه؛ والزيادة على قدر الواجب من القراءة لا يقع معارضًا للفقه؛ لمسيس حاجة المصلي في الصلاة إليه.
وأما الأسباب الثلاثة الباقية فاختلف قول الشافعي فيها: قال في القديم: النسب والهجرة ثم السنن.
وقال في الجديد: السن ثم النسب ثم الهجرة، فإن استويا في هذه الأوصاف قدم أورعهم وأدينهم.
ومعنى التقديم بالهجرة: أن يكون أقدمهم هجرة، أو يكون بالجملة مهاجرًا مع غير مهاجرى، أو يكون من أولاد من تقدمت هجرته.
стр. 654
وأما التقديم بالنسب: فبنو هاشم من قريش، ثم بنو المطلب ثم قريش على غيرهم.
قال إمام الحرمين: يرجع ضبط الكلام في الأولوية إلى أن السلطنة مقدمة على كل إمام؛ ثم المالك للموضع؛ فإن لم تكن ولاية ولا مالك فالذي يختص بالصلاة القراءة والفقه. وقد ذكرناهما وما قيل فيهما.
وأما الورع وإن لم يكن شرطًا في صحة الصلاة؛ فله تعلق عظيم بثقة المقتدي وحسن ظنه في رعاية الإمام. شرائط الصلاة ثم السن والنسب لا تعلق لهما بالصلاة، ولكنهما من موجبات التقديم.
وتحقق قول إمام الحرمين أن الشافعي لما روى حديث مالك بن الحويرث قال: هؤلاء قوم قَدِموا معًا فأشبهوا أن تكون قراءتهم وفقههم سواء فأمروا أن يؤمهم أكبرهم.
وبهذا نأخذ فنأمر القوم إذا اجتمعوا في الموضع ليس فيهم والٍ، وليسوا في منزل أحد؛ أن يقدموا أقرأهم إذا كان يعلم من الفقة ما (١) يلزمه في الصلاة، ويقدموا هذين معًا على من هو أسن منهما.
وأشار إلى حديث أبي مسعود الأنصاري أن النبي ﷺ قال: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله؛ فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة؛ فإن كانوا في السنه سواء فأقدمهم هجرة؛ فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنًّا, ولا يؤمن الرجل في سلطانه، ولا يجلس على [تكرمته] (٢) إلا بإذنه" (٣).
قال الشافعي: وإنما قيل -والله أعلم- أن يؤمهم أقرؤهم "أن من مضى من الأئمة كانوا يُسْلمون كبارًا فيفقهون قبل أن يقرءوا، ومن بعدهم كانوا يقرءون
стр. 655
صغارًا قبل أن يتفقهوا".
فأشبه أن يكون من كان فقيهًا، إذا قرأ من القرآن شيئًا أولى بالإمامة؛ لأنه قد بينو به في الصلاة ما يعلم كيف يفعل فيه بالفقه؛ ولا يعلمه من لا فقه له.
فإذا استووا في الفقه والقراءة أمهم أسنهم.
وإنما أمر بتقديم الأسن -والله أعلم لأنهم كانوا مشتبهي الحال في القراءة والعلم.
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم بن محمد، أخبرنا معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن القاسم بن عبد الرحمن عن ابن مسعود قال: "من السنة أن لا يؤمهم إلا صاحب البيت".
قوله: "من السنة": من ألفاظ ذلك أن يقول الراوي: السنة كذا وكذا، والسنة كذا وكذا، والسنة جارية بكذا ونحو ذلك من الألفاظ.
فإن مراتب الرواية خمس أعلاها: أن يقول الراوي: سمعت النبي ﷺ .
والثالثة: أن يقول: أمر النبي ﷺ بكذا ونهى عن كذا.
والرابعة: أمرنا بكذا ونهينا عن كذا، والسنة كذا أو من السنة كذا.
والخامسة: أن يقول: كانوا يفعلون كذا وكنا نفعل كذا.
وهذه المراتب الخمس داخلة في جملة المسندات؛ محتج بها مخرجة الأحاديث التي جاءت بها في المسانيد.
فأما إذا قال الراوي: أخبرت عن فلان، أو حدثت عنه؛ أو بلغني أو رفعه فلان، أو أظنه مرفوعًا، فإنَّ هذا وأمثاله ليس بمسند وإن كان الحديث المخرج به صحيحًا فإنه يكون إما مرسلاً؛ أو موقوفًا؛ أو منقطعًا أو غير ذلك من أنواع الحديث.
стр. 656
والذي ذهب إليه الشافعي: أن صاحب البيت أحق بالإمامة من غيره؛ وإن كان غيره أفقه منه وأقرأ. ويتنزل منزله من تقدمه المالك أو يأذن له.
وقد تقدم تفصيل المذاهب في ذلك.
قال الشافعي (١): وروي "أن نفرًا من أصحاب النبي ﷺ كانوا في بيت رجل منهم فحضرت الصلاة؛ فقدم صاحب البيت منهم رجلاً فقال: تقدم فأنت أحق بالإمامة في منزلك".
وهؤلاء هم: أبو ذر، وحذيفة، وابن مسعود دعاهم أبو سعيد -مولى الأنصار فلما حضرت الصلاة؛ تقدم أبو ذر ليصلي بهم، فقال له حذيفة: تأخر يا أبا ذر فقال أبو ذر: كذلك يا ابن مسعود أو يا أبا عبد الرحمن؟ قال: نعم فتأخر (٢).
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا عبد المجيد، عن ابن جريج قال: أقيمت الصلاة في مسجد بطائفة المدينة، ولابن عمر قريب من ذلك المسجد أرض يعملها، وإمام ذلك المسجد مولى له، ومسكن ذلك المولى وأصحابه ثمة، فلما سمعه عبد الله جاء ليشهد معهم الصلاة، فقال له المولى صاحب المسجد: تقدم فصل فقال عبد الله: أنت أحق أن تصلي في مسجدك مني. فصلى المولى (٣).
طائفة الشيء: بعضه، تقول: هذه طائفة من الناس؛ وطائفة من البلد؛ وطائفة من المال، قال الله تعالى ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤) جاء في التفسير عن ابن عباس: أنه الواحد فما فوقه.
стр. 657
وقال غيره: لا تطلق الطائفة على الواحد، بل أقله اثنان وقيل ثلاثة وقيل أربعة.
والأشبه في الآية: أن يكون المراد أربعة لأن الحد في الزنا يثبت بالأربعة، ولأن الغرض الشهرة، وبالواحد والاثنين لا يحصل.
والمراد بالطائفة في الحديث: الناحية من نواحي المدينة وهي طائفة منها.
وثمة: بمعنى هنالك وهي المكان البعيد بمنزلة "هنا" للمكان القريب، والهاء فيه للسكت.
وقوله: "يعملها" يريد يصلحها للزراعة والعمارة.
وقوله: "أنت أحق مني" أي أولى وهو أفعل من الحق الذي هو ملك الإنسان وجمعه حقوق، التقدير: أنت أثبت حقًّا مني وأصح.
وقوله: "صاحب المسجد ومسجدك" فأضافه إليه لأنه أراد أنك إمامه وهو معروف بك، وهذه الإضافة هي إضافة التخصيص مثل: سرج الدابة.
والذي ذهب إليه الشافعي: أنه الإمام الراتب في المسجد أولى من غيره؛ إلا مع حضور الوالي فإنه يكون أولى منه. وفيه زيادة تأكيد؛ لأن ابن عمر قال لمولاه هذا: "أنت أحق مني بالإمامة" وهو مولاه فقدمه عليه مع كونه مولاه: لأجل أنه إمام راتب لذلك المسجد.
стр. 658
الفرع الثالث في آداب الإمامة
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان أحدكم يصلي للناس فليخفف، فإن فيهم السقيم والضعيف، فإذا كان يصلى لنفسه فليطل ما شاء".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
فأما مالك (١): فأخرجه بالإسناد وزاد فيه: "والكبير" وقال "فليطول".
وأما البخاري (٢): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك مثل مالك.
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن قتيبة، عن المغيره بن عبد الرحمن الحزامي، عن أبي الزناد.
وفي أخرى: عن ابن رافع، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة وزاد في بعض طرقه: "وذا الحاجة".
وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك.
وعن الحسن بن علي، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيَّب وأبي سلمة، عن أبي هريرة.
стр. 659
وأما الترمذي (١): فأخرجه عن قتيبة، عن المغيرة، عن أبي الزناد وأما النسائي (٢): فأخرجه عن قتيبة، عن مالك.
قد جاء في رواية الشافعي: "إذا كان أحدكم يصلي للناس" و"إذا كان يصلي لنفسه".
وجاء في رواية غيره "إذا صلى للناس" و"إذا صلى لنفسه".
وبينهما فرق دقيق من جهة تغاير الألفاظ، وذلك أن رواية الشافعي: تدل على أنه إذا كان المصلى معروفًا بالإمامة مكثرًا منها.
ولفظ روايه غيره لا يدل على ذلك.
وكذلك قوله: "إذا كان يصلي لنفسه". ولذلك جاء في رواية الشافعي: "يصلي للناس" وفي غيرها "يصلي بالناس".
فأما تعديها باللام فمعناه: صلى لأجلهم إمامًا.
وأما بالباء فالمعنى: صليت إمامًا بسببهم.
ويعضد الرواية الأولى قوله: و"إذا صلى لنفسه" فلا يقال صلى لنفسه، فيكون قد جمع في الفعلين بين اللام وعداهما بها. ومع الباء: يكون قد خالف الأول الثاني.
وكذلك جاء في رواية: "فإن منهم" وفي غيرها "فإن فيهم" فالتقدير في "منهم" التبعيض أي أن بعض من يصلي من الناس ضعيف وسقيم كبير.
وأما "فيهم" وكأنه جعل الناس طرفا يكون فيه السقيم، والصحيح، والضعيف، والقوي، والكبير، والصغير، ثم أخبر عن بعضه من فيه.
وقوله: "فليطل" أمر بالإطالة من أطال يطيل.
وأما قوله: "فليطول" فإنه طول يطول، والهمزة والتضعيف شيئان في تعدية الفعل القاصر؛ إلا أن التضعيف أكثر إطالة وفيه إيذان بتفريق الإطالة، كما في
стр. 660
قوله تعالى ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ (١).
وذلك أنه لما كان نزول القرآن مفرقًا منجمًا قال فيه: نزل ولما كان نزول التوراة والإنجيل دفعة واحدة قال: أنزل.
وقوله في رواية أخرى: "فليصل كيف شاء" هو من قوله: "فليطول ما شاء" لأنه رد الأمر في الصلاة إليه ردًّا مطلقًا جمع الطول والقصر والوسط، إلا أن الأول في هذا المقام أولى، لأنه إنما أنكر عليه الإطالة وأمره بالتخفيف في حالة الإمامة، فينبغي أن يكون في مقابلة ذلك؛ التعريض إليه في الإطالة التي هي خلاف التخفيف، ومراده بالتخفيف: تقليل القراءة والأذكار.
"وذو الحاجة": يريد به من يكون له شغل تأخر عن قضائه والسعي فيه؛ لإشغاله بالصلاة وطولها فيتبرم بالصلاة ويضج منها؛ فيكون ذلك أمنًا إلى فوات حاجته أو تأخرها، وإلى كراهيته للصلاة ونفوره منها.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن على الإمام تخفيف الصلاة قال: ويستحب للإمام أن يكمل الصلاة ويخففها أي يكمل أفعالها ويخفف أذكارها وقراءتها.
قال أبو إسحاق المروزي: هذا إذا كان يصلي في مسجد يستطرقه الناس، فأما إذا كان يصلي في موضع يصلي فيه أهل قريته ومحلته ورضوا بالتطويل، جاز وكان أولى.
وقد أخرج المزني عن الشافعي: عن [عبد] (٢) المجيد، عن ابن جريج [قال أخبرنى] (٣) عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن نافع بن سرجس قال: عدنا أبا
стр. 661
واقد البدري في وجعه الذي مات فيه، فسمعته يقول: "كان رسول الله ﷺ أخف الناس صلاة على الناس، وأطول الناس صلاة لنفسه".
ورواه في كتاب حرملة، عن إبراهيم بن محمد، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم.
وأخرجه الشافعي (١) أيضًا قال: روى شريك بن أبي نَمِر، وعمرو بن أبي عمرو، والعلاء بن عبد الرحمن، عن أنس بن مالك قال: "ما صليت خلف أحدٍ قط أخف ولا أتم صلاة من رسول الله ﷺ ".
وأخرج المزني عن الشافعي قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت أبا مسعود يقول: "قال رجل للنبي ﷺ : إني لأتخلف عن صلاة الصبح مما يطول بنا فلان، قال: فما رأيت رسول الله ﷺ غضب [في] (٢) موعظة قط غضبه يومئذٍ فقال: "إن [منكم] (٢) منفرين إن منكم منفرين! فأيكم أمَّ الناس فليخفف بهم، فإن فيهم الكبير والسقيم والضعيف وذا الحاجة".
هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (٣) ومسلم (٤).
وأخرج المزني (٥): عن الشافعي، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبيه قال: "قدمت المدينة فنزلت على أبي هريرة فرأيته يؤم الناس فصلى صلاة خفف فيها، فقلت: يا أبا هريرة، أهكذا كان رسول الله ﷺ يصلي؟ قال: نعم. وأوجز".
стр. 662
وأخرج المزني عن الشافعي، عن سفيان، عن محمد بن إسحاق، عن سعيد ابن أبي هند، عن مطرف بن عبد الله قال: سمعت عثمان بن أبي العاص يقول: أمرني رسول الله ﷺ "أن أؤم الناس وأن أقدرهم بأضعفهم، فإن فيهم الكبير والسقيم والضعيف وذا الحاجة" (١).
وأخرج المزني (٢): عن الشافعي، عن محمد بن إسماعيل، عن ابن أبي ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن (٣) عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه أنه قال: "إن كان رسول الله ﷺ ليأمرنا بالتخفيف، وإن كان ليؤمنا بالصافات".
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله أن معاذًا أم قومه في العتمة فافتتح سورة البقرة، فتنحى رجل من خلفه فصلى، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال النبي ﷺ لمعاذ: " [أفتان] (٤) أنت، أفتان أنت؟ اقرأ سورة كذا وسورة كذا".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، أخبرنا أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ وقال في حديثه: اقرأ.
قال سفيان فذكرت ذلك لعمرو فقال نحو هذا.
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
стр. 663
فأما البخاري (١): فأخرجه عن محمد بن بشار، عن غندر، عن شعبة، عن عمرو بن دينار، عن جابر "أن معاذ بن جبل كان يصلي مع النبي ﷺ ثم يرجع فيؤم قومه، فصلى العشاء فقرأ بالبقرة فانصرف الرجل، فكأن معاذًا نال منه، فبلغ النبي ﷺ فقال: أفتان أنت -ثلاث مرات-؟ وأمره بسورتين من أوسط المفصل. قال عمرو: لا أحفظهما.
وفي أخرى: عن آدم، عن شعبة، عن محارب بن دثار، عن جابر قال: "أقبل رجل بناضحين -وقد جنح الليل-، فوافق معاذًا يصلي فترك ناضحيه (٢) وأقبل إلى معاذ، فقرأ بسورة البقرة أو النساء فانطلق الرجل وبلغه أن معاذًا نال منه، فأتى النبي ﷺ فشكى إليه معاذًا، فقال النبي ﷺ : "يا معاذ، أفتان أنت؟ أفاتن أنت -ثلاث مرار؟ فلولا صليت بـ "سبح اسم ربك الأعلى"، "والشمس وضحاها"، "والليل إذا يغشى" فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة".
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن محمد بن عباد، عن سفيان وذكر نحو رواية البخاري الثانية.
وفي أخرى: عن قتيبة وابن رمح، عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر وذكر الحديث وفيه: فقال النبي ﷺ أتريد أن تكون فتانًا يا معاذ؟ إذا أممت الناس فاقرأ بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، و ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾.
وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن أحمد بن حنبل، عن سفيان وذكر نحوه.
стр. 664
وأما النسائي (١): فأخرجه عن واصل بن عبد الأعلى، عن ابن فضيل، عن الأعمش، عن محارب بن دثار وأبي صالح، عن جابر قال: جاء رجل من الأنصار وقد أقيمت الصلاة، فدخل المسجد فصلى خلف معاذ.
وذكر الحديث وفيه: وأن معاذًا أعلم النبي ﷺ بحاله.
وفي أخرى: عن محمد بن قدامة، عن جرير، عن الأعمش، عن محارب.
وعن قتيبة، عن الليث، عن أبي الزبير معًا، عن جابر.
التنحي: الانفراد إلى ناحية من المكان.
والفتنة: الاختلاف.
والفاتن: الذي يوقع الفتنة بين الناس.
والفتان: أبلغ منه وهو الذي يكثر منه ذلك، تقول: فتنت وافتنت. وأنكر الأصمعي افتنت.
والهمزة في قوله: "أفتان أنت" همزة استفهام تتضمن توبيخًا وإنكارًا وبدأ بها مبالغة في الإنكار عليه.
وفي إدخال همزة الاستفهام على "فتان"، وتقديمه وهو الخبر على المبتدأ الذي هو "أنت" دليل على أن غرضه في هذا المقام ذكر ما نفر الرجل عن إتمام صلاته وراء معاذ؛ وهو طول القراءة وأن ذلك سبب لإيقاع الفتنة في الناس؛ حتى ترك هذا صلاة الجماعة وعدل عنها إلى صلاة الفرد؛ أو حتى قال فيه باقي المصلين: إنه منافق، وحتى أحوجه ذلك إلى الشكوى والتألم. فبدأ بما هو أولى بالتقديم وإن كان محله التأخير، هذا سبب تقديم الخبر عليه وأما تخصيص الهمزة بالخبر دون المبتدأ، فلأنه إنما أراد أن يستفهم ويوبخ وينكر هذا الفعل الصادر عنه، فكان إدخال الحرف الدال على غرضه ومقصده على ما يريده؛ أولى من إدخاله على من صدر هذا الفعل عنه.
стр. 665
وقد جاء في رواية البخاري "فتان ثلاث مرات" بغير ألف وهو مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو فتان أو أنت فتان أو هذا فتان ونحو ذلك.
وقوله: "فذكر ذلك للنبي ﷺ " يجوز أن يكون ذكر فعلًا لم يسم فاعله؛ وفعلًا مسمى الفاعل وفاعله مضمر فيه، وعلى كلا الحالين يجوز أن يكون الذاكر معاذًا أو الرجل المنفرد عن الجماعة.
وقد جاء ذلك مصرحًا به في باقي روايات الحديث، فتارة أضيف إعلام النبي ﷺ إلى معاذ.
وقوله في الرواية الثانية: "فذكرت ذلك لعمرو فقال نحو هذا" يريد بهذا القول ما جاء مصرحًا به في رواية البخاري ومسلم وغيرهما؛ من تعداد السور التي سماها في الحديث.
وتقول: نلت من فلان إذا سمعته وقبحت ذكره، وأصله من نال فلان خيرًا وشرًّا ينال نيلًا إذا أصاب.
"والتناول": أخذ أعراض الناس من تناولت الشيء إذا أخذته.
"والناضح": البعير يسقى عليه، والأنثى ناضحة والجمع نواضح.
وجنح الليل يجنح: إذا أقبل، وجنح الليل أول إظلامه.
وقوله: "فلولا صليت إلى فتلا ... " وقد تقدم بيان ذلك مستقصى.
والنفاق: ضد الإخلاص وهو أن يظهر شيئًا ويخفي خلافه، وهذه التسمية إسلامية لم تكن معروفة عند العرب؛ وإن كان أصلها معروفًا؛ لأنه مأخوذ من "النافقاء" وهو أحد حجر اليربوع فإنه يعدله حجر آخر يسمى القاصعاء، فإذا طلب من حجر هرب إلى آخر تقول: نافق الرجل ينافق منافقة ونفاقًا فهو منافق.
وقوله في رواية مسلم: "أتريد أن تكون فتانًا يا معاذ" ألطف خطابًا من قوله: "أفتان أنت" وأرفق وإن كان أرسخ في باب الفتنة وأثبت.
أما وجه لطفها ورفقها: فإنه قال في الأولى: "أفتان أنت" فأثبت له وصف الفتنة مصرحًا به، ومقررًا أن هذا الفعل الذي فعلته حتى نفر هذا المصلي؛ فعل
стр. 666
الفتانين الذين أنت منهم.
وأما قوله: "تريد أن تكون فتانًا" فإن هذا الفعل لا يصدر إلا عن الفتانين، فقال: كنت تريد ذلك فعرفني.
والفرق الظاهر بينهما: أن همزة الاستفهام دخلت في الأولى على الفتنة نفسها، وفي هذا دخلت على إرادة الفتنة فكانت ألطف. وأما بيان أن قوله: "أتريد أن تكون فتانًا" أثبت في باب الافتنان وأرسخ، أن الإنسان قد يفعل الفعل ولا يريده؛ لأسباب تدعوه إليه من إكراه أو سهو أو جهل به أو ظن جوازه وغير ذلك، من الأسباب التي تبعث على إيجاد الفعل والقول من غير إيثارٍ له، وكثير من هذه الحالات لا يؤاخذ العبد بها ولا يتوجه إليه النكير.
فأما مع كون الفعل والقول الصادرين عن الفاعل والقائل مرادين له؛ فلا عذر له فيه وهو مؤاخذ به.
وكذلك هاهنا فإن قوله: "أفتان أنت" يجوز أن يكون فتانًا وهو لا يريد الفتنة؛ أو يجهلها أو يسهو عنها أو يظن أنها جائزة، فأما مع إرادته لها فلا، ولأنا قد قلنا: أن همزة الاستفهام دخلت في الأول على الفتنة فكان الشك فيها، وفي الثانية دخلت على الإرادة فكانت الفتنة معها مسلمة ثابتة، وإنما الشك وقع في إرادتها فكان هذا القول أدل على وجود الفتنة وأثبت.
في هذا الحديث من الفقه: الصلاة الواحدة في جماعتين، وصلاة المفترض خلف من صلى فرضه وخلف المتنفل، وأن على الإمام تخفيف الصلاة، وأن المصلي في جماعة إذا أراد أن ينفرد عن الجماعة ويتم لنفسه جاز له ذلك.
وفيه: بيان ما يقرأ في الصلاة من السور وقدر ما يقرأ.
ولكل واحد من هذه الأحكام موضع يذكر فيه، والذي يخص هذا الموضع منها: هو تخفيف الصلاة.
стр. 667
وقد ذكرنا الحكم فيه ولهذا المعنى أخرجه الشافعي في هذا الموضع مختصرًا في معنى التخفيف.
***
стр. 668
الفرع الرابع
في موقف الإمام
أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن أبي حازم قال: "سألوا سهل بن سعد من أي شيء منبر رسول الله- ﷺ ؟ قال: ما بقي من الناس أحد أعلم به مني، من أثل الغاب، عمله له فلان مولى فلانة، ولقد رأيت رسول الله ﷺ حين صعد عليه؛ استقبل القبلة فكبر ثم قرأ، ثم ركع، ثم نزل القهقرى ثم سجد، ثم صعد فقرأ ثم ركع، ثم نزل القهقرى ثم سجد" وفي نسخة "فسجد" في الموضعين.
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
فأما البخاري (١): فأخرجه عن علي بن عبد الله، عن سفيان وفيه "فاستقبل القبلة وكبر وقام الناس خلفه، فقرأ وركع وركع الناس خلفه".
قال البخاري: قال علي بن عبد الله سألني أحمد بن حنبل عن هذا الحديث (٢).
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن يحيى بن يحيى وقتيبة، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه "أن نفرًا جاءوا إلى سهل بن سعد قد تماروا في المنبر من أي عود هو؟ فقال: أما والله إني لأعرف من أي عود ومَن عَمِلَه، ورأيت رسول الله ﷺ أول يوم جلس عليه قال:
стр. 669
فقلت يا أبا عباس فحدثنا قال: أرسل رسول الله ﷺ إلى امرأة -قال أبو حازم إنه ليسميها- "انظري غلامك النجار فيعمل لي أعوادًا أكلم الناس عليها" فعمل هذه الثلاث درجات ثم أمر بها رسول الله ﷺ فوضعت هذا الموضع، فهي من طرفاء الغابة ولقد رأيت رسول الله ﷺ قام عليه فكبر وكبر الناس وراءه على المنبر. وذكر الحديث وقال في آخره: ثم "أقبل على الناس وقال لي: أيها الناس، إنما صنعت هذا لتأتموا لي ولتعلموا صلاتي".
وله في أخرى: عن قتيبة، عن يعقوب بن عبد الرحمن القاري، عن أبي حازم.
وعن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير وابن أبي عمر، عن سفيان.
وأما أبو داود (١) والنسائي (٢): فأخرجاه عن قتيبة، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم.
"المنبر": معروف فهو مِفْعَل من المنبر رفع الشيء، تقول: نبرته أنبره نبرًا إذا رفعته.
"والأثل": شجر معروف وهو نوع من الطرفاء إلا أنه عظيم أثله.
"والطرفاء": شجر معروف الواحدة طرفة. وقال سيبويه: الطرفاء واحد وجميع الغابة الأجمة.
"والقهقرى": الرجوع إلى ورائك مشيًا إلى جهة ظهرك من غير أن تحول وجهك عن جهته، وهو في موضع نصب على المصدر من غير لفظ الفعل، لأنك إذا قلت: رجع القهقرى كأنك قلت رجع الرجوع الذي يعرف بهذا الاسم، لأن القهقرى ضرب من الرجوع.
وقوله: "استقبل القبلة فكبر" عطف التكبير بالفاء وعطف القراءة والركوع
стр. 670
والسجود والنزول بثم، لأن التكبير يتعقب النية وليس كذلك القراءة مع التكبير، ولا الركوع مع القراءة، ولا النزول مع الركوع، ولا سجود مع النزول؛ لأن بين كل اثنين منها زمانًا فيه طول.
وقوله في رواية مسلم: "الثلاث درجات" على خلاف المعروف في النحو؛ لأن فيه مذهبين:
أحدهما: وهو مذهب البصريين: تعريف المضاف إليه وهو درجات.
والثاني: وهو مذهب الكوفيين: تعريف المضاف والمضاف إليه، تقول: ثلاث الدرجات، والثلاث الدرجات.
وأما تعريف المضاف وتنكير المضاف إليه كما في هذه الرواية، فلا أعرفه ولعله غلط من النساخ (١).
والذي ذهب إليه الشافعي في ارتفاع موضع الأمام قال:
واجب للإمام الذي يُعلِّم من خلفه أن يصلي على الشيء المرتفع؛ ليراه من وراءه فيقتدي به.
وقال أبو حنيفة ومالك: يكره ذلك.
وحكى الطحاوي: أنه يكره ذلك إذا كان ارتفاعه يجاوز القامة.
وقال أبو بكر الرازي: لا يعرف ذلك.
فأما إذا لم يحتج إلى التعليم فيكره له أن يصلي على شيء عال، قال: لأن ذلك ضرب من الكبر والترأس، والنبي ﷺ معصوم من هذا، والأشبه أنه إنما فعل ذلك ليعلهم الصلاة، وقد جاء مصرحا به رواية مسلم.