← Тафсир

Тафсир · id 132428

تفسير العثيمين: لقمان

ابن عثيمين

Полный текст (209 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الآية (١٨) * قالَ اللَّه : ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨]. * * * قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ﴾ هذه مَعطُوفة على قولِه تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾، فهو إِذَنْ مِن وصايا لُقمانَ ﵇ لابنِه، قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَا تُصَعِّرْ﴾ وفي قِرَاءة: (وَلَا تُصَاعِرْ) ﴿خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ لَا تُمِل وَجْهَك عنهم تَكَبُّرًا] التَّصْعِيرُ هُو الإمَالَة، ومِنه: الصَّعَرُ فِي الوَجْه، وهو المَيَال بحيث تَكُون العُنُق مُلْتَوِية، تمَيلُ إمَّا يَمِينًا وإمَّا شِمَالًا. وقوله تعالى: ﴿خَدَّكَ﴾ أي: وجهَك، فهو مِن إطْلاقِ البَعْضِ وإرادَةِ الكُلِّ، وقول المُفَسِّر ﵀: [تَكَبُّرًا] نَعَم؛ هذا مَحَطُّ النهي، أن يَفعَلَ ذلك على سَبِيلِ التَكَبُّر، أمَّا لو فعَلَه على سبيل الإِعْراض عَمَّا لا يَجوز النظَر إليه، كمَا لو قابَلَتْه امرأة فَصَدَّ وأَعْرَض فإنَّه لا يَدخُل في الآية، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ وأمَّا إذا صَعَّرْت وجْهِي أو خَدِّي لأَجْل ألَّا أَرَى أيَّ شيءٍ مُحرَم فإنَّه لا يَدخُل في هذه الآيةِ. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ أي: عنْهُم فتُمِله تَكَبُّرًا. وقوله تعالى: ﴿لِلنَّاسِ﴾ عامٌّ، يَشْمَل المُؤْمِن والكَافِر، ولكن الكَافِرَ لا يُعامَل كما يُعامَل المُؤمِن في مِثْل هذه الأُمُورِ، وقد يُقالُ: إنَّ شَرْعَنا وَرَدَ بخِلافِه، وأنَّ الكافِر يُصَعَّرُ له الخَدُّ

стр. 107

ويُعرَض عَنه، وقد يُقال: إنَّ الكافِر إذا جاءَك مُقبِلًا فأَقْبِلْ عليه، فإنَّ هذا مِن باب التَّألِيف على الإسلام، وأمَّا إذا أَعْرَضَ فأَعْرِضْ. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾: ﴿وَلَا تَمْشِ﴾ هذا مجَزُوم بحَذفِ الياء ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أي: على الأرض ﴿مَرَحًا﴾ قَال المُفَسِّر ﵀: [أي: خُيَلَاءَ]، فالمَرَح بمَعنَى: البَطَرِ والأَشَرِ والخُيلَاءِ مِن ذلك، فلا تَكون مُتبَخْتِرًا في مِشْيَتِك مُتَعَالِيًا في نفسِك، ولكنِ امْشِ مِشْيَةَ المتذَلِّل الجاضِعِ للَّه ، غَيْرُ المُتَعَلِّي على عِبَادِ اللَّه تعالى. وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ذَكَرَ هنا: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾، فالأوَّل: في مُعَامَلَة النَّاس ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾، والثاني: في هَيْئَتِه بِنَفْسِهِ ألَّا يَمْشِيَ في الأرْضِ مَرَحًا، وإنَّمَا يَمشِي كما يَمشِي عِبَادُ الرحْمَن: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. قال ﵀: [﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ مُتبَخْترٍ في مَشْيِه ﴿فَخُورٍ﴾ عَلَى النَّاسِ]. قوله تعالى: ﴿مُخْتَالٍ﴾ أي: فَاعِل لِلخُيَلَاء، و ﴿فَخُورٍ﴾ أي: مُفْتَخِرٍ بِنَفْسِه، والفرْقُ بينهما أنَّ الاخْتِيَالَ يَكونُ بالنَّفْس، والفَخْر يَكون بالقَوْل، فهذا الرَّجُلُ عِندَه خُيَلَاءُ في نفسِه، واخْتِيالٌ على عِبَادِ اللَّه ، وعنده فَخْرٌ بلسَانِه يَفْخَرُ بنفسِه، ويَقول: أنا فُلَانُ بنُ فُلَان، ويَمْتَدِحُ نفسَه، ولكن هذا ما لم يَكُنْ في الحَرْب، فإن كَان في الحَرْب فلا بأسَ أن يَفْخَرَ الإنْسَان، كما قال النبيُّ ﵊: "أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ ... أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ" (١)

стр. 108

ورأَى بعضَ أصحابِه يَمْشِي مِشْيَة المُتَبَخْتِر فقال ﷺ : "إِنَّ هَذِهِ لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ إِلَّا فِي هَذَا المَوْقِفِ" (١)، ففي بَابِ الحَرْب يَجوزُ للإِنْسَان أن يَفْتَخِر، ويَجوزُ أن يَتَعَاظَمَ في نفسِه؛ لأنَّه أَمَامَ أعداءِ اللَّه تعالى الذِين يَنْبَغِي إذْلَالهم. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: ذَمُّ هاتَيْن الخَصْلَتَيْن؛ تَصْعِيرِ الخَدِّ للنَّاس تَكَبُّرًا وتَعَاظُمًا، والمَشْي في الأَرْضِ مَرَحًا، وقد دَلَّتِ الآيَاتُ الأُخْرَى على أنَّهُما مِن المُحَرَّمَات؛ كما في سُورَة الإسْرَاء. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّه يَنْبَغِي لِلإِنْسَان عِنْد مُحَادَثَةِ غيْرِه أن يَكُونَ مُقْبِلًا إلَيْه بِوَجْهِه؛ لِأنَّ النَّهيَ عن تَصْعِير الخَدِّ يَدُلُّ على الأَمْر بِضِدِّه، وهو أن يَكُون مُقْبِلًا إلَيْه بوجْهِه. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثْبَاتُ أنَّ اللَّهَ تعالى يُحِبُّ؛ مِن قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ وَوَجْهُ الدَّلَالَة أنَّ نَفْيَ مَحَبَّةِ اللَّهِ تعالى لهولَاء يَدُلُّ على ثُبُوتِها لِغَيرِهم. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: تَحْرِيمُ الاخْتِيَال والفَخْر، لأنَّ اللَّه نَفَى مَحَبَّتَه له، وقَد سَبَقَ الفَرْق بَين الاخْتِيَال والفَخْر، الفَخْر بالقَوْل، والاخْتِيَال بالفِعْل. * * *

стр. 109

الآية (١٩) * قالَ اللَّه : ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]. * * * قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ تَوَسَّطْ فِيه بَيْنَ الدَّبِيبِ والإِسْراَع، وعَلَيكَ السَّكِينَة ﴿وَاغْضُضْ﴾ اخْفِضْ ﴿مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ أَقْبَحَهَا ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ أَوَّلُهُ زَفِير وَآخِرُهُ شَهِيق]. قوله : ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ القَصْد مَعنَاهُ الوَسَط في الأُمُور، فالوَسَطُ في الأمور مَعناه: أنَّ الإنسان يَكُونُ وَسَطًا في مَشْيِه بين الذي يَمْشِي مُسْرِعًا والذي يَمْشِي مُتبَاطِئًا، والقَصْدُ في كُلِّ شيْءٍ هو الوَسَط، ولهذا وَرَدَ في الدُّعَاء المَأْثُور: "وَأَسْألكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى" (١)، فمَعنَى (القَصْد) يَعنِي: التَوَسُّط في الأُمُور، قال : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]. وقولُه ﵀: [﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾، تَوَسَّطْ فيه بين الدَّبِيبِ والإسْراع وعليك السَّكِينَةُ والوَقَار] يَعنِي: لا تَدُبَّ دَبِيبًا وأنت تَمْشِي، ولا تُسْرِعْ سُرَعَةً تُخِلُّ بالمُرُوءَة،

стр. 110

ولكِنْ لِيَكُنْ مَشْيُك وَسَطًا بيْنَ هذا وهذا، دَالًّا على القُوَّة وعلى النَّشَاط كما كان الرسول ﵊ يَفْعَلُ في مَشْيِه. وقوله تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾: ﴿مِنْ﴾ هذه لِلتَّبعيض، فلَمْ يَقُلِ: اغْضُضْ صَوتَك. بل قال: مِنْهُ. وذلك لأنَّ الإنسان لا يُحْمَد على رَفْعِ الصَّوْتِ جِدًّا، ولا على خَفْضِهِ جِدًّا، والنَّاس مِنهم مَن يَكُون عَالِيَ الصَّوْت إِذَا قَام يَتكلَّم وإذَا هو كأنَّمَا يَتكَلَّمُ على جَمَاعَةٍ بَعِيدِين، ومن الناس مَن يَكُون بالعَكْس، يُكَلِّمُك رُبَّمَا لا تَفْهَمُ مِنْه إلَّا الكَلِمَة بَعْد الكَلِمة، كُلّ هذا لَيْس بِجَيِّد؛ ولهذا قَال تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾، ولم يَقُلِ: اغْضُضْه كُلَّه. فلا ينبَغِي هذا ولا هذا، بل يَكُون أيضًا قَصْدًا بين رَفْعِ الصَّوْت والإخْفَاء. فقولُه تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ المُرَاد به: عند المُخَاطَبَة، ثُمَّ إنَّ ﴿مِنْ﴾ هنا تُفِيدُ التَّبعيض في الكَيْفِيَّة، وكذلك في الكَمِّيَّة، في بعض أحيان يَكون الأفضَل أن تَرْفَع صَوتَك، افْرِضْ أنَّك تُنَادِي قومًا بعيدِين مُتَرَامِي الأطْرَاف تُريد أن تحثَّهم على قِتَال أو ما أشْبَهَ ذلك؛ فيَجُوز رَفْعُ الصَّوْت؛ ولهذا العَبَّاسُ بنُ عَبْد المُطَّلِب ﵁ في الحديث الصَّحيح لمَّا انصرَفَ الناس أمَرَه النبيُّ ﵊ أن يُنَادِيَ فقال -بأَعلَى صوتِه-: يَا أَهْل الشَّجَرَة، يَا أصْحَابَ سُورَةِ البَقَرَة (١). بأَعلَى صوتِه، وهذا لا شَكَّ أنَّه ليس غَضًّا مِن الصَّوْت؛ لأنَّ اللَّه تعالى يَقُول: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾. فصارَ الغَضُّ مِن الصَّوْت باعتِبَار الكَمِّيَّة وباعْتِبَارِ الكَيفيَّة؛ نَقُول مثَلًا: إذا كُنت تُخَاطِبُ مَن إِلى جَانِبِك لا تَرْفَعِ الصَّوْت ولا تَخْفِضْهُ بِحَيْثُ لا يَسْمَع، هذا باعتِبَار

стр. 111

الكَيفِيَّة، أمَّا باعتِبار الكَمِّيَّة فأحيانًا رُبَّمَا تُضْطَرُّ إلى رَفْعِ الصوت، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ يَعنِي: أحيانًا، لكِنْ في بعضِ الأحيان تَسْتَدْعي الحالُ أن تَرْفَعَ صَوْتَك بِقَدْرِ ما تُسْمِع. ثُمَّ علَّلَ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ﴾ يُحتَمَل أن يَكُون مِن كلام لُقْمَانَ ﵇؛ لأنه الأصْل، ويُحتَمَل أن يَكُونَ مِن كلامِ اللَّه تعالى خَتَمَ اللَّهُ به الآيةَ. وقولُه: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ تَعْلِيلٌ لقولِه : ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾، ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ يَعنِي: أقبحَها وأبْشَعَهَا، ولَيْسَ أعْلَاها، لكِنْ أَنْكَرَهَا، لأنَّ في الحيْوَان مَن هو أعلَى صوْتًا مِن الحِمَار، لَكنْ في القُبْح ليس هناك أَقْبَحُ مِن صَوتِ الحَمِير. وقولُه تعالى: ﴿أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ الجُمْلة هذه مُؤَكَّدَة بِمُؤَكّدَين وهي (إنَّ) واللَّام، ووَجْهُ ذلك ما ذكَرَه المُفَسِّر ﵀: أنَّ أوَّلَه زَفِير وآخِرَه شَهِيق. والفَرْق بين الزَّفِير والشَّهِيق أن الشَّهِيق يَكونُ بَاطِنًا في الصَّدْر، والزَّفِير يَكُون خَارِجًا؛ ولهذا قال اللَّه : ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢]. وكذلك الآيةُ الثانية: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦]، هذا باعتِبار السَّاكِنِين، وقال في آيةٍ أُخْرَى: ﴿سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ﴾ [الملك: ٧] فَذكَرَ اللَّه تعالى لِلنار زَفِيرًا وشَهِيقًا كما أنَّ لِسَاكِنِيها -أيضًا- زَفِيرًا وشَهِيقًا، نَعُوذُ باللَّهِ تعالى مِنه. قال تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ انْتَهَتِ الوِصَايَة النَّافِعَة التي هِي مِن الحِكْمَة التي أَعْطَاهَا اللَّهُ تعالى لُقْمَان ﵇.

стр. 112

من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّه يَنبَغي لِلإنسَان أن يَكونَ مَشْيُه قَصدًا لا إِسْراعًا مخُلًّا، ولا دَبِيئا مُتبَاطِئًا، فالإِسْرَاع الذي فِيه التَّهَوُّر والعَجَلَة والطَّيْش مَذْمُوم، والتَّبَاطُؤ والدَّبِيب أيضًا مَذْمُوم. فإن قال قائِل: إذا احتاج إلى السرعة في المَشي في بعض الأوقات، فهل له ذلك؟ أو أنه اراد أن يَذهَب إلى عمَله؛ ليَصِل في وَقْته فهل له أن يَمشِيَ كلَّ يوم هكذا؟ فالجَوابُ: ليس فيه بأسٌ، بل قد يَجِب أحيانًا كما لوِ احتاج لإنقاذ نَفْسه، أو إِنْقاذ غيره من هَلاكه، فكل مَقام له مَقال، فالمَقصود هنا في المَشي العادي؛ أمَّا في شُغْله فالأَوْلى أن يُرتِّب وقته، حتى يَخرُج إلى شُغْله بالمَشي المُعتاد؛ لكن لو فُرِض أنه تَأخَّر في يوم من الأيام فله أن يَفعَل. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن يُقال: إذا كان هذا في المَشي الحِسِّيِّ؛ فلْيَكُن كذلك في المَشي المَعنَويِّ إلى الآداب والأخلاق، لا يَنبَغي للإنسان أن يُسرِع سُرعة مخُلَّة، ولا أن يَتَباطَأ تَباطُؤًا مُفوِّتًا للمَقصود، أمَّا الإسراع إلى الجيْر فقَدْ أمَر اللَّه تعالى به، ولكنه لا يَتَجاوَز الحَدَّ؛ ولهذا قال النبيُّ ﷺ : "إِذَا سَمِعْتُمُ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، وَلَا تُسْرِعُوا" (١). الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنه يَنبَغي للإنسان أن يَغُضَّ من صوته؛ لقوله : ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾، وذكَرْنا أنه يَشمَل الكِمِّيَّة والكيفية، فإنه في بعض الأحيان

стр. 113

يَنبَغي رَفْع الصوت؛ كما في الأذان والخُطبة وما أَشبَهَه. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن رَفْع الصوت في غير مَحلِّه مُحرَّم؛ لقوله : ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]، فإنَّ هذا التَّشبيهَ يَقتَضي التَّنفير منه، وقد قال النبيُّ ﵊: "لَيْسَ لنَا مَثَلُ السَّوْءِ" (١). الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: ذَمُّ أصوات الحَمير؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾. ويُؤخَذ منها أنَّ للجارِ أن يُطالِب جاره إذا كان عنده حِمارًا نَهَّاقًا ببَيْعه وإزالته وكان نَهيقه غيرَ مُعتاد؛ لأن بعض الحَمير كثيرة النَّهيق؛ فعلى هذا له أن يُطالِب مِثلَما قال الفُقَهاءُ ﵏: إنَّ لَهُ أَنْ يَمنَعه من الرَّحى التي يُطحَن بها دائِما، وكذلك من تَغسيل الثِّياب ودَقِّها دائِمًا، كل ما يُؤذِي الجار فلِجاره أن يَمنَعه منه، فإذا كان اللَّه سبحانه قد وَصَف النَّهيق بأنه أَنكَرُ الأصوات، فإن له أن يُطالِب، فتقول: بعْ هذا الحِمارَ، وإلَّا اجعَلْه في مَكان آخَرَ، حتى لا أَتاَذَّى به. فإن قال قائِل: هل له أن يُطالِبه بإزالة آلات اللَّهْو التي هي أعظُمُ من النَّهيق؟ فالجَوابُ: نعَمْ، له أن يُطالِب جارَه بذلك، يَعنِي: لو أنه صار يَرفَع أصوات المَزامير -والعِياذُ باللَّه- والغِناء، فله الحَقُّ أن يُطالِب، حتى وإِنْ لم تُزعِجْهم؛ لأنَّ هذا مُنكَر. ولو كان له جار، يَصعَد إلى السَّطْح في أيام الصيف، وعنده مُسجِّل فيه

стр. 114

أَشرِطة من القرآن، ثُم يَفتَحها بآخِر صوت، فلجاره أن يُطالِب بالمَنعْ، فلو قال: كيف تمَنَعُني أن أَسمَع القرآن؟ يَقول له: لَسْتُ أَمنَعك، ولكن أَقول: استَمِعْ، لكن اخفِضِ الصوت؛ لأنَّ هذا يُؤذِيني، وليس يُؤذِيني لأني أَكرَه القرآن، ولكن لأني أُريد النَّوْم، وأولادي يُريدون النَّوْم، وأهلي يُريدون النَّوْم، والنبيُّ ﵊ يَقول: "لَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ" (١)، فله أن يَمنَعه، رَغْم أنَّ هذه عند العامة أَمْرها كبير، فلو أن أَحَدًا طالَب مَنعْ جاره أن يَرفَع صوته بقِراءة القرآن؛ لحَمْل الناس عليه راية الإنكار، لكن إنكار العامة أو إقرارهم ليس له تَأثير. * * *

стр. 115

الآية (٢٠) * قالَ اللَّه : ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [لقمان: ٢٠]. * * * ثُمَّ قال اللَّهُ تعالى مُقَرِّرًا ما أَنعَمَ اللَّهُ تعالى به على عِبادِه: [﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. قال ﵀: [﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾ تَعْلَمُوا يا مُخَاطَبِين ﴿أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ مِن الشَّمْس والقمَر والنُّجوم، لِتَنتفِعُوا بها ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ مِن الثِّمَار والأنهَار والدوَابِّ ﴿وَأَسْبَغَ﴾ أَوْسَعَ وَأتمَّ ﴿عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً﴾ وهي حُسْنُ الصورة وتَسْوِيَةُ الأعْضَاء وغير ذلك، ﴿وَبَاطِنَةً﴾ وهي العْرِفَةُ وغَيرُها]. يُقرِّرُ اللَّهُ تعالى في هذه الإلةِ ما أَنْعَمَ اللَّهُ تعالى به على العِبَاد فيَقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾ وإنما قُلتُ: (يُقَرّر)، لأنَّ همزةَ الاستِفْهَام إذا دَخَلَتْ على (لَمْ) أَفَادَت التَّقْرِير، فيَنْقَلِبُ الفِعْل المُضَارِع إلى مُؤَوَّلٍ بماضٍ مُؤَكَّدٍ بـ (قَدْ)، فمثَلًا ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾ أي: قد رَأَيْتُم، ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]، أي: قَدْ شَرَحْنَا لَك صَدْرَك. إذَنِ: الاستِفْهام للتقرِير؛ لأنَّه إذا دخَلَت همزَةُ الاستِفْهَام على (لَمْ) أَفادَت التقرِير، فيَنقَلِبُ الفِعْلُ المُضارع فِي المعْنَى إلى فِعْلٍ ماضٍ مُؤَكَّدٍ بـ (قَدْ)، فيَكون

стр. 116

مَعنَى ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾ أي: قد رَأَيْتُم؛ ولهذا في سُورَةِ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ قال اللَّه تعالى بعدَه: ﴿وَوَضَعْنَا﴾ فَعَطَفَ فِعْلًا ماضِيًا على ما سَبَق؛ لأنَّ ما قبْلَه بمَعنى الفِعْلِ المَاضِي. وقولُه : ﴿أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ﴾: ﴿سَخَّرَ﴾ بمَعنَى: ذَلَّل، ذَلَّلَها لَكم، أو لِمَصَالحِكُم، ومَنَافِعِكُم ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [مِن الشَّمس والقمَر والنُّجُوم]، وهذا على سبيل التَّمْثِيل، وإلَّا فَإِنَّه قَد سَخَّرَ لَنَا أَيْضًا الرِّيَاح، وهي بَينَ السَّمَاء والأَرْض، وسَخَّر لَنا السَّحاب؛ كما قال : ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] وهو لنا، فهو عامّ لِكُلِّ مَا سَخَّرَهُ اللَّهُ تعالى من مَصالحِنا. وقوله تعالى: ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ مِن الثِّمار والأنهَار والدوَابِّ، وغيرها أيضًا، حتَّى المَعَادِن وغرها سَخَّرَها اللَّه تعالى لنا وذَلَّلَها لَنا، فكُلُّ ما في الأرض مُسَخَّرٌ مُذَلَّل، لكنَّ بَعضَه مُسَخَّرٌ بِطَبِيعَتِه، وبعضُه مُسَخَّر بِوَاسِطَة، فالحدِيد والمعادِن وما أَشبَهَها مُسَخَّرَة، لكنَّها بواسِطَة، والدوَابُّ والأنهار والأشْجَار مُسَخَّرَة بِدُونِ وَاسِطَة، يَجِدُها الإنْسَان مُهَيّأَةً كَامِلَةً. وقولُه تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ﴾ فَسَّرَها المُفَسِّر ﵀ بأَمْرَيْن بالسَّعَة والإتمام؛ أي: [أَوْسَعَ وَأتمَّ] ومنه قوله ﵊: "إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ" (١) يَعنِي: إتْمَامُ الوُضُوء، ومَعنَى ﴿وَأَسْبَغَ﴾ يَعنِي: أَوْسَعَ وأتمَّ، أمَّا (أتمَّ) فمِثالُه ما ذَكَرْت: إسْبَاغُ الوُضُوءِ على المَكَاره، وأمَّا (أَوْسَعَ) فَمِنهُ قولُه : ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١١]؛ أي: دُرُوعًا سَابِغَاتٍ: وَاسِعَةً، ومنها أيضًا قولُهم: ثَوْبٌ سَابغ. يَعني: وَاسِع،

стр. 117

ويَدْخُل فيه الإِتْمَام أيضًا. فالمُهِمُّ: أنَّ الإسْبَاغ يَتَنَاوَل شَيْئَيْن: الأوَّل: إِتْمَام الشَيْء، والثاني: تَوْفيره، والنِّعَم التي أَنعَمَ اللَّهُ تعالى بها عَليْنَا شَامِلَةٌ لِلْأَمْرَيْن، فَهِي وَاسِعَة، قال : ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، وهي أيضًا تامَّة، ليس فيها نَقْص، كُلُّ ما يَحتاجُه الإنسان في حياتِه، بل وكُلُّ ما يَحتاجُه في دِييه فإنَّ اللَّهَ تعالى قد أَتَمَّه، والحَمْدُ للَّه تعالى. وقولُه : ﴿ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ فسَّر المُفَسِّر ﵀ ﴿ظَاهِرَةً﴾ بأنها الحِسّيَّة الظَّاهِرة، والبَاطِنَة هي المَعرِفَة وغيرُها، فالنِّعَم جعَلَها اللَّهُ تعالى ظَاهِرَةً وَبَاطِنَة: ظَاهِرَة للعَيَان، وذكَرَ المُفَسِّر ﵀ مِن أَمْثِلَتِها حُسْنَ الصُّورَة واسْتِقَامَةَ الخَلْق وما أَشبَه ذلك، والباطِنَة يَقول المُفَسِّر ﵀: [هي المَعْرِفة]؛ لأنَّها في القَلْب غيرُ مَعْلُومة، وهذا لا شَكَّ أنَّه تَفْسِير نَاقِصٌ جِدًّا. وأمَّا الظاهِرَة فالصَّوَاب أنَّها أَعَمُّ مِن ذلك فالنِّعَم إمَّا ظَاهِرَةٌ لِكُلِّ أَحَد، وإمَّا باطِنَة لا يَعلَمُهَا إلَّا الإِنْسَان، هذا واحِد. وإمَّا ظَاهِرَة أيضًا بحيث كُلٌّ يَعْرَف أنها نِعْمَة، وباطِنة بحيث لا يُرَى أنَّها نِعْمَة إلَّا مِن آثارِها؛ لأن بَعْض الأشيَاء حين وُجُودِها لا تَظُنُّ أنَّها نِعْمَة، لكن إذا عَرَفْتَ آثَارَها وجَدْتَ أنَّها نِعْمَة، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، فإنَّ الإنسان أحيانًا يُصيبُه ما يُصِيبُه مِن قَضَاءِ اللَّه تعالى وقَدَرِه فلا يَرَى أنَّه نِعْمَة حتَّى يَعْرِف آثَارَهَا فِيما بَعْدُ. والمُهِمُّ: أنَّ النِّعَم -والحمدُ للَّه- ظَاهِرة بَيِّنَة لِلعِيَان، وعَامَّة شَامِلَة لِلخَلْق، وشيءٌ باطِنٌ لا يَعرِفُه إلَّا مَن أَنعَمَ اللَّهُ تعالى به علَيه، وأيضًا هناك شيءٌ ظَاهِر وَاضِح

стр. 118

أنَّه نِعْمَة، وشيءٌ باطِن لا يَتبَيَّن أنَّه نِعْمَة إلَّا فِيمَا بَعْدُ. ثُمَّ قال : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾: (مِن) للتَّبعيض، وقدِ اختَلَف المُعرِبون في (مِن) التَّبعيضية، هل هي اسمٌ، لأنها في مَعنَى (بَعْض)، أو أنَّها حَرْفٌ دَالٌّ على هذا المَعنَى. وعلى هذا الاختِلافِ يَنبَغي الاختِلافُ في الإِعْراب: فإذا قُلْنا (مِن) اسم بمَعنَى (بَعْض)، فإننا نَقول: (مَن) مُبتَدَأ، و ﴿مَنْ يُجَادِلُ﴾ خبَرُه، وإذا قُلْنا: إنها حَرْف، فانها تَكون حرفَ جَرٍّ، والجارُّ والمَجرور مُتعَلِّق بمَحذوف خبَر مُقدَّم، و ﴿مَنْ يُجَادِلُ﴾ مُبتَدَأ مُؤخَّر. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ أي: أهل مَكَّةَ] بِناءً على قاعِدته ﵀ أن كل السُّوَر المَكِّية يُحمَل فيها العُموم بمِثْل هذا السِّياقِ على الخُصوص: وهم أهل مَكَّةَ، والصواب أنَّ ذلك عامٌّ، يَعنِي: من الناس من أهل مَكَّةَ وغيرهم. وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ المُجادَلة مَأخوذة من الجَدْل، وهو فَتْل الحَبْل لإِحْكامه، ومنه ما يُسمَّى الجَدائِل، جَدائل المرأة أي: فَتْل رأسها وإحكامها، هذا مَعناها في اللغة. لكن في الاصطِلاخ المُجادَلة: هي المُمانَعة، بمَعنَى: أن كل واحِد من المُتَناظِرين يُحكِم الحُجَّة من أَجْل إفحام خَصْمه، فهي إِذَن إحكام الحُجَّة لإِفْحام الخَصْم وتَعجيزه. والمُجادَلة إن كانت بعِلْم وحِكْمة فهي مَمدوحة بلا شَكٍّ، وقد تَكون واجِبة

стр. 119

أحيانًا كما في قوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وإن كانت بغَيْر عِلْم فإنها مَذمومة، فمَن يُجادِل بإيراد الحُجَج والعِلَل الواهية؛ لإِفْحام خَصْمه ونَقْض قوله ولو بالباطِل؛ فهذا من المُنكَر المُحرَّم، قال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ﴾ [غافر: ٥]. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾: ﴿فِي اللَّهِ﴾ هل المُراد في ذاته أوِ المُراد في رُبوبيته أو أُلوهيته، أو أَسمائه وصِفاته، أو أَحكامه وأَفعاله؟ الجَوابُ: تَشمَل كل هذا، فمِن الناس مَن يُجادِل في ذات اللَّه تعالى، فهو يُنكِر وجود اللَّه تعالى أَصْلًا، ويُجادِل في ذاته، ومن الناس مَن يُجادِل في وَحْدانيته، يُقِرُّ به، لكن يُنكِر الأُلوهية، ومنَ الناس مَن يُجادِل في أُلوهيته، أي: في تَفرُّده في الأُلوهية، ومن الناس مَن يُجادِل في أَسْمائه وصِفاته، وأكثر ما وقَع فيه الجدَل بين المسلمين في باب الأسماء والصِّفات، وهذا بين المُسلِمين! وليس بين المُسلِمين والكافِرين، لكنِ المُسلِمون الذين يَنتَسِبون إلى الإسلام ويُسمَّوْن أهلَ القِبْلة، هؤلاءِ كثُرَ الجَدَل بينهم في باب أسماء اللَّه تعالى وصِفاته. كذلك من الناس مَن يُجادِل في أحكام اللَّه تعالى، وما أكثَرَ المُجادِلين في أحكام اللَّه تعالى! تَجِده يُجادِل، تَقول: هذا الشيءُ حرامٌ. ثُمَّ يَأتِي ويُجادِلك: ما الذي حرَّمَه؟ وما الفَرْق بين كذا وكذا؟ وهاتِ الدليلَ، وهذا الدليلُ مَنقوض، وهاتِ التَّعليلَ، وهذا التَّعليلُ باطِل، وهكذا. قوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أما إذا كان بعِلْم فليس فيه ذَنْب، لكن بغير عِلْم ففيه ذنب. كذلك من الناس مَن يُجادِل في أفعال اللَّه، فيَقول: لماذا أَنعَم اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

стр. 120

على هؤلاء الكافِرين بالنِّعَم الكثيرة، ومن المُسلِمين مَن هو في جَهْد شَديد ومرَض وفَقْر وجَهْل، وما أَشبَهَ ذلك؛ كذلك يُجادِل في أفعال اللَّه تعالى في مَسأَلة القَدَر، فتقول مثَلًا: إمَّا أن يَكون اللَّه قد قدَّر على الإنسان عمَله أو لا، فإن كان قدَّر عليه عمَله؛ فكيف يُعاقِبه؟ وإن لم يُقدِّر عليه عمَله، فمَعنَى ذلك أن الإنسان مُستَقِلٌّ به، فيَكون مُنفَرِدًا بالحوادِث ومُشارِكًا للَّه تعالى فيها، وما أَشبَه هذا من الجدَل الذي يَكون بغير عِلْم. ولهذا يَنبَغي للإنسان في مَسائِل الشرع وفي مَسائِل القدَر؛ أن يَستَسلِم لما دلَّ عليه الكِتاب والسُّنَّة، وأن لا يُجادِل؛ لأنه إن فتَح على نَفْسه باب الجدَل فلن يَستَقِرَّ له قدَم أبَدًا، ولهذا قال ابن حجَرٍ ﵀ (١): "إن المَسائِل العَقْلية ليس لها دَخْل في الأمور الخبَرية"؛ لأننا لو أَرَدْنا أن نُحيل هذه الأمورَ على العَقْل، فإن العاقِل قد يُجوِّز ما كان مُمتَنِعًا شرعًا غايةَ الامتِناع، كما أنه قد يَمنَع ما هو جائِز، والمُراد بالعَقْل ما ادعَّى صاحبه أنه عَقْل، أمَّا العَقْل الصحيح الصريح فإنه لا بُدَّ أن يُوافِق النَّقْل الصحيح؛ وإذا شِئْتم أن يَتبَيَّن لكم هذا فاقرَؤُوا كتاب شيخ الإسلام ابنِ تَيميَّةَ ﵀ -إن أَطَقْتُموه- المُسمَّى بكتاب العَقْل والنَّقْل أو مُوافَقة صريح المَعقول لصحيح المَنقول. المُهِمُّ: أنَّ الجدَل بابُه واسِع، والكلام هنا في المُجادَلة المَذمومة، وهي المُجادَلة بغير عِلْم. إذَنْ: ﴿فِي اللَّهِ﴾: في ذاتِه، وفي رُبوبيته، وأُلوهيته، وأَسمائه وصِفاته، وأَحْكامه، وأَفْعاله.

стр. 121

وقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يَعنِي: ما عِنده عِلْم ذاتُه، ولكنه مُكابَرة ومُعانَدة. يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَا هُدًى﴾ مِن رَسول] فهو ليس عِنده عِلْم في نَفْسه يَهتَدِي به، وليس عنده عِلْم من غيره يَهتَدِي به. يَقول المُفَسر ﵀: [﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ أَنزَله اللَّه تعالى؛ بل بالتَّقليد]، فهو ليس عِنده عِلْم، ولا اهتِداء بهَدْيِ رَسول، ولا كِتاب أَنزَله اللَّه تعالى فيَهتَدِي به، إِذَنْ فهو يُجادِل بالباطِل، وقال المُفَسِّر ﵀: [بالتَّقليد]؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢١]، فهذا الذي أَوجَب للمُؤلِّف أن يَقول: [بلْ بالتَّقليد]؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: بَيان نِعمة اللَّه على عِباده، بهذه النِّعمِ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ اللَّه جَلَّ وَعَلَا يحبُّ أن يُتمَدَّح بما أَسْدى إلى عِباده من النِّعَم؛ لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ اللَّه تعالى سخِر لنا ما في السموات وما في الأرض، وهو ظاهِر، وقد قال اللَّه تعالى في آية أُخرى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: جَواز استِخدام ما في هذا الكَوْنِ في السموات والأرض لمصالحِنا؛ لأنه مُسخَّر لنا، فإذا كان مُسخَّرًا لنا، فلنا أن نَنتَفِع به، فيما أَحَلَّ اللَّه تعالى لنا. فلو قال قائِل مثَلًا: هل لنا أن نَأخُذ المعادِن الجارية والجامِدة؟

стр. 122

نَقول: نعَمْ. هل لنا أن نُحاوِل الصعود إلى الكواكِب والنُّجوم لنَرَى ما فيها من الآيات؟ وكيف تَظهَر لنا؟ الجَوابُ: نعَمْ. ولكن إذا كان هذا يُكلِّف نَفَقاتٍ باهِظةً، أكثَرَ ممَّا نَستَفيد منه، فإن الحِكْمة تَقتَضي أن لا نَفعَل؛ لأن هذه المُحاولاتِ يَكون فيها من نَفاد الأموال شيء كثير، فإذا قُدِّر أنَّ ما فيها من نَفاد الأموال أكثر بأضعاف وأضعاف ممَّا نَستَفيد منها، فإنَّ العقل يَقتَضي أن لا نَفعَل؛ لأن هذا من السفَه والتَّبذير، والإنسان العاقِل لا يَبذُل المال إلَّا وهو يَرَى أنه يَنتَفِع بأكثَرَ ممَّا يَبذُل. فلو فُرِض أنك بذَلْت مالًا قَدْره أَلْف ريال، لتَحصُل على مَنفَعة تُساوِي ألفَيْ ريال؛ فهذا محَمود، وبالعَكْس، فلو بذَلْت مالًا يَبلُغ ألفي ريال؛ لتَحصيل مَنفَعة بقَدْر ألف ريال، هذا مَذموم؛ لأنك أَضَعْت ألف ريال بدون فائِدة، فيَكون هذا من إضاعة المال والإسراف. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ نِعَم اللَّه وافِرة، يَعنِي: كثيرة كامِلة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ نِعَم اللَّه نوعان: ظاهِرة وباطِنة، سَواءٌ فَسَّرنَا الظَّاهِرة بالأُمور المَحسوسة والباطِنة بالأُمور المَعنوية، أو فسَّرْناها بالظاهِرة التي يَعرِفها كل أحَد، والباطِنة ما لا يَعرِفها إلَّا صاحِبها، أو فسَّرْنا الظاهِر بما هو عامٌّ يَعُمُّ جميع الناس، كالمطَر والخَصْب. والباطن بما هو دونَ ذلك، فالنِّعَم وافِرة وسابِغة من كل وَجْه.

стр. 123

الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: ما أَعطاه اللَّه تعالى للُقْمانَ ﵇ من الحِكَم؛ فإن كل ما أَوْصَى به ابنَه، كلُّه حِكَم مُوافِق للعَقْل، والشَّرْع أيضًا يُؤيِّده. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ اللَّه إذا قصَّ علينا نبَأَ أحَد؛ فإن كان ذلك خيرًا فإنه يُريد مِنَّا أن نَفعَله، وإن كان غير ذلك فإنه يُريد مِنَّا أن نَتَجنَّبه، فلمَّا قصَّ علينا قِصَّة قارونَ قال تَعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٦ - ٧٨]، فقَصَّ علينا ذلك؛ لنَحذَر ونَخاف؛ ولأَجْل أن لا نَسكُت على مَن رَأَيْناه يُبذِّر ويُسرِف في الأرض؛ وهنا قَصَّ علينا قصص لُقمانَ ﵇ من أَجْل أن نَعتَبِر بها في الحِكَم، وأن نَقتَدِيَ به في نصيحة أَبنائنا وأَهْلنا. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: ذمُّ الجدَل بغير بُرْهانٍ؛ لقوله ﵎: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أن الجدَل بالعِلْم والهدى والدليلِ من القُرآن لا يُذَمُّ صاحِبه؛ لأنه حَقٌّ، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنه يَنبَغي للمُجادِل أن يَكون له دليل من العَقْل أو من النَّقْل؛ لقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فهذا العِلْمُ الذاتيُّ الذي يَكون بطريق العَقْل، وقوله تعالى: ﴿وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ هذا العِلمُ المُكتَسَب؛ فالهدى مِن الرَّسول ﷺ ، والكِتاب المُنير القُرآن. * * *

стр. 124

الآية (٢١) * قالَ اللَّه : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان: ٢١]. * * * وقوله تعالى: ﴿قِيلَ﴾ هذه مَبنيّ للمَجهول، فالقائِل: اللَّه تعالى، أو الرَّسولُ ﷺ ، أو المُؤمِنون، كل هذا يُمكِن أن يَكون؛ قال اللَّه تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: ٣]، والنبيُّ ﵊ يحثُّ الأُمَّة على اتِّباعه، والمُؤمِنون كذلك يَدْعون الناس إلى اتّباع ما أَنزَل اللَّه تعالى، فيَكون هنا حُذِف الفاعِل لإرادة العُموم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾، فهذا أَعَمُّ ممَّا لو قال: (وإذا قال اللَّه لهم، أو: وإذا قال لهم الرسول، أو: وإذا قال لَهُمُ المُؤمِنون)؛ فقوله : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ يَكون أَشمَلَ. وقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: ﴿مَا﴾ مَفعول ﴿اتَّبِعُوا﴾، و ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ المُراد به القُرآن لا شَكَّ؛ لأنَّ اللَّه تعالى أَنزَله؛ وأمَّا السُّنَّة فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣]، قال العُلَماءُ ﵏: الحِكْمة هي: السُّنَّة، إِذَنْ ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ من القُرآن ومن السُّنَّة؛ لأنَّ السُّنَّة وَحْي إن كان اللَّه تعالى أَوْحاها إلى رسوله ﵊، وإلَّا فإِقْراره سبحانه إيَّاها بمَنزِلة الوَحْي؛ ولهذا قال العُلماءُ ﵏: إنَّ إقرار النبيِّ ﷺ بمَنزِلة قوله.

стр. 125

وقوله تعالى: ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ﴾: ﴿بَلْ﴾ للإِضْراب الإِبْطاليِّ، يَعنِي: بل لا نَتَّبع ما أَنزَل اللَّه تعالى، وإنما نَتَّبع ما وجَدْنا عليه آباءَنا، واللَّهِ! هذا مُعارَضة حَقٍّ بباطِل؛ لأنهم الآنَ عدَلوا عمَّا أَنزَل اللَّه إلى الآراء فقَطْ والأهواء: ﴿مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ ولو كان شِرْكًا، وأيضًا لو كان طاعة، فلو كان طاعةً يَكون اتِّباعُهم لما عليه آباؤُهم؛ لا لأنه شَرْع، ولكن لأنَّ عليه آباءَهم؛ فحينئذ لا يَكون اتِّباع آبائِهم في هذه الحالِ اتِّباعًا للشَّرْع، ولا اتِّباعًا محَمودًا. وعلى هذا فنَقول فيمَن دُعِيَ إلى الكِتاب والسُّنَّة، وقال: أنا أُريد أن أتَبع فلانًا -الإمامَ الفُلانِيَّ أو العالِمَ الفُلانيَّ- مع بيان السُّنَّة ووُضوحها: إنه يَكون مُشابِهًا لهؤلاء المُشرِكين. وقوله : ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾: ﴿أَوَلَوْ كَانَ﴾ هذا استِفْهام يَتْلوه حَرْف عَطْف، وقد تَقدَّم لنا مِرارًا وتَكرارًا أنَّ حرف العَطْف إذا وَلِيَ استِفْهامًا ففي إعرابه قَوْلان: أحدُهما: أنَّ همزة الاستِفْهام دخَلتَ على مَحذوف عُطِف عليه ما بعد حَرفْ العَطْف، ويُقَدَّر هذا المَحذوفُ بحسَب السِّياق، وعلى هذا؛ فهَمْزة الاستِفْهام في مَكانها، والمُستَفهَم عنه -يَعنِي: مَسؤول الاستِفْهام- مَحذوف. والقول الثاني: أن الواو حَرْف عَطْف، والمعطوف عليه ما سبَق، ومَحلُّ الهمزة بعد حَرْف العطف، وقلنا: إنَّ هذا أهوَنُ من الأوَّل، فالأوَّلُ: أبلَغُ في التَّقعيد وهذا أَسهَلُ، ووجه سُهولته: أنَّ الأوَّل قد يَخفَى على الإنسان ماذا يُقدِّره، وربما يَصعُب أحيانًا تَقدير شيء مُناسِب، وأمَّا هذه فلا تَحتاج إلى شيء فتكُون مَعطوفة على ما سبَق.

стр. 126

أمَّا المُفَسِّر ﵀ فمَشَى على القول الأوَّل، قال ﵀: [أيَتَّبِعونه ولو كان الشَّيْطانَ]، فحَرْف الاستِفْهام دخَل على شيء محَذوف، وحَرْف العَطْف عاطِف على ذلك الشيء المَحذوف. يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ أي: مُوجِباته؟ لا]، يَقول اللَّه : أيتَّبِعون آباءَهم دون ما أَنزَل اللَّه تعالى حتى في هذه الحالِ، وهو أن الشيطان يَدْعوهم، ﴿يَدْعُوهُمْ﴾ أَظُنُّها تَشمَل أن يَدعوَ الآباء ويَدعوَ هَؤلاءِ. وقوله تعالى: ﴿إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ يَعنِي: إلى ما يُوجِب عذاب السَّعير من أعمال الشِّرْك والكُفْر وغيرها. وظاهِر كلام المُفَسِّر ﵀ أن الاستِفْهام للإنكار والنَّفي، لقوله ﵀: [لا]، ولكنه للنَّفْي فيه إشكال؛ لأنه لا شَكَّ أنهم يَتَّبِعونه، أمَّا للإنكار فنَعَمْ، يَقول اللَّه أَنكَر عليهم أن يَتَّبِعوا آباءَهم والشيطانُ يَدعوهم إلى عَذاب السَّعير. وقوله تعالى: ﴿عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ هو عَذاب النار، وأُضيف إلى السعير باعتِبار اللَّفْظ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: بيانُ أن هؤلاءِ المُجادِلين ليس عندهم سِوَى التَّقليد، لقوله تعالى: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: ذَمُّ مَن خَالَفَ الحقَّ، لاتِّباع الآباء، لقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ هذا الحقَّ، قالوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ﴾.

стр. 127

الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تَحريم التَّقليد مع ظُهور الحُجَّة، ويُؤخَذ ذلك من قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ أيًّا كان المُقلَّد إذا بانت الحُجَّة فإنه لا تَقليدَ، ولكن تُتْبَع الحُجَّة. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن التَّقليد قد يُسمَّى اتِّباعًا، لقوله تعالى: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ والمَعروف المَشهور بين أهل العِلْم أنَّ الاتِّباع يَكون عن دليلٍ، فيقال للرسول ﵊: اتَّبَعْنا الرسولَ ﷺ . والتقليد هو الذي يَكون عن غير دَليل، لكن هذه الآيةَ تَدُلُّ على أن كل مَن تابَعَ أحَدًا فهو مُتَّبع له. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بَيان أنَّ هؤلاءِ المُخالِفِين كان عندهم عِلْم بالحقِّ؛ لقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، فيَكون هذا أشَدَّ في ذَمِّهم. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: ظُهور العَصَبية في هؤلاء؛ لقوله تعالى: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾، وهذا تَعصُّب للآباء، والتَّعصُّب للآباء والقبائِل من شَأْن أهل الجاهِلِية. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن مخُالَفةَ الدَّليل للتَّقليد من إجابة الشَّيْطان، لقوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن مُخَالَفةَ ما أَنزَل اللَّهُ تعالى سبَب لدُخول النَّار؛ لقوله تعالى: ﴿يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن وَسْوسة الشَّيْطان التي يُلْقيها في قَلْب بني آدَمَ من الدَّعْوة؛ لقوله : ﴿يَدْعُوهُمْ﴾ إِذْ إن الشَّيْطان ليس يَمْثُل أَمامهم، ويَقول: اتَّبِعوا كذا. ولكنه يُوَسْوِس في صُدورهم حتى يَتَّبِعوه، وهكذا الشيطانُ يَأمُر بالشَّرِّ.

стр. 128

الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: الحذَر من وَساوِس الشَّيْطان؛ لأنَّ قوله : ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ﴾، هذا للتَّوْبيخِ والإنكار. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أن كل شيء يُوجِب العُقوبة فهو من تَلْبية طلَب الشَّيْطان والإِثْم، واعلَمْ أنه من تَلْبية طلَب الشَّيْطان، لقوله : ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ فمثَلًا لو أَراد الإنسان أن يَسرِق، أو أن يَزنِيَ، أو أن يَشرَبَ الخَمْر، أو أن يَقتُل نَفْسًا محُرَّمة، قُلْنا: هذا من الشَّيْطان، وتَلْبية لطلَبِه؛ لأنَّ الشَّيْطان هو الذي يَدْعو إلى عَذاب السَّعير. ويُؤخَذ من ذلك أن الشَّيْطان له عَقْل وإرادة، وقد قال اللَّه تعالى في سُورة النِّساء: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠]، فالشَّيْطان له إرادة وله تَزْيين، وله تَلْبيس؛ ولهذا يَجِب الحذَرُ منه غايةَ الحذَر. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أن مَن دعا إلى ما يُوجِب العِقاب فهو شَبيهٌ بالشَّياطين، بل لنا أن نَقول: إنه شَيْطان، ولهذا قال النبيُّ ﵊ في الذي يُمانِع إذا مُنِع من المُرور بين يدَيِ المُصلِّي قال: "فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ" (١)، وقال اللَّه : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]. * * *

стр. 129

الآية (٢٢) * قالَ اللَّه : ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ٢٢]. * * * قوله ﵀: [﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾ أي: يُقبِل على طاعته ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ مُوحِّد ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾] (مَن) هذه شَرْطية جوابها قَولُه تعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ﴾ وقُرِن الجواب بالفاء؛ لأنَّه اقتَرَن ب (قَدْ)، والجوابُ يَقتَرِن بالفاء إذا كان أحَدَ أمور سَبْعة: اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ ... وَبِـ (مَا) وَ (قَدْ) وبـ (لنْ) وَبِالتَّنْفِيسِ وهنا اقتَرَن بالجواب (قَدْ)، فوجَب أن يُقرَن بالفاء. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾ مَعناه: يَنقاد له تَمام الانقِياد، بحيثُ يُسلِمه إليه، وهذا غاية ما يَكون من التَّذلُّل والتَّوكُّل فقال تعالى: ﴿يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾، ولم يَقُل: للَّه؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ أَبلَغُ، كأنه أَعْطاه اللَّه وبلَغ غايته بالوصول إلى اللَّه تعالى. وقوله تعالى: ﴿وَجْهَهُ﴾ المُراد: وجهُ قَلْبه، وليس وجهَ بدَنِه، يَعنِي: اتِّجاهَه، فهو من الوجهة أي: مَن يَتَّجِه إلى اللَّه قَصْدًا وتَوَكُّلًا واعتِمادًا. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ الجُمْلة هذه حالية، حال من فاعِل ﴿يُسْلِمْ﴾،

стр. 130

يَعنِي: والحال أنه مُحسِن. والمُراد بالإحسان، يَقول المُفَسِّر ﵀: [مُوحِّد] أي: التوحيد، ولكن الصواب خِلاف كلامه، لأنَّ التَّوْحيد مَفهوم من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾، لكن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: مُحسِن باتِّباع شريعة اللَّه ، فيَكون في الآية إشارة إلى الحُكْمين الأَساسِيَّين في العِبادة، وهما: الإخلاص والمُتابَعة، فقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ يَعنِي: في اتِّباع الشريعة، يَعنِي: مُتَّبع لشريعته على وجهِ الإحسان. وقوله تعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ استَمْسَك بمَعنَى: تمَسَّك، لكنها أتتْ بهذه الصِّيغةِ (استَفعَل) للمُبالَغة، أي: للمُبالَغة في التَّمسُّك، لأن (استَمْسَك بكذا) أَقوَى من قولك: تمَسَّك به؛ لأنهم يَقولون: إن زيادة المَبنَى تَدُلُّ على زِيادة المَعنَى؛ فلمَّا كثُرَت حروف (استَمْسَك) صارت أَقوى في مَعناها من: (تمَسَّكَ). وقوله تعالى: ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ بالطرف الأَوْثَق، الذي لا يَخاف انقِطاعه، الإنسان عندما يَتمَسَّك بالحبْل، فتارةً يَتَمسَّك به بطرَفه وليس له عُروة، وتارة يَتمَسَّك به بطرَفه وهو مَعقود، وتارةً يَتَمسَّك به بطرَفه وهو مَثنِيٌّ كالعُروة؛ فالأَبلَغُ العُروة؛ لأنَّ الإنسان لو تمَسَّك بطرَفه ربما يُزلَق فيَسقُط، وكذلك بطرَفه مَعقودًا لا يَتمَكَّن مثلما يَتَمكَّن بطرَفه إذا كان عُروة. ﴿الْوُثْقَى﴾ مُؤنَّث (أَوثَق)؛ لأنَّ العروة التي هي أَوْثَق شيء، ولا ريبَ أن مَن أَسلَم وجهه للَّه تعالى وهو مُحسِن فإنه سيَنجو من كل مَكروهٍ، ويَفوز بكُلِّ مَطلوب؛ لأنَّ هذا هو الطريق الأمثل الذي يُوصِل إلى اللَّه : أن تُسلِم وجهَكَ إليه وأنت مُحسِن. وورد مِثلُها في القُرآن قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ

стр. 131

فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]. قوله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ لمَّا بيَّن أنَّ الذي يُسلِم وجهَه إلى اللَّه تعالى وهو مُحسِن أنه مُستَمْسِك بالعُروة الوُثْقى، وأن الإنسان في حال الإسلام إلى اللَّه تعالى والإحسان قد يَعتَريه أمور يَشُكُّ هل هو مُستَمْسِك بالعُروة الوثقى أم لا؟ مثل أن يَتَخلَّف عنه النَّصر في يوم من الأيام وما أَشبَه ذلك، فيَخشَى أن يَكون على غير حَقٍّ، فبَيَّن اللَّه تعالى أنَّ عاقِبة الأمور إلى اللَّه تعالى. وهذا كقوله : ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١]؛ لأنَّ الإنسان قد يَقول: ما قيمة هذه الأشياءِ بالنِّسبة للقَنابل والصواريخ، وما أَشبَه ذلك؟ فبَيَّن اللَّه تعالى أن عاقِبة الأمور للَّه تعالى؛ فأنت ما دُمْت قُمْت بأسباب النَّصْر التي بيَّنها اللَّه تعالى لك؛ فلا يَخْدَعَنَّك ما أُعطِيَ أعداءُ اللَّه من القُوَّة المادِّية؛ لأنَّ هذه القُوَّة المادِّية تَتَضاءَل بكلِمة من اللَّه ، فإذا أَراد أن يَخسِف بهم جميعًا الأرض، أو يُفسِد عليهم مُعدَّاتهم قال: (كُنْ فيَكون)، ولهذا أَعقَبَها بقوله : ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُور﴾، حتى لا يَستَبعِد الإنسان نَصْر اللَّه بسبب ما أُوتِيَ أعداؤُه من القُوَّة؛ لأنَّ العاقِبة للَّه ؛ وهذه مِثلُها أيضًا، فيُسلِم الإنسان وجهَهْ للَّه تعالى وهو مُحسِن، ويَنتابُه بعضَ الأحيان شُكوك، وهل هو على حَقٍّ أم على غير حَقٍّ، وهل هذا الاستِمْساك حقيقيٌّ أم لا؛ فبَيَّن اللَّه تعالى أن عاقِبة الأمور إلى اللَّه تعالى، وأنك متى أَسلَمْت وجهَك إلى اللَّه تعالى وأنت مُحسِن فلا بُدَّ أن تَنجوَ. وقوله : ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾: (إلى) تُفيد الغاية؛ يَعنِي:

стр. 132

غاية عاقِبة الأمور إلى اللَّه تعالى لا إلى غيره، فهو الذي يُدبِّر الأمور كيف يَشاء حتى تَصِل إلى ما يُريده . وقوله : ﴿الْأُمُورِ﴾ جَمْع أَمْر، واحِد الأمور، يَعنِي: الشُّؤون، كل الشُّؤون الدِّينية والدُّنيوية العامة والخاصة، كلُّها عاقِبَتها إلى اللَّه تعالى. هذا قِسْم من الناس: الذي أَسلَم وجهَه إلى اللَّه تعالى وهو مُحسِن؛ والثاني: الكافِر؛ قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ﴾ يا محُمَّدُ ﴿كُفْرُهُ﴾ لا تَهتَمَّ بكُفْره ﴿إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾. . .] إلخ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: الفائِدةُ العَظيمة في الإخلاص والمُتابَعة؛ الإخلاص من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾، والمُتابَعة من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ مَن لم يَكُن كذلك فهو هالِكٌ لا مُتَمَسَّكَ له؛ لأنه رَتَّب الاستِمْساك على هَذَيْن: إسلام الوجهِ للَّهِ تعالى مع الإحسان؛ وعلى هذا فمَنْ لم يَأتِ بهما فلَيْس له نَجاةٌ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ أَوْثَقَ ما يَستَمْسِكُ به الإنسان من نَجاة هو الإخلاصُ والمُتابَعة؛ لأنَّ كلِمة (الوُثْقَى) اسمُ تَفضيل، فهي مِثْل (أَوثَق) في المُذكَّر. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: فضيلة الإحسان؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، وقد سبَقَ لنا أنَّ الإِحْسان يَكون في عِبادة اللَّه تعالى، ويَكون في مُعامَلة عباد اللَّه تعالى. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ عواقِبَ الأُمور إلى اللَّه ، فهو الذي بيَدِه مَلكوت السمَواتِ والأَرْض، وكَمْ مِن إنسان يُقدِّر، ولكن أَمْر اللَّه تعالى يَأْتي على خِلاف

стр. 133

تَقديره؛ والدَّليلُ قوله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: الإشارة إلى أنَّه يَنبَغي لمَن أَسلَم وجهَهُ للَّه تعالى وهو مُحسِن أن يَصبِر، لأن العاقِبة له، فلا يَتعَجَّل أو يَستَبعِد الفرَجَ، أو يَستَبْعِد النَّصْر؛ لأنَّ الأمورَ كلَّها تَرجِع إلى ربِّ العِزَّة . الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّه لا أحَدَ يَستَطيع أن يُدَبِّر في الكون، ويُؤخَذ ذلك من تَقديم الخبَر الدالِّ على الحَصْر. * * *

стр. 134

الآية (٢٣) * قالَ اللَّه : ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [لقمان: ٢٣]. * * * قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ﴾: (مَن) هذه شَرْطية، وفِعْل الشَّرْط ﴿كُفْرُهُ﴾، وجوابه قوله تعالى: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ﴾، وقُرِن بالفاء؛ لأنَّ (لا) ناهِية. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ هذا عامٌّ من الأقارِب والآباء، لأنَّ الرسول ﷺ يَحزَن لكُفْر الكافِرين سواء كانوا أقارِبَ له أم أباعِدَ. وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿فَلَا يَحْزُنْكَ﴾ يا محُمَّدُ] أَبانَ المُفَسِّر أنَّ الخِطاب في قوله تعالى: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ﴾ للرَّسول ﵊، ويُحتَمَل أن يَكون مُوجَّهًا للرسول ﵊، ولكل مَن يَصِحُّ خِطابه ممَّن شأنه أن يَحزَن إذا كفَر عِباد اللَّه تعالى؛ فيَكون على هذا المَعنَى أعمَّ ممَّا قال المُفَسِّر ﵀. وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ الحُزْن هو ضِدُّ السرور، وإذا قيل: حُزْن وخَوْف؛ صار الحُزْن على الماضي، والخَوْف للمُستَقبَل. وقد يُطلَق الحُزْن على الخَوْف، كما في قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، يَعنِي: لا تَحزَن، أي: لا تَخَفْ، فإنَّ اللَّه تعالى معَنا، على أنه يُحتَمَل أن يَكون المَعنَى: لا تَحزَن على ما فعَلْنا من اللُّجوء إلى هذا الغارِ، فيَكون على الأصل.

стр. 135

وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [لا تَهتَمَّ بكُفْرهم] وظاهِر كلامه: أنَّ الحُزْن هنا بمَعنَى الاهتِمام بالشيء، يَعنِي: لا يُهِمَّنَّك أَمرُهم، ولكن الحزن أَخَصُّ من الاهتِمام، فإبقاء الآية على ظاهِرها وهو أن الرسول ﵊ يَحزَن إذا كفَر الناس، وكذلك مَن كان ناصِحًا للَّه تعالى ولرسوله ﷺ يَحزَن إذا كفَر الناس؛ أَقول: إن حَمْلها على ظاهِرها أَوْلى. وفِعْلًا فإن الإنسان الناصِح يَحزَن إذا كفَر الناس، يَحزَن لأَمْرين: أوَّلًا: رحمةً بهؤلاء الذين كفَروا. وثانيًا: حُزْنًا على ما فات الإسلامَ من كثرة المُتَّبِعين، لأن كَثْرة مُتَّبِعي الإسلام عِزٌّ للإسلام. والدليل آيتان تَدُلَّان على أن الكَثرة عِزَّة: قال شُعَيْبٌ ﵊ لقومه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦]، وقال تعالى مُمتَنًّا على بني إسرائيلَ: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: ٦]. فالكثرةُ عِزٌّ في الدليل الشَّرْعيِّ والواقِعيِّ. أمَّا أعداء المُسلِمين الآنَ فيُحبِّذون المُسلِمين أن يُقلِّلوا النَّسْل، فتارةً يَقولون: إذا كثَّرْتمُ النَّسْل ضاق الرِّزْق، كقَوْل الكُفَّار الذين يَقتُلون أولادَهم خَشْية الإملاق، وتارة يَقولون: إذا كثُرَ الأولاد عجَزْتم عن تَرْبيتهم، إساءةَ ظَنٍّ باللَّه ، وتارة يَقولون: إذا كبُر السِّنُّ ضعُفَتِ المرأةُ، ولحَقها الضَّعْفُ. وهكذا؛ وهذا لا بُدَّ منه، فلا بُدَّ أن تَضعُف المرأة، كما قال تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤]. والحاصِلُ: أنَّ كثرة الأُمَم عِزٌّ لها.

стр. 136

وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ جُمْلة خَبْرية قُدِّم فيها الخبَر لإفادة الحَصْر. وقوله تعالى: ﴿إِلَيْنَا﴾ يَعنِي: نحن اللَّه ، لا إلى غَيْره. وقوله: ﴿مَرْجِعُهُمْ﴾ مَصدَر مِيميٌّ؛ أي: رُجوعهم؛ فرُجوعهم إلى اللَّه لا إلى غيره، وهو الذي يُحاسِبهم على أعمالهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَنُنَبِّئُهُمْ﴾ نُخبِرهم، وإذا أُخبِروا بذلك يُجازَوْن عليه، فإن الكافِر لا بُدَّ أن يُجازَى على ذَنْبه، ولكنه يُجازَى بالعَدْل، ولهذا كانت النار درَكاتٍ بحسَب جُرْم الكافِرين، والمُنافِقون في الدَّرْك الأسفَل من النار؛ فقوله : ﴿فَنُنَبِّئُهُمْ﴾ أي: نُخبِرهم على سبيل التَّوْبيخ والإهانة، ثُمَّ نُجازيهم بما يَستَحِقّون. وقوله تعالى: ﴿إِلَيْنَا﴾ و ﴿فَنُنَبِّئُهُمْ﴾ هنا ضَمير جَمْع، لكن المُراد به التَّعْظيم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ هذا تَكميل للتَّهديد، يَعنِي: أنَّ اللَّه عليم بذات الصُّدور، وذات الصُّدور هي القلوب؛ لأنها فيها، كما قال : ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، فمَعنَى ذاتِ الصُّدور أي: صاحِبة الصُّدور، وهي القُلوب؛ وقال تعالى: ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ دون القُلوب؛ لأنَّ ما كان داخِلَ الصَّدْر مَحجوب عن الخَلْق، لا يَعلَمه إلَّا اللَّه ؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. وفي قوله تعالى: ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ دليلٌ على أنَّ الكافِر يُحاسَب على عمَل القَلْب، وهو كذلك، لأنه لولا أنه يُحاسَب لم يَكُن في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ كبيرُ فائِدةٍ.

стр. 137

من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أن الرسول ﵊ كان يَحزَن لكُفْر مَن يَكْفُر، لقوله تعالى: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾. فإن قال قائِل: هذا ليس بصريحٍ على ذلك! قلنا: إذا لم يَكُن صَريحًا فإنه يَدُلُّ على أنَّ ذلك مُتَوقَّع من الرسول ﷺ ، إذ لو لم يَكُن مَوْجودًا أو مُتَوقَّعًا، لكان النَّهيُ عنه لا فائِدةَ منه، وقد قال اللَّه في آية أُخرَى ما يَدُلُّ على أنه كان يَحزَن كما في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [الشعراء: ٣]، وقال تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢]، وما أَشبَهَ ذلك مِمَّا يَدُلُّ على أن الرسول ﵊ كان يَحزَن. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ كلامه بصَوْت مَسموع؛ لقوله تعالى: ﴿فَنُنَبِّئُهُمْ﴾؛ لأنَّ ما لا يُسمَع لا يَكون فيه إنباءٌ؛ فلا إنباءَ إلَّا بصَوْت مَسموع، وهذا الصوتُ ليس كأصواتِ المَخلوقين، بل هو أَعظَمُ وأجَلُّ؛ ولهذا إذا تكلَّم اللَّه بالوَحْي صَعِق أهلُ السَّمَواتِ وارْتجَفَتِ السمَوات، ومَعلوم أنَّ صَوْت أَحَدٍ منَ الخَلْق لا يَحدُث منه هذا الشيءُ، ولكن اللَّه أَعظَمُ وأَجَلُّ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إئباتُ عِلْمِ اللَّه ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: التَّخويفُ من مُخالَفة الإنسان باطِنًا، لقوله : ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ فإيَّاكَ والمُخالَفةَ في الباطِن، لا تَقُلْ: إنني لم أُظهِر، ولا أَحَدَ يَعلَم،

стр. 138

فإنه وإن لم يَعلَمِ الخَلْقُ؛ فاللَّه تعالى يَعلَم مَهمَا تَكتُمِ الشيءَ، فإن اللَّه تعالى يَعلَمه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنه يَنبَغي للإنسان مُراقَبة اللَّهِ دائِمًا؛ لقوله تعالى: ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾؛ ولهذا جاء في الحديث: "أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَكَ حَيْثُما كُنْتَ" (١)؛ لأنك إذا علِمْت بذلك، وأَيْقَنْت به، أَوْجَب لك ذلكَ مُراقَبةَ اللَّه والرَّغْبة إليه، وأن تَكون هِمَّتُك دائمًا في طلَب ما يُرضِي اللَّهَ . فإذا كان الإنسانُ يُؤمِن بهذا الأمرِ، وبمُراقَبة اللَّه لمَا في قَلْبه؛ فإنه لو هَمَّ بمَعصية في أَخفَى ما يَكون في الأرض، فسيَردَعه ذلك الإيمانُ عن هذه المَعصيةِ؛ ولهذا حِماية الإيمانِ لمُعتَنِقيه أعظَمُ بكَثير من حِماية السُّلُطات لما تُوجِّهُ إليه؛ فالشَّعْب المُؤمِن لا يَحتاج إلى مُراقَبة السُّلُطاتِ؛ لأنه يَعلَم أنه مُراقَب من قِبَل مَن يَعلَم خائِنة الأَعْيُن وما تُخفِي الصُّدور؛ لكن إذا ضعُف الإيمان احتاج إلى قُوَّة السُّلْطان، فإِنْ ضَعُف الإيمان والسُّلْطان فسَدَتِ الأَدْيانُ والبُلْدان؛ فإذا اجتَمَعَتِ القُوَّتان: قوَّةُ الإيمان وقوَّةُ السُّلْطان؛ فهذا هو الكَمال، وإن ضَعُفا جميعًا فهذا هو الهَلاك، وإن ضعُف أَحَدُهما دون الآخَر ففيه حَياة ومَوْت. * * *

стр. 139

الآية (٢٤) * قالَ اللَّه : ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤]. * * * قوله : ﴿نُمَتِّعُهُمْ﴾ يَعنِي: نَجعَلهم يَتَمتَّعون، يَأكُلون ما شاؤُوا، ويَلبَسون ما شاؤُوا، ويَركَبون ما شاؤُوا، ويَسكُنون ما شاؤُوا، ويَتنَعَّمون بكل نعيم الدنيا، ولكنَّ هذا قليل وقليل وقليل، يَقول الرسول ﵊: "لمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكمْ فِي الجَنَّةِ خَير مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا" (١)، فمَوضِع السَّوْط خير من الدُّنْيا، وليسَت هي دُنياك التي أنت فيها فقط، بل من أوَّلهِا إلى آخِرها: "مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا". فهؤلاء -والعِياذُ باللَّه- يُمتَّعون قليلًا، وما أقلَّ الدنيا ومَتاعَها! كلُّ ما مضَى من الدنيا إلى ساعَتِك الحاضِرة كأنه لم يَكُن، كأنه أضغاث أحلام؛ يُعَمَّر الإنسان فيها ما يُعَمَّر، ومع ذلك يوم يَرَوْن ما يُوعَدون؛ قال تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ﴾ [يونس: ٤٥]، فيُمَتَّعون قليلًا. والقِلَّة هنا باعتِبار نَوْع المَتاع، وباعتِبار زمَنه؛ فنَوْع المَتاع بالنِّسْبة لمَتاع الآخِرة قليل جِدًّا، وليس يُنسَب، قال ابن عباس ﵄: "لَيسَ في الدُّنْيا مِمَّا في الآخِرة

стр. 140

إلَّا الأَسْماءُ" (١)؛ كذلك بالنسبة للزمَن، فالزمَن قليل جِدًّا، ولا يُنسَب أيضًا، يَعنِي: لا يُنسَب إلى زمَن الآخِرة الأَبَديِّ. وقد بيَّنَ اللَّه تعالى في آية أُخرى صِفة هذا التَّمتيعِ، وقال جلَّ ذِكْرُه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ [محمد: ١٢]، ثُمَّ النَّارُ مَثوًى لهم، هذا صِفة هذا التَّمتُّعِ، فهم شَهْوانيُّون ليس لهم إلَّا شَهْوة البَطْن وشَهْوة الفَرْج، كما تَفعَل الأنعام تمامًا. وقوله : ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾: ﴿ثُمَّ﴾ يَعنِي: بعد هذا التَّمتيعِ القليل نَضطرّهم في الآخِرة إلى عَذاب غَليظ، وهو عذاب النار، ولا يَجِدون عنه مَحيصًا، فقوله تعالى: ﴿نَضْطَرُّهُمْ﴾ يَعنِي: نُلجِئُهم، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ﴾ [النحل: ١١٥] يَعنِي: فمَنْ ألجئ، وأَصلُه مَأخوذ من الإِلجْاء إلى الضرَر؛ لأنَّ (نَضْطَرّ) أصلها (نَضْتَرُّ)، ولهذا كل شيء يُلجِئ الإنسانَ يُسمَّى ضَرورة، لأنه يُلجِئه إلى هذا الشيءِ. وقوله : ﴿نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾؛ لأنهم هم لا يُريدونه، فلا يُريدون النار، ولا يُريدون هذا العذابَ، لكنهم يُجبَرون عليه -والعِياذُ باللَّه-، لأنهم عمِلوا أَسبابه. وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿نَضْطَرُّهُمْ﴾ في الآخِرة] المُراد بالآخِرة يوم القِيامة، ويَدخُل فيه القبر، ولهذا قال شيخ الإسلام ابنُ تيميَّةَ (٢) ﵀ في العَقيدة الواسِطية:

стр. 141

"وممَّا يَدخُل في الإيمان باليوم الآخِر كلُّ ما أَخبَرَ به النبيُّ ﷺ مِمَّا يَكون بعد الموت"، كلُّه من اليوم الآخِر، فهم بعد هذا المَتاعِ يُلجَؤُون إلى العَذاب -والعِياذ باللَّه-. وقوله تعالى: ﴿نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ﴾ العَذاب: العُقوبة، و ﴿غَلِيظٍ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: إنه [عَذاب النار] وضِدُّ غَليظ: رقيق. وغِلَظ عذاب النار في كَيْفيته وفي نَوْعه -والعِياذُ باللَّه-: أمَّا الكيفيةُ؛ فإِنَّ اللَّه يَقول: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦]، ويَقول فيما يُعذَّبون فيه: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾ [الإسراء: ٩٧]-والعِياذُ باللَّه تعالى-. أمَّا نَوْعه: فإنه لا يَخطُر بالبال ولا بالخَيال؛ فيُسْقَوْن ماءً حميمًا، فإذا ماتوا من العطَش واستَغاثوا وطلَبوا الغَوْث فإنهم يُغاثون: ﴿بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩]، وهو الرَّصاص المُذاب -والعِياذُ باللَّه- ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩]، فإذا أَقبَل على الوجه شَوَى الوَجْه؛ وإذا نَزَل إلى الأمعاء: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] وأحيانًا يُسقَوْن من ماء صديد: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧]. فهذا العَذابُ -والعِياذ باللَّه- بأنواعه الشديدة العَظيمة، يَستَحِقُّ أن يُوصَف بأنه عَذاب غَليظ، ليس فيه رِقَّة ولا دِقَّة، بل هو غَليظ شديد. وقول المُفَسِّر: [وهو عَذاب النار ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ [النساء: ١٢١]] قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ هكذا في القُرآن، يَعنِي: لا يَجِدون مَفَرًّا

стр. 142

﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٣]، بل إنهم -والعِياذُ باللَّه- يَأْتون إليها وِرْدًا عِطاشًا، وتُمَثَّل لهم كأنها سَراب ماء، والعَطْشان إذا رأَى الماء ولو كان سَرابًا يَظُنُّه ماءً لشِدَّة التِفاتِه إلى الماء، فيَرِدونها على هذا الوجهِ -والعياذُ باللَّه- ويَتَساقَطون فيها. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أن الكافِر قد يُمتَّع في الدنيا أَكثَرَ مِمَّا يُمتَّع المُؤمِن؛ لأنه تعالى قال: ﴿نُمَتِّعُهُمْ﴾ وهذا هو الواقِعُ؛ فإنَّ بعضَ الكُفَّار يَكون أَشَدَّ تمَتُّعًا في الدنيا من المُؤمِنين، ولكنه كما قال اللَّهُ : ﴿قَلِيلًا﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن التَّمتيع في الدُّنْيا قليل في زمَنه ونَوْعه، أمَّا زمَنه فظاهِر؛ قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وأمَّا نوعُه فقد قال النبيُّ ﵊: "لمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْم مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا" (١). الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ عَذاب الكُفَّار عَذاب غَليظ، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الكُفَّار يُضطَرُّون ويَلْجؤون إلى دُخول هذا العذابِ؛ لقوله تعالى: ﴿نَضْطَرُّهُمْ﴾. واعلَمْ أنَّ هذا الاضطِرارَ يَكون عند خُروج الرُّوح، ويَكون كذلك في الآخِرة:

стр. 143

أمَّا عند خُروج الرُّوح فإنه قد ورَد في حَديث البَراء الطويلِ: "أنَّهُ إِذَا حَضَرَ المَوْتُ إِلَى هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ وَبُشِّرَتْ رُوحُهُ بِالْغَضَبِ مِنَ اللَّهِ فَإِنَّهَا تَتَفَرَّقُ فِي بَدَنِهِ؛ تَتَشَبَّثُ فِيهِ، حَتَّى يَنتزِعُوهَا مِنَ الْبَدَنِ، كَمَا يُنْزَعُ السَّفّودُ مِنَ الصُّوفِ المَبْلُولِ" (١) يَعنِي: بشِدَّة. ويَدُلُّ على ذلك قولُه تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣]، فقوله تعالى: ﴿أَخْرِجُوا﴾ يَدُلُّ هذا الأمرُ على أنهم كانوا أَشحَّاءَ في إِخْراجها؛ ثُمَّ قال : ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُون. . .﴾ إلى آخِرِه؛ هذا مَعنَى قوله : ﴿نَضْطَرُّهُمْ﴾ أي: لا يَأْتون مخُتارِين مُنقادِين، وهذا واضِح. وقال في الآخِرة: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] يُدفَعون بعُنْف، حتى يَدخُلوها والعِياذُ باللَّه تعالى. * * *

стр. 144

الآية (٢٥) * قالَ اللَّه : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان: ٢٥]. * * * يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَئِنْ﴾ لام قسَمٍ ﴿سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾] قوله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ يَقول: [لام قَسَم]، مَقرون بـ (إِنِ) الشَّرْطية، حُذِف جَواب الشرط، وبَقِيَ جواب القَسَم؛ وهو ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، وقد قال ابنُ مالِك: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِماعِ شَرْط وَقَسَمْ ... جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ (١) وقوله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ يُحتَمَل أنه الرَّسول ﵊ أو مَن يَتَأتَّى خِطابه. وقوله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ هذا هو صِيغة السُّؤال: مَن خلَق السمواتِ والأرضَ؟ خلَقها اللَّات أو العُزَّى أو مَناة أو هُبَل أَمْ مَنْ؟ الجَوابُ: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فهم يَعتَرِفون بأنَّ خالِق السمواتِ والأرضِ هو اللَّه .

стр. 145

وقوله تعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ جَواب القسَم، قال المُفَسِّر: [حُذِف منه نون الرَّفع؛ لتَوالِي الأمثال، وهو الضمير لالتِقاء الساكِنَيْن] أصله: (لَيَقولُونَن)، هذا أصلُه؛ لأن هذا فِعْل مُضارع من الأفعال الخمسة، لا بُدَّ فيه من الواو والنون، فنَقول: ليَقولون. وإذا أَرَدْت أن تُؤكِّد المَعنَى: (ليَقولُونَنَّ)، فاجتَمَع عِندنا ثلاثُ نونات كلُّهن زائِدات، ونَفصِل بينهن بحُكْم، يَقول: إن حذَفْنا نون الرَّفْع بَقِيَت نونُ التوكيد، وإن حذَفْنا نون التوكيد بقِيَت نون الرَّفْع؛ فنَحذِف نون الرَّفْع لسبَبَيْن: السبَب الأوَّل: أنَّ نون الرفع اعتِيدَ حَذْفُها، فيما إذا كان الفِعْل مَنصوبًا أو مَجزومًا، بل إنها قد تُحذَف في غير حالَي النَّصْب والجزْم، فتُحذَف للتَّخفيف، كما في قول الرسول ﷺ : "وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُوا الجَنَّةِ حَتَّى تُؤْمِنُوا" (١) "لَا تَدْخُلُوا" هذه ليس فيها لا ناصِبٌ ولا جازِمٌ، حُذِفَت للتخفيف، وأصله: (لا تَدْخُلونَ) حُذِفَت النون للتخفيف. السبَب الثاني: أن النون تُحذَف مع الوِقاية كثيرًا؛ إِذَنْ فهي أحقُّ بالحذف، فتَبقَى نون التَّوْكيد؛ لأننا لو حذَفْنا نون التوكيد فات المَقصود، ونحن نُريد أن نُؤكِّد الفِعْل، وتوكيد الفِعْل هنا واجِب؛ لأنه مُثبَت، في قَسَم، مُستَقبَل، لم يُفصَل بين لامه وبين فِعْله؛ فيَكون تَوكيدُه واجِبًا. أمَّا الواو مع نون التَّوْكيد، الواو ساكِنة ونون التوكيد مُشدَّدَة، فالحرْف الأوَّل منها ساكِن، فاجتَمَع ساكِنان، ولا يُمكِن اجتِماع ساكِنَيْن؛ لأن السُّكون والحرَكة نَقيضان، فلا يُمكِن أن يَجتَمِع الشيء ساكِن وساكِن، فإذًا لا بُدَّ من أن نَعمَل عمَلًا
следующие страницы →