تكعكعت! قال: "إني رأيت -أو أريت- الجنة فتناولت منها عنقودًا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت -أو أريت- النار فلم أر كاليوم منظرًا، ورأيت أكثر أهلها النساء". قالوا لِمَ يا رسول الله؟ قال: "بكفرهن". قيل: أيكفرن بالله؟.
قال "يكفرن العشير ويكفرن "الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم [رأت] (١) منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط".
وأخبرنا الشافعي قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن الحسن، عن ابن عباس قال: إن القمر كسف وابن عباس بالبصرة، فخرج ابن عباس فصلى بنا ركعتين ثم ركب فخطبنا فقال: إنما صليت كما رأيت رسول الله ﷺ ، وقال: "إنما الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم شيئًا منها خاسفًا فليكن فزعكم إلى الله تعالى".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس قال: خسفت الشمس فصلى رسول الله ﷺ ، فحكى ابن عباس أن صلاته ركعتان في كل ركعة ركعتان ثم خطبهم فقال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ".
وقد أخرج الشافعي ﵁ عن الثقة، عن معمر، عن الزهري، عن كثير بن عباس بن عبد المطلب "أن رسول الله ﷺ صلى في كسوف الشمس ركعتين في كل ركعة ركعتين".
стр. 947
هكذا أخرجه مرسلًا في كتاب "اختلاف الحديث" (١) وقد أخرجه البخاري (٢) مسندًا: عن أحمد بن صالح، عن عنبسة عن يونس، عن الزهري، عن كثير، عن ابن عباس.
وأخرجه مسلم (٣): عن حاجب بن الوليد، عن محمد بن حرب، عن الزبيدي، عن (٤) ابن مهران، عن الوليد من عبد الرحمن ثم كلاهما (٥) عن الزهري، عن كثير، عن ابن عباس.
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة.
فأما مالك (٦): فأخرجه إسنادًا ولفظًا ولم يقل فيه: "أو أريت".
وأما البخاري (٧): فأخرجه عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك إسنادًا ولفظًا.
إلا أنه قال (٨): [وأما مسلم (٩): فأخرجه عن سويد بن سعيد، عن حفص ابن ميسرة، عن زيد بن أسلم بالإسناد إلا أنه قال] (١٠): "انكسفت"، و"ينكسفان"، و"انجلت"، و"كففت يدك"، و"تكعكعت".
وأما أبو داود (١١): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك بالإسناد قال: خسفت الشمس فصلى رسول الله ﷺ والناس معه، فقام قيامًا طويلً بنحوٍ من سورة
стр. 948
البقرة ثم ركع.
وساق الحديث هكذا قال أبو داود.
وأما الترمذي (١): فإنه أخرج هذا المعنى مختصرًا عن محمد بن بشار (٢): بندار، عن يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن طاوس، عن ابن عباس عن النبي ﷺ "أنه صلى في كسوفٍ فقرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع ثم رفع، ثم سجد سجدتين والأخرى مثلها".
وأما النسائي (٣): فأخرجه عن محمد بن سلمة، عن ابن القاسم، عن مالك.
"تجلّت": إذا ظهرت وانكسفت، وجلوت الشيء: إذا كشفته، والانجلاء انفعال منه.
"والتكعكع": التأخر إلى وراء على العقبين.
وقيل: هو التوقف والاحتباس عن الشيء.
وقيل: تكعكع أي: جَبُن -والأول هو الغرض وقد جاء "إني رأيت الجنة -أو أريت"- وكذلك في النار.
أما رأيت: فإنه فعل لم مسمى الفاعل وفاعله الرأي، كأن الجنة عرضت له ولا حائل بينه وبينها فوقع بصره عليها فرآها.
وأما أريت: فإنه فعل لم يسم فاعله وقد أقيم المفعول الذي هو الرأي على الحقيقة مقام الفاعل، فكأن الجنة عرضت عليه ثم كشفت عن بصره فرآها.
والأول أعلى مقامًا: لأن بصره قد كان مستعدًا لرؤية ما يعرضه مما لا حائل دونه، فلما وجد المرء رآه ولم يحتج إلى أمر آخر.
والثاني: لما كشفت له الجنة لم يكن في بصره قوة لإدراكها من ذاته ولا كان عنده استعداد لرؤيتها، فاحتاج إلى من يريه إياها؛ فذا راءٍ بنفسه، وهذا راءٍ
стр. 949
بغيره.
وقوله: "لأكلتم منه ما بقيت الدنيا" يعني أنه من ثمار الجنة، وما فيها لا نفاد له بدليل قوله تعالى ﴿مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ (١) وبقوله عز من قائل ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ (٢).
وقوله: "فلم أر منظرًا كاليوم" يعني أفظع وأعظم وأهول، و"الكاف" في موضع نصب، التقدير: فلم أر منظرًا مثل منظري اليوم، والمنظر: الشيء المنظور، وحقيقته: الموضع الذي يقع النظر عليه، وتراه يقول: فلان حسن المنظر، والمنظر خلاف المخبر وهو من الأول.
"والكفر": ضد الإِيمان والكفر جحود النعمة وهو ضد الشكر، وقد كفره كفورًا وكفرانًا، والكفر: الجحود مطلقًا، كفرن بالشيء أكفر -بالكسر- كفرًا إذا سترته.
"والعشير": الزوج وقيل: بمعنى مفاعل تقول: عاشرته أعاشره معاشرة إذا خالطته، والاسم العشرة.
"والدهر" في قوله: "أو أحسنت إلى إحداهن الدهر" بمعنى أبدًا وهو منصوب على الظرف لأنه وقع موقع الحال الذي هي دائمًا، وليس منصوبًا على الظرف لأنه كان يجوز أن يكون الإحسان عبارة عن مرة واحدة وليس كذلك.
"وقط": اسم زمان مبني على الضم ومنهم من يخفف الطاء.
ومنهم من يضم القاف في اللغتين.
"وفزعت" إلى الأمر أفزع فزعا: إذا لجأت إليه واعتمدت عليه، والفزع الملجأ، وفلان مفزع الناس يستوي فيه الواحد والجمع والتثنية والمذكر والمؤنث.
والذي ذهب إليه الشافعي في صلاة الكسوف والخسوف: أنه يحرم بالصلاة ثم يقرأ الفاتحة ويقرأ بسورة البقرة وما يقاربها، ثم يركع ويطل الركوع بقدر مائة تسبيحة، ثم يقوم من الركوع ويقرأ بقدر مائتي آية من سورة البقرة، ثم يركع
стр. 950
بقدر ركوعه الأول ثم يسجد سجدتين، ثم يقوم إلى الركعة الثانية فيقرأ بعد الفاتحة بقدر مائة وخمسين آية من سورة البقرة ثم يركع ويسبح قدر سبعين آية ثم يرفع ويقرأ قدر مائة آية من سورة البقرة، ثم يركع قدر خمسين آية ثم يسجد ويتشهد ويسلم، فحصل من ذلك ركعتان فيهما أربع ركعات.
وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة: يصلي ركعتين مثل صلاة الصبح وبه قال النخعي.
وقد جاء في صلاة الكسوف روايات كثيرة مختلفة.
قال إسحاق بن راهويه: وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه صلى ركعتين وأربعًا في ركعتين، وستًّا في ركعتين، وثماني ركعات في ركعتين، وكل ذلك مؤتلف مصدق بعضه بعضًا، لأنه إنما كان يزيد الركعات إذا لم ير الشمس قد انجلت فإذا انجلت الشمس سجد، ومن هاهنا صارت زيادة الركعات لا تجاوز أربع ركعات في كل ركعة، لأنه لم يرد به ثبت عن النبي ﷺ ، وأزمان الكسوفات تختلف في الزيادة والنقصان لسبب ظاهره من عرف حقيقة الكسوف عرفه.
والله أعلم.
والشافعي لا يرى الجهر بصلاة الكسوف الشمس لأنها من صلاة النهار، ويجهر في الخسوف القمري لأنها من صلاة الليل.
وبه قال مالك، وأبو حنيفة.
وقال أبو يوسف، ومحمد، وأحمد، وإسحاق: يجهر. وعمل به علي بن أبي طالب.
ويستحب عند الشافعي: أن يصلي الخسوف القمري جماعة.
وقال أبو حنيفة: ليس بمستحب بل يصلون فرادى.
وأما الخطبة: فإن الشافعي قال: يخطب بعد صلاة الخسوف.
وبه قال إسحاق.
стр. 951
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يخطب ولم يذكر أحد الخطبة. وخطبته كخطبة الجمعة. والله أعلم.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة عن النبي ﷺ : "أن الشمس كسفت فصلى رسول الله ﷺ فوصفت صلاته ركعتين في كل ركعة ركعتان".
وأخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة عن النبي ﷺ .
هكذا أخرجه الشافعي في كتاب الصلاة (١)، وعاد أخرجه بهذين الطريقين في كتاب "اختلاف الحديث" (٢) وفي كتاب "الكسوف" وهو حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة بطرق كثيرة طويلة ومختصرة.
فأما مالك (٣): فأخرج الروايتين إسنادًا ولفظًا، إلا أنه شرح كيفية الصلاة والقراءة فيها نحو ما تقدم في حديث ابن عباس.
وأما البخاري (٤): فأخرج الروايتين عن القعنبي، عن مالك بالإسناد ولفظ مالك.
وفي أخرى (٥): عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب.
وعن أحمد بن صالح المصري، عن عنبسة، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة.
وأما مسلم (٦): فأخرجه عن قتيبة، عن مالك، عن هشام.
وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ابن نمير، عن هشام.
وعن يحيى بن يحيى، عن أبي معاوية، عن هشام.
стр. 952
وأما أبو داود (١): فأخرجه عن [ابن] (٢) السرح، وعن محمد بن سلمة المرادي، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة.
وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، عن يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، عن عروة.
وأما النسائي (٤): فأخرجه عن قتيبة، عن مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة. وذكر كيفية الصلاة.
وأخرجه أيضاً (٥): عن محمد بن سلمة، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة وذكره بطوله.
وقد أخرج الشافعي ﵁ من رواية المزني (٦) عنه-: عن مالك وسفيان بن عيينة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: "خسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فصلى بالناس، فقام فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فسجد، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك، ثم انصرف وقد تجلت الشمس فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وتصدقوا، وقال: "يا أمة محمد، والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد، لو
стр. 953
تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا".
وقد أخرج الشافعي ﵁-أيضًا -من رواية الربيع والمزني (١) عنه-: عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة -زوج النبي ﷺ "أن يهودية جاءت تسألها فقالت: أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة رسول الله ﷺ أيعذب الناس في قبورهم؟.
فقال رسول الله ﷺ : عائذًا بالله من ذلك، ثم ركب ذات غداة مركبًا فخسفت الشمس فجاء ضحى فمر بين ظهرانى الحُجَرِ، ثم قام ليصلي وقام الناس وراءه فقام طويلاً، ثم ركع ركوعًا طويلاً ثم رفع فقام قيامًا طويلاً وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلاً وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فسجد ثم قام قيامًا طويلاً وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلاً وهو دون الركوع الأول، ثم رفع رأسه فقام قيامًا طويلاً وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلاً وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فسجد وانصرف، فقال رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقول ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر".
وقد أخرجه الشافعي أيضًا -من رواية المزني (٢) عنه-: عن سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد بالإسناد مثله.
وفيه من الزيادة: ثم ركع فسجد سجودًا طويلاً، ثم رفع، ثم سجد سجودًا طويلاً وهو دون السجود الأول، ثم فعل في الثانية مثله، فكانت صلاته أربع ركعات في أربع سجدات قالت: فسمعته بعد ذلك يتعوذ من عذاب القبر. فقلت: يا رسول الله، إنا لنعذب في قبورنا؟. فقال: "إنكم لتفتنون في قبوركم".
стр. 954
أخرج هذه الرواية مسلم (١)، والتي قبلها البخاري (٢).
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثنا أبو سهيل بن نافع، عن أبي قلابة، عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ مثله.
هكذا قال الشافعي، وإنما يعني مثل حديث عروة وعمرة، عن عائشة، وهو حديث صحيح متفق عليه أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي.
أما البخاري (٣): فأخرجه عن محمد بن العلاء، عن [أبي] (٤) أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: "خسفت الشمس فقام النبي ﷺ فزعًا يخشى أن تكون الساعة، فأتى المسجد فصلى بأطول قيام وركوع وسجود ما رأيت قط يفعله، وقال: "هذه الآيات التي يرسل الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوّف الله بها عباده، فإذا رأيتم شيئًا من ذلك فافزعوا إلى الله ودعائه واستغفاره".
وأما مسلم (٥): فأخرجه عن أبي عامر عبد الله بن براد الأشعري ومحمد بن العلاء بإسناد البخاري ولفظه.
وأما النسائي (٦): فأخرجه عن موسى بن عبد الرحمن، عن أبي أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى بلفظ البخاري.
وليس هذا الذي أخرجوه هو اللفظ الذي أراده الشافعي، لأنه لم يبينوا في روايتهم كيفية صلاة النبي ﷺ ، والشافعي قد أدرجه على حديث عائشة وهو يتبين.
стр. 955
وأخبرنا الشافعي ﵁ قال: أخبرني إبراهيم بن محمد قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن عمرو أو صفوان بن عبد الله بن صفوان قال: "رأيت ابن عباس صلى على ظهر زمزم لخسوف الشمس ركعتين في كل ركعة ركعتين".
هكذا رواه الربيع عن الشافعي بالشك عن عمرو أو صفوان فرواه المزني عنه عن صفوان بغير شك.
وهذا الحديث إنما ذكره الشافعي: زيادة في بيان ما ذهب إليه من كيفية صلاة الكسوف وهي ركعتان في كل ركعة ركعتان وأن ابن عباس روى عن النبي ﷺ أنه صلاها هكذا، وأن ابن عباس صلاها بالبصرة كذا وقال: إنما صليت كما رأيت رسول الله ﷺ صلى، ثم ذكر أن ابن عباس صلاها بمكة على ظهر زمزم كذلك، أن هذا الفعل مما واظب عليه وتكرر منه، والصحابي إذا روى الحديث وعمل به وواظب عليه، كان آكد في الاحتجاج به.
وقد أخرج الشافعي في القديم (١): عن يحيى بن سليم، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: "إن الشمس خسفت على عهد رسول الله ﷺ ، فصلى النبي ﷺ بالناس ركعتين في كل ركعة ركعتين".
وكذلك رواه الزعفراني عنه.
قال الشافعي: وذكر هشام الدستوائي، عن أبي الزبير المكي، عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ مثله.
قال: وبلغنا أن عثمان بن عفان صلى في كسوف الشمس ركعتين في كل ركعة ركعتين.
قال الشافعي: فخالفنا بعض الناس في صلاة الكسوف فقال: يصلي في
стр. 956
كسوف الشمس والقمر ركعتين كما يصلي الناس كل يوم ليس في كل ركعة ركعتن، فذكرت له بعض حديثنا فقال: هذا ثابت، وإنما أخذنا بحديثٍ لنا غيره، فذكر حديثًا عن أبي بكرة أن النبي ﷺ صلى في الكسوف ركعتين نحوًا من صلاتكم هذه، وذكر حديثًا عن سمرة بن جندب في معناه. فقلت له: ألست تزعم أن الحديث إذا جاء من وجهين فاختلفا فكان في الحديث زيادة كان الجائي بالزيادة أولى أن يقبل قوله، لأنه أثبت ما لم يثبت الذي نقص الحديث؟
قال: بلى. قلت: ففي حديثنا الزيادة التي تسمع.
فقال أصحابه: عليك أن ترجع إليه.
قال: فالنعمان بن بشير يقول: النبي ﷺ (١) ولا يذكر في كل ركعتين.
قلت: فالنعمان يرعم أن النبي ﷺ صلى الركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين.
أفتأخذ به؟ قال: لا.
قلت: فإذًا أنت تخالف حديث النعمان بن بشير وحديثنا, وليس لك في حديث النعمان حجة إلا ما لَكَ في حديث أبي بكرة وسمرة؛ فأنت تعلم أن إسنادنا في حديثنا من أثبت إسناد الناس.
قال الشافعي (٢): فقال: روى بعضكم أن النبي ﷺ صلى ثلاث ركعات في كل ركعة.
فقلت له: فتقول به أنت؟ قال: لا ولكن لو لم تقل به أنت وهو زيادة على حديثكم ولو لم تثبته.
قلت: هو من وجه منقطع ونحن لا نثبت المنقطع على الانفراد ووجه نراه -والله أعلم- غلطا.
وأخبرنا الشافعي ﵁ قال: أخبرنا سفيان، عن سليمان
стр. 957
الأحول قال: سمعت طاوسًا يقول: "خسفت الشمس فصلى بنا ابن عباس في صفه زمزم، ست ركعات في أربع سجدات ثم أربع سجدات".
هذا الوجه أخرجه الشافعي في كتاب "اختلاف الحديث" (١) وقد أجاب عنه.
قال الشافعي: فقال: وهل يروى عن ابن عباس ثلاث ركعات في كل ركعة ركعة؟ قال: نعم، وذكر هذا الحديث.
قال: فما جعل زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس أثبت من سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عباس؟ [قيل] (٢) روى إبراهيم بن محمد، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمر أو (٣) صفوان بن عبد الله قال: "رأيت ابن عباس يصلي على ظهر زمزم في كسوف الشمس ركعتين في كل ركعة ركعتين" وابن عباس لا يصلي في الخسوف خلاف صلاة النبي ﷺ إن شاء الله تعالى- وإذا كان عطاء وعمرو أو صفوان والحسن يروون عن ابن عباس خلاف ما روى سليمان الأحول؛ كانت رواية ثلاثة أولى أن تقبل، وعبد الله ابن أبي بكر وزيد بن أسلم أكثر حديثًا وأشهر بالعلم بالحديث من سليمان.
قال: فقد روي عن ابن عباس أنه صلى في زلزلة ثلاث ركعات في كل ركعة.
قلت: لو ثبت عن ابن عباس أشبه أن يكون ابن عباس فرق بين خسوف الشمس والقمر وين الزلزلة؛ وأحاديثنا أكثر وأثبت مما روسا فأخذنا بالأكثر الأثبت.
وقد أخرج الشافعي فيما بلغه عن هشيم، عن يونس، عن الحسن [أن] (٤) علمًّا صلى في كسوف الشمس خمس ركعات وأربع سجدات.
стр. 958
قال: ولسنا ولا إياهم -يريد العراقيين- نقول بهذا، أما نحن فنقول بالذي روينا عن رسول الله ﷺ أربع ركعات وأربع سجدات.
وقالوا هم: يصلي ركعتين كما يصلي سائر الصلوات فخالفوا سنة رسول الله ﷺ وخالفوا ما رووه عن علي ﵇.
وقد ذهب جماعة من أهل الحديث إلى أن تصحح الروايات في عدد الركعات، وحملوها على أن النبي ﷺ فعلها مرات وأن الجميع جائز.
فممن ذهب إليه إسحاق بن راهويه، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبو بكر ابن إسحاق الضبعي، وأبو سليمان الخطابي، واستحسنه أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر.
والذي ذهب إليه الشافعي، ثم محمد بن إسماعيل البخاري من ترجيح الأخبار أولى لما ذكرنا من رجوع الأخبار إلى حكاية صلاته يوم توفي ابنه ﷺ .
وقد أخرج الشافعي ﵁ -من رواية الربيع عنه- قال فيما [بلغه] (١) عن عباد، عن عاصم الأحول، عن قزعة، عن علي: أنه صلى في زلزلة ست ركعات في أربع سجدات، خمس ركعات وسجدتين في ركعة ركعة، وسجدتين في ركعة.
قال الشافعي: ولو ثبت هذا عن علي عندنا لقلنا به وهم يثبتونه ولا يأخذون به.
قال: ولا أرى أن يجمع صلاة عند شيء من الآيات غير الكسوف وقد كانت آيات، فما علمنا رسول الله ﷺ أمر بالصلاة عند شيء منها ولا أحد من خلفائه، وقد زلزلت الأرض في عهد عمر بن الخطاب فما علمناه صلى، وقد قام خطيبًا يحث على الصلاة وأمر بالتوبة، وأنا أحب للناس أن يصلي كل رجل منهم منفردًا عند الظلمة والزلزلة، وشدة الريح، والخسف، وانتثار النجوم
стр. 959
وغير ذلك من الآيات.
وقد روى البصريون: أن ابن عباس صلى بهم عند زلزلة، وإنما تركنا ذلك لما وصفها أن النبي ﷺ لم يأمر بجمع الصلاة إلا عند الكسوف، وأنه لم يحفظ أن عمر صلى عند الزلزلة والله أعلم.
***
стр. 960
الفصل الثاني
في صلاة الاستسقاء
وفيه فرعان:
الفرع الأول
في صفة الصلاة
أخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك بن أنس، عن شريك بن عبد الله ابن أبي نمر، عن أنس بن مالك قال: "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، هلكت المواشي، وتقطعت السبل، فادع الله. فدعا رسول الله ﷺ . فمطرنا من جمعة إلى جمعة قال: فجاء (١) رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! تهدمت البيوت، وتقطعت السبل، وهلكت المواشي، فقام رسول الله ﷺ فقال: "اللهم على رءوس الجبال والآكام وبطون الأدوية" فانجابت عن المدينة انجياب الثوب".
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة إلا الترمذي.
فأما مالك (٢): فأخرجه بالإسناد واللفظ إلا أنه قال: الجمعة إلى الجمعة، وقال: ظهور الجبال.
стр. 961
وأما البخاري (١): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك بالإسناد ولفظ مالك وقال: على الآكام والظراب.
وفي أخرى: عن إسماعيل، عن مالك.
فأما مسلم (٢): فأخرجه من طرق كثيرة عن أنس ولم يذكر فيها رواية عن مالك.
فأخرجه عن يحيى بن يحيى، ويحيى بن أيوب، وقتيبة وابن حجر، عن إسماعيل بن جعفر، عن شريك، عن أنس وذكر مجيئه إلا أن روايته أتم.
وله روايات أخرى عن ثابت، عن أنس.
وعن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس.
وأما [أبو] (٣) داود (٤): فأخرجه عن عيسى بن حماد، عن الليث، عن سعيد المقبري، عن شريك، عن أنس.
وأما النسائي (٥): فأخرجه عن قتيبة، عن مالك.
"المواشي": جمع ماشية وهي الغنم وقد تطلق على كل ماشٍ من الدواب والأنعام.
"والسبل": جمع سبيل وهي الطريق.
السماء تمطر مطرًا والاسم المطر، وأمطرها الله، وقد مطرنا.
قال الجوهري: وناس يقولون: مطرت السماء وأمطرت.
إلا أن أكثر ما تجيء الأمطار في القرآن العزيز عند ذكر العذاب كقوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ (٦) أمطرنا عليهم حجارة من السماء.
стр. 962
"والتهدم": تفعل من الهدم وهو التخريب، هدمت الشيء أهدمه هدمًا وتهدم هو.
وقوله: "اللهم على رءوس الجبال" أي أرسل المطر عليها وابعثه إليها.
"والآكام" بوزن كتاب جمع أكمة: وهي ما ارتفع من الأرض كالرابية.
وقيل: الأكمة: حجر واحد كبير منفرد في الأرض.
وقد يجمع على آكام بوزن أحمال، قال الجوهري (١): جمع الأكمة أكمات وأكم، وجمع الآكام آكام مثل جمل وجمال، وجمع الآكام: أكم مثل: كتاب وكتب، وجمع الأكم: آكام، مثل: عنق وأعناق.
ولم يقل الأزهري كذلك ولا تركها هذا التنزيل.
"والانجياب": الانكشاف ومنه سميت الخربة: وهي الدارة من الأرض المنكشفة عن الشجر.
ومعنى انجياب الثوب: أي تكشف السماء كما ينكشف الثوب عما يستره.
"والظراب": جمع ظرب وهي الرابية الصغيرة.
قال الأزهري (٢): الظراب من الحجارة ما كان أصله ناتئًا في جبل وكان طرفه الثاني محددًا، وإذا كان خلفه الجبل كذلك سمى ظربًا بوزن كتف.
وقوله: "انقطعت السبل" في الأول يريد: أنها انقطعت للقحط والجدب فهي لا تُسْلك لذلك.
وقوله: "انقطعت السبل" في الثاني يريد: أنها تقطعت لكثرة الغيث والمطر فهي لا تسلك لذلك وتقطعها عبارة عن ترك سلوكها، فكأنها قد تفرقت وصارت قطعًا، وخربت فلا يقدر أحد أن يسلكها.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا مالك بن أنس، عن عبد الله بن
стр. 963
أبي بكر بن عمرو بن حزم أنه سمع عباد بن تميم يقول: سمعت عبد الله بن زيد المازني يقول: "خرج رسول الله ﷺ إلى المصلى فاستسقى؛ وحوَّل رداءه حين استقبل القبلة".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، حدثني عبد الله بن أبي بكر قال: سمعت عباد بن تميم يخبر عن عمه عبد الله بن زيد قال: "خرج رسول الله ﷺ إلى المصلى يستسقي، فاستقبل القبلة، وحول رداءه، وصلى ركعتين".
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة.
فأما مالك (١): فأخرج الرواية الأولى إسنادًا لفظًا.
وأما البخاري (٢): فأخرج الرواية الثانية عن قتيبة، عن سفيان، وفي آخرها: فأخبرني المسعودي، عن أبي بكر قال: جعل اليمين على الشمال.
وله في أخرى (٣): عن آدم، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عباد، عن عبد الله بن زيد قال: "رأيت رسول الله ﷺ يوم خرج استسقى، فحول إلى الناس ظهره واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءه ثم صلى لنا ركعتين جهر فيهما بالقراءة".
وأما مسلم (٤): فأخرج الروايتين عن يحيى بن يحيى، عن مالك وعن سفيان.
وأما أبو داود (٥): فأخرج الرواية الأولى عن القعنبي، عن مالك.
стр. 964
وفي أخرى (١): عن السرح وسليمان بن داود، عن ابن وهب، عن ابن أبي ذئب بإسناد البخاري.
وأما الترمذي (٢): فأخرجه عن يحيى بن موسى [عن] (٣) عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عباد، عن عمه: "أن رسول الله ﷺ خرج (٤) يستسقي فصلى بهم ركعتين جهر بالقراءة فيهما، وحول رداءه، ورفع يديه، واستسقى، واستقبل القبلة".
وأما النسائي (٥): فأخرج الثانية عن محمد بن منصور، عن سفيان، عن المسعودي، عن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عباد بن تميم.
"الرداء": معروف وهو الثوب الذي يطرح على الأكتاف يلقى فوق الثياب، وهو مثل: الطيلسان إلا أن الطيلسان يكون على الرأس والأكتاف، والرداء يكون على الأكتاف وربما ترك في بعض الأوقات على الرأس، وسميت رداء كما يسمى الرداء طيلسانًا.
وتحويل الرداء: هو أن يجعل أعلاه إلى أسفل ويمينه على شماله.
وقوله في الرواية الأولى: "خرج فاستسقى" وفي الثانية "خرج يستسقي" بينهما فرق:
وذلك أن الثانية أبلغ لفظًا من الأولى, لأن "يستسقي" في موضع نصب على الحال من "خرج" أي خرج مستسقيًا، فكأن الاستسقاء له لازما في حالة خروجه، وليس كذلك قوله: "خرج فاستسقى" لأنه معطوف على "خرج"
стр. 965
بالفاء وليس حالاً كالأولى، فكان الاستسقاء في الأولى مترتبًا على الخروج غير ممتزج به، والثاني كان الاستسقاء مخالطًا له ممتزجَا به، إلا على أن نيته في الخروج كانت الاستسقاء، والأولى وإن كانت كذلك إلا أن اللفظ لا يدل عليه.
ولقائل أن يقول: إن قوله: "فاستسقى" فعل ماض يدل على وقوع الاستسقاء منه، و"يستسقي" فعل مضارع ولا يدل على وقوع الاستسقاء فإنه قد لا يوجد ذلك لمانع فكان أولى بالذكر وأبلغ في المعنى؟.
والجواب: أنا قدمنا أن قوله: "خرج يستسقي" خرج مستسقيًا؛ لأنه في موضع الحال فاستسقى، فيطق عليه من حين إنشاء الخروج لأن فيه الاستسقاء متقدمة عليه وإنما الأعمال بالنيات، فهو من حين ابتدائه في الخروج كان مستسقيًا ولا يزال كذلك إلى أن يفرغ، ألا ترى أن الشارع في الصوم يسمى صائماً من حين ابتدائه في أول طلوع الفجر، وإن حدث له عارض فطره في أثناء النهار، وكذلك الشارع في الصلاة يُسمى مصليًا، ثم ما أردفه في كلا الروايتين من قوله: "وحوّل رداءه وصلى ركعتين" يزيل هذا الوهم المقتدر بأن الاستسقاء وجد منه وقوع، وثبت ما قلناه أولاً وبان وضوحه وصحَّ ترجيحه الله أعلم.
والذي ذهب إليه الشافعي ﵁ أن صلاة الاستسقاء على ثلاثة أضرب: أكملها: أن يأمر الإِمام الناس ليصوموا ثلاثة أيام متتابعات، ويتوبوا ويخرجوا من المظالم في الأموال والأنفس والأعراض وأن يصطلحوا، ويأمرهم بالصدقة والصلاة وكثرة الدعاء فإن ذلك أقرب لإجابتهم، ثم يخرج الإِمام متبذلاً متخشعًا متواضعًا نطيف الثوب والبدن غير متطيب، ولا يكون عليه ثوب شهرة ولا زينة، ويأمر الصبيان وأكابر النساء بالخروج وكذلك العبيد والإماء، وفي إخراج البهائم تردد، ولا يخرج من خالف الإِسلام من الكتابيين وغيرهم، فإن خرجوا لأنفسهم فيكونون منفردين عن المسلمين ثم يصلي بهم الإِمام
стр. 966
ركعتين كصلاة العيد وهي السنة، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وابن المسيب، ومكحول، وأبو يوسف، ومحمد، وهو أشهر الروايتين عن أحمد.
وقال مالك، وإسحاق، أبو ثور: يصلي ركعتين بلا تكبير زائد.
وهي الرواية الأخرى عن أحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يصلي.
قال أصحابه: يعني أنها ليست سنة.
ويقرأ فيها بـ"ق" و"اقتربت" ويجهر بالقراءة.
وقال بالجهر: مالك وأحمد وأبو ثور ومحمد.
وكل ما قيل في صلاة العيد فهاهنا مثله.
ثم يخطب بعد الصلاة خطبتين ويحول وجهه إلى القبلة -في بعض الخطبة الثانية- ويدعو ويتضرعوا ويطلب الغيث من الله تعالى.
وقال أبو حنيفة: لا يحول.
حكي عن أبي يوسف أن الإِمام يحول رداءه دون المأمومين وروي مثل ذلك عن عروة، وابن المسيب، والثوري.
والضرب الثاني من الاستسقاء: أن يستسقي الإِمام في خطبة الجمعة أو العيدين، كما تقدم في حديث أنس بن مالك.
والضرب الثالث: أن يخرج الإمام فيدعو دعاءً مجردًا بغير صلاة ولا غيرها.
وأخبرنا الشافعي ﵁: أخبرني من لا أتهم، عن صالح -مولى التوأمة-، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ استسقى بالمصلى، فصلى ركعتين".
هذا طرف حديث صحيح قد أخرجه أبو داود، الترمذي، والنسائي.
فأما أبو داود (١): فأخرجه عن النفيلي وعثمان بن أبي شيبة، عن حاتم بن
стр. 967
إسماعيل، عن هشام بن إسحاق بن عبد الله بن كنانة، عن أبيه قال: أرسلني الوليد بن عتبة -قال عثمان: ابن (عقبة) (١): وكان أمير المدينة- إلى ابن عباس أسأله عن صلاة النبي ﷺ في الاستسقاء؟.
فقال: خرج النبي ﷺ مبتذلاً (٢)، متواضعًا متضرعًا، حتى أتى المصلى فرقى
على المنبر فلم يخطب خطبكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير، ثم صلى ركعتين كما كان يصلى في العيد.
وأما الترمذي (٣): فأخرجه عن قتيبة، عن حاتم بن إسماعيل.
عن هشام بإسناد أبي داود ولم يذكر المنبر.
وأما النسائي (٤): فأخرجه عن إِسحاق بن عبد الله بن كنانة، عن أبيه، عن ابن عباس.
هذا الحديث أخرجه الشافعي مؤكدًا لبيان ما ذهب إليه من صفة صلاة الاستسقاء.
وقد أخرج الشافعي (٥) ﵁ قال: أخبرني من لا أتهم، عن جعفر ابن محمد أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يجهرون بالقراءة في الاستسقاء، ويصلون قبل الخطبة، ويكبرون في الاستسقاء سبعًا وخمسًا.
قال: وأخبرني من لا أتهم قال: أخبرني جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي ﵇ مثله.
قال: وأخبرني سعد بن إسحاق، عن صالح بن أبي حسان، عن ابن المسيب أن عثمان بن عفان كبر في الاستسقاء سبعاً وخمسًا.
стр. 968
قال: وأخبرني من لا أتهم قال: أخبرني صالح بن محمد بن زائدة (١)، عن عمر بن عبد العزيز أنه كبر في الاستسقاء سبعًا وخمسًا، وكبر في العيدين مثل ذلك.
قال الشافعي: ونأمره أن يقرأ فيهما ما يقرأ في صلاة العيدين، فإن قرأ في الركعة الثانية ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ (٢) أحببت ذلك، قال: ويخطب الإِمام في الاستسقاء خطبتين كما -يخطب في صلاة العيدين، يكبر الله فيهما ويحمد (٣)، ويصلي على النبي ﷺ ، ويكثر فيهما الاستغفار حتى يكون أكثر كلامه، ويقول كثيرًا: استغفروا ربكم إنه كان غفارًا يرسل السماء عليكم مدرارًا، ويخطب مستقبل الناس في الخطبتين، ثم يحول وجهه إلى القبلة ويحول رداء، ويحول الناس أرديتهم معه.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عمارة بن غزية، عن عباد بن تميم قال: "استسقى رسول الله ﷺ وعليه خميصة له سوداء، فأراد أن يأخذ أسفلها فيجعلها أعلاها؛ فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه".
هذا الحديث هكذا جاء في رواية الربيع مرسلًا (٤).
وقد أخرجه النسائي (٥): مرفوعاً عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن يزيد.
стр. 969
[وكذلك رواه: إبراهيم بن حمزة والمعلي بن منصور وأبو الجماهر، عن عبد العزيز موصولاً] (١)(٢).
"الخميصة": كساء أسود له علامان، فإن لم يكن معلمًا فليس بخميصة.
وقوله: "والخميصة" لا تكون إلا سوداء زيادة في البيان, لأنه ربما اتسع في الخميصة فأطلقت على كساء غير أسود مجازًا لكثرة الاستعمال.
والذي أخرج له الشافعي هذا الحديث: هو أنه يستحب أن يجعل طرف ردائه الأسفل إلى جهة فوق؛ ويجعل الذي على شقه الأيسر على عاتقه الأيمن، والذي على عاتقه الأيمن على عاتقه الأيسر، فيجمع بين التحويل والتنكيس لأن النبي ﷺ همَّ بذلك ثقلت عليه قلبها على عاتقيه.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: أخبرني خالد بن رباح، عن المطلب بن حنطب أن النبي ﷺ كان يقول عند المطر: "اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا بلاءً ولا هدم ولا غرق، اللهم على الظراب ومنابت الشجر، اللهم حوالينا ولا علينا".
تقول: سقى الله الناس الغيث وأسقاهم والاسم: السقيا -بالضم- فأما سَقيًا -بالفتح- فهو مصدر.
والظراب: قد ذكره في حديث أنس أولاً.
وهذا الدعاء كان النبي ﷺ يدعو به عند نزول الغيث، فإنه كان إذا هبت الريح أو نزل الغيث تغير لونه وأقبل وأدبر وخاف لئلا يكون نزول عذاب، فكان
стр. 970
يقول: "اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب" وباقي الدعاء.
وقوله: "حوالينا" لأنه إذا جاء الغيث حواليهم نزل على الزروع والشجر والأراضي وأنبتت العشب، وإذا لم يكن عليهم؛ انتفعوا بمعايشهم ولم يعقهم المطر عن السعي في مصالحهم.
وقد أخرج الشافعي (١) ﵁ عن إبراهيم بن محمد قال حدثنا شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس بن مالك "أن النبي ﷺ كان إذا استسقى قال: "اللهم أمطرنا" ورواه إسماعيل بن جعفر، عن شريك، عن أنس في قصة الرجل الذي دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فشكى إليه، فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: "اللهم أغثنا" وهو حديث صحيح متفق عليه (٢).
قال الشافعي: وروي عن سالم بن عبد الله، عن أبيه مرفوعًا أنه كان إذا استسقى قال: "اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا، هنيئًا مرئيًا مريعًا، غدقًا مجللًا عامًّا طبقًا سحًّا دائمًا، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إن بالعباد والبلاد وبالبهائم والخلق، من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكو إلا إليك اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض، اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعري واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا، فأرسل السماء علينا مدرارًا (٣).
стр. 971
"المريع": ذو الراعة والخصب، يقال: أمرع الوادي إذا أثبت.
"والغدق": الكثير القطر.
"والمجلل" -بكسر اللام-: هو الذي يجلل الأرض بمائه أو بنباته، أي: يغطيها.
"والطبق": الذي يطبق وجه الأرض.
"واللأواء": الشدة.
"والضنك": الضيق.
"والجهد" -بفتح الجيم-: الشدة.
"والقانط": الآيس من الشيء.
قال الشافعي: وأحب أن يدعو الإِمام بهذا ولا وقت في الدعاء.
قال: وبلغنا أن رسول الله ﷺ كان إذا دعا في الاستسقاء رفع يديه.
قلت: قد جاء هذا في كتاب البخاري (١) ومسلم (٢): عن يحيى بن سعيد وابن أبي عدي، عن [ابن] (٣) أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس: "أن النبي ﷺ لم يكن يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء، فإنه كان يرفع يديه حتى يرفع بياض إبطيه".
قال الشافعي: ويدعو سرًّا في نفسه ويدعو الناس معه، ويقول: اللهم إنك أمرتنا بدعائك، ووعدتنا إجابتك، فقد [دعوناك] (٤) كما أمرتنا فأجبنا كما وعدتنا، اللهم إن كنت أوجبت إجابتك لأهل طاعتك وكنا قد فارقنا ما خالفنا
стр. 972
فيه الذين محضوا طاعتك، فامنن علينا بمغفرة ما قارفنا، وإجابتنا في سقيانا وسعة رزقنا".
وأخبرنا الشافعي ﵁ قال: أخبرني من لا أتهم، عن سليمان بن عبد الله بن عويمر الأسلمي، عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: "أصاب الناسَ سنةٌ شديدة على عهد رسول الله ﷺ فمر بهم يهودي قال: أما والله لو شاء صاحبكم لمطرتم ما شئتم، ولكنه لا يحب ذلك فأخبر النبي ﷺ يقول اليهودي، فقال: "أوقد قال ذلك"؟. قالوا: نعم.
قال: "إني لأستنصر بالسنة على أهل نجد؛ فإني (١) لأرى السحاب خارجة من العين فأكرهها، موعدكم يوم كذا أستسقي لكم فلما كان ذلك اليوم غدا الناس، فما تفرق الناس حتى أمطروا ما شاءوا فما أقلعت السماء جمعة".
"السنة": الجدب والقحط واحتباس الغيث وقلة العشب، تقول العرب: أصابت بني فلان سنةٌ أي أجدبوا، وأكلت أموالهم السنة يعنون الجدب.
وقوله: "لمطرتم ما شئتم" أي مهما شئتم، ويجوز أن تكون ما بمعنى "الذي" أي أمطرتم الذي شئتم، والعائد إلى "الذي" محذوف في قوله: شئتم.
وهذا قول اليهودي من فصيح الكلام وأحسنه.
قال ذو الرمة: قاتل الله أمة بني فلان ما أفصحها قلت لها: كيف كان المطر عندكم؟ فقالت: غيثًا ما شئنا.
والهمزة في قوله: "أوقد" همزة استفهام دخلت على واو العطف، وفي دخول هذه الواو زيادة استفهام واستثبات وإنكار، فإن قوله: " [أقد] (٢) قال
стр. 973
ذلك؟ " ليس فيه من الإعظام ما في قوله: "أوقد قال ذلك؟ " فكأنه معطوف على كلام مقدر محذوف من جنسه، حتى كأنه قال: أسمعتموه يقول ذلك، أوقد قال ذلك"؟ فحصل في إدخال الواو من الفائدة ما ليس في عدمها، وإنما استثبتهم عن قول اليهودي وأنكره: لأنه غرض اليهودي من قوله، فإنه أراد أن ينفر المسلمين عن دينهم ويوقع في أنفسهم أنه يتوقف في طلب الغيث ضنًّا منه عليهم، أو أنه فعل ذلك خبثًا منه وشرًّا وذلك أنه ما كان يعتقد صدق النبي ﷺ ورسالته، فأراد أن يعلمهم أنه قادر على مجيء المطر من طريق الاستهزاء حتى يسألوه ذلك فيعجز عنه ولا يجاب سؤاله فيظهر لهم ما ينفرهم عن الإِسلام بذلك وتسىء عقائدهم في النبي ﷺ والدين، أو لأنه كان راغبًا في حصول الغيث وزوال الجدب لاشتراك الخلق في النفع به، واليهود وإن لم يؤمنوا بالنبي ﷺ فإنما فعلوا ذلك عنادًا وحسدًا وبغيًا؛ وإلا فقد كانوا يعلمون صدقه، والتوراة ناطقة بذكره وإنما غيروها وبدلوها، فكان هذا القول منه طلبًا لبركة دعائه وإجابة لسؤاله. والله أعلم.
وقوله: "إني لأستنصر بالسنة على أهل نجد" يريد أنه يجعل الجدب على أهل نجد تأكيدًا له؛ لأنهم إذا أجدبوا هلكت مواشيهم وضعفت أبدانهم، وقلت أرزاقهم، وهلكوا جوعًا وعطشًا، وجبنوا عن الحرب وانقادوا إلى الإِسلام طوعًا أو كرهًا، فجعل ذلك استنصارًا منه عليهم بالجدب.
والاستنصار: طلب النصرة.
ولأن أهل نجد أهل عمل وفلوات؛ فينالهم. من الجهد والبلاء بالجدب ما لا ينال أهل المدن والقرى بالسنة، وإن كانت تعم الطائفتين -فإنها بأهل العمل أكثر أضرارًا.
"والعين": يريد ما عين (١) يمين القبلة قبلة العراق، يقال: نشأت السحابة عن
стр. 974
قبل العين، يريدون: من هذه الجهة.
والعن أيضاً: مطر أيام لا يقلع، أراد: أنني لا أرى السحاب خارجة من جهة العين التي جديرة بالمطر فأكرهها.
وإنما خص هذه الجهة: لأنها جهة البحر مما يلي المدينة، والسحاب إذا نشأت من جهة البحر كان أكثر لمائها في جارى العادة، فإنما كرهها لأنه كان يريد أن يدوم الجدب ليتأذى به أهل نجد، فإذا نشأت السحابة كانت خليقة أن تخصب فيزول الجدب بالغيث فكان يكره ذلك.
"والموعد": مفعل من الوعد، والمراد به هاهنا: الزمان وقد يطلق على المكان والمصدر.
"والاستسقاء": طلب السقيا وهو أن يطلب من الله تعالى أن يسقيه.
وقد جمع في هذا الحديث بين اللغتين مطر وأمطر.
"وأقلعت السماء": عبارة زوال (١) السحاب وانقشاع الغيم، يقال: أقلع فلان عما كان عليه، أو كف عنه وفارقه. قال الشافعي: وإذا استسقى فلم يمطر الناس، أحببت أن يعود ثم يعود حتى يمطر، وقال: إنما اخترت له العودة لأن الصلاة والجماعة في الأولى ليس بفرض، وإن رسول الله إذا استسقى سقي أولاً، فإذا سقوا أولاً لم يعد الإِمام يستسقي، ثم ذكر الحديث مستدلاً به على أن رسول الله ﷺ إذا استسقى سقى أولاً.
стр. 975
الفرع الثاني
في أحاديث تتعلق بالأنواء والمطر والرعد وغير ذلك
أخبرنا الشافعي ﵁: أخبرنا مالك، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن زيد بن خالد الجهني قال: "صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالمدينة في إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف وأقبل على الناس فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم"؟.
قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال (١): "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله وبرحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا أو نوء فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب".
هذا حديث صحيح متفق عليه أخرجه الجماعة إلا الترمذي.
فأما مالك (٢): فأخرجه إسنادًا ولفظًا إلا أنه قال: أتدرون.
وقال: مؤمن بي وكافر بي، وقال: مؤمن بي وكافر بالكوكب.
وأما البخاري (٣): فأخرجه عن إسماعيل، عن مالك بالإسناد.
وأما مسلم (٤): فأخرجه عن يحيى بن يحيى، عن مالك.
وأمما أبو داود (٥): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك.
وأما النسائي (٦): فأخرجه عن محمد بن سلمة عن ابن القاسم، عن
стр. 976
مالك.
وعن قتيبة، عن سفيان، عن صالح.
"إثر الشيء" -بكسر الهمزة وسكون الثاء- وأثر الشيء -بفتحها- سواء تقول: خرجت في إثر فلان وأثره إذا تبعته وقصدت قصده وسلكت طريقه، وهو من الأثر الباقي من رسم الشيء.
والسماء في أصل اللغة: عبارة عن كل ما علاك فأظلك، ثم كثر استعمالها حتى صار خصيصًا بالعالم العلوي، فإذا أطلق لا يضاف إلا إليه، وقد سموا الغيث سماء: لأنه ينزل من السماء، وهو من سما يسمو إذا علا وارتفع.
والتاء في "كانت" راجعة إلى السماء الذي هو كناية عن المطر، والسماء مؤنثة فألحق لها تاء التأنيث، ويجوز تذكيرها لأن تأنيثها غير حقيقي.
قال الله تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ (١).
"وأصبح": يجوز أن تكون تامة، وأن تكون ناقصة، فإن جعلتها تامة كان المعنى: وجد من عبادي في هذا الصباح مؤمن وكافر.
وإن جعلتها ناقصة: كان المؤمن اسم "ما" والجار والمجرور خبرها إلا أنه لما كان الاسم نكرة تأخر من عن الخبر، كقولك: كان في الدار رجل وأصبح في المنزل، وكونها تامة أولى.
والمؤمن هاهنا: يجوز أن يراد به الإيمان الذي هو ضد الكفر، وأن يراد به الإيمان الذي هو التصديق، وكذلك الكافر يجوز أن يراد به ضد الكفر، وأن يراد له الجحود والتكذيب، ويدل عليه قوله: "فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب" أي جاحد ومكذب لما يضاف إليه، ويجوز أن يكون من الكفر ضد الشكر يعني: أنه كفر نعمة الله حيث أضافها إلى غيره، ويعضد ذلك ما جاء في رواية النسائي: "فأصبحوا بها كافرين" أي غير شاكرين.
وقد جاء في بعض النسخ "بالكواكب" على الجمع ويريد بها الأنواع، لأن
стр. 977
الأنواء في أكثرها كواكب عدة كالثريا والإكليل والنعائم وغير ذلك.
ومن قال: "بالكواكب" فإنما يريد به النوء ولأن في كثير من الأنواع في كل نوء كوكب واحد، كالقلب والسماك والدبران والصرفة.
والنوء في الأصل: مصدر ناء ينوء نوءًا فهو ناء إذا نهض وطلع، هذا هو في أصل الوضع وجمع النوء: الأنواء وهي أسماء المنازل الثاني والعشرين التي ينزلها القمر كل ليلة، والنوء في هذا الموضع إنما هو كناية عن السقوط والغروب إلى الطلوع، فقيل: إنه من الأضداد.
وقيل: إنما سمي الساقط نوء لأنه إذا سقط الساقط منها في المغرب مال الطالع منها في المشرق أي طلع.
قال أبو عبيد: لم يسمع في النوء أنه السقوط إلا في هذا الموضع.
والمنازل الثماني والعشرون أولها: السرطان، والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرفة، والجبهة، والدبرة، والصرفة، والعواء، والسماك، والعقرب، والزباني، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد الرابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، والفرع المقدم، والفرع المؤخر، والرشا.
وهذه المنازل تطلع كل منزلة منها مع طلوع الفجر في المشرق، إلى انقضاء ثلاث عشرة ليلة، ويغيب في المغرب عند طلوع الفجر رقبته إلى ثلاث عشرة ليلة، وهكذا كل منزلة منها إلا الجبهة فإن لها أربع عشرة ليلة، ولا يزال كذلك حتى تفرغ المنازل جميعها ويكون ذلك عند إنقضاء السنة وذلك سنة شمسية، وهي ثلاثماثة وخمسة وستون يومًا وربع يوم بالتقريب، ثم تستأنف طالعة وغاربة لابتداء السنة الأخرى، ورقبت كل منزلة وما يقابلها فإنها ثمان وعشرون منزلة فإذا قسمت نصفين كانت أربع عشرة منزلة يقابلها أربع عشرة منزلة، والسرطان رقيبة العقرب، والبطين رقيبة الزباني والإكليل رقيبة الثريا، وكذلك إلى آخرها حتى يصير السماك رقيبة الرشا.
стр. 978
ومعنى طلوع المنازل وغروبها: طلوعها مع الفجر وغروبها مع طلوعه، لا طلوعها من الأفق وغروبها فيه، فإن ذلك موجود لها في كل يوم وليلة، ولكن المراد به: أن الشمس إذا قربت من كوكب من الكواكب الثابتة والسيارة؛ سترته وأخفته عن أعين الناظرين فصار يطع نهارًا ويغيب ليلاً, لأنه يغيب مع الشمس فلا يبين فكان ذلك غيبة له، ولا يزال كذلك إلى أن ترجع الشمس يبعد عنه بعدًا يكمن إذا طلع فيه أن يدرك بالأبصار ويرى، وذلك عند أول طلوع الفجر فإن ضوء الفجر حينئذ يكون ضعيفًا فلا يغلب ضوء الكوكب، فيُرى في الأفق الشرقي طالعًا وذلك عبارة عن ظهوره وطلوعه، ويغيب في ذلك الوقت رقيبته وهو عبارة عن غروبه واختفائه، وإنما غلظ النبي ﷺ في أمر الأنواء وأعظمه؛ لأن العرب كانت تزعم أن مع سقوط المنزلة وطلوع رقبتها، يكون مطر أو ريح أو برد وغير ذلك من أشباه هذا، فكان بعضهم يضيف ذلك إلى الساقط منها، وبعضهم يضيفه إلى الطالع منها، فيقولون: مطرنا بنوء كذا، فأنكر النبي ﷺ ذلك حتى نسب قائله إلى الكذب، حيث أضاف نعمة الله ورحمته إلى الكوكب.
وقوله: "كافر بالكوكب" يريد النوء الذي الكوكب الخاص بهذه المنزلة، وإذا رجعنا إلى حقيقة علم الهيئة كانت هذه الكواكب التي تعرف بها المنازل قد تحركت عن أماكنها فإن لها مسيرًا خاصًّا، والموضع الذي كانت فيه عند التسمية هو المنزلة في الحقيقة لا الكوكب، وإن كان الكوكب هو الذي يعرف، ولولا خوف الإطالة والخروج عن موضوع هذا الكتاب، لذكرنا عدد كواكب المنازل وبينا كل منزلة منها كم فيها كوكب، وييَّنا أسماء تلك الكواكب إقرارها وحركاتها أو عروضها، واختلاف الناس في أقدارها، ومن أي البروج هي شمالها وجنوبها، وإن كان في ذكرها وشرحها من الفوائد الشرعية ما لا خفاء به من معرفة الأوقات الليلية في الصلاة والصيام والقيام والأوراد وغير ذلك،
стр. 979
فلنعد إلى بيان أحكام الأنواء فيما يتعلق بالحديث، فنقول: إنه لما علم الشارع -صلوات الله عليه وسلامه- من عادات العرب في إضافة الخير والشر إليها أكبر ذلك وأعظم، فإن النعم والنقم من الله تعالى القادر العلم اللطف الخبير، وأما من جعل هذه الأشياء من أفعال الله تعالى.
وأراد بقوله: "مطرنا بنوء كذا" أي في وقت هذا النوء الذي يعرف به فإن ذلك جائز، فقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أراد أن يستسقي فنادى العباس بن عبد المطلب: كم بقي من نوء الثريا؟.
فقال: إن العلماء بها يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعًا بعد وقوعها.
فما مضت تلك السبع حتى غيث الناس.
وأراد عمر: كم بقي من الوقت الذي قد جرت العادة؛ أنه إذا كَمُل أتى الله فيه المطر.
قال الشافعي (١) ﵀ عقيب ذكره لهذا الحديث: ورسول الله ﷺ -بأبي هو وأمي- عربي واسع اللسان يحتمل قوله هذا معاني، وإنما مطر بين ظهراني قوم أكثرهم مشركون, لأن هذا في غزوة الحديبية. قال: وأرى معنى قوله هذا -والله أعلم- أن من قال: "مطرنا بفضل الله ورحمته" فذلك إيمان بالله لا يعلم أنه لا يمطر ولا يعطي إلا الله ، وأما من قال: "مطرنا بنوء كذا" على ما كان بعض أهل الشرك يعنون من إضافة المطر إلى أنه أمطره نوء كذا، فذلك كفر كما قال رسول الله ﷺ ؛ لأن النوء وقت والوقت مخلوق لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئاً، ولا يمطر ولا يصنع شيئًا، فأما من قال: "مطرنا بنوء كذا" على معنى مطرنا في وقت نوء كذا؛ فإنما ذلك كقوله مطرنا في شهر كذا؛ فلا يكون هذا كفرًا، وغيره من الكلام أحب إلى منه، أحب أن يقول: مطرنا في وقت كذا.
стр. 980
قال: وبلغني أن [بعض] (١) أصحاب رسول الله ﷺ كان إذا أصبح وقد مطر الناس، قال: "مطرنا بنوء الفتح" ثم يقرأ: ﴿مَا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ (٢)(٣).
ثم ذكر قول عمر للعباس، ثم قال: وقول عمر هذا بين ما وصفت, لأنه إنما أراد كم بقي من وقت الثريا لمعرفتهم بأن الله تعالى قدَّر الإمطار في أوقات فيما جرّبوا، كما علموا أنه قدر الحر والبرد فيما جربوا في أوقات معروفة، ثم عِلْم النجوم مشهور وبعضه حسن مفيد لا بأس به، وإنما المنهي عنه من أنواعه وهو ما يدعيه المنجمون من علم الكائنات والحوادث التي لم تقع، وسيجيء في مستقبل الزمان وكمية أعمار الناس، وإضافة السعادة والشقاوة إليها، وأنهم يدركون ذلك بتسييرها واتصالات بعضها ببعض، وأن بعضها سعود وبعضها نحوس، فأما ما فيه من علم مسير الكواكب وطلوعها وغروبها في أوقاتها؛ واتصالها وافتراقها ومعرفة كسوفها وخسوفها؛ وكل ما يرجع إلى أمر حقيقي من حساب لا يمكن إنكاره ولا يجوز حجوده فذلك غير منهي عنه ولا مأمور باجتنابه، كيف وفيه من الاستدلال على أوقات الصلوات ومظان العبادات، ومعرفة القبلة والاهتداء بالطرقات وغير ذلك من المنافع والفوائد، ومن الاطلاع على كنه مقدورات الله وعظم خلقه وسعة قدرته، فإنك إذا رأيت الشمس وهي في مرأى العين مقدار الترس، وقد قام الدليل الحسابي -الذي لا ينكر- أنها في قدر الأرض جميعها، بما فيها من الجبال، والأنهار، والبحار، والشجر، والعالم من الإنس والجن، والدواب مائة مرة وخمس وستون مرة تزايدت عظمة الله سبحانه عندك؛ وعلمت أنه القادر الذي لا يعجزه مقدور
стр. 981
وتتدرج هذه الأشياء في مضمون قوله : ﴿إِنَّ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (١) الآية.
وقد تقدم مثل ذلك في ذكر الكسوف.
والله الموفق للصواب.
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا من لا أتهم، قال: أخبرني خالد ابن رباح، عن المطلب بن حنطب: "أن النبي ﷺ كان إذا برقت السماء أو رعدت عرف ذلك في وجهه فإذا أمطرت سري عنه".
قال أبو العباس الأصم: سمعت الربيع يقول: كان الشافعي إذا قال: أخبرني من لا أتهم، يريد به إبراهيم بن أبي يحيى، وإذا قال: أخبرني الثقة، يريد به يحيى بن حسان.
برقت السماء تبرق، وأبرقت تبرق، ورعدت وأرعدت، والأول أكثر والثاني حكاه ابن عمر وأبو عبيدة، والمراد بالسماء هاهنا: السحاب والغيم, لأن البرق والرعد إنما يكونان منه وفيه، وإن كان قد يعرض سنا البرق في الصحو في أطراف السماء قليلاً ولا أصل له، وإنما أراد في الحديث: البرق الذي يجيء في السحاب وهو نذير الرعد والمطر.
وقوله: "عرف ذلك في وجهه" يريد ظهور أثر الخوف عليه، يدل على ذلك ما جاء في حديث عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله، الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن فيه المطر، وأراك إذا رأيت غيمًا عُرِف ذلك في وجهك الكراهية؟ قال: "يا عائشة، وما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا" (٢).
وقوله: "سري عنه" أي كشف عنه الغم والخوف وأزيل وكذلك أسري عنه وأصله من سروت الثوب عني سروًا إذا ألقيته، وسريت لغة فيه وسروت عني
стр. 982
درعى بالواو لا غير، ويجوز أن تكون من السري وهو سير الليل، أي أنه أبعد عنه بأن جعل يسري ويفارقه.
وأخبرنا الشافعي ﵁ قال: أخبرنا من لا أتهم قال: قال المقدام بن شريح، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أبصرنا شيئًا من السماء -يعني السحاب- ترك عمله واستقبله، قال: "اللهم إني أعوذ بك من شر ما فيه" فإن كشفه الله حمد الله، وإن مطرةت قال: "اللهم سقيًا نافعًا".
هذا الحديث أخرجه أبو داود (١): عن ابن بشار، عن عبد الرحمن، عن سفيان، عن المقدام.
وقد أخرج البخاري ومسلم (٢): حديثا في الريح والسحاب قريبًا من معناه.
وأخرج البخاري (٣) منه طرفًا: عن ابن مقاتل، عن عبد الله [عن] (٤) عبيد الله، عن نافع، عن القاسم، عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى المطر قال: "صيبًا نافعًا".
وأخرج النسائي (٥) هذا الطرف: عن [محمد] (٦) بن منصور، عن سفيان عن مسعر، عن المقدام.
стр. 983
"الناشئ والنشئ": أول ما يبدأ من السحاب، ونشأت السحابة ارتفعت وأنشأها الله.
وقوله: "ترك عمله" من بداية ترك ما كان يلابسه من أعمال، وقد جاء في بعض طرق أبي داود: "وإن كان في صلاة" وإنما كان يترك ذلك: خوفًا من السحاب لئلا يكون فيه عذاب، وإنما كان ﷺ على هذا القدر من الخوف لما كان عنده من اليقين بأيام الله وأخذه القرون الخالية، ويعضد ذلك قوله ﷺ : "أنا أشدكم لله خوفًا" (١) وقوله "أشدكم لله خوفًا أعرفكم به".
ومعنى: "استقباله إياه" النظر إليه والاستعاذة منه ومن شره بالله، وعرف همته إلى الله ليكشفه ولذلك قال: "فإن كشفه الله حمد الله، وإن مطرت قال: سقيا نافعا".
"والسقي" -بالفتح-: المصدر وقد ذكر، وأردفه بقوله: "نافعًا" لأن المطر ما يضر بكثرته في غير وقته.
وأخرج الشافعي ﵁[أخبرنا] (٢) من لا يتهم قال: حدثني أبو حازم، عن ابن المسيب "أن النبي ﷺ كان إذا سمع حس الرعد عرف ذلك في وجهه، فإذا مطرت سري عنه، فسئل عن ذلك فقال: "إني لا أدري بما أرسلت بعذاب أم برحمة".
وأخبرنا الشافعي ﵁ أخبرنا من لا أتهم، حدثني العلاء بن راشد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما هبت ريح قط إلا جثا النبي ﷺ على ركبتيه وقال: " [اللهم] (٣) اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابًا، اللهم اجعلها
стр. 984
[رياحًا] (١) ولا تجعلها ريحًا".
قال ابن عباس: في كتاب الله ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ (٢) و ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ (٤) و ﴿أَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ وفي بعض النسخ (٥) ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ (٦).
هذا حديث حسن مشهور، وقد أخرجه جماعة من الأئمة في كتبهم (٧).
"جثا يجثوا": إذا قعد على ركبتيه، وعطف ساقيه إلى تحته، وهو قعود المستوفز والخائف الذي إن اجتاح إلى النهوض نهض سريعًا، وهو أيضاً قعود الصغير بين يدي الكبير وفيه نوع أدب، كأنه لما هبت الريح وأراد أن يخاطب ربه بالدعاء، قعد قعود المتواضع لربه الخائف من عذابه، المتأدب بي يديه ثم دعا.
وأما قوله: "اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا" فقد فسر ذلك ابن عباس في سياق الحديث بورود الريح مفردة للعذاب، وورودها مجموعة للرحمة بما ذكر من الآيات، ومما يوضح ذلك أن الرياح المعروفة المشتهرة أربع: الجنوب، والشمال، والصبا، والدبور.
стр. 985
والوارد في أشعار العرب وأقوالهم أن الجنوب تجمع السحاب، والشمال تعصره فتأتي بالمطر، والصبا يسلي المكروب، فهذه الثلاث كلها تأتي بخير وهي المنشآت، والريح العقيم هي الدبور لأنها لا تلقح الشجر وتهدم البنيان وتقلع الأشجار، وهي مذمومة في القرآن العزيز، وفي الحديث "نصرت بالصبا،
وأهلكت عاد بالدبور" (١) وغيرها من الرياح محمود فكل موضع ذكرت الريح مفردة فالمراد به الدبور.
ومما يزيده بيانًا: أن الريح من الهواء، والهواء أحد العناصر الأربعة، التي بها قوام الحيوانات والنبات بتقدير الله وإجراء العادة بطبائعها، حتى لو قدر عدم الهواء لم يعش حيوان ولم ينبت نبات، ولا شبهة أن الريح عبارة عن اضطراب الهواء وتموجه في الجو، وأنه بحركته ومصادمته للأجسام ينميها أو يتخللها فيوصل إلى دواخلها من لطائفه ما يقوم بحاجتها إليه، فإذا كانت الريح واحدة جاءت من جهة واحدة، فصدمت الجسم الحيواني والنباتي من جانب واحد وبقي الجانب الآخر غير مصادم لنا وفي ذلك ضرر من وجهين:
أحدهما: أن مصادمة الريح إذا دامت على جانب واحد أثرث فيه أثرًا أكثر من حاجته إليه، وكان ذلك داعيًا إلى آفة تنزل به وميل إلى الجانب الآخر المقابل لهب الريح. وذلك مخالف للاعتدال.
والوجه الثاني: أن الجانب المقابل لعكس مهب الريح يفوته حظه من الهواء إذا لم يصادمه هواء كالجانب الآخر، فيكون داعيًا إلى فساد بعضه (٢) عن نطره من الجانب المقابل لمهب الريح، وذلك بخلاف ما إذا كانت من جوانب الجسم الملاقى لها، فإن كل جانب يأخذ من الريح المصادمة له حظه ويمنع نزول آفة به