← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13245

التعليقة على كتاب سيبويه

أبو علي الفارسي

Полный текст (1 534 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

مستقرًا جاز الرّفْعُ، لأنّه استغنى فصار كَسِرْتُ. قال: لأنَّ سِرْتُ جملة تامّةُ، كما أنَّ قولَه (كان سيري أمسِ) جملة تامة. قال: واعلم أنَّ الفعلَ إذا كان غيرَ واجبٍ لم يكن إلا النَّصْبُ مِن قبل أنه إذا لم يكن واجبًا رَجَعَتْ حَتّى إلى أنْ وكَيْ. قوله: (كان سيري أمس) كُلُّه غيرُ واجب، أي إذا كان منفيًّا مثل قولك: ما سِرْتُ حتى أدخلَها. قال: وتقول: أيُّهم سارَ حتى يدخلُها، لأنَّك قد زعمتَ أنَّه كان سيْرٌ ودخولٌ وإنَّما سألتَ عن الفاعل. قال أبو علي: كأن قائلاً قال له: لم رفعْتَ الفعل بعد (حتّى) والكلام استفهام غير واجب؟ وقد قلت: إن الفعل بعد (حتى) إنما يرفع إذا كان الكلام واجبًا؟! فقال: الفعل ها هنا موجب غير مُستفهم عنه، وإنما الاستفهام عن فاعل الفعل لا عن الفعل، ألا ترى أنك لو قلت: أيْن الذي سار حتى يدخلُها؟ وقد دخَلَها، لَجازَ أنْ يقَعَ الفعلُ الماضي الواجب مع استفهامك عن الفاعل، لأن الفعل واجب غير مُسْتَفْهم عنه. وقوله: لَجازَ هذا الذي يكون لِما قد وقَعَ، أي جاز أن يقع

стр. 527

الفعل الماضي في هذا الموضع لأن الاستفهام عن الفاعل. وقوله: لِما قد وَقَعَ صِلَة، ليكون الذي هو صلة (الذي). وقوله: لأنَّ الفعلَ ثمَّ واقِعٌ، أي في قولك: أيُّهم سارَ حتّى يدخلُها وأين الذي سار حتى يدخلُها، الفعل واقع وإن كان الفاعل مستفهمًا عنه. قال: وليسَ بمنزلة قَلَّ ما سِرْتُ، إذا كان نافيًا لِكثر ما، ألا ترى أنّه لو قال: قَلَّما سِرْتُ فدخلتُها، وهو يريد أن يجعلها واجبةً أي يجعل قوله (فأدخلُها)، أو (حتى أدخلُها) واجبة، خارجة من معنى (قَلَّما) أي إذا كانت نافية بالجملة لم يستقم إلا أن تقول: قَلَّما سِرْتُ حتى دخلتُ، أي لم أسِرْ ولكنّي دخلْتُ، فإنّما تَرْفعُ بحتى في الواجب. أي وليس (قَلَّما) إذا كان نفي كثر ما بواجب فترفع بعده، ويكونُ ما بعدها مبتدأ منفصلاً من الأوّل كان مع الأوّل، أي كان المنفصل المرفوع بعد (حتّى) فيما مضى أو الآن.

стр. 528

قال: وتقول: أسِرْتَ حتى تدخلَها نصْبٌ لأنّك لم تثبتْ سَيْرًا تَزْعُمُ أنّه قد كان معه دخولٌ وأبو الحسن يجوّز الرّفْعَ لأنّك لو قلت: سِرْتُ فإذا أنت داخلٌ جاز. قال أبو علي: قد تقدم رد أبي العباس عليه، وإن السبب إذا لم يكن، لم يوجد المتولد عنه.

стр. 529

هذا بابُ ما يكون العملُ فيه من اثنين وذلك قولك: سرت حتى يدخلَها زيدٌ، إذا كان دخول زيد لم يُؤَدِّه سَيْرُك، ولكنّك لو قلت: سرتُ حتى يدخلُها ثقَلي أو بدني رَفَعْتَ، لأنّك جعلْت دخولَ ثِقَلِكَ يُؤدّيه سَيْرُكَ، وبَدَنُكَ لم يكن دُخولُه إلاّ بِسَيْرِكَ، وبَلَغَنا أنَّ مُجاهِدًا قَرَأ "وزُلْزلوا حتى يقولُ الرّسولُ"، وهي قراءة أهل الحجاز. قال أبو علي: تأويل ذلك والله أعلم أنهم لما أنْ كان (زُلزِلوا) سببًا لقول الرسول كما صار السّير سببًا لدخول البدن والثّقل، ومن قرأ "وزُلزلوا حتى يقولُ الرّسولُ" جعله بمنزلة سِرْتُ حتى يدخلُها زيدٌ، وسِرْتُ حتى تَطلع الشمسُ فلم يجعل قول الرسول سببًا لزلزلوا، كما لم يجعل سيره سببًا لطلوع الشمس، ولكن جعل قول الرسول غاية، كأنه على التقدير: وزُلزِلوا إلى أنْ قال الرسولُ، كما جعل طلوع الشمس غاية لسيره حتى يدخلَها زيدٌ، أي قبل أن يقطعه على قولك: حتّى أدخُلَها فلما عطفته عليه لم يجز غيره. قال: وصارَ﴾ ت ﴿إعادتُك حتّى كإعادتِكَ له في تبا لهُ، وويلٌ لك، منْ عمرًا ومنْ أخو زيدٍ؟!.

стр. 530

قال أبو علي: يقول: لما أعدت (له) بعد (ويل) ابتدأته، وقطعته مرتبًا، وكذلك لما أعدت (مَنْ) ثانية بعد عمرو محكيًا قطعته منه رفعته. قال: وإنّما كانتْ (أدْخُلُها) حائلةً بين (حتّى)، يريد (أدخُلُها) من قولك في المسألة (سِرْتُ حتّى أدخُلَها وتطْلُعُ الشَّمْسُ). قالوا: بين أن تنصب لأن (حتى) لا تنصب إلا ما يليها. أي: قولك وتطلعُ الشمس لم تل (حتّى) فيجوز أن تنصبه. في الكتاب: قال أبو الحسن: أنا أزعم أنّ هذه التي ترفع ما بعدها ليست حتى التي تنصب ما بعدها. قال أبو علي: هكذا قول الخليل وسيبويه إن التي ينصب بعدها الفعل هي التي تخفض الاسم، والتي يُرفع الفعل بعدها هي بمنزلة حرف من حروف الابتداء. قال: ويَحْسُنُ أنْ تقولَ: سِرْتُ حتّى تطلُعَ الشَّمْسُ، وحتّى أدْخُلَها كما تقول: سِرْتُ إلى يوم الجمعة وحتّى أدخُلُها.

стр. 531

قال أبو علي: جعل الفعل المنصوب بعد (حتّى) بمنزلة اسم لأن أنْ مضمرة، ألا ترى أنه مثَّلَهُ باسم فقال: كما يجوز أن تقول: سِرْتُ إلى يومٍ الجُمُعةِ. قال: قال امْرُؤ القَيْسِ: سَرَيْتُ بهم حتّى تَكِلَّ مَطِيُّهم .... وحتّى الجيادُ ما يُقَدْنَ بأرْسانِ فهذه الآخِرة هي التي تَرْفَعُ قوله: هي التي ترفع، يريد التي يرتفع الفعل بعدها، كما يرتفع الاسم في قولك: حتّى كُلَيْبٌ، لأنه بمنزلة حرف من حروف الابتداء. قال: وإنْ نَصَبْتَ وقد رَفَعْتَ فعلَك فهو مُحالٌ. أي لأنك لا تعطف بمنصوب على مرفوع.

стр. 532

هذا بابُ الفاء قال أبو علي: الفصل بين قولك: (لا تأتيني فتُحَدِّثُني) إذا أشركته مع الفعل الأول أو حملته على أنه خبر مبتدأ، وبين قولك (ما تأتيني فتُحدّثَني) أنك إذا نصبت فتقدير الكلام جملة واحدة وإذا رَفَعْت فالكلام جملتان، ألا ترى أنك إذا قلت: (ما تأتيني فتحدّثُني) فكأنك قلت: لم يكن إتيان فحديث، وإذا رفعت نفيت كل واحدة من الجملتين على حدة، إلا أن الجملة الثانية إذا جعلتها خبرًا لمبتدأ محذوف كان جملة من مبتدأ وخبر والخبر فعل وفاعل إذا أشركته مع الأول كان جملة من فعل وفاعل. قال: كما لا يَقَعُ معنى الاستثناء في (لا يكونُ) ونحوِها إلا أنْ تُضْمِرَ. أي تضمر ما يكون المستثنى خبره، كقولك: أتاني القومُ لا يكونُ زيدًا، أضمرت بعضهم لأن التقدير: لا يكونُ بعضُهم زيدًا.

стр. 533

قال: ونَظِيرُ جَعْلِهم لَمْ آتِكَ، ولا آتِيكَ وما أشْبَهَهُ بمنزلة الاسم في النّيَّةِ حتّى كأنّهم قالوا: لَمْ يَكُ إتْيانٌ، إنشادُ بعض العربِ قولَ الفرزدق: مَشائيم لَيسوا مُصلحين عَشيرةً ... ولا ناعبٍ إلا بِبَيْنٍ غُرابُها قال أبو علي: يقول: إنك إذا قلت: ما تأتينا فكأنك قلت: لم يكن إتيانٌ، كما أن الشاعر لَمَّا قال: لَيْسُوا مُصْلِحينَ فكأنه قد قال: ليسوا بمصلحين، ومعنى ليسوا مصلحين كمعنى ليسوا بمصلحين، كما أن معنى (ما تأتيني) معنى لم يكن منك إتيانٌ ولو قال قائل: إن دلالة الفعل على مصدره أقوى في الدلالة من هذا الذي مثَّلَه به، لكان عندي هو القول، ألا ترى أن الفعل يدل على مصدره في مثل قولك: مَنْ كَذَبَ كان شَرا له، "ولا تحْسَبَنَّ الذين يَبْخلون"، والمصدر أيضًا يدل على فعله في مثل سُقْيًا وما أشبهه وفي مثل: ... شَلا كما تطْردُ الجَمَّالَة الشُّرُدا

стр. 534

المصدر ها هنا دل على الفعل فحذف الفعل لدلالة مصدره عليه وقد خطَّأ أبو العباس أبا عُبَيْدةَ فيما أخبرنا أبو بكر عنه في تأوله هذا البيت على أن إذا محذوف الجواب، وفي تأويله إياه في موضع آخر على أن إذا زيدٌ، وقال: كل واحد من تأويل أبي عبيدة مناقض للآخر، والقول ما قلنا من أن المصدر قام مقام الفعل الذي هو جواب إذا، وكأن سيبويه أراد بتمثيله ذلك بهذه الأبيات التي ينشدها في غير هذا الموضع على جهة الغلط أنه إذا جاز مثل هذا مما هو كالغلط، فما يكون فيه الفعل دالاًّ على المصدر أجوز، هذا وجه التشبيه عندي. قال: في قوله: ما تأتيني فتُحدّثني: فإن تُحَدِّثَ في اللفظ مرفوعةٌ بيَكُنْ، لأنّ المعنى: لم يكنْ إتيانٌ فيكون حديثٌ. قال أبو علي: يستنبط من قوله: فإنَّ تُحدّث في اللفظ مرفوعة بيكن ما قلناه من أنّك إذا نصبت فتقدير الكلام جملة واحدة على خلاف تقديره إذا رفعت. قال: فمثل﴾ النصب ﴿قوله "لا يُقْضى عليهم فيموتوا" ومثلُ الرَّفْع قولُه تعالى "هذا يوم لا ينطقون، ولا يُؤذَنُ لهم فيعتذرون".

стр. 535

قال أبو علي: تأويل هذه الآية: لا ينطقون ولا يعتذرون، كما أن معنى ما تأتينا فتُحَدّثُنا: ما تأتينا وما تحدثُنا، فالثاني منفي كما أن الأول منفي، وقد يُسأل عن هذه الآية فيُقال: كيف جاز لا ينطقون مع يعتذرون وقد نُفي عُذْرُهم، والاعتذار نُطْقٌ؟ فهذا على أحد تأويلي سيبويه لا يلزم هذا السؤال، لأن الاعتذار منفي، كما أن النطق منفي، فالفعل الثاني قد شرك، وهذا السؤال إنما يلزم إذا كان لم يَشْرِكْ الفعلُ الثاني الأول، وجُعل الثاني منقطعًا من الأول، وخبرُ المبتدأ محذوفٌ، كأنه في التقدير: ولا ينطقون، ولا يُؤذن لهم فهم يعتذرون، فالتأويل الأول أسوغ لأن الكلام فيه على وجه لا إضمار فيه. ولو حملت الآية على الوجه الثاني لكان اعتذارهم ليس بعذر على الحقيقة كَلا نُطْقَ، وصار هذا كقولك: تَكَلَّمْتَ ولم تتكلّمْ إذا لم يأتِ بكلامٍ جَيّد. وقال في عطف الأفعال المضارعة على فعل الأمر المبني على الوقف: فإذا أردت أنْ تجعل هذه الأفعال أمرًا أدخلت اللام، وذلك قولُك: ائْتِه فَلْيُحَدِّثْكَ وفيُحدّثَكَ إذا أردْتَ المُجازاةَ، ولو جاز الجزمُ في ائْتِني فأحدِّثَكَ ونَحوها لَجاز تحدّثْني تُريدُ به الأمرَ.

стр. 536

قال أبو علي: إنما لزم هذا لأنّك إذا قلت: ائتني فأحدّثْكَ فلا جازم في الكلام عطفت عليه (أحدّثْك) وجزمته به، كما أنك إذا قلت: (تُحدِّثُني) مبتدئًا فلا جازم له، فلو جاز جزمه في العطف ولا جازم له لجاز جزمه في الابتداء، وإذا لم يكن له جازم فكما لم يجز في الابتداء جزمه ولا جازم، كذلك لا يجوز في العطف جزمه ولا جازم. قال: وتقول: ألَسْتَ قد أَتَيْتَنا فتُحدِّثَنا إذا جَعَلْتَه جوابًا، ولم تجعل الحديثَ وقع﴾ إلا ﴿بالإتيان، وإذا أردت فتحدِّثُنا رَفَعْتَ. قال أبو علي: أي إن أردت بقولك فتُحدّثُنا حَدِّثْنا فوضعْتَ المضارع موضع الماضي رفعْتَ. قال: وتقول: حَسِبْتُه شَتَمَني فأثِبَ عليه إذا لم يكن الوثوبُ واقعًا. قال أبوعلي: العمدة في نصب ما بعد الفاء أن يكون ما قبله غير واجب فلذلك جاز حَسِبْتُهُ شَتَمَني فأثِبَ عليه. قال: وقال : "فلا تكفر فيتعلمون" فارتفع لأنه لم يُخبر عن المَلكين أنهما قالا: لا تكفر فيتعلمون ليجعلا كُفره

стр. 537

سببًا لِتَعَلُّم غيره ولكنّه على كفروا فيتعلمون. قال: ومثْلُه "كن فيكون" كأنّه قال: إنّما أمرنا ذاك فيكون. قال أبو علي: يعني (كفروا) من قوله تعالى "ولكنَّ الشياطين كفروا، فيتعلمون منهما"، فقوله: (فيتعلمون منهما) معطوف على (كفروا) وإن كان (كفروا) ماضيًا (ويتعلمون) مضارعًا، لأن (كفروا) وإن كان ماضيًا فهو في موضع فعل مرفوع ولو حمل على الابتداء والقطع على (فلا تكفر فهم يتعلمون) كان حسنًا، ولا يجوز أن يكون جوابًا لتكفرْ، لأنه لو كان كذلك لكان لا تكفر فيتعلمون. وقال قائل أظنه أبا العباس: (فيتعلمون) معطوف على قوله: يُعلِّمون فيَتَعَلَّمون. وردّ أبو إسحاق عليه هذا بأنْ زعم أنّه لو كان كذلك لكان فيُعَلِّمون منهم، وأن التثنية بعد فيتعلَّمون دلت على أن يتَعَلَّمون ليس بمعطوف على يُعَلِّمون، إذ لو كان العطف على يُعَلِّمون لكان موضع التثنية جمع. قال أبو إسحاق: واستحسن أن يكون معطوفًا على يُعَلِّمونَ، كأنه على يُعَلِّمونَ فيتَعَلَّمون منهما.

стр. 538

قال: وقد يجوز النَّصْبُ في الواجب في اضطرار الشعر، ونصبُهُ في الاضطرار مِنْ حيثُ انتصبَ في غير الواجب، وذلك أنّك تجعلُ (أن) العاملةَ، فَمِمَّا نُصِبَ في الشّعْرِ اضطرارًا قولُه: سأترُكُ مَنزلي ... قال أبو علي: دلالة المصدر على الفعل في الإيجاب كدلالته عليه في النفي، ألا ترى أنك إذا قلت: أنت تأتيني، فقد دل على (يكون منك إتيانٌ)، كما أنك إذا قلت: (لا تأتيني) فقد دل على (لا يكون منك)، فالإيجاب والنفي وما أشبهه ممّا كان غيرَ واجبٍ هو الذي عليه الاستعمال، ووُجِد كذلك بالاستقراء فَنَصْبُ الفعلِ بإضمار في الفاء بعد الفعل الموجَبِ شاذّ عن الاستعمال مطّرِدٌ في القياس لا يجيءُ إلا في شِعْرٍ.

стр. 539

ونَصْبُه في الفاء والواو وما أشبههما من الحروف التي تُضمَرُ (أنْ) بعدها في النّفي مُطّرِدٌ في الاستعمال والقياس جميعًا. قال: وسألتُه عن "ألم تر أن الله أنزلَ من السماء ماء فتصبحُ الأرض مخضرة"، فقال: هذا واجب وهو تنبيه ليس بنفي فيُحْمَلَ عليه (فتُصبحُ)، ألا ترى أنَّ اخضرارَ الأرض ليس سببُها رؤيَتَكَ؟!. قال: وإنّما خالف الواجبُ النّفي لأنك تنقُضُ النّفيَ إذا نَصَبْتَ وتُغَيّرُ المعنى، يعني أنّك تنفي الحديثَ وتوجِبُ الإتيانَ، تقول: ما أتيتني قَطُّ فتُحدِّثَني إلا بالشَّرِّ فقد نَقَضْتَ نَفي الإتيان، وزعمْتَ أنّه قد كان. قال أبو علي: يذكرُ في هذا الموضع أشياء مُختصٌّ بها النّفي ولايكون في الإيجاب، فلا يُستنكر أيضًا أنْ يُنْتَصَبَ الفعلُ بعد الفاء بإضمار (أنْ) في النّفي، ولا يُنْتَصَبُ في الإيجاب. فقوله: وإنّما خالف الواجبُ النفي لأنك تنقض النفي إذا نصبت. أي: إنما خالف الواجب النفي في أنْ لم يَحْسُنْ انتصابُ الفعلِ بعد الفاء بإضمارٍ في الواجب، وحَسُنَ انتصابُه في النّفي لأنّك تنقُضُ النفي أي لأنك قد تنقض في النفي معنى النفي حتى يَؤولَ إلى الإيجاب إذا

стр. 540

نصبْتَ بعد الفاء. قوله: ويُغيِّرُ المعنى، معنى أنك تنفي الحديث فتوجب الإتيان، أي بغير النفي المعنى معنى نفيُك الحديثَ، فمعنى نفيُك الحديثَ بَدَلٌ من المعنى والنّفيُ هو المغير للمعنى، والمعنى مفعول به، وفائدةُ هذا الكلام أنّ النفي يُغَيّرُ معنى الكلام، فيصيرُ المنفيُّ موجَبًا، ألا ترى أنّك إذا قلت: ما أتيتني قطُّ فتُحدّثَني إلاّ بالشَّر، فقد نَفَيْتَ الإتيان في اللفظ وأوجَبْتَه في المعنى، لأنَّ المعنى أنّك تأتيه فتُحَدِّثُه بالشَّرِّ. قال: وتقول: ائتني فأحَدِّثَك، فليس هذا من الأمر الأول في شيءٍ. قال أبو علي: قولُه: فليس هذا من الأمر الأول في شيء، أي إذا قال: ائتني فأحدثك، فكأنه قال: لِيَكُنْ إتيانٌ فحديثٌ، وليس هذا كالمسائل التي قَدَّمها في أنَّ معنى النفي قد آل فيها إلى الإيجاب. قال في الإيجاب نحو: سوف تأتينا فتُحدثُنا، فلم يحتاجوا إلى (أنْ) لِما ذكَرْتُ لك، ولأنَّ تلك المعاني لا تقع ها هنا. قال أبو علي: أي المعاني التي بها النفي، ولو كانت الفاءُ والواوُ وأوْ يَنْصِبْنَ لأدخَلْت عليها الفاءَ والواوَ للعطف، ولكنّها كحتّى في الإضمار والبدل. قال أبوعلي: الفاء والواو، وأو حروف عطف، والفعل ينتصب بعدهن على إضمار (أنْ)، كما أن ما بعد (حتّى) في الغاية، واللام في

стр. 541

النفي موضع إضمار (أنْ)، وهذه الحروف العاطفة أبدال من (أنْ)، كما أن (حتى) واللام بدلان من (أنْ)، ألا ترى أن (أنْ) لا تظهر معهم كما لا تظهر معها، لا تقول: ما تأتيني فأنْ تُحدثَني، كما تقول: "ما كان زيدٌ لأن يفعلَ إذا أراد ليفعل، فإن قال قائل: إن هذه الحروف العاطفة هي الناصبة للفعل كما أن (أنْ ولن) ناصبان له، قيل له: لو كُنَّ مثلها للزم أن تدخل حروف العطف عليهن، كما يدخلان على (أن ولن)، فتقول: ما تأتيني فتُحدثني وتشتُمَني، كما تقول: يُعجبني أن تقومَ وأن تجلس، ولنْ يقوم ولن يذهبَ وامتناعُ دخول حرف العطف على هذه الحروف إذا انتصب الفعل بعدها دليلٌ على أنها ليست الناصبةُ للفعلِ، إذ كانت كذلك لدخلت حروف العطف عليها، ألا ترى أنَّ الواو في القَسَم لَمّا لم تكن حرفَ عطف، وكانت بدلاً من الباء الجارّة، دخلت حروف العطف عليها، وذلك قولُك: والله لأكرمنّك، ووالله لأعطينَّك، وكذلك (ثُمَّ) وسائرُ حروف العطف لا تمتنع من الدخول على واو القسم ولو كانت الفاء والواو التي ينتصب الفعل بعدها غير العاطفة لدخلها حروف العطف كما دخلت على واو القسم لَمّا لم تكن حرفَ عطف، وحُكِيَ أنَّ أبا عمر الجَرمي كان يذهب إلى أنّ الفاء وسائر حروف العطف هي الناصبة للفعل بمنزلة (أنْ)، وهذا القولُ يَفْسُدُ بهذه الحُجَجِ التي قَدَّمْنا هنا، والله أعلمُ.

стр. 542

هذا بابُ الواو قال: وإن شئت جَزَمْت على النهي في غير هذا الموضع، إذا أردت أن تنهاه عن الثاني كما تنهاه عن الأوّل، قال جرير: ولا تَشْتِم المولى وتبْلُغْ أذاتَه .... قال أبو علي: نهاه عن الشَّتْم وبُلوغ الأذى معًا. وأنشد: ... فلم أفْخَرْ بذاك وأجْزَعا أي: أجمعُ بينهما ولو كان (أجْزَع) على حِيالِه لكان (وأجزَعُ).

стр. 543

قال: وتقول: لا يَسَعُني شيءٌ ويعجزَ عنك. قال أبو علي: معنى ذلك لا يجتمع ألاَّ يسعني شيءٌ ويعجزَ عنك. قال: ومِن النَّصْب في هذا الباب قولُه "ولَمّا يعلمِ اللهُ الذين جاهدوا منكم ويعلمَ الصابرين" وقد قرأها بعضُهم "ويعلمِ الصابرين". قال أبو علي: مَنْ نَصَبَ "ويعْلَمَ الصابرين" فالمعنى: أمْ حَسِبْتُم أنْ تدخلوا الجنَّة ولَمّا يجتمع العلمُ بالمجاهدين والعلم بالصابرين فتقديرُ الكلام جُملة واحدة، ومَنْ جَزم فالتَّقديرُ جملتان. قال: وقال تعالى: "يا ليتنا نُرَدُّ ولا نُكذّبُ بآيات ربّنا ونكونَ من المؤمنين" فالرّفعُ على وجهين: فأحدُهما: أن يشْرَكَ الآخِرُ الأوّل، أي يدخلُ كلُّه في التَّمنّي.

стр. 544

والآخر: على قولك: دَعْني ولا أعودُ، أي فإنّي مِمَنْ لا يعودُ فإنّما يسأل التّرْكَ، وقد أوْجب على نفسه ألاَّ عودةَ له ألبَتّةَ تُرِكَ أو لم يُترَك، ولم يُرِدْ أن يسأل أن يجتمع له التّركُ وألا يعود وأمّا عبدُ الله بنُ أبي إسحاق فإنه كان ينصب هذه الآية. قال أبو علي: الرّفع عندي في "نكونُ من المؤمنين" على قولك: دعني ولا أعودُ، كأنّه أقوى منه في الوجه الأول، وذلك أنهم على هذا التأويل إنما يتمنون الرّدّ، وقد صدّقوا بآيات الله، والإيمان به لما ظهر لهم من أعلام القيامة، والآياتُ التي ترتفع معها الشُّبَه، فهم يتمنون الرّدّ ويجرُون أنهم لا يُكذّبون ألبتة، وليس يتمنون أن يعرفوا الآيات وأن لا يُكَذّبوا، إنما يتمنون الرّدّ والرُّجوع فقط. ومَنْ نَصب فالنصبُ في المعنى كالرفع في الوجه الأول، والذي وَفَّقَ بينهما أن الثاني المنصوب داخلٌ في التمني كما كان المرفوع في الوجه الأول الذي قدمه سيبويه داخلاً فيه، وهو في التمثيل ياليتنا يكون لنا رَدّ وامتناع من التكذيب وكون من المؤمنين، فهذا موافقٌ للوجه الأول مِن وجهي الرّفع في المعنى، مُخالف له في اللفظ، لأنّك إذا نصبتَه فالكلامُ جملةٌ واحدة، وإذا رفعت لم يكن الكلام بجملة واحدة.

стр. 545

قال أبو علي: المعنى في البيت: وما أنا للشيء الذي ليس نافعي ... ويغضبَ منه صاحبي بِقَؤول وتقدير الكلام غَضَبُ صاحبي، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامَه، لأنّ الغضب لا يُقال، فإذا رفعتَ (يغْضَبُ) كان معطوفًا على (ليس) الذي في الصّلة، كأنّك قلت: ما أنا للشيء الذي يغضب منه صاحبي بِقَؤولٍ.

стр. 546

هذا باب أوْ قال: واعلم أنَّ معنى ما انتصب بعد (أو) على (إلا أنْ) كما كان معنى ما انتصب بعد الفاء على غير معنى التمثيل. قال أبو علي: قولُه: على غير معنى التمثيل، يريد أن التمثيل لِيَكُنْ لزومُ الإعطاءِ، والمعنى لألزَمَنَّك إلا أن تعطيَني، فالمعنى على غير التَّمثيل، لأنَّ في لَألْزَمَنَّك إلا أن تعطيَني إيذانٌ بالملازمة إلا أن يُعْطِيه، وفي لِيَكُنْ لزومٌ إو إعْطاءٌ إعْلامٌ أنَّ أحدَ الأمرين واقعٌ لا بُدَّ منه، لكنْ لم يَنُصَّ على الواقع منهما، فقد بان مُخالفةُ التَّمْثيلِ للمعنى. قال: وتقول: الْزَمْهُ أو يَتَّقيكَ بحقِّك، واضْرِبْهُ أو يَسْتقيمَ. وقال زياد: كَسَرْتُ كُعُوبَها أو تَسْتقيما معناه إلاَّ أن تستقيما، وإنْ شئتَ رَفَعْتَ في الأمر على الابتداء لأنَّه لا سبيل إلى الإشراك.

стр. 547

قال أبو علي: في الغَلَطِ إنَّ سيبويه أراد بقوله: لا سبيلَ إلى الإشراكِ أن (يستقيم) لا يجوز أن يُعطف على (كسرتُ) لأنَّ (يستقيم) مضارع، و (كسرتُ) ماضٍ، قال: وهذا غَلَطٌ، لأنَّ العطفَ في هذا الموضع حسنٌ، لأنَّ ما بعدَ إذا وإنْ كان في لفظ الماضي فمعناه معنى المضارع يَحْسُنُ عطفُ المضارع عليه إذْ كان المعطوف عليه بمعنى المستقبل، كما حَسُنَ عطفُ الماضي على المستقبل إذْ كان في معنى المُضِيِّ، وذلك قولُه "ووضعنا عنك وزرك" بعد قوله "ألم نشرح لك صدرك". قال أبو علي: وهذا الاعتراضُ الذي حكيْناه شبيهٌ بالمغالطة لأنّه لم يقُل إنّ الإشراكَ لا يجوزُ في (أو يْستقيما)، إنّما قال: لا يجوزُ الإشراك في الأمر، وإشراكُ المضارع في الأمر يستحيلُ بلا شَكّ لأنّك تعطفُ فيه معربًا على مَبْنِيّ. وقد ذُكِرَ فيما تَقدّم أنّه لو جاز ذلك لجاز أن تقول: تُحدّثُني، يريد الأمرَ، ويستقيمُ يريدُ به ليستَقيمْ، وقد كتبنا شرحَ ذلك في الفاء. "ولولا

стр. 548

رجالٌ" أي لوْلا رجالٌ، ولولا مَساءَتُكَ لفعلْتُ كذا، مِمّا يَتَضَمَّنُه البيتُ الثاني، وقد كُفَّ عن خبره. قال: وسألتُ الخليل عن قول الأعشى: إنْ تركبوا فركوبُ الخيلِ عادتُنا ... أو تنزلون فإنّا مَعْشَر نَزُلُ

стр. 549

قال أبو علي: جعل الخبر كأنّه وقع موقع الاستفهام، فكأنه قال: أتركبون أو تنزلون؟، وإنّما جاز أنْ ينوي بالجزاء الاستفهامَ، لأنّه غيرُ واجب، كما أنَّ الجزاء غيرُ واجب، وأنَّ الاستفهام قد يُجابُ كما يُجاب الشَّرْطُ. قال: وأمّا يونسُ فقال: أرْفَعُه على الابتداء كأنّه: أوْ أنتم تنزلون وقولُ يونسَ أسهلُ. قال أبو الحسن: إنّما كان قولُه أسهلَ، لأنَّ الجزاءَ لا يقعُ موقع الاستفهام وإنّما تقع حروفُ الاستفهام مواقعَ حروف الجزاء، فيُجازى بها، نحو: (أين) في قوله: أين تَسْلُكُ بنا العُداةُ تَجِدْنا. وحروفُ الجزاء لا يُسْتَفْهمُ بها. قال: والإشراكُ على هذا التَّوَهُّم بعيدٌ. أي على وضع الجزاء موضع الاستفهام، كبُعْد، (ولا سابقٍ شيئًا) ألا

стр. 550

ترى أنْ لو كان هذا هكذا لكان في الفاء والواو. أي لكان النَّصْبُ في الفاء والواو بعد الإيجاب على تقدير أنّك تَكَلَّمْتَ بالاسم قبلَه، كأنّك قلت في (هو يَاتِينا)، هو يكون منه إتيانٌ فَحديثٌ، فكُنْتَ تنصِبُ بعد الإيجاب كما تنصب بعد النّفي وإنّما قُدِّرَ هذا التَّقديرُ في النّفي دون الإيجاب إلا في الضرورة فلا يجبُ أن يُقاس عليه غَيْرُهُ. قال: وإنّما تَوهَّمَ هذا فيما خالف معناه التَّمْثيلَ، يعني مثل قولك: لا تأتِه فيشْتُمَكَ. قال أبو علي: هذا مثالٌ لِما خالف المعنى منه التَّمْثيلَ.

стр. 551

هذا بابُ إشراك الفعل في أنْ، وانقطاعِ الآخِرِ مِنَ الأوّل قال: يريدُ أنْ يُحْكِمه فَيُعْجِمُهُ. قال أبو علي: هذا لا يكونُ إلا على الانقطاع، لأنَّ هاتين الإرادتين مُحالٌ أنْ تجتمعا. قال: وتقول: واللهِ ما أعْدُو أنْ جالسْتُكَ، أي إنْ كُنْتُ فعلتُ

стр. 552

ذلك، أي مُحالٌ ما أجاوِزُ مُجالستَك فيما مضى. قال أبو علي: يقولُ ما أعْدو في حالي هذه مُجالستَكَ فيما مضى كأنّك جالسْتَهُ، ثمَّ أخْبَرَ أنّه لم يُجالسْ غيرَه. قال: ومِمَّا جاء منقطعًا قول الشاعر: على الحَكم المأتيِّ يومًا إذا قضى ... قضيَّتَهُ ألا يجورَ ويقصدُ قال أبو علي: الإشراك هاهنا بعيدٌ كبُعده في "يريد أنْ يحكمَهُ فيُعجمُه"، لأنّه ليس يريد ألاّ يجورَ ولا يقصدُ، لوْ وَصَفَهُ بهذه الصّفة لَوَصَفَه بالتَّرَيُّثِ والبلادةِ، كقولهم: ما يُحْلي وما يُمِرُّ. وإنما يريد أنْ لا يجورَ، ولكنّه يَقْصِدُ ويعدِلُ. قال: فالابتداءُ في هذا أسْبَقُ وأعرفُ لأنها بمنزلة قولك. أي لأنّ هذه اللفظةَ التي في معنى الابتداء.

стр. 553

هذا باب الجزاء قال: ومِمّا يُجازَى به من الظُّروفِ: أيُّ حين. قال أبو علي: (أي) اسمٌ ممّا تُضيفُه إليه إنْ ظرفًا فظرفٌ، وإنْ اسمًا فاسمٌ. قال: وإنّما مَنَعَ (حيثُ) أنْ يُجازى بها أنَّك تقول: قال أبو علي: (حيثُ) ظرفٌ من المكان شُبِّهَ (بحين) مِنْ ظرفِ الزَّمانِ فأضِيفَ إلى الجُمَل كما أضيفَ (حين). (وإذْ) ظرفٌ من الزَّمان، يُضاف إلى الجُمل، وكل واحد من "حيثُ وإذْ وإذا" أضيفَ إلى الجُمل صار موضعُ الجملة جَرًّا بالإضافة فإذا وقع الفعل بعدهما وقع في موضع اسمٍ مجرور، والفعلُ متى وقع موقع اسمٍ لم يجز فيه إلا الرفعُ. فلو جُوزِيَ بحيثُ وإذْ، ولم يضُمَّ إليهما (ما) لم تجز المجازاةُ بهما لأنّك إذا جازيت جزمْتَ، وهذا موضعٌ لا يكون فيه الفعلُ إلا مرتفعًا، لوقوعه موقع الاسمِ، فلمّا امْتَنَعَتْ المجازاةُ بهما لما ذكرنا، ضُمَّ

стр. 554

إليهما (ما) الكافَّةُ فمنعتهما الإضافةَ، كما أنَّك ضَمَمْتَها إلى سائرِ الحروف، والأسماء الجارّة فكفَفْتَها عن الإضافة كقوه: (بعْدَ ما أفْنانُ رأسِك)، وكقوله : وقول الشاعر: وإنّا لمِمّا نَضْربُ الكَبْشَ قال: وأمّا قولُ النّحويين: يُجازى بكُلِّ شيءٍ يُسْتَفْهَمُ به، فلا يستقيمُ، مِن قبل أنّك تُجازي بإنْ وبحَيْثُما وإذْ ما. قال أبو علي: يُريد قولَ النّحويين لا يُجازى إلاّ بما يُسْتفهَمُ به لا يستقيمُ.

стр. 555

قال أبو إسحاق: وأبو العباس ردّ على سيبويه هذا، وَوَهِمَ عليه فيما أراد به. قال: ليس الفعلُ في الجزاء بصِلَةٍ لما قبلَه، كما ليس في الاستفهام بصلة لما قبله. قال أبو علي: الدليلُ على أنّ الفعلَ في كلا الموضعين ليس بصلة لما قبله لأنّك تقول: مَنْ يَقْدُمُ، وما يأتيني، فيكونُ الكلامُ في كِلا الموضعين تاما مستغنى عليه، ولو كانا صِلتين لِما قبلهما لم يَتِمّ الكلامُ، كما أنّك إذا قلتَ: مَنْ يقومُ، فجعلت (مَنْ) (كالذي) لَمْ يَتمّ الكلامُ، فلو كان الفعلُ في المجازاة صلةً لما قبلَه، لم يتمّ الكلامُ في قولك: مَنْ يأتِني آتِه، كما لا يَتِمُّ في قولك: الذي إنْ يأتِني آتِه حتّى يقول مَنْ يقومُ حَسَنٌ، أوْ في الدّار وما أشبه ذلك، وكذلك لو كان الفعلُ في المجازاة صلةً لما قبله لم يتمّ الكلامُ في قولك: مَنْ يأتني آته، كما لا يتم في قولك: الذي يأتني آتِه حتى يقولَ حسنٌ أو منطلقٌ وما أشبه ذلك من الأخبار. قال: وسألت الخليل عن (مهما) فقال: هي (ما) أدخلت عليها

стр. 556

(ما) لغوا بمنزلة (ما) مع (متى) إذا قلت: متى ما تأتني آتك. قال أبو علي: لَمّا اسْتُعْمِلَ (ما) في الجزاء كما اسْتُعْمل في الاستفهام فجُوزِيَ به، كما استُفْهِمَ به ضُمَّ إليها في الجزاء، كما ضُمَّ إلى (أيّ) في قوله "أيا ما تدعو" إلاّ أنَّ (ما) لَمَّا ضُمَّ إليها (ما) الزائدةُ قُلِبَتْ ألفُها هاءً لتقارُب المخرجين، وكراهة اجتماع اللفظين. قال: وسألت الخليل عن قوله: كيف تصنعْ أصنعْ، فقال: هي مُسْتكرَهةٌ، وليست من حروف الجزاء ومَخرجُها على الجزاء لأنَّ معناها: على أيِّ حالٍ تكنْ أكنْ. قال أبو العباس: إنّما جُوزِيَ مِنْ حروف الاستفهام بما كان منه يَقَعُ على المعرفة والنكرة، نحو: إنْ يأتِني زيدٌ أعْطِهِ، وإنْ يأتني رجلٌ أعطِه، وأمّا (كيفَ) فحقُّ جوابها النَّكرة تقول: كيف زيدٌ؟ فيُقال: صالحٌ، ولا يقال: الصّالحُ، وكذلك (كم)، لم يُجازَ بها، لأنّ جوابَها

стр. 557

لا يكون إلا نكرةً. قال: وسألته عن "إذا) ما مَنَعَهم أن يُجازوا بها، فقال: الفعل في إذا بمنزلته في إذْ؛ إذا قلت: أتذكّرُ إذْ تقول؟. قال أبو علي: ما بعد إذا مُعَيّن معلومٌ، وما بعد الحروف التي جُزِمَ بها في المجازاة ليس بمُعَيّن ولا كائنٍ لا محالة كقوله تعالى "إذا السماء انشقت" و"إذا السماء انفطرت" وأيضًا فإنَّ الذي منع من المجازاة بإذا أنّه يُضافُ إلى الجُمل التي هي من الفعل والفاعل كقولك: إذا يقوم زيدٌ، فالجملة بعده في موضع جرّ بالإضافة، فالفعل إذنْ بعدَه في موضع اسمٍ فلا يجوز أن يُجزَمَ، كما لا يجوز أن يُجزم بعد (حيثُ وإذْ) حتّى تُكفّا بما عن الإضافة؛ فلمْ يُجازَ به في الكلام لذلك، وكان قياسُ الشاعر إذا اضطُرَّ فجازى به أن يكفّهُ عن الإضافة كما كَفَّ (حيثُ وإذْ) إذا جوزي بهما عنها، إلا أنَّ الشاعر إذا

стр. 558

ارتكب الضرورةَ استجار كثيرًا بما لا يجوز في الكلام على نحو ما مضى في أوّل الكتاب. قال: والفعل في (إذا) بمنزلته في الحين، كأنّك قلت: الحينُ الذي تأتيني فيه آتيك فيه. قال أبو علي: يريد أنّ (إذا) إذا ﴿أضيف﴾ اختصّ كما أنّ الحينَ إذا أضيف اختصّ، وإذا اختصّ بَعُدَ من المجازاة. قال أبو علي: قوله: فنُضارِبِ.

стр. 559

مُنجزمٌ لعطفه على فعلٍ في موضع جزمٍ وهو قوله: (كان)، لأنه جواب الشّرط الذي هو يَضربْ وبانجزام (نُضارِب) أسنِدَ للنّا على أنه جازى بإذا. قال: وسألت الخليل عن قوله : "وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون"، فقال: هذا مُعَلّقٌ بالكلام الأول كما كانت الفاء معلقة بالكلام ﴿الأول﴾ وهذا ها هنا في موضع ﴿قنطوا﴾ كما كان الجوابُ بالفاء في موضع الفعل. قال: ونظيره "سواءٌ عليكم أدعوتموهم أم أنتم

стр. 560

صامتون" بمنزلة أمْ صَمَتُّمْ. قال أبو علي: لَمّا كان (إذا) مثل الفاء في أنّها تُتْبع الثاني الأول كما يُتبع الفاءُ، وأنها تدخل على جملة من مبتدأ وخبر، كما أن الفاء كذلك لم يُحتجْ مع (إذا) إلى الفاء. قال: ومِمّا يجعلها بمنزلة الفاء أنها لا تجيءُ مُبتدأة كما أن الفاء لا تجيءُ مبتدأة. قال أبو علي: قوله: ومما يجعلها أي مما يجعل (إذا) هذه بمنزلة الفاء أنها لا تجيء مبتدأة، كما أن الفاء لا تجيء مبتدأة، وإنما تجيء بعد كلامٍ كقولك: (خرجتُ فإذا زيدٌ)، كما أنّ الفاءَ لا تجيءُ مبتدأة في اللفظ، إنّما يُذكَرُ ما تُتْبَعُ به، فإذا هذه هي التي للمفاجأة، ولو كانت التي هي ظرفٌ من الزّمان لم يُحْتَجْ إلى وقوعها هنا، لأنّ تلك لا يكون بعدها إلا الفعل، والجملة التي هي فعلٌ وفاعلٌ إذا وقعت في جواب الشّرط اتّصل به غيرُ محتاجٍ إلى ما يربطُه بالشّرط، ألا ترى أنَّ الفاءَ إنّما تقعُ في الجزاء إذا كان الجزاءُ جملةً من مبتدأ وخبر، فإذا كان من فعل وفاعلٍ ارتبط بالأوّل، ولم يُحتَجْ في الارتباط به إلى الفاء، وكذلك الجملة الواقعة بعد (إذا) في قوله تعالى: "إذا هم يقنطون" جملة من مبتدأ وخبر، فلَوْ كانت إذا هذه التي هي ظرفٌ من الزّمان لَمْ يَحْتجْ إلى وقوعها هنا، فإن قيل: إنَّ تلك قد يقع المبتدأ بعدها كما يقع بعد التي للمفاجأة قبل الاسم إذا وقع مرتفعًا بعد تلك نحوُ "إذا السماءُ انشقت" لمْ

стр. 561

يُقَدَّرْ ارتفاعُه على الابتداء إنّما يُقدَّرُ ارتفاعُه على فعلٍ مُضمرٍ يُفَسِّرُه ما بعدَه، كما أنّك لو قلت في ضرورة الشّعر: لمْ زيدٌ يَقُمْ، وهَلاَّ زيدٌ يقومُ، لم يُقدّر ارتفاعُ (زيد) ونحوه في هذا على الابتداء، لكنّك تُقدّرُ ارتفاعَهُ على فعلٍ مُضْمَرٍ الظّاهِرُ يُفَسِّرُه، وليس الاسم في الّتي للمفاجأة كذلك إنّما يرتفع بالابتداء عند مَنْ يرتفع عنده (في الدّار زيدٌ) بالابتداء، وبالظّرْف عند مَنْ يرتفع عنده (في الدار زيدٌ) بالظّرف، مع أنّ (إذا) التي هي ظرفٌ مِنَ الزمان حكمُها أنْ تقعَ مُبتدأةً لما فيها من معنى الجزاء، وحُكْمُ ما يقعُ جوابًا للشّرْطِ ألاّ يكونَ ممّا يَقعُ مبتدأ، إنّما حكمُهُ أنْ يكونَ تابعًا لشيءٍ كالفاءِ، فبهذا يُسْتَدَلُّ على أنَّ (إذا) هذه هي الَتي للمفاجأة. قال: وزعم أنّه لا يحسُنُ في الكلام (إن تأتِني لأفعلَنَّ)، منْ قِبَل أنَّ (لأفعلنَّ) تجيءُ مُبتدأةً، ألا ترى أنّ الرجلَ يقولُ: لأفعلنَّ كذا وكذا، فإنْ قُلْتَ: إنْ أتيْتَني لأكرمنّك، وإنْ لم تأتِني لأغُمَّنَكَ جاز لأنّه في معنى لإنْ أتيتني لأكرمنّك، وإن لم تأتني لأغُمّنَّك. فلا بدّ مِنْ هذه اللاّم مُضْمَرَةً، (يعني اللامَ الدّاخلة على هذا الشَّرْط) أو مُظهرة لأنّها لِليمين، كأنّك قُلتَ: والله لإن أتَيتني لأكرمنّك. قال أبو علي: قولُه: لأنّها لليمين، أي دخَلَتْ مِنْ أجلِ اليمين، لا أنّها هي التي يعتمدُ عليها القَسَمُ، قال تعالى: "وإن لم ينتهوا عمّا

стр. 562

يقولون لَيَمَسَّنَّ الذين"، وقال: "لإن لم تنته لأرجُمَنَّك". قال: فإن قلت: لإن تفعلْ لأفعلَنَّ، قَبُحَ، لأنّ لأفْعلنَّ على أوّل الكلام. قال أبو علي: يعني قولُه: على أوّل، أي تقديرُه أن يقع قبلُ لأنْ ويكون مبتدأ. قال: ولا يحْسُنُ (إنْ تأتِني آتِيكَ) مِنْ قِبَلِ أنَّ (إنْ) هي العاملةُ، وقد جاء في الشّعر: إنَّك إنْ يُصْرَعْ أخوك تُصْرَعُ قال أبو علي: قوله: (يُصْرَعْ) ليس بجواب للشّرط، لو كان جوابًا له لكان مُنْجزِمًا، وإنّما النّية فيه التّقديمُ، كأنّه قال: إنّك تُصْرَعُ إنْ يُصْرَعْ أخوك تُصْرَعْ، فاجتزأ بقوله: يُصْرَعُ المرفوع عن أن يذكر (يُصْرَعْ) مجزومًا

стр. 563

جوابًا للشّرط فأضْمَرَ، كما اجْتزأ بقوله: والمرءُ عند الرُّشا إنْ يَلْقَها ذِيبُ عنْ أن يذكرَ لقوله (إنْ يلقَها) جوابًا، فأضمره كما أضمر في البيت الأوّل، وكما أضمر في قوله: "أنت ظالمٌ إنْ فعلت" الجوابَ لتَقديمِ "أنت ظالمٌ" عليه والاجتزاءُ عن الجوابِ به. **** هذا بابُ ما يكون فيه الأسماءُ التي يُجازى بها بمنزلة الّذي قال أبوعلي: (مَنْ) إذا جازيْتَ بها كان بمنزلة (إنْ)، ولا يجوزُ أنْ تقولَ: (كان إن يأتِني آتِه)، لأنَّ الفعلَ لا يرتفع به (إنْ) وما بعدَه، فكذلك لا يرتفع به (مَنْ) وأخواتها إذا كُنَّ بمعنى (إنْ)، وإذا لم يَجُزْ أنْ يرتفعَ (إنْ ومَنْ) وما أشْبَهه من الفعل خلا الفعل مِن الفاعل فلم يَجُزْ.

стр. 564

وحُكمُ (إنْ) في أنّه لا يجوزُ أنْ يعملَ في مَنْ، وأنْ ينقطعَ منه حكمُ (كان)، وقال تعالى: "أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا"، وليس هذا، أي قولُ الشّاعر: فلو أن حُقَّ اليومَ ... .... قَوِيّ في الكلام كقُوَّة ألا تقولُ. قال أبو العباس: يعني إنّ (حُقَّ اليومَ) لا يَقوى في الكلام كقُوة (إنْ) إذا خُفِّضَتْ فَوَلِيَت الفعلَ، وكانت (لا) في الكلام لا تصير عوضًا من الإضمار، (وإنْ) مُخفّفة، والمُثقّلة لا يُضمَرُ فيها إلاّ اضطرارًا. قال سيبويه: فمِنْ ذلك: أتَذْكُرُ إذْ مَنْ يأتينا نأتيه. قال أبو العباس: غَلِطَ سيبويه في هذا الباب، ووافقَه عليه أبو

стр. 565

إسحاق الزّياديّ. قال أبو علي: ذهب أبو العباس والزّيادي إلى أنّ الجزاءَ لا يمتنعُ بعد هذه الحروف كما امتنع بعد (إنّ وكان)، لأنّ (إنّ وكان) يختصّان بالدّخول على الأسماء والعمل فيها، فلا مَدْخَلَ لدخولهما في الأفعال وفيما يعملُ فيها ولا يدخلان على ما كان من الأسماء قائمًا مقام الحروف العاملة في الأفعال، كما لا تدخل على الحروف أنفسِها. وأمّا (إذْ) فليس كذلك، لأنّه لا يختصّ بالدّخول على الأسماء والعمل فيها دون الأفعال كما كان ذلك في (إنْ وكان)، ألا ترى أنّك تقول: (كان هذا إذْ قام زيدٌ، وإذْ زيدٌ منطلقٌ)، فلا يمتنع من الدّخول على واحدةٍ منهما، وإلى هذا ذهب أبو العبّاس. فأمّا في قوله: (وما مَنْ يأتينا فنحن نأتيه)، فإنْ كانت الحِجازيّة لم يجز الجزاءُ بعدَها ألبتة كما لم يجز بعد ليس، (وكان) لأنّها لا تدخلُ إلاّ على الأسماء كما أنَّ (ليسَ) لا تدخلُ إلاّ على الأسماء لأنّ (ما) ليس بفعلٍ، فلا يُضمَر فيه كما يُضمَرُ في (ليس) المرفوع. وإنْ كانتِ التَّميميّة، جاز الجزاءُ بعدها لأنّها لا تمتنع مِن الدّخول على الأفعال في
следующие страницы →