مكة والمدينة آمنا لا يخاف إلا الله تعالى، فصلى ركعتين".
قال أبو العباس -هو الأصم-: أظنه سقط من كتابي: ابن عباس.
وأخبرنا الشافعي: قال أخبرنا عبد الوهاب، عن أيوب السختياني، عن محمد ابن سيرين، عن ابن عباس قال: "سافر رسول الله ﷺ بين مكة والمدينة آمنا لا يخاف إلا الله فصلى ركعتين".
هذا حديث أخرجه الترمذي والنسائي.
فأما الترمذي (١): فأخرجه عن قتيبة، عن هشيم، عن منصور بن زاذان، عن ابن سيرين، عن ابن عباس "أن النبي ﷺ خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا رب العالمين فصلى ركعتين.
وكذلك أخرجه النسائي (٢) إسنادا ولفظًا.
والنسائي (٣): عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد، عن ابن عون، عن محمد، عن ابن عباس قال: كنا نسير مع رسول الله ﷺ بين مكة والمدينة لا نخاف إلا الله فصلى ركعتين.
"الأمن": ضد الخوف، والأمن اسم فاعل منه وهو منصوب على الحال من سافر.
ولما قال "آمنًا" فأطلق الأمن عقبه بقوله: "لا يخاف إلا الله تعالى" فقيد ذلك الإطلاق لأنه واجب، وقد كانت حالة النبي ﷺ كذلك حتى قال في بعض أقواله "إني أعرفكم بالله وأشدكم له خوفا".
وأراد بقوله "فصلى ركعتين" القصر في السفر فإن القصر لم يكن لأجل الخوف إلا في ابتداء الأمر، وأما ما بعد ذلك فقد صار السفر في الأمن والخوف مبيحًا للقصر.
стр. 737
وفي قوله: "إلا رب العالمين" زيادة بيان ليست في قوله "إلا الله" وذلك أنه لما قال: "آمنًا" ثم أتبعه بالمخافة أضافها إلى رب العالمين؛ لأن الخوف إنما يكون في الغالب من رب العالمين، كالآدمين والشياطن والسباع والهوام وما يتقيه الإنسان من مضرات الحيوانات؛ فلما أطلق الأمن دخل هؤلاء فيه فلما استثنى وقال: "إلا رب العالمين" يريد رب هذه الموجودات كلها، فإن العالمين جمع عالم وهو كل موجود سوى الله تعالى؛ جعل الذي يخافه ربها وأنه بمكانه من الخوف لهذا الوصف وهو الربوبية، فليس بضار مع أمنه من هذه الأشياء أن يخاف ربها، وهذا المعنى وإن كان مفهومًا من قوله: "إلا الله" لكنه في هذه الرواية أبين؛ فإنه في تلك يفهم ضمنًا وفي هذه يفهم صريحًا.
وقد أخرج الشافعي ﵁ من رواية المزني (١) [عن] (٢) إسماعيل بن إبراهيم، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أبي نضرة قال: مر عمران بن الحصين في مجلسنا فقام إليه فتى من القوم فسأل عن صلاة رسول الله ﷺ في الغزو أو الحج والعمرة؟ فجاء فوقف علينا فقال: إن هذا سألني عن أمر فأردت أن تسمعوه، [أو] (٣) كما قال غزوت مع رسول الله ﷺ فلم يصل إلا ركعتين حتى رجع إلى المدينة؛ وحججت معه فلم يصل إلا ركعتين ثم يقول لأهل البلد: "صلوا أربعا فإنا سفر" واعتمرت معه ثلاث عمر لا يصلي إلا ركعتين، وحججت مع عمر بن الخطاب حجات فلم يصل إلا ركعتين حتى رجع إلى المدينة، وحج عثمان سبع سنين في إمارته لا يصلي إلا ركعتين وصلاها بعد بمنى أربعًا".
هذا الحديث أخرجه أبو داود (٤) نحوه أخصر منه.
стр. 738
الفرع الخامس في الإتمام في السفر
أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن طلحة [بن] (١) عمرو، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة قالت: "كل ذلك قد فعل رسول الله ﷺ قصر الصلاة في السفر وأتم" (٢).
قال الشافعي: إذا كان القصر في السفر والخوف رخصة من الله -جل ثناؤه- كان كذلك القصر في السفر بلا خوف، فمن قصر في السفر والخوف قصر بكتاب الله ثم بسنة رسول الله ﷺ ومن قصر في سفر بلا خوف قصر بنص السنة، فإن رسول الله ﷺ أخبر أن الله تصدق بها على عباده، -ثم استدل بحديث يعلى بن أمية مع عمر بن الخطاب وقد ذكرناه في الفرع الأول، ثم قال: فدل رسول الله ﷺ على أن القصر في السفر بلا خوف صدقة من الله، والصدقة رخصة، لا حتم من الله أن تقصروا.
ثم ذكر حديث عائشة هذا وقد رواه أبو عاصم، عن عمر بن سعيد، عن عطاء، عن عائشة "أن النبي ﷺ كان يقصر في السفر ويتم، ويفطر ويصوم" (٣).
стр. 739
وقد جاء هذا المعنى عن عائشة في الصحيح من وجوه في ضمن حديث "فلو كان القصر عزيمة لما أتم" (١).
وقد أخرج الشافعي ﵁ فيما بلغه عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "صلى عثمان بمنى أربعًا.
فقال عبد الله: صليت مع النبي ﷺ ركعتين ومع أبي بكر ركعتين ومع عمر ركعتن ثم تفرقت بكم الطرق قال الأعمش: فحدثني معاوية بن قرة أن عبد الله صلاها بعد أربعًا فقيل له: عبت على عثمان وتصلي أربعًا؟! فقال: الخلاف شر".
وهذا الحديث صحيح أخرجه البخاري (٢)، ومسلم (٣)، وأبو داود (٤)، والنسائي. (٥) وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: "أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر".
قلت: فما شأن عائشة كانت تتم الصلاة؟ قال: إنها تأولت كما تأول عثمان.
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة إلا الترمذي.
стр. 740
فأما مالك (١): فأخرجه عن صالح بن كيسان، عن عروة.
وأما البخاري (٢): فأخرجه عن عبد الله بن محمد، عن سفيان، [و] (٣) عن عبد الله بن يوسف، عن مالك.
وأما مسلم (٤): فأخرجه عن علي بن خشرم، عن سفيان وعن يحيى بن يحيى، عن مالك.
وأما أبو داود (٥): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك.
وأما النسائي (٦): فأخرجه عن إسحاق بن إبراهيم، عن سفيان. وعن قتيبة، عن مالك.
الفرض والواجب: قد تقدم ذكرهما وهما عند الشافعي بمعنى واحد.
"والحضر": ضد السفر وفلان حضري إذا كان من سكان المدن والقرى؛ وليس المراد بالحضر هاهنا المدن خاصة؛ إنما يريد به الموضع الذي يقام فيه ويتخذ مسكنًا -مدينة كان أو صحراء- وذلك لأن صلاة القصر إنما هي مباحة للمسافر وإن كان حضريًّا أو بدويًّا؛ والإتمام على المقيم حضريًّا كان أو بدويًّا.
وقوله: "تأولت كما تأول عثمان" يريد أن عائشة كانت تتم صلاتها وهي مسافرة في بعض أسفارها فلما سُئل عروة عن ذلك قال: "تأولت كما تأول عثمان" سنة حج في خلافته أقام بمكة أيامًا فأتم صلاته؛ لأنه نوى الإقامة بمكة تلك الأيام؛ وإذا نوى المسافر الإقامة بمكان ولو كان صحراء أتم صلاته؛
стр. 741
فلذلك تأول عثمان وأتم صلاته.
والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن الصلاة إنما فرضت أولاً أربعًا ثم قصرت صلاة السفر رخصة، يدلك قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (١) والقصر إنما يكون مما هو أكثر منه فدل ذلك على أن القصر حكم ثان للإتمام.
وقال أبو حنيفة: الفرض أولاً ركعتان، ثم زيد في صلاة الحضر بعد ذلك عملًا بهذا الحديث.
قال الخطابي: هذا حديث عائشة ليس حديثًا عن النبي ﷺ ولا حكاية عنه إنما هو قولها؛ وهو وإن كان محتملًا أن يكون على ما قالته فإنها لا يطعن عليها في نقلها وفهمها ومعرفتها، إلا أنها لم تشهد أول زمان الشريعة وفرض الصلاة، فإن الصلاة فرضت بمكة في أول الإسلام وقصر الصلاة كان في السنة الرابعة من الهجرة.
قال الشافعي: قول عروة أنها تأولت ما تأول عثمان لا أدرى أتأولت أن لها أن تتم وتقصر فاختارت الإتمام؟ وكذلك روت عن النبي ﷺ وما روت عن النبي ﷺ وقالت مثله أولى بها.
قال الشافعي: ولو كان فرض الصلاة في السفر ركعتين لم يتمها -إن شاء الله- منهم أحد ولم يتمها ابن مسعود في منزله، ولم يجز أن يتمها مسافر مع مقيم ولكنه كما وصفت.
стр. 742
الفرع السادس في أي الأمرين أفضل
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن ابن حرملة، عن ابن المسيب قال: قال رسول الله ﷺ : "خياركم الذين إذا سافروا قصروا الصلاة وأفطروا" أو قال: "ولم يصوموا" (١).
"الخيار": جمع خيّر -مشددا- مثل: جيد وجياد ويجمع على الأخيار مثل: ميت وأموات؛ ويجوز أن يكون جمع خير -مخففا- والأول الوجه، والخيار ضد الأشرار.
وهذا الحديث يدل على أن القصر أفضل وللشافعي فيه قولان: أحدهما: أن القصر أفضل ونص عليه في أكثر كتبه وبه قال مالك وأحمد وهو الأولى لموافقة من قال: إن القصر عزيمة.
والقول الثاني: الإتمام أفضل واختاره المزني، لأنه الأصل والقصر رخصة.
قال الشافعي: وأحب إليّ للمسافر أن يقصر ولو أتم ما كانت عليه إعادة لما وصفت من الدلالة؛ وكل ما كان رخصة أحببت قوله للاستنان بالنبي ﷺ فيه، وليس ترك الرخصة بإفساد للصلاة؛ ألا ترى أن عثمان بن عفان صلى شطر إمارته بأصحاب رسول الله ﷺ بمنى فأتم الصلاة وصلوا معه، هل يجوز أن يقال هذه الصلاة غير مجزئة ولا يجزئ هذا لعالم.
وفي هذا الحديث دليل على أن القصر رخصة؛ لأنه قال: "خياركم الذين إذا سافروا قصروا أو أفطروا" ولا خلاف أن الإفطار في السفر رخصة وليس
стр. 743
بعزيمة، ولأنه قال: "خياركم" فجعل عملهم بالقصر والإفطار دليلًا على فضلهم؛ ولو كانت عزيمة لما [قال] (١) "خياركم" لأن القصر كان واجبًا عليهم لا رخصة لهم، والله أعلم.
...
стр. 744
الفرع السابع في
اقتداء المقيم بالمسافر والمسافر بالمقيم
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر "أنه كان يصلي وراء الإمام بمنى أربعًا، فإذا صلى لنفسه صلى ركعتين".
هذا طرف من حديث صحيح قد أخرجه (١) عن مسلم (٢)، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر وذكر الحديث الذي ذكرناه في أول الفرع الرابع وفي آخره هذا الطرف.
وله في أخرى: عن ابن المثنى وعبيد الله بن سعيد، عن يحيى القطان.
وعن أبي كريب، عن ابن أبي زائدة.
وعن [ابن] (٣) نمير، عن عقبة بن خالد كلهم عن عبيد الله بالإسناد نحوه أما صلاة المسافر خلف المقيم والمقيم خلف المسافر فقد اختلف الأئمة فيها: فقال الشافعي، وأبو حنيفة، والأوزاعي، وأحمد، وداود: إذا صلى مسافر خلف مقيم أتم؛ لأنه يريد أن يتابعه في النية الأفعال، وسواء أدرك جميعها أو ركعة منها أو أقل من ركعة.
قال إسحاق بن راهويه: يجوز للمسافر أن يقصر وإن كان الإمام مقيمًا مُتمًّا.
وقال مالك إذا أدرك ركعة من صلاة المقيم أتمها.
وإنما كان ابن عمر يصلي أربعًا وراء الإمام؛ لأن إمام منى كان مقيمًا وابن
стр. 745
عمر حاج وحكمه حكم المسافر، فكان يتمها إذا صلى مع الإمام ويقصر إذا انفرد.
قال الشافعي ﵁: وهذا يدل على أن الإمام إذا كان من أهل مكة صلى بمنّى أربعًا؛ لأنه لا يحتمل إلا هذا ويكون الإمام من غير أهل مكة وقد أتموا باتمام عثمان؛ وهذا يدل على أن المسافر إذا أمَّ بقوم لم تفسد صلاتهم؛ لأن صلاته لو كانت تفسد لم يصل معه.
وقد أخرج الشافعي، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه أن عمر بن الخطاب لما قدم مكة صلى بهم ركعتين ثم انصرف فقال: يا أهل مكة، أتموا صلاتكم فإنا سفر، ثم صلى عمر بمنى ركعتين.
قال: قال مالك: ولم يبلغني أنه قال لهم شيئًا.
قال الشافعي في القديم: واحتج بعضهم بأن عمر قال: يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر، ولم يقل ذلك بمنى وقد يكون أن قال لهم بمكة فقنع بالقول الأول عن القول الآخر، لأنه لما أعلمهم أن فرضه غير فرضهم وأن عليهم الإتمام ولهم القصر كان ذلك مجزئًا في الموطنين جميعًا, ولعله يكون قد قاله ولم يحفظ عنه -والله أعلم.
***
стр. 746
الفرع الثامن في
الإقامة التي تبطل القصر
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن ابن حميد قال: سأل عمر بن عبد العزيز جلساءه: ماذا سمعتم في مقام المهاجر بمكة؟. قال السائب بن زيد: حدثني العلاء بن الحضرمي أن رسول الله ﷺ قال:
"يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثًا".
هذا حديث متفق عليه أخرجه الجماعة إلا مالكاً.
فأما البخاري (١): فأخرجه عن إبراهيم بن حمزة، عن حاتم، عن ابن حميد ... بالإسناد قال (٢): سمعت رسول الله ﷺ يقول: "للمهاجر إقامة ثلاثة أيام بعد الصدر بمكة" كأنه يقول: لا يزيد عليها.
وله في أخرى: عن يحيى بن يحيى، عن سفيان.
وله روايات أخرى كثيرة.
وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن القعنبي، عن عبد العزيز الدراوردي، عن عبد الرحمن بن حميد.
وأما الترمذي (٤): فأخرجه عن أحمد بن منيع، عن سفيان.
وأما النسائي (٥): فأخرجه عن محمد بن عبد الملك بن زنجويه، عن
стр. 747
عبد الرزاق، عن ابن جريح، عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن عبد الرحمن.
وفي أخرى: عن الحارث بن مسكين، عن سفيان بالإسناد.
"المُقام" (بضم الميم): الإقامة وهو مصدر أقام يقيم إقامة، وبفتح الميم: الموضع وهو في هذا الحديث بالضم، لأنه المسئول عنه لا المكان الذي يقيم فيه.
"والمهاجر": الذي ينتقل من أرض أخرى بنية المقام بها، وأراد به في هذا الحديث الحاج.
"والنسك": العبادة والمراد به في هذا الحديث مناسك الحج جميعها؛ وإنما سأل عمر بن عبد العزيز عن المقام بمكة بعد قضاء المناسك هل ورد فيه سنة؟
وهل هو جائز أو مستحب أو لا؟ "والصدر" بالتحريك: الاسم من قولك: صدرت عن الماء وعن البلد وفي المثل: تركته على مثل ليلة الصدر يعني حين صدر الناس من حجهم.
قال الشافعي: فكان هذا أشبه أن يكون أقصى غاية مقام المسافر، وكان ما جاوزه يشبه أن يكون مقام مقيم، فلم يكن بعد يوم كامل إلا أربع، فذهبنا إلى من أجمع مقام أربع فقد خرج من حد مقام المسافر؛ ليس في الأربع اليوم الذي دخل فيه ولا الذي يخرج فيه وذلك أنه في كليهما مسافر.
قال: وأجلى عمر بن الخطاب أهل المدينة من الحجاز وضرب لمن تقدم منهم تاجرًا مقام ثلاث، فأشبه ما وصفت من السنة.
وقد أخرجه في القديم: عن الثقة عنده، عن عبيد (١) [الله بن] (٢) عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب أجلى اليهود والنصارى من جزيرة العرب وضرب لمن قدم منهم أجلًا ثلاثًا قدر ما يبيعون سلعهم، قال: فمن أجمع إقامة أربع أتم الصلاة وكان هذا أقل ما قال الناس فيه، فكان أن يتم وله أن
стр. 748
يقصر أحب إلينا من أن يقصر وعليه أن يتم.
وتفصيل المذهب في هذا الحكم: أن الشافعي قال: إذا نوى الإقامة أربعة أيام سوى يوم قدومه ويوم خروجه فعليه الإتمام؛ ولا يجوز له أن يقصر.
وبه قال عثمان بن عفان، وابن المسيب، ومالك، وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة: إن نوى مقام خمسة عشر يومًا مع يوم دخوله ويوم خروجه أتم ولا يجوز له القصر.
وبه قال الثوري واختاره المزني.
وروي عن ابن عباس أنه إن نوى مقام تسعة عشر يومًا وجب عليه الإتمام، وإن كان أقل من ذلك لم يجب عليه وبه قال إسحاق.
وقال الليث بن سعد: إن نوى مقام أكثر من خمسة عشر يوما أتم.
وحكي ذلك عن سعيد بن جبير.
وقال الحسن بن صالح: إن نوى عشرة أيام أتم.
وحكي عن الأوزاعي: أنه إن نوى مدة يصلى فيها أكثر من عشرين صلاة أتم.
وهذا قريب من مذهب الشافعي.
وروي عن أنس بن مالك أنه أقام بنيسابور سنتين فكان يقصر فيهما.
وروى النخعي أن علقمة أقام بخوارزم سنتين فكان يقصر فيهما.
وفي هذا الحديث دليل على كراهية المجاورة بمكة وقد كان عمر بن الخطاب يضرب الناس بعد قضاء مناسك الحج ويقول: يا أهل الشام شامكم، ويا أهل اليمن يمنكم، ويا أهل العراق عراقكم.
стр. 749
الفرع التاسع في النوافل في السفر
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن نافع [أن] (١) ابن عمر لم يكن يصلي مع الفريضة في السفر شيئًا قبلها ولا بعدها إلا من جوف الليل.
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة.
فأما مالك (٢): فأخرجه بالإسناد واللفظ وزاد: فإنه كان يصلي على الأرض وعلى راحلته حيث توجهت به".
وهو عنده وعند الشافعي موقوف على ابن عمر، وأما الباقون فإنهم رفعوه إلى النبي ﷺ .
وأما البخاري (٣): فأخرجه عن يحيى بن سليمان، عن ابن وهب، عن عمر ابن محمد، عن حفص بن عاصم قال: "سألت ابن عمر عن السبحة في السفر؟ فقال: صحبت رسول الله ﷺ فلم أره يسبح في السفر وقال: والله لقد كان لكم في رسول الله أسوه حسنة".
وله في أخرى: عن مسدد، عن يحيى [عن] (٤) عيسى بن حفص بن عاصم، عن أبيه أنه سمع ابن عمر يقول: "صحبت رسول الله ﷺ فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك.
وأما مسلم (٥): فأخرجه عن قتيبة، عن يزيد بن زريع، عن عمر بن محمد
стр. 750
مثل البخاري.
وأما أبو داود (١): فأخرجه عن القعنبي، عن عيسى بن حفص مثل البخاري.
وأما الترمذي (٢): فأخرجه عن عبد الوهاب بن عبد الحكم الورَّاق البغدادى، عن يحيى بن [سليم] (٣)، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: "سافرت مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يصلون الظهر والعصر ركعتين ركعتين لا يصلون قبلها ولا بعدها، وقال: لو كنت مصليًا قبلها أو بعدها لأتممتها".
وأما النسائي (٤): فأخرجه عن أحمد بن يحيى، عن أبي نعيم، عن العلاء بن زهير، عن وبرة بن عبد الرحمن قال: "كان ابن عمر لا يزيد في السفر على ركعتين لا يصلي قبلها ولا بعدها، فقيل له: ما هذا؟ قال: هكذا رسول الله (٥) ﷺ يصنع.
قوله: "إلا من جوف الليل" يريد ويعني بها: صلاة الليل، فإنه كان لا يدعها، فأما النوافل الرواتب التي مع الفرائض فإنه لا يصليها.
والذي ذهب إليه الشافعي: أنه يجوز للمسافر التنفل ولا يكره.
وقال بعض الناس: لا يجوز لمن يقصر أن يتنفل لأنه إذا سقط بعض الفرض فلا يأتي بالنافلة أولى.
وهذا لا يلزم فإن الترخص لا يمنع من الإتيان بالسنن، ألا ترى أن الماسح على الخفين يأتي بسنن الوضوء، وهذا الحديث من ابن عمر شاهد بمثله ألا تراه كان
стр. 751
محافظًا على صلاة الليل، والنوافل الرواتب آكد منها؟!
قال الشافعي: وللمسافر أن يتطوع ليلاً ونهارًا قصر أو لم يقصر.
قال: وثابت عن رسول الله ﷺ "أنه كان يتنفل ليلاً وهو يقصر" وروي عنه "أنه كان يصلي قبل الظهر مسافرًا ركعتين، وقيل أربع ركعات، وثابت عنه أنه تنفل عام الفتح ثماني ركعات ضحى وقد قصر عام الفتح".
وهذا الحديث الذي أخرجه الشافعي عن ابن عمر أخرجه في كتاب اختلافه مع مالك، إلزامًا لمالك في خلاف ابن عمر.
وإنما خالفه الشافعي بما ثبت عنده من تنفل رسول الله ﷺ في السفر والله أعلم.
***
стр. 752
الفصل الثاني
في الجمع بين الصلاتين
وفيه ثلاثة فروع:
الفرع الأول في الجمع مطلقا
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة أن معاذ بن جبل أخبره "أنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ عام تبوك، فكان رسول الله ﷺ يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فأخر الصلاة يومًا ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا".
هكذا أخرجه في كتاب "استقبال القبلة" (١) وعاد أخرجه في كتاب اختلاف "علي وعبد الله" (٢) بالأسناد أن النبي ﷺ كان يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في سفره إلى تبوك.
هذا حديث صحيح أخرجه الجماعة إلا البخاري.
فأما مالك (٣): فأخرجه بالإسناد واللفظ وزاد فيه حديثًا طويلًا يتعلق بعين تبوك ومائها.
وأما مسلم (٤): فأخرجه عن أحمد بن عبد الله بن يونس، عن زهير، عن
стр. 753
أبي الزبير بالإسناد قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فكان يصلي الظهر والعصر جميعًا والمغرب والعشاء جميعًا".
وفي أخرى عن يحيى بن حبيب، عن خالد بن الحارث، عن قرة بن خالد، عن أبي الزبير بالإسناد ... وقال: جمع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء قال: فقلت: ما حمله على ذلك؟ قال: فقال: أراد أن لا يحرج أمته.
وأما أبو داود (١): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك.
وأما الترمذي (٢): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل بالأسناد "أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر إلى أن يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجل العصر فصلى الظهر والعصر جميعًا ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب.
وأما النسائي (٣): فأخرجه عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك.
قوله: "كان يجمع بين الظهر والعصر" يقتضي إطراد الحال في الجمع وتكرار ذلك منه، كذلك قوله: "كان يصلي" بخلاف ما يدل عليه أنه جمع
стр. 754
بين الظهر والعصر، فإن هذا اللفظ كما أنه يقتضي العموم في تكرار الجمع، يقتضي الخصوص وأنه جمع مرة واحدة.
وقوله: "فأخر الصلاة يومًا" يريد أنه أخر صلاة الظهر إلى أن دخل وقت العصر؛ فصلى الصلاتين معًا في وقت العصر.
وقوله: "ثم دخل ثم خرج" يريد أنه دخل إلى مضربه وموضع نزوله، وهذا اللفظ كأنه يوهم أنه صلى صلاتي الظهر والعصر في آخر وقت العصر بقوله: "ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء" وإن كانت ثم تفيد المهلة.
وفيه: بيان جواز تأخير إحدى الصلاتين إلى وقت الأخرى، وتقديم إحداهما إلى وقت الأخرى على سبيل التخيير، وهو الذي ذهب إليه القائلون بالجمع.
وقوله: "أراد أن لا يحرج أمته" أي لا يضيق عليهم ويشق عليهم، فإنهم كانوا يحتاجون إذا كانوا مسافرين أن ينزلوا لكل صلاة، فوضع عليهم بالجمع رفقًا بهم ورعاية لهم.
و"زيغ الشمس": ميلها عن وسط السماء وهو وقت الزوال.
والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء جائز في السفر الذي يجوز فيه القصر.
وروي ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأبي موسى الأشعري، وابن عباس، وعبد الله بن عمر، ومعاذ بن جبل، وأسامة بن زيد، وأنس بن مالك.
وبه قال طاوس، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وسالم بن عبد الله، ومالك، والثوري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور. وذهب أبو حنيفة إلى أن ذلك لا يجوز إلا بمزدلفة -وسيأتي بيانه- وبه قال الحسن، وابن سيرين، والنخعي، ومكحول، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، والمزني.
والجمع -عند القائلين به- أفضل من الإفراد اقتداءً برسول الله ﷺ ، فإذا
стр. 755
أراد ذلك نوى تأخير الظهر إلى وقت العصر وصلاهما عند دخول وقت العصر أو نوى تقديم العصر إلى الظهر وصلاهما في وقت الظهر، وكذلك المغرب والعشاء.
وقال الشافعي في القديم: يجوز الجمع في السفر القصير. وبه قال مالك.
وقال في الجديد: لا يجوز وهو الصحيح من مذهبه.
قال الشافعي وأصحاب مالك -لما ذكر حديث معاذ هذا:
فأخذنا نحن وأنتم به وخالفنا فيه غيرنا فروي عن ابن مسعود "أن النبي ﷺ لم يجمع إلا بمزدلفة" ويروى عن عمر أنه ذكر الجمع بين الصلاتين من الكبائر إلا من عذر، فكانت حجتنا عليه أن ابن مسعود وإن قال "لم يفعل" فقد قال غيره "فعل"، وقول من قال "فعل" أولى أن يؤخذ به لأنه شاهد والذي قال: "لم يفعل" غير شاهد، وليس في قول أحد خالف ما روى عن النبي ﷺ حجة.
وأما ما كتب به عمر فقد أجاب عنه في القديم: بأن لا يعرفه عن عمر وقد يكون السفر عذرًا، وعمر مع النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو يجمع، وعمر أعلم بالله وبرسوله من أن يقول هذا إلا على هذا المعنى.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا ابن أبي يحيى، عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن كريب، عن ابن عباس أنه قال: ألا أخبركم عن صلاة رسول الله ﷺ في السفر؟ كان إذا زالت الشمس وهي في منزله جمع بين الظهر والعصر في الزوال، وإذا سار قبل أن تزول الشمس أخر الظهر حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر، قال: وأحسبه قال في المغرب والعشاء مثل ذلك.
هذا حديث صحيح (١) متفق عليه أخرجه البخاري ومسلم.
стр. 756
فأما البخاري (١): فأخرجه عن إبراهيم بن طهمان، عن الحسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "كان رسول الله ﷺ يجمع بين صلاة الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير ويجمع بين المغرب والعشاء".
وأما مسلم (٢) فأخرجه عن يحيى بن حبيب الحارثي، عن خالد بن الحارث، عن قرة، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن [عباس] (٣) وذكر الحديث.
قال سعيد: فقلت لابن عباس: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته.
قوله: "وهو بمنزله" أراد به المكان الذي قد نزله في سفرة غزوه.
وقوله: "في الزوال" أي في وقت الزوال وهو ميل الشمس عن وسط السماء من جهة الشرق إلى جهة الغرب.
وقوله في رواية البخاري: "إذا كان على ظهر سير" يريد به إذا كان مسافرًا لأنه يجمع منهما وهو سائر على الظهر، واستعار السير ظهرًا على سبيل الاتساع والمجاز، لأن المسافر كالراكب على ظهر السير.
"والحرج": الضيق والإثم وقد ذكر.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: "كان النبي ﷺ إذا عجل في السير جمع بين المغرب
стр. 757
والعشاء" وفي نسخة "إذا عجل به السير".
هكذا أخرجه في كتاب "استقبال القبلة" وقد عاد أخرجه في كتاب "علي وعبد الله" (١) عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر.
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة من طرق كثيرة.
فأما مالك (٢): فأخرجه عن نافع، عن ابن عمر بلفظ الشافعي.
وأما البخاري (٣): فأخرجه عن علي بن عبد الله بالإسناد قال: "كان النبي ﷺ يجمع بين المغرب والعشاء إذا جَدَّ به السفر".
في رواية عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري بالإسناد قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أعجله السير في السفر" وذكر الحديث.
قال سالم: وكان عبد الله يفعله إذا أعجله السير في السفر.
وأما مسلم (٤): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر.
وفي أخرى: عن محمد بن المثنى، عن يحيى، عن عبيد الله، عن نافع "أن ابن عمر كان إذا جَدَّ به السير جمع بن المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشفق ويقول: إن رسول الله ﷺ كان إذا جَدَّ به السير جمع بين المغرب والعشاء".
وأما أبو داود (٥): فأخرجه عن عبيد المحادبي (٦)، عن محمد بن فضيل، عن أبيه، عن نافع وعبد الله بن واقد "أن مؤذن ابن عمر قال: الصلاة، قال: سِر حتى إذا كان قبل غيوب الشفق -وفي رواية- حتى إذا كان عند ذهاب الشفق
стр. 758
نزل فجمع بينهما.
وأما الترمذي (١): فأخرجه عن هناد، عن عبدة بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر "أنه استغيث على بعض أهله فجدَّ به السير، فأخر المغرب حتى غاب الشفق ثم نزل فجمع بينهما، ثم أخبرهم أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك إذا جد به السير".
وأما النسائي (٢): فأخرجه عن قتيبة، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر وقال: جد به السير.
فقال في أخرى: جدَّ به السير أو حزبه أمر.
و"العجلة": هو البطرُ، وقد عَجِل -بالكسر- ورجل عجل وعجول وعجلان، ويجوز أن يكون عجل وعجل.
و"جدَّ" به السير يجد: إذا أسرع، وأصله من قولك جدَّ في الأمر يجد ويجد وأجد فيه يجد: إذا اجتهد، ويقولون: هو على جد أمر أي على عجلة أمر.
والشفق: هو الحمرة الباقية في الأفق بعد مغيب الشمس.
وإليه ذهب الشافعي، وروى ذلك عن عمر، وابن عمر، وابن عباس، وهو قول: مكحول، وطاوس، ومالك، والثوري، وابن أبي ليلى، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وأحمد بن حنبل، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: هو البياض الذي يبقى في الأفق بعد مغيب هذه الحمرة.
وروي ذلك عن إبراهيم، وبه قال عمر بن عبد العزيز، والأوزاعي وقد جاءت اللغتان معا فهو من الأضداد.
وقوله: "لا يسبح بينهما" يريد بالسُبحة النافلة من الصلاة وقد تقدم بيانها.
وقوله: استغيث على أهله أي استعجل في مسيره وذلك أن زوجة عبد الله
стр. 759
ابن عمر -وهي صفية بنت أبي عبيد- كانت مريضة وكان ابن عمر قد خرج يريد أرضًا له فنفدت إلى طريقه تستعجله ليدركها قبل أن تموت.
"وحزبه" الأمر يحزبه: اشتد عليه وناله منه مشقة، أو كان عنده مهمًّا.
وقد اختلفت ألفاظ هذا الحديث مع اتفاق المعنى أو ما يقاربه، فجاء في رواية: عجل في السير، وفي أخرى: أعجله السفر، وفي أخرى: عجل به أمر، وفي أخرى: حزبه أمر.
فأما عجل في السفر: فإن العجلة مخصوصة بذاته، ثم إلى إدراك أن يبين الأمر الذي كانت العجلة فيه، ولأجله عداه بقي الدالة على الظرفية فقال: في السير، كما تقول: عجلت في الكلام وفي الأكل ونحو ذلك.
وأما عجل به السير: فإنه نقل العجلة من اختصاصها بذاتها إلى السير، وجعل السير هو الفاعل للعجلة؛ ثم لما أراد أن يبين مستند العجلة وعمن هي أدخل حرف الجر الذي هو بالإلصاق على ضميره فقال: عجل به السير، ومنهما فرق دقيق وذلك أن عجل به السير: تكون العجلة جامعة للسير وله، كأن السير عجل وأخذه معه.
وأما عجل في السير: فإن العجلة مخصوصة به دون السير وإن كانت العجلة لازمة للسير، إلا أنها باللفظ الأول أشمل وأظهر ولذلك نقول: إنها أبلغ.
وأما جد به السير: فإنه مثل عجل به السير فيما ذكرناه من البيان وليس بينهما فرق إلا ما بين لفظي عجل وجدَّ، فإن عجل صريح في الشرعية وجد كناية عنه، ولو كانا بمعنى واحد لكان في عجل من كثرة الاستعمال والظهور ما يرجح جانبها على جانب جد.
ولقائل أن يقول: إن في جد من معنى الاجتهاد ما يقابل الظهور وكثرة الاستعمال الذي في عجل أو يفضله، وكلا الأمرين محتملان.
وأما عجله السير: وكأن السير هو الذي حمله على العجلة وهو دون عجل
стр. 760
فيه وعجل به، وجد به، فإن فعل به أبلغ من أفعلته، ألا ترى أنك إذا قلت: ذهبت يزيد فإنه أبلغ من قولك: أذهبته، وذلك أن "ذهبت به" معناه: أنك أخذته من مكانه واستصحبته وذهبت فأعدمته وأخليت مكانه منه ولم يبق له فيه ولا لك أثر.
وأما أذهبته فلا يدل على أنك ذهبت أنت، ولهذا قال الله تعالى ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ (١) ولم يقل أذهب وأما قوله: أعجله السفر فإن السير بعض أحوال المسافر وحكمه حكم أعجله السير.
وأما قوله: أعجله السير في السير: فإن فيه زيادة إيضاح لئلا يتوهم أن السير لم يكن في سفر ولا يخلو من حالتين: إحديهما: أن يكون سفرًا لا تقصر فيه الصلاة وهو المراد في الحديث، لأن الفقيه متى أطلق لفظ السفر وقرن به أحكام القصر والجمع والفطر؛ فإنما يعني به سفرًا مخصوصًا عنده.
والحالة الثانية: أن لا يظن أن السير كان في ضواحي البلدة ومتنزهاتها فإنه يسمى سيرًا ولا يسمى سفرًا, ولأنا قد قلنا إن السير أحد ما يشتمل عليه اسم السفر، فأضاف لفظ السير إلى السفر ليزول هذا الوهم.
وأما قوله: "عجل به أمر" فحكمه حكم عجل به السير إلا أن في لفظة "أمر" وإبدال السير بها فائدة من وجه وخللًا من وجه فأما الفائدة: فلأنها أعم من السير والسفر وهو الحقيقة السفر الموجب للعجلة.
إضافة العجلة تارة إلى السير وأخرى إلى السفر: فإنما هو محال وإنما جاز ذلك لقرب ما بينهما ولفهم المعنى؛ فإن المسافر ما يسرع في سيره إلا لباعث في نفسه اقتضى السرعة، فذكر في هذه الرواية السبب الأصلي وكنى عنه بقوله "أمر" أي حال تجددت له.
وأما تخلل الحادث بها: فإنه لفظ مطلق غير مقيد لأنه قال: إن رسول الله
стр. 761
- ﷺ كان إذا عجل به أمر فعل كذا وكذا" ولم يتعرض للسفر فيوهم إطلاق هذا اللفظ جواز الجمع في كل حال وليس كذلك، وإنما أطلق لفهم المعنى وأن الخطاب إنما وقع في حالة السفر.
وأما "حزبه أمر": فحكمه حكم "عجل به أمر" وليس بينهما فرق إلا بين ما عجل وحزب من الاختلاف في المعنى، فإن "حزب" فعل متعد و"عجل" فعل قاصر ومعناهما قد تقدم بيانه.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي ذؤيب الأسدي قال: "خرجنا مع ابن عمر إلى الجماء فغربت الشمس فهبنا أن نقول له أنزل فصل، فلما ذهب بياض الأفق وفحمة العشاء نزل فصلى ثلاثًا ثم سلم ثم صلى ركعتين ثم سلم، [ثم] (١) التفت إلينا فقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل".
هذا الحديث أخرجه النسائي (٢): عن إسحاق بن إبراهيم، عن سفيان بالإسناد وقال: إن إسماعيل بن عبد الرحمن: شيخ من قريش (٣).
وهذا الحديث وإن كان قد جاء مفردًا في المسند فيشبه أن يضاف إلى حديث ابن عمر الذي قبله، لأن المسند منه هو المسند في ذلك.
قوله: "حتى ذهب بياض الأفق" يريد به الشفق على قول من قال الشفق هو البياض.
"وفحمة العشاء" أول إظلامه.
وقوله: "صلى ثلاثًا" يريد المغرب.
وقوله: "ثم صلى ركعتين" يريد العشى مقصورة والذي جاء في مسند
стр. 762
الشافعي "خرجنا مع ابن عمر إلى الجماء" بالجيم والمد.
والذي جاء في سنن النسائي "بالحمى" بالحاء المهملة والقصر فإن لم يكن الغلط من أحد الناسخين وإلا فهما اسمان لموضعين من أراضي المدينة قريبًا منها.
فأما "الجماء": فقد جاء ذكرها في الشعر قال أبو قطيفة:
فالقصر والنخل فالجماء بينهما ... أشهى إلى القلب من أبواب جيرون
فالجماء قريب من العقيق وقصر سعيد بن العاص.
وأما "الحمى": فالظاهر أنه النقع -بالنون والقاف- وهو الذي كان قد حمى لإبل الصدقة والغنائم.
وقد أخرج الشافعي ﵁ فيما بلغه عن الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله، ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزول الشمس أخر الظهر حتى يدخل أول العصر ثم ينزل فيصليهما معًا".
ورواه في القديم قال: أخبرنا بعض أصحابنا، عن ليث بن سعد بهذا الإسناد وذكر نحوه.
هذا حديث أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤).
وقد أخرج عن حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر قال: "فراح رسول الله ﷺ يوم عرفة حين زالت الشمس فخطب ثم صلى الظهر والعصر معًا".
وهذا طرف من حديث طويل وقد أخرجه مسلم (٥)، وأبو داود (٦) وهو
стр. 763
الحديث الذي يتضمن حجة الوداع.
وقد أخرج الشافعي ﵁ في القديم: عن مالك، عن يحيى بن سعيد قال: قلت لسالم: ما أشد ما رأيت ابن عمر أخر الصلاة؟ قال: غربت له الشمس بذات الجيش فصلاها بالعقيق.
قال: وأخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن يحيى بن سعيد، عن سالم مثله قال: قلت: أي ساعة تلك؟ قال: فذهب ثلث الليل أو ربعه.
وقد رواه سفيان الثوري، عن يحيى بن سعيد وذكر ما بينهما ثمانية أميال.
***
стр. 764
الفرع الثاني
في الجمع بمزدلفة
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه "أن رسول الله ﷺ صلى المغرب والعشاء بمزدلفة جميعًا".
هذا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم والجماعة.
فأما مالك (١): فأخرجه إسنادًا ولفظًا.
وأما البخاري (٢): فأخرجه عن آدم [عن] (٣) ابن أبي ذئب، عن الزهري بالإسناد قال: "جمع النبي ﷺ بين المغرب والعشاء يجمع كل واحدة منهما بإقامة ولم يسبح بينهما ولا على إثر كل واحدة منهما".
وأما مسلم (٤): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن مالك إسنادًا ولفظًا.
وفي رواية (٥): عن حرملة بن يحيى [عن] (٦) ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أن أباه قال: "جمع رسول الله ﷺ بين المغرب والعشاء بجمع ليس بينهما سجدة، وصلى المغرب ثلاث ركعات، وصلى العشاء ركعتين فكان عبد الله يصلي بجمع كذلك حتى لقي الله .
стр. 765
وأما أبو داود (١): فأخرجه عن القعنبى، عن مالك إسنادًا ولفظًا.
وفي أخري: عن أحمد بن [حنبل] (٢) عن حماد بن خالد، عن ابن [أبي] (٢) ذئب، عن الزهري.
وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مالك، "أن عبد الله بن عمر صلى بجمع فجمع بين الصلاتين بإقامة وقال: رأيت رسول الله ﷺ فعل مثل هذا في هذا المكان".
وأما النسائي (٤): فأخرجه عن عبيد الله بن سعيد، عن عبد الرحمن، عن مالك بالإسناد واللفط ولم يقل جميعًا.
"المُزدلِفة" (بضم الميم وكسر اللام): اسم لموضع مخصوص معروف بين عرفات وهو موقف الحاج والمبيت به.
قالوا: يسمى بذلك لأن إبراهيم الخليل ازدلف إليها لما أمسى بعرفة أي: قرب منها.
و"جمع": اسم علم لمزدلفة قالوا: إنما سمي جمعًا لأن آدم ﵇ اجتمع فيه بحواء بعد أن أهبطا.
وقيل: لأن الناس يجتمعون فيه بين صلاتي المغرب والعشاء.
و"السبحة": اسم لصلاة النافلة وقد ذكر فيما مضى.
و"النداء": يريد به الأذان والذي ذهب إليه الشافعي: أنه يجمع بين المغرب
стр. 766
والعشاء بمزدلفة ويقيم لكل واحدة منهما.
وهل يؤذن للأولى منهما، فيه خلاف.
وقال أبو حنيفة: يجمع بينهما بإقامة واحدة، ولا يجزئه التفريق في وقتيهما عنده وعند محمد بن الحسن.
ويجزئه عند الشافعي، ومالك، وأبي يوسف، وأحمد.
وقد أخرج الشافعي ﵁: عن رجل، عن الأعمش، عن عمارة ابن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله
قال: ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة قط إلا لوقتها إلا بالمزدلفة فإنه جمع بين الصلاتين المغرب والعشاء، وصلى الصبح يومئذٍ قبل وقتها.
قال الشافعي: ولو كان صلاها بعد الفجر لم يقل قبل وقتها ولقال في وقتها الأول.
قال: وروى ابن مهدي، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "كان عبد الله يصلي الصبح بجمع ولو أن متسحرًا يتسحر لكان ذلك".
قال الشافعي: ولم يختلف أحد في أن لا يصلي أحد الصبح غداة جمع، ولا في غيرها إلا بعد الفجر وهم يخالفونه أيضاً في قوله: إن النبي ﷺ لم يجمع إلا بين المغرب والعشاء".
ويزعمون أن الإمام يجمع بين الظهر والعصر بعرفة وكذلك نحن نقول: السنة التي جاءت عن النبي ﷺ قال: وقد روينا "أن النبي ﷺ جمع بين الصلاتين في غير ذلك الموطن -يريد ما تقدم من حديث معاذ بن جبل وابن عمر وابن عباس وجابر- والله أعلم" (١).
стр. 767
الفرع الثالث
في الجمع بعذر المطر
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن أبي الزبير، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس أنه قال: "صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر".
قال: أرى ذلك في مطر.
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة.
أما مالك (١): أخرجه إسنادًا ولفظًا.
وأما البخاري (٢): فأخرجه عن أبي النعمان، عن حماد بن زيد وعن آدم، عن شعبة، وعن علي، عن سفيان كلهم عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس.
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن أبي بكر، عن ابن عيينة، وعن أبي الربيع، عن حماد بن زيد، كلاهما عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، [و] (٤) عن يحيى بن يحيى، عن مالك (٥).
ولهما روايات أخرى كثيرة.
وأما أبو داود (٦): فأخرجه عن أحمد بن صالح، عن يحيى بن محمد
стр. 768
الجاري، عن عبد العزيز بن محمد، عن مالك.
وعن سليمان بن حرب ومسدد وعمرو بن عون، عن حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار.
وأما النسائي (١): فأخرجه عن قتيبة، عن سفيان، عن عمرو بن دينار.
وعن قتيبة، عن مالك بالإسناد.
وقد روى المزني (٢) عن الشافعي: عن سفيان، عن أبي الزبير بالإسناد قال: صليت مع النبي ﷺ ثمانيًا جميعًا وسبعًا جميعًا من غير خوف، قلت: لم فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته.
وروى المزني (٣) أيضاً عن الشافعي: عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: "صليت مع النبي ﷺ بالمدينة ثمانيًا جميعًا وسبعًا جميعًا".
قوله: "جميعا" ظاهره يقتضي أن يكون جمع بين الصلوات الأربع لأنه قال: "صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء" فجمعها بواو العطف ثم قال: "جميعًا" وليس الأمر على ظاهره، إنما يريد أنه صلى الظهر والعصر جميعاً، وصلى المغرب والعشاء جميعًا.
وإنما حسن ذلك لفهم المعنى، وأنهم قد عرفوا معرفة سالفة أن الجمع بين الصلوات؛ إنما يكون بين الظهر والعصر جميعًا وبين المغرب والعشاء معًا، فجاز الإطلاق لهذه المعرفة السابقة.
وقوله: "من غير خوف ولا سفر" الصلاة إنما تقصر وتجمع في الخوف والسفر؛ فلما أخبر أنه جمع بينهما وكانوا بالمدينة احتاج أن يقول: من غير
стр. 769
خوف ولا سفر تبيينًا للحال المخالفة للأصل، ليعلم أن الجمع لم يكن في مظنته المعهودة.
وقد قال الشافعي: أمَّ جبريل ﵇ رسول الله ﷺ في الحضر ولا مطر وقال: "ما بين هذين وقت" فلم يكن لأحد تعمد أن يصلي بالصلاة في حضر ولا مطر إلا في هذا الوقت، ولا صلاة إلا منفردة كما صلى جبريل ﵇ بالنبي ﷺ ، فصلى النبي بعد مقيمًا في عمره، ولما جمع النبي ﷺ بالمدينة آمنًا مقيمًا لم يحتمل إلا أن يكون مخالفًا لهذا الحديث، أو يكون الحال التي جمع فيها حالاً غير الحال التي فرق فيها.
ولم يجز أن يقال: جمعه في الحضر مخالف لإفراده في الحضر من وجهين: أنه يوجد لكل واحد منهما وجه. وأن الذي رواهما معًا واحد وهو ابن عباس.
فعلمنا أن لجمعه في الحضر علة فرقت بينه وبين إفراده فلم يكن إلا المطر -والله أعلم- إذا لم يكن خوف ووجدنا في المطر علة المشقة العامة فقلنا: إذا كانت العلة من مطر في حضر جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الجمع بين صلاتي الظهر والعصر وبين صلاتي المغرب والعشاء، يجوز في المطر للمقيم كما يجوز للمسافر.
وروي ذلك عن عبد الله بن عمر وهو مذهب الفقهاء السبعة: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وخارجة بن زيد، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة؛ وسليمان بن يسار.
وبه قال مالك، والليث، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور.
إلا أن مالكًا وأحمد أجازا ذلك في المغرب والعشاء دون الظهر والعصر.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والمزني: لا يجوز.
стр. 770
وقال الشافعي: يجوز تقديم الثانية إلى الأولى.
فأما تأخير الأولى إلى الثانية ففيه قولان كان في القديم والإملاء يبيحه في وقت إحديهما كيف كان أخف عليه، قياسًا على السفر.
وقد أخرج الشافعي في القديم: عن مالك، عن نافع "أن عبد الله بن عمر كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم".
قال الشافعي: وأخبرنا بعض أصحابنا عن العمري، عن نافع، عن ابن عمر أنه جمع بينهما قبل الشفق.
قال: أخبرنا بعض أصحابنا عن أسامة بن زيد، عن معاذ بن عبد الله "أن ابن عباس جمع بينهما في المطر قبل الشفق".
وقال الشافعي: وأخبرنا بعض أصحابنا عن عبد الله بن زيد قال: "رأيت سعيد ابن المسيب جمع مع الأمراء قبل مغيب الشفق".
***
стр. 771
الباب الرابع من القسم الأول
من كتاب الصلاة في صلاة الجمعة
ويشتمل على عشرة فروع:
الفرع الأول
في فضل يوم الجمعة وصلاة الجمعة
أخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثنا صفوان بن سليم، عن نافع بن جبير وعطاء بن يسار عن النبي ﷺ أنه قال: "شاهد: يوم الجمعة، ومشهود: يوم عرفة".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم قال حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر، عن عطاء بن يسار عن النبي ﷺ
أخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد حدثني عبد الرحمن بن حرملة، عن ابن المسيب عن النبي ﷺ .
هذا حديث مشهور قد أخرجه الشافعي من طرق ثلاث مرسلًا وقد روي من حديث عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة مرفوعًا وموقوفًا (١)، وقد تكاثرت الروايات عن النبي ﷺ في شاهد ومشهود، وأكثر ما وردت أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة (٢) ومعنى كون يوم الجمعة شاهدًا: أنه يشهد لكل
стр. 772
عامل بما عمل فيه، وكذلك كل يوم وله فضل مخصوص باجتماع الناس في صلاة الجمعة؛ ما لا يجتمعون في غيره من الأيام.
ومعنى كون يوم عرفة مشهودًا: ليشهد الناس فيه موسم الحج، وتشهده الملائكة.
وقد جاء في فضل هذين اليومين أحاديث كثيرة بغير هذا المعنى، وذهب قوم إلى أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم النحر.
وذهب آخرون: إلى أن الشاهد محمد ﷺ ، والمشهود يوم القيامة.
وقال آخرون: الشاهد من يشهد من الحقائق يوم القيامة، والمشهود في ذلك اليوم من عجائبه؛ لأن اليوم الوعود هو يوم القيامة لا شك فيه. ثم قال: وشاهد في كل ذلك اليوم ومشهود فيه، وإنما جاء بهما بلفظ النكرة على طريقة أنيقة من لطائف أوضاع البلاغة: وذلك أنه من عكس كلامهم الذي يقصدون به الإفراط فيما يعكس عنه ومثله قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ (١) فنكر النفس ومن المعلوم أن كل النفوس تعلم ما أحضرت بدليل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ (٢) لا نفس واحما يوددة.
ومثل الأول قوله تعالى ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (٣) وما يريد به هاهنا التقليل لأنه لا مبالغة فيه.
ومثله من الكلام أن يقول لبعض أمراء الأجناد: كم عندك من الفرسان؟.
стр. 773
فيقول: رب فارس عندي، أو: لا يعدم عندي فارسًا، وعنده المعايب الكثيرة.
وقصده بذلك التمادي في تكثير فرسانه، ولكنه أراد إظهار براءته من التزيّد، وأنه ممن يقلد ما عنده فضلاً أن يتزيد، فجاء بلفظ التقليل وفهم منه معنى الكثرة على الصحة واليقين.
"والجمعة": بمعنى المجموع كالضحكة بمعنى المضحوك منه، ويوم الجمعة يوم الوقت الجامع، وفيه لغتان: سكون الميم وضمها، وإنما سميت الجمعة: لأن الخلائق اجتمعت فيها وفرغ الله من خلقها فيها، وقيل: أول من سماها الجمعة: كعب بن لؤي بن غالب وكان يقال لها: عروبة والعروبة.
وقيل: أول من سماها الأنصار، وذلك أنهم قالوا: لليهود يوم يجتمعون فيه كل أسبوع، والنصارى كذلك فهلموا فنجعل لنا يومًا نجتمع فيه فنذكر الله ونصلي فيه، فقالوا: يوم السبت لليهود والأحد للنصارى فاجعلوا يوم العروبة لنا، فاجتمعوا إلى سعد بن زرارة فصلى بهم يومئذٍ ركعتين وذكرهم فيه، فسموه يوم الجمعة لاجتماعهم.
وذبح لهم فيه شاة فتغدوا وتعشوا من شاة واحدة وذلك لقلتهم، فهذه أول جمعة جمعت في الإسلام قبل مقدم رسول الله ﷺ المدينة.
وأما أول جمعة جمعها رسول الله ﷺ : فإنه لما قدم المدينة مهاجرًا نزل بقُباء على بني عمرو بن عوف يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول حين اشتد الضحى، فأقام عندهم الثلاثاء والأربعاء والخميس وأسس مسجدهم، ثم خرج من بين ظهرانيهم يوم الجمعة غاديًا إلى المدينة؛ فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن وادٍ لهم وقد اتخذوا مسجدًا لهم؛ فصلى بهم النبي ﷺ وخطب، فكانت هذه أول جمعة جمعها النبي ﷺ وأول خطبة خطبها.
стр. 774
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم قال: حدثني عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عمرو بن شرحبيل بن سعد (١)، عن أبيه، عن جده أن رجلاً من الأنصار جاء إلى النبي ﷺ فقال:
يا رسول الله أخبرنا عن الجمعة ماذا فيها من الخير؟. فقال النبي ﷺ : فيه خمس خلال: فيه خلق الله آدم، وفيه أهبط الله آدم إلى الأرض، وفيه توفي الله آدم، وفيه ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئاً إلا آتاه إياه ما لم يسأل مأثمًا أو قطيعة رحم، وفيه تقوم الساعة فما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض ولا جبل؛ إلا وهو مشفق من يوم الجمعة".
"الخلال": جمع خلة (بفتح الخاء) وهي الخصلة.
وردَّ السائل الضمير في قوله "فيها" إلى لفظ الجمعة وهو مؤنث، ورده النبي ﷺ مذكرًا إلى يوم.
"والهبوط": ضد الطلوع.
"والمأثم": الإثم وهو الذنب تقول: أثِم الرجل (بالكسر) يأثم (بالفتح) إثمًا: إذا وقع في الإثم، وتأثم أي خرج من الإثم وكف عنه.
"والقطيعة": الهجران والصدّ.
وقطيعة الرحم ضد وصلها، وصلة الرحم معروفة وهي الإحسان إلى الأهل والأرقاب والرفق والبر بهم.
"والإشفاق": الخوف والفزع.
стр. 775
ووجه الأشفاق من يوم الجمعة لأجل توقع قيام الساعة فيه.
"والساعة": اسم علم ليوم القيامة، قيل: سميت ساعة لقربها ووصفها بالقيام: لأنها اليوم ساكنة وهي كالقاعدة وإذا أراد الله إيجادها وصف بالحركة والقيام لذلك، ولقيام الناس من القبور فيها.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة "أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال: "فيه ساعة لا يوافقها إنسان مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه -وأشار النبي ﷺ بيده يقللها".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد ابن إبراهيم بن الحارث، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خُلق آدم، وفيه أهبط، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة وما من دابة إلا هي مسيحة يوم الجمعة، من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه".
قال أبو هريرة وقال عبد الله بن سلام: هي آخر ساعة في يوم الجمعة. فقلت له: وكيف يكون آخر ساعة وقد قال النبي ﷺ "لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي" وتلك ساعة لا يصلى فيها؟ فقال ابن سلام: ألم يقل النبي ﷺ "من جلس ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي"؟ قال: فقلت: بلى. قال: فهو ذاك.
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة، إلا أن الرواية الأولى: أخرجها مالك، والبخاري، ومسلم، والنسائي.