الفتانين الذين أنت منهم.
وأما قوله: "تريد أن تكون فتانًا" فإن هذا الفعل لا يصدر إلا عن الفتانين، فقال: كنت تريد ذلك فعرفني.
والفرق الظاهر بينهما: أن همزة الاستفهام دخلت في الأولى على الفتنة نفسها، وفي هذا دخلت على إرادة الفتنة فكانت ألطف. وأما بيان أن قوله: "أتريد أن تكون فتانًا" أثبت في باب الافتنان وأرسخ، أن الإنسان قد يفعل الفعل ولا يريده؛ لأسباب تدعوه إليه من إكراه أو سهو أو جهل به أو ظن جوازه وغير ذلك، من الأسباب التي تبعث على إيجاد الفعل والقول من غير إيثارٍ له، وكثير من هذه الحالات لا يؤاخذ العبد بها ولا يتوجه إليه النكير.
فأما مع كون الفعل والقول الصادرين عن الفاعل والقائل مرادين له؛ فلا عذر له فيه وهو مؤاخذ به.
وكذلك هاهنا فإن قوله: "أفتان أنت" يجوز أن يكون فتانًا وهو لا يريد الفتنة؛ أو يجهلها أو يسهو عنها أو يظن أنها جائزة، فأما مع إرادته لها فلا، ولأنا قد قلنا: أن همزة الاستفهام دخلت في الأول على الفتنة فكان الشك فيها، وفي الثانية دخلت على الإرادة فكانت الفتنة معها مسلمة ثابتة، وإنما الشك وقع في إرادتها فكان هذا القول أدل على وجود الفتنة وأثبت.
في هذا الحديث من الفقه: الصلاة الواحدة في جماعتين، وصلاة المفترض خلف من صلى فرضه وخلف المتنفل، وأن على الإمام تخفيف الصلاة، وأن المصلي في جماعة إذا أراد أن ينفرد عن الجماعة ويتم لنفسه جاز له ذلك.
وفيه: بيان ما يقرأ في الصلاة من السور وقدر ما يقرأ.
ولكل واحد من هذه الأحكام موضع يذكر فيه، والذي يخص هذا الموضع منها: هو تخفيف الصلاة.
стр. 667
وقد ذكرنا الحكم فيه ولهذا المعنى أخرجه الشافعي في هذا الموضع مختصرًا في معنى التخفيف.
***
стр. 668
الفرع الرابع
في موقف الإمام
أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن أبي حازم قال: "سألوا سهل بن سعد من أي شيء منبر رسول الله- ﷺ ؟ قال: ما بقي من الناس أحد أعلم به مني، من أثل الغاب، عمله له فلان مولى فلانة، ولقد رأيت رسول الله ﷺ حين صعد عليه؛ استقبل القبلة فكبر ثم قرأ، ثم ركع، ثم نزل القهقرى ثم سجد، ثم صعد فقرأ ثم ركع، ثم نزل القهقرى ثم سجد" وفي نسخة "فسجد" في الموضعين.
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
فأما البخاري (١): فأخرجه عن علي بن عبد الله، عن سفيان وفيه "فاستقبل القبلة وكبر وقام الناس خلفه، فقرأ وركع وركع الناس خلفه".
قال البخاري: قال علي بن عبد الله سألني أحمد بن حنبل عن هذا الحديث (٢).
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن يحيى بن يحيى وقتيبة، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه "أن نفرًا جاءوا إلى سهل بن سعد قد تماروا في المنبر من أي عود هو؟ فقال: أما والله إني لأعرف من أي عود ومَن عَمِلَه، ورأيت رسول الله ﷺ أول يوم جلس عليه قال:
стр. 669
فقلت يا أبا عباس فحدثنا قال: أرسل رسول الله ﷺ إلى امرأة -قال أبو حازم إنه ليسميها- "انظري غلامك النجار فيعمل لي أعوادًا أكلم الناس عليها" فعمل هذه الثلاث درجات ثم أمر بها رسول الله ﷺ فوضعت هذا الموضع، فهي من طرفاء الغابة ولقد رأيت رسول الله ﷺ قام عليه فكبر وكبر الناس وراءه على المنبر. وذكر الحديث وقال في آخره: ثم "أقبل على الناس وقال لي: أيها الناس، إنما صنعت هذا لتأتموا لي ولتعلموا صلاتي".
وله في أخرى: عن قتيبة، عن يعقوب بن عبد الرحمن القاري، عن أبي حازم.
وعن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير وابن أبي عمر، عن سفيان.
وأما أبو داود (١) والنسائي (٢): فأخرجاه عن قتيبة، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم.
"المنبر": معروف فهو مِفْعَل من المنبر رفع الشيء، تقول: نبرته أنبره نبرًا إذا رفعته.
"والأثل": شجر معروف وهو نوع من الطرفاء إلا أنه عظيم أثله.
"والطرفاء": شجر معروف الواحدة طرفة. وقال سيبويه: الطرفاء واحد وجميع الغابة الأجمة.
"والقهقرى": الرجوع إلى ورائك مشيًا إلى جهة ظهرك من غير أن تحول وجهك عن جهته، وهو في موضع نصب على المصدر من غير لفظ الفعل، لأنك إذا قلت: رجع القهقرى كأنك قلت رجع الرجوع الذي يعرف بهذا الاسم، لأن القهقرى ضرب من الرجوع.
وقوله: "استقبل القبلة فكبر" عطف التكبير بالفاء وعطف القراءة والركوع
стр. 670
والسجود والنزول بثم، لأن التكبير يتعقب النية وليس كذلك القراءة مع التكبير، ولا الركوع مع القراءة، ولا النزول مع الركوع، ولا سجود مع النزول؛ لأن بين كل اثنين منها زمانًا فيه طول.
وقوله في رواية مسلم: "الثلاث درجات" على خلاف المعروف في النحو؛ لأن فيه مذهبين:
أحدهما: وهو مذهب البصريين: تعريف المضاف إليه وهو درجات.
والثاني: وهو مذهب الكوفيين: تعريف المضاف والمضاف إليه، تقول: ثلاث الدرجات، والثلاث الدرجات.
وأما تعريف المضاف وتنكير المضاف إليه كما في هذه الرواية، فلا أعرفه ولعله غلط من النساخ (١).
والذي ذهب إليه الشافعي في ارتفاع موضع الأمام قال:
واجب للإمام الذي يُعلِّم من خلفه أن يصلي على الشيء المرتفع؛ ليراه من وراءه فيقتدي به.
وقال أبو حنيفة ومالك: يكره ذلك.
وحكى الطحاوي: أنه يكره ذلك إذا كان ارتفاعه يجاوز القامة.
وقال أبو بكر الرازي: لا يعرف ذلك.
فأما إذا لم يحتج إلى التعليم فيكره له أن يصلي على شيء عال، قال: لأن ذلك ضرب من الكبر والترأس، والنبي ﷺ معصوم من هذا، والأشبه أنه إنما فعل ذلك ليعلهم الصلاة، وقد جاء مصرحا به رواية مسلم.
стр. 671
وإنما نزل القهقرى: لئلا يولي إلى القبلة ظهره فتبطل صلاته، فإن استقبال القبلة واجب في الصلاة.
وفي هذا الحديث من الفقه:
جواز الفعل القليل في الصلاة، وقد تقدم بيان ذلك فيما مضى.
والأشبه أن منبر النبي ﷺ كان ثلاث درجات؛ ونزوله منه لا يبلغ في الكثرة ما يقطع الصلاة، وكذلك صعوده لم يكن متصلًا بنزوله، وإنما تخلل بينهما السجود -وهو إن كان عملا- فهو لمصلحة الصلاة فلم يكن له تأثير.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا ابن عيينة، أخبرنا الأعمش، عن إبراهيم، عن همام قال: "صلى بنا حذيفة على دكان مرتفع، فجاء فسجد عليه فجبذه أبو مسعود فتابعه حذيفة، فلما قضى الصلاة قال أبو مسعود: أليس قد نهي عن هذا؟ فقال له حذيفة: ألم ترني تابعتك".
هذا الحديث أخرجه أبو داود (١): عن أبي مسعود: أحمد بن الفرات الرازي وأحمد بن سنان، عن يعلى، عن الأعمش ... بالإسناد: أن حذيفة أمَّ الناس بالمدائن على دكان، فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه، فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى قد ذكرت حين مددتني.
" الدكان": واحدة الدكاكين وهي الحوانيت فارسي معرب قاله الجوهري.
وقال الأزهري: والدكان فعلان من الدك، وقيل فعال وإن كان فعلان فنون زائدة؛ وإن كان فعالًا فهي أصلية والجوهري أورده في دكن، وقد ترد هذه اللفظة في الحديث؛ ويراد بها موضع مبنى مرتفع على وجه الأرض؛ تتخذ للجلوس وتسميه الناس: الدكة.
"والجبذ": لغة في الجذب، وقيل: هو مقلوب منه.
وقوله: "فتابعه" أي انقاد له ومضى معه.
стр. 672
وقوله في جواب الاستفهام باستفهام مثله: فيه بلاغة مقرونة بفصاحة اللغة العربية واتساعًا (١)؛ وذلك أن قوله: "أليس قد نهى عن ذلك" استفهام يتضمن إنكارًا وتوبيخًا، وإنما جوابه أن يقول: بلى أولاً، لكنه عدل عن ذلك إلى استفهام مثله، ليقابل السؤال الجواب فيكون مقررًا لسؤاله مثبتًا لإنكاره وتوييخه، ويكون قد أتى بجواب حصل الفائدة، وتضمن من الفرض المطلوب من الاستفهام والإنكار، وهو الانقياد له والرجوع إلى ما نبهه عليه، وترك ما كان تعمده مما أوجب الاستفهام.
والإنكار في الجواب مقابله إنكار بإنكار لأنه لما جذبه فانقاد معه وتابعه، ما كان لسؤاله وإنكاره وجه؛ حيث تابعه على غرضه، فلما جمع له في الإنكار بين الفعل والقول بالجذب والتوبيخ؛ قابله باستفهام يتضمن إنكارًا وتوبيخًا كأنه قال: أي حاجة بك أن تنكر عليَّ بلسانك بعد ما انقدت لك؛ فإن انقيادى لك ومتابعتي يدلانك على اعترافي بالنهي.
وقد جاء في رواية أبي داود: بالجواب الحقيقي صريحًا فقال: بلى ثم أردفه بما قام بعذره عنده وإن كان ناسيًا للنهي فقال: قد ذكرت حين مددتني.
وفي رواية الشافعي: "أليس قد نهي" بفعل ما لم يسم فاعله، وما كان من هذا القبيل فإنما يضاف الحكم فيه إلى من له النهي وهو الشارع؛ والصحابة الذين نعمل بأقوالهم وهم أهل الحل والعقد؛ إلا أنه في هذا المقام خصيص بالشارع؛ لأن النهي إذا أطلق كان الأولى إضافته إليه.
وأما رواية أبي داود "ينهون" فلا يتهيأ إضافتها إلى الشارع خاصة، لأنها جاءت بلفظ الجمع وما كان من هذا النوع ففيه خلاف بين العلماء؛ هل هو حجة أم لا؟ وقد تقدم بيان ذلك مستقصى فيما مضى من الكتاب.
стр. 673
الفصل الرابع في المأموم
وفيه ثمانية فروع
الفرع الأول في موقف المأموم
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب -مولى ابن عباس- عن ابن عباس أنه أخبره "أنه بات عند ميمونة -زوج النبي ﷺ أم المؤمنين، وهي خالته- قال: فاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله ﷺ وأهله في طولها، فنام رسول الله ﷺ حتى انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل؛ استيقظ رسول الله ﷺ ، فجلس يمسح وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شن معلقة فتوضأ فأحسن وضوء، ثم قام فصلى، فقال ابن عباس: فقمت فصنعت ما صنع ثم ذهبت فقمت إلى جنبه، فوضع رسول الله ﷺ يده اليمنى على رأسي فأخذ بأذني ففتلها، فصلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم أوتر ثم اضطجع، حتى جاء المؤذن فقام فصلى ركعتين خفيفتين ثم خرج فصلى الصبح.
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا الترمذي.
وقد تنوعت طرق هذا الحديث وكثرت برواة طويلة وقصيرة فقد أشرنا إلى بعضها.
стр. 674
فأما مالك (١): فأخرجه بالإسناد وفيه:
فجلس فمسح النوم عن وجهه بيده. وقال: "شن معلق" وقال: "ثم ركعتين مرة أخرى ثم أوتر".
وأما البخاري (٢): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك نحو لفظه.
وفي أخرى: عن أحمد، عن ابن وهب، عن عمرو، عن عبد ربه بن سعيد، عن مخرمة وفيه: "فصلى ثلاث عشرة ركعة". وفيه: فقمت عن يساره فأخذني فجعلني عن يمينه، ثم نام حتى نفخ -وكان إذا نام نفخ- ثم أتاه المؤذن فخرج فصلى ولم يتوضأ.
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن مالك بلفظه.
وفي أخرى: عن محمد بن سلمة المرادي، عن ابن وهب، عن عياض بن عبد الله الفهري، عن مخرمة.
وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن عبد الملك بن شعيب بن الليث، عن أبيه، عن جده، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن مخرمة.
وأما النسائي (٥): فأخرجه عن محمد بن سلمة، عن ابن القاسم، عن مالك بلفظه.
وقد أخرج الترمذي (٦) منه طرفًا: عن قتيبة، عن داود بن عبد الرحمن العطار، عن عمرو بن دينار، عن كريب، عن ابن عباس قال: "صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فقمت عن يساره فأخذ رسول الله ﷺ برأسي من ورائي فجعلني عن يمينه".
стр. 675
وقد روى المزني: عن الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن كريب، عن ابن عباس قال (١):
"إنه بات عند النبي ﷺ ليلة خالته ميمونة، فقام النبي ﷺ فتوضأ من شنة معلقة فوصف وضوءه وجعل يقلله بيده، ثم قام ابن عباس فصنع مثل ما صنع رسول الله ﷺ قال: ثم جئت فقمت عن شماله فأخذني فجعلني عن يمينه، فصلى ثم اضطجع فنام حتى نفخ، ثم أتى بلال فآذنه بالصبح فصلى ولم يتوضأ".
قال سفيان: لأنه بلغنا أن النبي ﷺ كان ينام عيناه ولا ينام قلبه.
"بات" فلان يبيت وبيات: إذا جن عليه الليل وسواء كان يقظان أو نائمًا، تقول: بات يفعل كذا: إذا فعله ليلاً، كما تقول: ظل يفعل كذا إذا فعله نهارًا.
"والاضطجاع": افتعال من الضجعة تقول: ضجع الرجل يضجع ضجعًا وضجوعًا فهو ضاجع: إذا وضع جنبه إلى الأرض وسواء كان يقظان أو نائمًا.
وفي افتعل من هذا اللفظ للعرب مذهبان:
أحدهما: تقلب التاء طاء لمكان الضاد فتقول: اضطجع.
والثاني: تدعم التاء في الضاد لقرب ما بينهما، فتقول: اضجع ولا تقول: اطجع لأن الضاد لا تدغم في الطاء.
"والوسادة": المخدة.
ويريد بأهل رسول الله ﷺ زوجته ميمونة.
"وانتصف": افتعل من النصف.
والتعريف في العشر الآيات على خلاف ما ذهب إليه نحاة البصرة، وقد
стр. 676
ذكرناه في حديث المنبر.
"والشن والشنة": القربة الخلق والجمع شنان.
وقد جاء في رواية الشافعي: "شن معلقة" باتت نظرا إلى القربة وحملًا على المعنى.
ومعنى أخذه ﷺ بأذن ابن عباس وفتله لها: أنه يوقظه بذلك ويداعبه استحسانا لفعله وقيامه، وموافقة النبي ﷺ على صلاته ليلًا فذلك على خلاف ما يقتضيه شن مثله؛ وقد جاء هذا مصرحًا به في رواية أبي داود قال: ثم وضع يده على رأسي يمس أذني كأنه يوقظني.
وقد جاء في رواية الشافعي: "فجلس يمسح وجهه".
وعند الباقين: "فجلس فمسح".
ورواية الشافعي أحسن وأبلغ في البيان، لأنه جاء بها بلفظ المضارع الذي يدل على حكايه الحال الحاضر، وتصويرها للسامع حتى كأنه يشاهدها؛ ولأن قوله: "فجلس يمسح" كان المسح غير متأخر عن الجلوس وإنما جلس ماسحًا؛ فهيئته كانت لما جلس من نومه ماسحًا وجهه؛ وليس كذلك "فجلس فمسح" وإن كانت الفاء تفيد تعقيبا إلا أن التعقيب إنما يكون بعد الفراغ مما تعقبه، والأول ممتزج مع ما بعده غير متقدم عليه إلا تقدما بالرتبة ولا تقدما بالزمان.
وفصله بين كل ركعتين بـ " ثم": دليل على أنه لم يعقب كل ركعتين بما قبلهما، وأنه فصل بينهما بزمان متراخ.
وقد ورد أنه يستحب أن يفصل بين صلاة الليل بتسبيح وتحميد وتقديس وتكبير وتهليل ونحو ذلك من الأذكار وأن لا يتابع بعضها ببعض.
وقوله: "ثم نام حتى نفخ" يشبه أن يكون نام جالسًا متمكنًا من الأرض، لأن النفخ لا يكون غالبا إلا عن نوم صحيح حقيقي، والنوم على هذه الحالة لا ينقض الوضوء، ويجوز أن يكون النوم خاصة لرسول الله ﷺ لا ينقض
стр. 677
وضوءه، لأن له خصائص ليست لأحد من أمته.
ويدل على أن هذا هو الصحيح أنه قد جاء في بعض روايات هذا الحديث عن ابن عباس وعائشة وغيرهما: أنه لما فرغ من صلاة الليل اضطجع على شقه الأيمن.
وكذلك جاء عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، أتنام قبل أن توتر؟
فقال: "يا عائشة، إن عيني تنامان ولا ينام قلبي".
وهذا يدل على أنه لم يكن نائما على هيئة القاعد، وإنما كان ذلك خصيصة له ﷺ .
والذي ذهب إليه الشافعي: أن المأموم لا يخلو أن يكون رجلاً أو امرأة، وكل واحد منهما لا يخلو أن يكون واحداً أو أكثر منه؛ فإن كان رجلًا واحدًا أقام إلى جنب الإمام عن يمينه، وإن كانوا اثنين فصاعدًا قاموا خلفه.
وإن كان المأموم امرأة واحدة قامت خلفه. وإن كان رجلًا وامرأة قام الرجل عن يمينه والمرأة خلفه. وإن كانوا رجالًا ونساءً قام الرجال خلف الإمام، والنساء خلف الرجال.
وإلى قياس الواحد ذهب أكثر العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم منهم: عمر، وابن عمر، وجابر [بن] (١) زيد، وعروة بن الزبير، ومالك، وسفيان، والأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه، وإسحاق.
وقال ابن المسيب: يقوم الواحد عن يسار الإمام.
وقال النخعي: يقوم خلفه.
فأما إذا كان المأموم اثنين فذهب إلى تأخرها عن الإمام: عمر، وعلي، وابن عمر، وجابر بن زيد، والحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، ومالك، وأبو حنيفة وأصحابه.
وقال ابن مسعود: يقوم أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره.
стр. 678
وبه قال النخعى.
وبما قال الشافعي في الرجل والمرأة، قال عطاء وعروة والنخعي، وقتادة، ومالك، والثوري.
وقد أخرج الشافعي فيما بلغه عن [محمد] (١) بن عبيد، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه "أن عبد الله صلى به وبعلقمة فأقام أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، وقال: هكذا يفعل رسول الله ﷺ ".
قال الشافعي: وليسوا يقولون بهذا. ذكره فيما خالفوا فيه ابن مسعود.
وقال الشافعي: عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه قال: "دخلت على عمر بالهاجرة فوجدته يسبح، فقمت وراءه فقربني حتى جعلني حذاءه على يمينه، فلما جاء يَرْفأ (٢) تأخرت فصففنا وراءه".
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة، عن أنس بن مالك "أن جدته -مليكة- دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته له فأكل منه، ثم قال: "قوموا لأصلى لكم" قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس فنضحته بماء فقام عليه رسول الله ﷺ وصففت أنا واليتيم خلفه والعجوز من ورائنا".
وأخبرنا الشافعي: عن مالك بالإسناد قال: "صليت أنا ويتيم لنا خلف النبي ﷺ في بيتنا وأم سليم خلفنا".
стр. 679
وقد عاد الشافعي أخرج هاتين الروايتين في كتاب "اختلاف الحديث"، إلا أنه أخرج الأولى عن مالك وزاد في آخرها: وصلى لنا ركعتين ثم انصرف.
وأخرج الرواية الثانية: عن سفيان بن عيينة.
قال أبو بكر البيهقي (١): تعقب هذه الرواية الأخيرة من هذا الحديث بهذا اللفظ، إنما رواه الشافعي في رواية المزني وحرملة عن سفيان قال: هو الصحيح.
وقد رواه الربيع في موضع آخر على الصحة.
والحديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة.
فأما مالك (٢): فأخرجه في باب سبحة الضحى بالإسناد واللفظ، إلا أنه قال: [وراءه]، (٣) بدل خلفه وزاد في آخره: "فصلى لنا ركعتين ثم انصرف".
وهذه الزيادة قد جاءت في كتاب البيهقي (٤) من روايته عن الربيع.
وأما البخاري (٥): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك بلفظه.
وأما مسلم (٦): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن مالك.
وأما أبو داود (٧): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك بلفظه.
وأما الترمذي (٨): فأخرجه عن إسحاق الأنصاري، عن معن، عن مالك.
وأما النسائي (٩): فأخرجه عن قتيبة، عن مالك.
стр. 680
"واللام" في "لطعام" بمعنى إلى؛ لأن الدعاء إنما يتعدى بإلى، ويجوز أن يكون لام أجل: أي دعته إليها لأجل طعام صنعته.
"والفاء" في قوله: "فلأصلي" فاء التعقيب، واللام التي فيها لام التعليل وهي لام كي، كما تقول: أكرم زيدًا لأكرمك، فجعلت إكرامك له متعلقًا بإكرامه زيدا، ثم أدخل عليها الفاء ليدل على أن الفعل الذي دخل عليه اللام، يتعقب ما قبله ولا يتأخر عنه.
إلا أن الفاء تحتاج إلى معطوف عليه، وليس في الكلام قبلها مذكور يعطف عليه، فيحتاج إلى تقدير محذوف كأنه قال: قوموا لأقوم فلأصلي لكم.
"والصف": مصدر صف يصف صفًّا وهو اسم لواحد الصفوف وقد روى "فصففت أنا واليتيم" فصففت لما لم يسم فاعله وهو أحسن، لأن الفعل متعد وإذا فتحته استدعى مفعولًا وليس في اللفظ مفعول، وإذا ضممته كان المفعول مستترًا فيه.
وفي رواية "فيه".
وفي رواية الشافعي "خلفه".
وفي روايات الباقين "وراءه".
وهما بمعنى واحد إلا أن خلفًا آكد وأثبت في بابها من وراء، لأن وراء قد يقع على قدام كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ (١) أي قدامهم.
و"من" في قوله: "من ورائنا" لابتداء الغاية أي كان قيامها مبتدئا من ورائنا، أو هي بمعنى "في" أي كانت قائمة في الجهة التي هي الوراء، ويجوز أن تكون الوراء زائدة.
"واليتيم" الذي جاء ذكره في الحديث قيل: اسمه ضميرة أخو أنس.
стр. 681
والعجوز: أم أنس.
وفي الحديث من الفقه:
جواز صلاة النافلة في الجماعة.
وجواز صلاة المنفرد خلف الصف؛ لأن المرأة قامت وحدها من ورائها.
وفيه: دليل على أن إمامة المرأة لا تصح، لأنها لما [أخرت] (١) عن مسامتة الرجال كان منعها من التقديم عليهم أولى.
وفيه: دليل على ترتيب المأمومين.
وفيه: جواز الصلاة على حائل بين الوجه والأرض.
وفيه: جواز الدعاء إلى الطعام والإجابة إليه.
قال الشافعي: وأنس [يحكي] (٢) أن امرأة صلت منفردة مع رسول الله ﷺ [صلاتها] (٣) مع [الإمام] (٤) منفردة أجزأت الرجل. قال: وسمعت من يروي بإسنادٍ حسن أن أبا بكرة ذكر النبي ﷺ أنه ركع وراء الصف فقال له النبي ﷺ : "زادك الله حرصا ولا تعد" (٥).
قال الشافعي: فلما لم يأمره بإعادة وقد ركع وحده دل على أنه يجزئ عنه.
وقوله: "ولا تعد" يشبه أن تركع حتى تصل إلى موقفك لما في ذلك من التعب، كما ليس عليك أن تسعى إذا سمعت الإقامة، كأنه أحب له الدخول في الصف؛ ولم ير عليه العجلة حتى يلحق بالصف.
стр. 682
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف، عن صالح بن إبراهيم قال: رأيت أنس بن مالك صلى الجمعة في بيوت حميد بن عبد الرحمن بن عوف فصلى بصلاة الإمام بالتسبب أو المباشرة (١).
أي كانت صلاته مسببة عن صلاة الإمام أو ملتبسة بها.
ويجوز أن يكون بمعنى الآلة؛ كأن صلاته صليت بصلاة الإمام.
والقول الواضح فيها معنى الباء الأصلي الذي هو الإلصاق، كأنه ألصق صلاته بصلاة الإمام وقرنها بها.
وفي قوله "في المسجد" متعلقة يقول: "بصلاة الإمام" لا بقوله "فصلى" لأن معمول "صلى" إنما هو قوله في بيوت حميد بن عبد الرحمن ولو كان متعلقًا بصلى لكانت صلاة المأموم في المسجد وليس الأمر كذلك.
والذي أراده الشافعي من هذا الحديث: أن موقف المأموم من الإمام والحكم في ذلك مختلف باختلاف الأمكنة؛ وفيه تفصيل يطول ذكره وكتب الفقه أولى به؛ لكن نذكر هاهنا حكم الطريق إذا فصل بين الإمام والمأموم.
والذي ذهب إليه الشافعي: أنه إذا كان بين الإمام والمأموم، وبين آخر الصف طريق أو نهر ولم يكن بينهما بعد كثير صحت صلاة المأموم وبه قال مالك.
وقال: أبو حنيفة وأحمد: لا تصح.
وقال الشافعي: إذا صلى في مكان خارج من المسجد؛ فإن لم يحل بينهما حائل كحائط فاصل ولم يكن بينهما بعد كثير صحت الصلاة.
وقد قدر الشافعي ﵁ بُعد المسافة ثلاثمائة ذراع.
стр. 683
وحكي عن عطاء أنه قال: يصلى بصلاة الإمام من علم بصلاته.
ولم يراع قربًا ولا بعدًا قياسًا على المسجد، وفيه نظر للفرق بين المساجد وغيرها.
وقد أخرج الشافعي من رواية الزعفراني عنه، عن إبراهيم بن محمد، عن ليث، عن عطاء، عن عائشة "أن نسوة صلين في حجرتها فقالت: لا تصلين بصلاة الإمام فإنكن في حجاب".
قال الشافعي: وهذا مخالف للمقصورة؛ المقصورة شيء من المسجد فهو وإن كان حائلًا دون ما وراءها بينه وبين الإمام؛ فإنما هو كحول الأصطوان أو أقل؛ وكحول صندوق المصاحف وما أشبهه.
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا ابن أبي يحيى، عن صالح مولى التوأمة- قال: "رأيت أبا هريرة يصلى فوق ظهر المسجد وحده بصلاة الإمام".
قال الشافعي: رأيت من المؤذنين من يصلي بصلاة الإمام وهم فوق ظهر المسجد فسألت عن ذلك مسلم بن خالد وقال: هي مجزئ عنهم ولو صلوا في الأرض كان أحب إلي.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن المأموم إذا كان في المسجد أي مكان منه صحت صلاته، حتى ولو كان في أعلى المنارة والإمام في قعر البئر.
فأما في غير المسجد فله حكم آخر: وذلك أن حكم الموقف ارتفاعًا وانخفاضا في غير المسجد؛ حكمه اختلاف البنيان فلا بد فيه من اتصال محسوس؛ وهو أن يحاذي رأس المستقل ركية العالي تقديرًا.
وقال أبو حنيفة: يكره للمأموم أن يرتفع عن موضع الإمام.
وقال الشافعي: لو صلى في علو داره بصلاة الإمام في المسجد فلا يجزئه؛ ذلك لأنها بائنة عن المسجد وليس بينهما قرار يمكن اتصال الصفوف فيه.
стр. 684
وقال أحمد: يجوز في المسجد وغير السجد.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن حصين -أظنه- عن هلال بن يساف قال: أخذ بيدي زياد بن أبي الجعد فوقف بي على شيخ بالرقة من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له وابصة بن [معبد] (١) قال: أخبرني هذا "أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة.
قال الشافعي: وقد سمعت من أهل العلم بالحديث من يذكر أن بعض المحدثين يدخل بين هلال بن يساف ووابصة فيه رجلاً.
ومنهم من يرويه عن هلال عن ووابصة سمعه منه.
وسمعت بعض أهل العلم منهم كأنه موهنه بما وصفت (٢).
стр. 685
والحديث أخرجه أبو داود والترمذي.
فأما أبو داود (١): فأخرجه عن سليمان بن حرب وحفص بن عمر، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة وذكره.
وأما الترمذي (٢): فأخرجه عن هناد، عن أبي الأحوص، عن حصين عن هلال مثل الشافعي.
وفي الباب عن: ابن عباس، وعلي بن شيبان.
"وحده": منصوب على المصدر عند نحاة البصرة، وعلى الظرف عند نحاة الكوفة.
فأما المصدر: فعلى تقدير أو حديه بروايتي إيحادًا أي لم أر غيره، ثم وضعت وحده هذا الموضع.
وقيل: المعنى كأنك قلت: رأيت رجلاً منفردًا انفرادًا.
ولا يضاف إلى الكلمة إلا في موضعين:
أحدهما: مدح وهو قولهم نسيج وحده.
والآخر: ذم وهو قسمان:
أحدهما: قوله: عُيَيْر وَحْدِه.
والآخر: جحيش وحده كأنك قلت: نسيج إفراد، فلما وضعت وحده موضع المصدر المجرور جررته وربما قالوا رجيل وحده (٣).
стр. 686
والذي ذهب إليه الشافعي: أن المنفرد خلف الصف تصح صلاته ويكره له ذلك.
وبه قال الحسن البصري، وأبو حنيفة ومالك والثوري، والأوزاعي وابن المبارك وروي عن زيد بن ثابت.
وقال أحمد وإسحاق: تبطل صلاته، واختاره ابن المنذر.
واستدل من ذهب إلى صحة الصلاة بحديث أبي بكرة أن النبي ﷺ قال له: "زادك الله حرصًا ولا تعد" (١) ولو كانت صلاته غير صحيحة لأمره بإعادتها ولما أقره عليها.
وأما قوله "ولا تعد" فإنه من طريق الكراهة، ويكون حديث وابصة موافقًا له وأنه على وجه الاستحباب.
وهذا الحديث ذكره الشافعي في كتاب "اختلاف الحديث" وكان يقول في القديم: لو ثبت هذا الحديث لقلت به؛ ثم وهنه في الجديد مما ذكرناه.
وكان إبراهيم النخعي يقول: صلاته تامة وليس له تضعيف الأجر بالجماعة.
فكأن النبي ﷺ نفى عنه فضل الجماعة؛ وأمره بالإعادة ليحصل له زيادة الأجر ولا يعود إلى ترك السنة.
стр. 687
الفرع الثاني في الصفوف
لم يرد في المسند حديث يتضمن ذكر الصفوف وما يتعلق، ولكن قد جاء في كتاب "السنن والآثار" للبيهقي عن الشافعي في ذلك أحاديث قد ذكرناها.
أخرج الشافعي من رواية المزني عنه: عن سفيان، عن محمد بن عجلان، عن أبيه -أو- عن المقبري، عن أبي هريرة أن النبي ( ﷺ ) قال: " [خير] (١) صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها".
هكذا رواه سفيان بن عيينة بالشك، ورواه الثوري وأبو عاصم، عن محمد ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة من غير شك.
ورواه سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة.
وهذا الحديث أخرجه مسلم (٢) وأبو داود (٣) والترمذي (٤) والنسائي (٥).
وأخرجه المزني (٦) عنه: عن عبد الوهاب، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك "أن رسول الله ﷺ أقبل على أصحابه بوجهه بعد ما أقيمت الصلاة قبل أن يكبر فقال: "أقيموا صفوفكم وتراصوا إني لأراكم خلف ظهري"
قال الشافعي في رواية حرملة: هذا ثابت عندنا وبهذا نقول.
стр. 688
وهو حديث صحيح أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) والنسائي (٣).
وقد أخرج الشافعي في كتاب البويطي عن مالك، عن سمي -مولى أبي بكر- عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول؛ ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا, ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح أتوهما ولو حبوًا".
وأخرج الشافعي في القديم -عن مالك، عن نافع "أن ابن عمر كان يأمر رجالًا بتسوية الصفوف، فإذا جاءوا فأخبروه أن الصفوف قد استوت كبر".
أخرجه الموطأ (٤).
وأخرج الشافعي في القديم عن مالك، عن عمه، عن أبيه قال: "جئت عثمان ابن عفان وقد أقيمت الصلاة وأنا غلام أسأله أن يفرض لي فكلمته، حتى أتاه الذي أمره بتسوية الصفوف أن قد استوت فقال: ادخل في الصف وكبر".
أخرجه الموطأ (٥).
وأخرج المزني عن الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني" (٦).
هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (٧) ومسلم (٨) وأبو داود (٩) والترمذي (١٠) والنسائي (١١).
стр. 689
الفرع الثالث في اختلاف القيام والقعود
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا يحيى بن حسان، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة "أن رسول الله ﷺ أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، فوجد النبي ﷺ خفة فقعد إلى جنب أبى بكر، فأم رسول الله ﷺ أبا بكر وهو قاعد، وأم أبو بكر الناس وهو قائم".
وقد عاد الشافعي ﵁ أخرجه في كتاب "اختلاف الحديث" بهذا الإسناد واللفظ.
وعاد أخرجه في كتاب "اختلافه مع مالك" (١) عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه مرسلًا بمثل لفظ مالك وسيأتي ذكره.
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه مالك والبخاري ومسلم والنسائي.
فأما مالك (٢): فأخرجه عن هشام عن أبيه مرسلًا "أن رسول الله ﷺ خرج في مرضه فأتى المسجد؛ فوجد أبا بكر وهو قائم يصلي بالناس فاستأخر أبو بكر فأشار إليه رسول الله ﷺ أن كما أنت" فجلس رسول الله ﷺ إلى جنب أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله ﷺ ، كان الناس يصلون بصلاة أبي بكر.
стр. 690
وأما البخاري (١): فأخرجه عن زكريا بن يحيى، عن ابن نمير، عن هشام بالإسناد وذكر نحوه.
وفي أخرى: عن أحمد بن يونس، عن زائدة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة وذكر أتم منه.
وأما مسلم (٢): فأخرجه بإسناد البخاري للرواية الثانية.
وفي أخرى: عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب، عن ابن نمير، عن هشام وذكر نحوه.
ولهذا الحديث عنهما روايات كثيرة وفي بعضها أنه ﷺ جلس عن يسار أبي بكر.
وأما النسائي (٣): فأخرجه عن محمود بن غيلان، عن أبي داود، عن شعبة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عائشة.
وذكر الحديث وله روايات أخرى.
الذي أراد الخفة التي وجدها رسول الله ﷺ ؛ هي الخفة من المرض الذي كان به كأن وجد في المرض ضعفًا أعقبه نشاطًا.
وأما ما جاء في بعض طرق الحديث "أنه جلس عن يسار أبى بكر" فلم يخص اليسار بفضيلة ليست لليمين؛ ولكن لمعنيين:
أحدهما: أن حجرة النبي ﷺ هي في جهة يسار المصلى في مسجد المدينة؛ فلما خرج إلى الصلاة قصد أقرب المواضع إليه مما يلي الحجرة، وهو يسار أبي بكر حيث كان إمامًا.
стр. 691
والمعنى الثاني: هو أنه أراد أن يكون هو الإمام ليأتم به أبو بكر والناس؛ فوقف عن يساره ليصير أبو بكر عن يمين النبي ﷺ ، حين قد صار إمامًا وأبو بكر مأمومًا وموقف المأموم إذا كان واحداً أن يقف عن يمين الإمام؛ وأبو بكر كان في صف وحده.
وقوله: "وهو قاعد" الضمير عائد إلى رسول الله ﷺ وإن كان قد فصل بينهما بالمفعول الذي هو أبو بكر، كما فصل بين قوله: "وهو قائم": الذي هو ضمير أبي بكر بالمفعول الذي هو الناس.
ومعنى قوله "فأم أبو بكر الناس وهو قائم" أن أبا بكر كان يبلغ الناس عن النبي ﷺ .
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الإمام إذا مرض وتعذرت عليه الصلاة قائمًا؛ فالأولى أن يستخلف من يصلي بهم قائمًا؛ لأن الناس اختلفوا في صلاة القائم خلف القاعد فيخرج من الخلاف، ولأن صلاة القائم أفضل إجماعًا؛ فيستحب أن يكون الإمام كامل الصلاة؛ فإن لم يستخلف وصلى جالسًا يصلي من خلفه قائمًا.
وبه قال أبو حنيفة، والثوري، وأبو ثور.
وإحدى الروايتين عن مالك أنه قال: لا تصح صلاة القائم خلف القاعد.
وإليه ذهب محمد بن الحسن.
وقال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق: يصلون خلفه جلوسًا.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا عبد الوهاب الثقفي قال: سمعت يحيى بن سعيدٍ يقول: حدثني ابن أبي مليكة أن عبيد بن عمير الليثي حدثه "أن رسول الله ﷺ أمر أبا بكر يصلي بالناس الصبح، وإن أبا بكر كبر فوجد النبي ﷺ بعض الخفة فقام يفرج الصفوف قال: وكان أبو بكر لا يلتفت إذا صلى، فلما سمع أبو بكر الحس من ورائه عرف أنه لا يتقدم إلى ذلك المقعد إلا رسول
стр. 692
الله ﷺ فخنس وراءه إلى الصف فرده النبي ﷺ مكانه؛ فجلس رسول الله ﷺ إلى جنبه وأبو بكر قائم، حتى إذا فرغ أبو بكر قال: أي رسول الله أراك أصبحت صالحًا وهذا يوم بنت خارجة فرجع أبو بكر إلى أهله. فمكث رسول الله ﷺ مكانه وجلس إلى جنب الحجر يحذر الفتن وقال: "إني والله لا يمسك الناس على شيء إلا أني لا أحل إلا ما حل (١) الله في كتابه؛ ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه، يا فاطمة بنت رسول الله، يا صفية عمة رسول الله؛ اعملا لما عند الله فإني لا أغني عنكما من الله شيئاً".
هكذا جاء هذا الحديث في كتاب الصلاة (٢) مرسلًا عن عبيد الله بن عمير.
وقد عاد الشافعي أخرجه في كتاب اختلافه مع مالك (٣) بهذا الإسناد عن عبيد بن عمير قال: أخبرني الثقة -كأنه يعني عائشة- وذكر صلاة النبي ﷺ إلى جانب أبي بكر بمثل حديث هشام عن أبيه، وهو طريق من طرق حديث عائشة الذي قبل هذا.
قوله: "فقام يفرج الصفوف" أي يتخللها ليخلص إلى موضع الإمام، أي جعل فيها فرجة وهي موضع خال مما كان فيه.
"والمقعد": موضع القعود يريد به مكان الإمامة لشرفه، وأنه لا يقدم عليه إلا النبي ﷺ أو من أمره النبي مثله.
"وخنس" يخنس -بالخاء المعجمة والنون- إذا تأخروا.
"وراءه" منصوب على الظرف، وإلى هذا تعدى إليه الفعل بغير معد.
فكذلك قوله: "فرده النبي ﷺ مكانه" أي إلى مكانه.
стр. 693
فحذف الجار وأوصل الفعل.
"وبنت خارجة": زوجة أبي بكر واسمها حبيبة وهي من الخزرج.
"والحجر": جمع حجرة يريد بها حجر نسائه.
وقوله: "يحذر الفتن" أي يحذر الناس من الفتن، فحذف المفعول الذي هو الناس لدلالة الفتن وهي المفعول الثاني عليه.
وقوله: "إني لا يمسك الناس على شيء" يريد أنه لا ينسب فيما شرعه وسنه إلى هوى وغرض دنياوي وأمر نفساني حمله على ما فعله وقاله، فإن الذي شرعه وسنَّه كان وحيًا إلا هيًّا وحكمًا ربانيًّا فإنه مأمور في كل ما يأتيه ويذره؛ ولا يقدر أحد أن يأخذ عليه قولًا ولا يطعن عليه فعلاً؛ إلا ردف ذلك بقوله: "إلا إني لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه، ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه".
ثم لم يكتف بذلك حتى قال: "يا فاطمة بنت رسول الله، ويا صفية عمة رسول الله، اعملا لما عند الله فإني لا أغني عنكما من الله شيئًا" فذكر أعز الناس عليه من جهة الولد والوالد، وخص الإناث لأن اللطف بهن أكثر والرحمة لهن أعظم.
فعرفهم أن أعز الناس عليه وألزمهم به لا يغني عنه ولا ينفعه؛ وحثهما على العمل لما عند الله لأنه هو الذي ينفعهما ويغني بينهما، كل ذلك لسان قوله: "لا يمسك الناس على شيء" إني إذا كنت لا أنفع ألزامي ولا أغني عنهم؛ فكيف يكون الأجانب؟!! وإنَّ الفريقين عندي في الحكم المديني شرع سواء ﷺ .
قيل إن الصلاة التي أمَّ فيها رسول الله ﷺ أبا بكر وهو قاعد، وأبو بكر قائم يسمع الناس تكبيره: صلاة الظهر.
والصلاة التي صلاها آخر هي صلاة الصبح، وكان قد سبقه أبو بكر بركعة فصلى خلفه الركعة الثانية وهو قاعد.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن أنس "أن رسول الله
стр. 694
- ﷺ ركب فرسًا فصرع عنه فجحش شقه الأيمن، فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد فصلينا معه قعودًا، فلما انصرف قال: "إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا؛ وإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد، فإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعين".
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة.
فأما مالك (١): فأخرجه إسنادًا ولفظًا إلا أنه قال: "وراءه" بدل "معه" وقال: "أجمعون".
وأما البخاري (٢): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك بالإسناد ولفظ مالك.
قال البخاري: قال الحميدي: هذا منسوخ قوله: "إذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا" هذا كان في مرضه القديم، ثم صلى بعد ذلك جالسًا والناس خلفه قيامًا.
قال البخاري: ولم يأمرهم بالقعود وإنما يؤخذ بالآخر من فعل النبي ﷺ .
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن يحيى، وقتيبة، وأبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو، وزهير بن حرب، وأبي كريب، وأبي كامل جميعًا عن سفيان، عن الزهري وذكر نحو مالك.
وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك بالإسناد ولفظ مالك.
وأما الترمذي (٥): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن ابن شهاب بالإسناد ولفظ مالك.
стр. 695
وأما النسائي (١): فأخرجه عن هناد بن السري، عن ابن عيينة، عن الزهري وذكر الحديث.
"صُرِعَ" الرجل يصرع إذا سقط إلى الأرض وسواء كان راكباً أو قائما، والفعل مبنى لما لم يسم فاعله.
وقوله: "عنه" معناه أنه صرع متجاوزًا له؛ لأن "عن" للمجاوزة، التقدير: أنه جاوزه بسقوطه عن ظهره، والمصرع: الموضع والمصدر معا.
"والجَحْش" (بفتح الجيم وسكون الحاء) شجج الجلد وخدشه، تقول: أصابه شيء فجُحِش وجهه أو وجنبه يجحشه.
"والشِق" (بكسر الشين) من كل نصفه، وأراد به في هذا الموضع جنبه لا يصف جنبيه.
وقوله: "قيامًا وقعودًا وجلوسًا" نصب على الحال وهي جمع قائم وقاعد، وجالس.
وقوله: "أجمعين" منصوب فإنه تأكيد لقوله جلوسًا.
ومن رواه "أجمعون" جعله تأكيدًا للضمير في قوله "فصلوا".
وفي رواية الشافعي: "فصلينا معه".
وفي رواية الجماعة "فصلينا وراءه".
وأما قوله: "معه" فإنه يفيد الاجتماع في الصلاة.
وقوله: "وراءه" يفيد كيفية الوقوف معه إفادة صريحة، ولكنها لا تفيد الاجتماع إلا من جهة العادة والعرف وسياق لفظ الحديث.
"والسقوط": الوقوع من علو ومن قامة الإنسان.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا يحيى بن حسان، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة يعني بمثله.
стр. 696
هكذا ذكره الشافعي عقيب حديث أنس.
وقد أخرجه الشافعي في كتابه "اختلافه مع مالك" (١) عن مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: "صلى رسول الله ﷺ في بيتي وهو شاك فصلى جالسًا وصلى خلفه قومُ قيامًا، فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود.
وأما مالك (٢): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك بالإسناد واللفظ (٣).
وأما مسلم (٤): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبدة بن سليمان، عن هشام.
وأما أبو داود (٥): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك وذكره.
"رجل شاك": أي مريض، والشكوى المرض لأن المريض يشكو ما يعرض له من الألم؛ أي يخبر بما نزل به منه ويظهر ما عنده من سوء المرض به.
وهذا الحديث والذي قبله فيهما من الفقه أمران:
أحدهما: صلاة العاجز قاعدًا.
والثاني: حكم من يأتي به في جميع صلاته من قيام وقعود وركوع وسجود.
أما موافقة المأموم لإمامه في القعود فليس مذهبًا للشافعي، وقد ذكرنا ما ذهب
стр. 697
إليه في حديث عائشة.
وأما باقي الأحكام من: جواز قعود العاجز، ومتابعة المأموم إمامه في غير القعود فهو مذهبه.
إلا أن سياق هذين الحديثين والغرض الأهم منهما إنما هو: لمتابعة الإمام في صلاته قاعدًا، ألا تراه قد صرح به في حديث عائشة حيث قالت: "فأشار إليهم أن اجلسوا لما رآهم قد صلوا خلفه قيامًا".
ثم في كل الحديثين قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به".
وقوله فيهما: "وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعين" وهذا من أوضح ما يقال في أن الغرض من الحديثين: الاستدلال على ما ذهب إليه من قال: أن المأموم يصلي جالسًا كالإمام.
والاستدلال وإن كان واضحاً والاحتجاج به ظاهر، فإن الشافعي ومن قال بقوله لا ينكرونه؛ ولكن يجعلونه منسوخًا بحديث عائشة عن صلاة النبي ﷺ في مرضه قاعدًا والناس خلفه قيام، وذلك من آخر أفعاله لأنه كان مرضه الذي مات فيه.
قال الشافعي عقيب حديث أنس وعائشة: هذا وهذا ثابت عن رسول الله ﷺ منسوخ بسنته، وذلك أن أنس بن مالك يروي "أن النبي ﷺ صلى جالسا من سقطة فرس"، وعائشة تروي ذلك، وأبو هريرة يوافق روايتها، وأمر من خلفه في هذه العلة بالجلوس إذا صلى جالسا؛ ثم تروي عائشة "أن النبي ﷺ صلى في مرضه الذي مات فيه جالسًا والناس خلفه قيامًا، وهي آخر صلاة صلاها بالناس بأبي وأمي ﷺ حتى لقي الله " وهذا لا يكون إلا ناسخًا.
ثم ذكر رواية عروة عن عائشة في خروج النبي ﷺ في مرضه.
وبعدها رواية الثقة -يعني حسان- ثم قال: فإن قيل: فقد ائتم أبو بكر بالنبي ﷺ وأبو بكر مأموم يعلم بصلاة رسول الله ﷺ ؛ لأن رسول الله ﷺ -
стр. 698
كان جالسًا ضعيف الصوت وكان أبو بكر قائمًا يرى ويسمع ثم ذكر رواية عبيد بن عمير وقال: فلم يأمرهم النبي ﷺ بالجلوس ولم يجلسوا ولولا أنه منسوخ صاروا إلى الجلوس لمتقدم أمره إياهم.
قال الربيع: فقلت للشافعي: فإنا نقول: لا يصلي أحد بالناس جالسًا ونحتج بأنا روينا عن ربيعة بأن أبا بكر صلى برسول الله ﷺ .
قال الشافعي: فإن كان هذا ثابتا فليس فيه خلاف، لما أخذنا به ولا لما تركنا من هذه الأحاديث، قد مرض رسول الله ﷺ أيامًا وليالى لم يبلغنا أنه صلى بالناس مرة؛ لا يمنع أن يكون صلى أبو بكر غير تلك الصلاة بالناس مرة ومرارًا، وكذلك لو صلى رسول الله ﷺ خلف أبى بكر مرة ومرارًا لم يمنع ذلك أن يكون صلى خلفه أبو بكر أخرى، كان أبو بكر يصلي خلف رسول الله ﷺ أكثر عمره.
قال الربيع: فقلت للشافعي: فقد ذهب إلى توهين حديثا هشام بن عروة بحديث ربيعة.
قال الشافعي: فإنما ذهبتم إليه لجهالتكم بالحديث، وحديث ربيعة مرسل لا يثبت مثله ونحن لم نثبت حديثا هشام عن أبيه حتى أسنده هشام، عن أبيه، عن عائشة عن النبي ﷺ ، فكيف احتججتم بما لا يثبت بالحديث على ما لا يثبت؟ وهو إذا ثبت حتى يكون أثبت حديثا يكون كما وصفت؛ لا يخالف حديث عروة ولا أنس ولا يوافقه ولا معنى فيه من حديثنا.
قال الشافعي: روى جابر الجعفي، عن الشعبي أن النبي ﷺ قال: "لا يؤمَنَّ أحد بعدي جالسا". وقد علم الذي يحتج بهذا ليس فيه حجة، وأنه لا يثبت لأنه مرسل، لأنه عن رجل يرغب الناس عن الرواية عنه -يريد جابر الجعفي- فإنه متروك الحديث عند أهل العلم، مذموم في روايته ومذهبه.
стр. 699
قال الدارقطني: لم يروه غير جابر الجعفي وهو متروك لا يقوم بحديثه حجة.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد الوهاب الثقفي، عن يحيى بن سعيد، عن أبي الزبير، عن جابر: "أنهم خرجوا يشيعونه وهو مريض فصلى جالسًا وصلوا خلفه جلوسًا".
هذا الحديث أخرجه الشافعي في كتاب "اختلاف الحديث" بعد حديث عائشة الذي يرويه يحيى بن حسان، عن حماد، عن هشام، عن أبيه.
قال الشافعي: فقد روى في هذا الصنف شيء يغلط به بعض من يذهب إلى الحديث، وذلك أن عبد الوهاب الثقفي أخبرنا عن يحيى بن سعيد، أن أسيد بن حضير فعل مثل ذلك.
قال الشافعي: وفي هذا ما يدل على أن الرجل يعلم الشيء عن رسول الله ﷺ لا يعلم خلافه عنه، فيقول بما علم ثم لا يكون في قوله بأعلم، ويرى رجحه على أحد علم أن رسول الله ﷺ قال قولاً أو عمل عملا ينسخ العمل الذي قال به غيره وعمله.
وأراد الشافعي أنهما إنما فعلا ذلك لأنهما لم يعلما ما نسخه.
قال: وفي هذا دليل على أن علم الخاصة يوجد عند بعض ويعزب عن بعض.
والله أعلم.
стр. 700
الفرع الرابع في المسبوق ببعض الصلاة
لم يرد في المسند فيه حديث، وإنما أخرج الشافعي ﵁-فيه من رواية المزني (١) عنه: عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح قال: "كان الرجل إذا جاء وقد صلى رسول الله ﷺ شيئًا من صلاته؛ سأل فإذا أخبر كم سبق به صلى الذي سبق به، ثم دخل مع رسول الله ﷺ في صلاته، فأتى ابن مسعود فدخل مع رسول الله ﷺ ولم يسأل، فلما صلى النبي ﷺ قام فقضى ما بقي عليه، فقال النبي ﷺ : "إن ابن مسعود قد سن لكم سنة فاتبعوها" (٢).
قال سفيان: وقال غير عمرو بن دينار: هو معاذ.
قال المزني: يحتمل أن يكون النبي ﷺ أمر أن يستن هذه السنة، فوافق ذلك فعل ابن مسعود.
وذلك أن بالناس حاجة إلى رسول الله ﷺ في كل ما سن وليس به حاجة إلى غيره
стр. 701
الفرع الخامس في الإسراع إلى الصلاة
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه سمع الإقامة وهو بالبقيع فأسرع إلى المسجد.
هذا الحديث أخرجه الشافعي في كتاب اختلافه مع مالك.
وقد أخرجه الموطأ (١) إسنادًا ولفظًا.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن يمشي إلى الصلاة وعليه السكينة والوقار ولا يعدو إليها عدوًا, ولعل ابن عمر أسرع إليها خوف أن تفوت فضيلة الجماعة لبعد الموضع.
قال الربيع: فقلت للشافعي: نحن نكره الإسراع إلى المسجد إذا أقيمت الصلاة.
قال الشافعي: فإن كنتم إنما كرهتموه لقول النبي ﷺ "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها تمشون وعليكم السكينة".
فقد أصبتم، وهكذا ينبغي لكم في كل أمر رسول الله ﷺ وذكر كلامًا طويلًا في مخالفة المالكيين.
وقد أخرج الشافعي من رواية المزني (٢) عنه: عن ابن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها تمشون عليكم السكينة؛ فما أدركتم
стр. 702
فصلوا وما فاتكم فأتموا -فاقضوا-" (١).
وهذان حديثان صحيحان أخرجه الجماعة (٢).
فقد أخرج من طريق الربيع حكاية عنه فيما بلغه عن جرير، عن منصور، عن زيد بن وهب "أن عبد الله -يعني ابن مسعود- دخل المسجد والإمام راكع فركع ثم دب راكعًا".
قال الشافعي: هكذا نقول وقد فعل ذلك زيد بن ثابت.
...
стр. 703
الفرع السادس في القراءة مع الإمام والفتح عليه
قد ذكرنا فيما سبق من الكتاب عند ذكر قراءة الفاتحة، واختلاف الأئمة في وجوبها. ما يتعلق بقراءة الإمام والمأموم؛ وذكرنا الخلاف في ذلك فلا حاجة إلى إعادته.
نذكر هاهنا وجه من ذهب إلى خلاف ما ذهب إليه الشافعي، من إسقاط القراءة عن المأموم.
وقد استدلوا على ذلك بما قد أخرجه الشافعي من رواية المزني عنه: عن مالك، عن ابن شهاب، عن ابن أكيمة الليثي، عن أبي هريرة "أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة قال: "هل قرأ أحدكم معي آنفا"؟ قال رجل: نعم يا رسول الله، قال: "إنى أقول ما لي أنازع القرآن".
قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ ، فيما جهر فيه رسول الله ﷺ بالقراءة من الصلوات حين سمعوا ذلك [من] (١) رسول الله ﷺ قوله: "فانتهى الناس" إلى آخره من كلام الزهري (٢).
وابن أكيمة مجهول (٣)، وقد تفرد به وقد اختلف في اسمه، وكيف يصح عن أبي هريرة ذلك وأبو هريرة يأمر بالقراءة خلف الإمام فيما جهر به وفيما خافت؟!!.
стр. 704
وقد روى عمران بن حصين نحو ما رواه ابن أكيمة بدون قول الزهري فانتهى الناس.
قال شعبة في حديث عمران بن حصين: فقلت لقتادة: كأنه كرهه؟ فقال: لو كرهه لنهى عنه.
وقد استدل الشافعي في البويطي بما رواه أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "كل صلاة لم يقرأ بأم القرآن فهي خداج" فقال له [حامل] (١) حديثه هذا إني أكون أحيانًا خلف الإمام قال: اقرأ بها يا فارسي في نفسك.
وأبو هريرة حمل الحديث عن رسول الله ﷺ وهو أولى بتفسيره، لأنه قد سمعه منه وقد شهد من تفسيره ما لم يشهد غيره ممن لم يسمعه.
وقد تقدم الكلام على حديث أبى هريرة هذا وفي بعض طرقه قال: قلت: يا أبا هريرة, إني أسمع قراءة الإمام فقال: اقرأ بها في نفسك.
وقد قال يزيد بن شريك لعمر بن الخطاب وسأله عن القراءة خلف الإمام؟
فقال: اقرأ بفاتحة الكتاب.
قلت: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا.
قلت: وإن جهرت؟ قال: وإن جهرت.
وروى ابن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب "أنه كان يأمر أن يقرأ خلف الإمام أظنه قال: في الظهر والعصر -في الركعتين الأولتين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الركعتين الآخرتين بفاتحة الكتاب".
وقد أخرج الشافعي فيما بلغه عن هشيم، عن منصور، عن الحسن "أن عليًّا قال: اقرأ فيما أدركت مع الإمام".
وقد روي عن عبد الله بن مسعود من رواية عبد الله بن زياد الأسدي قال:
стр. 705
"صليت إلى جنب عبد الله بن مسعود خلف الإمام فسمعته يقرأ في الظهر والعصر".
وقد روي عن جابر بن عبد الله قال: "كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتن الأولتين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الآخرتن بفاتحة الكتاب".
وروي عن أبي الدرداء أنه قال: "لا تترك قراءة فاتحة الكتاب (١)، خلف الإمام جهر أو لم يجهر".
وروى عن عبادة بن الصامت، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وعبد الله ابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن مغفل، وأبي هريرة، وأنس بن مالك، وعمران بن حصين: أنهم كانوا يأمرون بالقراءة خلف الإمام.
وكان عبد الله بن عمرو بن العاص وهشام بن عامر: يقرأان خلف الإمام.
قال الشافعي: لا تجزئ صلاة المرء حتى يقرأ بأم القرآن في كل ركعة إماما كان أو مأمومًا، كان الإمام يجهر أو يخافت، فعلى المأموم أن يقرأ بأم القرآن فيما خافت الإمام أو جهر.
قال الربيع: وهذا آخر قول الشافعي سماعًا منه؛ وقد كان قبل ذلك يقول: لا يقرأ المأموم خلف الإمام فيما جهر الإمام فيه، ويقرأ فيما خافت فيه.
قال: وأحب أن يكون ذلك في سكتة الإمام.
وأما الفتح في القراءة عليه:
فقد أخرج الشافعي ﵁: أخبرنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، عن أيوب بن أبي تميمة السختياني، عن نافع -مولى ابن عمر- قال: "كان ابن عمر يقرأ في السفر -أحسبه قال في العتمة- "إذا زلزلت الأرض"، فقرأ بأم القرآن فلما أتى عليها قال: بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله الرحمن