Полный текст (1 534 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
قوله: قد يستغني به في مواضع من الاستثناء، أي قد يستغني (بغير) الاستثناء في مواضع، وإن لم يكن (غير) في تلك المواضع صفة، كما يستغني بـ (ما أتاني غيرُ زيدٍ)، عن (ما أتاني إلا زيدٌ).
وقوله: ولو قال قائل: ما أتاني غيرُ زيدٍ، يريد بها منزلة (مثل) لكان مُجْزِيًا من الاستثناء.
أي: قد يجزي (غير) في هذا الموضع من الاستثناء وإن لم يكن استثناء لأنه ليس بوصف، وإنما يكون استثناء في الموضع الذي يكون فيه وصفًا، كما يجزي الشيء من الشيء، وإن لم يكن إيّاه في حقيقة المعنى.
قال: فَلَمّا كان في موضع (إلا زيدٌ) وقد كان معناه كمعناه، حملوه على الموضع.
أي على موضع الاسم الذي كان يقع بعد (إلا)، فأما (إلا) فحرف لا موضع له.
стр. 457
هذا باب ما يحذف المستثنى منه استخفافًا
وذلك قولك: ليس غيرُ.
قال أبو إسحاق: (غير) عندي ليس بمبني على الغاية، لحذف المضاف إليه منه كما بني (قَبْلُ وبَعْدُ)، لأن المبني على الضم لحذف المضاف إليه إنما هو الظرف خاصة.
قال: ولو تعديت بهذه العلة الظروف إلى الأسماء غير الظروف لوجب أن يكون (كُلّ) أيضًا مبنيًا لحذف المضاف إليه منه في قولهم: (مررتُ بكلٍّ قائمًا) فالضم على الغاية مقصور على الظروف دون غيرها من الأسماء، لكن (غير)، إن جاء مضمومًا فللإشمام.
قال: وتقول: أتاني القومُ ما عدا زيدًا.
قال أبو بكر: (ما) هنا مع ما بعدها بمنزلة المصدر، وهي في موضع نصب بما قبلها أي بتمام الجملة المستثنى منها.
قال: ألا ترى أنّك لو قلت (أتوني) ما حاشا زيدًا لم يكن كلامًا.
стр. 458
قال أبو علي: يقول فلا يكون (حاشا) إلا حرفًا إذ لو كان فعلاً لجاز أن يكون صلة لما، فكانت تكون معه بمنزلة المصدر مثل أنْ والفعل، فلما لم يكن ذلك فيه علم أنه حرف.
قال: وأمّا (أتاني القومُ سواك)، فزَعَم الخليلُ أنّ هذا كقولك: (أتاني القومُ مكانك).
قال أبو علي: (سواك) ظرف فيه معنى الاستثناء، فالدليل على أنه ظرف بمنزلة (مكانك) أنك تصل به (الذي) كما تصل بالظروف، فتقول (جاءني الذي سواك، ومَنْ سواك)، كما تقول: (الذي عندك)، ووقوعها استثناء قولك: (أتاني القومُ سواك)، فهذا موضع استثناء، كقولك (أتاني القومُ إلا زيدًا، وإلا أباك).
стр. 459
هذا بابُ علامة المضمرين المرفوعين
قال: وكذلك هي لا تقع موقع الإضمار الذي في (فَعَلتْ)، لأنَّ ذلك الإضمار بمنزلة الإضمار الذي له علامة.
قال أبو علي: يقول: الإضمار الذي في (فَعَلَتْ) بمنزلة الإضمار الذي له علامة متصلة، فلا يقع موقعه الضمير المنفصل، لما يقع بعد سائر ماله علامة متصلة إذا أمكن وقوع المتصلة.
قال: فالمُؤنث يجري مجرى المذكر.
قال أبو علي: يعني في امتناع وقوع المنفصل موقع المتّصل فيه.
قال: لأنهم استغنوا بهذا، أي بالمتصل، فأسْقَطوا ذاك أي المنفصل.
стр. 460
أنشد:
.... ها وذا لِيَا
قال أبو علي: إنما جاز الفصل بين هذا بالواو وبغيره مما فصل به بينهما لأنه ليس بصلة وموصول، فيمتنع الفصل بينهما، إنما هو للتنبيه فأين وقع جاز.
قال: وزعم أن مثل هذا، (أي ها اللهِ ذا) إنّما هو هذا.
قال أبو علي: تقدير (أي ها الله ذا)، إنما هو (نَعم والله هذا)، ففصل بين (ها) التي هي للتنبيه وبين (ذا) باسم الله ، وصار (ها) عوضًا من الواو الجارة في القسم فلم يجتمع معها كما لا يجتمع العوض والمعوض منه في الكلام.
قال: وتقول: إنَّ إيّاك رأيتُ.
стр. 461
قال أبو علي: تقدير (إنَّ إيّاك رَأيْتُ)، (إنه إيّاك رأيت) إنه إياك أي أن الحديث والقصة أياك رأيت، وكذلك (إنّ أفضلهم): إنّه أفضلُهم، فحذفت هذه الهاء، وحذف هذه الهاء قبيح في الكلام جائز في الشعر كقوله:
إنّ مَنْ لامَ في بني بنْت حَسَّا ..... نَ ألُمْهُ وأعْصِهِ في الخُطوبِ
ولو كان (إياك) منتصب بأن دون (رأيت) لوجب الضمير المنصوب بأنّ، ولا يكون إيّاك.
стр. 462
قال: وتقول: عجِبْتُ من ضربي إيّاك، فإن قلت: لِمَ وقد وَقَعَ الكافُ ها هنا من ضربيك، والهاء وأخواتُه، تقول: عجبت من ضربيك وضَرْبيه وضَرْبِيهم، فالعرب قد تكلم بهذا وليس بالكثير.
قال أبو علي: يقول: قد تكلم العرب بضَرْبِيكَ وما أشبهه، إلا أنه لما كان قليلاً لم يكن كالموضع الذي يقع المتصل، فيمتنع لقلة وقوعه، فيمتنع المنفصل من الوقوع فيه.
قال: ولَمْ تَسْتَحْكِمْ علاماتُ الإضمارِ التي لا يقع (إيّا) مواقعَها، كما استحكمت في الفعل، لا يقال: عجبت من ضَرْبِكَنِي، إن بدأت به قبل المتكلم.
قال أبو علي: قال أبو العباس: مِن ضَرْبِكِي، وفي الكتاب: مِن ضربِكَنِي.
قال أبو علي: فأبو العباس ذهب إلى أن ما قبل ياء الإضافة قد يكون مكسورًا ومذهب من قال: (مِن ضربكني) على ما في النسخة أن
стр. 463
فتحة الكاف تدل على التذكير، فإذا كسرت زالت الدلالة عليها، فاجتلبت لها هذه النون لتسلم فتحتها كما اجتلبت في (ضَرَبَني) وفي (عَنّي) لتسلم الفتحة والسكون، وكلٌ مذهب.
قال: ولا مِنْ ظَرْ بِهِيك إن بدأت بالبعيد قبل القريب.
أي لا يجوز تقديم علامة المخاطب على المتكلم ولا الغائب على المخاطب.
قال: صارتْ إيّا عندهم في هذا الموضع لذلك بمنزلتها في الموضع الذي لا يقع فيه شيءٌ من هذه الحروف.
قوله: لذلك: أي لأنّه لَمّا لم يستحكم صار فيه بمنزلة الموضع الذي لا يقع فيه المتصل.
стр. 464
قال: وتقول: أتَوْني ليسَ إيّاك.
قال أبو العباس: لم يتصل الضمير هاهنا لأنّها في موضع (إلا)، فأشبهت الحروف ولم تجز لذلك.
قال: وامتناعُ التّاء يُقَوّي دخول (أنتَ) ها هنا.
أي لا يجوز أن تقول: عَجِبْتُ مِنْ ضَرْبَكَتَ، فتجعل التاء مكان (أنت).
قال: وتقول: قد جَرَّبْتُكَ فوجدتُكَ أنت أنت، فأنتَ الأولى مُبتدأة، والثانية مبنية عليها.
стр. 465
قال أبو علي: والجملة في موضع نصب.
قال: وتقول: أنت أنت تكررها كما تقول للرجل: أنتَ وتسكت على حدّ قوله: قال الناسُ زيدٌ.
قال أبو علي: يقول لا يكون (أنتَ) الثاني خبرًا، ولكنه يكون تأكيدًا والخبر مضمر، كما أنك إذا قلت: قال الناسُ زيدٌ، تضمر لزيد خبرًا.
قال: وعلى هذا الحَدّ تقول: قد جَرّبْتُ فَكُنْتَ، إذا كرَّرْتَها توكيدًا، وإن شئت قلت: قد جرّبتُكَ فكنت أنتَ، جعلْتَ أنتَ صفةً لأنّك قد تقول: قد جَرّبتُك فكُنْتَ، ثُمّ تسكُتُ.
قال أبو علي: إذا جعلت (أنت) الثاني تكريرًا لأنت الأول، ولم تجعله خبر مبتدأ، ثم أدخلت كان عليه لزمك أن تقول: (كُنْتَ) تكرير (كُنْتَ) ولا تذكر لاسم كان خبرًا، كما لم تذكر للمبتدأ الذي هو
стр. 466
(أنتَ) خبرًا، لكن تضمر الخبر إذا أدخلت (كان) كما كنت تضمر قبل إدخالك إيّاها، وإن جعلت (أنْتَ) الثاني صفة ولم تجعله تكريرًا للأول، فأدخلت (كان) عليه لزمك أن تقول: (قد جَرَّبْتَ فكُنْتَ)، ولا تدخل على (أنت) الثانية (كان) لأنه صفة، كما لا تدخل في الطويل في قولك (زيدٌ الطويلُ منطلقٌ) فلا تقولُ، (كان زيدٌ كان الطويلُ) وإن شئت ذكرت (أنتَ) إذا كانت صفة بعد إدخالك (كان) فتقول: (كنت أنت)، وتضمر الخبر كما كنت تضمر في الابتداء والخبر في قولك: (قد جُرِّبْتَ فكنْتَ) مضمرٌ ذكرت (أنتَ) الذي هو صفة، أو لم تذكره.
ولا يجوز أن يكون (كنتَ) صفة للياء المضمرة في (كنت) الأولى لأنه جملة من فعل وفاعل نكرة، فليس يجوز وصف المعرفة بالنكرة.
стр. 467
هذا باب الإضمار في ما جرى مجرى الفعل، وذلك إنَّ:
قال: كما قَوِيَتْ في الفعل فهي مضارعة في ذلك للأسماء.
أي للمصادر في مثل قولك: عجبت من ضربي إيّاك.
قال: وأمّا (ما أتاني إلا أنت)، (وما رأيت إلا إيّاك) فلا يدخل على هذا مِنْ قِبَلِ أنّه لو أخّر (إلا) كان الكلامُ مُحالاً، ولو أسْقَطَ (إلا) كان الكلام منقلبَ المعنى.
أي: لو قلت: ما أتيتني إلا، لم يصح له معنى، ولو أسقطت منه (إلا) لانقلب الإيجاب نفيًا.
стр. 468
هذا باب إضمار المجرور
قال: ولكن (إضمار) المجرور علاماتُه كعلاماتِ المنصوب التي لا تقع مَوْقِعَهُنَّ (إيّا) إلا أنْ تُضيفَ إلى نفسِك نَحو: بِي، وعندي.
قال أبو العباس: هذا استثناء منقطع يعني بقوله: إلا أن تضيف إلى نفسك الضمير الذي لا ينفصل، فإذا لم ينفصل الضمير استوى فيه المجرور والمنصوب.
قال: كما لم يستحكم في (عجبت من ضربي إياك). ولا (في) كان إيّاهُ.
قال أبو علي: إنما كان الأحسن أن يقال: كان إيّاهُ، لأنّ (كان) داخل على المبتدأ وخبره. فالكناية عن اسمها وخبرها يجب أن تكون كالكناية عن المبتدأ وخبره، فكما أن كناية خبر المبتدأ منفصل، فكذلك يجب أن تكون كناية (كان) منفصلاً، ومَنْ وَصَلَه فلأنَّ (كان) كالفعل.
قال: وذلك قولك: حَسِبْتُنِي. وكذلك ما أشْبَهَ هذه الأفعالَ تكون حالُ علامةِ المُضْمَرين المنصوبين فيها إذا جَعَلْتَ فاعلِيهم أنفُسَهُمْ كحالِها إذا كان الفاعلُ غيرَ المنصوب.
стр. 469
قال أبو علي: يقول: يتصل الضمير في هذا الباب إذا كان الفاعل هو المفعول، كما يتصل إذا كان الفاعل أجنبيًا غير المفعول، تقول: (ظَنَنْتُني منطلقًا)، فتَصِلُ الضمير بالفعل كما تصله به إذا قلت: (ظَنَنْتَني).
قال: في قَطْنِي ومِنّي، فلم يكن لهم بُدٌّ مِنْ أن يجيئوا بحرفٍ لياء الإضافة مُتَحرّكٍ.
قال أبو العباس: النون التي في علامة المتكلم مثل قولك: (ضَرَبَني)، إنما جاءوا بها لأنها قد تكون زائدة في أواخر الأسماء وعَلَمًا لانصرافها ولما أرادوا أن يزيدوا حرفًا زادوا ما يزاد في غير هذا الموضع وكان أولى من غيره.
قال أبو علي: إنما قال: إن (قَطّ)، (ومِنْ) لو حرك الآخر منهما لأشبه (يَدًا وهَنًا)، لأن (يَدًا وهَنًا) على حرفين لنقصانهما، كما أن (قَطّ ومِنْ) على حرفين.
стр. 470
قال: في (مَعَ وَلَدُ)، فقد صار كأواخر هذه الأسماء، فَمِنْ ثَمَّ لَمْ يجعلوها بمنزلتها.
يقول: لم يجعلوا المتحرك الآخر مثل المسكّن الآخر في اختلاف النون له، إنما فعل ذلك بالمُسكّن، ألا تراهم قالوا: معي لَمّا كانت العين متحركة.
قال: لَمْ تُحَرّكْ واحدةٌ منهما لياء الإضافة، ويكون التحريكُ لازمًا لياء الإضافة.
قال أبو علي: معناه، ولا يكون التحريك لازمًا لياء الإضافة.
قال: ولو أضَفْتَ إلى الياء الكافَ التي تَجُرُّ بها لَقُلْتَ: (ما أنتَ كِي)، لأنّها مُتحركةٌ، كما أنَّ أواخرَ الأسماء مُتحرّكةٌ، وهي تجُرّ كما أنّ الاسْمَ يَجُرُّ.
قال أبو علي: يقول: لا تختلف النون لأنها متحركة كما أن العين من (مَعَ) متحركة، ولو قلت: (كَيْ) لكان خطأ لأن ياء الإضافة تكسر المتحركات قبلها ولا تفتحها.
стр. 471
قال أبو بكر: إنما جاز (أنتَ كِيْ) وكان الاسم على حرف واحد لأنه متصل بما بعده فأشبه الكاف في قولك: (ضربتُكَ).
وقوله: لأنّها تَجُرّ كما أن الأسماء تَجُرّ.
أي: يقال: ككما يُؤثفين فتكون مجرورة، ومثْل كَعَصْفٍ.
قال: وذلك لَوْلاكَ ولوْلايَ.
قال أبو علي: أبو العباس يذهب إلى أنه غلط، ويقول: أنّ الشعر الذي فيه (لولاي) ليس بالفصيح، وكذلك قول الآخر:
لولاك هذا العامَ لَمْ أحْجُجِ
стр. 472
قال: وإذا تأملت هذه الجيمية وجدت فيها غير لحن.
قال: وحكى لي أن أبا عمر اجتهد في طلب مثل هذا في شعر فصيح أو كلام منثور عن العرب فلم يجده.
قال: فهذان الحرفان لهما في الإضمار هذه الحالُ كما كان (للَدُنْ) حالٌ مع (غُدْوَةَ).
стр. 473
قال أبو علي: يعني (لولا وعسى)، فإن المظهؤ بعد كل واحد منهما مرفوع والمضمر بخلافه.
قال: أمّا ما يَقْبُحُ أن يَشْرِكَهُ المظهرُ فهو المضمر في الفعل المرفوع (....) وزعم الخليلُ أنّ هذا إنّما يقبح من قبل أنّ هذا الإضمار يُبْنى عليه الفعل.
قال أبو علي: قوله: ينبى عليه الفعل أن يُصاغ معه حتى يختلط زائدًا ويبلغ من التباس هذا الضمير بالفعل أن إعراب الفعل قد يجيء فيه بعد المضمر الفاعل، نحو يضربان، والإعراب في المعرب إنما يكون بعد تمامه متصلاً، لا فاصل بين الإعراب والمعرب.
قال: واسْتَقْبَحوا أن يَشْرِكَ المُظْهَرُ مُضْمَرًا يُغَيّر الفعلَ فيه عن حاله إذ بَعُدَ شَبَهُه منه
أي بَعُدَ شبه الفعل من الاسم.
قال: وإنّما حَسُنَتْ شَرِكَةُ المنصوب – أي شركة الظاهرِ المنصوبَ
-
стр. 474
لأنه لا يُغَيِّرُ الفعلَ فيه عن حاله.
قيل ما في أنه يغير له الفعل بما يوجب امتناع عطف الظاهر المرفوع عليه.
قلت: لأن هذا المضمر يسلب الفعل حركة لازمة إذا ضم إليه، فتصير علامة الضمير كأنه بعض حروف الفعل، ولا يعطف اسم على فعل، هذا فيما له علامة ظاهرة في اللفظ، فأما ما لا علامة له في اللفظ مثل اضْرِبْ وضَرَبَ فهو أبعد من يعطف عليه.
قال في التّاء في فَعَلْتُ ونحوه: حتى صار كأنه شيءٌ في كلمة لا يفارقُها كألف (أعْطَيْتُ).
قال أبو علي: إنما شبهه بألف (أعْطَيْتُ) لأنها ليست من أصل الكلمة وهي ملازمة لها، كما أن التاء ليست من أصل الكلمة وهي ملازمة لها.
стр. 475
هذا بابُ ما تَرُدُّه علامةُ الإضمار إلى أصله
قال: ألا تراهم قالوا: يا لبَكْرٍ حين نادَوْهُ، لأنه قد عُلِمَ أنَّ تلك اللامَ لا تدخل هنا.
قال أبو علي: إنما لم تدخل لام الابتداء هنا، لأنها تدخل على الاسم المبتدأ المرفوع أو على غيره في باب (إنّ) والاسم المنادى في موضع نصب فلا يجوز أن تدخله هذه اللام.
قال أبو علي: قبح أن يؤكد المضمر المرفوع بنفسك حتى يؤكد بالضمير المنفصل من حيث قبح أن يعطف عليه الاسم حتى يؤكد بالضمير المنفصل، لأن نَفْسَكَ إذا أكَّدْتَ به اسمٌ، كما أن الذي تعطفه عليه بتوسط حروف اسمٌ.
قال: فإن قلتَ: فَعَلْتُم أجمعون حَسُنَ، لأنّ هذا يُعَمّ به.
يقول: (أجمعون) للإحاطة ويكون أبدًا تابعًا لا يزول عن الاتباع كما يزول (نفسُك)، فيكون مرة اسمًا غير تابع، ومرة تابعًا.
стр. 476
قال في التأكيد بنفسك: شَبَّهوها بالاسم الذي يَشْرِكُ المُضْمَرَ.
أي: شبهوه بالاسم الظاهر الذي يعطف على المضمر المرفوع فلم يعطف عليه إلا بتأكيد المضمر.
وقال في عطف الظاهر على الضمير المرفوع المنفصل: فإنّه يَشْرِكُهُ المُظهرُ لأنّه يُشبه المُظْهَر.
قال أبو علي: شبهه بالمظهر أنه منفصل من الفعل، كما أن الظاهر منفصل منه، ولا يغير الفعل كما لا يغيره الظاهر.
قال: لأنَّ (أنا) بمنزلة المُظهَر، ألا ترى أنَّ المُظهر﴾ لا ﴿يَشْرِكُه.
قال أبو علي: أي يشرك المنفصل، يقول: أنا وعبدُ الله شريكان.
قال في عطف الظاهر على المضمر المجرور؛ لأنّ هذه العلامة الداخلة فيما قبلها جمعت أنها لا يُتَكلّم بها إلا مُعْتَمِدَةً على ما قبلها، وأنّها بدلٌ من اللفظ بالتنوين، فصارت عندهم بمنزلة التنوين.
قال أبو علي: يقول لا يُتكلم بها إلا متصلة باسم أو بحرف، ولا تقع
стр. 477
مفردة ألبتة، وهو في كلا الموضعين بمنزلة التنوين في أنه لا يفصل مما قبله.
قال أبو علي: فإن قال قائل: إن الظاهر بمنزلة التنوين أيضًا لأنه قد عاقبه كما عاقبه المضمر، فلم أجزْتَ العطفَ على الظاهر ومنَعْتَهُ في المضمر؟.
فالجواب: أن المضمر أشبه بالتنوين من المظهر لأنه لا ينفصل على حال، كما لا ينفصل التنوين، وقد حذف المضمر لشبهه بالتنوين حيث حذف التنوين ولم يحذف الظاهر، وذلك في قوله تعالى "يا عبادِ فاتّقون".
قال: وجاز: قُمْتَ أنتَ وزيدٌ، ولم يجُزْ: مَرَرْتُ بك أنتَ وزيدٍ، لأنَّ الفعلَ يستغني بالفاعل، والمضافُ لا يستغني بالمضاف﴾ إليه ﴿لأنه بمنزلة التنوين.
قال أبو علي: استغناء الفعل بالفاعل يؤكد أن التاء في (ذهبتُ) اسم، وإن كان قد صار كأنه من نفس الفعل، فقولك: (ذهبتُ)، كلام مستغنٍ والاستغناء به كالاستغناء (بذهب زيدٌ)، وهذا مما يفسر به من أنه
стр. 478
اسمٌ يجوز العطف عليه بغير تأكيد، وحاجة الاسم إلى ما يتم به كلامًا مما يؤكد أن المضاف إليه بمنزلة التنوين، وأن الكلام لا يتم كما لا يتم بالتنوين، فالعطف على الأول غير مؤكد جائز للاستغناء وليس في الثاني كذلك لأنه بدل من التنوين، فكما يقبح بل لا يجوز العطف على التنوين كذلك يقبح على ما هو بمنزلته.
****
هذا بابُ ما يكون فيه أنتَ وأنا ونحن وهو وهي وهم وهن وأنتم وأنتن وهما وأنتما وصفًا
قال: اعلم أنَّ هذه الحروف كُلّها تكون وصفًا للمُضمَرِ المجرور والمرفوع والمنصوب، وذلك قولك: مَرَرْتُ بك أنتَ.
قال أبو بكر: لا يقع الاسم عندي في أول وهلة مرفوعًا ولا منصوبًا ولا مجرورًا إنما يكتسي الرفع والنصب والجر من العوامل.
قال أبو علي: إنما هذا هنا لأن لقائل أن يقول: كيف صار (أنت) وما أشبهه من علامات المضمرين المرفوعين صفات للمضمرين المنصوبين والمجرورين؟ فيقال: إن هذه الأسماء تكون للخطاب والغيبة في أوضاعها، وإنما تكتسي الإعراب من العوامل، فتكون منصوبة ومرفوعة بها لا بأنفسها، فلا يمتنع على هذا أن يكون (أنتَ) وما أشبهه صفة للمجرور والمنصوب، ومن هنا قيل: (لَوْلايَ)، فوقع الياء موقع (أنا)،
стр. 479
لأن الخطاب يجمعهما في الإخبار، وليس يقع الاسم في أول مرة رفعًا ولا غير ذلك.
وقال سيبويه في الوصف بأنت ونحوه: وليس وصفًا بمنزلة (الطويلِ) إذا قلت: (مررت بزيدٍ الطويلِ)، ولكنه بمنزلة (نفسِه).
قال أبو علي: الفصل بين الوصف (بالطويل) وما كان مثله وبين (نفسه)، أن الصفات التي هي (الطويل) ونظائره حُلَى، والتأكيد قد يكون نفس المؤكد أو لفظه نحو (رأيت زيدًا زيدًا)، (ورأيت زيدًا نفسَه).
قال: واعلم أن هذه الحروفَ لا تكون وصفًا لِمُظْهَرٍ كراهيةَ أن يصِفوا المُظْهَرَ بالمُضْمَر، كما كرهوا أن يكون (أجمعون ونفسه) معطوفًا﴾ على النكرة ﴿.
قال أبو علي: يوفق بين (هو) و (أجمعين) الاشتراك في الاختصاص، لأن المضمر أخص من المظهر، كما أن (أجمعين) أخص من النكرات.
قال: وأمّا البدل فمُنْفَردٌ، كأنّك قلت: زيدًا رأيتُ، أو رأيتُ زيدًا
стр. 480
ثم قلت: إيّاه رأيتُ.
قال أبو علي: كأنه قد أشار هنا إلى أن البدل والمبدل منه هما جملتان وكلامًا، وكان أبو بكر يقول ذلك.
قال: واعلم أنه قبيح (مررت به وبزيد هما)، قال: ألا ترى أنه قبيح أن يقول: مررت بزيد وبه الطويلين؟!
قال أبو علي: قوله (هما) لا يكون صفة للظاهر، كما أن (الطويل) لا يكون صفة للمضمر.
قال أبو علي: مثّل الحال بالظرف لأنها فضلة كما أنه فضلة، والفصل لا يكون بالفضلات، إنما يكون بين مالا يستغنى عنه وهو الحديث والمحدّث عنه.
في الكتاب: "هو الحقّ، وإنّما فَصَلَ لأنّك إذا قُلْت (كان زيدٌ
стр. 481
الطّويلَ، فقد يجوز أن تريد﴾ بالطويل ﴿نعتًا لزيد، فإذا جئت بهو علمت أنها متضمنة للخبر.
قال أبو علي: هذا الاعتلال للكوفيين، وعند أبي العباس أن الفصل إنما زيدَ ليؤذن أن الخبر معرفة.
قال أبو العباس: وهذا ينكسر من قولهم: (إن زيدًا هو العاقلُ)، لأن في ارتفاعه دليلاً أنه ليس بنعت.
قال أبو علي: لو كان هذا الاعتلال للفصل فصيحًا لوجب أن يزاد الفصل بين ما ابتدئ به من النكرة نحو: ما رجلٌ هو خيرٌ منه، ليعلم أن (خيرًا منه) خبر لا وصف، لأن (خيرٌ منه) قد يجوز أن يكون صفة لرجل، كما أن (الظريفَ) في (كان زيدٌ الظريفُ) يجوز أن يكون وصفًا لزيد؛ ومن قول الجميع: إن الفصل لا يقع بين النكرات.
قال: وإنّما فَصَل لِما لا بُدَّ له منه، ويُجْزئُ مِنْ (أيّا) كما تُجْزئُ منه الصفةُ لأنّك جئت بها توكيدًا.
قال أبو علي: المثال في مالا يجمع بينهما من الفصل والبدل (رأيتُه هو خيرًا) لا يجمع مع (هو) (إياه)، ومثال مالا يجمع فيه مع (هو إيّاه).
стр. 482
ومثال ما لا يجمع فيه بين الصفة والفصل: (رأيته هو خيرًا)، إن جعلت (هو) صفة استغنيت بها عن الفصل، وإن جعلته فصلاً استغنيت به عن الصفة.
قال: ولا يجوز (أظُنُّه هو هو أخاك) إذا جعلت إحداهما صفة والأخرى فصلاً، لأن كل واحدة تجزئ من أختها.
قال أبو العباس: هذا جائز على قبحه.
قال أبو علي: إنما جاز لأن كل واحدة منهما غير الأخرى.
قال: في قول قوم زعموا أن (هو) في مثل قولك: كان زيدٌ هو الظريفَ صفة، يدخل عليهم (إنْ كان زيدٌ لَهُوَ الظَّريفَ) و (إنْ كُنّا لَنَحْنُ الصّالِحِين).
قال أبو علي: لم تدخل اللام على (زيدٍ) في هذا الموضع لأنه مرتفع (بكان)، وحكم هذه اللام أن تدخل على المبتدأ، فلم تدخل عليه بعد كان، كما لم تدخل في (ضَرَبَ لزيدٌ).
قال: ومِنْ ذلك أيضًا "ولا يَحْسبَنَّ الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم".
قال أبو علي: وتقرأ أيضًا "ولا تحسبن" بالتاء، والقراءة الجيدة بالياء لأن حكم المفعول الثاني في باب (ظننتُ) أن يكون الأول في
стр. 483
المعنى والبخل المضمر الذي دل عليه (يبخلون) هو الخير في المعنى، و (الذين هم) فاعلو (يَحْسَبَنَّ)، فإذا قرئ بالتاء صار الذي المفعول الأول، و (خيرًا) المفعول الثاني، وليس الذين يبخلون هو خيرًا في المعنى، كما كان البخل المضمر إياه في المعنى، فإن لم تحمل هذه القراءة على إضمار بَخِلَ قبل قوله (الذين) وحذفه وإقامة المضاف إليه مقام المضاف لم يجز، ومن قرأ بالياء لم يحتج إلى إضمار البخل الذي يدل عليه يبخلون الذي في الصلة، كما يضمره من قرأ بالتاء، لأنه يضمر "لا تحسبنَّ بُخْل الذين يبخلون خيرًا"، وحذف البخل بعد ذكر (يبخلون) أحسن من حذفه قبله، لأنك إذا حذفته من يبخلون دلَّ يبخلون عليه كما يدل الفعل على مصدره، وإذا حذفته قبل يبخلون لم يدل على حذفه شيء من اللفظ.
في الكتاب: واعلم أنها تكون في (إنّ) وأخواتها فَصْلاً وفي الابتداء يعني الفصل.
قال أبو بكر: هذا الفصل مخالف لما يكون عليه الباب، لأنه ذكر أنه لا يكون فصلاً إلا في الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر، وتأويل الآية
стр. 484
في﴾ ........................... ﴿.
على أنهم فيها مبتدأ وهو قوله: "لا جَرَمَ أنهم في الآخرة هم الأخسرُون"، فقال: هم ابتداء.
قال أبو بكر: فلعله زيادة وقع في الكتاب:
قال: أوْ ما أشْبَهَ المعرفةَ مِمَّا طال فلم يدخل عليه الألف واللامُ.
قال أبو علي: شبهه بالمعرفة من جهة اللفظ؛ أنَّ التعريف لا يدخل عليه كما لا يدخل على (زيد) ونحوه من الأعلام، ومن جهة المعنى أنه أخص من (رَجُل) ونحوه من النكرات، كما أن المعارف أخص منه.
وأنشد:
إذا ما المرءُ كان أبوه عَبْسٌ ....
стр. 485
وأنشد:
متى ما يُفِدْ كَسْبًا يكن كُلُّ كَسْبِهِ .... له مَطْعَمٌ مِنْ صَدْرِ يَوْمٍ ومَأكَلُ
قال أبو علي: أي يكون هو كل كسبه، فأضمر فجعل فاعل (يكن)، ضمير الغائب دون قوله: (كُلُّ كَسْبِهِ)،وكل مبتدأ، وخبره (مَطْعَمٌ)، والجملة في موضع نصب.
قال: وأمّا (هذا عبدُ الله هو خيرٌ منك)، فلا يكون (هو) وأخواتها فَصْلاً فيها.
قال أبو علي: الفصل لا يدخل في قولك: (هذا عبدُ الله خيرًا منك)، لأنه لو كان (خير) خبر المبتدأ لم يكن (هو) فصلاً بينهما حتى يدخل على المبتدأ فعل نحو (ظننتُ) فإذا لم يكن (هو) فصلاً بين المبتدأ وخبره، كان وقوعه هنا أبعد، لأن (خيرًا منه) مُستغنى عنه، وليس بخبر وهو منتصب على الحال، وما انتصب على الحال لم يكن إلا نكرة،
стр. 486
والفصل لا يقع من النكرات، ألا ترى أنك لا تنصب المعرفة على الحال فيقع (هو) فصلاً بين الحال وبين ذي الحال، لا تقول: هذا زيدٌ القائمَ.
*******
هذا بابُ مالا يكون هو وأخواتُه فيه فصلاً
وذلك قولُك: ما أظنُّ أحدًا هو خيرٌ منك، لم يجعلون فصلاً وقبلَه نكرةٌ، كما أنّه لا يكون وصفًا ولا بدلاً للنّكرة.
قال أبو علي: قوله: ولا بدلاً، فإنما يمتنع البدل من النكرة هنا لأنه لا يفيد شيئا، بعد أن تقول: (ما ظننت رجلاً أباه خيرًا من فلان)
قال: ومِمَّا يُقَوّي تَرْكَ ذلك في النّكرة أنّه لا يستقيم (رجلٌ خيرٌ منك) (ولا أظنُّ رجلاً خيرًا منك).
قال أبو علي: (لا) النافية في (لا أظنُّ) لتحقيق النفي المتقدم وهو
стр. 487
الذي في قوله (لا يستقيم).
قال: تنفي وتجعله بمنزلة (أحدٍ)، فلمّا خالف المعرفة في الواجب الذي هو بمنزلة الابتداء، (فالذي هو بمنزلة الابتداء قولك: أظُنُّ رجلاً خيرًا منك)، في الابتداء لَمْ يَجْرِ في النكرة مَجْرَى المعرفة لأنه قبيحٌ في الابتداء وفيما أُجْرِيَ مَجْراه مِن الواجب، فهذا يُقَوّي تَرْكَ الفَصْل.
قال أبو علي: إنما صار يقوي ترك الفصل لأن هذه الأشياء مما يخص المعرفة، ولا تكون في النكرة، وكذلك الفصل هو شيء تختص به المعرفة، ولا يكون في النكرة.
...
هذا بابُ أيّ
قال: وتقول: أيُّها تشاءُ لك، فتشاء صِلَةٌ
قال: فإن أضمرت الفاء جاز وجزمت (تشاءُ) ونصبت (أيَّها).
стр. 488
قال أبو علي: يريد الفاء التي تكون جوابًا للجزاء.
وقوله: جاز أي جاز في الشعر لا في الكلام كما أجازه في غير هذا الموضع في الشعر.
قال: حَدَّثنا هارون أنّ الكوفيين يقرأونها "ثم لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أيَّهم أشَدّ"
قال أبو علي: (أيّهم) في الآية بمعنى (الذي) عند سيبويه، وهو عنده مبني على الضم، لأنه قد حذف من صلته ما يعود إليه، (وأشَدُّ) خبر المبتدأ المحذوف، ولو ذكر في صلته العائد لم يجر البناء فيه وهو عند الكوفيين إذا رفع استفهام، كأنه قيل: (لننزعن من الذين تشايعوا لينظروا أيُّهم أشَدّ)، أي (أذَا أشدُّ أمْ ذا؟) فيقدِّرونها استفهامًا،
стр. 489
ولا يجعلون (لَنَنْزِعَنَّ) منعوتًا يُعَدّونَه إلى (مِنْ) كما تقول: (أَكَلْتُ مِنْ طعامِك)، أي طعامك، وكذلك "لننزعن من كل شيعة"، أي لننزعن كلّ شيعة، هكذا يقدره الكسائي وأبو العباس يختار في هذا قولهم، لأن حذف المبتدأ من الصلة كإتباعه، كما أنه في غيرها من المواضع التي إذا حذف منها تدل على حذف المبتدأ شيء كان حذفه كإثباته.
قال: وزَعَمَ الخليلُ أنّ (أيُّهم) حِكايَةٌ، وأمّا يونُسُ فَزَعَمَ أنّه بمنزلة "أشهد أنّك لَرسولُ الله".
قال أبو علي: التوفيق بين المسألتين على قول يونس أنه لم يعد (أشهد) إلى (أنك)، كما لم يعد (اضرب) إلى (أيّ).
стр. 490
قال: فَلَمّا لَمْ تَصرفْ تَصَرُّفَ الفعلِ تُرِكَتْ على هذه الحال، يريد: تركت ساكنة الياء، ولم تقلب ألفًا كما قلب من باعَ وقال.
قال: وأمّا قولُ يونسَ: فلا يُشْبِهُهُ أشْهد أنّك لَزيدٌ، وسترى ذلك في باب (إنّ).
وإن قلت: (اضرب أيّهم) لا يشبه (إنّك لزيدٌ)، لأن لام الابتداء وتقديره أن يقع قبل (إنّ)، وإنما أخر إلى الخبر لئلا يجتمع مع (إنّ) في موضع واحد، وإذا كان التقدير باللام قبل (إنّ) حجز اللام الفعل أن يصل إلى (إنّ) وليس ذلك في (اضْرِبْ)، ومع ذلك فإنَّ (اضْرِبْ) ليست من
стр. 491
الأفعال التي تعلق، وإنما الذي يعلق من الأفعال ما يلغى، ونحو (عَلِمْتُ)، لأن الإلغاء فيه أشد من التعليق لأنها إذا ألغيت لم تعمل في لفظ شيء ولا موضعه، وإذا علقت عملت في موضع الجملة.
فأما (أشْهَدُ) فقد علق، لأنه قد شابه (عَلِمْتُ وظننْتُ) في أنه غير مؤثر، كما أن هذين وبابها غير مؤثرين وهو علم مثل (عَلِمْت)، وقد استعمل استعمال القسم كما استعمل هذين استعمالها في قولك: عَلِمْتُ لِيَنْطَلِقَنَّ، "وظَنُّوا ما لهم من محيص" فكذلك تقول: أشْهَدُ لَيَنْطَلِقَنَّ.
قال: ومِنْ قولهما (اضربْ أيّ)، وغيرهما يقول: اضْرِبْ أيا أفْضَلُ.
قال أبو علي: قياسًا للمفرد على المضاف.
قال: ولَوْ جَعَلوا (أيّا) في الانفراد بمنزلته مُضافًا﴾ لكانوا ﴿خُلَقاء إذ كان بمنزلة الذي معرفةً لا يُنَوّن، لأنّ كل اسمٍ ليس يَتَمَكّنُ
стр. 492
لا يدخُلُه التّنوينُ في المعرفة، ويدخله في النّكرة.
قال أبوعلي: قوله (لا يُنَوَّنُ)، أي يُبْنى، مثل (قَبْلُ وبَعْدُ).
وقوله: كانوا خلقاء، معناه لكانوا خلقاء ألاّ ينوّنوا في الإفراد، لأن الاسم المفرد المبني لا يُنَوَّن في التعريف، ولكنهما أخلصاه لكل واحد منهما، يريد المتكلم والمخاطب.
****
هذا باب أيّ مضافًا إلى مالا يكمل اسمًا إلاّ بصلة
قال: فإنْ أَخْرَجْتَ الفاءَ فَهُو كلامٌ في الاستفهام مُحالٌ في الإخبار.
قال أبو علي: لأنه يحتاج إلى صلة وخبر بعدهما في الخبر.
قال أبو العباس: كأن (إيّا) لما أُعرب أشبه الأسماء المتمكنة، فأنِّث وثُنِّيَ وجُمِعَ، وإنما أقِرّ في التثنية والجمع والتأنيث على صورة واحدة، لأنه يستفهم به فأشبه (مَنْ).
стр. 493
هذا باب أيّ إذا كنت مستفهما﴾ بها ﴿عن نكرة
قال أبو علي: يريد أنها ليست كَمنْ، فإن (مَنْ) إذا وُصلت كان لفظ الواحد والاثنين والجميع كلفظ الواحد، تقول إذا رأيت رجلاً، أو رأيت رجلين: مَنْ يا فتى؟، وليست (أيّ) كذلك، لأنها في الوصل مثلها في الوقف.
قال: وإذا قال: رأيتُ امرأةً، قلت: أيّة يا فتى؟، وإنْ تَكَلَّم به مرفوعًا رفعتَ، لأنّك إنّما تستفهم عَمّا وضع المُتَكلم عليه كلامَه.
قال أبو العباس: إن شئت تركت الحكاية في باب (أيّ)، فرفعتَ واستأنفتَ على الابتداء والخبر، فقُلْتَ: (أيّ ياهذا)، لأنك إذا أظْهَرْتَ الخبرَ لكان تكون (أيّ مَنْ ذكرت)، (وأيّ هؤلاء).
قال: قلت: فإذا قال: رأيتُ عبدَ الله أو مررتُ بعبد الله، قال: يقول: مَنْ عبدُ اللهِ؟ وأيُّ عبدُ اللهِ؟ لا يكون إذا جئتَ بأيّ إلا الرّفْعُ.
قال أبو علي: هذا الموضع مما يخالف فيه (أيّ) (مَنْ)، وذلك أن الاسم العَلَم بعد (مَنْ) على ضَرْبَيْن: على الحكاية وعلى خبر المبتدأ، وليس في العَلَم بعد (أيّ) إلا الرفع، لا يجوز إذا قال: (رأيتُ زيدًا) أن تقول: أيُّ زيدًا؟ كما يجوز بعد (مَنْ)، (مَنْ زيدٌ، ومَنْ زيدًا)، وإنما
стр. 494
قبح الحكاية بعد (أيّ) لظهور الإعراب فيه وامتناعه من الظهور في (مَنْ).
قال: اعلم أنّك تُثَنّي (مَنْ) إذا قلت: رأيتُ رجلين كما تُثَنّي (أيّا)، وذلك قولك: رأيتُ رجلين، فتقول: مَنَيْنِ كما تقول: أيَّيْن، وأتاني رجلان فتقول: مَنانِ؟
قال أبو بكر: هذا كله موقوف.
قال أبو علي: وإنما كان موقوفًا لأنه لا يحرك إلا في الوصل، وإذا وصل وجب أن تسقط هذه العلامات، وإفراد مَنْ جواب المثنى والمجموع في الوصل.
قال: فإن قال: رأيتُ امرأتين، قلت: مَنَتَيْن، كما قالوا: أيَّتين إلاَّ أنَّ النُّونَ مَجزومةٌ.
قال أبو العباس: تسكّن النون في (مَنْتَيْن) كما كانت مسكنة في (مَنْ)، وإنما حركت في قولك: مَنَة؟ لأن تاء التأنيث لا يكون ما قبلها إلا متحركًا.
قال أبو العباس: حركت النون من (مَنِي)، وثنّوا لأن حرف اللين إذا كان ساكنًا لم يكن ما قبله إلا متحركًا.
стр. 495
وقال أبو إسحاق: إنما أثبتت الزيادة في الوقف في (مَنُوا)، ليعلم المخاطب أنك تَسلُه عن الذي خاطبك به لا عن غيره.
قال: وأمّا (مَنْ) فَلا يُنَوَّنُ في الصِّلة، فجاء في الوَقفِ مُخالفًا أي مخالفًا لأيّ، لأنه قيل فيه: (مَنا، ومَنُوا)، ولم يقل مثل ذلك في (أيّ).
قال: وأمّا يونس فكان يَقيسُ (مَنَهْ) على أيّة، فيقول: (مَنَةٌ، ومَنَةً) في الوصل إذا قال: يا فتى، وكذلك ينبغي له أن يقول إذا آثَرَ ألاَّ يُغيّرها في الصلة، وهذا بعيدٌ، وإنّما يجوز ذا على قول شاعر قاله مَرَّةً لم يُسْمَعْ بعدُ، قال:
أتَوْا ناري فَقُلْتُ مَنُونَ أنتم؟ ....
следующие страницы →