Полный текст (1 534 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
أي: لما كنت تريد بكف الإضافة معنى التنوين، وإنما حذفت التنوين استخفافًا وأنت تريده، جرى على الأصل، أي جرى الاسم في باب النفي على ما كان يجري عليه والتنوين فيه من أنه لا يجوز أن يبنى وهو مضاف مع (لا) كما لم يجز أن يُبنى معها والتنوين في الكلام.
وأنشد لجرير:
لا كالعَشِيَّةِ زائرًا ومَزُورًا
قال أبو علي: ليس قوله: (لا كالعشية زائرًا) مثل قولهم: (لا أحدَ كزيدٍ) ثم قلت: رجلاً، أي تجعل الصفة للمضمر على الموضع.
قال: كما حَمَلَ المِرْفَد على ذلك.
أي على لفظه ذلك في قوله: (فوق ذلك) أن يكون نصبه تمييزًا عن تمام الاسم.
стр. 422
قال: وإن شئت نصَبْتَه على ما نصبت عليه "لا مالَ له قليلاً ولا كثيرًا".
أي تجعل (قليلاً وكثيرًا) صفة للمال تحمله على اللفظ دون الموضع، فكذلك تجعل نصب (رَجُل) في قولك: (لا كزيد رجلاً)، والمحذوف من قوله: (لا كزيد رجلاً) (أحدٌ)، وما يصلح أن يقع موقعه، والتقدير: (لا أحدَ كزيدٍ).
قال أبو علي: إذا قلت: (لا رجلَ عندي ولا امرأة) فهو جواب لمن قال: (أرَجُلٌ عندك أم امرأة)، فاستفهم عن اثنين من النوع، ولم يعمّ سؤاله جميعهم، وإنما يعمل في الاسم متى كان واحدًا في معنى الجميع، وجوابًا عن كل واحد في معنى الجميع، فأما إذا كان جوابًا لواحد لم يعمل فيما بعدها ولم يبن مع الاسم.
قال: كما لا تُثَنّى في الأفعال التي هي بَدَلٌ منها.
стр. 423
قوله: (هي) كناية عن الأسماء التي هي بدل من الأفعال.
قال: وذلك قولهم: لا سواءٌ.
قوله: (لا سواءٌ) كأنه قال: (هذان لا سَواءٌ)، فعاقبت (لا) (هذان)، و (هذان) هما مما ارتفع عليه (سواءٌ).
قوله: حين (لا) مالٍ، جعل (لا مالٍ) اسمًا واحدًا، وأضاف إليه (حين). أنشد:
وقد علاكَ مشيبٌ حِينَ لا حِين
стр. 424
قال: فإنّما هو (حينَ حينٍ) و (لا) بمنزلىة (ما) إذا أُلغِيَتْ.
قال أبو علي: لا يجوز أن تكون (لا) في هذا البيت هي التي مع الاسم كشيء واحد، لأن ذلك محال، وذلك أنه إذا قال (علاكَ مَشيبٌ حينًا) فقد أثبت حينًا علاه فيه المشيب، وإذا قال: (لا حين)، فقد نفى كل حين مضى، فصار نافيًا لما أثبته ومناقضًا له.
قال: فكذلك هذه الصّفاتُ وما جعلته خبرًا للأسماء.
قال أبو علي: الصفات نحو (مررتُ برجلٍ لا فارسٍ ولا شجاعٍ)، وما جعلته خبرًا نحو: زيدٌ لا فارسٌ ولا شجاعٌ.
قال: ومَن قال (لا غلامَ أفضلُ منك) لم يقل في (ألا غلامَ أفضلَ
стр. 425
منك) إلا بالنصب.
قال أبو عثمان: الرفع عندي جيد، أقول: ألا غلامُ، وألا جاريةُ، وأقول: ألا رجلٌ أفضلُ منك.
قلت: من حجته أنه يقول يكون اللفظ على لفظ الخبر في معنى التمني وإن دخله معناه، كما أن (غَفَر الله لزيد)، لفظه لفظ الخبر ومعناه الدعاء.
...
هذا باب ما يكون الاستثناء بإلا
قال: ولم تشغل عنها قبل أن تلحقَ إلاَّ الفعلَ بغير هاء.
قال أبو علي: يقول: لم تشْغَل الفعلَ في قولك: (ما أتاني إلا زيدٌ) باسم قبل أن تلحق (إلاَّ) فيه كما شغلته في قولك: (جاء القومُ إلا زيدًا)
стр. 426
بالقوم، فانتصب (زيدٌ)، لشغلك الفعل بالقومِ، ولم تشغل الفعل في قولك: (ما أتاني إلا زيدٌ) باسم غير (زيد) فينتصب (زيدٌ).
قال: ولو كان هذا من قِبل الجماعة لَما قلتَ: "ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسُهم".
قال أبو علي: كأنَّ قومًا من قدماء النحويين قالوا: إذا استثنينا
стр. 427
من جميع نصبنا، سواء كان الاستثناء من منفيّ أو من موجب كقولك في المنفي: (ما أتاني القومُ إلاَّ زيدًا)، وفي الموجب: (أتاني القومُ إلا زيدًا)، فهم يسوون من قبل أن الاستثناء من جماعة بين المنفي والموجب، وبين ما يجوز أن يكون المستثنى فيه بدلاً مما قبله، وبين ما لا يجوز إذا كان المستثنى منه جماعة فقال: لو كان هذا هكذا لما جاز في هذه المسائل التي خرجها عليهم الرفعُ، وكأنهم قالوا أيضًا: إذا كان المستثنى منه واحدًا لم يكن في المستثنى إلا الرفع، فأراهم موضعًا المستثنى منه واحد والذي يجوز في المستثنى النصبُ وذلك قولك: (ما أتاني أحدٌ إلا قد قال ذاك إلا زيدًا).
قال سيبويه في موضع آخر: امتنع رفع (زيد) في هذه المسألة لأن تقديرها (كُلُّهم قد قالوا ذاك إلاَّ زيدًا)، فليس العبرة في رفع الاسم المستثنى بعد النفي ونصبه الواحد والجميع، بل هو البدل واعتبار تمام الجملة.
стр. 428
قال: فأرادوا أن يجعلوا المستثنى منه بدلاً منه.
أي: من الظاهر لا من المضمر.
قال: لأنه هو المنفي (و) هذا وصفٌ أو خبرٌ.
أي الضمير المرتفع الذي يبدل منه في وصف أو خبر.
قال: وقد تكلموا بالآخَر
أي بالبدل من الضمير المرفوع في الصفة أو في الخبر.
قال: وقد يجوز (ما أظنُّ أحدًا فيها إلا زيدٌ)، ولا أحدٌ منهم اتَّخَذْتُ عنده يدًا إلا زيدٌٍ)، وإن شئتَ رفعت (زيدًا) على قوله:
... إلا كواكبُها.
стр. 429
قال أبو علي: (زيدٌ) المرفوع بدل من الضمير الذي في (فيها)، (وزيدٌ) المجرور بدل من الضمير في الذي هو (الهاء) في (عنده).
قال: وقد تَكَلَّموا بالآخر لأنَّ معناه النفيُ إذا كان وصفًا لمنفيّ كما قالوا: (قد عرفت زيدًا أبو من هو)، لِما ذكرتُ لك، لأنَّ معناه معنى المُسْتَفهِمِ عنه.
قال أبو علي: التوفيق بين قولك: (قد عرفت زيدًا أبو من هو)، و (ما رأيتُ أحدًا يقول ذاك إلا زيدٌ)، أن (زيدًا) في المسألة الأولى لم يقع بعد حرف الاستفهام فيحجز الحرف بين (عرفت) وبينه فلا يعمل فيه، لكنه لما كان مستفهمًا عنه في المعنى أجرى مجرى ما وقع بعد حرف الاستفهام، وكذلك (زيدٌ) في المسألة الثانية إنما كان حكمه أن يبدله من الاسم المنصوب، لكنه لما كان الضمير المرفوع في (يَقُول) في المعنى
стр. 430
المنفي، وإن لم يكن هو بعينه منفيًا، أبدل منه (زيد) كما أجري المستفهم عنه، وإن وقع قبل حروف الاستفهام مجراه إذا وقع بعده، لأنه في المعنى مستفهم عنه.
قال: قال الخليلُ: ألا ترى أنّك تقول: (ما رأيتُه يقول ذاك إلا زيدٌ) و (ما أظنُّه يقوله إلا زيدٌ)، فهذا يدُلُّك على أنك انْتَحَيْتَ على القولِ.
قال أبو علي: أراد أن يقوي بهذه المسألة الرفع في (ما رأيتُ أحدًا يقول ذاك إلا زيدٌ)، وإن جواز الرفع في باب (رأيتُ وظننتُ) ونحوه ليس كجوازه في باب (ضَرَبْتُ)، وإن كان في كل واحدة (من) المسألتين ضمير قد يمكن أن يبدل منه، (فأرى) في باب (رأيت) (وظننتُ)، موضعًا لا يجوز فيه النصب في المستثنى على البدل من الاسم المنصوب وذلك قولك: (ما رأيتُه يقول ذاك إلا زيدٌ)، فالهاء في (رأيته) ضمير القصة والحديث، وهذه الهاء لا تقع في باب (ضَرَبْتُ)، إنما تضمر على شريطة التفسير فيما يدخل على المبتدأ والخبر (كظَنَنْتُ وكان) ونحوهما، وتفسرها الجمل التي تكون في موضع رفع أو نصب ولا تبدل منها، ولا توصف، فلذلك لم يجز أن يكون (زيدٌ) في قولك: (ما رأيتُهُ يقول ذاك إلا زيدٌ) بدلاً من الهاء، ولو أبدلته منه لأجزت فيه شيئين
стр. 431
لا يجوزان فيه أعني البدل منه، وألا يجعل في موضع خبره جملة تفسرها، لأنك لو أبدلت (زيدًا) من الهاء لبقي الفعل بلا فاعل، أعني بالفعل (يقول)، فإن قلت: يكون فاعله الضمير الذي يضمر فيه ويرجع إلى الهاء، فذلك أيضا غير جائز لأنك لا تبينها بضميرها وبنفسها إنما تبين هذه الهاء، فأما رفع (زيد) في المسألة فهو (بيَقُولُ)، والجملة في موضع نصب لوقوعه في موقع المفعول الثاني (لرَأيْتُهُ)، ومعنى الكلام: (ما يقول ذلك إلا زيدٌ) فالنفي وإن وقع على (رأيته) في اللفظ فهو في المعنى (ليقول)، فلهذا جازت المسألة ولم يجز: (يقول ذاك إلا زيدًا) إذا لم يكن في أول الكلام نفي.
****
هذا بابُ ما حُمِلَ على موضع العامل في الاسم والاسم
قال أبو علي: هذا الموضع يفصح فيه بالموضع، فيقول: موضع (مِنْ رجُلٍ) في قولك: (ما أتاني من رجلٍ) رفعٌ، ولم يجعل الموضع لرجل وحده، لأنه كان يرتفع فيظهر فيه إعرابه، ويستغنى به عن أن يقال له موضع ولم يجعل أيضًا (لمنْ) وحدها موضعًا لأنها ليست مما يعرب ألبتة، فلما لم يجز وقوع أحدهما هذا الموقع، ولم يستغن بأحدهما عن
стр. 432
صاحبه، جعل الموضع لهما معًا، إذ لم يكن ثم رافع، وكذلك كل ما كان مثله.
قال: ومثل ذلك: ما أنت بشيءٍ إلاَّ شيءٌ لا يُعْبَأ به.
قال أبو علي: تقدير (ما أنت بشيء إلا شيءٌ)، (ما أنت إلا شيءٌ) والباء لا تدخل إلا في النفي، فلو أبدلت (شيئًا) الذي هو بعد (إلاّ) من (شيء) الموصول بالباء فقلت: (ما أنت بشيء إلا شيءٍ) لصار تقديره (ما أنت إلا بشيءٍ) وإيجاب هذا يرجع في التقدير إلى (أنت بشيءٍ)، وهذه الباء لا تدخل في الإيجاب، فمن حيث لم يجز أن تقول في الإيجاب (أنت بشيءٍ)، لم يجز أن تبدل (شيء) بعد إلا من (شيءٍ) المجرور، فلما لم يجز أن تبدله من لفظه، أبدلته من موضعه إذ لم يكن في البدل قسم ثالث، ومعناه (أنت شيءٌ لا يُعْبَأ به) على ما تقدم.
قال: ألا ترى أنك تقول: (ما أتاني من أحدٍ لا عبدُ الله ولا زيدٌ) من قبل أنّه خُلْفٌ أن تُحْمَلَ المعرفةُ على مِنْ.
قال أبو علي: يقول: لأن (مِنْ) هنا لا يقع بعدها إلا اسم شائع كما
стр. 433
أن (لا) هذه لا يقع بعدها إلا اسم شائع، (وعبدُ الله) وما أشبهه اسم مخصوص، فلم يجز حمله على (مِنْ)، لأن المخصوص لا يدل على أكثر من نفسه، فلذلك حملته على موضع (مِنْ) مع (رجُلٍ) (ولا) مع (رجل) كما حملت (شيئًا) في قولك: (ما أنت بشيءٍ إلا شيءٌ لا يُعْبَأ به) على الموضع.
قال: وتقول: (لا أحدَ رأيتُه إلا زيدٌ)، إذا بَنَيْتَ (رأيتُه) على الأوّل كأنّك قلت: (لا أحدَ مَرْئيٌّ)، وإن جعلْتَ (رأيتُه) صفةً، فكذلك كأنك قلت: (لا أحد مرئيٌّ)، وإن جعلت (رأيته) صفة، فكذلك كأنك قلت: (لا أحد مرئيًّا).
قال أبو علي: قوله (فكذلك)، أي فكذلك أيضًا تقول: (إلا زيدٌ)، وزيدٌ مرتفع على البدل من موضع (لا أحدَ)، فإذا جعلت (رأيته) صفة أضمرت خبرًا نحو (في الدار) وغيره.
قال: وتقول: (ما فيها إلا زيدٌ)، (وما علمتُ أنَّ فيها إلا زيدًا)، فإنْ قَلَبْتَهُ فجعلْتَه يَلِي (أنَّ وما) في لغة أهل الحجاز قَبُحَ.
يريد (بما) التي في قولك: (ما فيها إلا زيدٌ).
стр. 434
قال: كأشياء تجوز في الكلام إذا طال.
قال أبو بكر: يعني أن الكلام لما طال بقولك: (ما علمت أن فيها إلا زيدًا) فطال بدخول (إلا) فيها، ولو قلبت فجعلت (إلا) تلي (أنَّ) لم يجز.
قال: فمَنْ أجاز هذا قال: (إنَّ أحدًا لا يقول هذا إلا زيدًا)، كما أنّه يقول على الجواز: (رأيتُ أحدًا لا يقول ذاك إلا زيدًا)، يصيرُ هذا بمنزلة ما أعلم.
قال أبو علي: قوله: (هذا) إشارة إلى المسألة الأولى بمنزلة (ما أعلم أن أحدًا يقول ذاك)، كما صار هذا.
قال أبو علي: قوله: (هذا)، إشارة إلى المسألة الثانية، لأن قولك: (رأيت أحدًا لا يقول هذا)، بمنزلة (ما رأيت أحدًا يقول هذا).
قال: بمنزلة ما رأيتُ، حيث دخله معنى النَّفي، وإن شئت قلت: (إلا زيدًا)، يريد في المسألة الأولى، وهي قوله: (إنَّ أحدًا لا يقول ذاك إلا زيدًا)، ولا يجوز الرفع في المسألة الثانية إذا كانت (رأيتُ) من رؤية العين.
стр. 435
قال: فَحَمَلْتَه على (يقول) كما جاز:
... يحكي علينا إلا كواكبها
وليس هذا في القوّة.
أي ليس (إنَّ أحدًا، ورأيتُ أحدًا) كقولك: (لا أحد، وأقلُّ رجلٍ رأيتُه) لأنك في قولك: (إنَّ أحدًا، ورأيت أحدًا)، تذكر أحدًا موجبًا، وإن رجعت بمعناه إلى النفي بعد (ولا أحدَ)، (وأقلُّ رجلٍ) يبتدئ بالنفي وما معناه النفي ابتداء.
قال: لأنَّ هذا الموضعَ إنّما ابْتُدِئَ أي الاسم "مع معنى النّفي، وهذا موضع إيجاب" أي قولك: (إنّ أحدًا) إيجاب، "وإنّما جيء بالنّفي بعد ذلك في الخبر، فجاز الاستثناء" أي المستثنى "أن يكون بدَلاً من الابتداء" أقلُّ رجلٍ ولا أحدَ".
стр. 436
قال: ولا يجوز أن يكون الاستثناء أوّلاً.
أي لو لم يكن في (أقلّ رجلٍ ولا أحدَ) معنى النفي لم يجز أن يبدل (زيدًا) منه كما لا يجوز: (كلُّ رجلٍ رأيته إلا زيدٌ) لما لم يكن في (كلّ) معنى نفي كما كان في (أقلّ ولا أحدَ).
قال: حيث صارت (أحدٌ) كأنها منفية.
قال أبو علي: يريد (أحَد) في قولك: (إنَّ أحدًا لا يقول ذاك).
...
هذا باب النصب فيما يكون مستثنىً مُبْدَلاً .
قال أبو علي: يريد: يكون مستثنىً مبدلاً في غير هذا الباب، وهو الباب الذي قبله، فأما في هذا الباب فإنه يبين وجه النصب في الاستثناء لا البدل مما قبله.
стр. 437
قال: وعلى هذا: ما رأيت أحدًا إلا زيدًا، فتنصب (زيدًا) على غير (رأيتُ).
قال أبو علي: أي لا على البَدَل من المنتصب برأيت.
قال: فكأنّه قال: (ليس فيها إلا حمارٌ)، وإن شئتَ جعلتَه إنسانَها.
قال أبو علي: يريد جعله إنسان ذلك الموضع، كما تقول: (عِتابُكَ السَّيْفُ) فتجعل العتاب السيفَ اتساعًا وليس به على الحقيقة.
стр. 438
قال: فجَعَلَهم أنيسَهُ.
أي أصداءُ القُبُور أنيسُهُ وليسوا بالأنيس.
قال: وإن شئت كان على الوجه الذي فَسَّرْتَه في الحمار أوّل مرّةٍ.
أي تجعل (أحدًا) تأكيدًا كأنك قلت: (ما فيها إلا حمارٌ).
стр. 439
هذا باب ما لا يكون إلا على معنى لَكِنْ
فَمِنْ ذلك قوله "لا عاصم اليوم من أمر الله"
قال أبو بكر: الباب الذي قبل هذا الباب جاز فيه الوجهان:
أن يكون منقطعًا، وأن يكون من جنس الأول.
وهذا الباب لا يجوز فيه إلا أن يكون منقطعًا
قال أبو العباس: الفرق بين قوله "لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم" وقولك (ما فيها أحدٌ إلا حمارٌ)، أن الحمار يصلح أن يكون الأحد الذي في ذلك الموضع، وإذا قلتَ: (لا عاصمَ)، فعاصم فاعل، وقوله "إلا من رحم" مفعول، ولا يكون المفعول مردودًا على فاعل، أي بدلاً منه، وقوله "بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله"، لا يكون إلا منقطعًا، لأنه يرجع على قولك (بغير حق)، وكذلك قولك: (ما زاد إلا ما نَقَصَ)، (وما نَفَعَ إلاّ ما ضَرَّ) لا يرجع على الأول، لأنك لو قلت: ما زاد إلا النقصان كان محالاً، وقوله "إلا قليلاً مِمَّنْ أنجيْنا
стр. 440
منهم" لولا الخطّ لجاز فيه ما جاز في قوله "إلا قومَ يونس" على قول أبي عمرو.
قال: ولولا (ما) لم يَجُز الفعل بعد (إلا).
يريد: (ما) في قولك: (إلا ما ضرَّ).
كما أنه لا يجوز بعد (ما أحْسَنَ) بغير (ما).
أي لا يجوز أن يقال: ما أحْسَنَ كَلَّمَ زيدًا حتى يقال: ما كَلَّمَ زيدًا.
قال أبو علي: فالِجٌ قبيلة، وناشِرَةٌ قبيلة أخرى، وليس يجوز أن
стр. 441
يستثنى بعضها من بعض، وأنشد:
لم يمنع الشَّرْبَ منها غيرُ أن نَطَقَتْ .....
стр. 442
وزعموا أنَّ ناسًا من العرب ينصِبون هذا الذي في موضع الرَّفع.
أي: (غير) في البيت، فقال الخليل: هو كَنَصْبِ بعضِهم يومئذٍ:
قال أبو علي: من نصب (غيرًا) في هذا البيت، لم يكن موضع (أنْ) عنده في ما معنى (أن يَغْضَبَ عليّ) إلا الرفع، (وغيرُ) أيضًا إذا نُصِبَ فموضعه رفع، إلا أنه فتح لما أضيف إلى مبني، أعني (إذْ) في قولك: (يومئذٍ)، وإنما بُنِيَا لما أضيفا إلى مبني، لأن المضاف قد يكتسي من المضاف إليه بعض ما يكون منه، كما يكتسي منه التعريف والتنكير.
ومن قال: "على حينَ عاتبْتُ" لم يقل: على حينَ أُعاتِبُ.
стр. 443
قال أبو العباس: لا تكون (إلا) وما بعدها وصفًا إلا حيث يجوز أن تكون فيه استثناء، وإذا كان (إلا) وصفًا في هذا الموضع جاز أن يكون أيضًا استثناء.
قال أبو علي: الاستثناء في هذا الموضع يمتنع من جهة المعنى، وذلك أنه إذا قدر (الله) مستثنى من الآلهة لزمه أن يكون مبدلاً منها كما أنك إذا قلت: (ما جاءَني أحدٌ إلا زيدٌ)، فزيدٌ بدل من (أحد) ويصلح أن تطرح المبدل منه ويستعمل البدل، فتقول: (ما جاءني إلا زيدٌ)، ولا يجوز أن تقول على هذا: "لو كان فيهما إلا اللهُ لفَسَدَتا" لامتناعه في المعنى، ولولا المعنى لم يمتنع ذلك في العربية، وعرضت هذا الجواب على أبي بكر فقال: هذا الذي فرّ منه سيبويه.
стр. 444
قال: ومثل ذلك "لا يستوي القاعدون من المؤمنين غيرُ أولي الضرر" وقوله تعالى "صراطَ الذين أنعمت عليهم غيرِ المغضوب عليهم".
قال أبو بكر: (غير) إنما صارت هذه للنكرة وإن أضيفت إلى المعرفة لقيام الإشاعة فيها، كأنك إذا قلت: (مَرَرْتُ برجلٍ غيرِك) جاز أن يكون التغاير بينهما في أشياء كثيرة تكاد لا تحصى فإذا وقعت موضعًا ارتفعت عنها فيه الإشاعة فاختص جاز أن يوصف بها المعارف، فقولك: "غيرِ المغضوب عليهم" صفة "للذين أنعمت عليهم"، وجاز ذلك وإن كان (الذين) معرفة، لأنه ليس هنا صنفان: الذين أنعَم عليهم بالإسلام والذين لم يُنْعِم به، وهم المغضوب عليهم، فلمّا تخصَّص (غير) هنا، وخرج من الإشاعة جاز أن يكون صفة (للذين أنعمت عليهم).
قال: وعلى هذا تصف المعارف (بغير)، إذا كان مثل هذا
стр. 445
الاختصاص كقولك: (افعل) الحركة غير السكون، والزم الاجتماع غير الافتراق.
أنشد:
إنما يجزي الفتى غيرُ الجَمَلْ
(غير الجمل) صفة للفتى.
الدليل على ذلك أنك لو وضعت "مِثْلَ" هنا، فقلت: (إنّما يجزي الفتى مثلُ الجمل) كان (مثل) صفة للفتى.
قال: ولا يَجُوز أن تقول: (ما أتاني إلا زيدٌ). وأنت تريد أن تجعل الكلامَ بمنزلة (مثل)، إنما يجوز ذلك صفة، ونظير ذلك من كلام العرب (أجمعون).
стр. 446
قال أبو علي: (إلا) لا يكون وصفًا إلا في الموضع الذي يكون فيه استثناء، فلا يجوز أن تجعل قولك: (إلا زيدٌ) من قولك: (ما أتاني إلا زيدٌ) صفة، لأن هذا الموضع لا يجوز فيه استثناء، وإنما يجري صفة بمنزلة (مثل) إذا جاز أن يقع استثناء.
وقوله: إنّما يجوز ذلك صفةً.
أي إنما يجوز أن تجعل (إلا) وصفًا إذا جرى على موصوف (كأجمعين).
قال: ولا يجوز (إلا أن يكونَ).
стр. 447
يعني قوله: (إلا الفَرْقَدان) لأنك لا تضمر الاسم الذي هذا من تمامه، أي لا يجوز أن يكون ارتفاع (الفَرْقَدان) على (يكونُ) التي في قولك: (إلا أن يكونَ)، لأن الموصول لا يحذف ويترك شيء من صلته، كما لا يحذف بعض الاسم ويترك بعضه.
****
هذا بابُ ما يُقَدَّم فيه المستثنى
وذلك قولك: ما فيها إلا أباك أحدٌ.
قال أبو علي: لو رفعت المستثنى إذا قدمته لأبدلت المستثنى منه من المستثنى، وهذا عكس ما عليه هذا الحد، لأنك إنما تبدل المستثنى من المستثنى منه، لا المستثنى منه من المستثنى.
قال: لأنَّ الاستثناء إنما حَدُّه أنْ تَدارَكَهُ بعدَ ما تنفي، فَتُبَدِّلَهُ.
أي تبدل المستثنى من الذي نفي عنه الفعل وهو (أحدٌ) من قولك: (ما أتاني أحدٌ).
стр. 448
قال: فلَمّا لم يكن وجهُ الكلام هذا – أي لا يكون مبدلاً منه – حملوه على وجهٍ قد يجوز إذا أخَّرْتَ المستثنى.
قال أبو علي: قوله: حَمَلُوه على وجهٍ قد يجوز إذا أخَّرْتَ المُستثنى أي حملوا الاسم المستثنى المقدَّم وهو (زيدٌ) في قولك: (ما جاءني إلا زيدًا أحدٌ)، والوجه الجائز إذا أخرت المستثنى وهو (زيدٌ) النَّصْبُ، لأنه إذا أخر المستثنى فقيل: (ما جاءني أحدٌ إلا زيدٌ) جاز في زيد النصب على الاستثناء، فلما قدّم المستثنى صار الوجه الذي كان جائزًا ولم يكن بالوجه لا يجوز غيره، كما أن الحال من النكرة لم تكن مستحسنة، فلما قدم الصفة التي تكون حالاً على الاسم صار ما كان غير مستحسن من حال النكرة الوجه، كراهة أن يجعل ما لا يوصف به وصفًا وهو (رجل) وما أشبهه في قولك (فيها قائمًا رجلٌ).
قال: فإن قلت: ما أتاني أحدٌ إلا أبوك خيرٌ من زيدٍ، وما مررتُ بأحدٍ إلا عمرٌو خيرٌ من زيدٍ، كان الرَّفعُ والجَرُّ جائزًا.
أي الرفع في قولك: (إلا أبوك)، والجر في قولك: (إلا عمروٌ).
قال أبو عثمان: النصب عندي الوجه، ويكون (خيرٌ من زيدٍ) صفة
стр. 449
(لأحدٍ)، لأن المبدل منه لَغْوٌ، فلا يوصفُ، وقد أبدلت منه عمرًا، فلما نصبت عمرًا زال عنه الإبدال.
قول أبي عثمان: النصب عندي الوجه، يقول: إذا رفعت (أبوك) فأبدلته من أحد صار (أحد) المبدل منه لغوًا، فلا يحسن من بعد أن تصفه وهو ملغى، فإذا نصبت (إلا) كما تنصبه إذا كان مقدمًا لم يصر (أحدٌ) لغوًا، وإذا لم يصر لغوًا حسن أن تصفه.
قال: وحَسُنَ البَدَلُ، لأنّك قد شَغَلْتَ الرّافِعَ والجارّ، ثُمَّ أبدلْتَ من المرفوع والمجرور، ثم وصفت بعد ذلك.
قال أبو علي: قوله: حَسُنَ البدلُ أي إبدال (أبوك، وعمروٌ) لأنك قد شغلت الرافع والجار، أي لم تقدم المستثنى قبل أن تشغل العامل، كقولك: (ما جاءني إلا أباك أحدٌ)، ولكنك شغلت العاملين، ثم جئت بما يكون بدلاً من الذي شغل به العامل وهو قولك (أبوك، وعمروٌ) فأبدلتهما من المرفوع والمجرور.
وقوله: ثُمَّ وَصَفْتَ بعد ذلك –أي وصفت المبدل منه-.
قال: وكذلك: (مَنْ لي إلا أبوك صديقًا) لأنَّك أخْلَيْتَ مِنَ
стр. 450
الأب، ولم تُفْرِدْه لأنْ يعملَ كما يعملُ المبتدأ.
قال: وقد قال بعضهم: ما مررتُ بأحدٍ إلا زيدًا خيرٍ منك، وكذلك مَنْ لي إلا زيدًا صديقٌ.
وفي نسخة أخرى: مَنْ لي إلا زيدًا صديقًا، كرِهوا أن يُقَدِّمُوه وفي أنفسهم شيءٌ من صفته إلا نصبًا، كما كرِهوا أن يُقَدَّمَ قبل الاسم إلا نصبًا.
قال أبو علي: يقول: كرهوا أن يقدم الاسم المستثنى وفي أنفسهم شيء من صفة المبدل منه إلا نصبًا، كما كرهوا أن يقدم المستثنى قبل الاسم المستثنى منه إلا نصبًا، لأن الصفة قد تكون مع الموصوف كالاسم الواحد في بعض المواضع، وذلك إذا لم يُعرف الموصوف إلا بالصفة، كقولك: زيدٌ الطويل، إذا لم يتميز (زيد) من الزيدين إلا بالحِلْيَةِ.
стр. 451
قال: وحدَّثنا يونس أنَّ بعض الموثوق بهم يقولون: (مالي) إلا أبوك أحدٌ، فيجعلون (أحدًا) بدلاً، أي من الأب.
أبو العباس لا يجيز: (مالي إلا أبوك أحدٌ). لأن الباب الذي عليه هذا أن يكون (أحدٌ) مبدلاً منه لا بدلاً.
****
هذا بابُ تثنية المستثنى
وذلك قولك: ما أتاني إلا زيدٌ إلا عمرًا.
قال أبو علي: لا يجوز أن ترفع المستثنى الأول، وهو يعطف الثاني على الأول بغير حرف عطف، لأنه لا يرتفع فاعلان إلا على إشراك حرف العطف بينهما، فإذا أدخل حرف العطف جاز أن ترفعهما جميعًا.
стр. 452
وأنشد:
... إلا رَسيمُهُ وإلا رَمَلُه
قال أبو علي: الرسيم والرَّمَل توكيدان للعمل لأنهما ضربان منه.
****
هذا باب غَيْرٍ
قال: فأمّا خُروجُه مِمّا يَدْخُلُ فيه غيره (فأتاني القومُ غيرَ زيدٍ)، فزيدٌ غيرُ الذين جاءوا، ولكنْ فيه معنى (إلاّ)، فصار بمنزلة الاسم الذي
стр. 453
بعْدَ إلاَّ.
قال أبو علي: قوله: (فصار بمنزلة الاسم الذي بعد إلا)، أي في الإعراب لا في المعنى، فأما في المعنى فالاسم المضاف إليه (غير) بمنزلة الاسم بعد (إلا) في قولك: (جاءني القومُ إلا زيدًا)، ألا ترى أن (زيدًا) بعد (إلا) خارج مما أدخل فيه غيره؟ كما أن الاسم المضاف إليه (غَيْر) خارج مما دخل فيه غيره؟، وغيره هو الغير الداخل فيما خرج منه (زيدٌ).
قال: وأمّا خُرُوجُه مِمّا دخل فيه غيره، (فما أتاني غيرُ زيدٍ)
قال أبو علي: يقول: خرج (غيرُ) مما دخل فيه غيره وهو (زيدٌ)، ويبين ذلك أن تقول: (ما أتاني أحدٌ غيرُ زيدٍ)، (فأحَدٌ) لم يأتك فهو
стр. 454
خارج مما دخل فيه سواه، (وغير) بدل من (أحد)، (فغير) أيضًا لم يأتك كما أن الذي هو بدل منه لم يأتك، فقد وضح خروجه مما دخل فيه غيره والذي دخل فيما خرج منه غيره هو (زيد) المضاف غير المرفوع ألا ترى أن (زيدًا) المضاف قد أتاك، وغيره لم يأتك، فقد دخل إذًا (زيدٌ) فيما خرج منه غيره، وهو الغير الخارج مما دخل فيه (زيد).
قال: وقد يكون بمنزلة (مثل) ليس فيه معنى إلا.
قال أبو علي: تقول على هذا: (له عَلَيَّ درهمٌ غيرُ قيراطٍ ومَائَةٌ غيرُ درهمين)، فيكون المقرُّ به درهمًا ومائة، لأن (غير) هنا صفة كأنه قال: درهمٌ ليس بقيراط، ومائة ليست بدرهمين.
قال: ولو جاز أن تقول: أتاني القوم زيدًا تريد الاستثناء ولا تذكر (إلاَّ) لما كان إلا نَصْبًا.
قال أبو علي: قد أوضح بقوله: لَما كان إلا نصبًا أن المستثنى عنده ينتصب عند تمام الجملة التي قبله، كما أن الاسم في (ما صنعْتَ وزيدًا) ينتصب عن تمام الجملة التي قبله، إلا أن الاسم انتصب في كل واحد (من) الموضعين بتوسط حرف لمعنى.
стр. 455
قال: ولا يجوز أن يكون (غيرَ) بمنزلة الاسم الذي يبتدأ بعد (إلا)، وذلك أنهم لم يجعلوا فيه معنى إلا مبتدأ، وإنّما أدخلوا فيه معنى الاستثناء في كل موضع يكون فيه بمنزلة (مثل) ويُجْزئ من الاستثناء.
قال أبو علي: الاسم الذي يبتدأ بعد إلا، نحو: (ما رأيت أحدًا إلا زيدٌ خيرٌ منه)، لا يجوز أن يبتدأ (غير)، فيجعل بمنزلة الاسم الذي يبتدأ بعد (إلا)، فيقال: (ما رأيت أحدًا غيرُ زيدٍ خيرٌ منه).
وقوله: وإنّما أدخلوا فيه معنى الاستثناء.
قال أبو بكر: ليس يكون (غير) استثناء إلا في الموضع الذي يكون فيه صفة، ولا يكون صفة إلا في الموضع الذي يكون فيه الاستثناء.
قال: ألا ترى أنه لو قال: (أتاني غيرُ عَمْروٍ)، كان قد أخبر أنه لم يأته؟.
قال أبو علي: (غيرُ) في هذا الموضع لا يجوز أن يكون استثناء، لأنه ليس بوصف، لكنه إخبار بأن (عَمْرًا) لم يأته، وإنما الذي أتاه غير عمرو وليس عمرًا، وربما علم من قول القائل: أتاني غيرُ عمرو، أن عمرًا أيضًا قد أتى، وإن كان اللفظ لا يدل عليه ظاهرًا، فلما لم يكن (غيرُ) وصفًا لم يكن استثناء.
وقوله: وإن كان يستقيمُ أن يكون قد أتاه فقد يستغني به في مواضع من الاستثناء.
стр. 456
قوله: قد يستغني به في مواضع من الاستثناء، أي قد يستغني (بغير) الاستثناء في مواضع، وإن لم يكن (غير) في تلك المواضع صفة، كما يستغني بـ (ما أتاني غيرُ زيدٍ)، عن (ما أتاني إلا زيدٌ).
وقوله: ولو قال قائل: ما أتاني غيرُ زيدٍ، يريد بها منزلة (مثل) لكان مُجْزِيًا من الاستثناء.
أي: قد يجزي (غير) في هذا الموضع من الاستثناء وإن لم يكن استثناء لأنه ليس بوصف، وإنما يكون استثناء في الموضع الذي يكون فيه وصفًا، كما يجزي الشيء من الشيء، وإن لم يكن إيّاه في حقيقة المعنى.
قال: فَلَمّا كان في موضع (إلا زيدٌ) وقد كان معناه كمعناه، حملوه على الموضع.
أي على موضع الاسم الذي كان يقع بعد (إلا)، فأما (إلا) فحرف لا موضع له.
стр. 457
هذا باب ما يحذف المستثنى منه استخفافًا
وذلك قولك: ليس غيرُ.
قال أبو إسحاق: (غير) عندي ليس بمبني على الغاية، لحذف المضاف إليه منه كما بني (قَبْلُ وبَعْدُ)، لأن المبني على الضم لحذف المضاف إليه إنما هو الظرف خاصة.
قال: ولو تعديت بهذه العلة الظروف إلى الأسماء غير الظروف لوجب أن يكون (كُلّ) أيضًا مبنيًا لحذف المضاف إليه منه في قولهم: (مررتُ بكلٍّ قائمًا) فالضم على الغاية مقصور على الظروف دون غيرها من الأسماء، لكن (غير)، إن جاء مضمومًا فللإشمام.
قال: وتقول: أتاني القومُ ما عدا زيدًا.
قال أبو بكر: (ما) هنا مع ما بعدها بمنزلة المصدر، وهي في موضع نصب بما قبلها أي بتمام الجملة المستثنى منها.
قال: ألا ترى أنّك لو قلت (أتوني) ما حاشا زيدًا لم يكن كلامًا.
стр. 458
قال أبو علي: يقول فلا يكون (حاشا) إلا حرفًا إذ لو كان فعلاً لجاز أن يكون صلة لما، فكانت تكون معه بمنزلة المصدر مثل أنْ والفعل، فلما لم يكن ذلك فيه علم أنه حرف.
قال: وأمّا (أتاني القومُ سواك)، فزَعَم الخليلُ أنّ هذا كقولك: (أتاني القومُ مكانك).
قال أبو علي: (سواك) ظرف فيه معنى الاستثناء، فالدليل على أنه ظرف بمنزلة (مكانك) أنك تصل به (الذي) كما تصل بالظروف، فتقول (جاءني الذي سواك، ومَنْ سواك)، كما تقول: (الذي عندك)، ووقوعها استثناء قولك: (أتاني القومُ سواك)، فهذا موضع استثناء، كقولك (أتاني القومُ إلا زيدًا، وإلا أباك).
стр. 459
هذا بابُ علامة المضمرين المرفوعين
قال: وكذلك هي لا تقع موقع الإضمار الذي في (فَعَلتْ)، لأنَّ ذلك الإضمار بمنزلة الإضمار الذي له علامة.
قال أبو علي: يقول: الإضمار الذي في (فَعَلَتْ) بمنزلة الإضمار الذي له علامة متصلة، فلا يقع موقعه الضمير المنفصل، لما يقع بعد سائر ماله علامة متصلة إذا أمكن وقوع المتصلة.
قال: فالمُؤنث يجري مجرى المذكر.
قال أبو علي: يعني في امتناع وقوع المنفصل موقع المتّصل فيه.
قال: لأنهم استغنوا بهذا، أي بالمتصل، فأسْقَطوا ذاك أي المنفصل.
стр. 460
أنشد:
.... ها وذا لِيَا
قال أبو علي: إنما جاز الفصل بين هذا بالواو وبغيره مما فصل به بينهما لأنه ليس بصلة وموصول، فيمتنع الفصل بينهما، إنما هو للتنبيه فأين وقع جاز.
قال: وزعم أن مثل هذا، (أي ها اللهِ ذا) إنّما هو هذا.
قال أبو علي: تقدير (أي ها الله ذا)، إنما هو (نَعم والله هذا)، ففصل بين (ها) التي هي للتنبيه وبين (ذا) باسم الله ، وصار (ها) عوضًا من الواو الجارة في القسم فلم يجتمع معها كما لا يجتمع العوض والمعوض منه في الكلام.
قال: وتقول: إنَّ إيّاك رأيتُ.
следующие страницы →