Полный текст (1 534 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
يُقَدَّرْ ارتفاعُه على الابتداء إنّما يُقدَّرُ ارتفاعُه على فعلٍ مُضمرٍ يُفَسِّرُه ما بعدَه، كما أنّك لو قلت في ضرورة الشّعر: لمْ زيدٌ يَقُمْ، وهَلاَّ زيدٌ يقومُ، لم يُقدّر ارتفاعُ (زيد) ونحوه في هذا على الابتداء، لكنّك تُقدّرُ ارتفاعَهُ على فعلٍ مُضْمَرٍ الظّاهِرُ يُفَسِّرُه، وليس الاسم في الّتي للمفاجأة كذلك إنّما يرتفع بالابتداء عند مَنْ يرتفع عنده (في الدّار زيدٌ) بالابتداء، وبالظّرْف عند مَنْ يرتفع عنده (في الدار زيدٌ) بالظّرف، مع أنّ (إذا) التي هي ظرفٌ مِنَ الزمان حكمُها أنْ تقعَ مُبتدأةً لما فيها من معنى الجزاء، وحُكْمُ ما يقعُ جوابًا للشّرْطِ ألاّ يكونَ ممّا يَقعُ مبتدأ، إنّما حكمُهُ أنْ يكونَ تابعًا لشيءٍ كالفاءِ، فبهذا يُسْتَدَلُّ على أنَّ (إذا) هذه هي الَتي للمفاجأة.
قال: وزعم أنّه لا يحسُنُ في الكلام (إن تأتِني لأفعلَنَّ)، منْ قِبَل أنَّ (لأفعلنَّ) تجيءُ مُبتدأةً، ألا ترى أنّ الرجلَ يقولُ: لأفعلنَّ كذا وكذا، فإنْ قُلْتَ: إنْ أتيْتَني لأكرمنّك، وإنْ لم تأتِني لأغُمَّنَكَ جاز لأنّه في معنى لإنْ أتيتني لأكرمنّك، وإن لم تأتني لأغُمّنَّك. فلا بدّ مِنْ هذه اللاّم مُضْمَرَةً، (يعني اللامَ الدّاخلة على هذا الشَّرْط) أو مُظهرة لأنّها لِليمين، كأنّك قُلتَ: والله لإن أتَيتني لأكرمنّك.
قال أبو علي: قولُه: لأنّها لليمين، أي دخَلَتْ مِنْ أجلِ اليمين، لا أنّها هي التي يعتمدُ عليها القَسَمُ، قال تعالى: "وإن لم ينتهوا عمّا
стр. 562
يقولون لَيَمَسَّنَّ الذين"، وقال: "لإن لم تنته لأرجُمَنَّك".
قال: فإن قلت: لإن تفعلْ لأفعلَنَّ، قَبُحَ، لأنّ لأفْعلنَّ على أوّل الكلام.
قال أبو علي: يعني قولُه: على أوّل، أي تقديرُه أن يقع قبلُ لأنْ ويكون مبتدأ.
قال: ولا يحْسُنُ (إنْ تأتِني آتِيكَ) مِنْ قِبَلِ أنَّ (إنْ) هي العاملةُ، وقد جاء في الشّعر:
إنَّك إنْ يُصْرَعْ أخوك تُصْرَعُ
قال أبو علي: قوله: (يُصْرَعْ) ليس بجواب للشّرط، لو كان جوابًا له لكان مُنْجزِمًا، وإنّما النّية فيه التّقديمُ، كأنّه قال: إنّك تُصْرَعُ إنْ يُصْرَعْ أخوك تُصْرَعْ، فاجتزأ بقوله: يُصْرَعُ المرفوع عن أن يذكر (يُصْرَعْ) مجزومًا
стр. 563
جوابًا للشّرط فأضْمَرَ، كما اجْتزأ بقوله:
والمرءُ عند الرُّشا إنْ يَلْقَها ذِيبُ
عنْ أن يذكرَ لقوله (إنْ يلقَها) جوابًا، فأضمره كما أضمر في البيت الأوّل، وكما أضمر في قوله: "أنت ظالمٌ إنْ فعلت" الجوابَ لتَقديمِ "أنت ظالمٌ" عليه والاجتزاءُ عن الجوابِ به.
****
هذا بابُ ما يكون فيه الأسماءُ التي يُجازى بها بمنزلة الّذي
قال أبوعلي: (مَنْ) إذا جازيْتَ بها كان بمنزلة (إنْ)، ولا يجوزُ أنْ تقولَ: (كان إن يأتِني آتِه)، لأنَّ الفعلَ لا يرتفع به (إنْ) وما بعدَه، فكذلك لا يرتفع به (مَنْ) وأخواتها إذا كُنَّ بمعنى (إنْ)، وإذا لم يَجُزْ أنْ يرتفعَ (إنْ ومَنْ) وما أشْبَهه من الفعل خلا الفعل مِن الفاعل فلم يَجُزْ.
стр. 564
وحُكمُ (إنْ) في أنّه لا يجوزُ أنْ يعملَ في مَنْ، وأنْ ينقطعَ منه حكمُ (كان)، وقال تعالى: "أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا"، وليس هذا، أي قولُ الشّاعر:
فلو أن حُقَّ اليومَ ... ....
قَوِيّ في الكلام كقُوَّة ألا تقولُ.
قال أبو العباس: يعني إنّ (حُقَّ اليومَ) لا يَقوى في الكلام كقُوة (إنْ) إذا خُفِّضَتْ فَوَلِيَت الفعلَ، وكانت (لا) في الكلام لا تصير عوضًا من الإضمار، (وإنْ) مُخفّفة، والمُثقّلة لا يُضمَرُ فيها إلاّ اضطرارًا.
قال سيبويه: فمِنْ ذلك: أتَذْكُرُ إذْ مَنْ يأتينا نأتيه.
قال أبو العباس: غَلِطَ سيبويه في هذا الباب، ووافقَه عليه أبو
стр. 565
إسحاق الزّياديّ.
قال أبو علي: ذهب أبو العباس والزّيادي إلى أنّ الجزاءَ لا يمتنعُ بعد هذه الحروف كما امتنع بعد (إنّ وكان)، لأنّ (إنّ وكان) يختصّان بالدّخول على الأسماء والعمل فيها، فلا مَدْخَلَ لدخولهما في الأفعال وفيما يعملُ فيها ولا يدخلان على ما كان من الأسماء قائمًا مقام الحروف العاملة في الأفعال، كما لا تدخل على الحروف أنفسِها.
وأمّا (إذْ) فليس كذلك، لأنّه لا يختصّ بالدّخول على الأسماء والعمل فيها دون الأفعال كما كان ذلك في (إنْ وكان)، ألا ترى أنّك تقول: (كان هذا إذْ قام زيدٌ، وإذْ زيدٌ منطلقٌ)، فلا يمتنع من الدّخول على واحدةٍ منهما، وإلى هذا ذهب أبو العبّاس.
فأمّا في قوله: (وما مَنْ يأتينا فنحن نأتيه)، فإنْ كانت الحِجازيّة لم يجز الجزاءُ بعدَها ألبتة كما لم يجز بعد ليس، (وكان) لأنّها لا تدخلُ إلاّ على الأسماء كما أنَّ (ليسَ) لا تدخلُ إلاّ على الأسماء لأنّ (ما) ليس بفعلٍ، فلا يُضمَر فيه كما يُضمَرُ في (ليس) المرفوع. وإنْ كانتِ التَّميميّة، جاز الجزاءُ بعدها لأنّها لا تمتنع مِن الدّخول على الأفعال في
стр. 566
مثلِ قولك: ما يقومُ زيدٌ، فهذه (الاسمُ والفِعل جميعًا)، كما لا تمتنِعُ ألفُ الاستفهام مِن الدّخول عليهما.
قال: وتقول: (أتذكُرُ إذْ نحنُ مَنْ يأتِنا نأتِهِ)، فنحنُ فَصَلتْ بين إذْ ومَنْ كما فَصَلَ الاسمُ في كانَ بين كان وَمَنْ.
قال أبو علي: نَزَّلَ (إذْ) منزلةَ (كانَ وإنَّ) في أنَّ الجزاءَ لا يكون بعدَه كما لا يكون بعدهما، فإذا فُصِلَ بين (إنّ وكان) باسمٍ جاز أن يقعَ الجزاءُ بعد الاسم الذي يرتفعُ أو ينتصِبُ (بإنَّ وكان)، فكذلك إذا فُصِلَ باسمٍ بين (إذْ) والجزاء جازَ وقوعُ الجزاء بعد الاسمِ الفاصلِ بين الجزاء وإذْ، كما جاز ذلك في (إنَّ وكان).
قال: وإذْ وأشباهُها لا يقعن هذه المواقع، ولا يكون الكلامُ بعدها إلا مبتدأ.
أي لا يكون لغوًا ولا زائدًا ولا بمنزلة ما ليس في الكلام.
стр. 567
قال: وسَمِعْناهم يُنشِدون:
وما ذاك أنْ كان ابنَ عمّي ولا أخي ... ولكنْ متى ما أمْلِكِ الضَّرَّ أنْفَعُ
والقوافي مرفوعةٌ، كأنّه قال: أنْفَعُ متى ما أملِكُ الضُّرَّ، ويكونُ (أملكْ) على متى.
قال أبو علي: يقول: (أملكْ) منجزم بمتى، و (أنْفعُ) النّيّة به التّقديم كأنّه قال: ولكنْ أنا أنْفعُ متى ما أملكُ أنفعُ، وهذا مثلُ قوله:
إنّك إنْ يُصْرَعْ أخوك تصرعُ
قال: وأمّا قولُه تعالى: "وأمّا إن كان مِن أصحاب اليمين، فسلامٌ لك". فإنّما هو كقولك: أمّا غَدًا فلك ذاك, حَسُنَتْ لأنّها لم يُجزَمْ بها كما حَسُنَتْ في قوله: أنتَ ظالمٌ إنْ فَعَلْتَ.
قال أبو بكر: يعني أنَّ الفاءَ في (فَسلامٌ)، دخلتْ من أجل (أمّا)،
стр. 568
لا من أجل (إنْ) كما دخلت في قولك: أمّا غدًا فلك ذاك.
قال أبو علي: قولُه: وحسُنَتْ لأنّه لم يُجزَمْ بها كما حَسُنَتْ في قوله: (أنت ظالمٌ إنْ فعلتَ)، أي حَسُنَ ألاّ يأتي لقوله تعالى "إن كان من أصحاب اليمين" جوابٌ في اللفظ لأنه غير منجزم، كما أن قولك: أنت ظالمٌ قد دلَّ متقدّمًا على الجملة التي تكون جوابًا للشّرط، فكذلك قوله تعالى.
وأمّا مع ما اتّصل به يَدُلُّ على الجملة التي تكون جوابًا، كما دَلَّ أنت ظالمٌ عليه، كأنّك قلت: مهما يكنْ من شيءٍ فسلامٌ لك إنْ كان من أصحاب اليمين فسلامٌ لك، إلاّ أنّك استغنيت عنه للدّلالة عليه بما تقدَّم ولم يكن الشّرطُ مُنجزِمًا.
في الكتاب: وأبو الحسن يراه جوابًا لهما جميعًا، ولا يُجيزُ ذلك.
стр. 569
أي لا يُجيزُ حذفَ الفاء إذا جَزَمَ لأنّه لا يخْلُصُ الجوابُ للجزاء.
قال أبو علي: قولُ ابي الحسن في المعنى يرجعُ إلى تقدير سيبويهِ لأنّ الفاءَ إذا صار جوابًا، لأنّ (أمّا) لا بُدّ لها في الكلام من جوابٍ و"إنْ" قد يُحْذَفُ جوابُها في الكلامِ مثلَ قولِك: أنت ظالمٌ إنْ فعلْتَ، فكان قولُه: أراه جوابًا لهما جميعًا، أي إنَّ الفاءَ جوابٌ لأمّا، وأمّا مع الفاء جوابٌ لإنْ، ولا يجيز ذلك إذا جزم كأنّه قال: أمّا إنْ يكن من أصحاب اليمين فسلامٌ لك، لم يُجزه، لأنّه قد جزم الفعل ولم يأت له بجوابٍ مجزومٍ، وهذا لا يجوز في الكلام، إنّما يجوزُ في ضرورة الشعر.
والفاءُ لا يجوزُ أنْ تكون جوابًا للفعل المجزوم، لأنّك لو جعلتها جوابَه لم تأتِ لأمّا بجوابٍ، وهذا قبيحٌ في الكلام غيرُ جائز فيه، فإذا لم يُجزَم الفعلُ الذي هو شرطٌ فقُلْتَ: أمّا إنْ كان من أصحاب اليمين فسلامٌ، كان حسنًا، وصار (أمّا) مع ما يتّصلُ به جوابًا لإنْ، إذْ لم يجيءْ شرطُها.
стр. 570
هذا بابٌ إذا ألزمْت فيه الأسماءَ التي يُجازى بها حروفَ الجر لم تُغَيّرْها عن الجزاء
وذلك: على أيّ دابّة أحمل أركبْهُن وبِمَنْ تُؤْخَذْ أؤْخَذْ به، هذا قولُ يونس والخليل جميعًا، فحروفُ الجَرِّ لم يُغيِّرْها عن حال الجزاء كما لم يغيرها عن الاستفهام، وذلك لأنّ الفعلَ إنّما يصلُ إلى الاسم بالباء ونحوِها، والفعلُ مع الباء بمنزلة فعلٍ ليس قبلَه حرفُ جر ولا بعدَه.
قال أبو علي: الفعلُ الذي قبلَه حرفُ جر يَصِلُ به إلى الاسم نحوُ: بزيدٍ مررتُ، والفعلُ الذي يصلُ بإضافةٍ كالفعلِ الذي يصلُ لا بإضافةٍ، لأنَّ الفعلَ يصلُ بالجرّ إلى الاسم، كما يصلُ غيرَه رافعًا وناصبًا.
قال أبو علي: (غيرُهُ) أي غيرُ هذا الفعلِ ناصبًا في قولك: (ضربْتُ زيدًا)، ورافعًا في مثل (قام زيدٌ)، فالجرّ هنا نظيرُ النّصب في غيرِه.
قال أبو علي: المُوازَنة هنا بين الفعل الذي يصل بحرف جرّ وبين الفعل الذي يصل بلا حرفٍ، لأنّ كُلَّ واحدٍ من المجرور والمنصوب بعد تمام الكلام والمجرور في موضع نصب فهو كالمنصوب وإنْ كان جَرًّا.
قال: فإنْ قُلْتَ: بمَنْ تَمُرُّ به أمُرُّ، وعلى أيِّهم تَنْزِلُ عليه أنزلُ، وبما تأتيني به آتيك، رَفَعْتَ، لأنّ الفعلَ إنّما أوْصَلْتَه إلى الهاء بالباءِ
стр. 571
الثانية، والباءُ الأولى للفعل الآخِرِ، فتُغيّر عن حال الجزاءِ كما تُغيّر عن حال الاستفهام.
قال أبوعلي: إنّ الباءَ في (بمَنْ) لأمُرُّ، كأنّك قلت: (أمرُّ بمن تَمُرُّ به)، وكانت الأولى في الجزاء للفعل الأول، وفي قولك (بمن تمر به أمرُّ) لا تكون إلاّ للفعلِ الآخِرِ، لأنّك لوْ جعلْتَه للأوّل كان مُحالاً وذاك أنّ الفعلَ قد يُضافُ بحرفَيْ خفضٍ، وهذا لا يكونُ. وممّا يدُلُّ على أنَّ الجزاءَ لا يكون في قولك: بِمَنْ تَمُرُّ به أمُرُّ أنَّ التقديرَ بقولك: (أمُرُّ)، وإنْ كان مُؤَخَّرًا في اللفظ التَّقَدُّمُ كأنّك قلت: أمُرُّ بمن تمرُّ به، فَمَنْ مُتعلِّقٌ بأمُرُّ الذي قبله والجزاءُ لا يكون متعلقًا بما قبله، إنّما يكون منقطعًا منه، كما أنَّ حروفَ الخفض في قولك: بمَنْ تَمُرُّ في الجزاء للفعل الأوّل، فكذلك في الاستفهام في قولك: بِمَنْ تَمُرُّ لهذا الفعل.
فإذا قلتَ: تَمُرُّ به، لم يكنْ بُدٌّ مِنْ أنْ تكون هذه الباءُ الأولى لغَيْر (تَمُرُّ)، كما كانت في الجزاء كذلك، لأنَّ الاستفهامَ ينفصِلُ مِمّا قبلَه انفصالَ الجزاءِ مِمّا قبلَه.
قال: فصارت بمنزلة الذي، لأنّك أدْخلت الباءَ.
يريد الباء الثانية في اللفظ، وهي التي في (به) للفعل، حين أوْصَلْتَ الفعل الذي يلي الاسم بالباء الثانية إلى الهاء، فصارتْ
стр. 572
الأولى، يريد: الباء الأولى.
قال: وقد يجوز أنْ تقول: بِمَنْ تَمُرُّ أمْرُرُ، وعلى مَنْ تنزلُ أنزلُ إذا أردْت معنى عليه، وبه.
وفي كتاب القاضي: وقد يجوز أن تقول: بمَنْ تَمُرُّ أمُرُّ، وعلى مَنْ تنزلُ أنزلُ، إذا أردتَ معنى (عليه وبه)، وليس بِحَدِّ الكلام.
قال أبو علي: يجوز الجزمُ في (أنزِلُ)، على أن يكون (على) للفعل الأوّل الذي هو شرطٌ، والفعلُ الثاني الذي هو جوابٌ قد حُذِفَ حرفُ الخفضِ منه، لدلالة الفعل الأوّل عليه، وليس هذا بالقويّ، وهو يذكُرُه بعد هذا.
والذي في نُسْخة القاضي على أن يُحْذَفَ من الصِّلة، وحذفُ حرف الخفضِ وما يتّصلُ به مِن الضّميرِ يَصِحُّ مِن الصِّلَة، وإنّما يُقَدّرُ اتّصالُ الفعلِ بالهاءِ، ثم تُحْذَفُ الهاءُ، فكأنّك إذا قلت: على مَنْ تنزلُ أنزلُ، قلت: أنزلُ على مَنْ تنزلُ عليه، فحذفتَ عليه، فوُصِلَ الفعلُ، وصار
стр. 573
بمنزلته، فحُذفت الهاء من الصّلة.
قال: وليس بِحَدّ الكلام، وفيه ضَعْفٌ، ومثل ذلك قولُ الشاعر:
إنّ الكريمَ وأبيك يعْتَمِلْ
إنْ لم يجد يومًا على مَنْ يتَّكِلْ
يريدُ يَتَّكِلُ عليه، ولكنّه حذَفَ وهذا قول الخليل.
قال أبو العبّاس: (على) الأولى على هذا لا معنى لها، وإنّما المعنى إنْ لم يجدْ شيئًا، ثم ابتدأ مُسْتفهمًا (على مَنْ يَتَّكِلُ).
قال: في الاستفهام نحو: غُلامَ مَنْ تضرِبُ؟ ألا ترى أنَّ كينونةَ الفعلِ غَيْرَ وَصْلٍ ثابِتَةٌ.
стр. 574
قال أبو علي: يعني أنّ الفعل في الاستفهام ليس بصلة، كما أنّ الفعل في الجزاء غير صلة.
قال أبوعلي: قد تقدّم قبل هذا الباب أنّ العوامل التي تختصُّ بالدُّخول على الأسماء لا تكون المجازاةُ قبلها، لأنّها من المواضع التي لا يقع فيها (إنْ) وحيث لا يجوز وقوع (إنْ) لا تجوز المجازاةُ، فلا يجوز أن تقول: (إنْ مَنْ يأتني آته) مِنْ حيثُ لا يجوزُ (أنَّ إنْ تأتني آتِك)، وحروف الجر ممّا تدخل على الأسماء فتعملُ فيها، ولا يجوز وقوعُ (إنْ) بعدها، كما لا يجوز وقوعها بعد (أنّ وكان) لا يجوز إنْ تأتني آتك، كما لا يجوز ذلك في (أنّ)، إلاّ أنَّ الأسماء التي يُجازى بها إذا دخَلَ عليها حروفُ الجرّ لم تُخرجْها مَنْ أنْ تكون جزاء كما تُخرجُها (أنّ وكان) إذا دخلتا عليها مِنَ الجزاء.
فإنْ قيل: ولِمَ ذلك؟ فالجوابُ أنَّ الضّرورةَ أدّت إلى أنْ يُجازَى بهذه الأسماء مع دخول الجارّ عليها، وذاك أنّ حروف الجرّ لا تخلو في الاسم الذي يُجازى مِنْ ثلاثة مواضِعَ، إنّما تتقدّمُ الاسمَ الذي يُجازَى به مع حروف الجرّ على الفعل الذي يُوصِلُه الحرف إلى الاسم، كقولك: (بِمَنْ تَمْرُرُ)، وإمّا أنْ تُؤَخِّرَ الاسمَ مع الحرفِ وتُقَدِّمَ الفعلَ الذي هو شرطٌ، فتقول: تَمْرُرْ بمَنْ؟ وإمّا أن تُقدّم الاسم الذي يُجازى به مُعَرّى من الحروف، وتؤخرَ الفعلَ، وتجعلَ الحرف يلي الفعلَ مُعَلّقًا، كقولك: مَنْ تَمرُرْ به، فَيبْطُلُ أنْ تُؤَخِّرَ الاسمَ الذي يُجازَى به مع الحرف، وتُقَدّمُ الفعلَ مِنْ
стр. 575
جهاتٍ منها: أنّك تُقدّم الفعلَ والجازمةَ بعده، ومنها: أنّ الجزاءَ إذا أخّرْتَه عن الصّلةِ بَطَلَ معناه، ويُفَسّر أيضًا أن تقدّم الاسم الذي يُجازى به ويُجعلَ حرفُ الجرّ يلي الفعلَ مُعَلَّقًا، لأن حروفَ الجر لا تُعَلَّق، ولا تكون إلاّ مُتَّصِلَةً بما تَجُرُّه، فَبَقِيَ الوَجهُ الذي قدَّمْنا، أعني أنْ تُقدِّمَ الاسمَ الذي يُجازى به متّصلاً به حرفُ الجرّ، وموضعُ الباء مع ما عمل فيه نصْبٌ بالفعل الذي هو شرطٌ، كما أنّك إذا قلتَ: مَنْ تضربْ أضربْ فموضعُ مَنْ نصبٌ بتضربْ، فكذلك الباءُ في قولك (بمَنْ تمرُرْ)، وصل الفعلِ الذي هو شرطٌ إلى (مَنْ) وصار موضعُ الباءِ مع (مَنْ) نصبًا، كما أنَّ موضعَ (بزيدٍ) في (مَرَرْتُ بزيدٍ) نصبٌ، والمضافُ إليه تَقَدَّمَ مِنْ حيثُ قُدِّمَ حرفُ الخفض، تقول: غُلامَ مَنْ تضْرِبْ أضْرِبْ، فتقدّم (غلام) وهو معمولُ الفعل الذي هو شرطٌ، لأنّه لا يجوزُ أنْ تُؤخِّرَ المضافَ، وتُقدّم المضاف إليه لو قلت (مَنْ تَضْرِبْ غلامَ أضربْ)، لم يجُزْ، كما لم يجز ذلك في حرف الخفض.
стр. 576
هذا بابُ الجزاء إذا أدْخلتَ فيه الألفَ للاستفهام
وذلك قولُك: أإنْ تأتِني آتِك، ولا تكتفي بمَنْ، لأنّها حرفُ جزاءٍ.
قال أبو علي: يقول: لا يُكْتفى بِمَنْ في الجزاءِ عن الألف كما كنت تكتفي بها عن ألف الاستفهام، لأنّها في الجزاء بمنزلة (أنْ)، فكما لا يُكْتفى بأنْ عن الألف، كذلك لا يُكْتفى بِمَنْ إذا كانت بمنزلتها.
قال: وإنّما الألف بمنزلة (الواو والفاء ولا) ونحو ذلك، لا تُغَيّر الكلام عن حاله، وليست (كإذْ وهَلْ).
قال أبوعلي: قولُه: وليست كإذْ، أي أنّ ألفَ الاستفهام ليست كإذْ، فيقبُحُ الجزاءُ بعدَه، كما قَبُحَ عندَه بعد (إذْ)، لأنَّ ألفَ الاستفهام تدخل على الاسم والفعل جميعًا، كما تدخُلُ الواوُ والفاءُ.
قال: ولا يجوزُ ذلك في هلْ وأخواتِها.
قال أبو العباس: لأنَّ هَلْ لاستقبال الاستفهام.
قال: ولَوْ قُلْتَ: هل مررْتَ بزيدٍ؟ كُنتَ مُسْتَأنِفًا، ألا ترى أنَّ الألفَ
стр. 577
لَغْوٌ.
قوله: لَغْوٌ، أيْ لمْ تُغَيّرْ ما دخلتْه عمّا كان عليه.
قال: فإن قيل: فإنّ الألفَ لا بُدّ لها مِن أنْ تكون معتمدةً على شيء، فإنّ هذا الكلام (يعني الشّرطَ بجزائِه) مُعتمِدٌ لها، كما يكون صلةً للذي، إذا قلت: (الذي إنْ تأتِه يأتِك زيدٌ)، فهذا كلُّه وَصْلٌ، فإنْ قال: (الذي إنْ تأتِه يأتيكَ زيدٌ)، وجعل يأتيك صِلة الذي (قلتَ: تقديرُه: الذي يأتيك إنْ تأتِه، فيَسْتغني بيأتيك عَنْ جواب إنْ تأتِه وإذا كان كذا، فقَدْ فَصَلَ بين الصّلة والموصول بقوله: إنْ تأتِه، وإنْ كان هذا الفاعِلُ مِنْ سَبَب يأتيك، وفاعِلُ يأتيك الضَّميرُ العائِدُ إلى الذي) لم يجدْ بُدًّا مِنْ أنْ يقول: أنا إنْ تأتني آتِيك، (أي تُقَدّر آتيك مُقَدَّمًا، يعني عن جواب الشّرط المُنجزِم)، لأنَّ (أنا) لا يكون كلامًا حتى يُبنى عليه شيءٌ.
قال: وأمّا يونسُ فيقولُ: إنْ تأتِني آتيك، وهذا قبيحٌ يُكْرَهُ في الجزاء وإنْ كان في الاستفهام.
قال أبو علي: كان في الاستفهام إذا لم يكن معه شرطٌ منجزمٌ حسنًا.
قال أبو علي: كان يونسُ يذهبُ إلى أنّ الاستفهامَ لا يجوزُ أن يعتمدَ إلاّ على ما لمْ يعملْ فيه شيءٌ، وليس يجوزُ أن يعتمد على الاستفهام إلاّ
стр. 578
ما لم يعمل فيه شيءٌ، فألزمَه ألاّ يجعل صلة (الذي) خبر المبتدأ إلا ما لم يعمل فيه شيءٌ.
قال: وقال : "أفإن مِتَّ فهم الخالدون"، لو كان ليس موضعَ جزاءٍ قَبُحَ فيه (إنْ).
قال أبو علي: يُفْسِدُ قولَ يونس أن الجزاء لا يعتمدُ على ألف الاستفهام قول الله : "أفإن مت فهم الخالدون) فقوله: (إنْ) معتمدٌ على ألف الاستفهام، والفاءُ جوابُ الشّرْط، ولا يجوز أن يقدر بقوله: (فَهُم) التَّقديم، كأنّه (فهم الخالدون إن مِتَّ)، كما قُدِّرَ في إنْ تأتني آتيك: (آتيك إن تأتِني)، لأنّه لو قدّر ﴿في﴾ الآية هذا التقدير لصارت الفاءُ الأولى لغوًا لا معنى لها، وإنّما الفاء الأولى دخل عليها ألفُ الاستفهام كما دخلت على الواو في قوله "أوَ أمِنَ أهلُ القرى" والثانيةُ جوابُ الشّرط، لأنّ الجملةَ التي هي جوابُ الشّرط مِن مُبتدأ وخبر، فهذه الآيةُ ليس يجوزُ فيها أنْ يعتمدَ الاستفهامُ إلا على ما عَمِلَ فيه (إنْ) الجزاء، فهذا يَرُدُّ قولَ يونسَ.
стр. 579
هذا بابُ الجزاء إذا كان القسمُ في أوله:
قالك فاليمين لا تكون لغوًا كَلا والألف.
أي: لا يجوز أنْ يعتمدَ اليمينُ على الجزاء كما جاز أن تعتمد عليه في الباب الذي قبل هذا، وهو قولُك: أإنْ تأتني آتِك، ولا إنْ تأتِنا أعطِكَ، كما قال:
ولا مَنْ يأتِها يتَدَسَّمِ
قال: واليمينُ ليست كذا.
أي لا تكون اليمينُ لغوًا إذا كانت متقدّمةً، إنّما تُلْغى إذا وَقَعَتْ بين كلامٍ غير مُبتدئِها.
قال: وتقول: أنا والله إن تأتني لا آتِك.
стр. 580
يريد: أنّ (لا) في المسألة الأولى ليست جواب القسم، إنّما هي لنفي الجزاء، ولو كانت تلك جوابَ القَسَم لارتفع بعد (لا)، ولدخلت اللامُ والنّونُ في الجواب إذا كان مُوجَبًا، فقلت: أنا والله إنْ تأتِني لا آتيك.
قال: وتقول: والله إن أتيتني آتيك، وهو معنى لا آتيك، فإنْ أردْتَ أنَّ الإتيانَ يكون فهو غيرُ جائزٍ.
أي غير جائز حتى تدخل اللام والنون فتقول: لآتينّك.
*****
هذا باب ما يرتفع بين المجزومَيْن وينجزم بينهما
متى تأتِنا تُلمِمْ بنا ...
جازَ البدلُ لأنّ الإلمامَ ضَرْبٌ مِنَ الإتيان.
قال: لأنّ القول ليس بالإتيان، إلاّ أنْ يُجيزَه على ما جاز عليه
стр. 581
تمثيلُنا.
أي: المسألة التي أجازها الخليل على الغَلَط.
قال: وسألتُ الخليلَ عن قوله: إنْ تأتِني فتُحدِّثَني أحدثْك، والجزمُ الوَجْهُ.
قال أبوعلي: النَّصْبُ في الفاء تكون في غير الواجب في ضرورة الشعر إنْ تأتني (تأتني) فعلٌ غيرٌ واجبٍ، كما أنَّ (ما تأتِني) فعلٌ غيرُ واجبٍ، فحَمَلَ الفعلَ بعدَ الفاءِ على (أنْ)، فنَصَبَ وعَطَفَ على المصدر الفعلَ كأنّك قلت: إنْ يكنْ إتيانٌ فحديثٌ أحدّثْك، ...
ومَنْ لا يُقَدّم رِجْلَهُ.
стр. 582
قال أبو علي: تقديره: مَنْ لا يكنْ منه تقديمٌ لرِجْلِه، فإثباتٌ لها يَزْلقِ.
قال في ثُمَّ: لم يجعلوها بمنزلة الفاء والواو في نصب الفعل، ولكنّها تُشْرِكُ ويُبْدأ بها، يريد، يُقْطَعُ ما عبدها مِمّا قبلَها.
قال: ولا يَحْسُنُ الابتداءُ، لأنّ ما قبلها لم ينقطعْ.
قال أبو علي: لأنّ الشّرْطَ لا يَتِمُّ إلاّ بالجزاء.
قال: قولُه تعالى "ويُكَفِّرْ عنكم من سيئاتكم" الرفع ها هنا
стр. 583
وجهُ الكلام، وهو الحَدُّـ، لأنّ الكلامَ الذي بعد الفاء جرى مَجْراه في غير الفاء.
قال أبو علي: يريد إنّه خبرُ مُبتدأ محذوف كأنّ المعنى: نحن نُكَفّرُ فتعطف جملة مِن مُبتدأ وخبرٍ على جُملة من مبتدأ وخبر.
قال: في قراءة مَنْ قَرَأ "ويذرهم في طغيانهم يعمهون" إنّه حَمَلَ الفعلَ على موضع الكلام في موضعٍ يكون جوابًا، لأنّ أصلَ الجزاء الفعلُ.
أي يكون جوابًا للشّرطِ، فالفاءُ مع ما قبلَه في موضع فعلٍ مجزومٍ بالجواب، وقد صَرَّح ها هنا أنَّ أصل الجزاءِ الفعلُ، كما رأيت.
فالأصلُ الفعلُ، والفاءُ داخلةٌ عليه، وإنّما تدْخُلُ إذا كان الجوابُ كلامًا مِنْ مُبتدأ وخبر، ولذلك جَزَمَ "نَذَرْهم" لأنّه حُمِلَ على موضع فعلٍ مجزومٍ.
стр. 584
قال: وإنْ كان معناه كمعنى ما قبله.
أي كمعنى قوله: وألحَقُ بالحجاز فأستريحا
*****
هذا باب من الجزاء ينجزم فيه الفعل إذا كان جوابًا لأمرٍ أونهيٍ أو استفهامٍ أو تَمَنٍّ أو عَرْضٍ
فأمّا الجَزْمُ بالأمر فقولُك: ائتني آتِك.
قال أبو علي: الشّرطُ في هذا الباب يُحذف لدلالة ما قبل الجزاء
стр. 585
عليه كما حُذِفَ الجواب في مثل: أنت ظالمٌ إنْ فعلْتَ، لدلالة، أنتَ ظالمٌ على الجزاء، وذلك أنَّ تقدير قولك: ائتني آتِك، ائتني فآتك إن تأتني آتِك، فدَلَّ ائتِني على إنْ تأتِني، كما دَلَّ (أنت ظالمٌ) ونحوُه على الجزاء.
قال أبو بكر: الأمر والنهيُ يشتركان في الإرادة، ويفترقان في أنّ الأمر إرادةٌ بتكليف، والنهي إرادة بلا تكليف.
قال: ومِمّا جاء من هذا في القرآن وغيره قوله "هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، تؤمنون بالله"، فلَمّا انقضت الآيةُ قال "يغفرْ لكم".
قال أبو إسحاق: قال بعض النحويين: إنّ قولَه: (يغفرْ لكم) جوابٌ لقوله: "هل أدُلُّكم"، وهذا خطأ لأنّه ليس بالدّلالة تجب المغفرة، وإنّما قولُه "يغفرْ لكم" جوابُ (تؤمنون)، وهو أمْرٌ على لفِ الخَبَر.
قال أبو العباس: يكون (تؤمنون) في معنى (آمِنوا بالله) أمرًا كما
стр. 586
تقول: (يقومُ زيدٌ)، أي لِيَقُمْ زيدٌ، وفي قراءة عبدِ الله (آمِنوا بالله)، فهذا يُقَوّي التأويلَ.
قال: فإنْ كنت تريد أنْ تُقَدِّرَه أنّه قد فَعَلَ، فإنَّ الجزاءَ لا يكونُ لأنّ الجزاءَ إنّما يكونُ في غير الواجب.
قال أبو علي: هذا إذا كان الاستفهامُ تقريرًا، كقوله تعالى: "أليس اللهُ بكافٍ عبدَه"؛ أنشد:
كونوا كَمَنْ آسى أخاه بنفسِه ... نعيشُ جميعًا أو نموتُ كلانا
كأنّه قال: كونوا هكذا إنّا نعيشُ جميعًا أو نموتُ كلانا (إنْ كان هذا أمرُنا) وزَعَم الخليلُ أنّه يجوزُ أنْ يكون (نعيشُ) محمولاً على كُونُوا، كأنّه قال: كونوا نعيشُ جميعًا أو نموتُ كِلانا.
стр. 587
قال أبو علي: (نعيشُ) على القول الأوّل رفعٌ بأنّه خبرُ مبتدأ، وعلى القول الثاني نَصْبٌ بخبر كان، وخبرُ كان على القول الأول "كمَنْ آسَى"، وعلى القول الثاني "كَمَنْ" لغْوٌ غيرُ مُستقِرّ.
وقال أبو علي: كان التشبيه لِلْمُشَبَّه به، كأنّه مَحَلٌّ له على الاتّساع، وإنْ لم يكنْ مِنْ مكانٍ ولا زمانٍ على الحقيقة، كما أنَّ قولَك: زيدٌ ينظرُ في العلم فالعِلْمُ ليس بمَحَلٍّ لزيد على الحقيقة، كما أنّ الكِيسَ والبَيْتَ مَحلاّن في الحقيقة إذا قلتَ: الدّينارُ في الكيس، وزيدٌ في البيت.
قال: وسألْتُه عن قولِه "قل أفغيرَ الله تأمرونِّي أعبدُ".
فقال: (تأمرونّي) كقولك: هو يقولُ ذاك بَلَغَني، فبَلَغني لغوٌ، فكذلك (تأمرونّي)، كأنّه قال: (فيما تأمرونني) وإنْ شئتَ كان بمنزلة: احضُر الوَغَى.
стр. 588
قال أبو علي: الوجه الثاني ينتصب بتأمروني.
قال أبو العباس: (غَيْرَ) مَنصوبٌ (بأعبدُ على القول الأوّل، وعلى القول الثاني وهو أنْ يُحْذَفَ (أنْ) من (أعبد) المنتصَبُ (بتأمرونّي)، ولا يجوزُ انتصابُه (بأعبد)، لأن (أعبد) في صلة (أنْ)، وغَيْر فِعْله، ولا يعملُ ما في الصّلة فيما قبلَ الموصول.
قال أبو علي: (غير) على القول ﴿الأول﴾، وهو أن تجعل (تأمرونّي) كاللغو، يُنتصَب (بأعبد)، كأنّه قيل: أفأعْبُد غيرَ الله فيما تأمرونّي، وعلى القول الثاني وهو أن تجعلَ (أعبُدُ) قد حُذِفَ منه (أنْ)، يُنْتَصَبُ (بتأمرونّي) كأنّه قيل: أفتأمرونّي غيرَ الله أنْ أعبدَ، فغَير مُنتَصبٌ بتأمرونّي، وأن أعبدَ بدل من غير، كأنّه قيل: أفتأمرونِ عبادةَ غيرِ اللهِ، كما أنّ قولَك: ضربْتُ زيدًا رأسَه، تقديرُه: ضربْتُ رأسَ زيدٍ.
стр. 589
هذا بابُ الحروف التي تُنَزَّلُ منزلةَ الأمر والنّهي نحوُ: حسبُك وكِفْيُكَ، تقولُ: حسبُك بشتمِ النّاس .
قال: سألتُ الخليلَ عن قوله تعالى "فأصَّدَّق وأكنْ مِنَ الصالحين".
فقال: هذا كقول زُهَيْرٍ: .... ولا سابِقٍ شيئًا.
стр. 590
قال أبو علي: يُريدُ: ومِثْلُه في الموضع لا في الجودة، وتقديرُ الآية: لولا أخَّرْتَني إلى أجلٍ قريبٍ أصَّدَّقَ، (فلَوْلا) حرفٌ فيه معنى التحضيض، فلذلك وَجبَ أنْ يكونَ الفعلُ بعده مُنْجَزِمًا كما انْجزمَ بعد الأمر.
وقولُه: (فأصَّدَّقَ) وَقَعَ موقعَ فعلٍ مجزومٍ، و (أكُنْ) على موضع (فأصَّدَّقَ) كما حَمَلَ مَنْ قرأ "ويذَرْهُم" على موضع الفاء مع ما بعدَه، وهو قولُه: "فلا هادِيَ له".
قال: ومثلُه مِنَ النَّهْي: لا يَرَينَّكَ، النّهيُ للمتكلّم في اللفظ، وهو في المعنى للمُخاطَب، كأنّه قال: لا تكونَنَّ هاهُنا، فإنَّ مَنْ كان ها هنا رأيْتُهُ.
قال: ومِثْلُ ذلك قولُ الله تعالى "ولا تَموتُنَّ إلاّ وأنتم
стр. 591
مسلمون" لَمْ يَنْهَهُمْ عن الموت، ولكنّه أراد: اثْبُتُوا على الإيمان، لِيُدْرِكَكُم الموتُ وأنتم مُسلمون.
قال: وسألتُه عن قوله: أمّا أنتَ منطلِقًا أنطلقُ معك، فرَفَعَ، وهو قولُ أبي عمروٍ، وحدّثنا به يونس.
قال أبو علي: (أنْ) هذه هي النّاصِبَةُ للفعل وما عُوّضَ مِنَ الفعل، و (أنت) مُرتفعٌ بالفعل الذي صار (ما) عِوَضًا منه، وهو (كان) والتقديرُ: أنْ كنتُ منطلقًا، إلاّ أن (ما) لَمّا صار عِوَضًا مِنَ الفعل، لم يَجُزْ أن يجتمعَ الفعلُ معه، كما لا يجوزُ أنْ يدخُلَ فعلٌ على فعلٍ، وحَكى أبو عُمَر في كتابه عن بعضِ العلماءِ أظُنُّه الأصْمعي أنّه حكى الجزاءَ (بأمّا)، قال: ولمْ يَحكِه غيرُه.
قال: وسألتُه عن قوله: ما تدومُ لي أدومُ لك، فقال: ليس في هذا جزاءٌ مِنْ قبل أنَّ الفعلَ صلةٌ (لما)، فصار بمنزلة (الذي).
أي: في أنّه موصولٌ كما أنّه موصولٌ.
стр. 592
قال: ويدُلُّك على أن الجزاء لا يكون ها هُنا أنّك لا تستطيع أن تستفهم (بما تدومُ) على هذا الحَدِّ أي لا يجوزُ أن يُسْتفهَمَ به وهو مصدرٌ.
قال أبو علي: موضع (ما) عندي نصبٌ على الظَّرْف، كأنّه قال: أدومُ لك دوامَك لي، أيْ وقتَ دوامِك، فحَذَفَ الوقت، وأقام الدَّوامَ مَقامَه، كما حُذِفَ وقتٌ مِن قولِك: حيثُ مقدَم الحاجّ.
قال: ومِثْلُ ذلك: كُلَّما تأتيني آتيك، فالإتيانُ صِلَةٌ لِما، كأنّه قال: كُلُّ إتْيانِك آتيكَ (وكُلّما تأتيني)، يقعُ أيضًا على الحينِ، كما كان (ما تأتيني) يقع على الحين، ولا يُستفهَمُ بِكُلَّما، كما لا يُسْتَفْهمُ بما تَدُومُ.
قال أبو علي: قوله: لا يُسْتَفهم بكُلّما، يريدُ: إذا كان (كُلّ) مُضافًا إلى (ما) الذي هو مع الفعل بمنزلة المصدر، يَدُلُّك على ذلك أنّه ذكر أوّل الفصل فقال: ومثلُ ذلك كُلّما، أي مثلُ (ما تدومُ لي أدومُ لك) في أنّ الجزاءَ لا يجوزُ فيه كما لم يجزُ في (ما تدومُ)، ومثَّلَه بالمصدر، فقال:
стр. 593
كأنّه قال: كُلُّ إتيانِك، فإنّما أراد بِكُلّما المضافَ (كُلّ) فيه إلى (ما) التي مع الفعل بتأويل المصدر كما قُدّم ذِكْرُه في أوّل الفصل، ولم يُرِدْ (كُلّما) المضاف إلى (ما) التي للاستفهام كما رَدَّ أبو العبّاس عليه في الغَلَط.
قال: وسألتُ الخليلَ عن قوله تعالى: "حتى إذا جاءوها وفَتَّحتْ أبوابُها".
قال أبو العباس: حذفُ الجواب في مثل هذه المواضع أفْخَمُ، لأنّ المخاطبَ يَتَوَهّمُ كُلَّ شيءٍ، فإذا ذُكِرَ شيءٌ بعينِه حَضَرَهُ فَهْمُه.
стр. 594
هذا بابُ الأفعال في القَسَم
قال: وزعم الخليلُ أنَّ النّونَ تَلْزَمُ اللامَ في قولك: إنْ كان لصالحًا، فإنْ بمنزلة اللام، واللام بمنزلة النون في آخر الكلمة.
قال أبو علي: (إنْ) في قولك: (إنْ كان لصالحًا) بمنزلة النّون في (لأفْعَلَنَّ)، في أنّ كل واحدٍ منهما للتأكيد، وأنّ كل واحد منهما فاصلٌ بين شيئين لولاهما لالْتَبَسا، فاللامُ في (لَصالِحًا) فَصَل بين الإيجاب والنَّفي، والنُّونُ في (لأفْعَلَنَّ) فصَلَ بين فعلِ الحالِ والاستقبالِ.
قال: فقُلْتُ: فَلِمَ ألْزَمْتَ النُّونَ آخِرَ الكلمة؟ (يعني لَيفْعَلنَّ) فقال: لِكَيْ لا يُشبه قولَه (ليَفْعَلُ)، (لأنَّ الرجلَ)، إذا قال هذا، فإنّما يُخْبِرُ بفعلٍ واقعٍ فيه الفاعِل أي للحال.
قال أبو بكر: عن أبي العباس: لا يجوزُ أنْ يُحْلفَ على الفعل الذي في الحال على الحقيقة، لأنّه إلى أنْ يُحْلَفَ على ما في الحال قد انقضى الحالُ.
قال أبو بكر: وهذا في الحقيقة هكذا، إلاّ أنّ العربَ إذا أرادوا الحَلْفَ على فعلٍ موجودٍ قد تقضَّتْ منه أجزاءٌ، وبقيت منه أجزاءٌ
стр. 595
قالوا: ليَفْعَلُ.
قال: وسألتُه عن قوله "وإذْ أخذ الله ميثاقَ النبيين" إلى آخر الفصل.
قال أبو علي: اللامُ في "لَما آتيتُكم" إذا كانت (ما) بمنزلة الذي مثلُ اللامِ في (لَئِنْ)، لأنّه لمّا دَخَلَتْ لامُ القسم على ما يتعلَّقُ به دخلت هذه أيضًا، إلاّ أنّ التي في (لما) إذا كانت بمعنى (الذي) ليست التي في قوله (لإنْ فعلْتَ)، لأنّ التي في (لَما) لامُ الابتداء واللامُ التي تدخل على الاسم المبتدأ لا تدخل على الأفعال، وقد قدّما الفصل بينهما في غير هذا الموضع، والراجعُ مِن الصّلة إلى الموصول الهاءُ المحذوفة، كأنّه قال (لَما آتَيْتكُموه)، وخبرُ المبتدأ (لتُؤْمِنُنّ به) والرّاجعُ مِنْ خبره إليه الهاءُ في (به).
وقد قيل: إنّ (ما) بمعنى الجزاء، و (لتؤمنُنَّ به) الجوابُ، وهذا مثلُ (لَئِنْ فعلْتَ لَيَفْعَلنَّ) وليستْ لامُ الابتداء التي كانت في (ما) إذا كانت بمعنى (الذي)، لكنّها الداخلةُ على الفعل، وموضع (ما) نَصْبٌ إذا كانت جزاءً بـ (آتيْتُكم) وموضع (آتيتُكم) إذا كان بمعنى الجزاء جزمٌ، لأنّه
стр. 596
في معنى (لَما آتِكم)، وإذا كانت (ما) بمنزلة (الذي) فلا موضعَ لـ (آتَيْتُكم)، لأنّه في صلة الذي، وما في صلة (الذي) لا موضعَ له، ألا ترى أنّ الفعلَ منها ليس بأولى من الاسم؟! وقد تصِلُ الموصولَ بالفعل والفاعل، وما رَجَعَ إليهما في المعنى كما تصله بالمبتدأ والخبر، فليس إحدى الجملتين بأوْلى بالموضع من الأخرى، وإنّما يُحكمُ على الجُملة أنّها في موضع إعْرابٍ، إذا وقَعَتْ موقعَ مُفْردٍ، كما يُحكمُ في قولك: كان زيدٌ أبُوه منطلقٌ بأنَّ موضعَ الجملةِ نصبٌ لوقوعِه موقعَ المُفرد، وليست الجملة في الصّلة واقعةً موقعَ مُفْردٍ ولا هي مِنْ مواضع المفردات، ومَنْ حَمَلَ (ما) على (الذي) في الآية لم يكن لـ (جاءكم) في قوله تعالى "ثم جاءكم رسولٌ" عنده موضعٌ، ومَنْ حَمَلَها على أنّها لِلْمُجازاة كان موضعُ (جاءكم) جَزْمًا لعطفه إيّاه على ما هو في موضع جزمٍ.
قال الخليلُ في قوله تعالى "لظلّوا" (ليظلُّنَّ) كما تقول: واللهِ لا فَعَلْتُ ذاك أبدًا، تريدُ معنى (لا أفعلُ)، وقالوا: لَئِنْ زُرْتَهُ ما يقبَلُ منكَ، وقال: لَئِنْ فَعَلْتَ ما فَعَل، يريدُ ما هو فاعِلٌ وما يفعَلُ، كما
стр. 597
كان (لظلّوا) مثلَ (ليظلُّنَّ).
قال أبو علي: (ما) هو نفيُ ما في الحال، فإذا وقع الماضي بعدَها عُلمَ أنّ المرادَ به الحالُ، كما أنّ الماضي بعد (لا) يُعلِمُ أنَّ المرادَ به الاستقبالُ، لأنّ هذين الحرفين لا يَنْفِيان الماضي، فكذلك يُعْلَمُ أنّ "أمْ أنتم صامتون" بمعنى (صَمَتُّمْ) لأنّ الجملةَ التي عُودِلَتْ بها جملةٌ مِنْ فعلٍ وفاعِلٍ، وهي (أدَعَوْتُموهم).
قال: وقد يستقيمُ في الكلام: إنّ زيدًا لَيضْربُ، وليَذْهبُ ولم يقعْ ضربٌ، والأكثرُ على ألسنتهم كما خَبَّرْتُك في اليمين، فَمِنْ ثمَّ ألزَموا النّون في اليمين لِئلاَّ يَلْتَبِسَ بما هو واقعٌ.
قال أبو علي: اللامُ على ذا للتوكيد والتي تتلقّى القَسَمَ وتدخلُ على الفعلِ الماضي والمستقبلِ، وليست التي تدخل في فعل الحال، فهي لا تُعلِّقُ الفعلَ كما تعلقه التي للحال في مثل قولك: إنَّ زيدًا لَيَقومُ إذا أرَدْتَ به الحال، لكنْ هذه هي التي تلْزَمُها النُّونُ الشّديدةُ أو الخفيفةُ وإنّما حُذِفَت النّون منه والفعل مُسْتَقْبلٌ، كما أنّه إذا كان النون فيه كان مُستقبلاً، فكما لا تُعلِّقُ الفعلَ اللامُ التي في قولك (لتَفْعَلَنَّ) بعد (أنْ) كذلك لا تُعلّقُه في قولك (ليَفْعَلنَّ) إذا أردْتَ به المستقبل.
تقول: عَلِمْتُ أنّ زيدًا لَيَنْطَلِقَنَّ، فلا تُعلّق هذه اللام (علِمْتُ) فكذلك لا تُعلّقُه في (لَيَفْعلُ) إذا كان بمعنى (لَيَفْعَلن) فتقولُ: عَلِمْتُ أنَّ زيدًا لَيَفْعَلُ.
стр. 598
قال: وقال : "إنّما جُعِلَ السّبتُ على الذين اختلفوا فيه، وإنّ ربّك لَيحْكُمُ بينهم يوم القيامة".
قال أبوعلي: قولُه "وأنَّ ربَّك ليحْكُمُ بينهم" الفعلُ لِلْحالِ دون الاستقبال وهذه اللامُ لو وَقَعَ (عَلِمْت) قبلها لعلّقتْه، فإنْ قيلَ: كيف صار لِلْحال وقد اتّصَلَ به (يوم القيامة) كما تقول: يَضْرِبُ زيدٌ غدًا؟ قيل: أريد به حكايةَ الحال وإن اتّصلَ به ما هو في المعنى مُستقبلٌ، ولَكَ أنْ تحكي الحالَ كانتْ فيما مضى أو فيما يُسْتَقْبَلُ، ألا ترى قولَ الله : "فوَجَدَ فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا مِن عدوّه"، فالقِصّةُ قد مَضَتْ والإشارةُ فيها كالإشارة إلى الحاضِرِ؟!.
стр. 599
هذا بابُ الحروف التي لا تَقَدَّمُ فيها الأسماءُ الفعلَ
قال: ألا ترى إلى كثرة ما يعمل في الأسماء وقلّة ما يعملُ في هذا.
أي ما يعملُ في الفعل، فهذه الإشارةُ تريد بها الفصْلَ بين الجازم والمجزوم.
قال: واعْلَمْ أنّ حروفَ الجزاء يَقْبُحُ أن تتقدّم الأسماءُ فيها قبلَ الأفعال.
(أيْ: لا تقول: مَنْ زيدٌ يَضْرِبُه أضْرِبْ، إلاّ وهو قبيحٌ).
وقد جاز ذلك فيها.
(أي الفصلُ)، لأنّ حروفَ الجزاء يَدْخُلُها فَعَل ويفْعَلُ، ويكونُ فيها الاستفهامُ، فتُرفعُ فيها الأسماءُ.
قال أبو علي: هو مثلُ: مَنْ زيدٌ، ومَنْ عمروٌ، يريدُ أنَّ حروفَ الجزاء لها تصرّفٌ ليستْ لسائرِ الحروفِ الجازمةِ غيرها.
стр. 600
قال: وتكون بمنزلة الذي.
قال أبو علي: مثلُ: مَنْ يأتيني فله درهمٌ.
قال: وإنْ شئتَ لم تُجاوز الاسمَ العامِل في الآخِر.
أي: لم تجاوز الإضافة.
قال: ويجوز] الفرقُ [في الكلام في (إنْ).
أي يجوزُ تقديمُ الاسم على الفعل إذا لم تجزم الفعل، نحوُ "إنْ زيدٌ فعل فعلْتُ".
قال: فإنْ جزمت بها أشْبهت لَمْ.
قال: وإنّما جاز في الفَصْل ولم يُشْبه (لمْ)، لأنَّ (لمْ) لا يقعُ بعدها (فَعَلَ).
قوله: وإنّما جاز في الفصل، أي إنّما جاز الفصل بين (إنْ) والفعل بالاسم إذا كان الفعلُ ماضيًا، لأنه لا ينجزم، فلا يشبه ما بعد (لَمْ).
قال: فجاز هذا كما جاز إضمارُ الفعل فيها حين قالوا: إنْ خيرًا
следующие страницы →