عليك زيدًا وعليد يزيد، فالنصب لأنه ضمن على معنى خذ وما يجري مجراه، والجر لظهور حرف الجر مع اتحاد المعنى.
وقد اشتمل هذا الحديث من سنن الجمعة على ثلاث: وهي الغسل والطيب والسواك.
ومن الجمعة لبس أحسن ثيابه وحلق الشعر وتقليم الأظفار وقطع الروائح الكريهة عن بدنه، والمشي إلى الصلاة راجلًا والثاني: في المشي والتبكير.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب رأى حُلة سيراء عند باب المسجد فقال: يا رسول الله، لو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة والوفود إذا قدموا عليك.
فقال رسول الله ﷺ : "إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة". ثم جاء رسول الله، منها حلل فأعطى عمر منها حلة فقال عمر: يا رسول الله كسوتنيها وقد قلت في حلة عطارد ما قلت؟.
فقال رسول الله ﷺ : "لم أكسكها لتلبسها" فكساها عمر أخًا له مشركًا بمكة.
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة إلا الترمذي.
فأما مالك (١): فأخرجه إسنادًا ولفظًا.
وأما البخاري (٢): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف.
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن يحيى بن يحيى.
وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن القعنبي.
وأما النسائي (٥): فأخرجه عن قتيبة.
стр. 807
كلهم عن مالك بالإسناد وكلهم قال: والوفد.
والشافعي قال: والوفود (١).
"الحلة" من الثياب: واحد الحلل وهي برود اليمن، والحلة إزار ورداء من جنس واحد ولا تسمى حلة حتى تكون ثوبين.
والسيراء (بكسر السين وفتح الياء والمد): البرد إذا كان فيه خطوط صفر.
وقال الأزهري: السيراء: برد يخالطها إبريسم.
"والوفود": جمع وفد والوفد جمع وافد: وهو الذي يقدم على الإنسان رسولاً أو زائرًا أو منتجعًا أو مسترفدًا، تقول: وفد فلان على الأمير إذا ورد عليه رسولاً، وأوفدته إلى الأمير أرسلته.
"الخلاق": النصيب.
"وعطارد" المذكور في الحديث هو رجل من الصحابة واسمه عطارد بن جاجب بن زرارة التميمي، وذلك على النبي ﷺ في وجوده من قومه فأسلموا وكان حلة سيراء (٢) فأراد بيعها فقال النبي ﷺ لما قال له عمر: لو ابتعتها فلبستها.
فقال له: "إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة".
وإنما عدل النبي ﷺ في جواب عمر إلى هذا القول: تنبيها على السبب المانع من لبسها وهو انتفاء نصيب لابسها من الآخرة، فذكر الجواب مفصحًا فيه بذكر السبب وهو جواب عن سؤال مقدر، كأنه قال لعمر أولاً: لا أشتريها وكأن عمر قد قال له بعد ذلك: لأي سبب يُمتنع من شرائها؟ فقال له: لأن لابسها لا خلاق له في الآخرة.
فذكر ما استغني به عن الجواب الأول وعن السؤال الثاني مع ما فيه من ذكر السبب المانع.
стр. 808
وفي قوله ﷺ لعمر: "لم [أكسكها] (١) لتلبسها" يوهم ظاهره تناقضًا لأن الكسوة هي اللباس، فكأنه قال: لم أكسها لتكسيني بها أو لم ألبسكها لتلبسها, وليس الأمر كذلك فإنه إذا قال: كسوتك ثوبًا إنما يريد به أنه جعله له كسوة، وقد يكون للإنسان ملابس -ثياب- معدة للبسه وقد لا يلبس بعضها ويطلق عليها اسم الكسوة، ولذلك قول النبي ﷺ لعمر: أي لم أجعلها لك كسوة لتلبسها، إنما أردت بها إيثارك وتخصيصك وتمليكك لها.
والذي ذهب إليه الشافعي: وأحب ما يلبس إلى البياض فإن جاوزه فعصب اليمن والقطري.
"وعصب" اليمن: هو البرود المخططة يصبغ غزلها وينسج باليمن والعصب الفعل نفسه.
"والعصاب": الغزال الذي يبيع الغزل.
"والقطري": منسوب إلى موضع بين عمان وسيف البحر يقال له: قطر تغير في النسبة فكسرت قافه فسكنت طاؤه، ويجلب منه ثياب حمر لها أعلام فيها بعض الخشونة.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا ابن علية، عن شعبة عن عمرو بن مرة، عن زاذان قال: سأل رجل عليًّا عن الغسل؟ قال: اغتسل كل يوم إن شئت. فقال: الغسل الذي هو الغسل.
فقال: يوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم الفطر.
هذا حديث حسن إلى (٢) سأله عن الغسل مطلقًا أجابه مطلقًا فقال: "اغتسل كل يوم إن شئت" ولم يكن أراد الغسل المطلق، إنما أراد الغسل المسنون فلذلك قال له: "الغسل الذي هو الغسل" أي الغسل المعروف المندوب إليه الشرعي الذي
стр. 809
ينبغي أن يسأل عنه، فأجابه حينئذٍ بقوله: يوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم الفطر.
وهذه أغسال مسنونة ولكل واحد منها موضع يرد فيه.
ويوم الجمعة: منصوبة على الظرف وكذلك ما بعده.
والتقدير: الغسل الذي يسأل عنه هو يوم الجمعة ويوم كذا، ويوم كذا أي يوم الجمعة.
***
стр. 810
الفرع الرابع
في التبكير إلى الجمعة والمشي إليها
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس على منازلهم الأول فالأول؛ فإذا خرج الإمام طويت الصحف واستمعوا الذكر؛ والمهجر إلى الصلاة كالمهدي بدنة، ثم يليه كالمهدي بقرة؛ ثم الذي يليه كالمهدي كبشًا، حتى ذكر الدجاجة والبيضة".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن سمي، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر".
هكذا أخرج الشافعي هاتين الروايتين في كتاب "الجمعة" (١)، وقد أخرج بعض الرواية الأولى في كتاب "الأمالي" إلى قوله: على أبواب المسجد ثم قال وذكر الحديث.
فقال الشافعي -في رواية حرملة والمزني-: قد خالف سفيان في هذا الحديث ابن أبي ذئب، وإبراهيم بن سعد قالا: أخبرنا الزهري، عن أبي عبد الله
стр. 811
الأغر، عن أبي هريرة.
قال المزني: حدثني الشافعي، عن محمد بن إسماعيل، عن [ابن] (١) أبي ذئب فذكره.
قال الشافعي: واثنان أولى بالحفظ من واحد إلا أن يكون ابن شهاب قد رواه عنهما جميعًا -يعني سعيد بن المسيب والأغر (٢) -.
والحديث في نفسه صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة.
فأما مالك (٣): فأخرج الرواية الثانية إسنادًا ولفظًا وزاد: ثم راح في الساعة الأولى.
وأما البخاري (٤): فأخرج الرواية الأولى عن آدم [عن] (٥) ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن الأغر، عن أبي هريرة.
وأخرج الرواية الثانية: عن عبد الله بن يوسف، عن مالك.
وأما مسلم (٦) فأخرج الراوية الأولى: عن يحيى بن يحيى وعمرو الناقد، عن سفيان. وعن أبي الطاهر وحرملة وعمرو بن سواد العامري، عن ابن وهب، عن
стр. 812
يونس، عن الزهري، عن الأغر.
وأخرج الرواية الثانية: عن قتيبة، عن مالك.
وأما أبو داود (١): فأخرج الرواية الثانية عن القعنبي، عن مالك.
وأما الترمذي (٢): فأخرج الرواية الثانية عن إسحاق بن موسى الأنصاري، عن معن، عن مالك.
وأما النسائي (٣): فأخرج الرواية الأولى عن نصر بن علي بن نصر، عن عبد (٤) الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن الأغر.
وزاد فيها قبل الدجاجة "كالمهدي بطة".
وعن محمد بن منصور، عن سفيان بإسناد الشافعي.
وأخرج الرواية الثانية: عن قتيبة، عن مالك.
كان: في هذا الحديث هي التامة التي لا تحتاج إلى خبر وهي بمعنى في وجد وجدت.
وفي تنكير "الملائكة" إيهام وتكثير لها شبه المصلين.
وقوله: "يكتبون الأول فالأول" أي يكتبون اسم المتقدم في المجيء إلى الصلاة واحداً بعد واحد.
ويريد "بمنازلهم": مراتبهم في الفضيلة ولهذا قال: الأول فالأول أي السابق إلى المسجد والسابق.
أو يريد بها منازلهم في المجيء لأن منزلة كل واحد منهم قبل الآخر.
стр. 813
"والصحف": جمع صحيفة وهي الورقة التي يكتب فيها، يريد ما يكتب فيه الملائكة الحفظة من أعمال العباد وأقوالهم.
"والهجر": اسم فاعل من هجر يهجر إذا بكر وإذا بكر وإذا أتى الأمر من أوله، تقول: هجرت إلى زيارة الأمير إذا بكرت إليه وتقدمت في وقت زيارته، وليس من الهاجرة شدة الحر إنما هو السبق والتقدم والمراد به: المضي إلى الصلاة في أول وقتها أو أول النهار على ما سيأتى بيانه.
ولو ذهب ذاهب إلى أن يكون من الهاجرة لساغ له، إلا أن الأول هو الغرض لأنه عقبه بقوله: "كالذى يهدي بدنة" وما ذاك إلا لإحراز فضيلة السبق والتقدم في الوقت.
"والمهدي": اسم فاعل من أهده يهدي فهو مُهْدٍ، فيجوز: أن يكون أراد به من المهدي الذي يهدي إلى البيت الحرام، فيجوز ثواب المهدي إليه على قدر هديه.
ويجوز: أن يكون أراد به من الهدية المتداولة بين الناس، فيجوز به ثواب فاعلها على قدر هديته.
والأول أكثر وهو الوجه.
في الهدى لغتان:
إحداهما: تخفيف الياء وسكون الدال.
والثاني: كسر الدال وتشديد الياء.
والجمع الهدايا والواحدة هدية وهدية.
"والبدنة": اسم يقع على ما يهدى إلى البيت الحرام من الإبل والبقر، وقيل: من الإبل خاصة.
وقيل: اختصاصها بالإبل إنما هو اختصاص عرفي وأيضًا شرعي، فمتى أطلقت البدنة فلا يفهم منها إلا البدنة، وإن دلت في أصل الوضع على البقر.
وأما الهدي في حكم الشرع: فلا يكون إلا بعيرًا أو بقرة وأما الشاء ففيه خلاف.
стр. 814
وأما جعله الدجاجة والبيضة من الهدي وليسا بهدي إجماعًا فإنما حمله على ما قبله تشبيهًا به، فأعطاه مجازًا وتنزيلًا في القلة إلا (١) أدنى الأشياء، ولأنه ابتدأ بالبدنة وأراد بها البعير، ثم البقرة وهي دونها، ثم الكبش وهو دون البقرة وهذا منتهى ما يجوز أن يهدى، ثم أتبعه الدجاجة والبيضة وذلك مما يقوي قول من جوز: أنه أراد الهدية المتداولة بين الناس لا الهدي إلى البيت الحرام.
"والرواح": لا يكون إلا بعد الزوال كما أن الغدو لا يكون إلا قبله.
ولذلك ذهب مالك بن أنس: إلى أن الساعات التي ذكرت في الحديث إنما هي أجزاء من الزمان قليلة، أولها بعد الزوال وإلى وقت جلوس الإِمام على المنبر وليست الساعات الحقيقية.
إلى كل ساعة منها جزء من أربعة وعشرين جزءًا من يوم وليلة.
فعند مالك أن الفضيلة المرتبة هي بعد الزوال، كما تقول: فعدت عندك ساعة أي جزءًا من الزمان وإن لم تكن ساعة حقيقية؛ وإنما جاز ذلك لأن الأجزاء متصلة متقاربة؛ فجاز إطلاق البعض القليل على ما هو أقل منه.
وقيل: إنما أراد بالرواح الذهاب إلى الصلاة من طلوع الشمس فما بعدها إلى وقت الزوال، فإن الصلاة وإن كانت لا تصلى إلا بعد الزوال فإنه قد جعل القصد إليها رواحًا، كما يقال لمن يقصد بيت الله الحرام: حجاج، وللخارجين إلى الغزوة: غزاة، قبل أن يحجوا ويغزوا.
وزعم بعضهم: أن الرائح هو الخارج من أهله، فكل من خرج من أهله في وقت من الأوقات فقد راح، ولذلك يقولون إذا أراد الرحيل إلى وقت كان من ليل أو نهار: الرواح.
والأصل في الرواح الأول وإن جاء هذا فعلى المجاز.
стр. 815
"والتقرب": التوصل إلى إحراز القرب من الشيء، والمعنى: فعل فعلًا يدنيه منه ويقربه إليه، ومنه القربان: وهو كل ما يتقرب به إلى الله تعالى.
"والأقرن": الذي له قرنان.
وفضيلته: أنه إذا كان قرون (١) دفع عن نفسه ما يناله من أذى غيره من الكباش ونجا [منه] (٢) فيتمكن من المرعى والورد فلا يضعف حيث لم يستضعف.
وكلهم رووا "ثم راح" ولم يذكروا الساعة الأولى إلا مالكا فإنه قال: "في الساعة الأولى" فأبان عنها مصرحًا بها، فإن كانت مفهومة في تلك الروايات من قولهم: "ومن راح في الساعة الثانية" والثانية لا تكون إلا بعد الأولى.
وزاد النسائي: "بطة" وحكمها حكم الدجاجة وقد تفرد بها دونهم.
وقولها "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة" تحديد مثل غسل الجنابة أي: إيصال الماء إلى جميع شعره وبشره وقيل: المعنى أنه جامع واغتسل ليمكن نفسه في رواحه إلى الصلاة، ولئلا تمتد عينه إلى شيء مما عساه أن يشاء هذه في طريقه.
فيكون قد نصب "غسل الجنابة" في الأول: على أنه صفة مصدر محذوف.
وفي الثاني: على أنه مصدر ظاهر إلا أنه على غير لفظ فعله لأن مصدر "اغتسل" الاغتسال لا الغسل.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن التبكير إلى الجمعة مستحب.
وبه قال أحمد والأوزاعي.
وقد اختلف قول أصحاب الشافعي في وقت التبكير والتهجير.
стр. 816
فقال قوم منهم: هو من وقت طلوع الشمس.
وقال آخرون منهم: من وقت طلوع الفجر.
وقيل: بل المراد بالتبكير المضي في أول جزء من الساعة التي تجب فيها صلاة الجمعة وهو بعد الزوال.
وقد تقدم ذكر ذلك -والله أعلم-.
وأخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان، عن ابن شهاب عن [سالم] (١) بن عبد الله، عن أبيه قال: [ما] (٢) سمعت عمر يقرؤها قط إلا "فامضوا إلى ذكر الله".
هذا حديث صحيح أخرجه مالك (٣) قال: سألت ابن شهاب عن قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قال مالك: وإِنما السعي في كتاب الله العمل والفعل، يقول الله: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ﴾ (٤) وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ (٥) وقال: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾ (٦)، وقال: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ (٧):
قال مالك: وليس السعي الذي ذكر الله في كتابه السعي على الأقدام ولا الاشتداد؛ وإنما عني العمل والفعل.
وبهذا القول قال الشافعي: أنه لم يرد بالسعي الإسراع في المشي وإنما أراد به المضي والذهاب؛ وذكر الشافعي في هذه الآيات التي ذكرها مالك وزاد ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ (٨)، ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (٩)، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (١٠) وقال زهير:
стр. 817
سعى بعدهم قوم لكي يدركونهم ... فلم يدركوهم ولم يلاموا ولم يألوا
ولهذا المعنى أخرج هذا الحديث يريد به: أن قراءته إياها "فامضوا إلى ذكر الله" فيعدل عن المراد بالسعي القصد والمشي لا الإسراع.
وبهذه القراءة قرأ ابن عباس وابن مسعود.
ويروى عن عمر "أنه سمع رجلاً يقرأ ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فقال: من أقرأك هذا؟ قال: أبي بن كعب: فقال: لا يزال يقرأ بالمنسوخ لو كانت فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي".
"والسعي" في اللغة: يطلق على العدو والسرعة في المشي، وعلى الكسب والعمل، وكل من ولى شيئًا على قوم فهو ساع عليهم، وأكثر ما يطلق الساعي على ولاة الصدقة.
وذكر الله في هذه الآية: الخطبة والصلاة.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن جابر بن عتيك، عن جده جابر بن عتيك -صاحب النبي ﷺ قال: إذا خرجت إلى الجمعة فامش على هينتك.
وقد جاء في بعض الروايات: فامش على هيئتك.
"الهينة": التأني التؤدة، الهيئة: الحالة.
قال الشافعي: وإذا مشى الجمعة فلا يزيد على سجيته ومشيته، ولأن ذلك أكثر لخطاه التي يتضاعف بها أجره وأعون له على التوجه إليها.
قال الربيع: قلت للشافعي: نحن نكره الإسراع إلى لمسجد إذا أقيمت الصلاة. قال: فإن كنتم إنما كرهتموه لقول النبي ﷺ "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها تمشون وعليكم السكينة" (١) فقد أصبتم وهكذا ينبغي لكم في كل أمر لرسول الله ﷺ .
стр. 818
الفرع السادس (*)
في وقت الجمعة والأذان
أخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني خالد (١) بن رباح، عن المطلب بن حنطب "أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة إذا فاء الفيء قدر ذراع".
فاء الفيء: إذا رجع، يريد أنه رجع من جانب الغرب إلى جانب الشرق وذلك الزوال؛ لأن الشمس تقصر الظل إلى وقت استواء الشمس في وسط السماء؛ وحينئذٍ لا يبقى للحائط ظل من كل الجانبين، وإذا زالت الشمس انقلب الظل إلى جهة الشرق ويسمى حينئذٍ فيئًا وكان انقلب الظل إلى جهة الشرق ويسمى حينئذٍ فيئًا وكان يسمى قبل ذلك ظلًّا.
ومنه قول الشاعر:
فلا الظل من برد الضحى نستظله ... ولا الفيء من برد العشي نذوق
وإنما سمي فيئًا: لأنه فاء إلى جهة المشرق من جهة المغرب أي رجع.
وقوله: قدر ذراع ونحوه يريد: أن الذراع الحاصل من الفيء كان بقدر ما انقضت الخطبة؛ لأن الخطبة بعد الأذان والأذان بعد الزوال.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن أول وقت الجمعة بعد الزوال.
وقال أحمد: يجوز قبل الزوال.
وآخر وقتها: فهو آخر وقت الظهر بالإجماع.
стр. 819
أما إذا خرج وقتها قبل أن يخرج من صلاة الجمعة أتمها ظهرًا.
وقال أحمد: يتمها ظهرًا إذا دخل فيها، في وقتها.
وقال أبو حنيفة: لا يبني عليها ويستأنف الظهر.
وقال ابن القاسم -صاحب مالك-: إذا لم يصل بالناس حتى دخل وقت العصر يصلى بهم الجمعة ما لم تغب الشمس.
وقال أحمد أيضًا: إذا تشهد قبل أن يسلم ودخل وقت العصر تجزئه صلاته.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن يوسف بن ماهك قال: "قدم معاذ بن جبل على أهل مكة وهم يصلون الجمعة والفيء في الحجر؛ فقال: لا تصلوا حتى تفيء الكعبة من وجهها".
قال الشافعي: وجهها إلى باب، ويعني معاذ: حتى تزول الشمس، ولا اختلاف لقيته أن لا تصلى الجمعة حتى تزول الشمس.
قال: ووقتها ما بين أن تزول الشمس إلى أن يكون الظل آخر وقت الظهر.
الحجر للبيت: معروف وهو مما يلي الجهة الغربية والشمالية إذا كان الظل فيه كان قبل الزوال.
فنهاهم عن الصلاة ذلك الوقت وأمرهم أن يصلوا بعد الزوال، وحينئذٍ يكون الفيء قد صار مقابل الحجر من الجهة الأخرى.
وقوله: "حتى تفىء الكعبة" هو بضم التاء أي تُحْدِث الكعبة فيئًا؛ لأن فاء يفيء فعل قاصر، فلما أراد تعديته أدخل الهمزة فصار فاء يفيء.
وقوله: "وجهها" أي من جهة مقدمها، ووجه كل شيء مقدمته ومقدم البيت جهة الباب وكذلك كل بيت، ولأن الركن الأسود هو إلى جهة الشرق ويقابله الركن الشامي إلى جهة الغرب، إلا أن هذين الركنين هما في أعلى مطالع الشرق ومغارب الغرب وليسا في وسطها؛ فإذا كان في أول النهار رمت الشمس ظلها في جهة الركن الشامي والحجر، ويمتد من الطرفين من الركن
стр. 820
العراقي إلى الركن الشامي وإلى الركن اليماني.
وإذا زالت الشمس صار الفيء في جهة الركن الأسود ويمتد ما بين الركن العراقي أيضًا، وإلى الركن الأسود ثم إلى الركن اليماني أيضًا، ويقع على صفحة الباب وصفحة الركن اليماني مما يلي باب الصفا.
ثم هذا مختلف اختلاف الأزمنة، فإن الشمس إذا كانت في البروج الجنوبية وهي: الميزان، والعقرب، والجدي، والدلو، والحوت وذلك من نصف أيلول وإلى نصف آذار؛ يكون مطلعها هناك مائلًا إلى الصفحة التي فيما بين الحجر الأسود والركن اليماني.
وإذا كانت البروج الشمالية وهي: العمل والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة وذلك نصف آذار وإلى نصف أيلول يكون مطلعها مائلًا إلى صفحة الباب -والله أعلم-.
وقد أخرج الشافعي: فيما بلغه عن ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي إسحاق قال: رأيت عليًّا يخطب يوم الجمعة نصف النهار.
قال الشافعي: ولسنا نقول ولا إياهم بهذا، نقول: لا يخطب إلا بعد زوال الشمس، وكذلك روينا عن عمر وغيره.
وأخرج الشافعي: فيما بلغه عن شعبة، عن عمرو، عن عبد الله بن سلمة قال: صلى عبد الله بأصحابه الجمعة ضحى وقال: خشيت الحر عليكم.
قال الشافعي: وليسوا يقولون بهذا يقولون: لا يقول أحد صلى النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان والأئمة بعد في كل جمعة بعد زوال الشمس.
قال البيهقي: عبد الله بن سلمة كان قد تغير في آخر عمره (١) ويشبه أن يكون غير محفوظ.
стр. 821
وأما أبو إسحاق: فرأى عليًّا وهو صبي فيشبه أن يكون قد تعجل بها في أول وقتها فحسبه نصف النهار من تعجيلها.
ويحتمل أن يكون خطب بهم (١) نصف النهار، ثم أتى منها ببقية الأجزاء بعد الزوال.
وقد روى زهير، عن أبي إسحاق: أنه صلى خلف عليِّ الجمعة فصلاها بالهاجرة بعد ما زالت الشمس، وأنه رآه قائمًا أبيض اللحية أجلح (٢).
-والله أعلم-.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا الثقة -وهو سفيان- عن الزهري، عن السائب بن يزيد: أن الأذان كان أوله للجمعة حين يجلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما كان خلافة عثمان كثر الناس أمر عثمان بأذان ثانٍ فأذن به فثبت الأمر على ذلك.
وكان عطاء ينكر أن يكون أحدثه عثمان ويقول: أحدثه معاوية -والله أعلم-.
أخبرنا الشافعي في القديم قال: أخبرنا بعض أصحابنا، عن [ابن] (٣) أبى ذئب، عن الزهري فذكر بمعناه وقال في آخره: ثم أحدث عثمان الأذان الأول على الزوراء.
قال الشافعي: وأيهما كان -يعني ما أحدثه عثمان أو معاوية- فالأمر الذي كان على عهد رسول الله ﷺ أحب.
هذا حديث صحيح أخرجه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
فأما البخاري (٤): فأخرجه عن آدم، عن [ابن] (٥) أبي ذئب، عن الزهري،
стр. 822
عن السائب وذكر الحديث وقال: وزاد النداء الثالث على الزوراء.
وفي أخرى: عن أبي نعيم، عن عبد العزيز أبي سلمة الماجشون، عن الزهري، عن السائب: "أن الذي زاد النداء الثالث يوم الجمعة عثمان بن عفان، حين كثر أهل المدينة ولم يكن للنبي ﷺ مؤذن غير واحد، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام" يعني على المنبر.
وأما أبو داود (١): فأخرجه عن محمد بن سلمة المرادي، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري مثله.
وأما الترمذي (٢): فأخرجه عن أحمد بن منيع، عن حماد بن خالد الخياط، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري.
وفي أخرى (٣) بإسناد أبى داود.
الأذان للجمعة إنما كان في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان؛ أذانًا واحداً حين يجلس الإمام على المنبر، وكانت فائدته إعلام من في المسجد بجلوس الإمام ليستمعوا الخطبة؛ فلما اتسع المسجد وكثر الناس وبعد أواخر المصلين عن الإمام؛ احتاجوا إلى أذان آخر يبلغ الناس ويعلمهم بدخول الوقت فأمر عثمان بأذان آخر يؤذن به عند الزوال بظاهر المسجد وعلى موضع مرتفع، وقد جاء أنه يؤذن به على الزوراء، وهو موضع معروف بالمدينة قريبًا من المسجد ثم كان يؤذن الأذان الأول بعد ذلك عند جلوس الإمام على المنبر.
والذي في رواية البخاري: "فلما كثر الناس زاد النداء الثالث" يريد بالنداء الثالث: الأذان الذي هو اليوم الأول وهو الذي يؤذن به عقيب الزوال، فسماه
стр. 823
ثالث: لأن المعروف كان أذانًا واحداً عند جلوس الإمام على المنبر وبعده عند الفراغ من الخطبة الإقامة فسماها أذانًا؛ لأنها أذان بالصلاة فهذان أذانان، فلما زاد عثمان أذانًا ثالثًا وهو في الموضع الآن أول.
وفي رواية الشافعي: "فأمر بأذان ثان" لأنه لم يعد الإقامة أذانًا.
стр. 824
الفرع السابع
في الخطبة وما يتعلق بها
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا عبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "كان النبي ﷺ إذا خطب استند إلى جذع نخلة من سواري المسجد، فلما صُنِع له المنبر فاستوى عليه اضطربت تلك السارية كحنين الناقة حتى سمعها أهل المسجد، حتى نزل رسول الله ﷺ فاعتنقها فسكتت".
هذا حديث صحيح أخرجه البخاري والنسائي.
فأما البخاري (١): فأخرجه عن سعيد بن أبي مريم، عن محمد بن جعفر، عن يحيى بن سعيد قال: أخبرني ابن أنس أنه سمع جابر عبد الله قال "كان جذع يقوم إليه النبي ﷺ فلما وضع له المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار، حتى نزل النبي ﷺ فوضع يده عليه".
وقال سليمان، عن يحيى، أخبرني حفص بن عبد الله بن أنس سمع جابرًا.
وأما النسائي (٢): فأخرجه عن عمرو بن سواد بن الأسود، عن ابن وهب، عن ابن جريح إسنادًا ولفظًا.
تقول: سندت إلى الشيء أسند سنودًا وأسندت واستسندت إذا ألصقت ظهرك والتجأت إليه واعتمدت عليه.
"والجذع": ساق النخلة وجمعه جذوع.
"والاضطراب": التحرك والانزعاج وهو افتعال من الضرب، الأصل فيه: اضتراب ثم قلبت التاء طاء لأجل الضاد.
стр. 825
"وحنين الناقة": هو صوتها في نزاعها إلى ولدها.
"والعشار": جمع عشر وهي الناقة الحامل إذا أتى عليها عشرة أشهر من أول حملها، ثم لا يزال ذلك اسمها إلى أن تلد وبعد ما تلد.
وغرض الشافعي من هذا الحديث: أن النبي ﷺ كان يخطب على المنبر وأنه كان يخطب قبل ذلك مستندًا إلى جذع وأنه كان في الحالتين قائمًا.
وفي الحديث معجزة للنبي ﷺ : وهي تحرك الجذع وحنينه وسكونه لما اعتنقه النبي ﷺ .
وقد جاء في طرق أخرى لهذا الحديث صحيحة: "أنه كان يحن إلى ما كان يسمع من الذكر عنده" (١).
وقوله: "اضطربت كحنين الناقة حتى سمعها أهل المسجد حتى نزل رسول الله ﷺ فاعتنقها" فجاء بحتى مرتين بغير واو عطف وكان التقدير: حتى سمعها أهل المسجد وحتى نزل رسول الله ﷺ .
ووجه [بيان] (٢) حتى: يجوز أن تكون في الموضعين بمعنى إلى ويجوز: أن تكون الأولى عاطفة بمعنى الواو، والثانية بمعنى "إلى أن".
فإن كانت الأولى عاطفة فلا كلام فيه والتقدير: اضطربت وسمعها أهل المسجد إلى أن نزل رسول الله ﷺ ، وتكون الثانية متعلقة باضطربت أي: اضطربت إلى أن نزل رسول الله ﷺ فاعتنقها.
فأما إن كانت الأولى بمعنى "إلى أن" ففيه إشكال ويحتاج إلى أحد أمرين:
١ - إما أن يقدر لها فعل تعلقت به دل عليه ما في قوله "كحنين" من معنى الفعل الذي هو حنت، وتبقى الثانية متعلقة باضطربت فإن التقدير: اضطربت حانة حنينًا كحنين الناقة.
٢ - وإما أن تجعل الثانية بدلاً من الأولى وتكون الثنتان متعلقتين بقوله:
стр. 826
اضطربت، أو تكون الأولى متعلقة باضطربت والثانية متعلقة بسمعها.
وفيه وجه آخر لطيف: وذلك أنه أراد عطف الثانية على الأولى فحذف العاطف؛ ليكون أدعى له إلى إصغاء الأسماع إليه وأبعث للقلوب على تفهم خطابه؛ فإن اللفظ إذا جاء فيه نوع غرابة غير مألوفة ولا معتادة أصغى السامع إلى تدبره والفكر فيه، فحذف العاطف وجاء بالمعاني مسرودة واحداً بعد واحد؛ مؤذنا أن كل واحد منها مستقل في الإخبار بنفسه قائم برأسه صالح لأن يفرد بالغرض ويأتي بالمقصود، ومثال ذلك من المحاورات الوارد به في معرض الإعجاب والإكثار، أن يكون لك مع غيرك موعد إلى أمد مخصوص بطلوع الشمس مثلا؛ فينتهى الأمد ولم يف به وتكون أنت على أتم ترفق وأشد توقع لوفائه في انتظاره، فتقول له: انتظرتك حتى طلعت الشمس، حتى علا النهار، حتى اشتد الحر، حتى صار العصر، حتى غابت الشمس، حتى انقضى النهار وما رأيتك.
فانظر ما في تعداد هذه الأوقات غير معطوفة من المعنى الذي سجل عليه بالتقصير؛ وقضى عليه بالتكبير ما ليس فيها لو عطف بعضها على بعض؛ وذلك أنك بالعطف كانت تقصر جملة واحدة.
وبيان ذلك: أن الواو تنوب مناب الفعل الأول فتوصله إلى كل معطوف عليه، وإذا لم يأت بالعاطف احتجت أن تقدر لكل جملة من هذه الجمل فعلا غير الأول، فيفيد هذا التقدير ما لم يفد الأول.
وفيه وجه آخر: وهو أن يكون قوله: "حتى سمعها أهل المسجد" متعلقًا بما في قوله: "كحنين الناقة" وقد تقدم بيانه، وتكون حتى الثانية متعلقة باضطربت.
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم بن محمد، أخبرني عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه قال: "كان النبي ﷺ يصلي إلى جذع إذا كان المسجد عريشاً، وكان يخطب إلى
стр. 827
ذلك الجذع فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله، هل لك أن نجعل لك منبرًا تقوم عليه يوم الجمعة، ويسمع الناس يوم الجمعة خطبتك؟. قال: "نعم".
فصنع له ثلاث درجات هن اللاتي على المنبر، فلما صنع المنبر وضع موضعه الذي وضعه فيه رسول الله ﷺ ، بدا للنبي ﷺ أن يقوم على ذلك المنبر فيخطب عليه فمر إليه، فلما جاوز ذلك الجذع الذي كان يخطب إليه خار حتى تصدع وانشق؛ فنزل النبي ﷺ لما سمع صوت الجذع فمسحه ييده ثم رجع إلى المنبر؛ فلما هدم المسجد أخذ ذلك الجذع أبيّ بن كعب، وكان عنده في بيته حتى بلي وأكلته الأرضة وعاد رفاتًا".
"العريش": ما يستظل به من أخشاب تنصب وسقف وكذلك العرش، وعرش البيت سقفه وهو فعيل بمعنى مفعول.
"وبدا" لفلان أن يفعل كذا: أي: عنَّ له ونشأ له فيه رأى، وهو من البدو الظهور والمصدر منه بدا ممدود.
"والخوار": الصوت، خار يخور خوارًا إذا صاح.
"وتصدع الشيء": إذا تشقق صدعه فانصدع وصدعته فتصدّع شدد للتكثير.
وإنما جمع بين التصدع والانشقاق وهما بمعنىً واحد: لأحد أمرين: إما للتأكد على عادة لغتهم لاسيما مع اختلاف اللفظ، فإن هذا النوع في كلامهم كثير.
وإما إختلاف البنائين فإن التصدع للتكثير، والانشقاق لا يختص بالتكثير.
ويمكن أن يقال: إن التصدع عبارة عن تشقق في الجسم متفرق في نواحيه.
"والانشقاق": كأنه أبلغ في تفرق الأجزاء وأكثر فكًّا للجسم وتأثيرًا.
"والأرضة": دويبة صغيرة من أجناس الدود تأكل الخشب وكأنها تتولد منه، يقال: أرضت الخشبة تؤرض أرضا فهي مأروضة.
стр. 828
"والرفات": العظام المتكسر البالي من الأجسام وكأنه بالنبات أشبه، ورفت الشيء: كسرته وحطمته بمعنًى.
وقد جاء في بعض روايات هذا الحديث "فلما وضع المنبر ووضع موضعه" فأدخل واو العطف على "وضع" وهو أولى، ليكون بدا غير متعلقة بشيء إلا أن يبدل الجملة الثانية من الأولى.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال أخبرني جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: "كان النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة خطبتين قائمًا يفصل بينهما بجلوس".
هذا الحديث أخرجه مالك (١) مرسلًا: عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن رسول الله ﷺ خطب خطبتين يوم الجمعة وجلس بينهما.
ورواية الشافعي أولى لأنها مسندة (٢)، ولأنها حكاية كان النبي ﷺ يواظب عليها بقوله: "كان يخطب" وذلك إشارة إلى دوام فعله؛ بخلاف قوله: "إن رسول الله ﷺ خطب خطبتين يوم الجمعة" فإن ذلك يدل على حكاية حال واحدة فلم يختلف أحد من العلماء أن الخطبة في الجمعة واجبة لا بد منها، إلا ما حكي عن الحسن البصري أنه قال: لا تجب. ثم القيام شرط فيها مع القدرة عليه.
وقال أبو حنيفة وأحمد: تجوز قاعدًا.
والقدر الواجب من الخطبة الأولى: هو حمد الله والثناء عليه، والصلاة على
стр. 829
رسوله، والوصية بالتقوى، وقراءة آية.
وفي الثانية: حمد الله، والصلاة على رسوله، والوصية بالتقوى والدعاء للمؤمنين والمؤمنات وهذا أقل ما يجزئ.
وقد اختلف أصحاب الشافعي في القراءة هل هي واجبة في الخطبتين؟ أو في إحداهما لا بعينها، أو أنها غير واجبة فيهما وكذلك في الدعاء هل هو واجب أو مستحب؟.
والجلوس بينهما واجب.
وقال أبو حنيفة: إذا خطب بتسبيحة أجزأه.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجزئه حتى يأتي بكلام يسمى خطبة في العادة.
وعن مالك روايتان:
إحداهما: أن من هلل أو سبح أعاد ما لم يصل.
والثانية: لا يجزئه إلا ما تسميه العرب خطبة.
ومذهب أحمد قريب من مذهب الشافعي.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثني عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر عن النبي ﷺ مثله -يعني حديث جابر المذكور قبله.
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
فأما البخاري (١): فأخرجه عن مسدد، عن بشر بن المفضل، عن عبيد الله قال (٢): "كان النبي ﷺ يخطب خطبتين يقعد بينهما".
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن عبيد الله بن عمر القواريري، وأبي بكر
стр. 830
الجحدري، عن خالد بن الحارث، عن عبيد الله قال: "كان رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة قائمًا ثم يجلس، ثم يقوم كما يفعلون اليوم".
وأما أبو داود (١): فأخرجه عن محمد بن سليمان الأنباري، عن عبد الوهاب ابن عطاء عن عبيد الله نحوه.
وأما النسائي (٢) فأخرجه عن إسماعيل بن مسعود، عن بشر بن المفضل، عن عبيد الله نحوه.
وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن حميد بن مسعدة البصري، عن خالد بن الحارث، عن عبيد الله نحوه.
وقد تقدم بيان الحكم في هذا الحديث، وهو مسوق لبيان وجوب الخطبتين، والقيام فيهما مؤكد لحديث جابر.
وفي رواية مسلم زيادة (٤) بيان وإيضاح: لأنه صرح بالقيام والجلوس، ثم أكده بقوله: كما يفعلون اليوم.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم، عن صالح -مولى التوأمة- عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان: "أنهم كانوا يخطبون يوم الجمعة خطبتين على المنبر قياماً يفصلون بينهما بجلوس حتى جلس معاوية في الخطة الأولى فخطب جالسًا أو خطب في الثانية قائما".
وهذا الحديث مسوق لتأكيد ما سبق من الحديثين قبله، وقد تقدم بيان المذاهب في الخطبتين والقيام فيهما إلا أن يكون معذورًا, ولعل معاوية كان معذورًا حين جلس.
وإنما لم يجلس في الثانية لأمرين:
стр. 831
أحدهما: زوال عذره.
والثاني: أن الثانية قصيرة فاحتمل فيها القيام دون الأولى لطولها.
وقد أخرج الشافعي: فيما بلغه عن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن الحسن بن صالح، عن أبي إسحاق قال: رأيت عليًّا يخطب يوم الجمعة ثم لم يجلس حتى فرغ.
قال البيهقي: يحتمل أن يكون أراد لم يجلس في حال الخطبة خلاف ما أحدث بعض الأمراء.
وقد أخرج الشافعي قال: بلغنا عن سلمة بن الأكوع أنه قال: خطب رسول الله ﷺ على الدرجة التي تلي المستراح قائمًا ثم سلم وجلس على المستراح حتى فرغ [المؤذن] (١) من الأذان، ثم قام فخطب الخطبة الأولى ثم جلس ثم قام فخطب الثانية.
وأتبع هذا الكلام الحديث فلا أدري أحدثه عن سلمه أم شىء فسره هو في الحديث.
قال الشافعي: حدثني محمد بن عمر، عن عبد الله بن يزيد، عن إياس بن سلمة -يعني: ابن الأكوع- عن أبيه: "أن النبي ﷺ جلس جلستين وخطب خطبيتين يوم الجمعة".
قال الشافعي: والإمام يجلس جلستين ويخطب خطبتين وهكذا السنة.
والأثر الأقوى أن حديث ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن السائب بن يزيد قال: كان الأذان الأول يوم الجمعة، حين يخرج الإمام فيجلس على المنبر في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر.
فهذا يدل على أنهم كانوا يجلسون جلسة حتى يفرغ المؤذنون من أذانهم.
стр. 832
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا عبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: "أكان النبي ﷺ يقوم على عصا إذا خطب؟. قال: نعم، كان يعتمد عليها اعتمادًا". هكذا جاء الحديث في المسند مرسلًا.
وقد روى أبو داود (١) عن سعيد بن منصور، عن شهاب بن خراش، عن شعيب بن زُرَيق الطائفي، عن الحكم بن حَزْن عن النبي ﷺ : "أنه شهد معه الجمعة فقام متوكئًا على عصا".
قوله: "أكان النبي ﷺ يقوم على عصا" زيد أكان يتكئ عليها إذا كان قائمًا، وقد فسره بقوله: كان يعتمد عليها اعتمادًا.
"والاعتماد على الشيء": الاستناد إليه والاتكاء عليه، كأنه يكون قد ألقى عليه ثقله وكأنه حامله.
والمستحب للخطيب عند الشافعي: أن يعتمد على عصا أو سيف أو قوس أو ما أشبه ذلك.
وروي عن النبي ﷺ أنه كان إذا خطب اعتمد على عنزة. والعنزة: شبه الحربة في رأسها شبه السنان، وأن يشغل اليد الأخرى بجانب المنبر فإن لم يفعل ذلك. قال الشافعي: أحببت أن يسكن جسده ويديه، إما أن يجعل اليمنى على اليسرى أو يضعهما موضعهما.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثني إسحاق ابن عبد الله، عن أبان بن صالح، عن كريب -مولى ابن عباس- عن ابن عباس أن النبي ﷺ خطب يومًا فقال: "الحمد لله نستعينه، ونستهديه ونستنصره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله
стр. 833
فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله [من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله] (١) فقد غوى حتى يفىء إلى أمر الله" متن هذا الحديث صحيح (٢) أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي عن ابن مسعود.
فأما أبو داود (٣): فأخرجه عن محمد بن بشار، عن أبي عاصم، عن عمران، عن قتادة، عن عبد ربه، عن أبي عياض، عن ابن مسعود.
وأما النسائي (٤): فأخرجه عن محمد بن المثنى ومحمد بن بشار، عن محمد، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود.
وأما الترمذي (٥): فأخرجه عن قتيبة، عن عبثر بن القاسم، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود.
وفي أحاديثهم زيادة معنىً آخر مع اتفاقهم على هذا المعنى.
"الاستعانة": طلب المعونة والمساعدة تقول: استعنته واستعنت به، والأول أفصح، قال الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٦).
"والاستغفار": طلب المغفرة وهو أن يقول: اللهم اغفر لي أو استغفر الله.
"والاستهداء": طلب الهداية إلى الحق والدين، وإلى الصراط المستقيم، وهديت الرجل أهديه هديًا وهداية.
стр. 834
"والاستنصار": طلب النصر.
"والتعوذ بالشيء": الالتجاء إليه والاحتماء به، عاذ به يعوذ إذا التجأ إليه.
"والشرور": جمع شر على غير قياس، لأن الشر اسم جنس فلا يجمع إلا إذا اختلفت أنواعه.
"والسيئات": جمع سيئة وهي الخصلة الرديئة من الفعل والقول، وهي الأوصاف العالية على الأسماء لأن الأصل فيها الوصف، ثم لما كثر استعمالها جرت مجرى الأسماء.
"والمضل": اسم فاعل من الإضلال ضد الهدى.
والرشاد والرشد: خلاف الغى تقول: رشد يرشد رُشْدًا، ورشد يرشد رَشْدا.
"وغوى" الرجل يغوي غيًّا وغواية: إذا ضل عن القصد في القول والفعل وكأنه بالفعل أشبه.
"وفاء يفيء": إذا رجع يريد حتى يرجع إلى الحق والهدى اللذين هما مضمون أمر الله، لأن الله يأمر بالعدل والإحسان. وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثني عمرو أن النبي ﷺ خطب يوما فقال في خطبته: "ألا إن الدنيا عَرَض حاضر يأكل منه البر والفاجر، ألا وإن الآخرة أجل صادق يقضي فيها مالك قادر، ألا وإن الخير كله بحذافيره في الجنة، ألا وإن الشر كله بحذافيره في النار، ألا فاعلموا وأنتم من الله على حذر، واعلموا أنكم معروضون على أعمالكم، فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره".
العَرَض بفتح العين والراء: ما كان من مال قل أم كثر ومنه قولهم: الدنيا عرض زائل، ومنه اصطلاح المتكلمين على أن العرض: ما لا يقوم بنفسه من الموجودات كالألوان، والطعوم والأصوات وأشباه ذلك؛ ولذلك قالوا: إن العرض لا يبقى زمانين فهو أبدًا متجدد.
стр. 835
وقوله: "حاضر" أي موجود وأن المنفقة به منفقة الأشياء الحاضرة التي إذا غابت ذهبت منفعتها معها.
"والبَر" (بفتح الباء): واحد الأبرار وهم الصادقون المطيعون لله القائمون بعبادته، ومنه قولهم: بَرَّ فلان في يمينه أي صدق، وهو بر بوالده أي مطيع له محسن إليه.
"والفاجر": الكاذب والفاسق، فجر يفجر فجورًا فهو فاجر يعني: أن الناس على اختلافهم يشتركون في الانتفاع بها؛ بخلاف الآخرة فإن نفعها للأبرار دون الفجار، والأصل الميقات المضروب للشيء.
ووصفه بالصدق: لأنه أراد به الذي أجله صادق لتأجيله إلى منتهاه، وأنه أجل مصدوق فيه من باب قوله: "عيشة راضية" أي مرضية فوصفه باسم الفاعل، كأنه هو الذي يصدق في وقوعه لا يتأخر عن وقته.
والملك القادر: هو الله ووصفه بالقدرة لأن القاضي إذا كان عاجزًا قادرًا تمكن من إنفاذ حكمه وإمضاء قضائه، وإذا كان عاجزًا تعذر عليه ذلك.
"والحذافير": النواحي والأعالي من كل شيء يقال: أعطاه الدنيا بحذافيرها أي بأسرها، الواحد حذفار.
"والمعروض على الشيء": من عرضت الشيء على فلان إذا أظهرته له وكشفته وأبرزته، ومنه عرضت الجند على السلطان إذا أبرزتهم بن يديه لينظر إليهم.
وفي قوله: "معروضون على أعمالكم" معنيان:
أحدهما: أنه من المقلوب، التقدير: أن أعمالكم معروضة عليكم لتوافقوا عليها وتشاهدوها؛ فتعلموا أنكم مؤاخذون بها.
والثاني: أنكم معروضون يوم العرض والحساب على قدر أعمالكم.
стр. 836
وقريب منه قول الله :- ﴿وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ (١) أي: على لسان رسلك.
ويجوز: أن يكون قد جعل أعمالكم كأنها هي التي تجاوز بهم وأن الفعل لها والحكم إليها، لأن الجزاء يومئذ بحسبها يكون، فجعل ما هو سبب الجزاء مجازها على طريقة المجاز والاتساع، كما يقول للظالم: ظُلْمه أهلكه، وللعادل: عَدْله أنجاه، ويعضد التأويل الأول قوله في سياق الحديث: "فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره".
أي أن أعمالكم تعرض عليكم فترون خيرها وشرها؛ وإن قل إلى حد الذرة التي هي أصغر النمل.
ولا حرف تنبيه، وتكراره زيادة في التنبيه، وإن كل كلمة من هذه الكلمات حقيقة بأن يتنبه الخاطب لها فيلقى إليها سمعًا واعيًا، وقلبًا مراعيًا؛ بخلاف ما لو ذكر حرف التنبيه ولم يكرر والله أعلم.
وقد أخرج الشافعي عن الدراوردي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله أنه سمعه يقول: خطبة رسول الله ﷺ يوم الجمعة يحمد الله -عةز وجل- ويثني عليه ثم يقول على إثر ذلك -وقد علا صوته، واشتد غضبه، واحمرت وجنتاه كأنه منذر جيش- يقول: "صبَّحكم أو مساكم" ثم يقول "بعثت أنا والساعة كهاتين" وأشار بأصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام، ثم يقول: "إن أفضل الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك دينًا أو ضيةاعًا فإليَّ وعليَّ".
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم (٢)، والنسائي (٣).
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال حدثني عبد العزيز بن رفيع،
стр. 837
عن [تميم] (١) بن طرفة، عن عدي بن حاتم قال: خطب رجل عند رسول الله ﷺ فقال من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى.
فقال النبي ﷺ : "اسكت فبئس الخطيب أنت".
ثم قال رسول الله ﷺ : "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، ولا تقل: ومن يعصهما".
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي.
فأما مسلم (٢): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير، عن وكيع، عن سفيان، [عن] (٣) عبد العزيز بن رفيع.
وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن مسدد، عن يحيى، عن سفيان، عن عبد العزيز: أن رجلًا خطب عند النبي ﷺ فقال: ومن يطع الله ورسوله ومن يعصهما فقال: "قم، أو اذهب فبئس الخطيب".
وأما النسائي (٥): فأخرجه عن إسحاق بن منصور، عن عبد الرحمن، عن سفيان [عن] (٦) عبد العزيز قال: "تشهد رجلان عند النبي ﷺ فقال أحدهما: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما. فقال رسول الله ﷺ : "بئس الخطيب أنت".
وجه إنكار النبي ﷺ على هذا الخطيب في قوله: "يعصهما" أنه جمع بين الله وبين النبي ﷺ في الضمير المقترن بقوله "يعص" فأنكر ذلك عليه حيث رد
стр. 838
الضمير إليهما، وكان ينبغي له أن يجيء باسم الرسول مظهرًا.
وقد صرح به في الرواية بقوله: "ومن يعص الله ورسوله ولا تقل: ومن يعصهما".
وفي هذا دليل على أن الواو تفيد الترتيب، لأنها لو لم تفد الترتيب لكان قد نهاه عن شيء وأتى بمثله، وذلك أن النهى كان لاشتراك اسم الله -تعالى- والنبي ﷺ في الضمير، فإذا لم يفد الترتيب لم يفد وجه النهي، لا بل كان مع الواو أبلغة، لأن من لم يجعل الواو مرتبة قال: إذا قلت: قام زيد وعمرو جاز أن يكون قام عمرو قبل زيد، فعلى هذا يكون قد نهاه لأنه جمع وهاهنا أقل مراتب الواو الجمع، وفيها زيادة جواز تقدم المتأخر في الذكر فيكون المأمور به آكد في تحقيق سبب المنع.
وإلى ترتيب الواو ذهب الشافعي -رحمه الله تعالى-.
وأما ما جاء في رواية أبي داود، والنسائي من إسقاط قوله: "فقد غوى" (١) فلأن الغرض إنما هو ذكر السبب الذي أوجب النهي وهو الجمع بين اسم الله -تعالى- ورسوله ﷺ الضمير، وذلك موجود في قوله: "يعصهما" فلا حاجة إلى تمامه، لأن الحديث إنما هو لذكر سبب النهي لا غير.
وأما قوله في رواية أبي داود: "بئس الخطيب" ولم يقل "أنت" فلدلالة الكلام عليه، ولأنه لم يرد أن يواجهه بالخطاب رفقًا به.
"وبئس": فعل ماض اللفظ غير متصرف وهو أخو "نعم" إلا أن "نعم" للمدح "وبئس" للذم.
وقد قال الشافعي: قال رجل لرسول الله ﷺ : ما شاء الله وشئت.
فقال رسول الله ﷺ : "آلله، أَمِثْلان؟! قل: ما شاء الله ثم شئت".
قال الشافعي: والمشيئة مخالفة الطاعة والمعصية، فإن طاعة رسول الله ﷺ
стр. 839
ومعصيته تبع لطاعة الله ومعصيته، لأن الطاعة والمعصية منصوبتان بفرض الطاعة من الله، فأمر بها رسول الله ﷺ ، فجاز أن يقال: ومن يطع الله ورسوله ومن يعص الله ورسوله.
"والمشيئة": إرادة الله وقال الله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (١) فأعلم الله خلقه أن المشيئة له دون خلقه، وأن مشيئتهم لا تكون إلا أن يشاء الله، فيقال لرسول الله: ما شاء الله ثم شئت ولا شئت، يقال: ما شاء الله وشئت، ويقال: من يطع الله ورسوله على ما وصفت فإن الله تعبد العباد بأن فرض طاعة رسول الله، فإذا أطيع رسول الله فقد أطيع الله بطاعة رسوله.
وقد أخرج الشافعي في "سنن حرملة": عن سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة قال: أتى رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت في المنام أني لقيت بعض اليهود فقال لي: نِعْم القوم أنتم لولا أنكم تزعمون أنا نشرك وأنتم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشاء محمد.
فقال رسول الله ﷺ : "إن كنت لأكرهها لكم قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد" (٢).
...
стр. 840
الفرع الثامن
في الانصات للخطبة والكلام فيها
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن ثعلبة ابن أبي مالك أنه أخبرهم أنهم كانوا في زمان عمر بن الخطاب ﵁ يوم الجمعة يصلون حتى يخرج عمر بن الخطاب؛ فإذا خرج الإمام وجلس على المنبر وأذن المؤذن جلسوا يتحدثون؛ حتى إذا سكت المؤذنون وقام عمر سكتوا فلم يتكلم أحد".
وأخبرنا الشافعي قال: حدثني ابن أبي فديك، عن [ابن] (١) أبي ذئب، عن ابن شهاب قال: حدثني ثعلبة بن أبي مالك "أن قعود الإمام يقطع السبحة، وأن كلامه يقطع الكلام، وأنهم كانوا يتحدثون يوم الجمعة وعمر جالس على [المنبر] (٢)، فإذا سكت المؤذن قام عمر فلم يتكلم أحد حتى يقضي الخطبتين كلتيهما، فإذا قامت الصلاة ونزل عمر تكلموا".
أخرج مالك (٣) الرواية الأولى، وقد أخرجه الشافعي في القديم وزاد: قال ابن شهاب: [فخروج] (٤) الإمام يقطع الصلاة وكلامه يقطع الكلام.
"السبحة": صلاة النافلة وإنما سميت سبحة؛ لأن فيها تسبيحًا، وقد كان القياس أن الفريضة تسمى سبحة أيضًا، إلا أن العرف الشرعي والوضع النبوي خص بها النافلة.
"وكلا وكلتا": لفظتان مفردتان وإن كان معناهما التثنية، فكلا للمذكر وكلتا للمؤنث وهما إذا أضيفتا إلى المضمر كانا في الرفع بالألف وفي النصب
стр. 841
والجر بالياء، وإن أضيفتا إلى المظهر كانا معه بالألف على كل حال، تقول: قام الرجلان كلاهما، ورأيتهما كليهما، ومررت بهما كليهما، وقام كلا الرجلين، ورأيت كلا الرجلين، ومررت بكلا الرجلين.
وقد ذهب الفراء وغيره إلى أنه شيء قالوا: هو مأخوذ من كل فخففت اللام وزيدت الألف للتثنية.
هذا الحديث مسوق لبيان حكمين:
أحدهما: الصلاة في حال الخطبة.
والإنصات لسماع الخطبة.
أما الصلاة فالذي ذهب إليه الشافعي: أن صلاة النوافل يوم الجمعة مستحبة إلى أن يجلس الإمام على المنبر، فإن كان في صلاة أخفها وخرج منها، وإن كان خارجًا منها لم يبتدئ بها إلا تحية المسجد وسيأتي بيانه.
وأما الكلام والإمام يخطب فقال في القديم والإملاء: هو حرام، والإنصات واجب.
وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي، وأحمد، واختاره ابن المنذر.
وقال في الجديد: هو مستحب.
وإليه ذهب عروة بن الزبير والشعبي، والنخعي، وسعيد بن جبير، والثوري.
وهذا الخلاف فيمن يبلغه صوت الخطب، فأما من لم يبلغه فلا يلزمه السكوت بل هو مخير.
ووقت السكوت عند الشافعي وأحمد: إذا ابتدأ الخطيب بالخطبة.
وعند أبي حنيفة: إذا خرج.
والسكوت إلى أن تنتهي الخطبتان ويباح له الكلام، والأولى أن يستديم السكوت إلى أن يدخل في الصلاة.
قال الشافعي في القديم: وخبر ثعلبة عن عامة أصحاب رسول الله ﷺ في
стр. 842
دار الهجرة؛ أنهم كانوا يصلون نصف النهار يوم الجمعة ويتكلمون والإمام على المنبر.
قال: وأخبرنا الثقة، عن عبد الله بن جعفر، عن إسماعيل بن محمد، عن السائب بن زيد قال: رأيت عمر بن الخطاب يتحدث يوم الجمعة والمؤذنون يؤذنون.
قال: أخبرنا الثقة، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن موسى بن طلحة، عن عثمان مثله.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مثل معناه إلا أنه قال: لغيت.
قال ابن عيينة: لغيت لغة أبي هريرة.
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة.
أما مالك (١): فأخرج الرواية الثانية إسنادًا ولفظًا.
وأما البخاري (٢): فأخرجه عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب وزاد بعد قوله: "لصاحبك: يوم الجمعة".
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن قتيبة ومحمد بن رمح، عن الليث بإسناد
стр. 843
البخاري ولفظه، لكنه قدم الإنصات على يوم الجمعة.
وفي أخرى: عن [ابن] (١) أبي عمر، عن سفيان، عن أبي الزناد.
وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك بالإسناد الأول.
وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث.
وأما النسائي (٤): فأخرجه مثل الترمذي.
وقد أخرجه الشافعي: عن ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب.
"أنصت" ينصت إنصاتًا: إذا سكت واستمع إلى الحديث تقول منه: أنصتوا وأنصتوا له.
"واللغو": الهذر من القول والباطل، لغا يلغوا لغوًا , ولغى يلغي لغا وعلى هذه اللغة جاءت الرواية الآخرة.
يريد بالصاحب هاهنا: الجليس.
وقد أفادت تخصيصًا للقول الجمعة، وإن كان المراد بالروايات جميعها خطبة الجمعة، لكن هنا صرح بذكرها زيادة في البيان.
وفي إحدى الروايات قدم الإنصات على الجمعة.
وفي أخرى بعكسها.
وفي أخرى: ذكر الإمام.
وكل من هذه له فائدة: فمن كانت عنايته بأحد الأشياء الثلاثة قدمه بالذكر والكل في العناية سواء، فأيها قدم جاز لأنه لا بد من ذكر الإنصات والخطبة والجمعة، وبذكر الثلاثة يحصل كمال الغرض فأيها قدم كان مصيبًا.
стр. 844
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن أبي النضر، عن مولى عمر بن عبيد الله، عن مالك بن أبي عامر: "أن عثمان بن عفان كان يقول في خطبته -قل ما يدع ذلك إذا خطب-: إذا قام الإمام يخطب يوم الجمعة فاستمعوا وأنصتوا، فإن للمنصت الذي لا يسمع من الحظ مثل ما للسامع المنصت، فإذا قامت الصلاة فاعدلوا الصفوف وحاذوا بالمناكب، فإن اعتدال الصفوف من تمام الصلاة، ثم لا يكبر عثمان حتى يأتيه رجال قد وكّلهم بتسوية الصفوف فيخبرونه أن قد استوت فيكبر".
أخرج هذا الحديث مالك (١) بالإسناد واللفظ إلا أنه قال: مثل ما للمنصت السامع.
"ما" في قل زائدة جيء بها ليلي الفعل فعل آخر كما جيء بها في "ربما" ليلي "رب" فعل.
و"إذا" الأولى متعلقة بيدع، و"إذا" الثانية متعلقة بيقول، التقدير: أن عثمان كان قَلَّ ما يدع إذا خطب أن يقول: إذا قام الإمام فخطب.
ووجه التسوية بن المنصت الذي لا يستمع وبين المنصت السامع في الحظ: أن الذي لا يبلغه صوت الخطيب معذور في تعذر السماع، والذي يقدر عليه إنما هو الإنصات وهو الأصل في الاستماع، لأن من لم ينصت وإن كان يبلغه صوت الخطيب فإنه لا يسمع الخطة فسوى بينهما في الحظ لذلك.
والمراد من استماع الخطبة: ليس فرع صوت الخطيب أذن السامع حسب، إنما المراد فهم الخطبة؛ تقديرها والعمل بما فيها من موعظة ووعد ووعيد وغير ذلك.
"والتعديل" بين الأشياء: التسوية بينهما من العدل -الإنصاف- وتعديل الشيء تقويمه، تقول منه: عدلت بن الشيئين والأشياء، وعادلت مثله وعدلت فلانًا بفلان إذا سويت بينهما.
стр. 845
فإن كانت الهمزة في قوله: "فاعدلوا الصفوف" همزة وصل فهو من عدلت فلانًا بفلان يريد: سووا الصفوف.
فإن كانت همزة قطع: فقد أقام الهمزة مقام التشديد وهو من عدلت الشيء إذا قومته.
"والمحاذاة": -المساممة.
"والمناكب": أعالى الأكتاف والظهر والباء في "بالمناكب" إما زائدة لأن الفعل متعد.
وإما متعلقة بمحذوف فتقديره: حاذوا المناكب بالمناكب.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم، عن هشام، عن الحسن عن النبي ﷺ قال: "إذا عطس الرجل والإمام يخطب يوم الجمعة فشمته".
هكذا جاء هذا الحديث مرسلًا.
"عطَس" الرجل (بفتح الطاء) يعطس (بكسرها).
"والتشميت" (بالشين): الدعاء للعاطس وكل داع لأحد بخير فهو مشمت ومسمت.
قال أبو عبيد: المعجمة أعلى في كلامهم وأكثر.
واختار ثعلب فقلب المهملة قال: لأنه مأخوذ من السمت وهو القصد والمحجة.
وقد تقدم بيان قول الشافعي في وجوب الانصات واستحبابه فمع الوجوب تشميت العاطس لم يكن مختارًا والمسلِّم سلم في غير موضع السلام.
ومع الاستحباب: يرد السلام ويشمت العاطس.