← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13245

التعليقة على كتاب سيبويه

أبو علي الفارسي

Полный текст (1 534 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الأفعال التي تعلق، وإنما الذي يعلق من الأفعال ما يلغى، ونحو (عَلِمْتُ)، لأن الإلغاء فيه أشد من التعليق لأنها إذا ألغيت لم تعمل في لفظ شيء ولا موضعه، وإذا علقت عملت في موضع الجملة. فأما (أشْهَدُ) فقد علق، لأنه قد شابه (عَلِمْتُ وظننْتُ) في أنه غير مؤثر، كما أن هذين وبابها غير مؤثرين وهو علم مثل (عَلِمْت)، وقد استعمل استعمال القسم كما استعمل هذين استعمالها في قولك: عَلِمْتُ لِيَنْطَلِقَنَّ، "وظَنُّوا ما لهم من محيص" فكذلك تقول: أشْهَدُ لَيَنْطَلِقَنَّ. قال: ومِنْ قولهما (اضربْ أيّ)، وغيرهما يقول: اضْرِبْ أيا أفْضَلُ. قال أبو علي: قياسًا للمفرد على المضاف. قال: ولَوْ جَعَلوا (أيّا) في الانفراد بمنزلته مُضافًا﴾ لكانوا ﴿خُلَقاء إذ كان بمنزلة الذي معرفةً لا يُنَوّن، لأنّ كل اسمٍ ليس يَتَمَكّنُ

стр. 492

لا يدخُلُه التّنوينُ في المعرفة، ويدخله في النّكرة. قال أبوعلي: قوله (لا يُنَوَّنُ)، أي يُبْنى، مثل (قَبْلُ وبَعْدُ). وقوله: كانوا خلقاء، معناه لكانوا خلقاء ألاّ ينوّنوا في الإفراد، لأن الاسم المفرد المبني لا يُنَوَّن في التعريف، ولكنهما أخلصاه لكل واحد منهما، يريد المتكلم والمخاطب. **** هذا باب أيّ مضافًا إلى مالا يكمل اسمًا إلاّ بصلة قال: فإنْ أَخْرَجْتَ الفاءَ فَهُو كلامٌ في الاستفهام مُحالٌ في الإخبار. قال أبو علي: لأنه يحتاج إلى صلة وخبر بعدهما في الخبر. قال أبو العباس: كأن (إيّا) لما أُعرب أشبه الأسماء المتمكنة، فأنِّث وثُنِّيَ وجُمِعَ، وإنما أقِرّ في التثنية والجمع والتأنيث على صورة واحدة، لأنه يستفهم به فأشبه (مَنْ).

стр. 493

هذا باب أيّ إذا كنت مستفهما﴾ بها ﴿عن نكرة قال أبو علي: يريد أنها ليست كَمنْ، فإن (مَنْ) إذا وُصلت كان لفظ الواحد والاثنين والجميع كلفظ الواحد، تقول إذا رأيت رجلاً، أو رأيت رجلين: مَنْ يا فتى؟، وليست (أيّ) كذلك، لأنها في الوصل مثلها في الوقف. قال: وإذا قال: رأيتُ امرأةً، قلت: أيّة يا فتى؟، وإنْ تَكَلَّم به مرفوعًا رفعتَ، لأنّك إنّما تستفهم عَمّا وضع المُتَكلم عليه كلامَه. قال أبو العباس: إن شئت تركت الحكاية في باب (أيّ)، فرفعتَ واستأنفتَ على الابتداء والخبر، فقُلْتَ: (أيّ ياهذا)، لأنك إذا أظْهَرْتَ الخبرَ لكان تكون (أيّ مَنْ ذكرت)، (وأيّ هؤلاء). قال: قلت: فإذا قال: رأيتُ عبدَ الله أو مررتُ بعبد الله، قال: يقول: مَنْ عبدُ اللهِ؟ وأيُّ عبدُ اللهِ؟ لا يكون إذا جئتَ بأيّ إلا الرّفْعُ. قال أبو علي: هذا الموضع مما يخالف فيه (أيّ) (مَنْ)، وذلك أن الاسم العَلَم بعد (مَنْ) على ضَرْبَيْن: على الحكاية وعلى خبر المبتدأ، وليس في العَلَم بعد (أيّ) إلا الرفع، لا يجوز إذا قال: (رأيتُ زيدًا) أن تقول: أيُّ زيدًا؟ كما يجوز بعد (مَنْ)، (مَنْ زيدٌ، ومَنْ زيدًا)، وإنما

стр. 494

قبح الحكاية بعد (أيّ) لظهور الإعراب فيه وامتناعه من الظهور في (مَنْ). قال: اعلم أنّك تُثَنّي (مَنْ) إذا قلت: رأيتُ رجلين كما تُثَنّي (أيّا)، وذلك قولك: رأيتُ رجلين، فتقول: مَنَيْنِ كما تقول: أيَّيْن، وأتاني رجلان فتقول: مَنانِ؟ قال أبو بكر: هذا كله موقوف. قال أبو علي: وإنما كان موقوفًا لأنه لا يحرك إلا في الوصل، وإذا وصل وجب أن تسقط هذه العلامات، وإفراد مَنْ جواب المثنى والمجموع في الوصل. قال: فإن قال: رأيتُ امرأتين، قلت: مَنَتَيْن، كما قالوا: أيَّتين إلاَّ أنَّ النُّونَ مَجزومةٌ. قال أبو العباس: تسكّن النون في (مَنْتَيْن) كما كانت مسكنة في (مَنْ)، وإنما حركت في قولك: مَنَة؟ لأن تاء التأنيث لا يكون ما قبلها إلا متحركًا. قال أبو العباس: حركت النون من (مَنِي)، وثنّوا لأن حرف اللين إذا كان ساكنًا لم يكن ما قبله إلا متحركًا.

стр. 495

وقال أبو إسحاق: إنما أثبتت الزيادة في الوقف في (مَنُوا)، ليعلم المخاطب أنك تَسلُه عن الذي خاطبك به لا عن غيره. قال: وأمّا (مَنْ) فَلا يُنَوَّنُ في الصِّلة، فجاء في الوَقفِ مُخالفًا أي مخالفًا لأيّ، لأنه قيل فيه: (مَنا، ومَنُوا)، ولم يقل مثل ذلك في (أيّ). قال: وأمّا يونس فكان يَقيسُ (مَنَهْ) على أيّة، فيقول: (مَنَةٌ، ومَنَةً) في الوصل إذا قال: يا فتى، وكذلك ينبغي له أن يقول إذا آثَرَ ألاَّ يُغيّرها في الصلة، وهذا بعيدٌ، وإنّما يجوز ذا على قول شاعر قاله مَرَّةً لم يُسْمَعْ بعدُ، قال: أتَوْا ناري فَقُلْتُ مَنُونَ أنتم؟ ....

стр. 496

قال أبو علي: من أنّث فقال في الوصل (مَنَةٌ يا فَتى؟) لزمه أن يجمع للجميع فيقول: مَنُونَ، كما قال الشاعر. قال أبو علي: (مَنُونَ أنتم) عندي مثل قول الشاعر: سَبْسَبًا وكَلْكَلا أجراه في الوصل للضرورة مجراه في الوقف.

стр. 497

قال: وزَعَم يونس أنّه سمع أعرابيًا مَرّة يقول: (مَنُوا) في الوقف، ولكنْ يجعله كأيّ (ضَرَب مَن مَنًا) وهذا بعيد لا يتكلّمُ به. قال أبو علي: وينبغي ألا يقول (مَنُو) في الوقف، ولكن يجعله (كأيّ)، أي فيقول: (مَنْ) في الوقف كما يقول (أيّ). قال أبو علي: من قال: مَنُونَ أنتم، وضرب مَنٌ مَنًا، لزمه أن يقول في الوقف في جواب هذا رجلٌ ومررتُ برجلٍ: مَنْ؟ فلا يلحقه الواو ولا الياء في الوقف، ولا يقول: مَنُو وَمَني، وتلحقه في النصب ألفًا فتقول: مَنَا، كما تقول: أيّا. قال: وإذا قال: رأيت امرأةً ورجلاً، فبدأت في المسألة بالمؤنّث قلت: (مَنْ وَمَنا)، لأنك تقول: مَنْ يا فتى في الصِّلة.

стр. 498

قال أبو علي: علامة التأنيث والتثنية والجمع تلحق (مَنْ) في الوقف دون الوصل في اللغة الشائعة، وإذا ذكر رجل وامرأة فبدأت بالمسألة عن المرأة قلت: (مَنْ ومَنا)، فأسقطت علامة التأنيث من قولك: (مَنْ) لوصلك بالمرأة بقولك (ومَنا)، فأثبت الألف لما وقفت عليه، ولو بدأت بالسؤال عن الرجل، لأسقطت الألف من (مَنا)، كما أسقطت علامة التأنيث من (مَنَهْ) للوصل فقلت: (مَنْ ومَنَهْ). **** هذا باب اختلاف العرب في الاسم المعروف الغالب قال: واعلم أنّ أهل الحجاز يقولون إذا قال الرجل: رأيتُ زيدًا: مَنْ زيدًا؟ وكذلك الجر والرفع، وأما بنو تميم فيرفعون على كل حال وهو أقيس القولين. قال أبو العباس: إذا رفعت فعلى الابتداء والخبر، وإذا حكيت فإنما

стр. 499

تحكي ليعلم السامع أنك تسأله عن الذي ذكر بعينه، ولم يبتدئ السؤال عن آخر له مثل اسمه. قال أبو بكر: موضع (مَنْ) رفعٌ في القولين جميعًا. قال: في قول قوم حكوا غير الأعلام قياسًا على الأعلام: فإذا قالوا: مَنْ عَمرًا، أو مَنْ أخُو زيدٍ، رَفَعوا أخا زيدٍ لأنّه قد انقطع من الأوّل بمَنِ الثاني الذي مع الأخ، فصار كأنّك قلت: مَنْ أخو زيدٍ، كما أنّك تقول: تَبًّا له وَوَيْلاً، وتَبًّا له، ووَيْلٌ له. قال أبو علي: إذا ذكرت (له) بعد (وَيْل) قطعته من الأول وهو (تَبًّا) فرفعته، وإن لم تذكر (له) أجريته على قولك (تَبا)، فكذلك إذا ثَنَّيْتَ بمَنْ في قولك: (ومَنْ أخُو زيدٍ)، قطعت به عن الاسم الأول كما قطعت (وَيْل) من (تَبا) إذا ثَنَّيْتَ له. قال: وإنْ أدْخَلْتَ الواوَ والفاءَ في (مَنْ)، فقُلْتَ: فَمَنْ، أوْ (ومَنْ)، لم يكن فيما بعدَه إلاّ الرّفْعُ. قال أبو العباس: إذا أدْخَلْتَ حروف العطف استغنيتَ عن الحكاية لأن المسؤول يعلم أنك عاطف على كلامه، إذ العطف لا يبتدأ به، وإنما

стр. 500

حَكى الاسم من حَكى لئلا يتوهم المسؤول أنه مبتدئٌ باستفهام عمَّن له مثل اسم المحدَّث عنه. **** هذا بابُ إجرائهم ذا بمنزلة الذي قال: ولو كان (ذا) بمنزلة (الذي) في ذا الموضعِ ألْبَتَّةَ، لكان الوجهُ في: (ماذا رأيتَ) إذا أجابَ: (خيرٌ). قال أبو علي: يقول: لو لم يكن (ماذا) على ضربين، مرة بمنزلة اسم واحد ومرة (ذا) بمنزلة (الذي)، وكانت (ذا) بمنزلة (الذي) ألبتة، لكان الوجه إذا قيل له: ماذا رأيتَ؟ أن يقول له: خَيْرٌ، إذا أجاب، كأنه قيل له: ما الذي رأيْتَهُ، فقال: الذي رأيتُه خيرٌ، وليس الأمر كذلك لأنه قد جاء "ماذا أنزل ربكم قالوا خيرًا" فهذا لم يَجِىءْ على أن (ذا) بمنزلة (الذي)، وجاء في موضع "ماذا أنزل ربكم، قالوا أساطير الأولين"، فدل ذلك على أن ماذا على وجهين، كلاهما قد جاء به التنزيل، وقال الشاعر:

стр. 501

دَعِي ماذا عَلْمْتِ سَأتّقيهِ .... قال: (فالذي) لا يجوز في ذا الموضع و (ما) لا يحسُنُ أن تُلْغيَها. أي: إذا قلت: (ماذا)، فجعلت (ذا) بمنزلة (الذي)، لم يجز أن تضع (الذي) موضع (ذا) بعد (ما). قال: والنَّصْبُ في (ذا) الوجْهُ، لأنّه الجواب على كلام المخاطَب.

стр. 502

قال: وقد يجوز أن تقول إذا قال: مَن الذي رأيتَ؟: زيدًا، لأنّ هاهنا معنى فعل، ويجوز النَّصْبُ هاهنا كما جاز الرفع في الأوّل. قال أبو علي: قوله: كما جاز الرفع في الأول، يقول: النصب في جواب المجيب إذا قيل له: مَنْ الذي رأيتَ؟ فقال: زيدًا، في أنه غير الوجه مثل الرفع في جوابه إذا سُئِلَ: ماذا رأيت؟ وجعل (ما) مع (ذا) اسمًا واحدًا فقال: (خيرٌ)، فالوجه في جوابه إذا كان بمنزلة الذي (خَيْرٌ)، وإذا جعلا اسمًا واحدًا (خبرًا). ***** هذا بابُ ما تلحقه الزيادة في الاستفهام إذا أنكرتَ أن تُثْبتَ رأيَه على ما ذكر أو تنكرَ أن يكون رأيُه على خلاف ما ذكره قال أبو علي: موضع هذا الباب للإنكار، ثم ينقسم الإنكار إلى الشيء وإلى خلافه، فمثال إنكارك الشيء أن يقول قائل: ضُرِبَ الأميرُ، فتقول: آلأميراه؟!، مُنكرًا لضرب الأمير، فأما ما ينكر أن يكون على خلاف ما ذكر، فكقول الأعرابي: آأنا إيَّه؟! وقد سئل: أتخرج

стр. 503

إن أخصبت البادية؟ منكرًا لسؤال السائل عن خروجه إذا أخصبت البادية، يريد أنّ ذلك مما لا يجب أن يَشُكَّ فيه السائل. قال: فَتَحَرَّك كما تحرك في الألف واللامُ السّاكنُ مكسورًا. قال أبو علي: يريد بقوله: (أزيدٌ نِيْهِ) فتحرك الساكن الأول بالكسر كما تحرك اللام إذا قلت: زيدٌ الطّويل بالكسر. قال: وقد يقول لك الرّجلُ: أتعرف زيدًا؟ فتقول: أزَيْدَنِيهِ، إمّا مُنْكرًا لرأيه أن يكون على مثل ذلك، (أيْ هو أخْمَلُ مِنْ أنْ أعرفَه)، وإمّا على خلاف المعرفة. قال أبو علي: قوله: على خلاف المعرفة، أي أعرف زيدًا، فأنكرُ عليك سؤالَك إياي بما أعرفه. قال: ألا ترى أنّك تقول إذا قال: ضربتُ عُمَرَ، قلتَ: أضربْتَ عُمَراهُ؟. قال أبوعلي: الفصل بين (أعُمَراه) وبين (أزيدنيه)، أن (عُمَر)

стр. 504

لا يلحقه التنوين، وإذا لم يلحقه التنوين لم يُكسر، لأنه لا يلتقي فيه ساكنان، لكن حرف اللين للإنكار يتبع الحركة التي هي في اللام وهي الفتحة، فيصير ألفًا، وفي (أزيدنيه) لما حُرّك التنوين لا لالتقاء الساكنين بالكسر صارت العلامة ياءً لانكسار ما قبلها. قال: وإنْ قال: أزَيدًا يا فتى؟ تركْتَ العلامةَ كما تركت علامة التّأنيث والجمع، وحرف اللين في (مَنا ومَنِي، ومَنُوا)، حين قلت: مَنْ يا فتى؟. قال أبو العباس: للوصل في هذا علة لا تكون في الوقف، لأن الوقف خفيٌ والوصل يجيء فيه ما يقوم مقام العلامة من اتصاله بكلام آخر. قال: وإذا قال: رأيتُ رجلاً وامرأةً، (فَمَنَهْ) قد مَنَعَتْ (مَنْ) مِنْ حروف اللين، فكذلك (يا فتى) هنا يَمْنَعُ. قال أبو علي: يريد إذا قلت: أزيدًا يا فتى؟ فوَصَلْتَ وأنت مُنْكِرٌ، حذفت علامة الإنكار في الوصل، كما أنّك إذا استثنيت قول القائل: (رأيتُ رجلاً وامرأةً)، قلت: (مَنْ، ومَنَةٌ)، فحذفت حرف اللين للوصل.

стр. 505

قال: كما يمنع ما كان في كلام المسؤول العلامة من الأول. قال أبو علي: منع قولك (عَمْرو) في قولك: أتيتُ زيدًا وعَمْرًا أن تلحق علامة الإنكار زيدًا لما كان زيدًا في صلة الكلام ودرجه، ولم ينكره آخرًا، فكذلك منع قولك: (يا فتى) أن تلحق (زيدًا) العلامة للإنكار في قولك: (أزيدًا يافتى)؟. قال: ولا تدخل العلامة في (يافتى) لأنّه ليس من حديث المسؤول. قال أبو علي: كأنّ قائلاً قال له: فإذا لم تدخل العلامة في قولك: (أزيدًا) من قولك: أزيدًا يا فتى؟ لأنه موصول (بيا فتى) كما لم تدخل (زيدًا) في قولك: (أزيدًا وعَمْرَنِيه)، لأنّه موصول بقولك: (وعَمْرَنيه)، فأدخل العلامة في (يافتى) كما أدخلتها في (عمرو) من قولك: (وعَمْرنيه) لما كان آخر الكلام: ففصل سيبويه بين (عَمْرو) وبين (يافتى)، بأن قال: قولك يافتى ليس من حديث المسؤول فتدخل عليه العلامة، وإنما تدخل العلامة فيما كان من حديث المسؤول مُنكرًا أو مُتعجّبًا، فأما إذا لم يكن من حديث المسؤول لم تدخل فيه العلامة، ألا ترى أن قولك: (وعَمْرَنيه) مِن حديث المسؤول، والمسؤول هو المخبر آنفًا بقولك: (ضربتُ زيدًا وعمرًا)، هو إذا حدّث مخبرٌ، فإذا سُئِل مُنكرًا

стр. 506

عليه، أو مُسترشدًا منه فمسؤول بعد إخباره. قال: فصار هذا بمنزلة (الطويلِ)، حين مَنَع العلامة (زيدًا) كما مَنَعَ (مَنْ) ما ذكرتُ لك، وهو قول العرب. قال أبو علي: قوله: فصار هذا بمنزلة (الطويل)، أي قولك (يافتى) في أن منع (زيدًا) علامة الإنكار بمنزلة (الطّويل) في أن منع (زيدًا) العلامة في قولك: (أزيدًا الطويلاه)، إلا أن الفرق بين (يافتى) وبين (الطويل) أن (الطويل) من حديث المسؤول عنه، (ويا فتى) ليس كذلك. وقوله: ما منع (مَنْ) ما ذكرت لك، (فَمَنْ) في موضع نصب، لأنّها مفعولة (وما) في موضع رفع لأنها فاعله، أي: مَنَعَ يا فتى زيدًا أن تلحقه العلامة في الإنكار للوصل، كما منع (مَنْ) قولك (وَمَنَهْ) حرف اللين اللاحقة في الوصل، وهو الذي ذكره، فقال: فَمَنَهْ قد منعت من حرف اللين، وقد شرحناه أيضًا فيما تقدم من تفسير لفظ هذا الفصل. قال: ومِمَّا زادوا به الهاء بَيَانًا قولُهم: أضْرِبُهْ، وفي نسخة أخرى أضْرِبْهُ، فمن قال: أضربُهْ ألقى حركة الهاء على الباء.

стр. 507

أنشد: مِنْ عَنَزي سَبَّني لَمْ أضْرِبُهْ والوجه إسكان الباء لتكون الهاء للبيان ولا تكون للضمير، لأنع على أنه للبيان وضعُه. قال: كما فُعِل ذلك في (مَنْ عبدَ اللهِ) أي إذا حكاه بَعد (مَنْ) على اللفظ. قال: وإذا قال: ضَرَبْتُهُ فقلتَ: أقُلْتَ ضَرَبْتُهُ لَمْ تُلْحِق الزيادة. قال أبوعلي: إنما تدخل علامة الإنكار فيما يكون من كلام المسؤول أو يكون على معنى كلامه أيضًا، وإن لم يكن نفس لفظه كقولك: (آنا إنِيهْ)، جوابًا لقوله: (أتَخْرُجُ إنْ أخصبت البادية؟) فأما إذا خلا من هذين لم تدخل العلامة كما لم تدخل العلامة في (يا فتى) من قولك: أزيدًا يا فتى.

стр. 508

قال أبو العباس: وقد قيل في مثل هذا إنه يجوز فيه الإنكار، كأنك أنكرت أن يكون ممن تكلم بهذا، فيقال لمن قاله: إنما يحكى كلامه لفظًا أو معنى وأنت إذا قلت: (أقلتَ؟) فليس (قلت) من كلامك، فهذا خطأ فلا تقله. ***** هذا باب إعراب الأفعال المضارعة للأسماء قال: في قول الخليل في (لَنْ): إنّها (لا أنْ)، كما قالوا: (ويْلِمِّهِ)، وكما قالوا يَوْمَئذٍ. قال أبو علي: أصل وَيْلِمّه: ويلٌ لأمّه، فحذفت اللام من (ويل) والهمزة من (أمه)، والدليل على أن اللام المحذوفة هي لام (وَيل)، كسرهم اللام الباقية، ولو كانت اللام المحذوفة لام الإضافة، لوجب أن تكون اللام الباقية مضمومة. وأصل (إذْ) أن تضاف إلى جملة من فعل وفاعل أو مبتدأ وخبر، وقد تحذف منها الجملة التي تضاف إليها، فإذا حذفت الجملة منها عوض منها التنوين، وإذا عوض التنوين التقى ساكنان الذال والتنوين وإذا

стр. 509

اجتمعا وجب أن يكسر الأول، فإذا كسر صار (يَومئذ). فأما قولهم: (إذْ ذاك) فإشارة إلى حديث ماض، ويجوز أن يكون خبر المبتدأ محذوفًا، كأنه قال: (يَومَ إذ ذاك كائنٌ) أو واقع ونحو هذا. قال: ولو كانت على ما يقول الخليلُ لما قلت: أمّا زيدٌ فَلَنْ أضْرِبَ لأنَّ هذا اسمٌ والفعلُ صلةٌ. قال أبو علي: لو كان (لَنْ) على ما يقول الخليل إنما هو (لا أنْ)، لما جاز أن تقول: (زيدًا أن أضربَ)، فتنصب (زيدًا) بأضربُ، لأنه في صلة (أنْ)، وما يعمل فيه الصلة لا يجوز أن يتقدم عليها، كما أن نفس الصلة لا يجوز أن تتقدم على الموصول، وإذا لم يجز أن يتقدم العامل لم يجز أن يتقدم المعمول والعامل نفس الصلة، والمعمول زيد. قال: وصارت بدلاً من اللفظ بأنْ، كما كانت ألف الاستفهام بدلاً من واو القسم. قال أبو علي: لأن اللام وأنْ لم يجتمعا كما لم تجتمع (يا) مع اللهم والفعل مع إيّاك وزيدًا ونحو ذلك.

стр. 510

قال: لم يذكروا إلا أحد الحرفين إذ كان نفيًا لما معه حرف لم يعمل فيه شيءٌ ليُضارِعَه، يعني يَفْعَلُ والحرف الذي معه السِّينُ لم يعمل فيه شيئًا، أي في يَفْعَلُ. قال أبوعلي: ليضارعه، أي ليضارع النّفيُ الإيجابَ، لأنّ في إيجاب (ما كان لِيَفْعَلُ) حرفًا في الفعل لم يعمل فيه وهو السّين وسوف، وكذلك نفي حرف لم يعمل في الفعل، وهو اللام في ليَفْعَل، ألا ترى أن هذه اللام لم تعمل في الفعل، كما أن السين في سَيَفْعَلُ لم تعمل في (يَفْعَلُ)، فهذا هو المضارعة بين الإيجاب والنفي. قال: في إضمار الجازم: وقد أضمره الشاعرُ، شَبَّهَهٌ بإضمار (رُبَّ) وواو القسم في كلام بعضهم. قال أبو علي: (ربّ) لم تضمر، وقولهم: (وبَلَدٍ)،

стр. 511

(ودَوِّيّةٍ)، الواو فيه عوض من (ربّ)، إلا أن من قال: (اللهِ) قد أضمر الخافض لا محالة وإذا جاء إضمار الخافض في بعض الصور لم يلزم إضمار الجازم وإن كان (الجازم) في الفعل نظير الجار في الاسم، لأن ما يعمل في الفعل أقل مما يعمل في الاسم. قال: الموجب للرفع في هذه الأفعال وقوعها موقع الاسم مجرورًا كان الاسم أو مرفوعًا أو منصوبًا، وإنما لم تعرب في هذه المواضع بإعراب ما قبلها من الأسماء، لأن عوامل الأسماء لا تعمل في الأفعال. قال: وَمِنْ ذلك أيضًا: هَلاَّ يقول ذاك زيدٌ، (فيقولُ) في موضعِ ابْتِداءٍ، (وهَلاَّ) لا يعمل في اسم ولا فعل. قال أبو علي: (هلاّ) من الحروف التي يقع الفعل بعدها، فإذا وقع بعدها اسم نحو (هلاّ زيدٌ يقول ذاك)، ارتفع (زيدٌ) بفعل مضمر

стр. 512

يفسر (يَقولُ)، فيقول القائل: كيف ارتفع الفعل بعده، لوقوعه موقع الاسم، والاسم ليس بعده؟!. والجواب: إنه وإن كان سبيل وقوع الاسم فيه ما ذكرنا، فإن الحرف غير عامل في فعل ولا اسم، وما لم يختص بالعمل في واحد منهما من الحروف لم يمتنع وقوع الاسم والفعل جميعًا بعده، وإن صار بعض الحروف مع أحد الضربين من الاسم أو الفعل بعده أكثر. قال: ومِنْ ذلك أيضًا: كِدْتُ أفْعَلُ ذاك، وكَرِبَ يَفْرَغُ. قال أبو علي: التقدير في (أفْعَلُ)، الواقع بعد (كدْتُ) إنه في موضع اسم منصوب، كما أنه في (كُنْتُ) في موضع اسم منصوب، فالموضع موضع اسم في المعنى، وإن لم يقع الاسم فيه في الاستعمال، ولو وقع اسم فيه لم يكن إلا منصوبًا كما انتصب أبؤسًا في: عسى الغُوَيْرُ أبُؤْسًا.

стр. 513

(وكِدْتُ) ونحو مما يقع بعده الفعل أكثر، كما أن (هَلاّ) كذلك. قال: كأنّك قلت: كدْتُ فاعِلاً، ووَضَعْتَ (أفْعَلُ) مَوْضِعَ فاعِلٍ، ونظيرُ هذا في العربية كثير، وستراه إن شاء الله تعالى، ألا ترى أنك تقول: بَلَغَني أنَّ زيدًا جاء، (فأنَّ زيدًا جاء) اسمٌ وتقول في التَّعَجُّبِ: ما أحْسَنَ زيدًا. قال أبو علي: هذه مواضع قد استغني فيها بشيء عن شيء وأقيم فيها شيء مقام شيء، ولم يستعمل الشيء الذي استغني عنه استعمال المُستغنى به، ألا ترى أن (أنّ) في قولك: (لَوْ أنَّ زيدًا جاء)، بمنزلة (لَمْ يَجِيءْ زيدٌ)، وقائم مقامه؟ ولم يستعمل (لم يجيء زيدًا؟)، كما أن (أفْعَلُ) في (كِدْتُ أفْعَلُ) واقع موقع فاعل وإن لم يستعمل الفاعل هناك استغناء عنه بيفعل؟. (وأحْسَنَ) في (ما أحسن زيدًا) فعل واقع موقعه الاسم، ولم يستعمل الاسم هنا، ألا ترى أنه لا يقال في التعجب: (ما مُحْسِنٌ زيدًا) فالدليل على أن (أحْسَنَ) فعل وقع موقعًا يجوز أن يقع فيه الاسم أنه في موضع خبر اسم مبتدأ وهو (ما)، وخبر المبتدأ قد يقع اسمًا ويقع فعلاً، ولم يستعمل في التعجب إلا الفعل، كما أن (يَفْعَلُ) في قولك: (كاد يَفْعَلُ)، واقع موقع فاعل، ولم يقع فاعل موقعه.

стр. 514

قال: ومنه جعل يقول ذاك. قال أبو علي: أي من نظائر (كاد) قولك: قد جَعَلَ يقول، ويقول واقع موقع اسم، ولم يستعمل الاسم فيه، كأن التقدير: (جعل زيدٌ قائلاً)، ولكنه لا يقع قائلاً بعد (جَعَلَ)، كما لم يقع الاسم بعد (هلاَّ)، ومثل (كادَ تقولُ): (طَفِقَ يقولُ)، في أن لا يستعمل بعدها الاسم. قال: فَلَمَّا كان المعنى فيهن هذا، تركوا الأسماء لئلا يكون ما هذا معناه كغيره. أي: لئلا يكون ما معناه (أن يَفْعَلَ)، كما معناه غير ذلك. قال: فَمِنْ ثَمَّ مُنِعَ الأسماء. أي من الأسماء من الوقوع بعدها. أنشد: ارْدُدْ حمارَك لا تُنْزَعْ سَوِيَّتُهُ ... إذن يُرَدُّ ....

стр. 515

قال أبو بكر: كأنه أجاب من قال: لا أفعل ذاك، أي لا أرْدُدْ حماري فقال: إذن يُرَدّ. قال: ولو قلت: (والله إذنْ أفعَلَ)، تريد أن تخبر أنك فاعلٌ، لم يجز كما لا يجوز واللهِ أذهب﴾ إذن ﴿إذا أخبرت أنك فاعلٌ، فَقَبُحَ هذا، يَدُلُّك على أنّ الكلام معتمد على اليمين. قال أبو علي: قُبْح جواز الإيجاب هنا يدل على أنّ النصب لا يكون في الفعل (بإذنْ)، وأنه معتمد على التمييز، ويراد به النفي إذْ كان للإيجاب لا يكون هنا. قال أبو علي: إنما حذفت (لا) من قولك: واللهِ أفْعَلُ ونحوه في هذا الموضع، لأن النفي فيه لا يلتبس بالإيجاب، لأنه لو كان الفعل موجبًا باليمين للزمه اللام والنون، فتقول: لَأفْعَلَنَّ واللام وحدها في لغة ليست بالأكثر حكاها سيبويه.

стр. 516

قال: فإذا لم يلزمه ذلك عُلِمَ أنّه نفيٌ. وأنشد: لَئِنْ عادَ لي عبدُ العزيز بمثلِها ... وأمْكَنَني منها إذن لا أقيلُها قال أبو علي: لم يعمل (إذَنْ) في (لا أقيلها)، لأنّ الفعل معتمد على اليمين كأنه قال: واللهِ لئنْ عاد لي وأمكنني لا أقيلُها، فلا أقيلُها معتمد على اليمين. قال: وإن شئْتَ رَفَعْتَ على قول مَنْ ألغى. أي على قول من ألغى إذا جعلها بين الواو والفعل أو الفاء والفعل كقوله "وإذن لا يؤتون الناس نقيرًا". قال: فَلَمّا قَبُحَ ذلك جُعِلَتْ بمنزلة هَلْ وكأنَّما وأشباههما.

стр. 517

أي في أنه لم يعمل، كما أنّ (هَلْ) (وكأنما) لا يعملان، وذلك لَمّا فَصَل بين (إذَنْ) والفعل بالاسم. قال في (إذَنْ): لو كان بمنزلة اللام (و) حتى لأضْمَرْتَها. يعني أن إذا قلت: عبدُ الله إذَنْ يَأتِيَكَ، فكان ينبغي له أن ينصب (إذَنْ يَأتِيَكَ)، لأن المعنى واحد. يريد: (إذن يأتيَكَ) من قولك: عبدُ الله إذَنْ يأتيَكَ. يقول: لو كان النصب بعدها بإضمار (أنْ)، لكنت تنصب بها إذا كان ما بعدها معتمدًا على ما قبلها كما تنصب إذا لم يكن ما بعدها معتدًا إلا عليها نحو: (إذَنْ يَأتِيَكَ) في الجواب. **** هذا بابُ حَتَّى قال أبو علي: (حَتّى) ينتصب الفعل بعدها بإضمار (أنْ)، والتي ينتصب الفعل بعدها هي العاملة في الاسم الجرّ، و (أنْ) المضمرة والفعل المنتصب في موضع اسم مجرور كما أنّ (أكْرِمَكَ) من قولك: جئتُ لأكرِمَكَ، مع (أنْ) المضمرة في موضع اسم مجرور، (وحتى وأنْ) المضمرة والفعل المنتصب كله في موضع نصب، كما أن (يَزيدَ) من

стр. 518

قولك: (مَرَرْتُ بيَزيدَ) في موضع نصب. قال: وأمّا الوجه الآخر فأن يكونَ السَّيْرٌ قد كان، والدخولُ لم يكن، وذلك إذا جاءت مثلَ (كَيْ) التي فيها إضمارُ (أنْ)، وفي معناها وذلك قولك: كَلَّمْتُكَ حتى تأمر لي بشيءٍ. قال أبو علي: إنّما مَثَّلَه بكَيْ ليُرِي أنّ الأوّل سَبَبٌ للثاني، ألا ترى أنّ الكلام سَبَبٌ للأمر بالشيء؟!. قال: فحَتّى صارت هنا بمنزلة (إذا) وما أشْبَهَها. أي في أنه لا يعمل في الفعل، كما أن (إذا) لا تعمل في الفعل ولا في الاسم. قال أبو علي: الفعل في وجهي الرفع في (حتّى) للحال وله ارتفع، إلا أن السبب في الوجه الأول متصل بالمسبّب وبينهما في الثاني مهملة، والفصل بين الرفع والنصب بعد (حتّى) أن الفعل إذا رفع بعدها فالكلام جملتان، وإذا نصب فالكلام جملة واحدة وكان موضع (حتى) وما تعمل

стр. 519

فيه نصبًا، كما أن موضع (يزيد) بعد (مَرَرْتُ) موضع نصب، لأن قولك: (مررتُ) جملة تامة، كما أن (مررتُ) جملة تامة بعدها منصوب، وإذا رفعت الفعل بعد (حتّى) لم يكن لحتى موضع، كما أنك إذا قلت: ذَهَبَ زيدٌ وقَعَدَ عَمْرٌو لم يكن لذَهَبَ زيدٌ، ولا الجملة التي بعدها موضع، إنما هي جملة منقطعة من جملة، فقوله: حَتّى كُلَيْبٌ تسُبُّني ..... جملة منقطعة عن الأول، وليس كذلك (حتى) إذا جررت الاسم بها، لأنك إذا جررته كان الجار مع المجرور في موضع نصب كقولك: سِرْتُ حتّى مَطْلَعِ سُهَيْلٍ. قال: والرَّفْعُ ها هنا في الوجهين جميعًا كالرّفع في الاسم. قال الفرزدق: حتى كليبٌ ... قال أبوعلي: ارتفع الفعل بعد حتى من حيث ارتفع الاسم﴾ "لأن حتى لو كانت الجارة، ولم تكن التي هي بمنزلة حرف من حروف

стр. 520

الابتداء لانتصب الفعل بعدها كما ينجرّ الاسم بعدها، ولم يرتفع ﴿، ويدلك على (حتى) أنها من حروف الابتداء أنك تقول: حتى إنه يفعل ذلك. قال أبو علي: لو كانت الجارّة للاسم لوجب أن يفتح (أنّ) بعدها لأن تلك لا تدخل إلا على اسم، وأن مع صلته اسم. قال: وإذا قلت: لقد ضُرِبَ أمْس حتَّى لا يستطيعُ أن يتَحَرّكَ اليوم، فليس كقولك: سِرْتُ فأدْخُلُها، إذا لم تُرِدْ أن تجعلَ الدّخولَ السّاعةَ، لأنَّ السَّيْرَ والدُّخولَ جميعًا وَقَعا فيما مضى وكذلك: مَرِضَ حتى لا يَرْجُونَهُ، أي حتى إنه الآن لا يَرْجُونَه. قال أبو علي: مثَّلَ (حتّى) إذا كان الفعل بعدها مرتفعًا متصلاً بالفاء، ثم قال: إذا قلت: سِرْتُ فأدخلُها، فعطفت أفْعَلُ على فَعَلْتُ، وأنت تريد أن الفعلين جميعًا قد مضيا، فلا يجوز أن تشبه (حتى) إذا رفعت الفعل بعدها وكان متصلاً بالفعل بالفاء إذا كان الفعلان فيه قد نُصِبا، وإنما شبهه بالفاء للاتصال فقط. قال: وليس بَيْنَ حَتَّى في الاتصال وبَيْنَهُ في الانفصال فَرْقٌ. يريد في وجهي الرفع. قال: وإنّما اتّصالُه في أنّه كان فيما مَضى، وإلا فَلأنّه لَيْسَ

стр. 521

يُفارِقُ موضعه الآخر في شيء إذا رفعتَ. قال أبو علي: يجب أن يُفهم من قوله: وإنما اتصاله ... إلى آخر الباب أن الفعل المرتفع بعد (حتى) في وجهي الرفع جميعًا للحال لا يختلفان في ذلك، وإنما الخلاف بين الوجهين أن أحد الفعلين في أحد الوجهين متصل بالثاني، وفي الآخر غير متصل. ... هذا بابُ الرَّفع فيما اتَّصَلَ بالأول كاتصاله بالفاء أي بالفعل الذي قبل (حتى) في قولك: سِرْتُ حتى أدخُلُها وما انتصب لأنه غايةٌ. قال أبو علي: إذا بلغ الغاية جاز أن﴾ يتوغلها ﴿وأن يقف عندها. قال: ومن زعم أنَّ النّصبَ يكون في ذا، أي في (أرى زيدًا سار حتى يدخلُها)، لأنَّ المتكلم ليس بمُتَيَقِّنٍ، فإنَّه يدخلُ عليه (سَارَ زيدٌ حَتَّى

стр. 522

يدخُلُها فيما بَلَغني لا أدري). قال أبو علي: أدخل عليهم هذه المسألة لإجماعهم على رفعها بتيقن فقد بان أن النصب ليس يكون فيما بعد (حتى) من أجل زوال التيقُّن، إذ قد رفعوا ما بعدها حيث لم يتيقنوا. قال: وتقول: كنتُ سِرْتُ حتّى أدخُلُها إذا لم تجعل الدُّخولَ غايةً. قال أبو علي: من زعم أن الرفع لا يجوز في كُنْتُ سِرْتُ حتى أدخُلُها، لأن القلب لا يجوز فيه دخل عليه: قد سِرْتُ حتى أدخُلُها، ولزمه أن لا يجيز في الفعل بعد (حتى) في قولك: (سِرْتُ حتى أدخُلُها) إلا النصب، لأن القلب لا يجوز في هذه المسألة بإجماع من العرب ألبتة، لا يجوز: (سِرْتُ حتى أدخُلُها قَدْ) (ولا سِرْتُ حتى أدخُلُها) فقد بان أنَّ القلب في هذا ليس يكون النصب من أجله. قال: وتقول: قَلَّما سِرْت حتى أدخُلُها، إذا عنيْتَ غيرَ سَيْرٍ، وكذلك أقلُّ ما سِرْتُ حتى أدخُلَها. قال أبو علي: قوله: قَلَّما سِرْتُ حتّى أدْخُلُها على ضَرْبَيْن: إن أردت (قلَّما سِرْتُ حتى أدخلُها) سرتُ قليلاً جاز الرفع في

стр. 523

الفعل بعد (حتى). وإن أردت بقلَّما نفي السير أصلاً حتى كأنك قلت: (ما سِرْتُ) لم يجز الرفع أصلاً، كما أنّك إذا قلت: ما سِرْت حَتّى أدخلها لم يجز الرفع في الفعل بعد (حتى). وأقلُّ ما سِرْتُ بمنزلة قلّما سِرْتُ في النفي، فكما أنه لا يجوز الرفع في الفعل بعد (حتى) في قولك: قلّما سرتُ حتّى أدخلَها كما لم يجز في: ما سِرْتُ حتّى أدخلَها، كذلك لا يجوز الرفع في الفعل بعد حتّى في قولك: أقلُّ ما سِرْتُ حتّى أدخلَها، وإنما لم يجز الرفع في الفعل بعد (حتى) إذا نفيت الفعل الذي قبل (حتى) لأن الفعل الذي بعد (حتى) إذا رفع كان سببه الموجب له الفعل الذي قبله، فإذا بقي الفعل الذي هو السبب لم يكن المتولد عنه، فإذا رفع الفعل بعد (حتى) فهو للحال، ومن أجل ذلك ارتفع، فإذا نفي السبب الكائن عنه لم يكن ولم يتولد، فاستحال أن يرتفع وهو معدوم على الحال، فإذا لم يجز رفعه، لأنه ليس في الحال لنفي السبب صار (حتى) بمعنى إلى في أنه غاية، وانتصب الفعل بعده على إضمار (أنْ)، وصار الفعل المنتصب مع (أنْ) المضمرة الناصبة للفعل في موضع اسم مجرور، وصار (حتى) مع الاسم المجرور بعدها في موضع اسم منصوب. والدليل على أن (قَلَّما) نفي بمنزلة (ما) النافية نصبك الفعل بعدها بعد الفاء في قولك: قَلَّما سِرْتُ فأدْخُلَها. فإن قيل: أليس علتُك في بطلان الرفع بعد (حتَّى) إذا نفيت السَّير زوال السبب المؤدي إلى الحال، فهلا أبطلت النصب أيضًا فيه،

стр. 524

ولم يجز لزوال السبب المؤدي إلى الغاية إذا نفيت؟! قلت: النفي يدخل على الإيجاب، والإيجاب قبله، وإنما أثبت الغاية في النفي من حيث أثبته في الإيجاب ألا ترى أنك إذا قلت: سرتُ إلى البصرة، فقد أثبت غاية فإن نفيت السير أدخلت النفي على الإيجاب المثبت فيه الغاية فقلت: ما سِرت إلى البصرة، فالغاية نَفَيْتَ السَّيْرَ أو أوْجَبْتَهُ ثابِتَةٌ، والحالُ إذا نفيْتَ السببَ الموجبَ لها لم تكنْ. قال: وتقول: إنّما سِرْتُ حتَّى أدخلَها، إذا كنتَ مُحْتَقِرًا لِسَيْرِكَ الذي أدَّى (إلى) الدخول. قال أبو العباس: ليس شيء أقرب إلى النفي من القلة، فلذلك أجرى الاحتقار مجرى النفي، فنصب الفعل بعده كما ينصب بعد النفي. قال: وتقول: كان سَيْرِي أمْس، فإذا أنا أدخُلُها لم يَجُزْ. قال أبو علي: إذا نصبت الفعل بعد (حتّى) في قولك: كان سيري أمس حتى أدخلَها، كان جيدًا، لأن (حتى أدخلها) خبر كان، وهو في موضع نصب المعنى: كان سيري إلى دخولها وجعلت (أمْسِ) ظرفًا غير مستقر، فإن رفعت الفعل بعد (حتى) على هذا لم يجز، لأنه لا يكون في الكلام لكان خبر، ألا ترى أن قولك: فأدخلها من قولك: كان سَيْري فأدخلُها لا يكون خبرًا لكان، ولو جعلت أمْسِ مستقرًا جاز في قولك: كان سَيْري أمْسِ حتى أدخُلُها الرفع، ولو جعلت (كان) التي بمعنى

стр. 525

(وقعَ)، وأمس غير مستقر لجاز الرفع في قولك: حتى أدخلُها، لأن (كان سَيْري) على هذا جملة تامة، كما أن (سِرْتُ) كذلك، فكما جاز الرفع بعد (سِرْتُ)، فكذلك يجوز بعد (كان) التي بمعنى وقع. قال: واعْلم أنَّ ما بعدَ حَتّى لا يَشْرَكُ الفِعْلَ الذي قبلَ حَتّى في موضعِه كشَرِكَةِ الفعلِ الآخر الأوّل إذا قُلْتَ: لم أجىءْ فأقُلْ ولو كان ذلك لاستحال (كان سيري أمس شديدًا حتى أدْخُلُ) ولكنَّها تجيءُ كما يجيءُ ما بعْدَ إذا وبعدُ حرف الابتداء، وكذلك هي أيضًا بعد الفاء إذا قلتَ: ما أحْسَنَ ما سِرْتُ فأدخُلُها. قال أبو علي: هي كناية عن قوله (فأدخُلُها). قال أبو علي: يريد أنَّ حتّى هنا لا تشرك ما بعدها فيما قبلها كما تشرك حروف العطف فيما قبلها. وقوله: ولو كان كذلك، أي لو أشركتْ كما تشرك حروف العطف فيما قبلها لاستحال رفع (أدْخُلُ) في قولك (كان سيري أمس شديدًا حتى أدخلُ) وإنما كان يستحيل هذا لأنها لو أشركت كما تشرك الواو لما جاز أن يعطف بها الفعل على الاسم، لكنك كنت تضمر أنْ بعدها، ليصير الفعل معها في تأويل الاسم ويصير أنْ والفعل في موضع رفع للعطف على سَيْرِي. قال: فإن قُلْتَ: كان سَيْري﴾ أمس ﴿حتى أدخلُها تجعل أمْسِ

стр. 526

مستقرًا جاز الرّفْعُ، لأنّه استغنى فصار كَسِرْتُ. قال: لأنَّ سِرْتُ جملة تامّةُ، كما أنَّ قولَه (كان سيري أمسِ) جملة تامة. قال: واعلم أنَّ الفعلَ إذا كان غيرَ واجبٍ لم يكن إلا النَّصْبُ مِن قبل أنه إذا لم يكن واجبًا رَجَعَتْ حَتّى إلى أنْ وكَيْ. قوله: (كان سيري أمس) كُلُّه غيرُ واجب، أي إذا كان منفيًّا مثل قولك: ما سِرْتُ حتى أدخلَها. قال: وتقول: أيُّهم سارَ حتى يدخلُها، لأنَّك قد زعمتَ أنَّه كان سيْرٌ ودخولٌ وإنَّما سألتَ عن الفاعل. قال أبو علي: كأن قائلاً قال له: لم رفعْتَ الفعل بعد (حتّى) والكلام استفهام غير واجب؟ وقد قلت: إن الفعل بعد (حتى) إنما يرفع إذا كان الكلام واجبًا؟! فقال: الفعل ها هنا موجب غير مُستفهم عنه، وإنما الاستفهام عن فاعل الفعل لا عن الفعل، ألا ترى أنك لو قلت: أيْن الذي سار حتى يدخلُها؟ وقد دخَلَها، لَجازَ أنْ يقَعَ الفعلُ الماضي الواجب مع استفهامك عن الفاعل، لأن الفعل واجب غير مُسْتَفْهم عنه. وقوله: لَجازَ هذا الذي يكون لِما قد وقَعَ، أي جاز أن يقع

стр. 527

الفعل الماضي في هذا الموضع لأن الاستفهام عن الفاعل. وقوله: لِما قد وَقَعَ صِلَة، ليكون الذي هو صلة (الذي). وقوله: لأنَّ الفعلَ ثمَّ واقِعٌ، أي في قولك: أيُّهم سارَ حتّى يدخلُها وأين الذي سار حتى يدخلُها، الفعل واقع وإن كان الفاعل مستفهمًا عنه. قال: وليسَ بمنزلة قَلَّ ما سِرْتُ، إذا كان نافيًا لِكثر ما، ألا ترى أنّه لو قال: قَلَّما سِرْتُ فدخلتُها، وهو يريد أن يجعلها واجبةً أي يجعل قوله (فأدخلُها)، أو (حتى أدخلُها) واجبة، خارجة من معنى (قَلَّما) أي إذا كانت نافية بالجملة لم يستقم إلا أن تقول: قَلَّما سِرْتُ حتى دخلتُ، أي لم أسِرْ ولكنّي دخلْتُ، فإنّما تَرْفعُ بحتى في الواجب. أي وليس (قَلَّما) إذا كان نفي كثر ما بواجب فترفع بعده، ويكونُ ما بعدها مبتدأ منفصلاً من الأوّل كان مع الأوّل، أي كان المنفصل المرفوع بعد (حتّى) فيما مضى أو الآن.

стр. 528

قال: وتقول: أسِرْتَ حتى تدخلَها نصْبٌ لأنّك لم تثبتْ سَيْرًا تَزْعُمُ أنّه قد كان معه دخولٌ وأبو الحسن يجوّز الرّفْعَ لأنّك لو قلت: سِرْتُ فإذا أنت داخلٌ جاز. قال أبو علي: قد تقدم رد أبي العباس عليه، وإن السبب إذا لم يكن، لم يوجد المتولد عنه.

стр. 529

هذا بابُ ما يكون العملُ فيه من اثنين وذلك قولك: سرت حتى يدخلَها زيدٌ، إذا كان دخول زيد لم يُؤَدِّه سَيْرُك، ولكنّك لو قلت: سرتُ حتى يدخلُها ثقَلي أو بدني رَفَعْتَ، لأنّك جعلْت دخولَ ثِقَلِكَ يُؤدّيه سَيْرُكَ، وبَدَنُكَ لم يكن دُخولُه إلاّ بِسَيْرِكَ، وبَلَغَنا أنَّ مُجاهِدًا قَرَأ "وزُلْزلوا حتى يقولُ الرّسولُ"، وهي قراءة أهل الحجاز. قال أبو علي: تأويل ذلك والله أعلم أنهم لما أنْ كان (زُلزِلوا) سببًا لقول الرسول كما صار السّير سببًا لدخول البدن والثّقل، ومن قرأ "وزُلزلوا حتى يقولُ الرّسولُ" جعله بمنزلة سِرْتُ حتى يدخلُها زيدٌ، وسِرْتُ حتى تَطلع الشمسُ فلم يجعل قول الرسول سببًا لزلزلوا، كما لم يجعل سيره سببًا لطلوع الشمس، ولكن جعل قول الرسول غاية، كأنه على التقدير: وزُلزِلوا إلى أنْ قال الرسولُ، كما جعل طلوع الشمس غاية لسيره حتى يدخلَها زيدٌ، أي قبل أن يقطعه على قولك: حتّى أدخُلَها فلما عطفته عليه لم يجز غيره. قال: وصارَ﴾ ت ﴿إعادتُك حتّى كإعادتِكَ له في تبا لهُ، وويلٌ لك، منْ عمرًا ومنْ أخو زيدٍ؟!.

стр. 530

قال أبو علي: يقول: لما أعدت (له) بعد (ويل) ابتدأته، وقطعته مرتبًا، وكذلك لما أعدت (مَنْ) ثانية بعد عمرو محكيًا قطعته منه رفعته. قال: وإنّما كانتْ (أدْخُلُها) حائلةً بين (حتّى)، يريد (أدخُلُها) من قولك في المسألة (سِرْتُ حتّى أدخُلَها وتطْلُعُ الشَّمْسُ). قالوا: بين أن تنصب لأن (حتى) لا تنصب إلا ما يليها. أي: قولك وتطلعُ الشمس لم تل (حتّى) فيجوز أن تنصبه. في الكتاب: قال أبو الحسن: أنا أزعم أنّ هذه التي ترفع ما بعدها ليست حتى التي تنصب ما بعدها. قال أبو علي: هكذا قول الخليل وسيبويه إن التي ينصب بعدها الفعل هي التي تخفض الاسم، والتي يُرفع الفعل بعدها هي بمنزلة حرف من حروف الابتداء. قال: ويَحْسُنُ أنْ تقولَ: سِرْتُ حتّى تطلُعَ الشَّمْسُ، وحتّى أدْخُلَها كما تقول: سِرْتُ إلى يوم الجمعة وحتّى أدخُلُها.
следующие страницы →