← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

الفرع الخامس في الإسراع إلى الصلاة أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه سمع الإقامة وهو بالبقيع فأسرع إلى المسجد. هذا الحديث أخرجه الشافعي في كتاب اختلافه مع مالك. وقد أخرجه الموطأ (١) إسنادًا ولفظًا. والذي ذهب إليه الشافعي: أن يمشي إلى الصلاة وعليه السكينة والوقار ولا يعدو إليها عدوًا, ولعل ابن عمر أسرع إليها خوف أن تفوت فضيلة الجماعة لبعد الموضع. قال الربيع: فقلت للشافعي: نحن نكره الإسراع إلى المسجد إذا أقيمت الصلاة. قال الشافعي: فإن كنتم إنما كرهتموه لقول النبي ﷺ "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها تمشون وعليكم السكينة". فقد أصبتم، وهكذا ينبغي لكم في كل أمر رسول الله ﷺ وذكر كلامًا طويلًا في مخالفة المالكيين. وقد أخرج الشافعي من رواية المزني (٢) عنه: عن ابن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها تمشون عليكم السكينة؛ فما أدركتم

стр. 702

فصلوا وما فاتكم فأتموا -فاقضوا-" (١). وهذان حديثان صحيحان أخرجه الجماعة (٢). فقد أخرج من طريق الربيع حكاية عنه فيما بلغه عن جرير، عن منصور، عن زيد بن وهب "أن عبد الله -يعني ابن مسعود- دخل المسجد والإمام راكع فركع ثم دب راكعًا". قال الشافعي: هكذا نقول وقد فعل ذلك زيد بن ثابت. ...

стр. 703

الفرع السادس في القراءة مع الإمام والفتح عليه قد ذكرنا فيما سبق من الكتاب عند ذكر قراءة الفاتحة، واختلاف الأئمة في وجوبها. ما يتعلق بقراءة الإمام والمأموم؛ وذكرنا الخلاف في ذلك فلا حاجة إلى إعادته. نذكر هاهنا وجه من ذهب إلى خلاف ما ذهب إليه الشافعي، من إسقاط القراءة عن المأموم. وقد استدلوا على ذلك بما قد أخرجه الشافعي من رواية المزني عنه: عن مالك، عن ابن شهاب، عن ابن أكيمة الليثي، عن أبي هريرة "أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة قال: "هل قرأ أحدكم معي آنفا"؟ قال رجل: نعم يا رسول الله، قال: "إنى أقول ما لي أنازع القرآن". قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ ، فيما جهر فيه رسول الله ﷺ بالقراءة من الصلوات حين سمعوا ذلك [من] (١) رسول الله ﷺ قوله: "فانتهى الناس" إلى آخره من كلام الزهري (٢). وابن أكيمة مجهول (٣)، وقد تفرد به وقد اختلف في اسمه، وكيف يصح عن أبي هريرة ذلك وأبو هريرة يأمر بالقراءة خلف الإمام فيما جهر به وفيما خافت؟!!.

стр. 704

وقد روى عمران بن حصين نحو ما رواه ابن أكيمة بدون قول الزهري فانتهى الناس. قال شعبة في حديث عمران بن حصين: فقلت لقتادة: كأنه كرهه؟ فقال: لو كرهه لنهى عنه. وقد استدل الشافعي في البويطي بما رواه أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "كل صلاة لم يقرأ بأم القرآن فهي خداج" فقال له [حامل] (١) حديثه هذا إني أكون أحيانًا خلف الإمام قال: اقرأ بها يا فارسي في نفسك. وأبو هريرة حمل الحديث عن رسول الله ﷺ وهو أولى بتفسيره، لأنه قد سمعه منه وقد شهد من تفسيره ما لم يشهد غيره ممن لم يسمعه. وقد تقدم الكلام على حديث أبى هريرة هذا وفي بعض طرقه قال: قلت: يا أبا هريرة, إني أسمع قراءة الإمام فقال: اقرأ بها في نفسك. وقد قال يزيد بن شريك لعمر بن الخطاب وسأله عن القراءة خلف الإمام؟ فقال: اقرأ بفاتحة الكتاب. قلت: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا. قلت: وإن جهرت؟ قال: وإن جهرت. وروى ابن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب "أنه كان يأمر أن يقرأ خلف الإمام أظنه قال: في الظهر والعصر -في الركعتين الأولتين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الركعتين الآخرتين بفاتحة الكتاب". وقد أخرج الشافعي فيما بلغه عن هشيم، عن منصور، عن الحسن "أن عليًّا قال: اقرأ فيما أدركت مع الإمام". وقد روي عن عبد الله بن مسعود من رواية عبد الله بن زياد الأسدي قال:

стр. 705

"صليت إلى جنب عبد الله بن مسعود خلف الإمام فسمعته يقرأ في الظهر والعصر". وقد روي عن جابر بن عبد الله قال: "كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتن الأولتين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الآخرتن بفاتحة الكتاب". وروي عن أبي الدرداء أنه قال: "لا تترك قراءة فاتحة الكتاب (١)، خلف الإمام جهر أو لم يجهر". وروى عن عبادة بن الصامت، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وعبد الله ابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن مغفل، وأبي هريرة، وأنس بن مالك، وعمران بن حصين: أنهم كانوا يأمرون بالقراءة خلف الإمام. وكان عبد الله بن عمرو بن العاص وهشام بن عامر: يقرأان خلف الإمام. قال الشافعي: لا تجزئ صلاة المرء حتى يقرأ بأم القرآن في كل ركعة إماما كان أو مأمومًا، كان الإمام يجهر أو يخافت، فعلى المأموم أن يقرأ بأم القرآن فيما خافت الإمام أو جهر. قال الربيع: وهذا آخر قول الشافعي سماعًا منه؛ وقد كان قبل ذلك يقول: لا يقرأ المأموم خلف الإمام فيما جهر الإمام فيه، ويقرأ فيما خافت فيه. قال: وأحب أن يكون ذلك في سكتة الإمام. وأما الفتح في القراءة عليه: فقد أخرج الشافعي ﵁: أخبرنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، عن أيوب بن أبي تميمة السختياني، عن نافع -مولى ابن عمر- قال: "كان ابن عمر يقرأ في السفر -أحسبه قال في العتمة- "إذا زلزلت الأرض"، فقرأ بأم القرآن فلما أتى عليها قال: بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله الرحمن

стр. 706

الرحيم، بسم الله الرحمن الرحيم، قال: فقلت: إذا زلزلت. فقال: إذا زلزلت". "الزلزلة": الحركة الشديدة. وفي هذا الحديث من الفقه: جواز فتح المأموم على الإمام في القراءة إذا ارتج عليه. وقد أخرجه الشافعي في كتاب الأمالي (١) مستدلًا به على قراءة السورة بعد أم القرآن، والابتداء في أولها بالبسملة. وقد ذكرنا القول في ذلك فيما مضى من الكتاب. قال الربيع: سألت الشافعي أيقرأ أحد خلف الإمام أم القرءان في الركعة الآخرة من شيء؟ فقال: أحب ذلك وليس بواجب عليه. قال الشافعي: وأحب أن يقرأ المصلي بعد أم القرآن سورة من القرآن؛ فإن قرأ بعض سورة أجزأه؛ وإن مبتدأ القراءة في السورة التي بعدها ببسم الله الرحمن الرحيم. أما حكم الفتح عليه فإن الشافعي قال: ولا بأس بتلقين الإمام في الصلاة. وروي عن علي، وعثمان، وابن عمر، وبه قال عطاء، والحسن البصري، وابن سيرين، ونافع بن جبير بن مطعم، وابن معقل، ومالك، وأحمد، وإسحاق. وكره ذلك ابن مسعود، والشعبي، وشريح، والثوري. وأما أبو حنيفة [] (٢)

стр. 707

الفرع السابع في إعادة الصلاة مع الإمام أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن رجل من بني الديل يقال له بسر بن محجن، عن أبيه محجن "أنه كان مع رسول الله ﷺ فأذن بالصلاة فقام رسول الله ﷺ ومحجن في مجلسه، فقال له رسول الله ﷺ : "ما منعك أن تصلى مع الناس ألست برجل مسلم"؟. قال: بلى يا رسول الله، ولكن كنت قد صليت في أهلي. فقال رسول الله ﷺ : "إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت". هذا الحديث أخرجه الموطأ والنسائي. فأما الموطأ (١): فأخرجه بالإسناد مثله وزاد فيه بعد قوله: فقام رسول الله ﷺ : فصلى ورجع ومحجن في مجلسه. وأما النسائي (٢): فأخرجه عن قتيبة، عن مالك مثل مالك. قوله: "ومحجن في مجلسه" يريد أنه لم يقم مع النبي ﷺ إلى الصلاة. وقوله: "ألست برجل مسلم" إستفهام يتضمن تقريرًا وتوبيخًا؛ لأنه استفسار عن العلة التي تترتب عليها الصلاة وهي الإسلام. وفيه إشارة إلى أن الصلاة إنما هي شعار المسلمين، فإن كنت مسلمًا فلم لم تصل؟!!.

стр. 708

وأن تارك الصلاة إنما يكون من ليس بمسلم، فأما مع وجود الإسلام فلا وجه لترك الصلاة إلا من عذر. وقوله: "إذا جئت" يريد إذا جئت إلى المسجد، لأنه مظنة الصلاة. والذي ذهب إليه الشافعي أن الإنسان إذا كان قد صلى صلاة منفرداً؛ ثم أدركها في جماعة أعادها أداءً مع الجماعة. فإن كان صلاها في جماعة فاختلف أصحابه: فمنهم من قال: يصليها أيضًا. ومنهم من قال: لا يصليها. ومنهم من فصل: فقال: إن كانت صلاة الصبح أو صلاة العصر لا يعيدها؛ لكراهية الصلاة بعد الصبح والعصر ويعيد الباقي. والأول أشبه كلام الشافعي لأنه أطلق القول ولم يقيد. وروي مثل ذلك عن علي، وأنس، وحذيفة، وابن المسيب، وابن جبير، والزهري، وأحمد. إلا أن أحمد قال: لا يصلي الفجر والعصر إلا مع إمام الحي. وقال مالك: إن كان قد صلى وحده أعادها إلا المغرب، وإن صلاها جماعة لم يعدها. وقال الأوزاعي: يعيدها إلا الصبح والمغرب. وقال أبو حنيفة: لا يعيد إلا الظهر والعشاء. ثم إذا قلنا بالإعادة فإن الشافعي قال في الجديد: الأولى فرضه. وبه قال أبو حنيفة وأحمد. وقال في القديم: يحتسب الله أيتهما شاء. وحكي عن الشافعي والأوزاعى أنهما قالا: هما فرضه. قال الشافعي: لم يخص النبي ﷺ فيه صلاة دون صلاة، وإنما قلنا هذا لأن

стр. 709

حديث النبي ﷺ جملة، وأنه بلغنا أن الصلاة التي أمر النبي الرجلين أن يعودا لها صلاة الصبح، قاله في القديم. ورواه أيضًا هشيم فذكر الحديث الذي أخرجه أبو داود (١)، والترمذي (٢) والنسائي (٣): عن يزيد بن الأسود قال: "شهدت مع رسول الله ﷺ حجته، فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف فلما قضى الصلاة انحرف، فإذا هو برجلين في آخر المسجد ما شهدا معه الصلاة، فقال: "عليّ بهما" فأتى بهما ترعد فرائصهما فقال "ما منعكما أن تصليا معنا"؟ قالا: يا رسول الله، إنا كنا صلينا في رحالنا. قال: "فلا تفعلا إذا صليتما في رحالكما". في احتجاج من احتج بحديث يعلى بن عطاء -يريد هذا الحديث- في أن المكتوبة هي الأولى. هذا إسناد مجهول (٤)، وهذا الحديث يبين أن النبي ﷺ أمرهما أن يعيدا الصبح، وهو يقول: لا تعاد الصبح -يعني من خالفه- فإن كانت فيه حجة فهي عليه.

стр. 710

وإنما هذا: لأن يزيد بن الأسود ليس له راو غير أبيه؛ ولا لجابر بن يزيد راو غير يعلى بن عطاء؛ ويعلى لم يحتج بحديثه بعض الحفاظ. وقد نص الشافعي في كتاب "الجمعة" و"سنن حرملة" على أن صلاته مع الجماعة نافلة له. واحتج في "سنن حرملة" بحديث هشيم وكأنه عرف صحة إسناده فذهب إليه. وقال فيما ألزم مالكًا: قد روى مالك: عن ابن عمر، وابن المسيب أنهما أقرا من صلى ببيته أن يعود لصلاته مع الإمام. وقال السائل: أيتهما أجعل صلاتي؟. فقالا: وذلك إليك! إنما ذلك إلى الله. وقد روي مثل هذا عن أبي أيوب الأنصاري. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع أن ابن عمر كان يقول: "من صلى المغرب والصبح ثم أدركهما مع الإمام فلا يعد لهما". هذا الحديث هكذا جاء في الموطأ (١)؛ واستدل به مالك على مذهبه في أنه لا يعيد صلاة المغرب، واحتج بأنه إذا صلاها مرة ثانية صارت شفعًا؛ لأنها ثلاث ركعات فإذا أعادها صارت ستاً، والمغرب هي وتر صلاة النهار كذا جاء في الحديث (٢). وهذا الحديث عن ابن عمر قد جمع في المنع من الإعادة بين الصبح والمغرب، فاستعمله مالك في المغرب وحدها لما ذكرناه من كون المغرب يصير بالإعادة شفعًا، وقد كان عليه أن يجري المنع في الصبح مثل المغرب؛ ويحتج بأن الصبح

стр. 711

قد نهى عن الصلاة بعدها حتى تطلع الشمس؛ وبهذا يحتج من ذهب إلى المنع من إعادة صلاة الصبح. قال الربيع: قلت للشافعي: وإنا نقول يعيد كل صلاة إلا المغرب فإنه إذا أعادها؛ صارت شفعًا. فبين الشافعي خلافهم للحديث جملة، وخلافهم ابن عمر ثم قال: قولكم إذا أعاد المغرب صارت شفعًا، كيف يصير شفعًا وقد فصل يينهما بسلام؟. قال بعض العلماء: ودعوة من ادعى النسخ في هذه الأخبار؛ بأخبار النهي عن صلاة النفل بعد الصبح والعصر باطلة، لا يشهد له بها تاريخ ولا سبب يدل الناسخ منهما؛ والجمع بين الأخبار أولى. ***

стр. 712

الفرع الثامن في الاقتداء بإمامين أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن أبي حازم (١) بن دينار، عن سهل بن سعد "أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، وحانت الصلاة فجاء المؤذن إلى أبي بكر فقال: أتصلي للناس فأقيم؟ فقال: نعم. فصلى أبو بكر فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة، فخلص حتى وقف في الصف فصفق الناس قال: وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التصفيق التفت فرأى رسول الله ﷺ ؛ فأشار إليه رسول الله ﷺ أن امكث مكانك، فرفع أبو بكر يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله ﷺ من ذلك، ثم استأخر أبو بكر وتقدم رسول الله ﷺ فلما انصرف قال: "يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذا أمرتك"؟. فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ ، قال رسول الله "ما لي رأيتكم أكثرتم التصفيق؟ فمن نابه في صلاته شيء فليسبح فإنه إذا سبَّح التفت إليه، وإنما التصفيق للنساء". قال أبو العباس الأصم: أخرجت هذا الحديث في هذا الموضع وهو معاد، إلا أنه مختلف اللفظ وفيه زيادة ونقصان. هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة إلا الترمذي، وقد تقدم ذكره في الكلام في الصلاة، وقد ذكرنا طرق الأئمة الذين أخرجوه.

стр. 713

وهذه الرواية التي أخرجها هاهنا هي رواية مالك في الموطأ التي ذكرناها هناك. وكذلك قد ذكرنا شرح ألفاظ الحديث وما فيه من الفقه هناك. ولنذكر الآن هاهنا ما يتعلق بأحكام الإمامة، فإن تلك الرواية أخرجها الشافعي في كتاب "الأمالي" (١) مستدلًا بها على ما يجوز من الكلام في الصلاة، وهذه أخرجها في كتاب "الإمامة" (٢) وقد روى المزني، عن الشافعي، عن مالك هذه الرواية وزاد فيها "ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف وتقدم رسول الله ﷺ فصلى". وأخرج الشافعي: عن سفيان بن عيينة، عن أبي حازم هذا الحديث أطول من هذه الرواية وأتم. قال الشافعي في الإمام إذا أحدث فقدموا وقدم الإمام رجلًا فأتم لهم ما بقي من الصلاة: أجزأتهم صلاتهم؛ لأن أبا بكر قد افتتح للناس الصلاة ثم استأخر فتقدم رسول الله ﷺ ، فصار أبو بكر مأمومًا بعد أن كان إمامًا، وصار الناس مع أبي بكر يصلون بصلاة رسول الله ﷺ وقد افتتحوا بصلاة أبي بكر. قال الشافعي: وهكذا لو استأخر الإمام من غير حدث وتقدم غيره أجزأت من خلفه صلاتهم. وأختار أن لا يفعل هذا الإمام وليس أحد من هذا كرسول الله ﷺ . قال: وأحب إذا جاء الإمام وقد افتتح الصلاة غيره أن يصلى خلف المتقدم، وقد صلى رسول الله ﷺ خلف عبد الرحمن بن عوف في سفره إلى تبوك.

стр. 714

قال: وللإمام أن يفعل أي هذه شاء والاختيار ما قلنا. وقال في القديم: قد قال قائل: يعتد بما مضى ثم يأتم بالإمام فيما بقي وليس نقول هذا. ثم قال: فإن كان يجزئ أن يصلي صلاة بإمامين إذا أحدث الأول، قدم الآخر، أجزأ هذا عندنا والله أعلم. وذكر في حديث عطاء بن يسار: "أن رسول الله ﷺ كبر في صلاة من الصلوات ثم أشار أن امكثوا ثم رجع على جلده أثر الماء" وأكده برواية ابن ثوبان عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثل معناه. وقد ذكرنا هذين الحديثين فيما مضى من الكتاب وشرحنا القول فيهما. ***

стр. 715

الفصل الخامس من باب صلاة الجماعة في اختلاف نية الإمام والمأموم أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان بن عيينة أنه سمع عمرو بن دينار يقول: سمعت جابر بن عبد الله يقول: "كان معاذ بن جبل يصلي مع النبي ﷺ العشاء أو العتمة، ثم [يرجع] (١) فيصليها بقومه في بني سلمة قال: فأخر النبي ﷺ العشاء ذات ليلة قال: فصلى معاذ معه ثم رجع فأمَّ قومه فقرأ بسورة البقرة، فتنحى رجل من خلفه وصلى وحده فقالوا له: أنافقت؟ فقال: لا, ولكني آتي رسول الله ﷺ فأتاه فقال: يا رسول الله، إنك أخرت العشاء وإن معاذًا صلى معك ثم رجع فأمَّنا فافتتح بسورة البقرة، فلما رأيت ذلك تأخرت فصليت وإنما نحن أصحاب نواضح نعمل بأيدينا، فأقبل النبي ﷺ على معاذ فقال: "أفتان أنت يا معاذ؟ اقرأ بسورة كذا وسورة كذا". أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، أخبرنا أبو الزبير، عن جابر مثله وزاد فيه أن النبي ﷺ قال: اقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ ونحوها". قال سفيان: فقلت لعمرو: وإن أبا الزبير يقول: قال له: اقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾. فقال عمرو: هذا أو نحوه. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد المجيد، عن ابن جريج -قال الربيع: قيل لي:

стр. 716

هو عن ابن جريج ولم يذكر عندي ابن جريج- عن عمرو، عن جابر قال: "كان معاذ يصلي مع النبي ﷺ العشاء؛ ثم ينطلق إلى قومه فيصليها لهم؛ هي له تطوع وهي لهم مكتوبة العشاء. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن ابن عجلان، عن عبد الله ابن مقسم، عن جابر بن عبد الله "أن معاذ بن جبل كان يصلى مع النبي ﷺ العشاء ثم يرجع إلى قومه فيصلي العشاء وهي له نافلة". وكذا رواه حرملة عن الشافعي. وقال الشافعي في رواية حرملة: هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود والنسائي. فقد تقدم إخراجه وذكر طرقه، وبيان شرح غريبه ومعناه، واختلاف ألفاظ رواياته، وما فيه من الفقه والأحكام في آداب الإمام وما يجب عليه من تخفيف الصلاة، إلا أن الشافعي ذكره هناك مختصرًا وذكره هاهنا أتم، والزيادة التي ذكرها هاهنا قد أوردناها في جملة روايات الأئمة الذين أخرجوه باختلاف طرقهم واتفاق المعنى. وزاد الشافعي هاهنا في الرواية الثالثة قوله: "هي له تطوع ولهم مكتوبة" ونحن نشير إلى شيء مما يتعلق بألفاظ هذا الحديث. قال في الرواية الأولى: أنه كان يصلى مع النبي ﷺ العشاء والعتمة، وفي نسخة أخرى: أو العتمة فيجوز أن يكون أراد بالعشاء صلاة المغرب، وبالعتمة صلاة العشاء الآخرة، فقد بينا جواز إطلاق لفظة العشاء على المغرب وورد ذلك في الحديث، ومن منع من تسميتها ومن أجازها فأراد أن معاذًا كان يصلي الصلاتين مع النبي ﷺ .

стр. 717

ويكون قوله: فأخر النبي ﷺ العشاء ذات ليلة" يجوز أن يريد بها المغرب كما قلناه. ويجوز أن يكون أراد بها العشاء الآخرة، وذلك أنه لما أراد أن يخبره عن صلاته مع النبي ﷺ وكان يصلي الصلاتين معًا قال: كان يصلي العشاء والعتمة، ثم أراد يخبر أن الصلاة التي أمَّ قومه بها كانت العتمة سمَّاها باسمها الشرعي وهو العشاء؛ هذا على تقدير أن يكون أراد أن يخبر أنه كان يصلي مع النبي ﷺ الصلاتين، فأما إن كان أراد أنه كان يصلي العشاء فوجه الجمع بين قوله: العشاء والعتمة. أنه لما قال: كان يصلي صلاة العشاء ربما كان سبق إلى الوهم أنه يريد فأتبعها بقوله: "والعتمة" ليخصصها بالذكر ويمنع من طرآن ذلك الوهم، فكأنه قال: كان يصلي مع النبي ﷺ الصلاة التي تسمى العشاء أو العتمة. وأما ما جاء في النسخة الأخرى وهو قوله: "أو العتمة" بالشك فإن هذا الشك إن كان في أصل العلم بإحدى الصلاتين المغرب أو العتمة على ما قلنا؛ ولم يدر أيهما كانت الصلاة فيجوز إطلاقه على جابر أو من بعده من الرواة، إلا أن إضافته إلى جابر أبعد لقرب عهده بالحادثة؛ ولأنه قد شاهدها ويعضد ذلك: أن باقي روايات الشافعي وروايات الجماعة الذين أخرجوا هذا الحديث أكثر ما أخرجوا طرقهم وسمعوا صلاة العشاء. وقد جاء في بعض طرق أبي داود: "صلاة المغرب" فيتوجه الشك لذلك. هذا إذا كان الشك في إحدى الصلاتين، فإن كان الشك في أي الاسمين روى الحديث هل هو العشاء أو العتمة؟ فينصرف الشك عن جابر؛ لأنه لم يشك في نفسه الصلاة التي صلاها معاذ؛ إنما الشك ممن روى عن جابر، هل قال: العشاء أو العتمة؟ أو ممن روى من رجال هذا الحديث غير التابعي -والله أعلم- وأما قوله: "وهي لهم مكتوبة العشاء" فيجوز أن يضاف مكتوبة إلى

стр. 718

العشاء وأن تنوبه مكتوبة. "والمكتوبة": هي المفروضة فمعنى الإضافة أي وهي لهم فريضة العشاء. وأما التنوين فيكون التقدير: وهي لهم فريضة، وذلك ليزدوج الكلام فإنه قال: فهي له تطوع، فاحتاج أن يقول: وهي لهم مكتوبة، ثم لما قال ذلك أردفه بقوله: العشاء بيانًا؛ لأن المكتوبة كانت فريضة العشاء، ويكون العشاء مرفوعًا لأنه بدل من قوله: مكتوبة، كأنه قال: وهي لهم للعشاء. وهذه الألفاظ التي هي قوله: "فهي له نافلة ولهم مكتوبة" يتعلق بها حكم من أحكام أصول الحديث، وذلك أن كل ما كان موصولاً بالحديث مدرجًا به فهو منه، إلا أن تقوم دلالة على التمييز وخاصة إذا روي من وجهين فالظاهر أن قوله: "هي له نافلة ولهم مكتوبة" من قوله جابر بن عبد الله فقد كان أصحاب رسول الله ﷺ أعلم بالله وأخشى له من أن يقولوا مثل هذا إلا بعلم (١). وحين حكى الرجل فعل معاذ لرسول الله ( ﷺ ) لم ينكر منه إلا التطويل، ولم يفصل الحال عليه في الإمامة ولو كان فيها تفصيل لعلمه إياه كما علمه ترك التطويل. قال الشافعي: قلت لبعض أهل العلم: أرأيت هذا الحديث إذ رواه جابر وعمرو بن دينار وأبو الزبير وعبيد الله بن مقسم أصحيح هو؟ قال: نعم وعمرو من وافق الناس قلت: وجابر أوثق. قال: نعم. قلت أفتعرف عن رسول الله ﷺ خلافه؟ قال: لا. قال: فإن صاحبنا قال: [لعل] (٢) معاذًا كان يجعل

стр. 719

صلاته مع النبي ﷺ نافلة ومعهم فريضة. قلت له: حديث عمرو بن دينار يقطع عليك العذر فإنه قال عن جابر: فهو له نافلة ولهم فريضة قال: فلو لم يكن فيه هذا الحرف؟. قلت: إذًا تعلم أن ما قلت على غير ما قلت. قال بأي شيء قلت: أتجعل معاذًا صلاته مع النبي ﷺ التي بعد صلاة واحدة معه أحب إليه من كل صلاة صلاها في عمره ليست معه وفي الجماعة الكثيرة نافلة، وتجعل صلاته في القليل وهو إمام فريضة. والذي ذهب إليه الشافعي: أن المفترض يجوز له أن يصلى خلف المتنفل، والمتنفل يجوز له أن يصلي خلف المفترض، وأن يصلي صلاة والإمام في فرض آخر. وبه قال عطاء، وطاوس، والأوزاعي، وأبو ثور، وإحدى الروايتين عن أحمد، واختاره ابن المنذر، والحميدي. وقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد في روايته الأخرى: لا يصلي مفترض خلف متنفل، ولا مفترض في فريضة ويصلي متنفل خلف مفترض. وبه قال الزهري وربيعة. وقد استدل الشافعي على صحة ما ذهب إليه، بما أخرجه عن الثقة ابن علية أو غيره، عن يونس، عن الحسن، عن جابر "أن النبي ﷺ : كان يصلي بالناس صلاة الظهر في الخوف ببطن نخلة، فصلى بطائفة ركعتين ثم سلم، ثم جاءت طائفة أخرى فصلى بهم ركعتين ثم سلم". قال الشافعي: والآخرة من هاتين للنبي ﷺ نافلة وهي للآخرين فريضة. وهذا حديث صحيح وسيجيء مشروحًا مبينًا في باب صلاة الخوف. واستدل أيضاً عليه: بما أخرجه عن ابن عمر في صلاة المقيم خلف المسافر، وبما أخرجه أيضا عن عمر بن الخطاب في ذلك. وسيجيء ذكر هذين في باب صلاة المسافرين في موضعه إن شاء الله تعالى.

стр. 720

الباب الثالث من القسم الأول من كتاب الصلاة في صلاة المسافرين وفيه فصلان: الفصل الأول في القصر وفيه تسعة فروع: الفرع الأول: في مبدأ القصر أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مسلم بن خالد وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن ابن جريج [عن] (١) عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار، عن عبد الله بن باباه، عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: إنما قال الله ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد أمن الناس. قال عمر: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله ﷺ فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته". هكذا أخرجه في كتاب "استقبال القبلة" (٢). وأخرجه في كتاب "الأمالي" (٣) عن مسلم وحده بالإسناد قال: قلت لعمر ابن الخطاب: ذكر الله تعالى القصر في صلاة الخوف.

стр. 721

فأنى القصر في غير الخوف؟! فقال عمر بن الخطاب: لم عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله ﷺ فقال: "صدقة تصدق الله تعالى بها عليكم فاقبلوا صدقته". وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. فأما مسلم (١): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب وزهير بن حرب، عن ابن جريج بالإسناد واللفظ، إلا أنه زاد في أوله قال: قلت لعمر بن الخطاب: "ليس عليكم جناح أن تقصروا". وفي أخرى: عن محمد بن أبي بكر المقدمي، عن يحيى، عن ابن جريج. وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن أحمد بن حنبل، ومسدد، عن يحيى، عن ابن جريج. وعن خشيش، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج بالإسناد قال: قلت لعمر (٣) إقصار الصلاة اليوم وإنما قال الله ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٤) فقد ذهب ذلك اليوم؟! وفي أخرى: عن أحمد بن حنبل، عن عبد الرزاق ومحمد بن أبي بكر، عن ابن جريج. وأما النسائي (٥): فأخرجه عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج بالإسناد. وأما الترمذي (٦): فأخرجه عن عبد (٧) بن حميد، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج.

стр. 722

"قصرت من الصلاة" أقصر قصرًا إذا أحذفت بعضها، وهو من القصر ضد الطول؛ لأن صلاة الحضر أربع ركعات وصلاة السفر ركعتان، فتلك طويلة وهذه قصيرة. وأما ما جاء في رواية أبي داود "إقصار الصلاة" فإنه على لغة من قال: أقصرت أقصر إقصارًا. واللغة الأولى أكثر وأفصح. "والفتنة": الابتلاء والمراد بها في الآية: الاغتيال والغلبة والقتال والتعرض بما نكره، وليست المخافات شرطًا لجواز القصر للاجماع على جوازه مع الأمن وإنما ذكر الخوف في الآية: لأن غالب أسفارهم يومئذٍ كانت مخوفة؛ لكثرة العدو بأرضهم وكونهم محدقين بهم من كل جهة؛ فأينما توجهوا واجههم العدو. ثم وردت السنة بجوازه مع عدم الخوف؛ ألا ترى كيف أتبعها بذكر صلاة الخوف فقال : ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ (١) على أن ظاهر الآية للتخيير وإليه ذهب الشافعي وسيرد بيان المذهب في ذلك. "والأمن": ضد الخوف أمن يأمن فهو آمن. "والجناح": الإثم. وقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ (٢) من أوضح الأدلة على أن القصر رخصة؛ لأن العزيمة لا يقال لفاعلها لا إثم عليك في فعلها؛ بل يقال له: يجب عليك فعلها، فنفي الإثم عن فاعلها دليل على أنها رخصة لا عزيمة. ثم قوله: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (٢) أدل دليل على أن أصل الصلاة هو أربع؛ لأن القصر إنما يكون من شيء أطول منه، فلو كان الأصل في الصلاة القصر لما قال "أن تقصروا".

стр. 723

وكذلك قوله: "صدقة تصدق الله بها عليكم" من أوضح البيان في كونها للرخصة؛ لأن الصدقة هى ما جاءت عفوًا لا كلفة فيها ولا حجر على من أعطيها؛ كأنه في ضيق بعدهما فلما خص بها وجد سعة وراحة. "والعجب من الشيء": هو استغرابه وخروجه عن أمثاله من الأمور المألوفة. وحقيقة الأمر الذي يخفى سببه ولا يعرف كيف حدوثه هذا هو الأصل. وأمر عجيب وعجاب تقول: عجبت من الأمر أعجب عَجَبًا -بالفتح- والاسم العُجب -بالضم- ولذلك يعجب من القصر لأنه خفي عنه سببه؛ إذا كان قد علم أن سبب القصر الخوف من العدو؛ فلما رآه مستمرًا مع عدم الخوف أنكره، لأن السبب الذي كان موجبًا له زال. وقوله: "فأنى نقصر" أنى بمعنى أين، فأين ذكر القصر من غير خوف، أو بمعنى كيف يقصر في غير الخوف ولم يذكر الله القصر إلا في الخوف؟!. والذي ذهب إليه الشافعي: أن القصر في الصلاة رخصة وليس بعزيمة، وهو مخير إن شاء قصر وإن شاء أتم. وروى الإتمام عن عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وأنس، وعائشة. وإليه ذهب الأوزاعى، وأبو ثور، وأحمد بن حنبل وقال مرة: السنة ركعتان، ومرة: أنا أحب العافية من هذه المسألة وهو المشهور من مذهب مالك. وقال أبو حنيفة: إذا صلى أربعًا فإن جلس للتشهد الأول أجزأت عنه الركعتان الأوليان؛ وكانت الركعتان الآخرتان نافلة وإن لم يجلس للتشهد الأول وجب عليه إعادة الصلاة. والله أعلم.

стр. 724

الفرع الثاني في وقت القصر وموضعه أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان، عن إبراهيم بن ميسرة، عن أنس بن مالك قال: صليت مع رسول الله ﷺ الظهر أربعًا، وصليت العصر بذي الحليفة ركعتين". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن [ابن] (١) المنكدر أنه سمع أنس بن مالك يقول مثل ذلك. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك بمثل ذلك. وقد أخرجه المزني عن الشافعي، عن عبد الوهاب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك "أن النبي ﷺ صلى الظهر بالمدينة أربعًا، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين، قال: وأحسبه قال: بات بها حتى أصبح". ورواه حرملة عن الشافعي ثم قال الشافعي: هذا حدث ثابت. وهو حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة إلا مالكًا. فأما البخاري (٢): فأخرجه عن أبي نعيم، عن سفيان، عن ابن المنكدر وإبراهيم بن ميسرة، عن أنس. وأما مسلم (٣): فأخرجه عن خلف بن هشام وأبي الربيع الزهراني وقتيبة بن سعيد، كلهم عن حماد بن زيد.

стр. 725

وأخرجه عن زهير بن حرب ويعقوب بن إبراهيم، عن إسماعيل بن علية كلاهما عن أبي قلابة. وفي أخرى: عن سعيد بن منصور، عن سفيان، عن ابن المنكدر وإبراهيم، عن أنس. وأما أبو داود (١): فأخرجه عن زهير بن حرب، عن ابن عيينة، عن ابن المنكدر. وأما الترمذي (٢): فأخرجه عن قتيبة، عن سفيان، عن ابن المنكدر. وأما النسائي (٣): فأخرجه [] (٤) "والظهْر" اسم للوقت بعد زوال الشمس، ومنه سميت صلاة الظهر وهو من الظهير: الهاجرة. والعصر: اسم لوقت العشي وبه سميت صلاة العصر. "وذو الحليفة": موضع قريب من المدينة إذا تجاوزت العقيق مقبلًا وبه مسجد لرسول الله ﷺ ، وهو ميقات أهل المدينة منه يحرمون، وميقات أهل الشام إذا كان طريقهم عليه. والذي أراده الشافعي من هذا الحديث: الاستدلال على أن من أراد سفرًا وصلى قبل خروجه فإنه يتم كما فعل رسول الله ﷺ في صلاة الظهر بالمدينة وقد نوى السفر؛ ثم صلى العصر بذي الحليفة ركعتين. وتفصيل المذهب فيه: أن من نوى السفر فلا يقصر حتى يفارق بنيان البلد الذي هو فيه. وبه قال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، وإسحاق.

стр. 726

وحكي عن قتادة أنه قال: إذا فارق الجسر والخندق قصر. وروي عن الحارث بن أبي ربيعة: أنه أراد سفرًا فصلى ركعتين في منزله؛ وفيهم الأسود بن يزيد وغير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ . وروي عن عطاء أنه قال: إذا حضرت الصلاة ولم يخرج من بيوت القرية؛ فإن شاء قصر وإن شاء أتم. وروي عن مجاهد أنه قال: إذا خرج نهارًا فلا يقصر إلى الليل؛ وإذا خرج ليلاً فلا يقصر إلى النهار، وإن كان المسافر بدويُّا فلا يقصر حين يقصر حتى يفارق جميع البيوت المجتمعة. وقد أخرج الشافعي: عن مالك، عن نافع "أن ابن عمر كان إذا خرج حاجُّا أو معتمرًا قصر الصلاة بذي الحليفة". قد ذكرنا أن أقصر لغة في قصره ليست بالعالية. وهذه الرواية أخرجها مالك في الموطأ (١).

стр. 727

الفرع الثالث في مسافة القصر أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس "أنه سئل: القصر (١) إلى عرفة؟ فقال: لا. ولكن إلى عسفان وإلى جدة وإلى الطائف". هكذا أخرجه في كتاب "استقبال القبلة" (٢)، وعاد أخرجه في كتاب "الأمالي" (٣). بالإسناد وفيه قال: قلت: أقصر إلى عرفة؟ قال: لا ولكن إلى جدة وعسفان والطائف، وإن قدمت على أهل أو ماشية فأتم. قال: وهذا قول ابن عمر بن الخطاب وبه نأخذ. وعاد أخرجه في كتاب "علي وعبد الله" قال الربيع: قال الشافعي بهذا الإسناد أنه قال: تقصر الصلاة إلى عسفان وإلى الطائف وإلى جدة وهذا كله من مكة على أربعة بُرُد ونحو ذلك. هذا حديث صحيح قد أخرجه مالك في الموطأ (٤) هذا لفظه: أنه بلغه أن عبد الله بن عباس كان يقصر الصلاة في مثل ما بين مكة والطائف وفي مثل ما بين مكة وعسفان، وفي مثل ما بين مكة وجدة. قال يحيى بن يحيى: قال مالك: وذلك أربعة بُرُد. قال مالك: وذلك أحب ما يقصر الصلاة فيه إلى.

стр. 728

الهمزة في "أقصر" همزة استفهام دخلت على همزة الفعل المستقبل؛ وكأن الأصل "أقصر" فلما التقت الهمزتان لينت الثانية فسكنت ومدت الأولى وهما جائزان؛ وقد قرئ بهما وبإدخال مَدّة بين الهمزتين. "والماشية": الغنم ويقع على قليلها وكثيرها ضأنها ومعزها، والجمع المواشي وكأنها صفة غلبت عليها أي حيوانات ماشية ثم خصصت بهذا النوع من الحيوان. وزاد في آخر الرواية الثانية: "وإن قدمت على أهل أو ماشية فأتم" وهذه الزيادة تتضمن حكمًا من أحكام القصر وسيرد بيانه. "والبرد": جمع بريد وهو كلمة فارسية قالوا: إن أصلها بريدة دم أي محذوف الذنب، وذلك أن نعال البريد كانت تكون محذوفة الأذناب؛ فعربت الكلمة وخففت ثم سُمي الرسول الذي يركبه بريدًا، والمسافة التي تكون بين السكنين بريدًا. والسكة: هي الموضع الذي كان يسكنه الفيوج (١) المرتبون لإيصال الأخبار من رباط أو قبة أو خيمة، وبعد ما بين السكتين فرسخان وقيل: أربعة فراسخ وهو الصحيح. "وعرفة": موضع الموقف في الجمع. "وعسفان": موضع وهو شمالي مكة، على طريق المدينة. "والطائف": بلد معروف، شرقي مكة. "وجده": موضع على ساحل البحر، غربي مكة.

стр. 729

وهذه حدود للمسافات التي يجوز فيها القصر لمن يسافر عن مكة. ولذلك قال ابن عباس حين سئل عن القصر إلى عرفة؟ إنما أراد السائل عمن يخرج من مكة إلى عرفة؛ هل يقصر أم لا؛ وذلك دون مسافة القصر؟ فلذلك قال له ابن عباس: لا ولكن إلى عسفان وجدة والطائف. والذي ذهب إليه الشافعي في مسافة القصر: أن أقلها ستة عشر فرسخًا وهي أربعة برد؛ والفرسخ ثلاثة أميال والميل أربعة آلاف خطوة والخطوة ثلاثة أقدام. وبه قال ابن عباس، وابن عمر، وإليه ذهب مالك، والليث، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وقال أبو حنيفة، والثوري، والحسن بن صالح: لا يُقْصر إلا في ثلاث مراحل: أربعة وعشرون فرسخًا. وروى ذلك عن عبد الله بن مسعود، وسويد بن [غفلة] (١)، وإليه ذهب سعيد بن جبير، والنخعي. قال داود: تقصر في قليل السفر وكثيره. وقال الأوزاعي: تقصر في مسيرة يوم. وروي ذلك عن أنس. وحكي عن الزهري أنه قال: يقصر في مسيرة يوم تام ثلاثين ميلًا. قال الشافعي: قصر رسول الله ﷺ في سفره إلى مكة وهي تسع أو عشر، فدخل على أن يقصر في مثل قصر فيه وأكثر منه قال: ولم أعلم مخالفًا في أن يقصر في أقل من سفر رسول الله ﷺ الذي قصر فيه، وكان الوجه أن يقصر فيما دون يومين، إلا عامة من حفظنا عنه لا يختلف في أن القصر فيما دونها. قال: فأما أنا فأحب أن لا أقصر في أقل من ثلاث احتياطًا علي، وإن ترك القصر مباح.

стр. 730

قال: [فإن قال] (١) قائل: فهل في أن يقصر في يومين حجة بخبر متقدم؟ قيل: نعم عن ابن عباس وابن عمر، ثم ذكر حديث ابن عباس هذا، وقال في آخره: فأقرب هذا من مكة ستة وأربعون ميلًا بالأميال الهاشمية؛ وهو مسيرة ليلتين قاصرتين دبيب الأقدام ويسير الثقل. وقال في مختصر البويطي: ثمانية وأربعون ميلًا وكذا قاله في الصوم. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك بن أنس، عن نافع، عن سالم "أن عبد الله بن عمر ركب إلى ذات النصب فقصر الصلاة في مسيره ذلك". قال مالك: بين ذات النصب والمدينة أربعة برد. وأخبرنا الشافعي: عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه "أنه ركب إلى ريم فقصر الصلاة في مسيره ذلك". قال مالك: في ذلك نحو من أربعة برد. هذا الحديث هكذا جاء في الموطأ (٢) إسنادًا ولفظًا، وهو مؤكد لما ذهب إليه من تحديد مسافة القصر. "وذات النصب وريم": موضعان بين كل واحد منهما وبين المدينة أربعة برد -ستة عشر فرسخًا-. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك بن أنس، عن نافع "أنه كان يسافر مع ابن عمر البريد فلا يقصر الصلاة". هذا حديث صحيح هكذا أخرجه في الموطأ (٣). "والبريد": أربعة فراسخ وهو دون مسافة القصر، فلذلك لم يقصر ابن عمر. وهو مؤكد لما تقدم من تقديم مسافة القصر. قال الشافعي -في القديم-: وقال بعض الناس: لا يقصر في أقل من

стр. 731

ثلاث، وزعم أن من حجته أن النبي ﷺ قال: "لا تسافر المرأة سفرًا يكون ثلاثة إلا مع ذي محرم" (١) فقيل لبعض من قال هذا: وما سفر المرأة مما يقصر فيه الصلاة أو ما قلتم دون الثلاث سفر، وحكيتم ذلك في الرواية عن النبي ﷺ قال: "لا تسافر امرأة سفرًا" وقد نهيت المرأة عن السفر مع غير ذي محرم للحياطة لها، ثم قال: وقد أخبرنا مالك، عن المقبري، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا يحل لامرأة أن تسافر يومًا وليلة إلا مع ذي محرم" (٢). قال الشافعي: أفنقصر الصلاة في يوم وليلة؟ وفي رواية أخري عن أبي هريرة كما سبق قوله: ثلاثة أيام فصاعدًا. وهي التي أشار إليها الشافعي مما احتجوا به ثم احتج بها عليهم. وفي هذه الأخبار دلالة على أنه لم يقصد بروايتها تقدر السفر، إنما أراد بها الحياطة لها بذي محرم؛ مقيمة كانت أو مسافرة سفرًا طويلًا أو قصيرًا. وقد أخرجه الشافعي فيما ألزم العراقيين خلاف عبد الله قال فيما بلغه عن ابن مهدي، عن سفيان الثوري، عن الأعمش، عن عمارة، عن الأسود قال: "كان عبد الله لا يقصر الصلاة إلا في حج أو عمرة". قال الشافعي: وهم يخالفون هذا ويقولون: نقصر الصلاة في كل سفر بلغ ثلاثًا. وغيرهم يقول: كل سفر بلغ ليلتين. قال: وروى إسحاق بن يوسف وغيره عن محمد بن قيس، عن عمران بن عمير -مولى ابن مسعود- عن أبيه قال: "سافرت مع ابن مسعود إلى ضيعته بالقادسية فقصر للصلاة بالنجف". قال الشافعي: وليسوا ولا علمته من المفتين يقول بها؛ أما هم فيقولون: لا

стр. 732

نقصر الصلاة في أقل من مسيرة ثلاث ليالٍ قواصد. ولا نعلمهم يروون هذا عن أحد ممن مضى ممن قوله حجة بل يروون عن حذيفة خلاف قولهم، رووا عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: استأذنت على حذيفة بن اليمان من المدائن فقال: آذن لك على أن تقصر حتى ترجع. قال الشافعي: وهم يخالفون هذا ويقولون: نقصر من الكوفة إلى المدائن. ويخالفون ما رويناه عن ابن عباس وابن عمر مما ذهبنا إليه. ***

стр. 733

الفرع الرابع في مقدار القصر أخبرنا الشافعي: أخبرنا الثقة عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه "أن رسول الله ﷺ صلى [بمنى] (١) ركعتين وأبو بكر وعمر". هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه البخاري، ومسلم والنسائي. فأما البخاري (٢) فأخرجه عن مسدَّد، عن يحيى بن عبد الله [عن] (٣) نافع عن ابن عمر قال: "صليت مع النبي ﷺ [بمنى] (٤) ركعتين، وأبي بكر وعمر وعثمان صدرًا من إمارته ثم أتمها". وفي أخرى: عن إبراهيم بن المنذر، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عمر، عن أبيه قال: "صلى رسول الله ﷺ [بمنى] (٤) ركعتين، وأبو بكر وعثمان صدرًا من خلافته". وأما مسلم (٥): فأخرجه عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه أن النبي ﷺ صلى صلاة المسافر بمنى وغيره ركعتين؛ وأبو بكر وعمر وعثمان وصدرًا من خلافته ثم أتمها أربعًا.

стр. 734

وفي أخرى: عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة، عن عبيد الله، عن نافع وذكره [وزاد] (١) في آخره: فكان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلى أربعًا؛ وإذا صلى وحده صلى ركعتين. وأما النسائي (٢): فأخرجه عن عبيد الله بن سعيد، عن يحيى بإسناد البخاري. وفي أخرى: عن محمد بن سلمة، عن ابن وهب بإسناد البخاري الثانية. قوله: "وأبو بكر وعمر" معطوفان على الضمير المستتر في "صلى" التقدير: صلى هو وأبو بكر وعمر فعطف على الضمير المرفوع من غير تأكيد، وذلك جائز إلا أن الأولى أن لا يعطف عليه حتى يؤكد كقوله: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (٣). وأما العطف في رواية البخاري في قوله: "صليت مع النبي ﷺ بمنى ركعتين وأبي بكر وعمر" فإنه عطف مجرور على مجرور ظاهر؛ فلا يحتاج إلى إعادة حرف الجر إلا أن إعادته في مثل هذا الموضع أحسن؛ للفصل بين المعطوف والمعطوف عليه وطول الكلام؛ فكانت إعادة حرف الجر أحسن ألا تراه قد أعاد حرف الجر مع عثمان وإنما أعاده لأمرين: أحدهما: زيادة طول الكلام. والثاني: ما أتبعه من قوله: "صدرًا من إمارته" لأنه لو لم يعده لكان داخلًا في حكم ما عطف عليه وحيث كان لم يشاركهم عثمان إلا في بعض مدته وغير ذلك؛ احتاج أن يعيد حرف الجر لتبيين القرض ويصير الكلام كأنه

стр. 735

مستأنف تقديره: وصليت مع عثمان صدرًا من خلافته ذلك ثم أتمها. وكذلك في رواية النسائي أعاد حرف الجر مع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان. وصدر كل شيء: أوله ومقدمه. وقوله في رواية مسلم "صلى بمنى وغيره" يريد غير منى من الأماكن؛ وإنما رد الضمير مذكرًا لأنه أراد بمنى الموضع. وأما إتمام عثمان صلاته وترك ما كان عليه في أول إمارته. فقيل: لأنه كان قد نوى الإقامة فلم يقصر. وقيل: لأن القصر رخصة وهو خيرّ بين القصر والإتمام، ففعل أحد الجائزين له. وقيل: لأنه كان يؤم الناس كلهم في الموسم؛ وأهل مكة مقيمون فكان يصلي بصلاتهم وهو تمام. وقيل: إنما أتمها من أجل الأعراب فإنهم كثروا عامئذٍ، فصلى بالناس أربعًا ليعلمهم أن الصلاة أربع. وأما صلاة ابن عمر إذا صلى خلف الإمام أتم، وإذا صلى وحده قصر فلأن متابعة الإمام متعينة فكان يتم معه، وإما في حالة الانفراد فذلك إليه. وهذا يدل على صحة من ذهب إلى أن القصر رخصة؛ لأنه لو كان عزيمة لما أتم. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه عن عمر بن الخطاب مثله -يعني مثل ابن عمر الذي قبل- هذا حديث صحيح وهو مؤكد لحديث ابن عمر المذكور؛ وليس فيه ما يحتاج إلى شرح لفظ ولا معنى. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا عبد الوهاب بن عبد المجيد، عن أيوب بن أبي تميمة، عن محمد بن سيرين قال: "سافر رسول الله ﷺ فيما بين

стр. 736

مكة والمدينة آمنا لا يخاف إلا الله تعالى، فصلى ركعتين". قال أبو العباس -هو الأصم-: أظنه سقط من كتابي: ابن عباس. وأخبرنا الشافعي: قال أخبرنا عبد الوهاب، عن أيوب السختياني، عن محمد ابن سيرين، عن ابن عباس قال: "سافر رسول الله ﷺ بين مكة والمدينة آمنا لا يخاف إلا الله فصلى ركعتين". هذا حديث أخرجه الترمذي والنسائي. فأما الترمذي (١): فأخرجه عن قتيبة، عن هشيم، عن منصور بن زاذان، عن ابن سيرين، عن ابن عباس "أن النبي ﷺ خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا رب العالمين فصلى ركعتين. وكذلك أخرجه النسائي (٢) إسنادا ولفظًا. والنسائي (٣): عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد، عن ابن عون، عن محمد، عن ابن عباس قال: كنا نسير مع رسول الله ﷺ بين مكة والمدينة لا نخاف إلا الله فصلى ركعتين. "الأمن": ضد الخوف، والأمن اسم فاعل منه وهو منصوب على الحال من سافر. ولما قال "آمنًا" فأطلق الأمن عقبه بقوله: "لا يخاف إلا الله تعالى" فقيد ذلك الإطلاق لأنه واجب، وقد كانت حالة النبي ﷺ كذلك حتى قال في بعض أقواله "إني أعرفكم بالله وأشدكم له خوفا". وأراد بقوله "فصلى ركعتين" القصر في السفر فإن القصر لم يكن لأجل الخوف إلا في ابتداء الأمر، وأما ما بعد ذلك فقد صار السفر في الأمن والخوف مبيحًا للقصر.

стр. 737

وفي قوله: "إلا رب العالمين" زيادة بيان ليست في قوله "إلا الله" وذلك أنه لما قال: "آمنًا" ثم أتبعه بالمخافة أضافها إلى رب العالمين؛ لأن الخوف إنما يكون في الغالب من رب العالمين، كالآدمين والشياطن والسباع والهوام وما يتقيه الإنسان من مضرات الحيوانات؛ فلما أطلق الأمن دخل هؤلاء فيه فلما استثنى وقال: "إلا رب العالمين" يريد رب هذه الموجودات كلها، فإن العالمين جمع عالم وهو كل موجود سوى الله تعالى؛ جعل الذي يخافه ربها وأنه بمكانه من الخوف لهذا الوصف وهو الربوبية، فليس بضار مع أمنه من هذه الأشياء أن يخاف ربها، وهذا المعنى وإن كان مفهومًا من قوله: "إلا الله" لكنه في هذه الرواية أبين؛ فإنه في تلك يفهم ضمنًا وفي هذه يفهم صريحًا. وقد أخرج الشافعي ﵁ من رواية المزني (١) [عن] (٢) إسماعيل بن إبراهيم، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أبي نضرة قال: مر عمران بن الحصين في مجلسنا فقام إليه فتى من القوم فسأل عن صلاة رسول الله ﷺ في الغزو أو الحج والعمرة؟ فجاء فوقف علينا فقال: إن هذا سألني عن أمر فأردت أن تسمعوه، [أو] (٣) كما قال غزوت مع رسول الله ﷺ فلم يصل إلا ركعتين حتى رجع إلى المدينة؛ وحججت معه فلم يصل إلا ركعتين ثم يقول لأهل البلد: "صلوا أربعا فإنا سفر" واعتمرت معه ثلاث عمر لا يصلي إلا ركعتين، وحججت مع عمر بن الخطاب حجات فلم يصل إلا ركعتين حتى رجع إلى المدينة، وحج عثمان سبع سنين في إمارته لا يصلي إلا ركعتين وصلاها بعد بمنى أربعًا". هذا الحديث أخرجه أبو داود (٤) نحوه أخصر منه.

стр. 738

الفرع الخامس في الإتمام في السفر أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن طلحة [بن] (١) عمرو، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة قالت: "كل ذلك قد فعل رسول الله ﷺ قصر الصلاة في السفر وأتم" (٢). قال الشافعي: إذا كان القصر في السفر والخوف رخصة من الله -جل ثناؤه- كان كذلك القصر في السفر بلا خوف، فمن قصر في السفر والخوف قصر بكتاب الله ثم بسنة رسول الله ﷺ ومن قصر في سفر بلا خوف قصر بنص السنة، فإن رسول الله ﷺ أخبر أن الله تصدق بها على عباده، -ثم استدل بحديث يعلى بن أمية مع عمر بن الخطاب وقد ذكرناه في الفرع الأول، ثم قال: فدل رسول الله ﷺ على أن القصر في السفر بلا خوف صدقة من الله، والصدقة رخصة، لا حتم من الله أن تقصروا. ثم ذكر حديث عائشة هذا وقد رواه أبو عاصم، عن عمر بن سعيد، عن عطاء، عن عائشة "أن النبي ﷺ كان يقصر في السفر ويتم، ويفطر ويصوم" (٣).

стр. 739

وقد جاء هذا المعنى عن عائشة في الصحيح من وجوه في ضمن حديث "فلو كان القصر عزيمة لما أتم" (١). وقد أخرج الشافعي ﵁ فيما بلغه عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "صلى عثمان بمنى أربعًا. فقال عبد الله: صليت مع النبي ﷺ ركعتين ومع أبي بكر ركعتين ومع عمر ركعتن ثم تفرقت بكم الطرق قال الأعمش: فحدثني معاوية بن قرة أن عبد الله صلاها بعد أربعًا فقيل له: عبت على عثمان وتصلي أربعًا؟! فقال: الخلاف شر". وهذا الحديث صحيح أخرجه البخاري (٢)، ومسلم (٣)، وأبو داود (٤)، والنسائي. (٥) وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: "أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر". قلت: فما شأن عائشة كانت تتم الصلاة؟ قال: إنها تأولت كما تأول عثمان. هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة إلا الترمذي.

стр. 740

فأما مالك (١): فأخرجه عن صالح بن كيسان، عن عروة. وأما البخاري (٢): فأخرجه عن عبد الله بن محمد، عن سفيان، [و] (٣) عن عبد الله بن يوسف، عن مالك. وأما مسلم (٤): فأخرجه عن علي بن خشرم، عن سفيان وعن يحيى بن يحيى، عن مالك. وأما أبو داود (٥): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك. وأما النسائي (٦): فأخرجه عن إسحاق بن إبراهيم، عن سفيان. وعن قتيبة، عن مالك. الفرض والواجب: قد تقدم ذكرهما وهما عند الشافعي بمعنى واحد. "والحضر": ضد السفر وفلان حضري إذا كان من سكان المدن والقرى؛ وليس المراد بالحضر هاهنا المدن خاصة؛ إنما يريد به الموضع الذي يقام فيه ويتخذ مسكنًا -مدينة كان أو صحراء- وذلك لأن صلاة القصر إنما هي مباحة للمسافر وإن كان حضريًّا أو بدويًّا؛ والإتمام على المقيم حضريًّا كان أو بدويًّا. وقوله: "تأولت كما تأول عثمان" يريد أن عائشة كانت تتم صلاتها وهي مسافرة في بعض أسفارها فلما سُئل عروة عن ذلك قال: "تأولت كما تأول عثمان" سنة حج في خلافته أقام بمكة أيامًا فأتم صلاته؛ لأنه نوى الإقامة بمكة تلك الأيام؛ وإذا نوى المسافر الإقامة بمكان ولو كان صحراء أتم صلاته؛
следующие страницы →