واسم جده: عثمان بن عبد الله التيمي وهو أخو طلحة بن عبيد الله.
"السلوك في الطريق": المشي فيها من قولك: سلكت الخيط في الإبرة إذا أدخلته فيها.
"والتمارون": جمع تمار وهو بائع التمر، وهذا من أبنية النسب الذي استغني بها عن يأئى النسب اللتين في تمري، وكما قالوا في النسب إلى التمر: تأمر وإلى اللبن لابن ونحو ذلك.
"والسوق": معروفة تذكر وتؤنث وكأن التأنيث فيها أكثر.
***
стр. 912
الفرع الثالث
في وقت الصلاة وموضعها
أخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني أبو الحويرث الليثي "أن رسول الله ﷺ كتب إلى عمرو بن حزم وهو بنجران: "أن عجل الأضحى، وأخر الفطر، وذكِّر الناس".
هذا حديث مرسل (١).
قوله: "عجل الأضحى وأخر الفطر" كلام فيه مضاف محذوف تقديره:
عجل صلاة الأضحى وأخر صلاة الفطر.
والسنة في صلاة العيد يوم الفطر أن تؤخر، ليخرج الناس صدقة الفطر قبل الصلاة فإنه أولى، وأن يعجل يوم الأضحى لأجل الأضحية وليأكل الناس من لحوم أضاحيهم لأن وقت التضحية بعد الصلاة وذكّر الناس: أي عظهم يعني: الخطبة.
وفي هذا دليل على أن الخطبة بعد الصلاة.
وأخرج الشافعي ﵁ قال: أخبرنا الثقة، أن الحسن كان يقول: "إن النبي ﷺ كان يغدو إلى الأضحى والفطر حين تطلع الشمس فيتتام طلوعها".
وأخرج الشافعي ﵁ قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني عبيد الله بن عمر، عن نافع: "أن ابن عمر كان يغدو إلى المصلى يوم الفطر إذا طلعت الشمس".
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: أخبرني عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "صلى النبي ﷺ يوم العيدين بالمصلى لم يصل قبلهما ولا بعدهما شيئًا، ثم انفتل إلى النساء
стр. 913
فخطبهن قائمًا وأمر بالصدقة، قال: فجعل النساء يتصدقن بالقرط وأشباهه".
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة إلا الموطأ.
وأما البخاري (١): فأخرجه عن سليمان بن حرب، عن شعبة، عن عدي بالإسناد وذكر نحوه.
وأما مسلم (٢): فأخرجه عن عبيد الله بن معاذ العنبري (٣)، عن شعبة، عن عدي نحوه وقالا: "فجعلت المرأة تلقى خرصها وسخابها".
ولهما روايات أخرى كثيرة.
وأما أبو داود (٤) عن حفص بن عمر، عن شعبة بالإسناد.
وأما الترمذي (٥): فأخرجه عن محمود بن غيلان [عن] (٦) أبي داود الطيالسي، عن شعبة.
وأما النسائي (٧): [فأخرجه عن عبد الله بن سعيد الأشج عن ابن إدريس، عن شعبة] (٨).
وفي الباب عن عبد الله بن عمر، وأبي سعيد.
"القرط": من حلي الأذن معروف، وهو ما علق في شحمة الأذن من ذهب أو فضة وقد يكون فيه خرز وفصوص، والجمع قرطة بوزن عنبة وقراط بوزن حمار.
стр. 914
"والخريص" (بالضم والكسر): الحلقة من الذهب أو الفضة وهو حلي العرب، ويجمع على خرصان.
"والسخاب": قلادة من مسك وغيره من الطيب وليس فيهما من الجوهر شيء.
قاله الجوهري. والجمع: سخب وقيل: إنه القلادة من الخرز يلبسها الصبيان والجواري.
وقد أخرج الشافعي ﵁: عن إبراهيم بن محمد قال: أخبرني جعفر بن محمد، عن رجل: أن أبان بن عثمان صلى بالناس في مسجد النبي ﷺ يوم الفطر في يوم مطير في يوم فطر.
قال: وحدثني إبراهيم قال: حدثني صالح بن محمد بن زائدة: أن عمر بن الخطاب صلى بالناس في يوم مطر في المسجد مسجد النبي ﷺ .
وقد روى عبيد الله التيمي، عن أبي هريرة أنهم أصابهم مطر في يوم عيد فصلى بهم النبي ﷺ في المسجد.
وقد أخرج الشافعي ﵁ فيما بلغه عن ابن مهدي، عن شعبة، عن محمد بن النعمان، عن أبي قيس الأودي، عن هذيل: أن عليًّا ﵁ أمر رجلاً أن يصلى بضعفة الناس يوم العيد أربع ركعات في المسجد.
وفي ما بلغه: عن أبي أحمد الكوفي، عن سفيان، عن أبي قيس، عن هذيل، عن علي مثله.
وعن ابن علية، عن ليث، عن الحكم، عن ابن المعتمر أن عليًّا قال: صلوا يوم العيد في المسجد أربع ركعات؛ ركعتان للسنة وركعتان للخروج.
قال: وقال ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي إسحاق: أن عليًّا أمر رجلاً يصلي بضعفة الناس يوم العيد في المسجد ركعتين.
فيحتمل أن يكون المراد بالأول: ركعتين مفصولتين تحية المسجد، وركعتين أخرتين للعيد والله أعلم-.
стр. 915
الفرع الرابع
في أن الصلاة قبل الخطبة
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن أيوب السختياني قال: سمعت عطاء بن أبي رباح يقول: سمعت ابن عباس يقول: "أشهد على رسول الله ﷺ أنه صلى قبل الخطبة يوم العيد ثم خطب، فرأى أنه لم يسمع النساء فأتاهن فذكرهن ووعظهن وأمرهن بالصدقة، ومعه بلال قائل بثوبه هكذا فجعلت المرأة تلقى الخرص والشيء".
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
فأما البخاري (١): فأخرجه عن أبي عاصم، عن ابن جريج، عن الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن ابن عباس قال: "شهدت العيد مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان؛ فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة".
وفي أخرى: قال ابن جريج: عن الحسن بن [مسلم] (٢)، عن طاوس، عن ابن عباس قال: "شهدت الفطر مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان يصلونها قبل الخطبة ثم يخطب ثم ذكر نحو موعظة النساء والصدقة".
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة وابن أبي عمر، عن سفيان بإسناد الشافعي ولفظه، إلا أنه قال: "أشهد على رسول الله ﷺ لصلى قبل الخطبة".
стр. 916
وأما أبو داود (١)، فأخرجه عن حفص بن عمر، وابن كثير، عن شعبة، عن أيوب بالإسناد: "أنه خرج يوم الفطر فصلى ثم خطب ثم أتى النساء ومعه بلال وفيه: فأمرهن بالصدقة فجعلن يلقين".
وفي أخرى (٢) قال: فقسمه على فقراء المسلمين.
وأما النسائي (٣): فأخرجه عن محمد بن منصور، عن سفيان، عن أيوب بالإسناد.
هذا الحديث وإن كان طريقًا من طرق حديث عبد الله بن عباس الذي قبل هذا، إلا أن ذلك مسوق لبيان أنه صلى صلاة العيد بالمصلى، وهذا مسوق لبيان تقديم الصلاة على الخطبة، وفي الرواية الأولى حكم التنفل يوم العيد، وسيرد فيما بعد ذكر ذلك.
قوله: "فبلال قائل بثوبه هكذا" يعني أنه عطف طرف ثوبه إلى ما يلي وجهه، ليصبر كالوعاء الحافظ لما يقع فيه.
"والخرص": قد تقدم بيانه.
"والشيء": كناية عن الموجودات العامة، فكلما تصدقن به أطلق عليه اسم الشيء، فلذلك جاء باللفظ العام، وقد تقدم بيان ذكر إطلاق هذه اللفظة على المعدوم والاختلاف فيه.
واللام في رواية مسلم في قوله: "ليصلي" جواب القسم الذي دل عليه قوله: "أشهد على رسول الله ﷺ " ومثله قول امرئ القيس:
حَلَفَتُ لها بالله حِلْفَة فاجِر ... لناموا فما إن مِنْ حديث ولا صال
وفي رواية أبي داود: "فجعلن يلقين" ولم يذكر الشيء الملقى لدلالة اللفظ عليه، لأنه قال: "وعظهن وذكرهن وأمرهن بالصدقة، ثم قال: فجعلن يلقين" أي يتصدقن ويلقين إليه ما معهن، وحذف المفعول في العريية لأنه فضلة والعلم
стр. 917
به وهو في حذفه على ضربين:
الأول: أن يحذف لفظًا ويراد معنى وتقديرًا، نحو قوله تعالى: ﴿الله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ (١) التقدير: ويقدره ليعود الضمير إلى الرزق، وقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢) يريد السيئة.
الثاني: أن يحذف ويجعل الحذف منسيًّا؛ حتى كان فعله من جنس الأفعال غير المتعدية؛ كما ينسى الفاعل عند بناء الفعل لما لم بسم فاعله، وذلك مثل قولهم: فلان يعطى ويمنع ويصل ويقطع، وعليه قوله تعالى: ﴿وَأَصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾ (٣).
والذي ذهب إليه الشافعي: أن الصلاة يوم العيد قبل الخطبة، وعليه إجماع المسلمين إلا ما روي عن مروان بن الحكم أنه صلى بعد الخطبة.
وسيرد ذكر ذلك في حديث أبي سعيد الخدري، وقد روى عن عثمان بن عفان أنه خطب ثم صلى لما كثر الناس على عهده، وكذلك روي عن عبد الله ابن الزبير.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثني أبو بكر بن عمر بن عبد العزيز، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر "أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يصلون في العيدين قبل الخطبة".
وأخبرنا الشافعي قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني عمر بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان مثله.
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.
стр. 918
فأما البخاري (١): فأخرجه عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبي أسامة [عن] (٢) عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر لفظ الشافعي الأول.
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبدة بن سليمان وأبي أسامة مثل البخاري.
وأما الترمذي (٤): فأخرجه عن محمد بن المثنى، عن أبي أسامة بالإسناد.
وهذا الحديث مسوق لبيان حديث ابن عباس تأكيدًا له وتثبيتًا للعمل به.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني داود بن الحصين، عن عبد الله بن يزيد الخطمي: "أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يبدؤن بالصلاة قبل الخطبة، حتى قدم معاوية فقدم معاوية الخطبة".
هذا الحديث مسوق لبيان تأكيد ما سبق من تقديم الصلاة على الخطبة؛ وأن ذلك لم يزل من فعل النبي ﷺ وإلى آخر زمن عثمان ﵁ وأن أول من قدم الخطبة معاوية.
ويريد بقوله "حتى قدم معاوية" قدومه إلى المدينة، لأن عبد الله بن يزيد الخطمي صحابي أنصاري، وإنما قديمة معاوية المدينة في حال خلافته.
والذي جاء في الصحيح في حديث أبي سعيد الخدري: أن أول من قدمها مروان على أنه قد يمكن الجمع بين الحديثين: وذلك أن مروان كان أميرًا على المدينة لمعاوية، فيكون معاوية قد أمره بتقديم الخطبة فنسب أبو سعيد التقديم إلى مروان؛ لأنه المباشر للتقديم، ونسبه عبد الله بن يزيد إلى معاوية لأنه الذي أمر به.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم بن محمد وقال:
стр. 919
حدثني محمد بن عجلان، عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، أن أبا سعيد الخدري قال: أرسل إلى مروان وإلى رجل قد سماه فمشى بنا حتى أتى فذهب ليصعد فجبذته إليَّ فقال: يا أبا سعيد، تُرك الذي تعلم، فقال أبو سعيد: فهتفت ثلاث مرات وقلت: والله لا تأتون إلا شرًّا منه".
وأخبرنا الشافعي ﵁ قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال حدثني زيد بن أسلم، عن عياض بن عبد الله بالإسناد قال: "كان النبي ﷺ يصلي يوم الفطر والأضحى قبل الخطبة".
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه البخاري، ومسلم.
وأما البخاري (١): فأخرجه عن سعيد بن أبي مريم، عن محمد بن جعفر، عن زيد [عن] (٢) عياض بالإسناد قال: "كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم، ويوصيهم ويأمرهم، وإن كان يريد أن يقطع بعثًا قطعه أو يأمر بشيء أمر به ثم ينصرف، فقال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان وهو أمير المدينة من أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلى فجبذت بثوبه فجبذني، فارتفع فخطب قبل الصلاة فقلت له: غيرتم والله فقال: يا أبا سعيد قد ذهب ما تعلم.
فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم.
فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبل الصلاة".
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر عن إسماعيل ابن جعفر، عن داود بن قيس، عن عياض
стр. 920
بنحو لفظ البخاري، وفي آخره قلت: كلا والذي نفسي بيده لا يأتون بخير مما أعلم -ثلاث مرار- ثم انصرف.
وقد أخرج النسائي (١) طرفًا من أول رواية البخاري، ولم يتعرض لذكر مروان والخطبة.
وكذلك قد أخرج أبو داود (٢) طرفًا؛ يتضمن ذكر تقديم الخطبة وليس من هذا الحديث.
وهذا الحديث أيضًا مسوق لما سبق إليه حديث أبي عبد الله بن يزيد الخطمي، وقد تقدم ذكره وأن مروان هو أول من قدم الخطبة على الصلاة، وبينا وجه الجمع بين الحديثين.
"والجبذ": لغة الجذب، وقيل: مقلوب منه.
وقوله: "ترك الذي يعلم" أي ترك العمل بما يعلمه من سنة النبي ﷺ والخلفاء بعده.
"والهتف": الصوت تقول: هتف به يهتف هتفًا وهتافًا، أي: صاح به.
وقوله: "لا يأتون إلا شرًّا منه" يريد شراً مما أعلم، ويجوز أن يكون أراد: لا يأتون إلا شرًّا من هذا الفعل الذي قد فعلته وهو تقديم الخطبة على الصلاة؛ لأن من أقدم على تغيير سنة جارية معمول بها متصلة أقدم على ما هو مثلها وأعظم منها لأن منتهك الحرمة يجرئه انتهاكه على مباشرة أمثالها وما هو أكثر منها.
ولقائل أن يقول: إن قوله: "لا يأتون إلا شرًّا منه". للتفضيل ويدل ذلك على أن فيما كان يعلمه أبو سعيد شرًّا حتى قال: شرا منه.
والجواب عن ذلك: أن هذا باب واسع في العربية كثير الاستعمال وهو في القرآن العزيز كثير، فإن أفعل وان كان موضوعًا للتفضيل والتفضيل لا يكون
стр. 921
إلا بعد الاشتراك في الوصف الذي انفرد الأفضل بزيادة فيه على المفضول، نحو زيد أحسن من عمرو، فقد اشترك في الحسن وزاد حسن زيد على عمرو بما فضل به عليه.
فاعلم أن العرب قد اتسعت في لغتها وأطلقت أفعل على ما لم يقع فيه الاشتراك، قالوا: الثلج أبيض من القار، والعسل أحلى من النحل، وعليه قول الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ (١).
وقوله : ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ (٢).
وهذا التفضيل وإن أهل الجنة والنار لا خير فيها.
وقيل: إن هذا على طريق المظاهرة في الاحتجاج، أي: لو كان لأهل النار مستقر خير لكان هذا خيرًا منه.
وقيل: الجنة والنار قد دخلا في باب المنازل في صنف واحد فوقع التفضيل في ذلك.
وعلى كلا التقديرين يحمل قوله: "شرا منه" والله أعلم.
"والبعث": طائفة من الجند يبعثون في سرية.
وقطعهم: أفرادهم من العسكر الأعظم.
وقد أخرج الشافعي ﵁ في القديم: عن مالك، عن ابن شهاب: "أن رسول الله ﷺ [كان] (٣) يصلي يوم الفطر ويوم الأضحى قبل الخطبة".
قال: وأخبرنا مالك أنه بلغه أن أبا بكر وعمر كانا يفعلان ذلك.
وقد أخرج الشافعي من رواية المزني (٤): عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي
стр. 922
عبيد -مولى ابن أزهر- أنه قال: "شهدت العيد مع عمر بن الخطاب فجاء فصلى ثم انصرف فخطب الناس فقال: إن هذين يومان نهى رسول الله ﷺ عن صومهما يوم فطركم من صيامكم، والآخر يوم تأكون فيه من نسككم، قال أبو عبيد: ثم شهدت العيد مع عثمان بن عفان فجاء فصلى ثم انصرف فخطب فقال: إنه قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان، فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة فلينتظرها، ومن أحب أن يرجع فليرجع فقد أذنت له".
قال أبو عبيد: "ثم شهدت العيد مع علي بن أبي طالب -وعثمان محصور- فجاء فصلى ثم انصرف فخطب".
هذا حديث صحيح قد أخرجه الجماعة (١)، وقد أخرج الشافعي أيضًا منه طرفًا وسيرد في موضعه بطرقه.
...
стр. 923
الفرع الخامس
في تكبيرات الصلاة
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني جعفر: "أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كبروا في العيدين والاستسقاء سبعًا وخمسًا، وصلوا قبل الخطبة وجهروا بالقراءة".
قال الشافعي: يكبر في الركعة الأولى سبع تكبيرات سوى تكبيرات الإحرام، وفي الثانية. خمسًا سوى تكبيرة النهوض.
وروي ذلك عن أبي سعيد الخدري، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة.
وبه قال الليث، والأوزاعي، وداود، وقال مالك، وأحمد، والمزني، وأبو ثور مثلهم، إلا أنهم جعلوا تكبيرة الإحرام من السبع.
وقال أبو حنيفة: الزوائد ست، ثلاث في الأولى وثلاث في الآخرة.
وروي ذلك عن ابن مسعود.
وقال الثوري: الزوائد أربع أربع.
وروي ذلك عن حذيفة، وأبي موسى، وابن الزبير، وابن مسعود.
وقال النخعي: الزوائد تسع تسع.
وروي ذلك عن ابن عباس، والمغيرة، وأنس، وابن المسيب.
وأما الجهر بالقراءة فيها فهو إجماع المسلمين.
وروي ما ذهب إليه الشافعي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عن النبي ﷺ .
ورواه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده: "أن رسول الله ﷺ -كان يكبر في العيدين في الركعة الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمس تكبيرات قبل القراءة".
стр. 924
قال أبو عيسى الترمذي: سألت البخاري عن هذا الحديث؟.
فقال: ليس في هذا الباب شيء أصح من هذا وبه أقول، قال: وحديث عمرو بن شعيب في هذا الباب هو صحيح أيضًا (١).
وأخبرنا الشافعي ﵁ قال: حدثني إبراهيم بن محمد، عن إسحاق بن عبد الله، عن عثمان بن عروة، عن أبيه: "أن أبا أيوب وزيد بن ثابت أمرا مروان أن يكبر في صلاة العيدين سبعًا وخمسًا".
وهذا الحديث مؤكد لما سبق، وهو موقوف على أبي أيوب وزيد بن ثابت وهما صحابيان، لأن قوله: "أمرا مروان" يدل على أن الأمر منهما، وجائز أن يكونا أمراه بأن أخبراه به عن النبي ﷺ ، فذكرا علة أمرهما إياه بالإخبار عن النبي ﷺ .
وأخبرنا الشافعي ﵁ قال: أخبرنا مالك، عن نافع -مولى ابن عمر- قال: "شهدت الفطر والأضحى مع أبي هريرة فكبر في الركعة الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة، وفي آخره خمس تكبيرات قبل القراءة".
هذا حديث صحيح أخرجه مالك (٢) في الموطأ إسنادًا ولفظًا.
قال الشافعي في القديم: وقال بعض الناس: يكبر أربعًا في الأولى بالتي يفتتح بها الصلاة، ثم يقرأ ثم يكبر فيركع ثم يقوم فيقرأ ثم يكبر أربعًا.
وعاب علينا قولنا وزعم أنَّا إنما رويناه عن غير أبي هريرة، قال: قول ابن مسعود أحق أن يؤخذ به.
فقيل له: إن تكبيرة العيدين من الأمر الذي لا يجهله العلماء ولا نحسب ابن
стр. 925
مسعود يخالف فيه أصحابه ولو فعل -رحمة الله عليه- لأن الثابت عندنا من أهل الأمانة قول أهل المدينة، ولو لم يكن عندنا فيه إلا فعل أبي هريرة تكبيره في دار الهجرة والسنة وبين أصحاب رسول الله ﷺ مع علمه وعلمهم به، علمنا أنه لم يكبر بهم خلاف تكبير رسول الله ﷺ إن شاء الله- ولو خفي علينا تكبير النبي ﷺ علموه إياه أنكروا عليه خلافه، و [لم يكن] (١) ذلك كفعل رجل في بلد كلهم يتعلم منه ليسوا كأهل المدينة، وتكبير أبي هريرة عام لأنه بين ظهراني المهاجرين والأنصار وأهل العلم.
والذي ذهب إليه الشافعي: أن التكبير في صلاة العيدين قبل القراءة في الركعتين.
وقال أبو حنيفة والثوري: يكبر في الركعة الأولى قبل القراءة وفي الثانية بعدها.
وفيه عن أحمد روايتان.
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثني جعفر ابن محمد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب: "أنه كبر في العيدين والاستسقاء سبعًا وخمسًا وجهر بالقراءة".
هذا الحديث مؤكد لأحاديث قبله وهو موقوف على علي -كرم الله وجهه- والمشهور عند الشيعة في صلاة العيد: أن يكبر في الأولى سبعًا في جملتها تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع وذلك قبل القراءة، وفي الثانية يقوم إليها من غير تكبير ثم يقرأ ويكبر بعد القراءة أربع تكبيرات ثم يكبر للركوع.
стр. 926
الفرع السادس
في القراءة في صلاة العيد
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن ضمرة بن سعيد المازني، عن عبيد الله بن عتبة، أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي ما يقرأ به النبي ﷺ في الأضحى والفطر؟ فقال: "كان رسول الله ﷺ يقرأ بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ (١) و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (٢).
هكذا جاء في كتاب صلاة العيدين (٣).
وأخرجه الشافعي أيضًا في كتاب "اختلافه مع مالك" (٤) بهذا الإسناد وفيه: أبا واقد الليثي ماذا كان يقرأ به رسول الله ﷺ .
هذا حديث صحيح أخرجه الجماعة إلا البخاري.
فأما مالك (٥): فأخرجه بالإسناد واللفظ وقال: ما كان يقرأ به.
وأما مسلم (٦): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن مالك بالإسناد ولفظ مالك.
وله في أخرى: عن إسحاق بن إبراهيم، عن أبي عامر العقدي، عن فليح، عن ضمرة، عن عبيد الله، عن أبي واقد قال: سألني عمر بن الخطاب عما قرأ به رسول الله ﷺ في يوم العيد؟ فقلت: بـ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ و ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾.
وأما أبو داود (٧): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك بالإسناد.
стр. 927
ماذا كان يقرأ به.
وأما الترمذي (١): فأخرجه عن إسحاق بن موسى الأنصاري، عن معن بن عيسى، عن مالك بالإسناد واللفظ.
وفي أخرى: عن هناد، عن سفيان بن عيينة، عن ضمرة.
وأما النسائي (٢): فأخرجه عن محمد بن منصور، عن سفيان بن عيينة، عن ضمرة، عن عبيد الله قال: خرج عمر ذات يوم فسأل أبا واقد وذكره.
قال الشافعي في رواية حرملة: هذا ثابت إن كان عبيد الله لقي أبا واقد.
وإنما قال هذا لأن عبيد الله لم يدرك أيام عمر مسألته أبا واقد، وبهذه العلة لم يخرجه البخاري -والله أعلم- وإنما أخرجه مسلم لأن فليح بن سليمان رواه عن ضمرة، عن عبيد الله، عن أبي واقد قال: سألني عمر.
فصار الحديث بذلك موصولاً.
وهذا يدلك على حسن نظر الشافعي ومعرفته بصحيح الأخبار وسقيمها.
والذي جاء في الرواية الأولى: أنه سأل أبا واقد ما يقرأ به رسول الله ﷺ ؟ وفي باقي الروايات: ما كان يقرأ، وماذا كان يقرأ؟.
فإن صح حذف كان ولم يكن سهوًا من النساخ فبينهما فرق دقيق: وذلك أن عمر ﵁ إنما أراد سؤاله أبا واقد استثباته وتحقق ما قرأ به النبي ﷺ في صلاة العيدين، وليسمع من الناس من لم يكن عساه عرف ذلك، فإذا سمعوه وقد استفسر ذلك من صحابي مشهور كان أعلق بقلوبهم وأدخل في أسماعهم، فلما كان غرض عمر هذا القدر قال له في سؤاله: ما كان رسول الله ﷺ ؟.
وهذا هو اللفظ الموضوع للسؤال عن كيفية فعل صادر عن فاعل غائب ولاسيما غيبة الموت، فدخول كان يفيد انقراض زمن المسئول عن فعله وقوله أو
стр. 928
غيبته.
وأما قوله: "ما يقرأ به" -مع حذف كان، فإنه أراد تصوير رسول الله ﷺ في نفس المسئول والسامعين كأنه حاضر، واستفسره عنه استفسار الموجود الحاضر فقال: "ما يقرأ به رسول الله ﷺ "؟ كأنه موجود فسأل عن قراءته كيف هي، وفي هذا زيادة استثبات لأن من سأل عن حال شخص موجود فأخبر بها كان أقرب إلى التصديق من الإخبار عن حال غائب مسئول عنها, ولأن نسبة التحريف إلى الأخبار عن المعدوم والغائب أقرب منه عن الموجود والحاضر، فكان حذف "كان" في هذا المقام أبلغ في القول والخطاب من إثباتها.
والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أنه يستحب أن يقرأ في الركعة الأولى من صلاة العيدين بـ "ق" وفي الثانية "اقتربت" عملًا بهذا الحديث.
وقال أبو حنيفة: لا اختصاص لهاتين السورتين دون غيرهما من السور.
وقال مالك وأحمد: يقرأ بسورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (١) وسورة "الغاشية".
قال الشافعي -في رواية حرملة في حديث أبي واقد-: يحتمل أن يكون ذلك الذي حفظ من عيد أو أعياد، وقد كانت أعياد على عهد رسول الله ﷺ فيكون صادقًا أن النبي ﷺ قرأ بما ذكر في العيد.
وإنما أراد الشافعي بما ذكر حديث النعمان بن بشير "أن النبي ﷺ قرأ في الجمعة والعيدين بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
وفرق بين قوله: "كان يقرأ" وبين قوله: "أنه قرأ" فإن لفظة "كان يقرأ" يفيد استمرارًا وكثرة.
стр. 929
الفرع السابع
في الخطبة
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا إبراهيم بن محمد [عن عبد الرحمن ابن عبد الله عن إبراهيم بن عبد الله] (١)، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: "السنة أن يخطب الإمام في العيدين خطبتين يفصل بينهما بجلوس".
هذا حديث مرسل، عبيد الله بن عبد الله تابعي جليل أحد الفقهاء السبعة، وقد تقدم في صلاة الجمعة حكم الخطبتين والجلوس بينهما وحكم خطبة العيد في ذلك كحكم خطبة الجمعة.
وقوله: "السنة أن يخطب" من ألفاظ رواية الحديث وهي دائرة بين الرواة مقبولة عندهم، لأن السنة لا تضاف إلا إلى ما سنه النبي ﷺ وأمر به، لكنه إن ورد عن صحابي مشهور فهو داخل في حكم المسند، لأن الصحابي لا يقول ذلك إلا عن رسول الله ﷺ ، فأما إن كان تابعيًّا أو غيره ففيه نظر وتفصيل يحتاج إلى استفسار لأنه ربما يكون قد حكي عن إجماع الصحابة أو عن إجماع منهم.
وظاهر إطلاق قوله: "أن يخطب في العيدين خطبتين" يعني أن الخطبتين في العيدين أي في كل عيد خطبة وليس كذلك إنما يريد في كل عيد خطبتين.
وقوله: "يفصل بينهما بجلوس" يحقق هذا المعنى لأن الجلوس إنما يكون بين خطبتين متلاحقتين لا بين خطبتين في عيدين.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم قال: حدثني ليث، عن عطاء: "أن رسول الله ﷺ كان إذا خطب يعتمد على عنزته اعتمادًا".
"العنزة": كالحربة، وقد تقدم ذكرها في صلاة الجمعة، وقد جاء في رواية
стр. 930
"يعتمد على عنزة".
وقد أخرج الشافعي قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ كان إذا خطب اعتمد على عصا.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني هشام بن حسان، عن ابن سيرين "أن النبي ﷺ كان يخطب على راحلته بعدما ينصرف من الصلاة يوم الجمعة والنحر".
هذا الحديث مرسل من هذا الطريق.
وقد رواه ابن عون، عن ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أبيه قال: "خطب رسول الله ﷺ على راحلته يوم النحر وأمسكت -إما قال: بخطامها، وإما قال: بزمامها" (١) وذكر الحديث.
"الراحلة": هي البعير القوي على الأسفار والأحمال جملًا كان أو ناقة.
والذي ذهب إليه الشافعي ﵁: أن الإمام يستحب له أن يخطب يوم العيد قائمًا، فإن خطب جالسًا أجزأه لهذا الحديث لأنه خطب وهو جالس على الراحلة.
وفي هذا نظر: فإن القيام في الخطبة إنما شرع ليرى الناس الخطيب ويسمعوه حيث هو قائم، وإذا كان على الراحلة فإنه يظهر للناس ويسمعوه أكثر من القائم؛ لأن البعير أعلى من قامة الرجل. والله أعلم.
وقد أخرج الشافعي ﵁: عن إبراهيم بن محمد، عن عبد الله، عن إبراهيم بن عبد الله، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عتبة قال: السنة في التكبير يوم الأضحى والفطر على المنبر قبل الخطبة: أن يبتدئ الإمام قبل الخطبة وهو قائم على المنبر بتسع تكبيرات تترى لا يفصل بينهما بكلام؛ ثم يخطب،
стр. 931
ثم يجلس جلسة؛ ثم يقوم في الخطبة الثانية فيفتحها بسبع تكبيرات لا يفصل بينهما بكلام ثم يخطب".
وأخرج الشافعي ﵁ عن الثقة من أهل المدينة أنه أُثْبت له كتابٌ عن أبي هريرة فيه: تكبير الإمام في الخطبة الأولى يوم الفطر والأضحى إحدى أو ثلاث وخمسون تكبيرة في فصول الخطبة بين ظهراني الكلام.
***
стр. 932
الفرع الثامن
في الصلاة قبل العيد وبعده
أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثني عمرو بن أبي عمرو [عن ابن عمر] (١): "أنه غدا مع النبي ﷺ يوم العيد إلى المصلى، ثم رجع إلى بيته، لم يصل قبل العيد ولا بعده".
وقد تقدم في الفرع الثالث حديث ابن عباس في هذا المغنى، وهذا الحديث أوضح دلالة منه لأنه قال: "إن النبي ﷺ صلى يوم العيد"، وهذا قال: "أنه غدا مع رسول الله ﷺ إلى المصلى، ثم رجع إلى بيته" فحصر الحال بين الغدو والرجوع وذكر أنه كان حاضرًا وفي هذا من زيادة البيان ما ليس في ذلك.
قال الشافعي عقيب هذا الحديث: هكذا نحب للإمام وأما المأموم فمخالف للإمام، قال: وقد تنفل قوم قبل صلاة العيد وبعدها، وآخرون قبلها، وآخرون بعدها، وآخرون تركوه كما يكونون في كل يوم يتنفلون ولا يتنفلون.
والمذهب: أن صلاة العيد عنده سنة مؤكدة.
وقال أبو سعيد الاصطخري: إنها واجبة على الكفاية وليس لها سنة راتبة قبلها ولا بعدها، لأنها نافلة والنافلة لا تبع لها, ولا بأس للمأموم أن يتنفل قبلها وبعدها بخلاف الإمام فإنه يكره له ذلك، لأنه ربما توهم الناس أنها سنة ويتبعونه فيها. وروي ذلك عن أنس، وأبي هريرة، وسهل بن سعد، ورافع بن خديج.
وبه قال الحسن البصري، وجابر بن زيد، وعروة بن الزبير.
وقال الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة: يكره قبلها ولا يكره بعدها.
وبه قال علقمة، والأسود، ومجاهد، وابن أبي ليلى.
стр. 933
وقال مالك وأحمد: يكره قبلها وبعدها.
وروي عن مالك: أنه إذا صلى العيد في المسجد يجوز التنفل فيه.
وروي ذلك عن علي، وابن عمر، وابن مسعود، وحذيفة، وجابر بن عبد الله، وابن أبي أوفى.
[وبه] (١) قال مسروق، والشعبي، والقاسم بن محمد، وسالم، والزهري ومعمر، وابن جريج.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: أخبرني سعد ابن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن عبد الملك بن كعب بن عجرة: "أن كعب بن عجرة لم يكن يصلى قبل العيد ولا بعده".
قال الشافعي: وروي هذا عن ابن مسعود أو أبي مسعود، وحذيفة، وجابر ابن عبد الله، وابن أبي أوفى، وشريح، [وابن معقل] (٢) شك الربيع.
قال الشافعي: وروي عن سهل بن سعد، وعن رافع بن خديج: أنه كان يصلي قبل العيد وبعده.
إلا أن في حديث كعب بن عجرة ما يشعر بزيادة في البيان، وهو قوله: "لم يكن يصلي" فإن قوله: "لم يكن" يدل على تكرار ذلك منه وأن هذه كانت عادته، وأن ذلك لم يكن منه مرة واحدة ولا على سبيل الندور.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن علي بن الحنفية، عن أبيه قال: "كنا في عهد النبي ﷺ يوم الفطر والأضحى لا نصلي في المسجد حتى نأتي المصلى، فإذا رجعنا مررنا بالمسجد فصلينا فيه".
стр. 934
غرض الشافعي من هذا الحديث: بيان أن النوافل ما كان في عهد النبي ﷺ
يصلونها يوم العيد قبل الصلاة حتى في المسجد، وإنما كانوا يصلونها بعد فراغهم من الصلاة.
وكل هذا تأكيد لما ذهب إليه، وذلك أنهم بعد الرجوع يكونون قد قضوا ما أرادوا من صلاة العيد، وتكون صلاتهم في المسجد بعد الرجوع غير معدوقة (١) العيد ولا مضافة إليه بخلاف ما لو صلوها في المصلى عقيب صلاة العيد لكانت منسوبة إلى العيد، وهذا جميعه لبيان، أنها لم تكن للعيد نافلة مسنونة.
وأخبرنا الشافعي ﵁ عن مالك، عن نافع،: " [أن ابن عمر] (٢) لم يكن يصلي يوم الفطر قبل الصلاة ولا بعدها".
هذا حديث صحيح أخرجه الموطأ، والترمذي.
فأما الموطأ (٣): فأخرجه إسنادًا ولفظًا.
وأما الترمذي (٤): فأخرجه عن الحسين بن حريث -أبي عمار- عن وكيع، عن أبان بن عبد الله البجلي، عن أبي بكر بن (٥) حفص -وهو: ابن عمر بن سعد بن أبي وقاص- عن ابن عمر: "أنه خرج يوم عيد ولم يصل قبلها ولا بعدها، وذكر أن النبي ﷺ فعله".
رواية الشافعي أكمل الروايتين، لأن الشافعي قال: لم يكن يصلي يوم الفطر وهذا عام في الأعياد وحكاية حال مستمرة له.
ورواية الترمذي: "أنه خرج يوم عيد" وهو حكاية عن حال واحد في عيد واحد.
стр. 935
الفرع الثامن (*)
في اجتماع العيد والجمعة
أخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني إبراهيم بن عقبة، عن عمر بن عبد العزيز قال: "اجتمع عيدان على عهد رسول الله ﷺ فقال: "من أحب أن يجلس من أهل العالية فليجلس في غير حرج".
هذا الحديث مرسل (١) وقد روى من وجه آخر موصولاً عن إياس بن أبي رملة الشامي قال: شهدت معاوية بن أبي سفيان وهو يسأل زيد بن أرقم: "هل شهدت مع رسول الله ﷺ عيدين اجتمعا في يوم؟ قال: نعم.
قال: كيف صلى؟.
قال: صلى العيد ثم رخص في الجمعة فقال: "من شاء أن يصلي فليصل".
ورواه عبد العزيز بن رفيع، عن ذكوان -أبي صالح- عن النبي ﷺ مرسلًا.
وقيل: عنه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرسلًا (٢).
стр. 936
"العالية": مواضع بأعالي أرض المدينة كان أهلها يحضرون أيام العيد والجمع للصلاة وسماع الخطبة.
"والحرج": الإثم والضيق.
والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن العيد إذا وافق يوم جمعة فإن الجمعة لا تسقط عن أهل المصر.
وبه قال أكثر الفقهاء.
وقال عطاء: يصلي العيد ويترك الجمعة، ولا صلاة في هذا اليوم إلا العصر.
وقال أحمد: يقسط عنهم حضور الجمعة.
وأما أهل السواد: فإن الشافعي قال: يخطب الإِمام ويأذن لأهل السواد في الانصراف إلى أهاليهم إن شاءوا، ليس ذلك لأحد من أهل المصر، والاختيار لهم أن يقيموا حتى يجمعوا أو يعودوا إن قدروا.
واختلف أصحاب الشافعي في هذا القول على طريقين: فمنهم من قال: أهل السواد الذين يبلغهم النداء.
ومنهم من قال: أهل السواد كلهم لا يجب عليهم.
وهذا ظاهر كلام الشافعي ورخص لهم في ترك الجمعة تخفيفًا.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن أبي عبيدة -مولى ابن أزهر- قال: شهدت العيد مع عثمان بن عفان فجاء يصلي ثم انصرف فخطب فقال: إنه قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان، فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة فلينتظرها، ومن أحب أن يرجع فليرجع فقد أذنت له.
стр. 937
هذا طرف من حديث صحيح قد أخرجه مالك (١) بطوله.
وقد أخرج الشافعي من الحديث طرفًا آخر قد تقدم ذكره في صلاة الجمعة؛ وذكرناه أيضًا في الفرع الرابع من هذا الفصل.
...
стр. 938
الفرع التاسع (*)
في أحاديث متفرقة
أخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني عبد الله بن عطاء بن إبراهيم -مولى صفية بنت عبد المطلب- عن عروة بن الزبير، عن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: "الفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون".
هذا حديث أخرجه الترمذي (١): عن يحيى بن موسى، عن يحيى بن اليمان، عن معمر، عن محمد بن المنكدر، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس".
"أفطر" الصائم يفطر إفطارًا وهو مفطر والاسم الفطر، وقوم مفاطير وقوم فطر أي: مفطرون، وكأنه مصدر في الأصل.
"والأضحى" بفتح الهمزة والقصر: اسم يوم عيد النحر، والأصل فيه الأضحية: وهي الشاة التي تذبح يوم العيد.
قال [الأصمعي] (٢): فيه أربع لغات: أُضحية وأَضحية وضحية وأضحاة والأوليان يجمعان على الأضاحي مثل: أتقية وأتاقي، والثالثة على ضحايا مثل: عطية وعطايا، والرابعة على أضحى مثل: أرطاة وأرطى وبهذه الرابعة سمي يوم العيد.
وقال الفراء: الأضحى يذكر ويؤنث، فمن ذكَّر ذهب به إلى اليوم، ومن أَنَّثَ فلأنه جمع أضحاة.
قال الترمذي (٣): وفسر أهل العلم هذا الحديث فقالوا: إنما معنى هذا أن
стр. 939
الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس.
وإيضاح ذلك: أن الخطأ موضوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد، فلو أن قومًا اجتهدوا فلم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين من شعبان، ثم صاموا ولم يفطروا حتى استكملوا العدد لرمضان، ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعًا وعشرين فلا شيء عليهم من وزر ولا قضاء، إلا أن يكونوا قد استوفوا شعبان ثلاثين ثم ثبت أنه كان تسعًا وعشرين، فإنه يجب عليهم قضاء يوم ولا وزر عليهم.
وكذلك الحجيج إذا أخطأوا يوم عرفة فوقفوا اليوم العاشر، صح حجهم فلا قضاء عليهم، وإن أخطأوا بالتقديم فوقفوا في الثامن لم يصح حجهم وعليهم القضاء، لأن ذلك نادر وذلك تخفيف من الله تعالى ورفق بالعباد، لأنه لو كلفهم إذا أخطأوا العدد، يعيدوا ولم يأمنوا الخطأ ثانية وثالثة؛ فإن ما كان طريقه الاجتهاد كان الخطأ غير مأمون فيه؛ فيكون تقدير اللفظ يوم الفطر: هو اليوم الذي يجمعون على الفطر فيه، سواء كان مصادفًا للصحة أو مخالفًا، ويوم الأضحى: هو اليوم الذي يجمعون على التعييد والتضحية فيه ويكون مرفوعًا لأنه خبر المبتدأ وليس بظرف، وإن شئت نصبت "مصلى" الظرفية.
وتكون في موضع رفع لأنه خبر المبتدأ الذي هو الفطر تقديره: الفطر في اليوم الذي يفطرون فيه، لأن ظروف الزمان تكون إخبارًا عن الأحداث دون الجثث (١) تقول: القتال اليوم، أي: هو كائن في اليوم، فموضع الجملة رفع لأنها خبر المبتدأ.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثني محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان إذا (٢) غدا إلى المصلى
стр. 940
يوم العيد كبر فيرفع صوته بالتكبير".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، أخبرني عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يغدو إلى المصلى يوم الفطر إذا طلعت الشمس فيكبر حتى يأتي المصلى يوم العيد، ثم يكبر المصلى حتى إذا جلس الإِمام ترك التكبير".
هكذا رواه إبراهيم بن محمد، عن ابن عجلان موقوفًا.
ورواه ابن شهاب: عن عبيد الله بن عمر موقوفًا.
ورواه عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر [مرفوعًا] (١) إلى النبي ﷺ في رفع الصوت بالتهليل والتكبير حتى يأتي المصلى.
"المصلى" (بضم الميم وفتح اللام): موضع الصلاة وكذلك اسم الموضع من فعل رباعي فإنه مفعل (بضم الميم).
وقوله: "يوم العيد" في قوله: "الصلاة يوم العيد" (٢).
وإليه ذهب الشافعي: أن التكبير يوم الفطر سنة قال: وأحب إظهار التكبير فرادى وجماعة مقيمين ومسافرين، في منازلهم، ومساجدهم، وأسواقهم.
قال الشافعي: وأحب أن يكبر الإمام خلف صلاة المغرب، والعشاء والصبح، وبين ذلك، وغاديًا حتى ينتهي إلى المصلى.
وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة، وعن سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي بكر بن عبد الرحمن، ونافع بن جبير، وإبراهيم النخعي، وابن أبي ليلى، وأبي الزناد، وعمر بن عبد العزيز، وأبان بن عثمان، وأبي بكر بن محمد، والحكم، وحماد
стр. 941
وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
وروى عن أبي حنيفة أنه قال: يكبر يوم الأضحى في ذهابه إلى المصلى ولا يكبر في الفطر.
وروي عنه مثل قول الشافعي.
وقال داود: التكبير واجب ويستحب أن يرفع صوته بالتكبير ويستديمه إلى أن يجلس الإمام على المنبر.
وفي أول وقت التكبير وآخره خلاف بين العلماء، وسيرد ذكره في كتاب الحج -إن شاء الله تعالى-.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: أخبرني صفوان بن سليم: "أن النبي ﷺ كان يطعم قبل أن يخرج إلى الجبان يوم الفطر ويأمر به".
هذا حديث مرسل، وقد ورد مرفوعًا عن علي بن أبي طالب ﵁ وأنس بن مالك، وبريدة، ورواه الشافعي بمعناه عن ابن المسيب، وعروة بن الزبير.
"طعِم" -بكسر العين- يطعم -بفتحها-: إذا أكل.
"والجبان": الصحراء، وكذلك الجبانة وقد تطلق على المقابر لأنها تكون في الصحراء، والمراد في الحديث: الأول، لأن المصلى يوم العيد في الصحراء.
والمستحب: أن يأكل يوم الفطر قبل الصلاة، ولا يأكل في الأضحى حتى يصلى، لأن الفطر واجب يوم العيد ويميز عيد الفطر لأجل اتصال صوم رمضان به، خلاف يوم النحر لأنه ليس قبله صوم واجب.
وقيل: لأن الصدقة يوم العيد مسنونة قبل الصلاة، فيستحب له أن يأكل منها ليشارك المساكين في ذلك.
بخلاف يوم النحر لأن الصدقة تستحب في الأضحية، ووقت الأضحية بعد الصلاة فاستحب تأخير الأكل إلى أن يبدأ بالأكل من أضحيته -والله أعلم.
стр. 942
الباب الثاني
في الصلاة المقرونة بالأسباب
وفيه ثلاثة (١)
الفصل الأول
في صلاة الكسوف
أخبرنا الشافعي ﵁ قال: أخبرنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي مسعود الأنصاري قال: انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، فقال الناس: "انكسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال النبي ﷺ : "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله وإلى الصلاة".
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي.
فأما البخاري (٢): فأخرجه عن مسدد، عن يحيى بن إسماعيل بالإسناد.
وأما مسلم (٣): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع وأبي أسامة وابن نمير.
وعن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير ووكيع.
وعن ابن أبي عمر، عن سفيان ومروان، كلهم عن إسماعيل بالإسناد.
وأما النسائي (٤): فأخرجه عن يعقوب بن إبراهيم، عن يحيى بن إسماعيل.
تقول: كسفت الشمس وخسف القمر هذا هو اللغة الفصحى، ثم يقال: خسفت الشمس وكسف القمر.
стр. 943
فأما انكسفت وانخسفت فغير مستعمل إلا في الكلام النازل، والظاهر أن هذا من تحريف الرواة.
"وكسفت": يكون قاصرًا ومتعديًّا تقول في القاصر: كسفت الشمس تكسف كسوفًا، وفي المتعدي كسفها الله يكسفها كسفًا.
والكسوف والخسوف: عبارة عن انمحاء ضوء الشمس والقمر.
فأما سبب كسوف الشمس وخسوف القمر: فهما وإن كانا بتقدير الله وأمره وإرادته، إلا أنه سبحانه قد جعل لهما سببًا يوجدان عند وجوده، كما فرق المسببات بالأسباب في مجرى العادات عبرة لأولي الألباب السليمي الطبع، وتبصرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع فتبارك الله أحسن الخالقين، ولا يظن أن الخوض في معرفة أمثال هذه الحكم؛ والبحث عن الوقوف على أشباه هذا الخلق (١) مما يقدح في الأديان أو تنهى عنه الشرائع، كيف وقد أثنى الله- على طالب ذلك وفاعله فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٢).
أترى الفكر في السموات -التي أثنى الله على صاحبه- هو التعجب من لونها وحسن وضع الكواكب المنيرة فيها؛ مع الغفول عن الفكر في هيئتها وارتفاعها، وسرعة حركتها ومسير الكواكب فيها وطلوعها، وغروبها، واستقامتها ورجوعها، واختفائها، وظهورها، وعظم أجرامها، واختلاف أقدارها متلاها واستقبالها، واتصالها، وانفصالها، واجتماعها، وافتراقها،
стр. 944
وبعدها، وقربها، وخسوفها، وكسوفها، واستنارتها، وإظلامها؟ لا والله ليس الثناء على التفكر فيها إلا في أمثال هذه الأشياء وأشباهها؛ وكذلك التفكر في الأرض وما فيها من الموجودات: برها وبحرها، طولها، وعرضها، وسعتها، وجبالها، وصحارها، وآكامها، وروابيها، وأوديتها، ومنخفضها، ومرتفعها وأحجارها وصخورها، واختلاف ألوانها، وأنهارها، وأشجارها، وثمارها، وحرها، وبردها, وليلها، ونهارها، واختلاف صوت الحيوانات فيها، وأنواع الموجودات في ظاهرها وباطنها، وبيان أحوالهم وصورهم وأخلاقهم وغير ذلك مما لا ينتهى إليه وصف، ولا يحويه حد، فتبارك الخالق الباري، المصور الذي أتقن كل شيء وحكمة وعلماً, ولولا خوف الإطالة لذكرنا سبب كسوف الشمس وخسوف القمر أحسن ذكر ليزداد الذين آمنوا إيمانًا ويزداد المعطلة ضلالًا وخسرانًا، وإنما الحامل على القدح في أمثال هذه الأشياء؛ الجهل الذي يصاحبه في مهاوي الضل فينصر بظنه الدين، وهو بجهله قد خذله وندب عن الشرع وقد أسلمه.
عصمنا الله وإياكم من اتباع الهوى، ووفقنا وإياكم لاقتفاء سنن الهدى، وأوزعنا وإياكم شكر نعمة اللهم، وألهمنا وإياكم التحدث بمواقع فضيلة العلم، وهذا خاطر عنَّ له مجرى ففاض ثم اعترضه حابس فغاض فلنرجع إلى الغرض قال الشافعي ﵁: قال الله ﵎: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (١).
وقال: ﴿إِنَّ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في الْبَحْرِ﴾ (٢) الآية. مع ما ذكر من الآيات في كتابه فذكر الله الآيات ولم يذكر معها سجودًا إلا مع الشمس والقمر، فأمر بأن لا
стр. 945
يسجد لهما وأمر بأن يسجد له، فاحتمل أمره: أن يُسْجد له عند ذكر الشمس والقمر؛ أن (١) يأمر بالصلاة عند حادثٍ في الشمس والقمر، واحتمل: أنه يكون إنما نهى عن السجود لهما كما نهى عن عبادة ما سواه، فدل رسول الله ﷺ علي أن يُصلَّى لله عند كسوف الشمس والقمر فأشبه ذلك معنيين:
أحدهما: أن يصلى عند كسوفهما لا يختلفان في ذلك، وأن لا يؤمر عند آية كانت في غيرهما بالصلاة كما أمر بها عندهما، لأن الله لم يذكر في شيء من الآيات صلاة، والصلاة في كل حال طاعة وغبطة لمن صلاها، فيصلى عند كسوف الشمس والقمر صلاة جماعة ولا يفعل ذلك في شيء من الآيات غيرها.
"والآية": العلامة هذا هو الأصل، ثم للمعجزة الواردة على يد النبي، والكرامة الواردة على يد الولي، والحادثة التي يحدثها الله تعالى من ظهور أمر غريب ووجود حال عجيب كالزلازل والخسوف ونحو ذلك آية رجوعها إلى الأصل لأنها علامة دالة على قدرة مُوْجدها وسلطان مُحْدثها.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء ابن يسار، عن عبد الله بن عباس قال: "خسفت الشمس فصلى رسول الله ﷺ والناس معه فقام قيامًا طويلًا -قال: -نحوًا من سورة البقرة- قال: ثم ركع ركوعًا طويلاً، ثم رفع فقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم قام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم انصرف وقد تجلت الشمس فقال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله".
قالوا: يا رسول الله، رأيناك تناولت في مقامك شيئًا ثم رأيناك كأنك
стр. 946
تكعكعت! قال: "إني رأيت -أو أريت- الجنة فتناولت منها عنقودًا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت -أو أريت- النار فلم أر كاليوم منظرًا، ورأيت أكثر أهلها النساء". قالوا لِمَ يا رسول الله؟ قال: "بكفرهن". قيل: أيكفرن بالله؟.
قال "يكفرن العشير ويكفرن "الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم [رأت] (١) منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط".
وأخبرنا الشافعي قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن الحسن، عن ابن عباس قال: إن القمر كسف وابن عباس بالبصرة، فخرج ابن عباس فصلى بنا ركعتين ثم ركب فخطبنا فقال: إنما صليت كما رأيت رسول الله ﷺ ، وقال: "إنما الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم شيئًا منها خاسفًا فليكن فزعكم إلى الله تعالى".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس قال: خسفت الشمس فصلى رسول الله ﷺ ، فحكى ابن عباس أن صلاته ركعتان في كل ركعة ركعتان ثم خطبهم فقال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ".
وقد أخرج الشافعي ﵁ عن الثقة، عن معمر، عن الزهري، عن كثير بن عباس بن عبد المطلب "أن رسول الله ﷺ صلى في كسوف الشمس ركعتين في كل ركعة ركعتين".
стр. 947
هكذا أخرجه مرسلًا في كتاب "اختلاف الحديث" (١) وقد أخرجه البخاري (٢) مسندًا: عن أحمد بن صالح، عن عنبسة عن يونس، عن الزهري، عن كثير، عن ابن عباس.
وأخرجه مسلم (٣): عن حاجب بن الوليد، عن محمد بن حرب، عن الزبيدي، عن (٤) ابن مهران، عن الوليد من عبد الرحمن ثم كلاهما (٥) عن الزهري، عن كثير، عن ابن عباس.
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة.
فأما مالك (٦): فأخرجه إسنادًا ولفظًا ولم يقل فيه: "أو أريت".
وأما البخاري (٧): فأخرجه عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك إسنادًا ولفظًا.
إلا أنه قال (٨): [وأما مسلم (٩): فأخرجه عن سويد بن سعيد، عن حفص ابن ميسرة، عن زيد بن أسلم بالإسناد إلا أنه قال] (١٠): "انكسفت"، و"ينكسفان"، و"انجلت"، و"كففت يدك"، و"تكعكعت".
وأما أبو داود (١١): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك بالإسناد قال: خسفت الشمس فصلى رسول الله ﷺ والناس معه، فقام قيامًا طويلً بنحوٍ من سورة
стр. 948
البقرة ثم ركع.
وساق الحديث هكذا قال أبو داود.
وأما الترمذي (١): فإنه أخرج هذا المعنى مختصرًا عن محمد بن بشار (٢): بندار، عن يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن طاوس، عن ابن عباس عن النبي ﷺ "أنه صلى في كسوفٍ فقرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع ثم رفع، ثم سجد سجدتين والأخرى مثلها".
وأما النسائي (٣): فأخرجه عن محمد بن سلمة، عن ابن القاسم، عن مالك.
"تجلّت": إذا ظهرت وانكسفت، وجلوت الشيء: إذا كشفته، والانجلاء انفعال منه.
"والتكعكع": التأخر إلى وراء على العقبين.
وقيل: هو التوقف والاحتباس عن الشيء.
وقيل: تكعكع أي: جَبُن -والأول هو الغرض وقد جاء "إني رأيت الجنة -أو أريت"- وكذلك في النار.
أما رأيت: فإنه فعل لم مسمى الفاعل وفاعله الرأي، كأن الجنة عرضت له ولا حائل بينه وبينها فوقع بصره عليها فرآها.
وأما أريت: فإنه فعل لم يسم فاعله وقد أقيم المفعول الذي هو الرأي على الحقيقة مقام الفاعل، فكأن الجنة عرضت عليه ثم كشفت عن بصره فرآها.
والأول أعلى مقامًا: لأن بصره قد كان مستعدًا لرؤية ما يعرضه مما لا حائل دونه، فلما وجد المرء رآه ولم يحتج إلى أمر آخر.
والثاني: لما كشفت له الجنة لم يكن في بصره قوة لإدراكها من ذاته ولا كان عنده استعداد لرؤيتها، فاحتاج إلى من يريه إياها؛ فذا راءٍ بنفسه، وهذا راءٍ
стр. 949
بغيره.
وقوله: "لأكلتم منه ما بقيت الدنيا" يعني أنه من ثمار الجنة، وما فيها لا نفاد له بدليل قوله تعالى ﴿مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ (١) وبقوله عز من قائل ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ (٢).
وقوله: "فلم أر منظرًا كاليوم" يعني أفظع وأعظم وأهول، و"الكاف" في موضع نصب، التقدير: فلم أر منظرًا مثل منظري اليوم، والمنظر: الشيء المنظور، وحقيقته: الموضع الذي يقع النظر عليه، وتراه يقول: فلان حسن المنظر، والمنظر خلاف المخبر وهو من الأول.
"والكفر": ضد الإِيمان والكفر جحود النعمة وهو ضد الشكر، وقد كفره كفورًا وكفرانًا، والكفر: الجحود مطلقًا، كفرن بالشيء أكفر -بالكسر- كفرًا إذا سترته.
"والعشير": الزوج وقيل: بمعنى مفاعل تقول: عاشرته أعاشره معاشرة إذا خالطته، والاسم العشرة.
"والدهر" في قوله: "أو أحسنت إلى إحداهن الدهر" بمعنى أبدًا وهو منصوب على الظرف لأنه وقع موقع الحال الذي هي دائمًا، وليس منصوبًا على الظرف لأنه كان يجوز أن يكون الإحسان عبارة عن مرة واحدة وليس كذلك.
"وقط": اسم زمان مبني على الضم ومنهم من يخفف الطاء.
ومنهم من يضم القاف في اللغتين.
"وفزعت" إلى الأمر أفزع فزعا: إذا لجأت إليه واعتمدت عليه، والفزع الملجأ، وفلان مفزع الناس يستوي فيه الواحد والجمع والتثنية والمذكر والمؤنث.
والذي ذهب إليه الشافعي في صلاة الكسوف والخسوف: أنه يحرم بالصلاة ثم يقرأ الفاتحة ويقرأ بسورة البقرة وما يقاربها، ثم يركع ويطل الركوع بقدر مائة تسبيحة، ثم يقوم من الركوع ويقرأ بقدر مائتي آية من سورة البقرة، ثم يركع
стр. 950
بقدر ركوعه الأول ثم يسجد سجدتين، ثم يقوم إلى الركعة الثانية فيقرأ بعد الفاتحة بقدر مائة وخمسين آية من سورة البقرة ثم يركع ويسبح قدر سبعين آية ثم يرفع ويقرأ قدر مائة آية من سورة البقرة، ثم يركع قدر خمسين آية ثم يسجد ويتشهد ويسلم، فحصل من ذلك ركعتان فيهما أربع ركعات.
وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة: يصلي ركعتين مثل صلاة الصبح وبه قال النخعي.
وقد جاء في صلاة الكسوف روايات كثيرة مختلفة.
قال إسحاق بن راهويه: وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه صلى ركعتين وأربعًا في ركعتين، وستًّا في ركعتين، وثماني ركعات في ركعتين، وكل ذلك مؤتلف مصدق بعضه بعضًا، لأنه إنما كان يزيد الركعات إذا لم ير الشمس قد انجلت فإذا انجلت الشمس سجد، ومن هاهنا صارت زيادة الركعات لا تجاوز أربع ركعات في كل ركعة، لأنه لم يرد به ثبت عن النبي ﷺ ، وأزمان الكسوفات تختلف في الزيادة والنقصان لسبب ظاهره من عرف حقيقة الكسوف عرفه.
والله أعلم.
والشافعي لا يرى الجهر بصلاة الكسوف الشمس لأنها من صلاة النهار، ويجهر في الخسوف القمري لأنها من صلاة الليل.
وبه قال مالك، وأبو حنيفة.
وقال أبو يوسف، ومحمد، وأحمد، وإسحاق: يجهر. وعمل به علي بن أبي طالب.
ويستحب عند الشافعي: أن يصلي الخسوف القمري جماعة.
وقال أبو حنيفة: ليس بمستحب بل يصلون فرادى.
وأما الخطبة: فإن الشافعي قال: يخطب بعد صلاة الخسوف.
وبه قال إسحاق.