والجر بالياء، وإن أضيفتا إلى المظهر كانا معه بالألف على كل حال، تقول: قام الرجلان كلاهما، ورأيتهما كليهما، ومررت بهما كليهما، وقام كلا الرجلين، ورأيت كلا الرجلين، ومررت بكلا الرجلين.
وقد ذهب الفراء وغيره إلى أنه شيء قالوا: هو مأخوذ من كل فخففت اللام وزيدت الألف للتثنية.
هذا الحديث مسوق لبيان حكمين:
أحدهما: الصلاة في حال الخطبة.
والإنصات لسماع الخطبة.
أما الصلاة فالذي ذهب إليه الشافعي: أن صلاة النوافل يوم الجمعة مستحبة إلى أن يجلس الإمام على المنبر، فإن كان في صلاة أخفها وخرج منها، وإن كان خارجًا منها لم يبتدئ بها إلا تحية المسجد وسيأتي بيانه.
وأما الكلام والإمام يخطب فقال في القديم والإملاء: هو حرام، والإنصات واجب.
وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي، وأحمد، واختاره ابن المنذر.
وقال في الجديد: هو مستحب.
وإليه ذهب عروة بن الزبير والشعبي، والنخعي، وسعيد بن جبير، والثوري.
وهذا الخلاف فيمن يبلغه صوت الخطب، فأما من لم يبلغه فلا يلزمه السكوت بل هو مخير.
ووقت السكوت عند الشافعي وأحمد: إذا ابتدأ الخطيب بالخطبة.
وعند أبي حنيفة: إذا خرج.
والسكوت إلى أن تنتهي الخطبتان ويباح له الكلام، والأولى أن يستديم السكوت إلى أن يدخل في الصلاة.
قال الشافعي في القديم: وخبر ثعلبة عن عامة أصحاب رسول الله ﷺ في
стр. 842
دار الهجرة؛ أنهم كانوا يصلون نصف النهار يوم الجمعة ويتكلمون والإمام على المنبر.
قال: وأخبرنا الثقة، عن عبد الله بن جعفر، عن إسماعيل بن محمد، عن السائب بن زيد قال: رأيت عمر بن الخطاب يتحدث يوم الجمعة والمؤذنون يؤذنون.
قال: أخبرنا الثقة، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن موسى بن طلحة، عن عثمان مثله.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مثل معناه إلا أنه قال: لغيت.
قال ابن عيينة: لغيت لغة أبي هريرة.
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة.
أما مالك (١): فأخرج الرواية الثانية إسنادًا ولفظًا.
وأما البخاري (٢): فأخرجه عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب وزاد بعد قوله: "لصاحبك: يوم الجمعة".
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن قتيبة ومحمد بن رمح، عن الليث بإسناد
стр. 843
البخاري ولفظه، لكنه قدم الإنصات على يوم الجمعة.
وفي أخرى: عن [ابن] (١) أبي عمر، عن سفيان، عن أبي الزناد.
وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك بالإسناد الأول.
وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن قتيبة، عن الليث.
وأما النسائي (٤): فأخرجه مثل الترمذي.
وقد أخرجه الشافعي: عن ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب.
"أنصت" ينصت إنصاتًا: إذا سكت واستمع إلى الحديث تقول منه: أنصتوا وأنصتوا له.
"واللغو": الهذر من القول والباطل، لغا يلغوا لغوًا , ولغى يلغي لغا وعلى هذه اللغة جاءت الرواية الآخرة.
يريد بالصاحب هاهنا: الجليس.
وقد أفادت تخصيصًا للقول الجمعة، وإن كان المراد بالروايات جميعها خطبة الجمعة، لكن هنا صرح بذكرها زيادة في البيان.
وفي إحدى الروايات قدم الإنصات على الجمعة.
وفي أخرى بعكسها.
وفي أخرى: ذكر الإمام.
وكل من هذه له فائدة: فمن كانت عنايته بأحد الأشياء الثلاثة قدمه بالذكر والكل في العناية سواء، فأيها قدم جاز لأنه لا بد من ذكر الإنصات والخطبة والجمعة، وبذكر الثلاثة يحصل كمال الغرض فأيها قدم كان مصيبًا.
стр. 844
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن أبي النضر، عن مولى عمر بن عبيد الله، عن مالك بن أبي عامر: "أن عثمان بن عفان كان يقول في خطبته -قل ما يدع ذلك إذا خطب-: إذا قام الإمام يخطب يوم الجمعة فاستمعوا وأنصتوا، فإن للمنصت الذي لا يسمع من الحظ مثل ما للسامع المنصت، فإذا قامت الصلاة فاعدلوا الصفوف وحاذوا بالمناكب، فإن اعتدال الصفوف من تمام الصلاة، ثم لا يكبر عثمان حتى يأتيه رجال قد وكّلهم بتسوية الصفوف فيخبرونه أن قد استوت فيكبر".
أخرج هذا الحديث مالك (١) بالإسناد واللفظ إلا أنه قال: مثل ما للمنصت السامع.
"ما" في قل زائدة جيء بها ليلي الفعل فعل آخر كما جيء بها في "ربما" ليلي "رب" فعل.
و"إذا" الأولى متعلقة بيدع، و"إذا" الثانية متعلقة بيقول، التقدير: أن عثمان كان قَلَّ ما يدع إذا خطب أن يقول: إذا قام الإمام فخطب.
ووجه التسوية بن المنصت الذي لا يستمع وبين المنصت السامع في الحظ: أن الذي لا يبلغه صوت الخطيب معذور في تعذر السماع، والذي يقدر عليه إنما هو الإنصات وهو الأصل في الاستماع، لأن من لم ينصت وإن كان يبلغه صوت الخطيب فإنه لا يسمع الخطة فسوى بينهما في الحظ لذلك.
والمراد من استماع الخطبة: ليس فرع صوت الخطيب أذن السامع حسب، إنما المراد فهم الخطبة؛ تقديرها والعمل بما فيها من موعظة ووعد ووعيد وغير ذلك.
"والتعديل" بين الأشياء: التسوية بينهما من العدل -الإنصاف- وتعديل الشيء تقويمه، تقول منه: عدلت بن الشيئين والأشياء، وعادلت مثله وعدلت فلانًا بفلان إذا سويت بينهما.
стр. 845
فإن كانت الهمزة في قوله: "فاعدلوا الصفوف" همزة وصل فهو من عدلت فلانًا بفلان يريد: سووا الصفوف.
فإن كانت همزة قطع: فقد أقام الهمزة مقام التشديد وهو من عدلت الشيء إذا قومته.
"والمحاذاة": -المساممة.
"والمناكب": أعالى الأكتاف والظهر والباء في "بالمناكب" إما زائدة لأن الفعل متعد.
وإما متعلقة بمحذوف فتقديره: حاذوا المناكب بالمناكب.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم، عن هشام، عن الحسن عن النبي ﷺ قال: "إذا عطس الرجل والإمام يخطب يوم الجمعة فشمته".
هكذا جاء هذا الحديث مرسلًا.
"عطَس" الرجل (بفتح الطاء) يعطس (بكسرها).
"والتشميت" (بالشين): الدعاء للعاطس وكل داع لأحد بخير فهو مشمت ومسمت.
قال أبو عبيد: المعجمة أعلى في كلامهم وأكثر.
واختار ثعلب فقلب المهملة قال: لأنه مأخوذ من السمت وهو القصد والمحجة.
وقد تقدم بيان قول الشافعي في وجوب الانصات واستحبابه فمع الوجوب تشميت العاطس لم يكن مختارًا والمسلِّم سلم في غير موضع السلام.
ومع الاستحباب: يرد السلام ويشمت العاطس.
стр. 846
قال الشافعي: ولو سلم رجل على رجل يوم الجمعة كرهت ذلك له ورأيت أن يرد عليه بعضهم، لأن رد السلام فرض.
ولو عطس يوم الجمعة فشمته رجل رجوت أن يسعه لأن التشميت سنة.
هذا قوله في الجديد وبه قال الحسن البصري، والنخعي، والشعبي، والحكم، وحماد، والثوري، وأحمد، وإسحاق.
وكان ابن المسيب يقول: يشمت العاطس.
وقال مالك، والأوزاعي: لا يشمت ولا يرد.
واستحب أصحاب الرأي قولة مالك.
قال الشافعي: وإن تكلم رجل والإمام يخطب لم أحب ذلك له، ولم يكن عليه إعادة الجمعة، ألا ترى أن النبي ﷺ كلم الذين قتلوا ابن أبي الحقيق على المنبر وكلموه وتداعوا قتله، أن النبي ﷺ كلم الذي لم يركع وكلمه.
أما حديث ابن أبي الحقيق فأخرجه في القديم: عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن ابن كعب بن مالك: "أن الرهط الذين بعثهم رسول الله ﷺ إلى ابن أبي الحقيق ليقتلوه بخيبر فقتلوه، فقدموا والنبي ﷺ على المنبر يوم الجمعة فلما رآهم قال: "أفلحت الوجوه". قالوا: أفلح وجهك يا رسول الله.
قال: "أقتلتموه"؟ قالوا: نعم.
وفي هذا الحديث زيادة من وجه آخر لم يخرجه الشافعي: "فدعا بالسيف الذي قتل به وهو قائم على المنبر فسله فقال رسول الله: "أجل، هذا طعامه في ذباب السيف".
стр. 847
وهذا وإن كان مرسلًا فهو مشهور فيما بين أهل العلم بالمغازي (١).
وقد روي من وجه آخر موصولاً عن عبد الله بن أنيس واحتج: حدثنا أنس ابن مالك: في الرجل الذي قام إلى رسول الله ﷺ يوم الجمعة وهو يخطب فقال: يا رسول الله، هلكت المواشي وانقطعت السبل.
وسيجيء الحديث بتمامه في كتاب الاستسقاء -إن شاء الله تعالى- واحتج بحديث عثمان بن عفان ﵁ حيث دخل يوم الجمعة وعمر على المنبر وقد تقدم ذكره.
قال الشافعي ﵁: فإن قيل: فما قول النبي ﷺ فقد لغوت؟.
قيل: -والله أعلم- أما ما وصفت من كلام رسول الله ﷺ وكلام من كلمه رسول الله ﷺ بكلامه، فيدل على ما وصفت وأن الإنصات للإمام اختيار وأن قوله: "لغوت" تكلمت في موضع الأدب فيه أن لا تكلم، والأدب في موضع الكلام أبي يتكلم بما يعنيه.
وقيل للشافعي: أفرأيت حديث أبي هريرة أيخالف حديث جابر وأبي سعيد؟ قال: لا يختلفان، هذا كلام النبي ﷺ وأمره وكلام من كلمه بأمره في الصلاة وفي قتل من قتل، فكلام الإمام في هذا وكلام من كلمه غير كلام رجل ليس بإمام كلم آخر مثله، بأن قال له أنصت وليس له ولا عليه من الأمر والنهي ما للإمام وعليه، وما على المأموم الذي يكلمه الإمام.
فإذا تكلم المأموم والإمام يخطب فلا أحب ذلك له ولا ينتقص عليه جمعته؛ فأكثر ما يصيبه في هذا أن يبطل عليه أجر من استمع الخطبة، فإذا كان لو فاتته الخطبة أجزأته الجمعة ولو أدرك ركعة أضاف إليها فكيف تفسد صلاته بالكلام
стр. 848
في استماع الخطبة؟.
وقال الشافعي فيما بلغه عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن منهال، عن عباد ابن عبد الله "أن عليًّا كان يخطب على منبر من آجُر فجاء الأشعث بن قيس وقد امتلأ المسجد وأخذوا مجالسهم فجعل يتخطى حتى دنى وقال: غلبتنا عليك هذه الحمراء (١).
فقال على: ما بال هذه الضياطرة (٢) يتخلف أحدكم ثم ذكر كلاما.
قال الشافعي: قد تكلم الأشعث فلم ينهه علي وتكلم علي ﵁.
...
стр. 849
الفرع التاسع
في القراءة والخطبة والصلاة
أخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن [خبيب بن] (١) عبد الرحمن بن يساف، عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان "أنها لم تحفظها إلا من النبي ﷺ يوم الجمعة وهو على المنبر، لكثرة ما كان النبي ﷺ يقرأ بها يوم الجمعة على المنبر".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثنا محمد بن أبي بكر ابن حزم، عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان مثله.
قال إبراهيم: ولا أعلمني إلا سمعت أبا بكر بن حزم يقرأ بها يوم الجمعة على المنبر.
قال إبراهيم: سمعت محمداً بن أبي بكر يقرأ وهو يومئذٍ قاضٍ على المدينة على المنبر.
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي.
فأما مسلم (٢): فأخرجه عن محمد بن بشار، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن خبيب، عن عبد الله بن محمد بن معن، عن بنت حارثة بن النعمان قالت: "ما حفظت "ق" إلا من فيّ رسول الله ﷺ يخطب بها كل جمعة".
قالت: وكان تنورنا وتنور رسول الله واحد.
وأما أبو داود (٣): فأخرجه عن محمد بن بشار بإسناد مسلم إلا أنه قال: ابنة الحارث بن النعمان.
стр. 850
قال: ورواه روح بن عبادة، عن شعبة فقال: ابنة حارثة بن النعمان.
وقال ابن إسحاق: أم هشام بنت حارثة بن النعمان.
وأما النسائي (١): فأخرجه عن محمد بن المثنى، عن هارون بن إسماعيل، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن محمد بن عبد الرحمن، عن ابنة حارثة.
قول إبراهيم: ولا أعلمني إلا سمعت أبا بكر بن حزم يريد: أنه وإن كان قد روى هذا الحديث عن عبد الله بن أبي بكر فإنه قد سمع أباه أبا بكر يقرؤها، كأنه أراد علو [الإسناد] (٢) برجل وأنه وإن كان قد روى عن الابن فقد سمع الأب.
وكذلك قوله أيضًا: "سمعت محمد [بن] (٣) أبى بكر يقرأ بها" يريد: أنه كما أنه روى عنه فقد سمعه يفعل بما روى له، كل ذلك يزيد الحديث بيانًا وصحة.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الخطيب يستحب له في آخر كل خطة سورة "ق".
وأخرج الشافعي أيضًا: عن مالك [عن] (٤) هشام، عن أبيه: "أن عمر بن الخطاب قرأ -يعني السجدة- وهو على المنبر يوم الجمعة".
قال الشافعي: إن عليًّا كان يقرأ على المنبر ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (٥) و ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ (٦) وبلغني أن عثمان بن عفان كان إذا كان في آخر خطبته قرأ آخر النساء ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ في الْكَلَالَةِ﴾ (٧) إلى آخر السورة.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثني محمد بن عمرو بن حلحلة، عن أبي نعيم: وهب بن كيسان، عن حسن بن
стр. 851
محمد بن علي بن أبي طالب أن عمر كان يقرأ في خطبته يوم الجمعة "إذا الشمس كورت" حتى بلغ "علمت نفس ما أحضرت" ثم يقطع السورة.
وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن هشام، عن أبيه أن عمر بن الخطاب قرأ بذلك على المنبر.
قوله: "كان يقرأ في خطبته" يدل على تكرار ذلك منه واعتياده له.
وقوله: "حتى بلغ" وكان القياس "حتى يبلغ" لأن المعطوف عليه مستقبل، ولكنه إنما جاء بالماضي حكاية حال الراوي عن عمر.
والقراءة في الخطبة غير متعينة، وقد ذكرنا وجوبها في الخطبة قبل هذا، وإنما تورد أمثال هذه الأحاديث محافظة على ما كان النبي ﷺ يقرؤه فيها، وكذلك الصحابة ﵃.
ففي حديث أم هشام ابنة حارثة "أن النبي ﷺ كان يقرأ فيها سورة "ق"".
وفي هذا الحديث أن عمر ﵁ كان يقرأ "كورت" والجميع سنة.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني عبد الله بن أبي لبيد، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة "أن رسول الله ﷺ "قرأ في ركعتي الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين".
وأخبرنا الشافعي: أنا عبد العزيز بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبد الله بن أبي رافع، عن أبي هريرة "أنه قرأ في الجمعة بسورة "الجمعة" و ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ قال عبد الله: فقلت له: قد قرأت بسورتين كان علي ﵁ يقرأ بهما في الجمعة.
فقال: إن رسول الله ﷺ كان يقرأ بهما".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد وغيره، عن جعفر، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبي هريرة "أن النبي ﷺ قرأ في إثر سورة الجمعة ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾.
стр. 852
أخرج الشافعي الروايتين الأولتين في كتاب "الجمعة" (١) والرواية الثالثة في كتاب "اختلافه مع مالك" (٢).
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي.
فأما مسلم (٣): فأخرجه عن عبد الله بن مسلمة، عن سليمان بن بلال، عن جعفر، عن أبيه، عن [ابن] (٤) أبي رافع قال: استخلف مروان أبا هريرة على المدينة وخرج إلى مكة، فصلى لنا [أبو] (٥) هريرة الجمعة فقرأ بعد سورة الجمعة في الركعة الآخرة ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ قال: فأدركت أبا هريرة فقلت له: إنك قرأت سورتين كان علي بن أبي طالب يقرأ بهما في الكوفة.
فقال أبو هريرة: أنى سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بهما يوم الجمعة.
وفي رواية: فقرأ بسورة "الجمعة" في السجدة الأولى، وفي الآخرة "إذا جاءك المنافقون".
وأما أبو داود (٦): فأخرجه بإسناد مسلم ولفظه إلا أنه لم يذكر استخلاف أبي هريرة.
وأما الترمذي (٧): فأخرجه عن قتيبة، عن حاتم بن إسماعيل عن جعفر بإسناد مسلم ولفظه.
هذه الباء الداخلة على سورتين وأمثالها قد تقدم القول فيها مرارًا, ولطول الأحاديث فلا بأس أن نشير إلى ما ينبه على معناها.
وذلك أنها في الأصل للإلصاق يكون المتقدم وألصقت قراءتك بها، إلا أن
стр. 853
الفعل متعد بنفسه فلا يحتاج إلى معد فلو قال: قرأت سورتين لكفاه، ولكنه أراد أن قراءته كانت مقروء بها بين السورتين، وأن الباء بمعنى الملابسة والمخالطة: أي قرأت متلبسًا بهاتين السورتين، كقوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (١) أي: تنبت ملتبسة ومختلطة بالدهن وأن الباء زائدة.
وقوله: "قرأ في إثر سورة الجمعة" يريد به: القراءة في الركعة الثانية لا أنه جمع بين السورتين في ركعة واحدة، تقول: جئت على إثره -مكسورة الهمزة- مثل أثره أي من بعده وعقيبه، وإنما جعل القراءة في الركعة الثانية على إثر القراءة في الركعة الأولى؛ لأن الركعة في اصطلاح الشرع: عبارة عن جميع الأفعال والأقوال المتعلقة بها من القيام، والقراءة، والركوع، والسجود، والنهوض، فحكم ذلك جميعه حكم شيء واحد، فكانت القراءة في الركعة الثانية في إثر الأولى، لأنها عند إنقضائها والفراغ منها شرع في القراءة، فجاز لذلك أن تقول: قرأ في إثر سورة الجمعة ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾.
والمستحب عند الشافعي: أن يقرأ في الصلاة الجمعة (٢) بهاتين السورتين.
وأبو حنيفة يرى تخصيص القراءة بشيء.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن ضمرة بن سعيد المازني، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة [أن] (٣) الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير: "ما كان النبي ﷺ يقرأ به يوم الجمعة؟. فقال: كان يقرأ بـ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ ".
هذا حديث صحيح أخرجه الجماعة إلا البخاري.
فأما مالك (٤): فأخرجه بالإسناد واللفظ.
стр. 854
وأما مسلم (١): فأخرجه عن عمرو الناقد، عن سفيان بن عيينة، عن ضمرة.
وأما الترمذي (٢): فأخرجه عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب [بن] (٣) سالم، عن النعمان بن بشير قال: "كان النبي ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأ بهما.
وأما النسائي (٤): فأخرجه عن قتيبة، عن مالك، عن ضمرة.
وهذا الحديث أخرجه الشافعي في كتاب "اختلافه مع مالك" (٥).
وليست القراءة في الصلوات مخصوصة ببعض القرآن دون بعض، إنما يستحب المحافظة على ما كان رسول الله ﷺ يكثر وقوعه منه.
والمشهور عنه في صلاة الجمعة بسورة "الجمعة" و"المنافقون"، وليست الغاشية وسبح بمنزلتهما في كثرة الوقوع منه، فكان الأخذ بهما أولى.
قال الربيع: سألت الشافعي ﵁ بأي شيء يستحب أن يقرأ في الجمعة؟. فقال: في الركعة الأولى بالجمعة، وأختار في الركعة الثانية ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، ولو قرأ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ أو ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ كان حسنًا، لأنه قد روي عن النبي ﷺ أنه قرأ بها كلها.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني مسعر بن كدام، عن معبد بن خالد، عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ أنه
стр. 855
كان يقرأ في الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
هذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي.
فأما أبو داود (١): عن مسدد، عن يحيى، عن شعبة، عن معبد بن خالد، عن زيد بن عقبة، عن سمرة.
وأخرجه النسائي (٢): عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد، عن شعبة مثل أبي داود.
ورواه الحسن بن علي بن عفان، عن محمد بن عبيد، عن مسعر، عن زيد، عن سمرة.
هكذا رواه جميعهم بزيادة زيد بن عقبة (٣).
والذي جاء في مسند الشافعي وسنن البيهقي بإسقاط اسم زيد بن عقبة.
وقد قال البخاري في تاريخه الكبير (٤): زيد بن عقبة سمع سمرة بن جندب، روى عنه عبد الملك بن عمير وابنه سعيد ومعبد ابن خالد.
وهذا الحديث وإن كان مرويًّا، إلا أن حديث أبي هريرة الذي قبله أولى
стр. 856
بالعمل منه لأمرين:
أحدهما: أن حديث أبي هريرة عمل به علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- وأبو هريرة، والحديث إذا عمل به أكابر الصحابة وبمحضر منهم؛ كان أولى بالعمل من غيره (١).
والثاني: أن حديث أبي هريرة أخرجه مسلم وهو آكد لصحته (٢).
...
стр. 857
الفرع العاشر
في أحكام وآداب للجمعة متفرقة
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني جعفر بن محمد، عن أبيه قال: "كان النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة فكانت لهم سوق يقال له البطحاء، كانت بنو سليم يجلبون الخيل والإبل والغنم والسمن، فقدموا فخرج إليهم الناس فتركوا رسول الله ﷺ ، وكان لهم إذا تزوج أحد من الأنصار ضربوا بالكبر (١) فعيرهم الله بذلك فقال: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (٢).
هذا الحديث هكذا جاء مرسلاً؛ لأن جعفرًا رواه عن أبيه، عن محمد.
ومحمد هو الباقر بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب، هو من التابعين.
وقد جاء هذا المعنى مسندًا عن جابر بن عبد الله أخرجه البخاري (٣)، ومسلم (٤)، والترمذي (٥).
وهذا لفظ إحدى روايات البخاري: أخرجه عن معاوية بن عمرو، عن زائدة، عن [حصين] (٦)، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر قال: "بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ إذ أقبلت عير تحمل طعامًا، فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي ﷺ إلا اثني عشر رجلاً، فنزلت هذه الآية ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (٢) ".
стр. 858
ولعل محمد الباقر يكون قد رواه عن جابر، فإنه كبيرًا كما يروى عنه (١).
"البطحاء": تأنيث الأبطح وهو مسيل الماء إذا كان واسعًا ومنه أبطح مكة.
الضمير في قوله: "لهم" راجع إلى أهل المدينة، لأن السوق المذكورة كانت بالمدينة.
وكذلك الضمير في قوله: "أحدكم" ويدل عليه قوله: "من الأنصار" فأبدل المظهر من المضمر زيادة في البيان.
"والكبَر": -بفتح الكاف وفتح الباء- هو الطبل ويجمع على أكبار وكبار مثل: جمل وأجمال.
"والتعبير": إلحاق العار بالأنساب لنقيصة ارتكبها.
"والانفضاض": التفرق، فضضت القوم فانفضوا أي: فرقتهم فتفرقوا.
وأعاد الضمير في قوله "انفضوا" إلى التجارة دون اللهو لأمرين:
أحدهما: أن التجارة أعظم قدرًا عندهم من اللهو وهم إليها أحوج وبها أعنى.
والثاني: أن الضمير إنما أعاده إلى المعنى دون اللفظ، التقدير: انفضوا إلى الرؤية التي رأوها، أي مالوا إلى طلب ما رأوه.
والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ في حكم الانفضاض أنه باعتبار أحوال ثلاثة في الخطبة وبعدها قبل الصلاة وفي خلال الصلاة.
أما الحال الأولى: فإن سكت الإِمام إلى أن عاد عن قرب، أو كان مكانهم آخرون غيرهم بني عليه، وإن مضى ركن من أركان الصلاة في غيبتهم لم يعتد به، وإن طال سكوت الإِمام ففي البناء قولان:
стр. 859
وأما الحال الثانية: فإن طال الفصل ففي جواز بناء الصلاة على الخطبة قولان، مرجعهما إلى أن الموالاة بين الخطبة والصلاة هل يشترط أم لا؟.
وأما الحال الثالثة ففيها ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الجمعة تبطل بنقصان العدد.
والثاني: إن كان العدد لا يشترط إلا في ابتداء الصحة انعقد، وفي الدوام يكفي أن يبقى واحد.
والثالث: أنه لا بد وأن يبقى اثنان سوى الإِمام نظرًا إلى أقل الجمع.
وقال أبو حنيفة: إن انفضوا عنه بعدما صلى ركعة بسجدة واحدة أتمها جمعة، وإن كان قبل ذلك لم يتمها جمعة.
وقال مالك مثله إلا أنه قال: ركعة بسجدتيها.
وقال أحمد: إن بقي معه أربعون أتمها جمعة وإلا صلاها ظهرًا.
وقال أبو يوسف ومحمد: انفضوا عنه بعد ما أحرم أتمها جمعة.
стр. 860
من أدرك ركعة من الصلاة
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة".
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة.
فأما مالك (١): فأخرجه عن الزهري بالإسناد واللفظ.
وأما البخاري (٢): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك.
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن يحيى بن يحيى.
وأما أبو داود (٤): فأخرجه عن القعنبي.
وأما النسائي (٥): فأخرجه عن قتيبة.
كلهم عن مالك، إلا أن مسلمًا قال في بعض طرقه: "ركعة من الصلاة مع الإِمام".
وقال النسائي في بعض طرقه: "من أدرك من صلاة الجمعة ركعة" (٦).
وقد أخرج الشافعي هذا الحديث عن مالك، عن ابن شهاب من رواية المزني (٧) عنه.
وقد تقدم القول في حكم هذا الحديث فيما سلف من الكتاب.
قال الشافعي: فكان أقل ما في قول رسول الله ﷺ : "فقد أدرك الصلاة" إن لم تفته الصلاة ومن لم تفته الجمعة صلاها ركعتين.
وقد أخرج الشافعي ﵁ فيما بلغه عن معاوية، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: إذا أدركت ركعة من الجمعة فأضف إليها أخرى، فإذا فاتك الركوع فصلها أربعًا.
قال الشافعي: وبهذا نقول لأنه يوافق ما روينا عن النبي ﷺ (٨).
стр. 861
إقامة الرجل من مجلسه
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا ابن عيينة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن [عمر] (١) قال: قال رسول الله ﷺ : لا يقيمن أحدكم الرجل من مجلسه ثم يخلفه فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني أبي، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "لا يعمد الرجل إلى الرجل فيقيمه من مجلسه ثم يقعد فيه".
هذا حديث صحيح أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي.
فأما البخاري (٢): فأخرجه عن محمد بن سلام، عن مخلد بن يزيد، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر.
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن قتيبة ومحمد بن رمح، عن ليث، عن نافع.
وله روايات أخرى.
وأما الترمذي (٤): فأخرجه عن قتيبة، عن حماد بن [زيد] (٥)، عن أيوب، عن نافع.
"خلفت" الرجل أخلفه: إذا جئت بعده وقمت مقامه.
"والتفسح": تفعل من الفسحة من الأرض وهو المتسع منها.
وإنما جمع بين تفسحوا وتوسعوا وهما بمعنىً واحد: التأكيد باختلاف اللفظ، وكثيرًا ما يجيء هذا النوع في كلامهم.
стр. 862
ومعنى قوله: "ولكن تفسحوا وتوسعوا" يجوز أن يكون من قول النبي ﷺ ، ومن قول الداخل للمصلين (١).
"وعمدت" للشيء وإلى الشيء -بالفتح- أعمِد -بالكسر- عمدًا: قصدت إليه، وتعمدت الشيء نقيض أخطأت.
والذي ذهب إليه الشافعي: أنه لا يجوز للداخل أن يقيم أحدًا من مجلسه الذي سبق إليه، إلا أن يكون جالسًا في مصلى الإِمام، أو طريق الناس، أو يكون مستقبل المصلين والموضع عليهم ضيق، فإن كان واسعًا انحرفوا عنه يمينًا وشمالًا.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا عبد المجيد، عن ابن جريج قال: قال سليمان بن موسى؛ عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ولكن ليقل: افسحوا".
هذا حديث مرسل أرسله سليمان بن موسى، وهو حديث صحيح أخرجه مسلم (٢): عن سلمة بن شبيب، عن الحسن بن أعين، عن معقل بن عبيد الله، عن أبي الزبير، عن جابر الحديث وفيه "ثم ليخالف إلى مقعده فيقعد فيه".
هذه اللام في قوله: "ليقل" لام الأمر وهي تدخل على الغائب، وقد أدخلت على المخاطب شاذًّا وعليه قرئ قوله تعالى في القراءة الشاذة ﴿فبذلك فليفرحوا﴾ (٣).
وأما اللام التي في "ليخالف إلى مقعده" فلام التعليل، وهي تستدعى معللًا محذوفًا بعطف "ثم" عليه تقديره لولا وجود ثم لا يقيمن أحدكم أخاه ليخالف إلى مقعده فيقعد فيه، فلما أدخل ثم احتاجت إلى تقدير محذوف نحو
стр. 863
قولك: ليتكبر عليه أو ليتقدم عليه ثم ليخالف إلى مقعده.
ويجوز: تقدير المحذوف متأخرًا أي: ليخالف إلى مقعده كانت إقامته إياه من مكانه.
ومثل هذا النوع كثير فاش في كلامهم، هو في القرآن العزيز كثير وعليه قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (١).
التقدير: يريد بكم اليسر لتصوموا, ولتكملوا ولتكبروا، أو لتكملوا العدة، ولتكبروا الله يعد ذلك.
وعليه قوله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ (٢) أخرجكم طفلًا.
وقوله: "ولكن ليقل: افسحوا" يعضد أن "تفسحوا وتوسعوا" في حديث ابن عمر من قول الداخل.
أخبرنا الشافعي ﵁: حدثنا إبراهيم بن محمد قال حدثني سهيل بن [أبي] (٣) صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إذا قام أحدكم من مجلسه يوم الجمعة ثم رجع إليه فهو أحق به".
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم وأبو داود.
فأما مسلم (٤): فأخرجه عن قتيبة، عن أبي عوانة وعبد العزيز بن محمد كليهما عن سهيل ولم يذكر يوم الجمعة.
стр. 864
وأما أبو داود (١): فأخرجه عن موسى بن إسماعيل، عن حماد، عن سهيل ولم يذكر الجمعة.
وكذلك لم يرد ذكر الجمعة في بعض طرق المسند (٢).
قال الشافعي: إذا جلس في موضع ثم قام لحاجته فجلس فيه غيره، فإذا عاد إلى موضعه أحببت لمن خلَّفه فيه أن يتنحى له عنه.
فأما إن كان قد سبق إلى موضع فجاء غيره فتنحى له، نظرت فإن كان قد تنحى إلى موضع يساوي الأول في سماع كلام الإِمام لم يكره له، وإن كان لا يساويه كره له ولا يكره ثم تنحى له أن يجلس في الحالين فيه.
стр. 865
النعاس والاحتباء يوم الجمعة
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: "كان ابن عمر يقول للرجل إذا نعس يوم الجمعة والإِمام يخطب؛ أن يتحول منه".
هكذا جاء هذا الحديث موقوفًا، وقد أخرجه الترمذي (١): عن أبي سعيد الأشج، عن عبدة بن سليمان وأبي خالد الأحمر، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "إذا نعس أحدكم يوم الجمعة فليتحول من مجلسه ذلك".
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وكذلك رواه يحيى بن سعيد، عن نافع.
قال البيهقي: الموقوف أصح (٢).
"النعاس": الوسن وهو أول النوم تقول: نعس ينعس نعاسًا فهو ناعس، ولا يقال: نعسان.
"والتحول": الانتقال من مكان إلى مكان آخر، يقال: تحولت عن المكان ومنه وإليه.
قال الشافعي: وأحب إذا نعس يوم الجمعة ووجد مجلسًا غيره ولا يتخطى فيه
стр. 866
أحدًا أن يتحول عنه، لأن ذلك يصرف عنه النوم.
والضمير في قوله: "منه" راجع إلى المجلس وهو غير مذكور، وذلك جائز لدلالة الحال عليه، ولفهم المخاطب له.
ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (١) يريد الشمس لما غربت ولم يتقدم لها ذكر وذلك في العربية كثير، ويحقق ذلك التصريح به في رواية الترمذي وقد أخرج الشافعي قال: أخبرني من لا أتهم، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يحتبي والإِمام يخطب يوم الجمعة.
وقد روي ذلك عن غير واحد من الصحابة والتابعين (٢)، والذي روي من حديث معاذ بن أنس "أن النبي ﷺ نهى عن الحبوة يوم الجمعة" إن ثبت (٣) فلما فيه اختلاف النوم، وتعريض الطهارة للانتقاض، فإذا لم يخش ذلك فلا بأس بالاحتباء.
"والاحتباء": هو أن -يجمع بين ظهره وركبتيه بحبل أو منديل ونحو ذلك ليكون كالمستند إلى شيء.
وقد يكون الاحتباء باليدين، والحبوة (بضم الحاء وكسرها).
стр. 867
التطوع بعد الجمعة
لم يرد في المسند فيه شيء ولكن روى المزني (١): عن الشافعي قال: أخبرنا عبد المجيد بن عبد العزيز قال أخبرنا: ابن جريج قال: أخبرنا عمر بن عطاء بن أبي الخوار أن نافع بن جبير أرسله إلى السائب بن زيد -ابن أخت نمر- سأله عن شيء رآه من معاوية في الصلاة: فقال نعم.
صليت مع معاوية الجمعة في المقصورة، فلما سلمت قمت في مقامي فصليت، فلما دخل أرسل إليَّ فقال: لا تعد لما فعلت إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج، فإن نبي الله ﷺ أمر بذلك أن لا توصل صلاة بصلاة حتى تتكلم أو تخرج".
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم (٢) وأبو داود (٣).
وقال الشافعي: هذا ثابت عندنا وبه نأخذ.
وقد روى المزني أيضًا: عن الشافعي، عن سفيان [عن] (٤) عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس أنه كان يأمرنا إذا صلى المكتوبة وأراد أن يتنفل بعدها أن لا يتنفل حتى يتكلم أو يتقدم.
وربما حدثه فقال: إذا صلى أحدكم المكتوبة ثم أراد أن يصلي بعدها، فلا يصلي حتى يتكلم أو يتقدم (٥).
وقد أخرج الشافعي فيما بلغه عن ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي حصين، عن عبد الرحمن، أن عليًّا ﵁ قال: من كان منكم مصليًا بعد الجمعة فليصل بعدها ست ركعات.
стр. 868
الصلاة على النبي ﷺ -
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم بن محمد، أخبرنا صفوان ابن سليم أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان يوم الجمعة فأكثروا الصلاة علي -وفي نسخة- يوم الجمعة وليلة الجمعة".
وأخبرنا الشافعي، أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر، أن النبي ﷺ قال: "أكثروا من الصلاة عليّ يوم الجمعة".
هكذا جاء الحديث مرسلًا من هذين الطريقين؛ لأن صفوان وعبد الله بن عبد الرحمن تابعيان جليلا القدر سمعا أنس بن مالك ورويا عنه.
وعبد الله يكنى: أبا طوالة الأنصاري المديني، سمع منه مالك بن أنس.
و"كان" في هذا الحديث تامة لا تحتاج إلى خبر، المعنى: إذا وجد ووقع يوم الجمعة.
وقوله: "فأكثروا الصلاة علي" ما تحتاج إلى ضمير يعود إلى ضمير تقديره: فيه، ومثله قوله تعالى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ (١) أي فيه.
والصلاة على النبي ﷺ هي الدعاء له، والوارد في الصلاة عليه ألفاظ كثيرة وأشهرها: اللهم صل على محمد وآل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم.
وقد تقدم ذلك في حديث التحيات فليطلب منه.
قال الشافعي: قد بلغنا عن عبد الله بن أبي أوفى أن النبي ﷺ قال: "أكثروا الصلاة علي في يوم الجمعة، فإني أبلغ وأسمع".
قال: وتضعف فيه الصدقة، وليس مما خلق الله من شيء فيما بين السماء
стр. 869
والأرض، -يعني غير ذي روح- إلا وهو ساجد لله تعالى في عشية الخميس لليلة الجمعة حتى يصبح يوم الجمعة، فإذا أصبح فليس من ذي روح إلا روحه في حنجرته مخافة أن تغرب الشمس؛ فإذا غربت الشمس أمنت الدواب وكل شيء كان فزعًا منها غير الثقلين (١).
قال الشافعي: وأحب كثرة الصلاة على النبي ﷺ في كل حال، وأنا في يوم الجمعة وليلتها أشد استحبابًا.
قال: وأحب قراءة سورة الكهف ليلة الجمعة ويومها لما جاء فيها.
...
стр. 870
الباب الخامس
في صلاة الخوف وأحكامها
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات، عمَّن صلى مع النبي ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: "وأن طائفة صفَّت معه وطائفة وجاه العدو فصلى بالذين معه ركعة ثم ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى لهم الركعة التي بقيت عليه، ثم ثبت جالسًا وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم".
وأخبرنا من سمع من عبد الله بن عمر بن حفص يذكر عن أخيه عبيد الله بن القاسم بن محمد، عن صالح بن خوات بن جبير، عن خوات بن جبير، عن النبي ﷺ مثل معناه لا يخالفه.
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة.
فأما مالك (١): فأخرجه بهذا الإسناد.
وأخرجه في أخرى: عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن صالح ابن خوات، عن سهل بن أبي حثمة.
وأما البخاري (٢): فأخرجه عن قتيبة، عن مالك وقال: عمن شهد رسول الله ﷺ يوم ذات الرقاع.
وفي أخرى: عن مسدَّد، عن القطان، عن يحيى بن سعيد مثل مالك.
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن مالك.
стр. 871
وقال: عمَّن صلى.
وفي أخرى (١): عن عبيد الله بن معاذ العنبري، عن أبيه، عن شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح، عن سهل.
وأما أبو داود (٢): فأخرجه عن العنبري بإسناد مسلم وسمى سهلًا.
وفي أخرى: عن القعنبي، عن مالك بإسناديه الأول والثاني.
وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن محمد بن بشار، عن القطان بإسناد البخاري وسمى سهلًا.
وأما النسائي (٤): فأخرج الرواية الأولى: عن قتيبة، عن مالك.
وفي أخرى: عن عمرو بن علي، عن القطان، عن شعبة بإسناد مسلم.
فهؤلاء جميعهم قد وافقوا الشافعي على رواية الحديث عمن صلى مع النبي ﷺ فكلهم سموا سهلًا.
وأما الرواية الثانية للشافعي: عن صالح بن خوات بن جبير؛ فلم يخرجها واحد منهم، فيحتمل أن يكون حديثًا آخر لأن خوات بن جبير صحابي.
أو يكون الاختلاف عن القاسم بن محمد، فإن بعضهم رواه عنه [عن] (٥) صالح، عن أبيه.
وبعضهم عنه عن صالح، عن سهل كما تقدم -والله أعلم- قال الشافعي: قال الله : ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا
стр. 872
مَوْقُوتًا﴾ (١) فبين رسول الله ﷺ عن الله ﵎ تلك المواقيت، فصلى
الصلوات لوقتها، فحوصر يوم الأحزاب فلم يقدر على الصلاة لوقتها فأخرها للعذر، حتى صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء في مقامٍ واحد.
وذكر حديث أبي سعيد الخدري وقد تقدم ذكره في آخره.
وذلك قبل أن ينزل الله في صلاة الخوف ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٢).
قال الشافعي: فبين الخدري أن ذلك قبل أن ينزل الله على النبي ﷺ الآية التي ذكر فيها صلاة الخوف، وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ في الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٣) وقال ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ (٤) الآية.
وذكر حديث صالح بن خوات ثم قال: فنسخ الله تعالى تأخير الصلاة عن وقتها في الخوف، بأن صلوها كما أنزل الله تعالى وسن رسول الله ﷺ في وقتها، ونسخ رسول الله ﷺ سنته في تأخيرها بفرض الله تعالى في كتابه ثم سنته حين صلاها في وقتها.
"وجاه" الشيء (بضم الواو بكسرها) وتجاهه (بالتاء المضمومة) كله بمعنى ما يقابله ويواجهه.
"وصفت الطائفة معه": يريد أنها صارت معه صفا تقول: صف بالقوم يصفون وصففتهم أنا فاصطفوا: إذا أقمتهم صفًا.
"ويوم ذات الرقاع": غزوة معروفة من غزوات النبي ﷺ وهي الغزوة السابعة من غزواته، وإنما سميت بذات الرقاع لما قاله أبو موسى الأشعري قال:
стр. 873
خرجنا مع رسول الله ﷺ ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه فتعقبت أقدامنا وسقطت أظفاري فكنا نلف على أرجلنا الخرق فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا" (١).
والذي ذهب إليه الشافعي: أن صلاة الخوف معمول بها باق حكمها بعد النبي ﷺ ، وإليه ذهب أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعن، وتابعي التابعين وغيرهم.
وقال أبو يوسف: إنما كانت تختص صلاة الخوف برسول الله في حال حياته لقول الله : ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ (٢).
وقال المزني: هي منسوخة.
وأما كمية صلاة الخوف: فإن كانت في السفر فركعتان، وإن كانت في الحضر فأربع وبه قالت الجماعة، إلا ما حكي عن ابن عباس أنه قال: صلاة الخوف بكل طائفة ركعة والإِمام ركعتان.
وبه قال الحسن، وطاوس، ومجاهد.
وأما كيفية صلاة الخوف: فإن الإِمام يحرم بالطائفة الواحدة ويصلي بهم ركعة خفيفة، فإذا قام إلى الثانية وقف قائمًا ثم صلوا لأنفسهم ركعة أخرى وتشهدوا وسلموا وانصرفوا والإِمام قائم، وهل يقرأ أم لا؟ فيه خلاف، ثم تأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم الركعة الثانية ثم يجلس للتشهد، ويقومون فيصلون لأنفسهم ركعة أخرى ثم يلحقونه في التشهد فيسلم ويسلمون معه، فيحل للإِمام ركعتان، ولكل واحد من الطائفتن ركعتان.
стр. 874
وبهذا القول قال مالك وأحمد وداود، إلا أن مالكًا قال: إذا جلس للتشهد جلسوا معه وإذا سلم قاموا وصلوا لأنفسهم ركعة أخرى ثم سلموا.
وقال أبو حنيفة: يصلي بإحدى الطائفتين ركعة ثم ينصرف إلى وجه العدو وهو في الصلاة، ثم تأتي الطائفة الأخرى إلى الإِمام فيصلي بهم الركعة الأخرى؛ ثم ترجع هذه الطائفة إلى وجه العدو وهي في الصلاة؛ ثم تأتي الطائفة الأولى إلى موضع الصلاة مع الإِمام فيصلي ركعة منفردة ولا يقرأ فيها.
لأنها في حكم الائتمام، ثم ينصرف إلى وجه العدو، ثم تأتي الطائفة الأخرى إلى موضع الإِمام فتصلى الركعة الثانية منفردة؛ وتقرأ فيها لأنها فارقت الإِمام بعد فراغه من الصلاة.
قال الشافعي: على من زعم أنها كانت للنبي ﷺ خاصة إذا ثبت عن رسول الله ﷺ شيء فهو عام إلا بدلالة لا يكون شيء من فعله خاصة حتى تأتينا الدلالة من كتاب أو سنة أو إجماع أنه خاص ويكتفى بالحديث عن النبي ﷺ عمن بعده.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا الثقة ابن علية أو غيره، عن يونس، عن الحسن، عن جابر "أن النبي ﷺ كان يصلي بالناس صلاة الظهر في الخوف ببطن نخلة: فصلى بطائفة ركعتين ثم سلم، ثم جاء بطائفة أخرى فصلى بهم ركعتين ثم سلم".
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي.
فأما البخاري (١): فإنه أخرجه مفرقًا ومجموعًا، رواية وتعليقًا، في جملة حديث طويل ذكره في الغزوات، فأقرب ما في طرقه مما يشبه هذه الرواية أنه قال: وقال أبان: حدثني يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر قال: "كنا مع النبي ﷺ بذات الرقاع وذكر الحديث وفيه قال: وأقيمت الصلاة فصلى بطائفة ركعتن، ثم أخروا وصلوا بالطائفة الأخرى ركعتين، فكان
стр. 875
للنبي ﷺ أربع وللقوم ركعتان.
وأما مسلم (١): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عثمان، عن أبان، عن يحيى بن أبي كثير بإسناد البخاري ولفظه ولهما روايات كثيرة غير هذه.
وأما النسائي (٢): فأخرجه عن عمرو بن علي، عن عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي الزيبر، عن جابر.
وفي الباب عن ابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، وحذيفة، وأبي هريرة وأبي بكرة، وعائشة.
"الطائفة" من كل شيء: بعضه.
قال الشافعي: أقل ما تكون الطائفة في صلاة الخوف ثلاثة لقوله: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ (٣) ثم قال: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾ (٣) فخاطبهم بلفظ الجمع، والجمع أقله عنده ثلاثة.
وقوله: "ثم جاء طائفة" فلم يثبت في "جاء" علامة التأنيث لأن الطائفة تأنيثها غير حقيقي، ومثله قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٤) وكما تقول: جاءني جماعة من الرجال، وجاءتني جماعة.
وهذه الأحاديث التي جاءت في صلاة الخوف كثيرة صحيحة لا مطعن فيها ورواتها ثقات، وفيها من الاختلاف ما لا خفاء به حتى في حديث جابر فإن الشافعي رواه فقال: صلى بإحدى الطائفتين ركعتين، ولذلك قال البخاري ومسلم في بعض طرقها، وفي بعض طرق مسلم والنسائي: "أنه صلى بكل طائفة ركعة" فحصل له ركعة، وقد صرح به النسائي في بعض طرقه قال:
стр. 876
فكانت للنبي ركعتان ولهم ركعة.
قال الخطابي: صلاة الخوف أنواع وقد صلاها رسول الله ﷺ في أيام مختلفة وعلى أشكال متناسبة، يتوخى في كلها ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة، وهي على اختلاف صورها مؤتلفة المعاني.
فأما توجيه قول الشافعي في روايته: أنه ﷺ صلى بطائفة ركعتين وبطائفة ركعتين، وإنما صلى بكل طائفة ركعة فالمراد بذلك: أن كل طائفة ركعتين في حكم صلاته والائتمام به فجاز نسبة الركعتين إليه حيث كانت الثانية داخلة في حكم الأولى.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أراه عن النبي ﷺ فذكر صلاة الخوف فقال: "إن كان خوفًا أشد من ذلك صلوا رجالا وركبانا مستقبل القبلة وغير مستقبلها".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا رجل، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ مثل معناه ولم يشك أنه عن أبيه وأنه مرفوع إلى النبي ﷺ .
مثل هكذا رواه ما في كتاب "الرسالة" (١) وإنما أراد مثل معناه في كيفية صلاة الخوف دون صلاة شدة الخوف.
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة، وقد تقدم تخريج طرقه في استقبال القبلة.
وقد أخرجه الشافعي في القديم: عن مالك، عن نافع، أن ابن "عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف قال: يتقدم الإِمام وطائفة من الناس فيصلي بهم ركعة، وتكون طائفة منهم بينه وبين العدو ثم يصلوا، فإذا صلى الذين معه ركعة
стр. 877
استأخروا مكان الذين لم يصلوا ولم يسلموا، ثم يتقدم بالذين لم يصلوا فيصلون معه ركعة، ثم ينصرف الإِمام وقد صلى ركعتين فتقوم كل واحدة من الطائفتين فيصلون لأنفسهم ركعة بعد أن ينصرف الإِمام، فتكون كل واحدة من الطائفتين قد صلوا ركعتين، فإن كان خوفًا أشد من ذلك صلوا قيامًا على أقدامهم، وركبانًا مستقبل القبلة وغير مستقبليها".
قال مالك، قال نافع: لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله ﷺ .
قال الشافعي: فإن قال: كيف أخذت بحديث خوات بن جبير دون حديث ابن عمر؟
قيل لمعنيين: موافقة القرآن وأن معقولًا فيه: أنه عدل بين الطائفتين.
وأخرى: أن لا يصيب المشركون غِرة من المسلمين.
قال في القديم: حديث خوات صحيح الإسناد ووجدناه أشبه الأقاويل بالقرآن، إذا زعمنا أن على المأموم ركعتين كما هما على الإِمام، فلم يذكر الله تعالى واحدة من الطائفتين يقضي ولم يكن نسيا، ووجد (١) علي بن أبي طالب -وهو ألزم شيء للنبي ﷺ في حروبه- صلى صلاة تشبه قولنا, ولم نجد صلاة أمنع لغرة العدو من هذه.
قال الشافعي: فقال: فهل للحديث الذي تركت وجه غير ما وصفت؟.
قلت: نعم. يحتمل أن يكون لما جاز أن يصلي صلاة الخوف على خلاف الصلاة في غير الخوف، جاز لهم أن يصلوها كيف تيسر لهم ومقدر حالاتهم وحالات العدو؛ إذا أكملوا العدد فاختلت صلالهم وكلها مجزئة عنهم.
قال الشافعي: وقد روي حديث لا يثبت أهل العلم بالحديث مثله أن النبي ﷺ صلى بذي قَرَد بطائفة ركعة ثم سلموا، وبطائفة ركعة ثم سلموا، فكانت
стр. 878
للإمام ركعتين ولكل واحدة ركعة (١).
قال الشافعي: وإنما تركناه لأن جميع الأحاديث في صلاة الخوف مجتمعة على أن المأمومين من عدد الصلاة ما على الإِمام، وكذلك أصل الفرض في الصلاة على الناس واحد في العدد، لأنه لا يثبت عندنا مثله لشيء في بعض إسناده، وحديث جابر لا وجه له إلا إذا كان العدو في القبلة، لأن فيها أن النبي ﷺ صف صفين والعدو بينهم وبين القبلة، فلو كان العدو في دبر القبلة وصلوا كذلك لكان تعريضًا للتلف وركوبًا للخطر، وأما رواية صالح ورواية ابن عمر فلكل منهما ترجيح على الأخرى:
أما ابن عمر: فإن فيها إثبات قضاء المأموم بعد فراغ الإِمام على ما أصلته الشريعة في سائر الصلوات. ورواية صالح فيها القضاء والإِمام في الصلاة وهذا خلاف الأصول.
وفي رواية صالح: من الترجيح قلة العمل في الصلاة، ورواية ابن عمر تضمنت انصراف المأموم صلاة الخوف من قاتل أهل الشرك وكل جهاد كان مباحاً فخاف أهله، وذلك جهاد أهل البغي، وجهاد قطاع الطريق، ومن أراد مال رجل ونفسه أو حريمه.
فإن النبي ﷺ قال: "من قتل دون ماله فهو شهيد".
ثم قال: حدثنا ابن عيينة عن الزهري، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أن رسول الله ﷺ قال: "من قتل دون ماله فهو شهيد".
هذا حديث صحيح أخرجه أبو داود (٢)، والترمذي (٣)، والنسائي (٤).
стр. 879
القسم الثاني من كتاب الصلاة
في النوافل
وفيه بابان:
الباب الأول
في النوافل المقرونة بالأوقات
وفيه سبعة فصول:
الفصل الأول
° في صلاة الوتر °
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا أبو يعفور، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة قالت: "من كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ فانتهى وتره إلى السحر".
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة إلا الموطأ.
فأما البخاري (١): فأخرجه عن عمر بن حفص، عن أبيه، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق.
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن (٣) سفيان، وعن أبي بكر ابن شيبة وأبي كريب، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن مسلم.
стр. 880
وأما أبو داود (١): فأخرجه عن أحمد بن يونس، عن أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن مسلم.
وأما الترمذي (٢): فأخرجه عن أحمد بن منيع، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن يحيى بن وثَّاب، عن مسروق.
وأما النسائي (٣): فأخرجه عن إسحاق بن منصور، عن عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي حصين، عن يحيى [عن] (٤) مسروق.
"الوتر": الفرد، وتفتح واوه وتكسر، والفتح لغة أهل الحجاز، أوتر إذا أفرد وصلاة الوتر معروفة.
وقوله: "من كل الليل قد أوتر" من هاهنا بمعنى في، أي: في كل ساعات الليل قد صلى الوتر ولم يخص وقتًا بعينه من الليل، وحقيقة من هاهنا: أن تكون لابتداء الغاية أي: إن ابتداء وتره كان من الليل.
وقولها: "من كل الليل" أي: ابتدأ من كل ساعة من ساعات الليل في الوتر.
وقولها: "فانتهى" هذه الفاء للتعقيب، تريد أن وتره كان متصلًا غير منقطع، فكان في ساعات الليل وأنه لا يقطع الوتر ليلة من الليالي، فانتهى إلى السحر فكان يعاقب الليالي وساعاتها كأنها متصلة بغير تراخ، فلذلك جاء بفاء التعقيب.
وتريد بالانتهاء إلى حين وفاته يدل عليه ما صرح به في رواية أبي داود والترمذي فإنهما قالا: "فانتهى وتره حتى مات إلى السحر"، وفي رواية