← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13241

الشافي في شرح مسند الشافعي

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (2 721 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

الباب الرابع من القسم الأول من كتاب الصلاة في صلاة الجمعة ويشتمل على عشرة فروع: الفرع الأول في فضل يوم الجمعة وصلاة الجمعة أخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثنا صفوان بن سليم، عن نافع بن جبير وعطاء بن يسار عن النبي ﷺ أنه قال: "شاهد: يوم الجمعة، ومشهود: يوم عرفة". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم قال حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر، عن عطاء بن يسار عن النبي ﷺ أخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد حدثني عبد الرحمن بن حرملة، عن ابن المسيب عن النبي ﷺ . هذا حديث مشهور قد أخرجه الشافعي من طرق ثلاث مرسلًا وقد روي من حديث عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة مرفوعًا وموقوفًا (١)، وقد تكاثرت الروايات عن النبي ﷺ في شاهد ومشهود، وأكثر ما وردت أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة (٢) ومعنى كون يوم الجمعة شاهدًا: أنه يشهد لكل

стр. 772

عامل بما عمل فيه، وكذلك كل يوم وله فضل مخصوص باجتماع الناس في صلاة الجمعة؛ ما لا يجتمعون في غيره من الأيام. ومعنى كون يوم عرفة مشهودًا: ليشهد الناس فيه موسم الحج، وتشهده الملائكة. وقد جاء في فضل هذين اليومين أحاديث كثيرة بغير هذا المعنى، وذهب قوم إلى أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم النحر. وذهب آخرون: إلى أن الشاهد محمد ﷺ ، والمشهود يوم القيامة. وقال آخرون: الشاهد من يشهد من الحقائق يوم القيامة، والمشهود في ذلك اليوم من عجائبه؛ لأن اليوم الوعود هو يوم القيامة لا شك فيه. ثم قال: وشاهد في كل ذلك اليوم ومشهود فيه، وإنما جاء بهما بلفظ النكرة على طريقة أنيقة من لطائف أوضاع البلاغة: وذلك أنه من عكس كلامهم الذي يقصدون به الإفراط فيما يعكس عنه ومثله قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ (١) فنكر النفس ومن المعلوم أن كل النفوس تعلم ما أحضرت بدليل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ (٢) لا نفس واحما يوددة. ومثل الأول قوله تعالى ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (٣) وما يريد به هاهنا التقليل لأنه لا مبالغة فيه. ومثله من الكلام أن يقول لبعض أمراء الأجناد: كم عندك من الفرسان؟.

стр. 773

فيقول: رب فارس عندي، أو: لا يعدم عندي فارسًا، وعنده المعايب الكثيرة. وقصده بذلك التمادي في تكثير فرسانه، ولكنه أراد إظهار براءته من التزيّد، وأنه ممن يقلد ما عنده فضلاً أن يتزيد، فجاء بلفظ التقليل وفهم منه معنى الكثرة على الصحة واليقين. "والجمعة": بمعنى المجموع كالضحكة بمعنى المضحوك منه، ويوم الجمعة يوم الوقت الجامع، وفيه لغتان: سكون الميم وضمها، وإنما سميت الجمعة: لأن الخلائق اجتمعت فيها وفرغ الله من خلقها فيها، وقيل: أول من سماها الجمعة: كعب بن لؤي بن غالب وكان يقال لها: عروبة والعروبة. وقيل: أول من سماها الأنصار، وذلك أنهم قالوا: لليهود يوم يجتمعون فيه كل أسبوع، والنصارى كذلك فهلموا فنجعل لنا يومًا نجتمع فيه فنذكر الله ونصلي فيه، فقالوا: يوم السبت لليهود والأحد للنصارى فاجعلوا يوم العروبة لنا، فاجتمعوا إلى سعد بن زرارة فصلى بهم يومئذٍ ركعتين وذكرهم فيه، فسموه يوم الجمعة لاجتماعهم. وذبح لهم فيه شاة فتغدوا وتعشوا من شاة واحدة وذلك لقلتهم، فهذه أول جمعة جمعت في الإسلام قبل مقدم رسول الله ﷺ المدينة. وأما أول جمعة جمعها رسول الله ﷺ : فإنه لما قدم المدينة مهاجرًا نزل بقُباء على بني عمرو بن عوف يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول حين اشتد الضحى، فأقام عندهم الثلاثاء والأربعاء والخميس وأسس مسجدهم، ثم خرج من بين ظهرانيهم يوم الجمعة غاديًا إلى المدينة؛ فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن وادٍ لهم وقد اتخذوا مسجدًا لهم؛ فصلى بهم النبي ﷺ وخطب، فكانت هذه أول جمعة جمعها النبي ﷺ وأول خطبة خطبها.

стр. 774

وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم قال: حدثني عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عمرو بن شرحبيل بن سعد (١)، عن أبيه، عن جده أن رجلاً من الأنصار جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أخبرنا عن الجمعة ماذا فيها من الخير؟. فقال النبي ﷺ : فيه خمس خلال: فيه خلق الله آدم، وفيه أهبط الله آدم إلى الأرض، وفيه توفي الله آدم، وفيه ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئاً إلا آتاه إياه ما لم يسأل مأثمًا أو قطيعة رحم، وفيه تقوم الساعة فما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض ولا جبل؛ إلا وهو مشفق من يوم الجمعة". "الخلال": جمع خلة (بفتح الخاء) وهي الخصلة. وردَّ السائل الضمير في قوله "فيها" إلى لفظ الجمعة وهو مؤنث، ورده النبي ﷺ مذكرًا إلى يوم. "والهبوط": ضد الطلوع. "والمأثم": الإثم وهو الذنب تقول: أثِم الرجل (بالكسر) يأثم (بالفتح) إثمًا: إذا وقع في الإثم، وتأثم أي خرج من الإثم وكف عنه. "والقطيعة": الهجران والصدّ. وقطيعة الرحم ضد وصلها، وصلة الرحم معروفة وهي الإحسان إلى الأهل والأرقاب والرفق والبر بهم. "والإشفاق": الخوف والفزع.

стр. 775

ووجه الأشفاق من يوم الجمعة لأجل توقع قيام الساعة فيه. "والساعة": اسم علم ليوم القيامة، قيل: سميت ساعة لقربها ووصفها بالقيام: لأنها اليوم ساكنة وهي كالقاعدة وإذا أراد الله إيجادها وصف بالحركة والقيام لذلك، ولقيام الناس من القبور فيها. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة "أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال: "فيه ساعة لا يوافقها إنسان مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه -وأشار النبي ﷺ بيده يقللها". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد ابن إبراهيم بن الحارث، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خُلق آدم، وفيه أهبط، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة وما من دابة إلا هي مسيحة يوم الجمعة، من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه". قال أبو هريرة وقال عبد الله بن سلام: هي آخر ساعة في يوم الجمعة. فقلت له: وكيف يكون آخر ساعة وقد قال النبي ﷺ "لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي" وتلك ساعة لا يصلى فيها؟ فقال ابن سلام: ألم يقل النبي ﷺ "من جلس ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي"؟ قال: فقلت: بلى. قال: فهو ذاك. هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة، إلا أن الرواية الأولى: أخرجها مالك، والبخاري، ومسلم، والنسائي.

стр. 776

والثانية: أخرجها مالك، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. فأما مالك (١): فأخرج الروايتين بإسنادهما وذكر الثانية أطول منها بزيادة معنى آخر. وأما البخاري (٢): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك. وأما مسلم (٣): فأخرجها عن قتيبة، عن مالك وقال: "عبد مسلم". وفي أخرى: عن زهير بن حرب، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن محمد بن أبي هريرة. وأما الترمذي (٤): فأخرجها عن قتيبة، عن المغيرة [بن] (٥) عبد الرحمن، عن أبي الزناد. وفي أخرى: عن إسحاق بن [موسى] (٦) الأنصاري، عن معن، عن مالك نحوه. وأما أبو داود (٧): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك نحو رواية مالك. وأما النسائي (٨): فأخرج الأولى عن عمرو بن زرارة، عن إسماعيل، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة.

стр. 777

وأخرج الثانية: عن قتيبة، عن بكر بن مضر، عن ابن الهاد وذكر رواية أبي هريرة. وأخرج الثانية: عن قتيبة، عن بكر بن مضر، عن ابن الهاد وذكر رواية مالك بطولها. الموافقة والمصادفة سواء: يريد أنه متى كان في تلك الساعة يصلي ويدعو استجيب له. ومعنى قوله: "يقللها" أي أنها ساعة قصيرة الزمان وقد جاء في بعض طرق البخاري ومسلم "يزهدها" والمعنى سواء فإن الشيء الزهيد القليل. وكذلك جاء في بعض الطرق وهي ساعة خفيفة. "وتيب عليه": من التوبة وهو فعل ما لم يسم فاعله. وقوله: "مسيحة" -"بالسين"- وإنما هو مصيحة -بالصاد- من الإصاحة الإصغاء إلى إسماع الصوت، وقد أبدل من الصاد سيناً لقرب المخرج، ولأن السين تبدل من الصاد في أربعة مواضع: إذا كان بعدها طاء، أو حاء، أو عين، أو قاف نحو: السراط والصراط، والسحر والصحر، والسقر والصقر والسالع والصالع. وقد اختلف العلماء في تعيين هذه الساعة: فروي عن النبي ﷺ أنها بعد العصر إلى مغيب الشمس، ورأى ذلك بعض الصحابة. وروي عن النبي ﷺ أنها آخر ساعة. وقيل: هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن يقضي الصلاة. وروي عن النبي ﷺ أنها حين يقام إلى الصلاة وإلى الانصراف منها.

стр. 778

وقال ابن عباس: هي ما بين الآذان وانصراف الإمام. وقيل: هي عند نزول الإمام من المنبر. وقيل: ما بين أن ينزل الإمام عن المنبر إلى أن يكبر. قال محمد بن شهاب الزهري: إذا قسم الإنسان ساعات نهار يوم الجمعة على أيام الجمعة صادف الساعة المخصوصة لا بعينها. قالوا: وإنما كتمت ولم تعين ليجتهد العبد في الدعاء والصلاة والعبادة، في جميع ساعات يوم الجمعة ولو عرفها بعينها لقصر عبادته ومسألته عليها. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثنا عبد الرحمن بن حرملة، عن ابن المسيب أن النبي ﷺ قال: "سيد الأيام يوم الجمعة". "السيد": الشريف العظيم في قومه. وقيل: الذي يفوق قومه في الخير. وقيل: الحليم الكريم. وقيل: سمي السيد سيدًا لأنه يسود سواد الناس أي معظمهم. ووزنه فعيل من ساد يسود سيادة وسؤددًا فهو سيد وقوم سادة هذا قول نحاة البصرة. وقال نحاة الكوفة: وزنه فعيل بوزن قتيل. قال الجوهري: هو مثل سدى وسداه. وإنما كان يوم الجمعة سيد الأيام: تشبيها له بالسيد من الناس لأن فيه الساعة المخصوصة بالمدح وإجابة الدعاء، ولما ورد فيه من خلق آدم ﵇ وتوبته وقيام الساعة وغير ذلك من الخصائص التي تفرد بها عن باقي الأيام.

стр. 779

وهذا كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "آية الكرسي سيدة آي القرآن" (١) وذلك لما قد اجتمع فيها من التقديس والتمجيد والصفات الذاتية، التي لم تجمع في آية من آيات القرآن غيرها، وحيث كانت بهذه المثابة استحقت أن تكون سيدة آي القرآن. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا ابن عيينة، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "نحن الآخرون ونحن السابقون، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا تبع، اليهود غدًا والنصارى بعد غد". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثله إلا أنه قال: "بايد أنهم". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني عمر بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بَيْد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم -يعني الجمعة- فاختلفوا فيه، فهدانا الله له فالناس لنا فيه تبع: السبت والأحد". هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه البخاري ومسلم والنسائي. فأما البخاري (٢): فأخرجه عن أبي اليمان، عن شعيب، عن أبي الزناد، عن

стр. 780

الأعرج، عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "نحن الآخرون السابقون" وذكر الرواية الأولى. وفي أخرى: عن مسلم بن إبراهيم، عن وهيب، عن ابن طاوس بالإسناد نحوه وزاد فيه: ذكر الغسل يوم الجمعة. وأما مسلم (١): فأخرجه عن عمرو الناقد، عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد نحوه وقال فيه: "ثم هذا اليوم الذي كتبه الله علينا هدانا الله له" وذكره. وفي أخرى: عن محمد بن رافع [عن] (٢) عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة. وأما النسائي (٣): فأخرجه عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، عن سفيان، عن أبي الزناد واللفظ. "الآخرون": الذين جاءوا آخر الأمم. "والسابقون": الذين سبقوا الناس يوم القيامة إلى الموقف فجازوا سرعة الحساب، والتقدم على العباد وأحرزوا فضيلة الكرامة يومئذٍ وسبقوا في الدخول إلى الجنة، وقد صرح به في بعض الروايات. "وبيد": بمعنى غير أي: غير أنهم. وقيل: معناه على أنهم. قال المزني: سمعت الشافعي يقول: بيد بمعنى من أجل. قال أبو عبيد: وفيه لغة أخرى "ميد" أبدلوا الباء ميمًا لقرب المخرج، وفي

стр. 781

الحديث "أنا أفصح العرب ميد أني من قريش ونشأت في بني سعد بن بكر" (١). وقد فسره بعضهم من أجل أني. فأما في الرواية الأخرى "بايد أني" فلا أعرفه في لغة ولا وجدته في كتاب ولا أعلم وزن هذه اللفظة، هل الباء زائدة أو أصلية؟ وأنا أتطلبها في الكتب لعلي أعثر عليها والله الموفق (٢). "والكتاب" له الذي أوتوه من قبلنا: يريد به التوراة والإنجيل. واليوم الذي اختلفوا فيه: يريد أنه كتب عليهم بفضله، وفرض عليهم تعظيمه فاختلفوا فيه فقالت اليهود: هو يوم السبت كان فيه الفراغ من خلق الخلائق فنحن نستريح فيه عن العمل ونشتغل بالشكر. وقالت النصارى: هو يوم الأحد لأن الله بدأ فيه بخلق الخلائق فهو أولى بالتعظيم. فهدى الله المسلمين إليه، فهو سابق على السبت والأحد ولسبقه معنى، وذلك أن ترتيب الأيام الثلاثة إذا شرحت متتابعة لا تصح إلا بأن يتقدمها الجمعة فنقول: الجمعة والسبت والأحد وليس ذلك لواحد من السبت والأحد لأنك إذا قدمت السبت وأتبعته الأحد فصلت باقي الأيام بين الأحد والجمعة، وإن قدمت الأحد فكذلك وليست فضيلة السبق في تتابع الترتيب الوضعي إلا للجمعة. وقد جاء في بعض الروايات "نحن الآخرون ونحن السابقون" وفي بعضهما "الآخرون السابقون" وكلاهما فصيحان.

стр. 782

بلغيان ولكل منهما مزية ليست في الآخر. أما قوله: "نحن الآخرون السابقون" بحذف العاطف فإنه أراد أن هذين الموضعين المذكورين من التأخر والسبق لنا قنية (١) وملكة؛ وأنهما فينا ثابتان متى ذكر أحدهما عرف الآخر فلا ينفك عنهما ولا يتوقف وجود الثاني لنا واتصافنا به على وجود سبب يحصله لنا، فلا حاجة بنا إلى حرف عطف يضف لنا الثاني إلى الأول. وأما قوله: "ونحن السابقون" فإنه لما قال: "نحن الآخرون" فأثبت لهم التأخر عطف وجاء بلفظة "نحن" ليبين أن السبق لهم دون غيرهم، كان قائلاً قال لما قال: "نحن الآخرون" فما ذلكم بذلك إذا ثبت لكم التأخر ونزلتم المتقدم فقال: "ونحن السابقون". ومثال ذلك: أن يقول القائل: من يولي الجميل، ويصنع المعروف، ويفك العاني، ويكسب المعدوم، ويحمل الكَلّ؟ فتقول: أنا الذي أفعل ذلك، وأنا الحقيق بها دون غيري. أي: أنا الجامع بين الاتصاف بهذه الصفات والمنفرد بها, ولما في إعادة ضمير المتكلم الذي يضاف الخبر إليه من الفائدة ويقرع السمع به في كل خصلة. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم، حدثني موسى بن عبيدة، حدثني أبو الأزهر (٢): معاوية بن إسحاق بن طلحة، عن عبد الله بن عمير، أنه سمع أنس بن مالك يقول: "أتى جبريل بمرآة بيضاء فيها وكتة إلى النبي ﷺ فقال النبي: ما هذه؟ فقال: هذه الجمعة فضلت بها أنت وأمتك، فالناس لكم فيها تبع اليهود والنصارى، ولكم فيها خير، وفيها ساعة لا يوافقها

стр. 783

مؤمن يدعو الله بخير إلا استجيب له، وهو عندنا يوم المزيد. قال النبي ﷺ : يا جبريل، ما يوم المزيد؟ قال: إن ربك اتخذ في الفردوس واديًا أفيح فيه كثب مسك، فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله ما شاء من ملائكته، وحوله منابر من نور عليها مقاعد النبيين، وحف تلك المنابر بمنابر من ذهب مكللة بالياقوت والزبرجد، عليها الشهداء والصديقين (١) فجلسوا من ورائهم على تلك الكثب، فيقول الله : أنا ربكم قد صدقتكم وعدي فسلوني أعطكم". فيقولون: ربنا نسألك رضوانك. فيقول: قد رضيت عنكم ولكم علي ما تمنيتم ولدي مزيد. فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربهم من الخير، وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش، وفيه خلق الله آدم وفيه تقوم الساعة. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم قال: حدثني أبو عمران: إبراهيم بن الجعد، عن أنس شبيهًا به وزاد عليه "ولكم فيه خير من دعا فيه بخير فهو له ولكم قسم أعطيه، وإن لم يكن له قسم ذخر له ما هو خير منه" وزاد فيه أيضًا أشياء. هذا لفظ المسند. "المرآة" (بكسر الميم والمد): معروفة وهي التي يُنظر فيها والجمع في القلة: مرآة بوزن غزال، والكثير: مرايا بوزن عطايا وفلان يمراي أي ينظر إلى وجهه في المرآة وبناء هذه اللفظة من الروية. "والوَكْتة" (بفتح الواو وسكون الكاف) كالنقطة في الشيء يقال: في عينه وكتة، ويقال للبُسْر إذا بدا فيه الإرطاب: قد وكت وكتًا ومعنى تشبيهه الجمعة بالمرآة البيضاء: مثل في نقائها وصفائها وحسنها من بين الأيام.

стр. 784

وقوله: "فيها وكتة" يجوز أن يكون عني بالوكتة: الساعة المخصوصة في الجمع بالمدح تشبيها بوكتة البسر، لأن تلك النقطة التي تسرى بالإرطاب هي أشرف ما في البسرة، كما أن الساعة التي في الجمعة هي أشرف ساعاتها. ويجوز أن يريد: صلاة الجمعة التي يميز بها هذا اليوم على باقي الأيام. ويجوز أن يريد بالوكتة: أنها تزين المرآة البيضاء كما يزين الحال (١) الوجه الحسن فشبه الوكتة بالخال والله أعلم. وقوله: فضلت بها أنت وأمتك، يريد تخصيصهم بها دون أهل الكتابين. وقوله: اليهود والنصارى بدل البعض من الكل لأن هاتين الطائفتين بعض الناس. "والمزيد": مفعل من الزيادة تقول: زاد يزيد زيادة وزيدًا. "والفردوس": اسم من أسماء الجنة وهو البستان. قال الفراء: هو عربي، وكرم مفردس، أي معرش، وقد جاء في التفسير أن الفردوس حديقة في الجنة، وأهل السلام يسمون الكرم والبساتين، الفراديس، وقيل: إن اللفظة رومية عربت. "والأفيح": الواسع. "والكثب": جمع كثيب وهو ما اجتمع من الرمل مرتفعًا. وأما الاستواء على العرش فالمسلمون فيه مختلفون، والذي ذهب إليه أهل السنة والجماعة فيه مذهبان: أحدهما: أنهم أجروا هذه اللفظة على ظاهرها مجرى غيرها من آيات الصفات وأحاديثها، فلا يؤلونها، وقالوا: الاستواء صفة من جملة صفات الله

стр. 785

- لا يعلم ما هو وينفى عنه التشبيه والاستقرار الذي هو من صفات الإسلام، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرا، هذا مذهب كثير من صالحي السلف وأكثر المحدثين رحمة الله عليهم، أمروا الآيات والأحاديث على ظاهرها هربًا من الوقوع فيما لا يعلمون عاقبته ولا يتحققون معيته وسلوكًا في طريق السلامة من الزيغ والزلل، وهذا وإن كان طريقًا صالحة ومحجة سالمة فإن راكبها يدَّرع من التضرر جلبابًا، ويستمطر من التقليد سحابًا قانعًا بالوقوف عند أصحاب اليمين، راضيًا بالتأخر عن مقامات السابقين، ولعمري قد قال فضلاً وحاز من التوفيق حظًّا. وأما المذهب الثاني: وهو الذي صار إليه المحققون من أهل الإيمان الفائزون بالرضوان فإنهم اعتبروا الآيات والأخبار الواردة فما جاز إطلاق ظاهره على الله وما دلت عليه أوضاع اللغة العربية أجروه بظاهره ولا يحتاجون فيه إلى تأويل لاستمراره في منهج الصحة والصدق وما لم يجز إطلاق ظاهره على الله لقيام الدليل على استحالة إطلاق ظاهره عليه أولوه تأويلًا تقتضيه اللغة العربية وقد اطردت العادة بمثله فرارًا من إطلاق ظاهره عليه ما لا يجوز إطلاقه على الله فقالوا في الاستواء: أنه بمعنى الاستيلاء والقدرة عليه وقد أطلق أهل اللغة الاستواء بهذا المعنى في غير الآية، وإنما خص الاستيلاء بالعرش لأن العرش أعظم الموجودات وهو محيط بالكرسي الذي وسع السموات والأرض، وإذا أضاف الاستيلاء إلى أعظم موجوداته كان ما دونه أولى بالاستيلاء. هذا ما قاله الراسخون في العلم الذين أخبر الله عنهم أنهم هم الذين يعلمون تأويل كتابه فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (١).

стр. 786

وأما ما ذهب إليه طوائف المشبهة والمجسمة في أمثال هذه الآيات والأخبار من التشبيه والتجسيم حتى قالوا: إن الاستواء على العرش هو القعود عليه والاستقرار كما تستقر الأجسام بعضها على بعض فالله منزه عن هذه الأقوال المفتراه والآراء الفاسدة التي تفضي بقائلها إلى سواء الجحيم، نسأل الله العصمة والتوفيق في القول والعمل، وأن يهدينا سواء السبيل (١). وأخبرنا الشافعي، أخبرني إبراهيم بن محمد قال: أخبرني أبي أن ابن المسيب قال: أحب الأيام إليَّ أن أموت فيه ضحى يوم الجمعة". إنما أختار الموت فيه: لشرفه وفضله على باقي الأيام كما تقدم ذكره. واختار ضحاه: لاجتماع الناس لصلاة الجمعة فيصلون عليه، إذ ربما لا يجتمع له من الناس ما يجتمع يوم الجمعة، حيث الباعث لهم على الاجتماع إنما هو صلاة الجمعة فيحظى بثواب صلاتهم عليه وعليهم له، وكان القياس أن يقول: وأحب الأيام أن أموت فيه يوم الجمعة حتى يكون الخبر مطابقًا، وإنما قال: ضحى يوم الجمعة لأنه لو قال يوم الجمعة لجاز أن يكون بعد الصلاة فتفوته فضيلة المصلين عليه.

стр. 787

الفرع الثاني في وجوبها وإثم تاركها أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم بن محمد، قال حدثنا [سلمة] (١) بن عبد الله الخطمي، عن محمد بن كعب أنه سمع رجلاً من بني وائل يقول: قال النبي ﷺ : "تجب الجمعة على كل مسلم إلا امرأة أو صبيًّا أو مملوكًا". هكذا رواه الربيع: سلمة بن عبد الله. ورواه المزني عن الشافعي: سلمة بن عبيد الله. وهذا الحديث وإن كان مرسلًا فله شواهد يقوى بها. فقد أخرج أبو داود في "السنن" (٢) عن عباس بن عبد العظيم، عن إسحاق بن منصور، عن هريم، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن النبي ﷺ قال: "الجمعة حق واجب على كل مسلم

стр. 788

في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض". قد روى أبو العباس الأصم: عن محمد بن إسحاق الصغاني، عن يحيى بن بكير المصري، عن مفضل بن فضالة، عن عياش بن عباس، عن بكير بن عبد الله الأشج، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، عن حفصة -زوج النبي ﷺ عن النبي ﷺ أنه قال: "رواح يوم الجمعة على كل محتلم، وعلى من راح إلى الجمعة غسل". وهذا حديث حفصة أخرجه أبو داود (١) والنسائي (٢). "الوجوب": قد تقدم وإنه وأنه والفرض سواء عند الشافعي وفرق بينهما أبو حنيفة. "والجمعة": قد ذكرنا أنه اسم اليوم فيكون هاهنا مضاف محذوف تقديره: تجب صلاة الجمعة. وإنما نصب "امرأةً، وصبيًّا، ومملوكًا" لأنه استثناء من موجب كما تقول: مررت على القوم إلا زيدًا. وأما في حديث أبي داود: فإنما رفع لأنه لما قال: "إلا أربعة" فجعلها المستثنى ونصبها استأنف تفصيل الأربعة ورفعها لذلك. "والرواح": هاهنا أراد به الذهاب والمضي، لأن المضي إلى صلاة الجمعة إنما يكون قبل الزوال، والرواح إنما يكون بعد الزوال. ويجوز أن يكون أراد الحقيقة في الرواح، لأن صلاة الجمعة إنما تكون بعد الزوال وهو وقت وجوب المضي إليها وذلك هو الرواح حقيقة.

стр. 789

والذي ذهب إليه الشافعي: أن صلاة الجمعة فرض على كل مكلف حر ذكر مقيم صحيح. وهذه الشرائط معتبرة في الوجوب والانعقاد لا الصحة، فإن الصحة (١) تنعقد بالمريض. وقد حكى بعض أصحاب الشافعي: أنها عند الشافعي فرض على الكفاية، كقول الشافعي: ومن وجب عليه الجمعة وجب عليه صلاة العيدين. وغلط الراوي في ذلك، فإن الشافعي إنما أراد أن الخاطب بهذه مخاطب بهذه. وقد استثنى في هذا الحديث "المرأة، والصبي، والمملوك" وزاد في حديث أبي داود "المريض" ولم يتعرض للمسافر. وعلى هذا القول كثر الفقهاء، فقد أوجبها داود على العبد والمسافر. وجه الخلاف: أن خبر الواحد إذا ورد بالتخصيص فهل يخص عموم القرآن أم لا؟ فيه خلاف بن الأصوليين، هذا إذا قلنا العبد يدخل مع الحر في الخطاب، فأما إذا لم نقل بذلك فلا يكون هاهنا عموم عارضه خبر واحد، والعموم هو قوله الله : ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٢). هذا خطاب عام لكل الناس والاستثناء بالعبد، والصبي، والمملوك خاص في خبر الواحد. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم، قال حدثني عبد العزيز ابن عمر بن عبد العزيز، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة: "قال لكل قرية فيها أربعون رجلاً فعليهم الجمعة".

стр. 790

هذا الأثر عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وهو من كبار التابعين وأحد الفقهاء السبعة المشهورين (١)، وبه أخذ الشافعي في انعقاد الجمعة: أنها لا تنعقد إلا بأربعين رجلًا ممن استكمل الأوصاف التي ذكرناها قبل هذا. وبه قال عمر بن عبد العزيز، ومالك، وأحمد. وقال ربيعة: ينعقد باثني عشر رجلًا. وقال الحسن بن صالح: ينعقد باثنين. وقال الأوزاعي، وأبو يوسف: ينعقد بثلاثة. وقال أبو حنيفة، والثوري، ومحمد بن الحسن: ينعقد بأربعة. ومعنى قوله: "فعليهم الجمعة" أي: فيجب عليهم صلاة الجمعة. قال الشافعي: ولا كانت الجمعة واجبة احتملوا (٢) أن تكون تجب على كل مصل بلا وقت عدد مصلين، وأين كان المصلي من منزل مقام وظعن. ولم نعلم خلافًا في أن لا جمعة إلا في دار مقام، ولم أحفظ أن الجمعة تجب على أقل من أربعين رجلًا، وسمعت عددًا من أصحابنا يقولون: تجب الجمعة على أقل من أربعين رجلًا. وسمعت أهل دار مقام إذا كانوا أربعين رجلًا؛ وكانوا أهل قرية فقلنا به وكان أقل ما علمناه قيل به ولم يجد عندي أن أدع القول به وليس خبر لازم يخالفه، وقد روي "أن النبي ﷺ كتب إلى أهل قرى عربية أن يصلوا الجمعة والعيدين". وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي الكندي: انظر كل قرية أهل قرار ليسوا هم بأهل عمود ينتقلون فأمّر عليهم أميرًا ثم مرهم فليجمع بهم.

стр. 791

وقال الليث بن سعد إن أهل الإسكندرية ومدائن مصر ومدائن سواحلها كانوا يجمعون الجمعة على عهد عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان بأمرهما. وسئل ابن عمر عن القرى التي بين مكة والمدينة ما ترى في الجمعة؟. قال: نعم إذا كان عليهم أمير فليجمع. قال الشافعي في القديم: وقال بعض الناس: لا يجوز الجمعة إلا في مصر جامع. قال: ولا ندري ماحد المصر الجامع عنده أهل القرى العظام أو القرى التي لا تفارق كما قلنا؟ فقال: بل هي القرى العظام. قيل: فقد جمع الناس في القرى التي بين مكة والمدينة على عهد السلف وبالربذة على عهد عثمان، وإنما رأينا الجمعة وضعت عن المسافر وأهل البدو، فأما أهل القرى فلم يوضع عنهم. وروى عن جابر أنه قال: "مضت السنة في كل أربعين فما فوق ذلك جمعة وفطر وأضحى. وقد أخرج الشافعي: عن إبراهيم بن محمد، عن عبد الله بن يزيد، عن سعيد بن المسيب أنه قال: "تجب الجمعة على من سمع النداء". قال الشافعي: وكان سعيد بن زيد وأبو هريرة يكونان بالشجرة على أقل من ستة أميال ويشهدان الجمعة ويدعانها. وكان روى أن أحدهما كان يكون بالعقيق فيترك الجمعة ويشهدها. وكان يروى أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان على ميلين من الطائف فيشهد الجمعة ويدعها وذلك لأنهم كان لا يبلغهم النداء من المدينة. قال الشافعي: ومن خرج من المصر فكان يؤويه الليل إلى أهله إذا انصرف

стр. 792

إليهم من الجمعة أحببت له شهودها. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني صفوان بن سليم، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "من ترك الجمعة من غير ضرورة كتب منافقًا في كتاب لا يمحى ولا يبدل". وفي بعض الحديث: "ثلاثًا". "الضرورة": ما يكون مبيحًا لترك الجمعة، وقد تقدم في "باب الجمعة" ذكر الأعذار التي تبيح ترك الجماعة والجمعة، وسيجيء ذكر شيء منه في الفرع الثالث. ويريد "بالكتاب الذي لا يمحى ولا يبدل": ما يكتبه الحفظة الكرام والكاتبون من أعمال العباد خيرها وشرها. يريد بقوله "ثلاث" جمع. "والمنافق": معروف وهو الذي يظهر الإسلام ويبطن خلافه وقد تقدم ذكره. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني محمد بن عمرو، عن عبيدة بن سفيان الحضرمي، عن أبي الجعد الضمري، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يترك أحد الجمعة ثلاثًا تهاونًا بها إلا طبع الله على قلبه". قال الشافعي: في بعض الحديث ثلاثاً. هذا الحديث أخرجه أبو داود (١)، والترمذي (٢)، والنسائي (٣). فأما أبو داود: فأخرجه عن مسدد، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن

стр. 793

عمرو [بلفظ أبي داود] (١). وفي الباب عن ابن عمر وسمرة (٢). "التهاون": تفاعل من الهوان وهو الذل والاستحقار وهو منصوب لأنه مفعول له، أي: تركها المتهاون بها. "والطبع": أخو الختم والطابع والخاتم وقد تكسر الباء والتاء فيهما لغة، والطبع على القلب كناية عن سده عن دخول الإيمان ووصول الحق إليه ومنه قول الله : ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (٣) و ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (٤) أي أغلقها فلا تدخلها الموعظة وإن دخلت فلا تعيها؛ تشبيها بالشيء الذي يختم عليه بعد الشد زيادة في الاغلاق والايكاء. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم، عن صالح بن كيسان، عن عبيدة بن سفيان قال: سمعت عمرو بن أمية يقول: لا يترك رجل مسلم الجمعة ثلاثًا تهاونًا بها لا يشهدها إلا كتب من الغافلين. قوله: "لا يشهدها" أي: لا يحضرها، شهد فلان البلد إذا حضر فيه. "والغافلون": يريد بهم الغافلين عن ذكر الله واتباع أوامره والمسارعة إليها، والمطرحين لها المتهاونين بها. والاستثناء في قوله "إلا كتب" من قوله "لا يترك". وقوله: "لا يشهدها" في موضع الحال، التقدير: لا يتركها غير شاهد لها. "ولا" في هذه الحديث والذي قبله نافية.

стр. 794

الفرع الثالث في تركها للعذر ومن لا تجب عليه أخبرنا الشافعي ﵁ قال: أخبرنا مالك وسفيان، عن صفوان ابن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم". هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة إلا الترمذي. فأما مالك (١): فأخرجه إسنادًا ولفظًا. وأما البخاري (٢): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك. وأما مسلم (٣): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك. وأما النسائي (٤): فأخرجه عن قتيبة، عن مالك. "المحتلم": الذي رأى الحلم في منامه، ويريد في هذا الحديث البالغ من الرجال البلوغ الشرعي إما برؤية الماء، أو باستكمال خمس عشرة سنة. وإنما أطلق لفظة الاحتلام: لأنه البالغ من أحوال البالغين، ولأنه الأمارة المشترك في معرفتها كل أحد. وفي رواية مسلم "الغسل يوم الجمعة".

стр. 795

ورواية الشافعي "غسل يوم الجمعة" وهي أظهر يياناً لأنه أضاف الغسل إلى اليوم فكان مخصوصًا به وليس غسلاً مطلقًا، فكأنه اعتبر فيه الاختصاص به والنية فيه. فأما إطلاق الغسل فلا فإنه لو اغتسل يوم الجمعة ولم ينو أنه اغتسل لصلاة الجمعة لم يجزئه مع أنه غسل حقيقي. والذي ذهب إليه الشافعي: أن غسل الجمعة سنة مؤكدة وليس بواجب، وبه قال جمهور العلماء إلا ما حكي عن الحسن البصري: أنه واجب. وحكي أيضًا عن داود وأهل الظاهر أخذا بهذا الحديث. ومن لم يقل صرف معنى الوجوب إلى الثبوت بدليل حديث سمرة بن جندب أنه قال: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل" (١). بدليل إجماع الصحابة والعلماء على أنه إذا صلى يوم الجمعة ولم يغتسل أجزأه. قال الشافعي: احتمل قوله "واجب" أنه واجب لا يجزئ غيره، وواجب

стр. 796

على الاختيار وفي النظافة، ونفي تغير الريح عند اجتماع الناس، كما يقول الرجل للرجل: وجب حقك عليَّ إذ رأيتني موضعًا لحاجتك وما أشبه هذا، فكان هذا أولى معنييه به لموافقة ظاهر القرآن في عموم الوضوء من الأحداث وخصوص الغسل من الجنابة، والدلالة عن رسول الله ﷺ في غسل الجمعة أيضًا. ثم ذكر حديث عمر وعثمان لما جاء عثمان يخطب ولم يكن اغتسل. وسيجيء الحديث في هذا الفرع -إن شاء الله تعالى-. فأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "من جاء منكم الجمعة فليغتسل". هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة إلا أبا داود. فأما مالك (١): فأخرجه عن نافع، عن ابن عمر وقال: "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل". وأما البخاري (٢): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك. وأما مسلم (٣): فأخرجه عن يحيى بن يحيى ومحمد بن رمح وقتيبة، عن الليث، عن نافع. وأما الترمذي (٤): فأخرجه عن أحمد بن معين، عن سفيان. وأما النسائي (٥): فأخرجه عن قتيبة، عن مالك. وفي الباب عن جابر، والبراء بن عازب، وأبي الدرداء، وعائشة. وفي رواية الشافعي: "من جاء منكم" وفي رواية مالك "إذا جاء أحدكم".

стр. 797

ورواية الشافعي: أبلغ لأن قوله "من جاء منكم فليغتسل" شرط وجزاء فهو يتناول كل جاءٍ. وأما "إذا جاء" وإن أعطى معنى الشرط فليس بشرط حقيقي. وقوله: "فليغتسل" أمر وهو مجزوم لأنه جواب الشرط؛ وهو أبلغ في الدلالة على ثبوت الغسل وتقريره والحث عنه. وقد أخرج الشافعي هذه الرواية عن مالك في القديم. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عمرة، عن عائشة قالت: "كان الناس عُمّال أنفسهم فكانوا يروحون بهيآتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم". هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي. فأما البخاري (١): فأخرجه عن عبدان، عن عبد الله [عن] (٢) يحيى بن سعيد أنه سأل عمرة عن الغسل يوم الجمعة؟ فقالت: قالت عائشة: "كان الناس مهنة أنفسهم وكان إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هيئتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم". وأما مسلم (٣): فأخرجه عن محمد بن رمح، عن الليث، عن يحيى بن سعيد بالإسناد قالت: "كان الناس أهل عمل لم يكن لهم كفاة فكانوا يكون لهم التفل فقيل لهم: لو اغتسلتم يوم الجمعة". وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن مسدد، عن حماد بن زيد (٥) عن يحيى بن سعيد بالإسناد قالت: "كان الناس مُهَّان أنفسهم" ... الحديث.

стр. 798

وأما النسائي (١): فأخرجه عن محمود بن خالد، عن الوليد، عن عبد الله ابن العلاء، عن القاسم بن محمد "أنهم ذكروا غسل يوم الجمعة عند عائشة فقالت: إنما كان الناس يسكنون العالية فيحضرون الجمعة وبهم وسخ، فإذا أصابهم الروح سطعت أرواحهم فيتأذى به الناس، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "أولاً يغتسلون". وقد أخرج البخاري (٢) ومسلم (٣) نحو هذه الرواية أيضاً. قوله: "عمال أنفسهم" تريد أنه لم يكن لهم غلمان يكفونهم للعمل فكانوا يباشرون أعمالهم بأنفسهم. وقوله: "كانوا يروحون بهيآتهم" تريد يمضون إلى الجمعة بهيئتهم التي عليهم في العمل. "والهيئة": الحال التي يكون الإنسان عليها. وقوله: "لو اغتسلتم" من ألطف الخطاب وأجمله وذلك أنه أورده في معرض التعريض لا الأمر والحكم، وذلك أدعى إلى ميل النفوس وأسرعهم إلى قبوله. "والمهنة": جمع ماهن وهو الخادم فمثل: كاتب وكتبة والمُهَّان كذلك مثل: كاتب وكُتَّاب. "التفل": الرائحة الكريهة وهو في الأصل الذي لم يتطيب. "والعالية": واحده العوالي وهي أماكن قريبة من المدينة. "والرَّوح": (بفتح الراء) نسيم الريح. "وسطعت الريح": إذا هبت هبوبًا تعريًا. "والأرواح": جمع ريح، وقد يقال فيه: أرياح على غير قياس وقوله في رواية النسائي "إنما كان الناس يسكنون العالية يدل على أنهم لما ذكروا عندها

стр. 799

غسل الجمعة يكونون قد قالوا إنه واجب، فقالت هي: إنما كانوا يسكنون العالية فذكرت علة الغسل والسبب الذي من أجله ذكر الغسل وندب إليه. وقوله في هذه الرواية "أولاً تغتسلون" أورده بلفظ الاستفهام الذي يتضمن التوبيخ والتقرير ليكون أحسن عندهم في مواقع الخطاب. وهذه الأحاديث الثلاثة جاءت في المسند متتابعة في كتاب "اختلاف الأحاديث" لأن الأول والثاني يدلان على وجوب الغسل بلفظ العموم، والثالث من ذلك المطلق وخصص ذلك العام بذكر سبب الغسل. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم قال: "دخل رجل من أصحاب النبي ﷺ المسجد يوم الجمعة وعمر بن الخطاب يخطب فقال عمر: آية ساعة هذه؟. فقال: يا أمير المؤمنين، انقلبت من السوق فسمعت النداء فمازدت على أن توضأت" فقال عمر: الوضوء أيضًا وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل؟! ". وفي نسخة: "يأمرنا". هكذا أخرجه الشافعي مرسلًا في كتاب "الطهارة" (١) وفي كتاب "الرسالة" (٢) وأخرجه أيضًا في كتاب "الرسالة" (٣) مسندًا قال: أخبرنا الثقة، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه مثل حديث مالك وسمى الداخل يوم الجمعة بغير غسل: عثمان بن عفان. وهو حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة إلا النسائي.

стр. 800

فأما مالك (١): فأخرجه في الموطأ هكذا مرسلاً. وأخرجه في غير الموطأ مسندا عن سالم، عن أبيه (٢). وأما البخاري (٣): فأخرجه عن عبد الله بن محمد بن أسماء، عن جويرية، عن مالك، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر: " أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب النبي ﷺ " وذكر الحديث وقال فيه: والوضوء أيضاً -بواو-. وأما مسلم (٤): فأخرجه عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه وذكر الحديث. وفي أخرى عن إسحاق بن إبراهيم، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: "بينما عمر بن الخطاب يخطب الناس يوم الجمعة، إذ دخل عثمان بن عفان فعرَّض به عمر فقال: ما بال رجال يتأخرون بعد النداء فقال عثمان: يا أمير المؤمنين، ما زدت حين سمعت النداء أن توضأت وأقبلت. فقال عمر: والوضوء أيضًا ألم تسمعوا أن رسول الله ﷺ يقول: "إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل". وأما أبو داود (٥): فأخرجه عن أبي توبة: الربيع بن نافع، عن معاوية، عن يحيى، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة وذكر الحديث.

стр. 801

وأما الترمذي (١): فأخرجه عن محمد بن أبان، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري قال: حدثني آل عبد الله بن عمر، عن [عبد الله] (٢) بن عمر (٣) وذكره. وفي الباب عن جماعة من الصحابة. "أية": تأنيث أي، وهي اسم يُستفهم به تقول: أي شخص هو هذا، وأية امرأة هي هذه. "والساعة": اسم جزء من الزمان مخصوص، وترد على أنحاء، أحدها: أنها تطلق على من أربعة وعشرين جزءًا من مجموع اليوم والليلة، فإذا قيل: قد مضى ساعة الزمان، فإنما يعنون انقضاء هذا الجزء المذكور، وتارة تطلق مجازًا على جزء ما غير مقدم من الزمان ولا يتحقق، وتارة تطلق على الوقت الحاضر. ولأرباب النجوم والهندسة وضع آخر خاص، وذلك أنهم يقتسمون كل نهار وكل ليلة باثني عشر قسماً، سواء كان النهار طويلًا أو قصيرًا وكذلك الليل، ويسمون كل قسم من هذه الأقسام ساعة، وعلى هذا التقدير تكون الساعة تارة طويلة وتارة قصيرة، على قدر قصر النهار وطوله، ويسمون هذه الساعات: الساعة المعوجة، وتلك الأولى: الساعات المستقيمة. "والانفلات": الرجوع من حيث جاء وهو انفعال من: قلبت الشيء أقلبه إذا ثنيته أو رددته. "والنداء": أراد به أذان يوم الجمعة، ويدل عليه قوله في الرواية الأخرى: "أن سمعت التأذين". وقوله: "فما زدت على أن توضأت" يعني أني لم أعمل عملًا بعد أن

стр. 802

سمعت النداء إلا الوضوء؛ لأن الوقت قد ضاق أن أشغله بعمل آخر. "فقال عمر: الوضوء أيضًا" وقد روي بالواو فإثبات الواو يفيد العطف على الإنكار الأول، لأنه أراد بقوله: "أية ساعة هذه" التعريض بالإنكار عليه والتوبيخ على تأخر المجيء إلى الصلاة، وترك السبق إليها في أول وقتها. وهذا من أحسن التعريضات وأرشق الكنايات، ثم إنه لما علم عثمان مراد عمر من سؤاله عن الساعة، اعتذر بأنه لما سمع النداء لم يشتغل بغير الوضوء، فقال له: ألم يكفك أنك أخرت الوقت وفوت تمسك فضلية السبق، حتى أتبعت التقصير الأول بتقصير ثان، وهو ترك الغسل والقنوع بالوضوء فتكون هذه الجملة المبسوطة مدلولًا عليها بتلك اللفظة المقبوضة، وهي معطوفة على الجملة الأولى. وأما مع حذف الواو فتكون إن صحت به الرواية، إما لأنه مبتدأ وخبره محذوف تقديره: الوضوء عذرك أو كفايتك في هذا المقام، أو لأنه خبر مبتدأ محذوف عذرك وكفايتك الوضوء، ويجوز أن يكون الوضوء منصوبًا بإضمار فعل تقديره: الوضوء وحده، أو توضأت , ويعضده قوله: "وقد علمت رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل" وتكون هذه الجملة حالاً منه والعامل فيها الفعل المقدر، ويكون العامل في الحال مع الرفع ما دل عليه مجموع الجملة المقدرة. وقوله: "أيضًا" منصوب لأنه مصدر آض يئيض أي عاد ورجع، قاله ابن السكيت، تقول: فعلت ذلك أيضًا إذا كنت قد فعلته بعد شيء آخر، كأنك أفدت بذكرها الجمع بين الأمرين أو الأمور. وفي بعض الروايات "كان يأمر" وفي أخرى "كان يأمرنا". وقد أشرنا فيما سبق من الكتاب أن قول الراوى: كنا نفعل، وكنا نؤمر، وكان يأمرنا ونحو ذلك هو من ألفاظ رواية الحديث وبينا ذلك بياناً شافيًا فلا حاجة إلى إعادته، إلا أن بين يأمر ويأمرنا فرقًا دقيقًا وذلك أن في قوله:

стр. 803

"يأمرنا" زيادة حجة لعمر تؤيد ما أنكره على عثمان؛ لأنه إذا أخبر عن نفسه أنه كان يأمره مع غيره كان آكد من قوله: "يأمر" لجواز أنه يكون قد أمر غيره بحكم يختص بالمأمور لم يقف عليه عمر، أو لأنه لم يسمعه من النبي ﷺ وسمعه من غيره، ولأن قوله: "يأمرنا" يقتضي ظاهره وصريحه أن الأمر لجميع الصحابة وأن الحكم عام لجميع الأمة، وليس كذلك قوله: "يأمر" لأنه لم يدل صريح اللفظ على العموم، فأما مع قوله "يأمرنا" فإن هذه الاحتمالات لا تتجه. "والمهاجرون الأولون": هم الذين سبقوا الناس بالهجرة والفرار بدينهم من أذى المشركين، ومن أجلهم بدرا هذا الداخل يومئذ إلى المسجد وهو عثمان بن عفانة، لأنه هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة وفي رواية أبي هريرة "ما بال رجال يتأخرون بعد النداء". وهذا تعريض أيضًا إلا أنه أفصح من الأول وأوضح ظهورًا، والأول ألطف وآدب، وذلك أن الأول لم يتعرض فيه لذكر الذنب الموجب للتوبيخ، وهاهنا صرح به وهو التأخر عن الصلاة بعد النداء، لكنه لما صرح فيه عرض بالمخاطب ولم يصرح باسمه، وذلك من أحسن ألفاظ الخطاب وأشرف العبارة التي ندب الشرع إليها ونبهت السنة عليها في غير موضع. "وهو" في قوله: "ما هو إلا أن سمعت النداء" ضمير الشأن والقصة، التقدير: ما الأمر والحال إلا أن سمعت النداء وتوضأت، ففي هذه الرواية زيادة بيان وحصر لإقامة العذر لأنه بقي ثم استثنى، فانحصر القول بذلك في بقي جميع الأشغال والأعمال وقصرها على الوضوء خاصة، ولذلك عطف الفعل بالفاء أي: لم يتخلل بين سماع النداء والوضوء زمان. وقوله: ألم تسمعوا أن رسول الله ﷺ يقول: "إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل".

стр. 804

هو ألد وأدل على الحكم المطلوب والإنكار من وجوه: -أحدهما: ذكر الحديث بالسماع من النبي ﷺ -وهو أبلغ طرق روايات الحديث. والثاني: أنه جعل الحديث مسموعًا للمخاطبين من الصحابة الذين استشهد بهم. والثالث: أنه ذكره بهمزة الاستفهام التي معناها التقرير والتثبت، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (١). وأمثاله في القرآن العزيز كثير. والرابع: أنه جاء بلفظ الحديث بصيغة الأمر وهي قوله "فليغتسل". والخامس: أنه أورد لفظ الأمر بفاء التعطيف فقال: "إذا جاء أحدكم فليغتسل" وكل هذه المعاني مما يوضح البيان ويحقق العرفان. وقد ذكرنا المذهب في حكم وجوب الغسل واستنانه ونزيده هاهنا بيانا: وإنما يستحب الغسل لمن أراد صلاة الجمعة، فأما من لم يردها أو لم تجب عليه فلا. وقال أبو ثور: يستحب له، والمرأة إن حضرت استحب لها الغسل. وقال أحمد: لا يستحب لها. ووقت الغسل: بعد طلوع الفجر من يوم الجمعة، وكلما قرب إلى وقت الصلاة كان أفضل. وفي الحديث دليل: على أن غسل الجمعة غير واجب لأن مثل عثمان وقدمه في الإسلام وعلمه ودينه ما كان يترك واجبًا عليه، ولأنه لو كان واجبًا لأمره عمر بالرجوع والاغتسال وفي سكوته عن ذلك والصحابة متكاثرون دليل على أنه غير واجب.

стр. 805

قال الشافعي: فلما علمنا أن عمر وعثمان علما أمر رسول الله ﷺ بغسل يوم الجمعة، ولم يغتسل عثمان ولم يخرج ليغتسل (١) ولم يأمره عمر بذلك ولا أحد ممن حضرها من أصحاب رسول الله ﷺ ، دل هذا على أن عمر وعثمان قد علما أمر النبي ﷺ بالغسل على الأحب لا على الإيجاب. وكذلك -والله أعلم- من سمع مخاطبة عمر وعثمان مثل عَلِمَ عِلْم عمر وعثمان -والله أعلم. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن ابن السباق أن النبي ﷺ قال في جمعة من الجمع: "يا معشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله عيدًا للمسلمين فاغتسلوا، ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه وعليكم بالسواك". هكذا أخرجه البيهقي (٢) ولا يصح وصله، والذي صح عن أبي هريرة هو غير هذا الحديث، ونحويين هذا رواه سعيد المقبري، عن أبيه، عن ابن وديعة، عن سلمان الفارسي. "والعيد": معروف وأصله الواو للزومها في التصرفة، لأنه في التصرف من عاد يعود وجمعه أعياد، وإنما جمعوه بالياء وأصله الواو لثبوتها في الواحد. وقيل: الفرق بينه وبين أعواد جمع عود. وقوله: "فلا يضره" نفي يتضمن إباحة وندبًا وتقريعًا، ومثله: أتك إذا كنت تتوقع من إنسان إحسانًا وهو متوقف في إيصاله إليك فإنك تقول له: لا يضرك أن تحسن إلي فهذا فيه نفي للضرر عنه مع مباشرته الإحسان، وندب إلى كرم الأخلاق بإسداء المعروف، وتقريع له على تركه ما لا يضره مع ما فيه من الخلق الجميل والصنيع الحسن. وقوله: "وعليكم بالسواك" تحريض عليه وندب إليه وفيه لغتان تقول:

стр. 806

عليك زيدًا وعليد يزيد، فالنصب لأنه ضمن على معنى خذ وما يجري مجراه، والجر لظهور حرف الجر مع اتحاد المعنى. وقد اشتمل هذا الحديث من سنن الجمعة على ثلاث: وهي الغسل والطيب والسواك. ومن الجمعة لبس أحسن ثيابه وحلق الشعر وتقليم الأظفار وقطع الروائح الكريهة عن بدنه، والمشي إلى الصلاة راجلًا والثاني: في المشي والتبكير. وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب رأى حُلة سيراء عند باب المسجد فقال: يا رسول الله، لو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة والوفود إذا قدموا عليك. فقال رسول الله ﷺ : "إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة". ثم جاء رسول الله، منها حلل فأعطى عمر منها حلة فقال عمر: يا رسول الله كسوتنيها وقد قلت في حلة عطارد ما قلت؟. فقال رسول الله ﷺ : "لم أكسكها لتلبسها" فكساها عمر أخًا له مشركًا بمكة. هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة إلا الترمذي. فأما مالك (١): فأخرجه إسنادًا ولفظًا. وأما البخاري (٢): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف. وأما مسلم (٣): فأخرجه عن يحيى بن يحيى. وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن القعنبي. وأما النسائي (٥): فأخرجه عن قتيبة.

стр. 807

كلهم عن مالك بالإسناد وكلهم قال: والوفد. والشافعي قال: والوفود (١). "الحلة" من الثياب: واحد الحلل وهي برود اليمن، والحلة إزار ورداء من جنس واحد ولا تسمى حلة حتى تكون ثوبين. والسيراء (بكسر السين وفتح الياء والمد): البرد إذا كان فيه خطوط صفر. وقال الأزهري: السيراء: برد يخالطها إبريسم. "والوفود": جمع وفد والوفد جمع وافد: وهو الذي يقدم على الإنسان رسولاً أو زائرًا أو منتجعًا أو مسترفدًا، تقول: وفد فلان على الأمير إذا ورد عليه رسولاً، وأوفدته إلى الأمير أرسلته. "الخلاق": النصيب. "وعطارد" المذكور في الحديث هو رجل من الصحابة واسمه عطارد بن جاجب بن زرارة التميمي، وذلك على النبي ﷺ في وجوده من قومه فأسلموا وكان حلة سيراء (٢) فأراد بيعها فقال النبي ﷺ لما قال له عمر: لو ابتعتها فلبستها. فقال له: "إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة". وإنما عدل النبي ﷺ في جواب عمر إلى هذا القول: تنبيها على السبب المانع من لبسها وهو انتفاء نصيب لابسها من الآخرة، فذكر الجواب مفصحًا فيه بذكر السبب وهو جواب عن سؤال مقدر، كأنه قال لعمر أولاً: لا أشتريها وكأن عمر قد قال له بعد ذلك: لأي سبب يُمتنع من شرائها؟ فقال له: لأن لابسها لا خلاق له في الآخرة. فذكر ما استغني به عن الجواب الأول وعن السؤال الثاني مع ما فيه من ذكر السبب المانع.

стр. 808

وفي قوله ﷺ لعمر: "لم [أكسكها] (١) لتلبسها" يوهم ظاهره تناقضًا لأن الكسوة هي اللباس، فكأنه قال: لم أكسها لتكسيني بها أو لم ألبسكها لتلبسها, وليس الأمر كذلك فإنه إذا قال: كسوتك ثوبًا إنما يريد به أنه جعله له كسوة، وقد يكون للإنسان ملابس -ثياب- معدة للبسه وقد لا يلبس بعضها ويطلق عليها اسم الكسوة، ولذلك قول النبي ﷺ لعمر: أي لم أجعلها لك كسوة لتلبسها، إنما أردت بها إيثارك وتخصيصك وتمليكك لها. والذي ذهب إليه الشافعي: وأحب ما يلبس إلى البياض فإن جاوزه فعصب اليمن والقطري. "وعصب" اليمن: هو البرود المخططة يصبغ غزلها وينسج باليمن والعصب الفعل نفسه. "والعصاب": الغزال الذي يبيع الغزل. "والقطري": منسوب إلى موضع بين عمان وسيف البحر يقال له: قطر تغير في النسبة فكسرت قافه فسكنت طاؤه، ويجلب منه ثياب حمر لها أعلام فيها بعض الخشونة. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا ابن علية، عن شعبة عن عمرو بن مرة، عن زاذان قال: سأل رجل عليًّا عن الغسل؟ قال: اغتسل كل يوم إن شئت. فقال: الغسل الذي هو الغسل. فقال: يوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم الفطر. هذا حديث حسن إلى (٢) سأله عن الغسل مطلقًا أجابه مطلقًا فقال: "اغتسل كل يوم إن شئت" ولم يكن أراد الغسل المطلق، إنما أراد الغسل المسنون فلذلك قال له: "الغسل الذي هو الغسل" أي الغسل المعروف المندوب إليه الشرعي الذي

стр. 809

ينبغي أن يسأل عنه، فأجابه حينئذٍ بقوله: يوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم الفطر. وهذه أغسال مسنونة ولكل واحد منها موضع يرد فيه. ويوم الجمعة: منصوبة على الظرف وكذلك ما بعده. والتقدير: الغسل الذي يسأل عنه هو يوم الجمعة ويوم كذا، ويوم كذا أي يوم الجمعة. ***

стр. 810

الفرع الرابع في التبكير إلى الجمعة والمشي إليها أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس على منازلهم الأول فالأول؛ فإذا خرج الإمام طويت الصحف واستمعوا الذكر؛ والمهجر إلى الصلاة كالمهدي بدنة، ثم يليه كالمهدي بقرة؛ ثم الذي يليه كالمهدي كبشًا، حتى ذكر الدجاجة والبيضة". وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن سمي، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر". هكذا أخرج الشافعي هاتين الروايتين في كتاب "الجمعة" (١)، وقد أخرج بعض الرواية الأولى في كتاب "الأمالي" إلى قوله: على أبواب المسجد ثم قال وذكر الحديث. فقال الشافعي -في رواية حرملة والمزني-: قد خالف سفيان في هذا الحديث ابن أبي ذئب، وإبراهيم بن سعد قالا: أخبرنا الزهري، عن أبي عبد الله
следующие страницы →