. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= وتوبع محمد بن جعفر أيضًا.
فتابعه عاصمُ بنُ المنذر، قال: دخلتُ مع عبيد الله بن عبد الله بن عمر بستانًا فيه مقراةُ ماءٍ، فيه جلدُ بعيرٍ ميِّتٍ، فتوضَّأ منه، فقُلتُ له: أتتوضأُ منه، وفيه جلدُ بعيرٍ ميت؟! فحدَّثنى عن أبيه، عن النبىِّ ﷺ ، قال: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث".
أخرج أبو داود (٦٥) وابن الجارود (٤٦) والطيالسىّ (١٩٥٤)(١)، وابنُ المنذر في "الأوسط" (ج ١ رقم ١٨٩)، والطحاويُّ في "الشرح" (١/ ١٦)، والدارقطنيُّ (١/ ٢٢)، والبيهقُّي (١/ ٢٦٢) والضياء في "المختارة" (ج ٧١/ ق ٥٠٤/ ٢) جميعًا من طريق حماد بن سلمة، ثنا عاصمُ بنُ المنذر به.
وروى لفظ الحديث هكذا عن حمادٍ جماعةٌ، منهم:
"موسى بن إسماعيل، وعفان بن مسلم، والطيالسيُّ، ويزيد بنُ هارون، وعبيد الله بن محمد العيشى، والعلاء بنُ عبد الجبار، ويعقوب بن إسحق الحضرميُّ، وبشر بنُ السريّ".
وخالفهم آخرون، فرووه عن حماد بن سلمة بسنده سواء، بلفظ: "إذا بلغ الماء قُلَّتين أو ثلاثًا لم يحمل الخبث".
هكذا على الشك.
من هؤلاء:
"وكيع بن الجراح، وأبو سلمة التبوذكىّ (٢)، ويزيد بن هارون، =
стр. 422
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= وعفان بن مسلم، وإبراهيم بن الحجاج، وهُدْبة بنُ خالدٍ، وكامل بن طلحة، وزيد بن الحباب، وعبيد الله بن محمد العيشى".
أخرجه ابن ماجة (٥١٨)، وأبو الحسن بن سلمة في "زوائده عليه"، وأحمد (٢/ ٢٣، ١٠٧)، وعبدُ بن حميد في "المنتخب" (٨١٨)، وأبو عبيد القاسم بن سلَّام في "كتاب الطهور" (ق ١٩/ ١)، وابنُ جرير في "التهذيب" (١١١٢، ١١١٣ - مسند ابن عباس)، والدارقطنيُّ (١/ ٢٢)، والحاكمُ (١/ ١٣٤)، والبيهقيُّ (١/ ٢٦٢)، وابنُ الجوزى في "التحقيق" (١/ ١١/ ٨، ٩).
* قُلْتُ: وهذا الاختلاف -عندي- عن حماد بن سلمة، فإنَّهُ وإن كان ثقةً، إلَّا أنه تغيَّر في آخر عمره ﵀، وإنما جعلنا الاختلاف منه دون غيره، لأنَّ الذين رووا عنه الوجهين جماعةٌ، وفيهم حُفَّاظٌ أثبات، منهم يزيد بن هارون، وعفان بنُ مسلم، وعبيد الله بن محمد العيشى، وأبو سلمة التبوذكى، فإنهم رووه بالَّلفظين معًا عن حمادٍ، فدلَّ أن الاختلاف منه دون غيره. والله أعلمُ.
هذا:
وقد خولف حمَّادُ بْنُ سلمة.
خالفه حمَّادُ بْنُ زيدٍ، فرواه عن عاصمٍ بن المنذر.
عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه موقوفًا غير مرفوع.
ذكره الدارقطنيُّ في "سننه".
فخالفه في موضعين:
الأول: في وقفه.
الثاني: في شيخ عاصم بن المنذر. =
стр. 423
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= وأشار إلى الموضع الأول من الاختلاف أبو داود في "سننه" فقال: "حماد بن زيد وقفه عن عاصم".
فظاهر صنيع أبي داود أنَّ حماد بن زيد رواه بنفس رواية حماد بن سلمة لكن خالفه في رفعه وحماد بن سلمة إنما يرويه عن أبي داود عن عاصم بن المنذر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر لا عن أبي بكر بن عبيد الله. فاللهُ أعلمُ بمراده من ذلك.
وكذلك رواه إسماعيلُ بْنُ عُليَّة، عن عاصمٍ، عن رجُلٍ لم يُسمِّهِ، عن ابن عمر موقوفًا.
أخرجه ابنُ أبي شيبة في "المصنَّف" (١/ ١٤٤)، وابنُ جرير في "التهذيب" (١١٠٤ - مسند ابن عباس).
قال عباسُ بنُ محمد الدُّوْرى -كما في "تاريخ ابن معين" (٤/ ٢٤٠) -: "سمعتُ يحيى وسئل عن حديث حماد بن سلمة، عن عاصم بن المنذر، عن أبي بكر (١) عبيد الله بن عبد الله بن عمر ... فقال: هذا خَيِّر الإسناد -أو قال يحيى: هذا جيدُ الإسناد-. قيل له: فإن ابن عُليَّة لم يَرْفَعْهُ.
قال يحيى: وإنْ لم يحفظه ابنُ عُليَّة، فالحديثُ جَيِّدُ الإِسناد، وهو أحسنُ
стр. 424
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= من حديث الوليد بن كثير (١) " اهـ.
* قُلْتُ: وهذا الترجيحُ من يحيى صحيحٌ، لأنَّ من حفظ حجةٌ على من لم يحفظ، وعندى أنَّهُ لا اختلاف بين الروايتين في الرَّفع والوقف، ومما يدلُّ على ذلك أن حمَّادَ بْنَ سلمة قد رواه موفوفًا أيضًا.
أخرجه الطحاويُّ في "الشرح" (١/ ١٦) قال: حدثنا ربيعُ المؤذِّنُ، ثنا يحيى بن حسَّان، ثنا حماد بنُ سلمة به موقوفًا على ابن عمر.
وهذا سندٌ صحيحٌ.
وربيعٌ هذا، هو ابن سليمان المراديُّ تلميذُ الشافعىِّ وراوية كتبه، وهو ثقةٌ مأمونٌ، ويحيى بن حسان ثقةٌ متفق عليه.
* قُلْتُ: فيظهر من هذا التحقيق أن محمد بن جعفر بن الزبير، يرويه عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر -المصغر-، عن أبيه.
وقد اختُلف على الوليد بن كثير فيه.
فرواه أبو أسامة، عنه، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن عبد الله -المُكبَّر- ابن عبد الله بن عمر، عن أبيه.
فصار شيخُ الوليد بن كثير هو: "محمد بن عباد بن جعفر" لا "محمد ابن جعفر بن الزبير".
أخرجه أبو داود (٦٣)، وابنُ الجارود في "المنتقى" (٤٤)، وابنُ أبي حاتمٍ في "العلل" (ج ١ / رقم ٩٦)، وابنُ حبان (١١٧)، وابنُ الأعرابىّ في "معجمه" (ج ١ / ق ٧/ ٢)، وابن جرير في "التهذيب" (١١٠٨)، والدارقطنيُّ (١/ ١٥، ١٦)، والحاكم (١/ ١٣٣)، والبيهقيُّ (١/ ٢٦٠، ٢٦١).
стр. 425
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= وقد رواه عن أبي أسامة -هكذا- جماعةٌ من أصحابه، منهم:
"أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، والحسنُ بنُ عليّ بن عفان، ومحمد بن عثمان الوراق، وحجاجُ بنُ حمزة، ومحمد بن سعيد القطان، والحميديُّ، وأحمد بنُ زكريا بن سفيان الواسطيُّ، ومحمد بن حسَّان الأزرق، ويعيشُ ابنُ الجهم، وأبو مسعود أحمدُ بنُ الفرات، ومحمد بن الفضيل البلخيُّ، ومحمد بن عثمان بن كرامة، وأحمدُ بْنُ عبد الحميد الحارثيُّ، وسفيان بنُ وكيع، والحسين بنُ علىّ بن الأسود، وعليُّ بنُ شعيب، وعليُّ بنُ محمد بن أبي الخصيب".
وتابعهمُ الشافعيُّ، قال: أخبرنا الثقةُ، عن الوليد بن كثير، بسنده سواء.
أخرجه في "مسنده" (ج ١ رقم ٣٦) وفي "الأم" (١/ ٤) ومن طريقه الحاكمُ في "المستدرك" (١/ ١٣٣) وقال:
"الثقةُ: هو أبو أسامة بلا شكٍّ فيه".
وقد نظر أهل العلم في هذا الاختلاف، فمنهم من رجَّحَ، ومنهم من جمع.
فممَّنْ رجَّح، أبو داود السجستانيُّ - صاحبُ السُّنن.
فقال فيها: "وقال عثمانُ والحسنُ بنُ عليّ: "عن محمد بن عباد بن جعفر، وهو الصوابُ".
وقال ابنُ أبي حاتمٍ في "العلل" (ج ١ / رقم ٩٦):
"قُلْتُ لأبى: إن حجاج بْنَ حمزة حدَّثنا عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، فقال: عن محمد بن عباد بن جعفر، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن ابن عمر مرفوعًا. فقال أبي محمد بن عباد بن جعفر ثقةٌ، ومحمد بن جعفر بن الزبير ثقةٌ، والحديث لمحمد بن جعفر بن الزبير أشبهُ" اهـ.
وقال ابنُ مندة -كما في "نصب الراية" (١/ ١٠٦) -:
"اختُلف على أبي أسامة، فرُوى عنه عن الوليد بن كثير، عن محمد =
стр. 426
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= ابن عباد بن جعفر، وقال مرةً: عن محمد بن جعفر بن الزبير، وهو الصوابُ" اهـ.
* قُلْتُ: فرجَّح أبو حاتم والخطابي ويأتي ردُّ العلائى عليه، وابنُ مندة رواية: "محمد بن جعفر بن الزبير"، ورجح أبو داود رواية: "محمد بن عباد بن جعفر"، وليس يصار إلى الترجيح إلَّا مع عدم إمكان الجمع، والجمعُ ممكنٌ، بل هو الراجح يقينًا.
فقد رواه شعيب بن أيوب، عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر ومحمد بن عباد، عن عبد الله -المكبر- ابن عبد الله عن عمر، عن أبيه.
أخرجه الدَّارقطنيُّ (١/ ١٨)، والحاكمُ (١/ ١٣٣)، والبهقيُّ (١/ ٢٦٠ - ٢٦١) قال الدَّارقطنيُّ:
"فلما اختُلف على أبي أسامة في إسناده، أحببنا أن نعلم مَنْ أتى بالصواب، فنظرنا في ذلك فوجدنا شعيب بن أيوب قد رواه عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير على الوجهين جميعًا، عن محمد بن جعفر بن الزبير، ثمَّ أتبعه عن محمد بن عباد بن جعفر، فصح (١) القولان جميعًا، عن أبي أسامة، وصحَّ أن الوليد بن كثير رواه عن محمد بن جعفر بن الزبير، وعن =
стр. 427
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= محمد بن عباد بن جعفر جميعًا، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، فكان أبو أسامة مرة يُحدث به عن الوليد عن محمد بن جعفر بن الزبير، ومرة يُحدث به عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عباد بن جعفرٍ، والله أعلم". اهـ.
وقال الحاكمُ:
"هذا خلاف لا يوهنُ هذا الحديث، فقد احتجَّ الشيخان جميعًا بالوليد ابن كثير، ومحمد بن عباد بن جعفر (.....) (١) وإنما قرنه أبو أسامة إلى محمد بن جعفر ثمَّ حدَّث به مرةً عن هذا، ومرةً عن ذاك .. ثمَّ قال بعد رواية شعيب بن أيوب:
стр. 428
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= "قد صحَّ وثبت بهذه الرواية صحةُ الحديث، وظهر أن أبا أسامة ساق الحديث عن الوليد بن كثير عنهما جميعًا، فإن شعيب بن أيوب ثقةٌ مأمونٌ وكذلك الطريق إليه".
ونقل البيهقيُّ في "المعرفة" عن الحاكم قوله:
"الحديث محفوظٌ عنهما جميعًا أعنى: عبيد الله وعبد الله، كلاها رواه عن أبيه" وقال: وذهب إليه كثيرٌ من أهل الرواية.
وقال الحافظُ العلائى في "جزء له في تصحيح هذا الحديث" (ق ٢ - ٣)، بعد أن ساق بعض الطرق:
"فقد ثبت بهذه الطرق عنهم روايةُ الحديث عن أبي أسامة على الوجهين جميعًا، وذلك يُفيد كونه عند أبي أسامة عنهما جميعًا وإلا لما اختلف الرجل الواحدُ في ذلك، خصوصًا ابنا أبي شيبة في حفظهما وإتقانهما.
وقد حكي الترمذي في "كتاب العلل" له أنه سأل الإِمام أبا عبد الله البخاري ﵀ عن حديث: "أفطر الحاجم والمحجوم" (١) وما فيه من الاضطراب، فإن جماعة رروه عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان ورواه آخرون عن أبي قلابة عن أبي الأشعث، عن شداد بن أوس. فقال البخاريُّ: كلاهما عندي صحيحٌ لأن يحيى بن أبي كثير رواه عن أبي قلابة على الوجهين فروى الحديثين جميعًا.
قال الترمذي: وهكذا ذكروا عن علي بن المدينى، يعني أنه صحح الحديثين جميعًا لكون يحيى بن أبي كثير رواهما عن أبي قلابة. نعلم بهذا أن=
стр. 429
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= الراوى الواحد إذا كان ضابطًا متقنًا وروى الحديثين على الوجهين المختلف فيهما أنّ كلا منهما صحيحٌ. ثمَّ نقولُ قد روى شعَيبُ بن أيوب الصريفينى هذا الحديث عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عباد بن جعفر، ومحمد بن جعفر بن الزبير جميعًا كلاهما عن عبد الله بن عبد الله بن عمر. أخرجه كذلك الحاكم في "مستدركه" وقال: شعَيبٌ ثقةٌ مأمونٌ، وكذلك رواه الدارقطنيُّ ووثق شُعَيبًا أيضًا، فثبت بذلك أن الحديث عند أبي أسامة عنهما جميعًا، وإنما كان يرويه تارة عن أحدهما، وتارةً يجمع بينهما. ولا يُعترضُ على هذا بما رُوى عن أبي داود أنه قال: "إنى لأخاف الله في الرواية عن شعيب بن أيوب" لأنه قد روى عنه في "سننه"، ولو كان كذلك لم يرو عنه ولم يضعِّفْهُ وكلامه هذا محتمل (١)، وقد ذكره ابنُ حبان في "كتاب الثقات" ومثلُ هذا في الحديث كثيرٌ .. =
стр. 430
. . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= فمثل ذلك حديثُ أبي هريرة: "مثل المهجر إلى الجمعة كالمهدى بدنة .. الحديث" رواه سفيان بن عيينة وغيرهُ عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، عن أن هريرة ورواه (...) (١) وغيرُهما عن الزهريّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة. ورواه معمر بن راشد ويونس بنُ يزيد وغيرهُما عن الزهريّ، عن أبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة. وقال شعَيبُ ابنُ أبي حمزة وغيرهُ: عن الزهريّ، عن أبي سلمة وعن الأغر كلاهما عن أبي هريرة، ورواه يحيى بن سعيد الأنصارى عن الزهري، عن الثلاثة جميعًا: سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي عبد الله الأغر، فيثبتُ بذلك صحة كل الأقوال، وأنّ الزهرىّ كان سمعه من الثلاثة، فتارة يجمع بينهم، وتارة يرويه عن اثنين، وأخرى عن واحد فقط، والكل صحيحٌ، وكذلك حديثُ القلتين. وقد ظنَّ الإِمام أبو سليمان الخطابى أنَّ إحدى الروايتين غلطٌ، وجعل الصحيح من حديث أبي أسامة كونه عنده عن محمد بن جعفر بن الزبير لما رأى محمد بن إسحق بن يسار قد رواه عن محمد بن جعفر بن الزبير، وأنَّ من قال فيه: "محمد بن عباد بن جعفر" فقد غلط، وليس الأمر كذلك لما قد تبين من كونه عند أبي أسامة عنهما جميعًا، وأيضًا قد تقدَّم أنَّ كُلا من الروايتين، رواهما عدد كثير من الأثبات المتقنين عن أبي أسامة، والغلطُ عليهم بعيدٌ، بل لو انفرد واحدٌ بروايته كذلك دون سائر الرواة أمكن أنْ يقال: إنّهُ وهم فيه. ومثالُ ذلك ما روى عبيد الله بن محمد بن عائشة هذا الحديث عن أبي أسامة عن محمد بن إسحق عن محمد بن جعفر بن الزبير، ولم يتابعه على قوله: "محمد بن إسحق" أحدٌ، إنما سائر الرواة عن أبي أسامة قالوا فيه: عن الوليد بن كثير فالذي =
стр. 431
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= يظهرُ -والله أعلمُ- أنّ هذه الرواية غلط، وإنْ كان ابنُ عائشُة ثقة. وكونه عند أبي أسامة عن الوليد وابن إسحاق معًا مُمكنًا نردها برواية بضعة وعشرين نفسًا من الثقات عن أبي أسامة بخلاف ذلك، والله أعلمُ" اهـ.
* قلْتُ: وهو تحقيقٌ نفيسٌ غالٍ، جزاه الله خيرًا.
وقال الحافظُ في "التلخيص" (١/ ٢٨):
"إنَّ هذا ليس إضطرابًا قادحًا، فإنه على تقدير أن يكون الجميعُ محفوظًا، انتقالٌ من ثقة إلى ثقةٍ، وعند التحقيق، الصوابُ أنه عن الوليد ابن كثير، عن محمَّد بن عباد بن جعفر، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر -المكبر-، وعن محمَّد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر -المصغر- ومن رواه على غير هذا الوجه فقد وهم" اهـ.
فتعقَّبهُ الشيخ أبو الأشبال في "شرح الترمذي" (١/ ٩٩) بقوله:
"وما قاله من التحقيق غير جيدٍ، والذي يظهر من تتبّع الروايات أنّ الوليد بن كثير رواه عن محمَّد بن جعفر بن الزبير، ومحمد بن عباد بن جعفر، وأنهما كلاهما رواياه عن عبد الله وعبيد الله ابني عبد الله بن عمر". اهـ
* قُلْت: وما قاله أبو الأشبال حقٌّ، يظهر ذاك مما تقدّم من التحقيق.
﵀ ورضى عنه.
لكن قوله: إنهما روياه عن عبد الله وعبد الله ابني عبد الله بن عمر، إن أراد أنَّ محمد بن عباد بن جعفر رواه عن عبد الله بن عمر وهو ظاهرُ عبارته فقد وهم، إنما يرويه محمَّد بن عباد بن جعفر عن عبد الله -المكبرّ- وحده كما حققتهُ، أمَّا محمَّد بن جعفر بن الزبير فيرويه عنهما جميعًا. واللهُ الموفق.
فهذا هو الجواب عن دعوى أنه مضطرب السند.
стр. 432
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= * الوجه الثانى: أنّ ما وقع في متنه من الاختلاف لا يضرّ، وبالترجيح يزول الاضطراب.
فرواية: "إذا بلغ الماء قلتين أو ثلاثًا" هكذا على الشكٌ فقد حققنا أنه من حماد بن سلمة، وأنه كان قد تغيرّ في آخر عمره، ولا ريب عندنا أن الحديث بلفظ "القلتين" أقوى للمتابعات السابقة وقال البيهقي (١/ ٢٦٢):
"ورواية الجماعة الذين لم يَشُكوُّا أولى".
أما لفظ: "أربعين قلَّةً" فباطلٌ.
أخرجه ابنُ عديّ في "الكامل" (٦/ ٢٠٥٨) والعقيلى في "الضعفاء" (٣/ ٤٧٣)، والدارقطنىّ (١/ ٢٦)، والجوزقانى في "الأباطيل" (ج ١ / رقم ٣٢٠)، وابنُ الجوزيّ في "الموضوعات" (٢/ ٧٧) وفي "التحقيق" (١/ ١٢ /١٠) من طريق القاسم بن عبد الله العمرى، عن محمَّد بن المنكدر، عن جابرٍ مرفوعًا: "إذا بلغ الماء أربعين قُلَّة، فإنه لا يحملُ خبَثًا".
قال ابنُ عدىّ:
"وهذا، بهذا الإسناد، بهذا المتن لا أعلمُ يرويه غير القاسم، عن ابن المنكدر، وله عن ابن المنكدر غير هذا من المناكير".
وقال الدارقطني: "كذا رواه القاسم العمري عن ابن المنكدر عن جابر، ووهم في إسناده، وكان ضعيفًا كثير الخطأ".
وقال البيهقي في "السنن" (١/ ٢٦٢):
"فهذا حديث تفرد به القاسم العمريُّ هكذا، وقد غلط فيه وكان ضعيفًا في الحديث، جرحه أحمد بن حنبل، ويحيى بنُ معين والبخاريُّ وغيرُهم من الحفاظ. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظُ قال: سمعتُ أبا عليٍّ الحافظ يقول: حديث محمَّد بن المنكدر، عن جابرٍ، عن النبي ﵌ =
стр. 433
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= خطأ، والصحيحُ: محمَّد بن المنكدر، عن عبد الله بن عمرو قوله".
وقال ابن الجوزي:
"هذا حديث لا يصح عن رسول الله- ﷺ ، والمتهمُ بالتخليط فيه: القاسم بنُ عبد الله العمريُّ. قال العقيليّ: قال عبد الله بن أحمد: سألتُ أبي عنه فقال: أف! أف! ليس بشىء".
*قلت: وتركه أبو حاتم والنسائي.
وقال البخاريُّ:
"سكتوا عنه".
وهذا جرحٌ شديدٌ عنده.
بل كذبهُ أحمد وابنُ معين: وبه أعله ابن عبد الهادي في "التنقيح" (ق ٤/ ٢).
وقد خالفه سفيان الثوري، فرواه عن ابن المنكدر، عن عبد الله بن عمرو، موقوفُ عليه.
أخرجه ابنُ أبي شيبة (١/ ١٤٤)، وأبو عبيد في "كتاب الطهور" (ق ١٩/ ٢) وابن جرير في "التهذيب" (١٠٨٧، ١٠٨٨ - مسند ابن عباس)، والعقيليُّ (٣/ ٤٧٣)، والدارقطنيُّ (١/ ٢٧)، والبيهقي (١/ ٢٦٢). وتابعه روح بن القاسم، عن ابن المنكدر.
أخرجه ابن جرير (١٠٨٩)، والدارقطنيُّ، والبيهقيُّ.
وكذا معمر، عن ابن المنكدر.
أخرجه ابن جرير (١٠٩٥)، والدارقطنيّ، والبيهقيّ.
وخالفهم أيوب السختياني، فرواه عن ابن المنكدر، ولم يتجاوزه.
أخرجه ابنُ أبي شيبة (١/ ١٤٤)، وابن جرير (١٠٩٠)، والعقيليُّ (٣/ ٤٧٣)، والبيهقيّ.=
стр. 434
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= وأظنُّ أنّ هذا من أيوب ﵀، فكثيرًا ما يأخذ بالأقل، وقد أوقف أحاديث كثيرة هيبةً وورعًا رفعها الحفاظ الأثبات. فالصواب في الوقفُ. والله أعلمُ. وانظر (ص ٧٦).
وله شاهدٌ عن أبي هريرة، قال:
"إذا كان الماء أربعين غَرْبًا، لم يفْسدْهُ شىءٌ".
أخرجه ابنُ جرير في "التهذيب" (١٠٩١) من طريق ابن المبارك، أخبرنا سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثنا بشير بن عمرو الخولانى، عن عكرمة، عن أبي هريرة.
ورجالُه ثقات.
وأخرجه أبو عبيد في "كتاب الطهور" (ق ١٩/ ٢) ومن طريقه الخطيبُ في "التلخيص" (٦٧٩/ ٢) قال: ثنا ابنُ أبي مريم، عن ابن لهيعة، قال: ثنا يزيد بنُ أبي حبيب، عن سليمان بن سنان المزنيّ، عن عبد الرحمن بن أبي هريرة، عن أبي هريرة وتابعه بشرُ بنُ السريّ، عن ابن لهيعة به.
أخرجه الدارقطني (١/ ٢٧).
وخالفهما عبد الله بن المبارك فقال: أخبرنا ابنُ لهيعة، قال: حدثني يزيد ابنُ أبي حبيب، عن عمرو بن حريث، عن أبي هريرة قال: "لا يُجنب أربعين دلوًا شىءٌ".
أخرجه ابنُ جرير (١٠٩٢).
وتابعه عمرو بن طارق، عن ابن لهيعة به.
أخرجه أبو عبيد (ق ١٩/ ٢).
стр. 435
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= * قُلْتُ: فهذا الاختلاف في إسناده هو من ابن لهيعة، ورواية ابن المبارك عنه أصلحُ، لأنه من قدماء أصحابه.
وعمرو بن حريث لم يذكروا فيه جرحًا ولا تعديلًا، فهو مجهولُ الحال.
والله أعلمُ.
وأخرجه ابنُ جرير (١٠٩٣) عن ابن المبارك أيضًا، عن ابن لهيعة، قال: حدثني يزيدُ، أنَّ ابنَ عباسٍ، قال: "الحوضُ لا يغتسلُ فيه الجنُبُ، إلا أن يكون أربعين غربًا".
وأخرجه ابن جرير أيضًا (١٠٩٤) عن ابن المبارك، أخبرنا ابنُ لهيعة عن خالد بن أبي عمران، قال: سمعتُ محمَّد بن كعب القُرظى يقول: "إذا كان الماء أربعين غربًا، فلا بأس".
فهذا الاختلاف على ابن لهيعة في سنده يُشعر أنه لم يضبطه، حتى وإن كان الراوى عنه ابن المبارك.
وقد قال ابنُ حبان في "المجروحين" (١/ ٧٥):
"ورأيتُ في القديم (١) أشياء مدلَّسةً، وأوهامًا كثيرةً تدلُّ على قلة مبالاةٍ كانت فيه قبل احتراق كتبه".
ولو عوَّلنا على طريق عكرمة، عن أبي هريرة، لم يكنْ فيه حجةٌ في مخالفة الحديث المرفوع، إذ هو رأىٌ واجتهادٌ.
ولذا قال البيهقي (١/ ٢٦٣):
"وابنُ لهيعة غيرُ محتج به، وقولُ من يوافق قوله من الصحابة قولَ =
стр. 436
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= رسول الله ﵌ أولى أن يُتبَّع، وبالله التوفيق". اهـ.
وقال الحافظ العلائى في "جزء في تصحيح حديث القلتين" (ق ٩):
"فثبت أن الحديث (١) مرفوعًا ليس بصحيحٍ، ولا يجوز الاحتجاج به.
وأما ما روى عن أبي هريرة ﵁، فهو ما رواهُ عبد الله بن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سليمان بن سنان، عن عبد الرحمن ابن أبي هريرة، عن أبيه قال: "إذا كان الماء أربعين قُلَّةً لم يحمل خبثًا".
وابنُ لهيعة ضعيفٌ لا تقومُ به الحجةُ. قال الدارقطنيّ: خالفه غيرُ واحدٍ رووه عن أبي هريرة: "أربعين غربًا" ومنهم من قال: "أربعين دلوًا"، فلم يصح عن أبي هريرة قوله: "أربعين قلةً"، ولو صحَّ ذلك لم يكن معارضًا لقول رسول الله- ﷺ ، وليس أبو هريرة من رواة حديث القلتين حتى يُعلَّلَ الحديث بقوله عند من يقول بأن مخالفة الصحابيّ الراوى للحديث يؤثر فيه. فثبت صحةُ حديث ابن عمر في اشتراط بلوغ الماء قلتين في دفع النجاسة. قال الإِمام أبو سليمان الخطابي: الحديث صحيحٌ احتج به الشافعيُّ، وأحمدُ بنُ حنبل، وإسحق بن راهويه، وأبو عبيد ويحيى وآخرون غيرُهم. وممن صحَّحهُ الإِمام أبو جعفر الطحاويُّ الحنفيّ ولم يعترض على سنده بشىءٍ وإنما اعترض عليه بحمل مقدار القلتين، وأنه ليس له حد محدودٌ، والجواب عن ذلك موضعُهُ غير هذا، والله أعلمُ" اهـ.
* قُلْتُ: فحاصلُ البحث أن الَّلفْظ الثابت هو لفظُ حديث الباب، وما دون ذلك لم يثبت فينتفى الاضطراب رأسًا، والحمد لله على التوفيق. =
стр. 437
. . . . . . . . . . . . .
ــ
= *الوجهُ الثالثُ: أنّهُ مُعلّ بالوقف.
قالوا: "إنّ مجاهد بن جبرٍ أوقفه على ابن عمر، ومجاهدُ ثقةْ ثبتٌ، وقد رجح وقفه البيهقيّ والمزى وابن تيمية".
فالجواب أن يقال:
روى هذا الحديث معاوية بن عمرو، قال: نا زائدةُ بنُ قدامة، عن ليثٍ، عن مجاهد، عن ابن عمر موقوفًا: "إذا كان الماء قُلّتين، لم يحمل خبثًا".
أخرجه الدارقطني (١/ ٢٣)، والبيهقيّ (١/ ٢٦٢).
وخالفه محمَّد بن كثير المصيصى، فرواه عن زائدة بسنده سواء إلَّا أنه رفعه.
أخرجه الدارقطنيّ أيضًا، وقال:
"الموقوفُ هو الصواب".
وقال في "العلل" (ج٢/ ٢٨ / ٢):
"والموقوف أصحُّ".
* قُلْتُ: وليس معنى قوله "أصحٌّ" أنه صحيحٌ، ففى السندِ ضعْفٌ، وليث بْنُ أبي سُلَيْمٍ فيه مقالٌ معروفٌ.
وقد خالفه أبو إسحاق السبيعى، فرواه عن مجاهد، ولم يتجاوزْهُ.
أخرجه ابنُ أبي شيبة في "المصنَّف" (١/ ١٤٤)، وأبو القاسم البَغَويُّ في "مسند ابن الجعد" (ج ٢ /رقم ٢٢٠١) من طريق شريك النخعى، عن أبي إسحاق.
وشريكٌ فيه مقالٌ، ولكن تابعه سفيانُ الثَّوْرى، عن أبي إسحاق به. =
стр. 438
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= أخرجه ابنُ جرير في "التهذيب" (١١٠٢).
وقد توبع أبو إسحق.
تابعه ولدُهُ يونس قال: سمعْتُ مجاهدًا يقولُ: "إذا كان الماء قُلَّتين، لم يُنجِّسْهُ شىءٌ".
أخرجه أبو عبيد في "الطهور" (ق ١٩/ ٢)، وابنُ جرير (١١٠٣) وخالفهم لوط، فرواه عن أبي إسحق، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: "إذا كان الماء قلتين، لم يحمل نجسًا".
أخرجه ابنُ جرير (١١٠١)(١)، والدارقطني (١/ ٢٥)، والبيهقي (١/ ٢٦٢) من طريق ابن جريج، أخبرنى لوط به.
* قلْتُ: ولوط هذا لعلّه ابن يحيى، فإن يكُنْهُ فهو تالف لا يوثق به ليس بثقةٍ، تركه أبو حاتمٍ وغيرهُ.
وقال ابنُ عدي: "شيعي محترقٌ".
فهذا اختلافٌ على مُجاهدٍ، الراجح منه أنه من قوله، والموقوف فيه ضعفٌ، فكيف يُعارضُ حديث عبيد الله وأخيه بمثل هذا؟!!
ثُمَّ أعلم أنَّ قول من قال: "إن البيهقىّ رجح وققه" فيه تدليسٌ أو غفلة، لأنه يوهم بهذا القول أن البيهقيَّ يرجح أن الموقوف على مجاهد أرجح من حديث عبيد الله المرفوع!! =
стр. 439
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= وليس كذلك. إنما رجح البيهقيُّ أن الحديث المرفوع من طريق مجاهد لا يصحُّ والموقوف هو الصواب كما ذكرنا ذلك قبل، وقلنا: ليس معنى قوله: "هو الصواب" أنه صحيحٌ.
ولو سلمنا -جدلًا- أن موقوف مجاهدٍ صحيحٌ، ولزمنا الترجيحُ لرجحنا حديث عبيد الله بن عبد الله بن عمر، لأنه أولى في أبيه وأخصُّ به من مجاهدٍ، فكيف وقد تابعه أخوهُ عبدُ الله؟!!
...
* الوَجْهُ الرَّابِعُ: فقولهم: "إنه شاذٌّ".
فالجوابُ: أنه ليس بشاذّ، وقد قال الشافعيّ ﵀ "ليس الشاذُّ أن ينفرد الثقةُ برواية الحديث، بل الشاذُّ أن يروي خلاف ما رواه الثقات".
فيقال لهم: أين السبيل إلى معرفة من هو أوثق من ابن عمر ويروى حديثًا خلاف روايته؟! ولن يجدوا إليه سبيلًا.
وأما قولُهم: "إن صحة السند لا تستلزمُ صحة المتن المروى به" (١). =
стр. 440
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= فهذا صحيحٌ، ولكن قال العلماءُ: إذا قال عالمٌ ناقدٌ يُرجع إلى قوله إنَّ هذا السند صحيحٌ، فهذا إعلامٌ بصحة المتن أيضًا، وإلاّ ففيه إهدارٌ لأهمية الإسناد، وهذا الحديث قد حكم بصحة إسناده ومتنه جماعةٌ من أعيان العلماء تقدم ذكرهم.
وأما قولُهم: "أين نافعٌ، وسالمٌ، وأيوبُ ... " ففى غاية العجب، فما من واحدٍ من هؤلاء وغيرهم إلَّا تفرَّد عن بعض الصحابة بسُنَّةٍ لا يشاركه فيها أحد.
وقد تفرَّد الزهريُّ بنحوٍ من ستين سُنَّةٍ، لم يروها غيرُهُ وعملت بها الأمة، ولم ترُدَّها بتفَرُّده.
ولا نذهبُ بعيدًا في ضرب الأمثال، فحديث "إنما الأعمال بالنيات" تفرد به عمر بنُ الخطاب ﵁، ولم يروه عنه إلَّا علقمةُ بنُ وقاصٍ، ولا عن علقمة إلَّا محمَّد بن إبراهيم التيمي، ولا عن محمدٍ إلَّا يحيى ابنُ سعيد الأنصاريّ. =
стр. 441
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= وقال الإمام أحمد: "مدار الإِسلام على ثلاثة أحاديث .. " فذكره منها.
وكذا قال جماعةٌ من العلماء كأبى داود وغيره.
فهل يُقال: أين سائر الصحابة حتى يتفرد عمر بهذا الحديث الجليل، الذي يحتاج إليه في جميع أبواب العلم؟!
وفي "صحيح البخاري" (١/ ٩) قال علقمة: سمعتُ عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر يخطب .. فهذا يُبين أن هذا الحديث سمعه جمع غفيرٌ فهذا أدعى لانتشاره، فكيف تفرد به علقمة دون أولئك؟!
أم ترى أن الجميع كان نائمًا إلا علقمة فسمعه، أم لم يكن في المسجد أحدٌ غيرهُ؟! تالله إن هذا لعجبٌ عجابٌ.
ثُمّ أين أصحاب علقمة حتى يتفرد به محمَّد بن إبراهيم التيمي، وأين أصحاب التيمي حتى يتفرد به يحيى بنُ سعيد الأنصارى؟!
ولو طردنا هذا القول الفاسد لأدانا إلى طرح الكثير من السنن ثمّ إن هذا القول يؤدى إلى رد رواية الثقة العدل بدون موجبٍ لردِّها، وسوء ظن به من غير حجةٍ ناهضةٍ، فنعوذ بالله من التحكم والاعتساف، وقلة الإنصاف.
واعلم أن الإعلال بهذه الطريقة، هو شنشنةٌ قديمة عهدناها من أهل الأهواء إذا أعوزتهم الحجة، وضاق عطنُهم أمام خصومهم.
وقد قال ابن القيم ﵀ في "إغاثة اللهفان" (١/ ٤٤١) عند مناقشة من طعن في حديث ابن عباس في المطلقة ثلاثًا:
"وقد ردَّهُ آخرون بمسلكٍ أضعف من هذا كلِّه فقالوا: هذا حديث لم =
стр. 442
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= يروه عن رسول الله ﷺ إلَّا ابن عباس وحدهُ، ولا عن ابن عباس إلّا طاووس وحده.
قالوا: فأين أكابرُ الصحابة وحفاظُهم عن رواية مثل هذا الأمر العظيم، الذي الحاجةُ إليه شديدةٌ جدًّا؟ فكيف خفى هذا على جميع الصحابة وعرفه ابنُ عباسٍ وحده؟ وخفى على أصحاب ابن عباس كلهم، وعلمه طاورس وحده؟!! وهذا أفسدُ من جميع ما تقدّم، ولا ترد أحاديثُ الصحابة وأحاديثُ الأئمة الثقات بمثل هذا. فكم من حديثٍ تفرد به واحدٌ من الصحابة، لم يروه غيرُهُ، وقبلته الأمة كلهم، فلم يردَّهُ أحدٌ منهم، وكم من حديث تفرَّد به من هو دون طاووس بكثير، ولم يرده أحد من الأئمة. ولا نعلمُ أحدًا من أهل العلم قديمًا وحديثًا قال: إن الحديث إذا لم يروه إلا صحابيٌّ واحدٌ لم يُقبل، وإنما يحكى عن أهل البدع ومن تبعهم في ذلك أقوالٌ، ولا يُعرف لها قائل من الفقهاء ... ثُمَّ قال: ثُمَّ إن هذا القول لا يمكنُ أحدًا من أهل العلم ولا من الأئمة ولا من أتباعهم طرده، ولو طردوه لبطل كثيرٌ من أقوالهم وفتاويهم. والعجبُ أن الرادِّيْن لهذا الحديث بمثل هذا الكلام قد بنوا كثيرًا من مذاهبهم على أحاديث ضعيفة، انفرد بها رواتُها، لا تعرف عن سواهم، وذلك أشهر وأكثر من أن تُعدَّ"اهـ.
• قلت: فظهر من التحقيق أن حديث القلتين لم يُعلّ بعلة حقيقية، هذا من جهة ثبوته أما من جهة الاستدلال به فعليه اعتراضات كثيرة والجواب عنها ممكنٌ وقد أودعت ذلك في جزء لي حول هذا الحديث اسمه "درء العبث عن حديث إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" ولعلى أنشره قريبًا إن شاء الله.
стр. 443
٤٥ - تَرْكُ التَّوْقِيتِ فِى الْمَاءِ
٥٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ (١) ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِى الْمَسْجِدِ فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْقَوْمِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «دَعُوهُ لَا تُزْرِمُوهُ». فَلَمَّا فَرَغَ دَعَا بِدَلْوٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَعْنِى لَا تَقْطَعُوا عَلَيْهِ.
ــ
٥٣ - إسنادُهُ صَحيحٌ.
* حمادٌ: هو ابنُ زيد.
* ثابت، هو ابْنُ أسلم البُنانى، أبو محمدٍ.
أخرج له الجماعة، وكان من أئمة المسلمين وسادتهم علمًا وعملًا.
وثقه المصنِّفُ، والعجليُّ، وثبَّته أحمد وأبو حاتم.
وحسبه تزكيةً، قولُ أنسٍ ﵁:
"إن للخير أهلًا، وإن ثابتًا هذا من مفاتيح الخير". =
стр. 444
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= رواه حماد بن زيد، عن أبيه، عن أنس.
وسندُهُ صالحٌ.
وللحديث طرقٌ عن أنسٍ، ﵁.
* ١ - ثابثٌ، عنه.
أخرجه البخاريُّ (١٠/ ٤٤٩ - فتح)، ومسلمٌ (٣/ ١٩٠ - نووى)، وأبو عوانة (١/ ٢١٤ - ٢١٥)، وابنُ ماجة (٥٢٨)، وأحمد (٣/ ٢٢٦)، وكذا عبدُ بنُ حميدٍ في "المنتخب" (رقم ١٣٨١)، وابن خزيمة (ج١/رقم ٢٩٦)، وأبو يعلى (ج ٦ / رقم ٣٤٦٧)، والبيهقيُّ (٢/ ٤٢٧ - ٤٢٨) من طرقٍ عن حماد بن زيد (١)، عن ثابتٍ.
وقد رواه عن حمادٍ جماعةٌ من أصحابه، منهم:
"قتيبةُ بنُ سعيدٍ، وأحمدُ بنُ عَبْدَة، وسليمانُ بنُ حربٍ، ويونسُ بن محمدٍ، وإسحقُ بنُ أبي إسرائيل، ومحمدُ بنُ الفضل، وعمرو بنُ عونٍ، وحامد بن عمرو البكراويُّ".
* ٢ - إسحقُ بنُ عبد الله بن أبي طلحة، عنه.
أخرجه البخاريُّ (١/ ٣٢٢ - فتح)، ومسلمٌ (٣/ ١٩٠ نووى)،=
стр. 445
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= وأبو عوانة (١/ ٢١٤)، وأحمدُ (٣/ ١٩١) والبزار في "مسنده" (ج٢/ ق ٥١/ ٢)، وابن خزيمة (ج١ / رقم ٢٩٣)، وابنُ حبان (ج٢/رقم ١٣٩٨)، وأبو الشيخ في "الأخلاق" (ص ٧٠ - ٧١، ٨١) والطبرانى في "الأوسط" (ج١/ق ٣٠٨/ ١)، والطحاويُّ في "شرح المعاني" (١/ ١٣)، وابنُ حزمٍ في "المحلى" (١/ ١٠١)، والبيهقي (٢/ ٤١٢ - ٤١٣ و ١٠/ ١٠٣)، والبغوي في "شرح السُّنة" (٢/ ٤٠٠).
ورواه عن إسحق:
"همام بنُ يحيى، وعكرمةُ بن عمَّار".
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة إلا عكرمة بن عمار وهمام بن يحيى".
*٣ - يحيى بنُ سعيد الأنصاريُّ، عنه.
ويأتي في الحديث القادم -إنْ شاء الله تعالى-.
* ٤ - سالم بن أبي الجعد، عنه.
فأخرج أبو يعلى (ج ٦ / رقم ٣٦٢٦) حديث ابن مسعودٍ -ويأتي قريبًا- قال: جاء أعرابي فبال في المسجد، فأمر النبي ﷺ بمكانه فاحتُفر، وصُبَّ عليه دلوٌ من ماءٍ. قال الأعرابيُّ: يا رسول الله! المرء يُحب القوم ولمَّا يعملُ بعملهم؟ فقال رسول الله ﷺ "المرء مع من أحبَّ".
ثم قال أبو يعلى بعده (٣٦٢٧):
حدثنا أبو هشام، حدثنا أبو بكرٍ، حدثنا منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أنسٍ، عن النبي ﷺ مثله. =
стр. 446
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= ففهم الهيثميُّ ﵀ أن قوله "مثله" يعني حديث ابن مسعودٍ برمته، فأورده في "المجمع" (١/ ٢٨٦) في "باب في الأرض تصيبُها النجاسة"، وقال: "وروى أبو يعلى عقبه بإسنادٍ رجاله رجال الصحيح عن أنسٍ، عن النبي ﷺ ، قال: مثله" اهـ.
* قُلْتُ: ولا يظهر لي ما فهمه الهيثميُّ ﵀، وإنما قول أبي يعلى "مثله" يقصد به آخر الحديث، وهو قول النبي ﷺ : "المرء مع من أحبَّ" دون أوله لأمورٍ:
* الأول: أنه لا يحفظ "الحفر" في حديث أنسٍ كما يأتي.
*الثاني: أنَّ الحافظ ابن حجر ذكر حديث ابن مسعود في "المطالب العالية" (ج ١ / رقم ١٦) وعزاه لأبي يعلى ولم يذكر عن "أنسٍ" شيئًا في باب "إزالة النجاسة".
* الثالث: أن آخر الحديث هو المحفوظ من حديث سالم عن أنسٍ.
فقد أخرجه أحمد (٣/ ٢٠٧، ٢٥٥) قال: حدثنا أسودُ بنُ عامرٍ، ثنا أبو بكر بن عياش، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أنسٍ قال: أقبل رسول الله ﷺ يمشي حتى انتهى إلى المسجد قريبًا منه، قال: فأتاهُ شيخٌ -أو رجلٌ- قال: متى الساعةُ يا رسول الله؟! قال: "وما أعددت لها؟ " فقال الرجل: والذي بعثك بالحق ما أعددت لها من كثير صلاةٍ ولا صيامٍ، ولكني أحب الله ورسوله. قال: "فأنت مع من أحببت". وأخرجه ابن الأبار في "معجمه" (ص ٧٠ - ٧١) عن أحمد ابن عبد الجبار العطاردى، نا أبو بكر بن عياش به. =
стр. 447
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= وتابعه شعبة، وجرير بن عبد الحميد، والأعمش (١)، عن منصورٍ به.
أخرجه البخاري (١٣/ ١٣١ - فتح) ومسلمٌ (٢٦٣٩/ ١٦٤)، وأحمدُ (٣/ ١٧٢، ٢٠٨)، والطيالسيُّ (٢١٣١)، وأبو يعلى (ج ٦ / رقم ٣٦٣١، ٣٦٣٢).
وقد توبع منصور.
تابعه عمرو بن مرة، عن سالم به.
أخرجه البخاريُّ (١٠/ ٥٥٧ - فتح) ومسلمٌ (٢٦٣٩)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (ج٣/ رقم ١٣١٦).
وأخرجه البزار في "مسنده" (ج٢ /ق ١١٩/ ١) وأبو نعيم في "المحبين" كما في "الفتح" من طريق السميدع بن وهب، نا شعبة, عن منصور وعمرو بن مرة قالا: نا سالم بن أبي الجعد، عن أنسٍ به.
وقال البزار:
"وهذا الحديث لا نعلم أحدًا رواه عن شعبة، عن عمرو ومنصور عن سالم عن أنس إلَّا السميدع، ورواه غيرُ السميدع عن شعبة، عن منصور وحده عن سالم عن أنسٍ" اهـ.
* قُلْتُ: والسميدع صدوق، أكثر جدًّا عن شعبة.
وقال ابن حبان في "الثقات" (٨/ ٣٠٣): "ربما أغرب".
فهذا يدل علي أن حديث سالم بن أبي الجعد، عن أنسٍ ليس فيه قصة البائل في المسجد. والله أعلمٌ.
стр. 448
٥٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ بَالَ أَعْرَابِىٌّ فِى الْمَسْجِدِ فَأَمَرَ النَّبِىُّ ﷺ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَصُبَّ عَلَيْهِ.
ــ
٥٤ - إسناده صَحِيحٌ.
* عبيدةُ -بفتح أوَّلِهِ- هو ابنُ حميد بن صهيب التيميّ، أبو عبد الرحمن الكوفي الحذَّاءُ.
قال ابنُ حبان في "الثقات" (٧/ ١٦٣):
"لم يكن بحذَّاءٍ، كان يجالسُ الحذائين، فنُسب إليهم".
وثقه ابنُ معين في روايةٍ، وابنُ سعدٍ، وابنُ عمار، وكذا الدارقطنيُّ، وابنُ حبان، وعثمانُ بنُ أبي شيبة، وابنُ شاهين، وابنُ نُمير.
وقال ابنُ معين، والنسائي، والعجليُّ:
"لا بأس به".
وقد أحسن الثناء عليه الإمامُ أحمدُ، ورفع أمره جدًّا، وقال: "ما أحسن حديثه، وما أدرى ما للناس وله ... كان قليل السقط، وأما التصحيفُ، فليس نجدُه عنده".
أما قولُ يعقوب بن شيبة.
"لم يكن من الحفاظ المتقنين".
فليس هذا بجرحٍ، ومعناه: لم يبلغ أعلى درجات الضبط، وهذا لا ينفى أن يكون حافظًا ضابطًا.
وأما قولُ الساجى:
"ليس بالقويّ".
فجرحٌ مجملٌ، لا يُعبأ به أمام التوثيق المحقق، وقد أثنى على عبيدة =
стр. 449
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= المتقدمون على الساجى في العلم والطبقة، كأنَّ الساجى أخذ هذا الجرح من قول ابن معين: "عابوا عليه أنه يقعُدُ عند أصحاب الكتب" يعني أنه قد يأخذُ منهم، فيقعُ منه التصحيف.
وهذه الدعوى، ردَّها الإِمام أحمدُ ﵀ فقال:
"ما أدرى! ما للناس وله ... وأمَّا التصحيف فليس نجدُه عنده".
وضعّفه عبدُ الحق الأشبيلى، لروايته حديث تقدير صلاة النبي ﷺ في الشتاء والصيف بالأقدام.
وقد أجاب عن ذلك الذهبي.
فقال في "الميزان" (٢/ ٢٥):
"وإنما لينُ الخبر من شيخه أبي مالكٍ الأشجعيِّ، عن كثير بن مدرك"!
*قُلْتُ: كذا قال الذهبيُّ ﵀! وفي قوله نظر يأتي تفصيلُهُ في الحديث (٥٠٣) إنْ شاء الله تعالى، فانتظره.
* * *
والحديث أخرجه البخاري (١/ ٣٢٤ - فتح)، ومسلمٌ (٣/ ١٩٠ نووى) وأبو عوانة (١/ ٢١٣ - ٢١٤) والبزار (ج٢ / ق ٣٩/ ٢ - ٤٠/ ١) وأحمدُ (٣/ ١١٤، ١٦٧) (١)، والدارميُّ (١/ ١٥٤)، ومن طريقه برهان الدين التنوخي في "نظم اللآلى في المائة العوالي" (ق ٢٥/ ١)، وعبد الرزاق =
стр. 450
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= في "المصنف" (ج ١/ رقم ١٦٦٠)، وأبو يعلى (ج ٦ / رقم ٣٦٥٢, ٣٦٥٤)، والخرائطيُّ في "المكارم" (٧٣)، والطحاويُّ في "الشرح" (١/ ١٣)، وابنُ حزمٍ في "المحلى" (١/ ١٠١)، والبيهقي (٢/ ٤٢٧) من طرقٍ عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أنسٍ به.
وقد رواه عن يحيى الأنصاريّ جماعةٌ من أصحابه، منهم:
"يحيى بن سعيد القطان، ويزيدُ بنُ هارون، وجعفر بن عون، وعبدُ العزيز بن محمد الدراورديُّ ويعلى بن عبيد، وإبراهيمُ بن محمدٍ، وابن المبارك".
وتابعهم سفيان بنُ عيينة، ثنا يحيى بن سعيد، عن أنسٍ به.
أخرجه الترمذي (١٤٨)، والشافعي في "الأم" (١/ ٥٢)، وأحمد (٣/ ١١٠ - ١١١)، والحميدى (١١٩٦)، وأبو عوانة في "صحيحه" (١/ ٢١٤)، والبيهقي (٢/ ٤٢٧) من طرق عن سفيان.
ورواه عن سفيان جماعةٌ من ثقات أصحابه , منهم:
"الشافعي، وأحمد، والحميدي، وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي".
وخالفهم عبد الجبار بنُ العلاء، فرواه عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن أنسٍ أنَّ أعرابيًّا بال في المسجد، فقال النبي ﷺ : "احفروا مكانه، ثُمَّ صبوا عليه ذنوبًا من ماء".
فتفرد بذكر "الحفر".
أخرجه الدارقطنيُّ (١) -كما في "نصب الراية" (١/ ٢١٢) - من طريق =
стр. 451
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= عبد الجبار بن العلاء، وقال:
"وهم عبدُ الجبار على ابن عيينة, لأن أصحاب ابن عيينة الحفاظ رووه عنه عن يحيى بن سعيد بدون "الحفر" وإنما روى ابنُ عيينة هذا عن عمرو ابن دينار عن طاووس أن النبي ﷺ قال: "احفروا مكانه" مرسلًا" اهـ.
* قُلْتُ: فاختلط على عبد الجبار بن العلاء المتنان جميعًا، ودخل عليه حديثٌ في حديث.
وقد أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (ج ١/رقم ١٦٥٩) عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاووس مرسلًا.
وتابعه إبراهيم بن بشار، ثنا ابنُ عيينة به.
أخرجه الطحاويُّ (١/ ١٤) حدثنا بكار بنُ قتيبة، ثنا إبراهيم بنُ بشار وكذا تابعهما سعيد بن منصور، عن ابن عيينة به.
ذكره الحافظ في "التلخيص" (١/ ٣٧) وقال بعد أن ذكر توهيم الدارقطني لعبد الجبار بن العلاء:
"وهذا تحقيقٌ بالغٌ، إلا أنَّ هذه الطريق المرسلة مع صحة إسنادها إذا ضُمَّتْ إلى أحاديث الباب أخذتْ قوة".
كذا قال هنا، بينما قال في "الفتح" (١/ ٣٢٥) فقال:
"والآخران مرسلان. أخرج أحدهما أبو داود من طريق عبد الله بن معقل بن مقرن، والآخران من طريق سعيد بن منصور من طريق طاووس ورواتهما ثقات وهو يلزم من يحتج بالمرسل مطلقًا، وكذا من يحتج به إذا اعتضد مطلقًا، والشافعيُّ إنما يعتضد عنده إذا كان من رواية كبار التابعين، =
стр. 452
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= وكان من أرسل إذا سمى، لا يسمى إلا ثقةً، وذلك مفقودٌ في المرسلين المذكورين علي ما هو ظاهر من سنديهما، والله أعلم" اهـ.
أمَّا مرسل عبد الله بن معقل بن مقرن، فقد:
أخرجه الدارقطنيُّ (١/ ١٣٢) , والبيهقيُّ (٢/ ٤٢٨)، وابنُ الجوزي في "التحقيق" (١/ ٤٢/ ٦٠) جميعًا عن أبي داود، وهذا في "سننه" (٣٨١) وفي "المراسيل" (ق ٧/ ١) من طريق جرير بن حازم، قال: سمعت عبد الملك بن عمير يحدث عن عبد الله بن معقل بن مقرن، قال: صلى أعرابي مع النبي ﷺ بهذه القصة (١)، قال فيه: وقال: يعني النبي ﷺ : "خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه، وأهريقوا عن مكانه ماء".
قال أبو داود: "وهو مرسلٌ. ابْنُ معقلٍ لم يدرك النبي ﷺ " اهـ.
وقال الخطابى:
"هذا الحديث ذكره أبو داود وضعفه، فقال: مرسل".
فتعقَّبه البدرُ العينى في "عمدة القاري" (٣/ ١٢٥):
"لم يقل أبو داود: هذا ضعيفٌ، وإنما قال: مرسلٌ" (٢) اهـ.
* قُلْتُ: ولا طائل تحت هذا التعقُّب, لأن الخطابى لم ينسب المقالة لأبي داود باللفظ، إنما بالمعنى, لأن المرسل من قسم الحديث الضعيف، =
стр. 453
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= فهو يقول: وهو ضعيفٌ حيث قال فيه: مرسل، كما لو قلت: وهذا الحديث ضعّفه الترمذي فقال: "غريب". والله أعلمُ.
وقال ابنُ الجوزى في "التحقيق":
"قال الدارقطنيُّ: عبد الله بن معقل تابعيُّ، فهو مرسلٌ. وقال أحمد ابن حنبل: هذا حديثٌ منكرٌ. وقال أبو داود السجستاني: وقد روى مرفوعًا ولا يصحُّ" اهـ.
* قُلْتُ: أخشى أنْ يكون ابنُ الجوزى وهم في ذكر قول أحمد هنا، وإنما قاله أحمد في حديث ابن مسعود الآتي قريبًا إنْ شاء الله، كما قال الحافظ في "التلخيص" (١/ ٣٧).
وحديث معقل مع إرساله، فإن عبد الملك بن عمير قال فيه أحمد: "مضطربُ الحديث جدًّا مع قلة روايته".
وقال ابنُ معين:
"مُخلط".
وقال أبو حاتم:
"لم يوصف بالحفظ".
فأهابُ تقوية مرسل طاووس بمرسل عبد الله بن معقل، وأما الحديثان الموصولان فلا يصحُّ واحدٌ منهما، فنرى أنَّ ذكر "الحفر" غير محفوظٍ, والله أعلمُ.
* * *
стр. 454
٥٥ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ جَاءَ أَعْرَابِىٌّ إِلَى الْمَسْجِدِ فَبَالَ فَصَاحَ بِهِ النَّاسُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اتْرُكُوهُ». فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ ثُمَّ أَمَرَ بِدَلْوٍ فَصُبَّ عَلَيْهِ.
ــ
٥٥ - إسنَادُه صحِيْحٌ.
* سويُد بْنُ نصرٍ، هو ابْنُ سويد المروزيُّ أبو الفضل الطوسانيُّ ويعرف بـ "الشاة".
وثقهُ المصنِّفُ، وابن حبان في "الثقات" (٨/ ٢٩٥) وزاد:
"وكان متقنًا"، ومسلمةُ بنُ قاسم.
روى عنه المصنف (٢١٠) حديثًا.
مات سنة أربعين ومائتين وهو ابنُ إحدى وتسعين سنة كما قال البخاري، ﵀ ورضى عنه.
* عبدُ الله، هو ابْنُ المبارك بْنِ واضح , أبو عبد الرحمن الحنظليُّ.
شيخ الإِسلام، عالمُ زمانه، وأميرُ الأتقياء في وقته، المجاهد، السخى، علمُ الأعلام.
وهو أكبر من أن ينبه عليه مثلى، وإنما أتبرَّك بذكر شىء من ترجمته.
قال إبراهيم بْنُ عبد الله بن الجنيد:
"سمعتُ ابن معين، وذكروا عبد الله بن المبارك. فقال رجل: إنّه لم يكن حافظًا!!. فقال ابن معين: كان عبد الله ﵀ مستثبتًا، ثقةً، وكان عالمًا صحيح الحديث، وكانت كتبه التي يُحدث بها عشرين =
стр. 455
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= ألفًا، أو واحدًا وعشرين ألفًا".
وقال العباسُ بن مصعب:
"جمع عبد الله بن المبارك الحديث، والفقه، والعربية, وأيام الناس، والشجاعة، والتجارة، والسخاء، والمحبة عند الفرق".
* قُلْتُ: وكان شاعرًا مُجيدًا، قوالًا بالحق، قائمًا به.
قال محمد بن إبراهيم بن أبي سُكينة:
"أملى عليَّ ابنُ المبارك سنة سبع وسبعين ومائة، وأنفذها معي الي الفضيل بن عياض من طرسوس:
يَا عَابِدَ الحَرَمَيْنِ لَوْ أبْصَرتَنا ... لَعَلِمْتَ أنَّكَ في العِبَادَةِ تَلْعبُ
مَنْ كَاْنَ يَخْضِبُ جيْدَهُ بِدُمُوْعِهِ ... فَنَحُوُرُنَا بِدِمَائِنَا تَتَخَضَّبُ
أوْ كَاْنَ يُتْعِبُ خَيْلَهُ في بَاطِلٍ ... فَخُيُوْلُنَا يَوْم الصبيحة تَتْعَبُ
ريْحُ العَبيْرِ لكُمْ وَنحْنُ عَبِيرنا ... رَهَجُ السَّنَابِكِ وَالغُبَارُ الأطْيَبُ
وَلقد أتانَا مِنْ مَقَالِ نبينا ... قَوْلٌ صَحِيْحٌ صَادِقٌ لا يَكذِبُ
لا يَسْتَوِى وَغُبَارُ خَيْلِ الله في ... أنْفِ امْرِئٍ وَدُخَانُ نَارٍ تَلْهَبُ =
стр. 456
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= هَذَا كِتَابُ الله يَنطِقُ بَيْنَنَا ... لَيسَ الشَّهِيدُ بِميِّتٍ, لَا يَكذِب
قال: فلقيتُ الفضيل بكتابه في الحرم، فقرأه وبكى، ثم قال: صدق أبو عبد الرحمن ونصح" اهـ.
* * *
стр. 457
٥٦ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ عَنِ الأَوْزَاعِىِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَامَ أَعْرَابِىٌّ فَبَالَ فِى الْمَسْجِدِ فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «دَعُوهُ وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ دَلْوًا مِنْ مَاءٍ فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ».
ــ
٥٦ - إسنَادُهُ صَحِيحٌ.
* عبدُ الرحمن بْن إبراهيم، هو ابن عمرو بن ميمون أبو سعيد الحافظ المعروف بـ "دُحيم" من سادة أهل الشام.
أخرج له الجماعةُ، إلا مسلمًا والترمذي.
عنى بهذا الشأن حتى فاق الأقران، وجرَّح وعدَّل، وصحَّح وعلل، وثقهُ أبو حاتم، والمصنِّفُ وزاد: "مأمون"، والعجلى، والدارقطني.
وقال أبو داود:
"حجةٌ".
وأثنى عليه أحمدُ وقال:
"هو عاقل ركين".
روى عنه المصنف ثمانية أحاديث.
* عمر بنُ عبد الواحد، هو ابنُ قيس السلميُّ أبو حفص الدمشقيُّ.
أخرج له أبو داود وابنُ ماجة.
وثقهُ دُحيم، والعجليُّ، وابنُ حبان في آخرين. =
стр. 458
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= وقال ابن قانعٍ:
"صالحٌ"!
* الأوزاعيُّ (١) هو:
عبد الرحمن بن عمرو بن يُحمد، أبو عمرو.
شيخ الإِسلام، وعالم أهل الشام وفقيهُهم.
حديثه في الكتب الستة، وفي دواوين الإِسلام، وقد أطبق الجمع على توثيقه والاحتجاج بحديثه.
قال أبو مسهر:
"ما رُئي الأوزاعيُّ باكيًا قطُّ، ولا ضاحكًا حتى تبدو نواجذُه، وإنما كان يبتسم أحيانًا كما روى في الحديث، وكان يُحيى الليل صلاة، وقرآنًا، وبكاءً. وأخبرني بعض إخواني من أهل بيروت أنَّ أمه كانت تدخل منزل الأوزاعي وتتفقد موضع مصلاهُ، فتجده رطبًا من دموعه في الليل"!
وروى ابنُ أبي حاتم في "مقدمة الجرح والتعديل" (ص ١٨٥) بسنده إلى عبد الحميد بن أبي العشرين قال: قلت لمحمد بن شعيب بن شابور: أنشدك الله ومقامك بين يديه لقيت أفقه في دين الله من الأوزاعي؟ قال: اللهم لا. قال: قلتُ: فأورع منه؟ قال: لا. قلتُ: فأحلم منه؟ قال: لا وكان مالكٌ شديد التعظيم له، وأخذ الثوري بخطام دابته يسُلُّهُ من الزحام!! ". =
стр. 459
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= فهذا والله من بركة العلم والعمل به.
وروى ابنُ أبي حاتم (ص٢١٠) بسنده الصحيح أن رجلًا قال لسفيان الثورى: يا أبا عبد الله! رأيتُ كأنَّ ريحانة قلعت من الشام -أراه قال- فذهب بها في السماء.
قال سفيان: إنْ صدقت رؤياك، فقد مات الأوزاعيُّ!
فجاءه نعيُ الأوزاعى في ذلك اليوم سواء.
ومن غرر كلامه:
"عليك بآثار من سلفٍ، وإنْ رفضك الناسُ، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول، فإنَّ الأمر ينجلى وأنت على طريق مستقيم".
وقال أيضًا.
"ما أكثر عبدٌ ذكر الموت، إلا كفاه اليسير من العمل، ولا عرف عبدٌ أنَّ منطقه من عمله، إلَّا قلَّ لغطُهُ".
وكان قوَّالًا للحق، آمرًا بالمعروف، وله مواقف محمودةٌ مع بعض الولاة الظلمة، فرحم الله الأوزاعيَّ ورضى عنه، وأين في الناس مثلُ الأوزاعى؟!
* محمد بْن الوليد، هو ابنُ عامر الزبيدي, أبو الهذيل الحمصيُّ.
أخرج له الجماعةُ، إلا الترمذي.
وثقهُ ابن المدينى، وأبو زرعة، والمصنِّفُ، والعجليُّ، وابنُ سعدٍ، ودحيم، وابنُ حبان في آخرين.
* عبيد الله بن عبد الله هو: ابنُ عتبة بن مسعود الهذلى، أبو عبد الله المدنيُّ، أحدُ فقهاء المدينة السبعة. =
стр. 460
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= أخرج له الجماعةُ.
وثقهُ أبو زرعة، وقال:
"مأمونٌ، إمامٌ".
وقال العجلي:
"تابعيُّ ثقة، رجل صالحٌ، جامعٌ للعلم، وهو معلم عمر بن عبد العزيز".
وقال الطبريُّ:
"كان مقدَّمًا في العلم والمعرفة بالأحكام والحلال والحرام، وكان مع ذلك شاعرًا مُجيدًا".
وقال ابنُ عبد البر:
"لم يكن بعد الصحابة إلى يومنا فيما علمت فقيهٌ أشعر منه، ولا شاعرٌ أفقه منه".
* * *
والحديث أخرجه البخاريُّ (١/ ٣٢٣ و ١٠/ ٥١٥ - فتح)، وأحمدُ (٢/ ٢٨٢)، وابنُ خزيمة (ج١/ رقم ٢٩٧)، وابنُ حبان (ج٢/ رقم ١٣٩٦، ١٣٩٧) والبزار (ق ١٥١/ ١) وابن عبد البر في "التمهيد" (١/ ٣٣٠ - ٣٣١) والطبراني في "مسند الشاميين" (ق ٣٤٤، ٥٩٩)، وابنُ حزم في "المحلى" (٤/ ٢٤٧)، والدارقطنى في "العلل" (ج ٢/ ق ١٣٤/ ٢)، والبيهقي (٢/ ٤٢٨) من طرق عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة به. =