Полный текст (1 534 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
في معنى (لَما آتِكم)، وإذا كانت (ما) بمنزلة (الذي) فلا موضعَ لـ (آتَيْتُكم)، لأنّه في صلة الذي، وما في صلة (الذي) لا موضعَ له، ألا ترى أنّ الفعلَ منها ليس بأولى من الاسم؟! وقد تصِلُ الموصولَ بالفعل والفاعل، وما رَجَعَ إليهما في المعنى كما تصله بالمبتدأ والخبر، فليس إحدى الجملتين بأوْلى بالموضع من الأخرى، وإنّما يُحكمُ على الجُملة أنّها في موضع إعْرابٍ، إذا وقَعَتْ موقعَ مُفْردٍ، كما يُحكمُ في قولك: كان زيدٌ أبُوه منطلقٌ بأنَّ موضعَ الجملةِ نصبٌ لوقوعِه موقعَ المُفرد، وليست الجملة في الصّلة واقعةً موقعَ مُفْردٍ ولا هي مِنْ مواضع المفردات، ومَنْ حَمَلَ (ما) على (الذي) في الآية لم يكن لـ (جاءكم) في قوله تعالى "ثم جاءكم رسولٌ" عنده موضعٌ، ومَنْ حَمَلَها على أنّها لِلْمُجازاة كان موضعُ (جاءكم) جَزْمًا لعطفه إيّاه على ما هو في موضع جزمٍ.
قال الخليلُ في قوله تعالى "لظلّوا" (ليظلُّنَّ) كما تقول: واللهِ لا فَعَلْتُ ذاك أبدًا، تريدُ معنى (لا أفعلُ)، وقالوا: لَئِنْ زُرْتَهُ ما يقبَلُ منكَ، وقال: لَئِنْ فَعَلْتَ ما فَعَل، يريدُ ما هو فاعِلٌ وما يفعَلُ، كما
стр. 597
كان (لظلّوا) مثلَ (ليظلُّنَّ).
قال أبو علي: (ما) هو نفيُ ما في الحال، فإذا وقع الماضي بعدَها عُلمَ أنّ المرادَ به الحالُ، كما أنّ الماضي بعد (لا) يُعلِمُ أنَّ المرادَ به الاستقبالُ، لأنّ هذين الحرفين لا يَنْفِيان الماضي، فكذلك يُعْلَمُ أنّ "أمْ أنتم صامتون" بمعنى (صَمَتُّمْ) لأنّ الجملةَ التي عُودِلَتْ بها جملةٌ مِنْ فعلٍ وفاعِلٍ، وهي (أدَعَوْتُموهم).
قال: وقد يستقيمُ في الكلام: إنّ زيدًا لَيضْربُ، وليَذْهبُ ولم يقعْ ضربٌ، والأكثرُ على ألسنتهم كما خَبَّرْتُك في اليمين، فَمِنْ ثمَّ ألزَموا النّون في اليمين لِئلاَّ يَلْتَبِسَ بما هو واقعٌ.
قال أبو علي: اللامُ على ذا للتوكيد والتي تتلقّى القَسَمَ وتدخلُ على الفعلِ الماضي والمستقبلِ، وليست التي تدخل في فعل الحال، فهي لا تُعلِّقُ الفعلَ كما تعلقه التي للحال في مثل قولك: إنَّ زيدًا لَيَقومُ إذا أرَدْتَ به الحال، لكنْ هذه هي التي تلْزَمُها النُّونُ الشّديدةُ أو الخفيفةُ وإنّما حُذِفَت النّون منه والفعل مُسْتَقْبلٌ، كما أنّه إذا كان النون فيه كان مُستقبلاً، فكما لا تُعلِّقُ الفعلَ اللامُ التي في قولك (لتَفْعَلَنَّ) بعد (أنْ) كذلك لا تُعلّقُه في قولك (ليَفْعَلنَّ) إذا أردْتَ به المستقبل.
تقول: عَلِمْتُ أنّ زيدًا لَيَنْطَلِقَنَّ، فلا تُعلّق هذه اللام (علِمْتُ) فكذلك لا تُعلّقُه في (لَيَفْعلُ) إذا كان بمعنى (لَيَفْعَلن) فتقولُ: عَلِمْتُ أنَّ زيدًا لَيَفْعَلُ.
стр. 598
قال: وقال : "إنّما جُعِلَ السّبتُ على الذين اختلفوا فيه، وإنّ ربّك لَيحْكُمُ بينهم يوم القيامة".
قال أبوعلي: قولُه "وأنَّ ربَّك ليحْكُمُ بينهم" الفعلُ لِلْحالِ دون الاستقبال وهذه اللامُ لو وَقَعَ (عَلِمْت) قبلها لعلّقتْه، فإنْ قيلَ: كيف صار لِلْحال وقد اتّصَلَ به (يوم القيامة) كما تقول: يَضْرِبُ زيدٌ غدًا؟ قيل: أريد به حكايةَ الحال وإن اتّصلَ به ما هو في المعنى مُستقبلٌ، ولَكَ أنْ تحكي الحالَ كانتْ فيما مضى أو فيما يُسْتَقْبَلُ، ألا ترى قولَ الله : "فوَجَدَ فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا مِن عدوّه"، فالقِصّةُ قد مَضَتْ والإشارةُ فيها كالإشارة إلى الحاضِرِ؟!.
стр. 599
هذا بابُ الحروف التي لا تَقَدَّمُ فيها الأسماءُ الفعلَ
قال: ألا ترى إلى كثرة ما يعمل في الأسماء وقلّة ما يعملُ في هذا.
أي ما يعملُ في الفعل، فهذه الإشارةُ تريد بها الفصْلَ بين الجازم والمجزوم.
قال: واعْلَمْ أنّ حروفَ الجزاء يَقْبُحُ أن تتقدّم الأسماءُ فيها قبلَ الأفعال.
(أيْ: لا تقول: مَنْ زيدٌ يَضْرِبُه أضْرِبْ، إلاّ وهو قبيحٌ).
وقد جاز ذلك فيها.
(أي الفصلُ)، لأنّ حروفَ الجزاء يَدْخُلُها فَعَل ويفْعَلُ، ويكونُ فيها الاستفهامُ، فتُرفعُ فيها الأسماءُ.
قال أبو علي: هو مثلُ: مَنْ زيدٌ، ومَنْ عمروٌ، يريدُ أنَّ حروفَ الجزاء لها تصرّفٌ ليستْ لسائرِ الحروفِ الجازمةِ غيرها.
стр. 600
قال: وتكون بمنزلة الذي.
قال أبو علي: مثلُ: مَنْ يأتيني فله درهمٌ.
قال: وإنْ شئتَ لم تُجاوز الاسمَ العامِل في الآخِر.
أي: لم تجاوز الإضافة.
قال: ويجوز] الفرقُ [في الكلام في (إنْ).
أي يجوزُ تقديمُ الاسم على الفعل إذا لم تجزم الفعل، نحوُ "إنْ زيدٌ فعل فعلْتُ".
قال: فإنْ جزمت بها أشْبهت لَمْ.
قال: وإنّما جاز في الفَصْل ولم يُشْبه (لمْ)، لأنَّ (لمْ) لا يقعُ بعدها (فَعَلَ).
قوله: وإنّما جاز في الفصل، أي إنّما جاز الفصل بين (إنْ) والفعل بالاسم إذا كان الفعلُ ماضيًا، لأنه لا ينجزم، فلا يشبه ما بعد (لَمْ).
قال: فجاز هذا كما جاز إضمارُ الفعل فيها حين قالوا: إنْ خيرًا
стр. 601
فخيرٌ.
قال أبو علي: يقولُ ليس تقديمُ الاسم على الفعل إذا كان ماضيًا بأشَدّ منْ حذف الفعل ألبَتّة مع فاعلِه.
قال: وأمّا سائرُ حروف الجزاء فهذا فيه ضَعْفٌ.
أي: الفصل في الكلام، لأنها ليست (كإنْ)، (لو جاز في "إنْ") وقد جَزَمَتْ كان أقوى)، فلوْ جاز الفَصْلُ بين (إنْ) وفعلِه المجزوم بالاسم كان أقوى من الفصل بالاسم بين سائر الحروف والأفعال التي تنجزم بعده بالاسم (إذْ جاز فيها "فَعَلَ")، أي إذْ جاز الفَصْلُ بين (إنْ) والفعل الماضي بالاسم في الكلام في غير الضرورة، ولم يَحْسُن الفَصْلُ بين الحروف وبين الفعل الماضي بالاسم في الكلام، إنّما يجوزُ في الضّرورة، فلـ (إنْ) إذنْ مَزِيّةٌ في باب الفَصْل بينها وبينَ الفعل، لَيْسَت لِسائِرِ الحروف،
قال: ولَوْ كان (فَعَلَ) كان أقوى.
стр. 602
أي: ولو كان "متى واغلٌ نابَهم".
قال: فإنْ قلت: إنْ (يأتني) زيدٌ يقلْ ذاك جاز على قول مَنْ قال: زيدًا ضَرَبْتُهُ، وهذا موضع ابتداءٍ، ألا ترى أنّك لو جئتَ بالفاء فقلتَ: إنْ تأتِني فأنا خيرٌ لك كان حسنًا، وإن (لم يَحْمِلْهُ) على ذلك رَفَعَ، وجاز في الشّعر.
قال أبو علي: قولُه: (إنْ يأتِني زيدٌ يقلْ ذاك) على: زيدًا ضَرَبْتُهُ، يريدُ يرتفع (زيدٌ) بفعلٍ مُضمَر (ضَربْتُه) تفسيرُه، هذا على أنْ تجعل (زيدًا) واقعًا موقعَ الجزاء، كان الموضعُ على هذا الفعل كما أنّه في الشّرط للفعلِ وإنْ قدّرت ألفًا محذوفةً كان (زيد) في موضع ابتداء ومُرتفعًا به.
стр. 603
وقوله: وإن لم يَحْمِلْه على ذلك رَفَعَ.
قال أبو بكر: يريد (رَفَعَ) بقوله: لأنه يجعلُه خَبَرَ مُبتدأ.
وقوله: وجازَ في الشّعرِ.
أيك جاز حذفُ الفاء في الشّعر.
قال: ومثلُ الأوّل قولُ هشام:
فَمَنْ نحنُ نُؤْمِنْهُ يَبِتْ وهْوَ آمِنٌ ...
قال أبو علي: قولُه: مثلُ الأوّل، أي مثلُ: إنْ زيدٌ يأتِك يكنْ كذا.
стр. 604
(ونحن) في البيت يرتفع بفعل هذا الذي ظهر تفسيرُه، كما أنّ (زيد) في قولك: (إنْ زيدٌ يأتِني) يرتفعُ على إضمار فعل (يأتِني) تفسيرُه، إلاّ أنّك لو أظْهَرْتَ في التّمثيل ما ارتفع عليه (زيدٌ) لقُلْتَ: (إنّك يأتني زيدٌ يأتِني يكنْ كذا)، ولو ظَهَرَ ما ارتفع عليه (نحنُ) في التّمثيل لاتّصل الضّميرُ فَلَزِمَكَ أنْ تقول: (فَمَنْ يُؤمَنْ نُؤمِنْهُ)، ولم يَجُزْ ألاّ يتَّصِلَ. ومثلُ هذا قولُه: أنت فانْظُرْ.
أقول: إنَّ أحدَ القولين فيه أنّ (أنتَ) على فعل مُضْمَر مُرتفِع (فانْظُرْ) تفسيرُه، ولو أظْهَرْتَ ما ارتَفع عليه في التّمثيل لقُلْتَ: (انْظُرْ
стр. 605
فانْظُرْ) فاتَّصَلَ الضَّميرُ، لأنّه موضعٌ لا ينفصِلُ فيه، ألا ترى أنّك إذا قلتَ: (أقامَ زيدٌ قامَ)، فإنْ وضَعْتَ موضعَ المُضْمَر مُظْهرًا قلتَ: أنتَ قُمْتَ، فإنْ أظْهَرْتَ الفعلَ الذي ارتفع (أنتَ) عليه تمثيلاً قلتَ: أقُمْتَ قُمْتَ، فاتَّصل الضّميرُ بالفعل، ولم يجزْ أنْ ينفصل هنا، كذلك تقول: (إنْ زيدٌ يأتني يكن كذا) فإنْ وضعْتَ موضعَ المُظهَر مُضمرًا مُنْفصِلاً فذكرْتَ الفعلَ المضمَرَ الذي يرتفع عليه المُضمَرُ تمثيلا قلتَ: إنْ تأتني تأتني يكنْ كذا، لأنّه لا يجوزُ وقوع الضمير المنفصل عن حاله.
стр. 606
هذا بابُ الحروف التي لا يليها بعدها إلا الفعلُ ولا تُغَيّرُ الفعلَ عن حالِه:
قال: ومِنْ ذلك الحروفُ أيضًا (سوفَ يفعلُ)، لأنّها بمنزلة السِّين وإنّما دَخَلت هذه السّينُ على الأفعال، وإنّما هي إثْباتٌ لقولك: (لنْ يفعَل) فأشْبَهتها في أنْ لا يُفْصَلَ بينها وبين الفعل.
قال أبو علي: قد أُجْرِي الجوابُ في غيرِ هذا الموضعِ مجرى السُّؤال، ألا ترى أنَّ (لا) في قولِك: (لا رجُلَ) مُشَبَّهٌ (أن) ولم يُفْصَلْ بينه وبين ما عَمِلَ فيه بالظَّرْف، كما فُصِلَ بين (أنَّ) وما عَمِلَ فيه بالظَّرْف وإنْ لمْ تبْنِ (لا) مع ما بعدَهُ، نحو: لا غُلامَ رَجُلٍ عندك، لأنّه جوابٌ لشيءٍ لا يُفْصَلُ بينه وبين ما عَمِلَ فيه، وهو: هلْ مِنْ غُلامٍ؟.
стр. 607
هذا بابُ الحروف التي يجوزُ أن تَليها بعدَها الأسماءُ، ويجوزُ أن يَلِيها بعدَها الأفعالُ، وهي لكِنْ وإنّما وكأنّما وإذْ
قال أبو علي: ذِكْرُه (إذْ) ها هُنا حُجَّةٌ عليه في إجرائه إياهُ في بابِ الجزاء مجْرى (إنَّ وكأنَّ) وما يخْتَصُّ الدُّخولَ على الاسم.
قال: وسألْتُ الخليلَ عن قول العرب: انْتَظِرْني كما آتِيكَ – الفصل.
قال أبو علي: لَوْ لم يجعلْ (كما) بمنزلة (لَعَلِّي) ولم يجعل (ما) كافَّةً لَوَجَبَ إذا وقع بعدها الفعلُ أنْ يُنْصَبَ بإضمار (أنْ)، لأنَّ (ما) يدخلُ على الأفعال، ألا ترى أنّ اللامَ في قولك: جئتُ لِتَقومَ لما كانتْ عامِلَةً في الاسم فوَقَعَ الفعلُ بعدَها نصْبٌ، فأضْمَرَ (أنْ) لِيكونَ مع الفعلِ في تأويلِ اسْمٍ، وكذلك فِعْلُ ما كان ليَفْعَل حتّى الجارّة.
قال أبو علي: ولَوْ نُصِبَ بعد (ربّما) الفعلُ كما نُصِبَ بعدَ سائرِ حروف الخفضِ كان مُحالاً، وذاك أنَّ نَصْبَهُ كان يكونُ على إضمارِ (أنْ)، كما كان نصبُ الأفعال بعد سائر حروف الجرّ على إضمار (أنْ)، ولوْ
стр. 608
أضْمَرَ (أنْ) بعدَه لصار الفعلُ مع (أنْ) المُضْمَرَة في موضع جَرّ، ولتعرَّفَ، وإذا تعرَّفَ الاسمُ لمْ يَدْخُلْ عليه (رُبَّ)، لأنّها لا تعملُ إلاّ في نَكِرَةٍ فـ (ما) في (رُبّما) تكونُ الكافّة، ولا يجوزُ أن تكون كالتي في قوله "فبِما رحمةٍ من الله" لما بيّنا.
أنشد: كما تُغَدّي القومَ مِنْ شَوائِهْ.
في كتاب الباهِلي فيما حَكاهُ أبو بكرٍ، شيْبانُ ابنُه، أيْ قُلْتُ لهُ
стр. 609
ارْكَبْ في طَلَبه كما تَصيدُه فتُغدِّي القومَ به مشويًّا، يَصِفُ ظلِيمًا.
стр. 610
هذا بابُ ما يُضاف إلى الأفعال
قال: وجاز هذا في الأزمنة واطّرد فيها، كما جاز للفعل أن يكونَ صِفَةً.
قال أبو علي: يقول: جاز إضافةُ أسماء الزّمان إلى الفعل وإنْ لم يكنْ بابُ الفعل أنْ يُضاف إليه، كما جاز أنْ يكونَ صِفَةً، وإنْ كان حَدُّ الصِّفَةِ أنْ تكون اسْمًا كضاربٍ وحَسَنٍ وهاشِمِيّ وما أشْبَهَهُ فكما أجْريَ مَجْرى الاسم في أنْ وُصِفَ به، وكذلك أجْرِي مجْراهُ في أنْ أضيفَ إليه هذا النّوْعُ من الأسماء.
قال: فلم يُخْرجوا الفعلَ مِنْ هذا كما لمْ يُخرجُوا الأسماءَ منْ ألِفِ الوَصْل، نَحْو ابْن، وإنّما أصْلُهُ لِلْفِعْل وتصريفه.
قال أبو علي: يقول: حُكْمُ الإضافة أنْ تكونَ إلى الاسم، وحُكْمُ ألِفِ الوَصْل أنْ تكونَ في الفعل، أدْخِلَ ألفُ الوَصْلِ في بعضِ الأسماء كذلك أضيفَ بعضُ الأسماءِ إلى الفعل.
قال أبو علي: مُذْ ومُنْذُ على ضَرْبَيْن، يُسْتَعْملان مَرَّةً اسميْن، ومرَّةً حَرْفَيْن، مَنْ قال: ما رَأيْتُه مَذْ يومان، قال: جَعَلهُ اسمًا، وكان موْضِعُه رفعًا بالابتداء، وما بعده خَبَرهُ، ومنْ جَعَلهُ حرفًا قال: مُذْ يوْمَيْن،
стр. 611
وكان موضعُهُ مع المخفوض الذي بعدَه نَصْبًا، و (مُذْ) في قولك: مُذْ جاءني، ومُذْ كان عندي، لا تَخْلُو مِنْ أنْ تكون الذي هو حرفٌ، أو الذي هو اسمٌ، ولا يجوزُ أن يكون حرفًا، لأنَّ حرفَ الخفضِ لا يدخُلُ على الفعلِ، لا تقولُ: بقامَ، ولا بيَقُومُ، ووَجدْنا أسماءَ الزّمان قد أضيفت إلى الفعل، فجعلناه اسمَ زمانٍ مُضافًا إلى الفعل إذْ بطل أن يكون حرفًا، لامتناع إضافة حرفِ الجَرّ إلى الفعل.
قال: وَمِنْهُ أيضًا آية، قال:
بآية تُقْدِمُونَ الخيْلَ شُعْثًا ....
قال أبو العباس: إضافةُ (آية) إلى الفعل لا تطَّرِدُ، وإنّما جاء في قولِه (بآية تُقْدِمون)، فأمّا البيتُ الثّاني فهي فيه مُضافةٌ إلى المصدر، كأنّه قال: بآيةِ حُبِّكُم الطّعام، جعل (ما) مع الفعل بتأويل المصدر.
стр. 612
قال: ولا يجوز هذا في الأزمنة حتى تكون بمنزلة إذْ.
قال أبو علي: لا يجوزُ هذا أي لا يجوز إضافة اسم الزّمان إلى الجملة المركّبة من المبتدأ وخَبَرِه حتى تكون بمنزلة (إذْ) في المُضِيّ، فأمّا المُستقبل من الأزمنة فلا يجوز إضافتُه إلاّ إلى الفعل، كما أنّ (إذا) لا تُضاف إلا إلى الفعل.
****
هذا بابُ إنَّ وأنَّ
قال: ونظيرُ ذلك في أنّه وما عَمِلَ فيه بمنزلة اسمٍ واحدٍ، كقولِك: رأيت الضّاربَ أباهُ زيدٌ.
قال أبو علي: التّوفيقُ بين (الضّارب أباه زيدٌ) وبين (بَلَغَني أنَّ زيدًا منطلقٌ) أنّهما اسمان في صِلَةِ كُلِّ واحدٍ منهما منصوبٌ ومرفوعٌ.
стр. 613
هذا بابٌ مِنْ أبوابِ أنّض
تقول: ظننْتُ أنّه منطلقٌ.
قال ابو علي: (أنّه) بعد ظَننتُ لا يكون إلا مفتوحًا، وفيه قولان:
إنْ شِئْتَ قلتَ: إنَّ الخبرَ مُضمرٌ، كأنّك قلت: ظَنَنْتُ انْطلاقَكَ واقعًا أوْ كائنًا وما أشْبَهَهُ، فأضْمَرتهُ.
وإنْ شئتَ قلتَ: إنَّ (مُنطلقًا) وما أشْبَهه ممّا يكونُ خَبَرًا لإنَّ سَدَّ مَسَدَّ خَبر ظَنَنْتُ لأنّه في المعنى مبتدأ وخَبر كما يدخل عليه ظَنَنْتُ.
قال: وتقول: لولا أنّه منطلقٌ لَفَعَلْتُ، فأنَّ مبنيةٌ على (لولا)، كما تُبنى عليها الأسماءُ، وتقول: لوْ أنه ذاهبٌ لكان خيرًا] له [، (فأنّ) مبنيةٌ على (لوْ)، كما كانتْ مبنيّةً على (لَوْلا).
стр. 614
قال أبو علي: سألْتُه عن وقوع (أنّ) بعد (لو) فقلتُ: كيف جاز وقوعُها بعدها وهي في تأويل اسم (ولو) إنّما تليها الأفعال؟. قال: ذا على قولنا لا دَخَلَ عليه، لأنّي أقولُ: إنّ الموضعَ الذي تقَعُ فيه (إنَّ) المكسورة، هو الموضعُ الذي يجوزُ أنْ تُبتدأ فيه بالمبتدأ والفعل، ويتعاقبان عليه، وإنَّ الموضعَ الذي تقع فيه (أنَّ) المفتوحة هو الموضعُ الذي يقع فيه أحدُهما دون الآخر، فإذا كان الموضعُ يقع فيه الاسمُ وقَعَت المفتوحة، (فَلَوْ) إنّما يَقَعُ بعدها الفعلُ دون الاسم، فكذلك وَقَعَتْ بعدها المفتوحة.
فإنْ قيل: قد وقع الاسمُ بعدَها في قوله تعالى "قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربّي" وفي المَثَل "لوْ ذاتُ سوارٍ لطَمَتْني" فإنَّ ذا مُرتفعٌ بالفعل لا بالابتداء، كما أنَّ الاسم الذي يقعُ بعد (إذْ) التي هي ظرفٌ من الزّمان مُرتفعٌ بالفعل.
قال: ومذهب سيبيويه أنَّ (أنْ) وقعَتْ بعد لَوْ في موضع فعل كما أنَّ (تَسْلمُ) وقعَ موقعَ الاسم في (بذي تسلم).
стр. 615
قال: وقال أبو العبّاس: وقوعها بعدها على ضَرْبين:
أحدُهما: أنّ (أنّ) مع ما بعده بتأويل المصدر، والمصدرُ يقوم مقام الفعل ويعمل عمله.
والوجه الآخر: أنّ (لوْ) يقع بعدها الاسمُ على تقدير تقديم الفعل الذي بعدها، وذلك مثلُ "لو أنتم تملكون" ولو غيرُكم علَّقَ الأميرُ بحبلِه.
فيكون على هذا التقدير: لوْ أنّك جئتَ، ولو وَقَعَ مجيئُك.
قال: وسألتُه عن قول العرب: ما رأيتُه مُذْ أنّ اللهَ خلقني.
فقال: (أنَّ) في موضع اسم، كأنّك قلا: مُذْ ذاك.
قال أبو علي: لا يخلو (مُذْ) من أن يكون حرفَ جَرّ، أو مبتدأ، فإن كان حرف جر انفتح (أنّ). لأنّه في موضع اسمٍ، وإن كان مبتدأ انفتح أيضًا، لأنّ (أنَّ) في موضع خبر المبتدأ.
قال أبو بكر: و (مُذْ) ها هُنا حرفٌ، كأنه قال: مُذْ خلق اللهُ عَزَّ وجَلَّ
стр. 616
إيّايَ.
قال: وتقول: أمَا إنّه ذاهبٌ، وأمَا إنّه منطلقٌ.
قال أبو علي: (حَقًّا) بمنزلة (عَلْمْتُ)، لأنَّ (حَقًّا)، دالٌّ على فعلٍ، كما أنَّ (علمْتُ) فعل، فقولُك: (حقًّا إنّك ذاهبٌ) بمنزلة (علمت أنّك ذاهبٌ) إلاّ أنّ (أنَّ) بعد (حَقًّا) في موضع نصبٍ بالفعل الذي نصب حقًّا، فتمثيله: أحُقُّ انطلاقَك حقًّا، وكونُ موضعه بعد (علمتُ) نصبًا جَلِيٌّ بَيِّنٌ.
قال: وتقول: رأيْتُه شابًّا، وإنّه يومئذٍ يَفْخَرُ، كأنّك قلت: رأيْتُه شابًّا وهذه حالُه.
قال أبو العباس: إنْ شِئْتَ فتحْتَ (أنَّ)، كأنّك قلت: عَهْدِي به شابًّا وبفخْرِه، ويجوز على بُعْدٍ.
قال: وسألْتُه عن قوله تعالى "وما يُشعرُكم إنّها إذا جاءت لا يؤمنون".
стр. 617
قال أبو علي: قلت له: كيف كان يكونُ عذرًا لهم، فقال: لو قال لك قائلٌ في رجلٍ يقرأ شيئًا: إنّه لا يفهم ما يقرأ فقلت: ما يُدْريكَ أنّه لا يَفْهمُ، لكان ذلك عُذْرًا للقارئ، أي أنّه يفهمُ، وكذلك قوله تعالى "وما يُشْعِرُكم أنّها" مفْتوحًا، لكان التّقديرُ: (ما يُدْريكُم أنهم لا يؤمنون إذا جاءت) أي لو جاءت لآمنوا، فكذلك على هذا تقديرُ (ألا إنهم يؤمنون بالآيات لو جاءتهم)، وليس معنى الآية على هذا.
قال أبو علي: إنّما يُخبر تعالى أنّهم لو جاءتهم هذه الآياتُ لم يؤمنوا إيمان اختيارٍ كما يُخبرُ في قوله "ولو أننا نَزَّلْنا إليهم الملائكةَ وكَلَّمهم الموتى"، أنهم لا يؤمنون، جميعُ هذه الآيات إيمانُ اختيارٍ.
قال أبو بكر: القول عندي في (ما) أنه الذي للاستفهام، أي: أيُّ شيءٍ يُشْعِرُكم لِيَكونَ ضميرُه فاعلَ (يُشْعِرُكم).
قال: وأهلُ المدينة يقولون أنّها ... الفصل.
стр. 618
قال أبو بكر: مَنْ فَتَحَ (أنَّ) فعلى ما قال الخليلُ مِنْ أنّه بمعنى لَعَلِّي.
قال: وإنّما وقع أنّك عندي بمعنى لَعَلَّك لأنَّ الحالَ كانت حالَ تَسرُّعٍ وكانوا هم أوْجَبُوا تَرجيًا، وذلك أنّهم إذا قالوا: ائِتِ السُّوقَ أنّك تشتري لي شيئًا، كأنّهم أوْجَبُوا الشّيْءَ في اللفظ، وحَقَّقوها أملاً، والموضعُ موضعُ ترجٍّ، لأنّه لا يدري أيَكون ذلك أمْ لا.
قال: واعْلَمْ أنّه ليس يَحْسُنُ لأنّ أنْ تَلِي إنَّ ولا أنْ، كما قَبُحَ ابْتداؤُكَ الثَّقيلَةَ المفتوحةَ، وحَسُنَ ابتداؤُكَ الخفيفةَ، لأنَّ الخفيفةَ لا تزول عن الأسماء ﴿والثقيلة تزول، فتُبتَدأ، ومعناها مكسورةً ومفتوحةً سواءٌ﴾، ألا ترى أنّك لا تقول إنّك ذاهبٌ في الكتاب.
قال أبو بكر: قال أبو العباس: يعني أنّها لا تزول عن الاسميّة لأنّها مع ما بعدها بمنزلة المصدر، قد تزول عن الاسميّة، فتُبتدأ وتُكْسَرُ والمعنى واحدٌ في أنّها للتأكيد.
وقال عن أبي العبّاس أيْضًا: إنّما لمْ يَلِ (إنّ) المكسورةَ (أنَّ) المفتوحةُ، ولم يجتمعا في موضعٍ واحدٍ، لأنّهما جميعًا للتأكيد، فلمْ يجتمعا، كما لم يجتمع تأنيثان واستفهامان ونحو ذلك، ونظيرُ (أنّ وإنّ)
стр. 619
في أنّهما لم يجتمعا معًا لاتّفاقهما في المعنى (اللامُ) وإنّ في قولِك: إنّ زيدًا لمنطلقٌ، لما اتّفقا في المعنى لم يجتمعا في قولك معًا، فإنْ فصَلْتَ بينهما جاز اجتماعُهما، وأنْ يقَعَ اللامُ في الاسم العامل فيه (إنَّ)، كقوله: "وإنَّ لنا للآخرةَ والأولى" فكذلك يجوزُ في (أنَّ) أنْ يكون اسمُها (أنّ) في مثل قولك: إنّ لك أنّك لا تؤذي، قال تعالى: "وأنّك لا تظمأ فيها" بعد قوله "إنَّ لك ألاَّ تجوعَ فيها ولا تعرى".
هذا بابٌ آخرُ منه
قال في قوله تعالى "ذلكم وأنَّ اللهَ مُوهِنٌ" الباب.
قال أبو علي: لا يجوزُ أنْ يكونَ قولُه "ومنْ عاقبَ" محمولاً على قوله "ذلك" كما جاز أن يكونَ قولُه "وأنّ للكافرين" محمولاً
стр. 620
على (ذلكم)، لأنّ قوله "ومن عاقب" مبتدأ له خبرٌ، وخبرُه: "ليَنْصُرَنَّهُ اللهُ" فوقوع المبتدأ في هذا الموضع وخبرُه يَدُلُّ على جوازِ وقوعِه بعد (ذلك) منقطعًا من قوله "ذلك".
قال: هذا أيضًا يقوي ابتداء (إنّ) في الأوّل.
أي قولُه: وإني على جاري لذُو حَدَبٍ ....
يُقَوّي ابتداء (إنّ) في قوله تعالى "ذلكم فذوقوه وأنَّ للكافرين".
стр. 621
هذا بابٌ آخر من أبواب أنَّ
قال: ونظيرُها، يعني ونظير "وأنَّ هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون" "لإيلاف قريش" لأنّه إنّما هو لذلك "فَلْيعبدوا"، فإنْ حذفت اللاّم مِنْ (أنْ) فهو نَصْبٌ، كما أنّك لو حذفت اللامَ من (لإيلاف) كان نَصْبًا، هذا قولُ الخليل.
قال أبو علي: قرأتُ على أبي بكر عن أبي العباس، قال أبو الحسن: المعنى "فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش" قال أبو العباس: وليس المعنى كذلك إنّما فعل هذا بهم لكفرهم، والقولُ في هذا ما ذَكَرَهُ سيبويه عن الخليل.
أي لِهذا فَلْيَعْبُدوا، أي مِنْ أجلِه.
стр. 622
قال أبو علي: تحتمِلُ الآيةُ قولَ أبي الحسن أيضًا، على أنْ يكون المعنى: فَعَلَ ذلك بهم لتأتلفَ قريش، فيكونُ ما فَعَلَ بهم مِنْ إرْسالِ الحجارة مُجازاةً لكفرهم، وقولُه: "لإيلاف قريشٍ" إخبارٌ بما يصيرُ إليه عاقبةُ الأمر، كقوله "فالتقطه آلُ فرعونَ ليكونَ لهم عَدُوا وحَزَنًا"، وكقوله "إنّما نُملي لهم لِيزدادوا إثْمًا" كُلُّ هذا إخبارٌ بما صار إليه عاقبَةُ الأمر لأنّهم لم يلْتقطوه ليكون لهم عدُوا، ولا أملي لهم ليزدادوا إثْمًا، إنّما خَلَقَهم للطّاعة، كما قال "وما خلقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاّ ليعبدون".
وقال أبو علي: إنْ حَذَفْتَ اللامَ من "لإيلاف قريشٍ" لانتصب على أنّه مصدر مفْعولٌ له، كأنّك قلت، ليعبدوا إيلافَ قريشٍ، أي لإيلافِهم.
قال: وإذا كان الفعلُ أو غيرُه مُوصَلاً إليه باللاّم جاز تقديمُه
стр. 623
وتأخيرُه.
قال أبو علي: في أولاء وغيرِه نظرٌ.
...
هذا بابُ إنّما
اعلم أنّ كُلّ موضعٍ تقعُ (أنّ) فيه تقع (أنّما).
قال: ولا تكون هي عاملةً فيما بعدها، يعني (إنّما) كأنّ لا يكون (الذي) عاملاً فيما بعده.
قال أبو علي: إنّ (ما) هذه الكافّةُ، لأنّها لَمّا دخَلتْ كَفَّتْها عن العملِ وتركتْها تُوصَلُ كما كانت تُوصَلُ قبلَ دخولِها، أنشد:
أبْلغ الحارِثَ بنَ ظالمَ .. ...
أنّما تقْتُلُ ............ ...
стр. 624
قال: وإنْ شئتَ قلت: إنّما.
قال أبو علي: إذا ابتدأ فكسر "إنّما تقتُلُ" جعل الإبلاغَ قولاً كأنّه قال: قُلُ له إنّما تقتُلُ، وإذا فَتَحَه لم يجعله بمعنى القول ولكنْ جعله مفعولاً، كأنّه قال: أبْلِغْه ذاك.
قال: واعْلَمْ أنّ الموضعَ الذي لا يجوزُ أنْ يكونَ فيه (إنّ) إلاّ مُبتدأةً لا يكون فيه (إنّما) إلا مُبتَدَأةً مثلَ قولك: وجَدْتُكَ إنّما أنت صاحبُ كُلِّ خَنَى، لأنّك لو قلت: وجدْتُك أنّك صاحبُ كُلِّ خَنى لم يَجُزْ.
стр. 625
قال أبو علي: إذا قلت: وجدْتُك أنّك صاحبُ كُلِّ خَنىً لم يَجُزْ أنْ يكونَ (أنّكَت) المفعولَ الثاني لوَجَدْتُ، لأنّ (أنّ) مع ما بعدَه في تأويل المصدر، فكأنّك قلت: وجدتُك صُحْبَةَ كُلِّ خَنىً، والمخاطبُ لا يكونُ صُحْبَة، فإنْ أمَرْتَ أنْ يتكلّم بها، فجَعَلْتَ (وجدْتُ) هي التي بمعنى قلتُ وجدْتُك أنّك صاحبُ كُلِّ خَنىً فَكَسْرٌ.
وإنْ جَعَلْتَ أنّ مع الجملة الدّاخلة عليها (أنّ) في موضع نصبٍ لأنّه مفعولٌ ثانٍ، والعائدُ إلى المفعولِ الأوّل الكافُ مِنْ (أنّك). وإنْ جعَلْتَ التي هي مِنْ وِجْدان الضّالّةِ كَسَرْتَ (إنّ)، ولم تكن في موضعِ مفعولٍ ثانٍ، لأنّ هذا يتعدّى إلى مفعولٍ واحدٍ، لكِنَّ هذه جُمْلَةٌ أتْبَعْتَها جُملة، وجاز ألاّ تَرْبِطَ الثّانية بالأولى بحرفِ العطفِ لتعلُّقِ الثّانية بالأولى.
قال: وذلك لأنّك لو قلتَ: أرى أنّه منطلقٌ، فإنّما وقع الرّأيُ على شيءٍ لا يكون الكافُ التي في (وَجدْتُكَ)، لأنَّ (وَجَدْتُ) داخلٌ على المبتدأ والخبر إذا لم يكن بمعنى وجدان الضّالّة، فحُكْمُ المفعول الثاني أنْ يكون الأوّلَ وما فيه ذكرُه، كما أنّ خبر المبتدأ لا يكون إلا كذلك، والمخاطَبُ لا يكونُ صُحْبَةَ الخَنى على حالٍ، إلاّ أنْ تَحْمِلَهُ على مثلِ قولِك:
стр. 626
(عِتابُك السَّيْفُ)، و (أنتَ إقبالٌ وإدْبارٌ)، إذا جعلْتَ إيّاهُ على الاتّساعِ.
أنشد كُثَيّر:
أراني ولا كُفْرانَ لله إنّما ...
لأنّه لو قال (إني) ها هنا كان غيرَ جائزٍ لما ذَكَرْنا.
قال أبو علي: قولُه: (أراني)، المفعولُ الأوّلُ ضميرُ المُتكلّم، وأرى هذه هي التي تتعدّى إلى مفعولَيْن، يَدُلُّك على ذلك أيضًا ضميرُ المُتكلّم به (فإنّما) مع ما بعدَه في موضع نَصْبٍ لوُقوعِه موقعَ المفعولِ الثّاني، لأنَّ (أراني) هذه لا يجوزُ أنْ يُقتصر بها على مفعولٍ واحدٍ، فقدْ بانْ مِنْ ذلكَ أنَّ (إنّما) في موضعِ نصبٍ مع ما بعدَه، وإنّما لم يجزْ وقوع (أنّما) المفتوحةِ هنا، وإنْ كانت الجملةُ في موضعِ اسمٍ منصوبٍ لفسادِ المعنى،
стр. 627
وأنَّ الأولى لا يكونُ فيه الثاني، فإذا كُسِرتْ (إنّ) كان الكلامُ جملةً، وعاد منها ذكرٌ إلى الأوّل، فلم يجعل الثاني ما لا يجوزُ أنْ يكون الأوّل.
هذا بابٌ تكون فيه أنَّ بدلاً مِنْ شيءٍ ليس بالآخِر
قال: وقال تعالى: "ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنّهم إليهم لا يرجعون".
قال أبو علي: (كم) لا يجوز أن يكون منصوبًا (بِيَرَوْا)، ولكنّها في موضع نَصْبٍ مِمّا بعدَه (وأنّ) بدَلٌ مِنْ موضعِ (كمْ) فعلى هذا يكونُ (أنَّ) بَدَلاً منْ (كَمْ)؛ وقد فَسَّرَ أبو العباس الآية تفسيرًا لمْ يجعلْ أنّهم فيها بَدَلاً مِنْ (كمْ)، فقال: (كمْ) في موضعِ نَصْبٍ (بيَرَوْا)، والمعنى: ألمْ يروا كم أهلكنا من القرون بالاسْتِئْصال، (فأنَّ) موضعُهُ نصبٌ كأنّه ألم يروا كم أهلكْنا من القرون اسْتِئْصالاً.
قال: ومِمّا جاء من هذا الباب قولُه تعالى "أيَعِدُكم أنّكم إذا مِتُّم وكنتم ترابًا وعِظامًا" ... الفصل.
قال أبو العبّاس: (أنّكم الثانية هي (أنّ) الأولى كُرِّرَتْ تأكيدًا لمّا تراخى خبرُها عنها، قال: وهو الاختيارُ عندي وهو قولُ أبي عُمَرَ.
стр. 628
وقيل: إنّه يجوزُ أنْ تكونَ (أنّكم) الثانية في موضعِ رفعٍ بإذا كأنّه قال: أيَعِدُكُم أنّكم إذا مِتُّم إخراجُكم؟، والظّرفُ وما ارتفع به في موضع (أنّ).
وقولُ أبي العبّاس في قوله : "ألم يعلموا أنّه مَنْ يُحادِد الله ورسولَه فأنَّ له ... "، كقوله في الآية الأولى: أنّه كرّر تأكيدًا.
قال: وأبو الحَسَن يقول: إنّ المعنى: فَوُجُوبُ النّارِ له، وخَبَر أنّ التي بعد الفاعل.
قولُ أبي الحَسَنِ مُضْمَرٌ، كأنّه لَهُ أو نحوُهُ مِمّا يُضْمَرُ مِنَ الأخبارِ.
قال: وإنْ جاءَ في شعرٍ قد عَلِمْتُ أنّك إذا فَعَلْتَ إنّك تَغْتَبِطُ، تريدُ معنى الفاء جازَ، والوجهُ ما قُلْتُ لك أوّل مَرَّةٍ.
стр. 629
قال أبو علي: الفاءُ إذا ذُكِرت هنا كان جوابَ (إذا)، وإذا حُذِفَتْ في الشّعْر فكَما تُحذَفُ الفاءُ إذا كانتْ جوابَ (إنَّ)، وإذا نُوِيَت حذفُ الفاءِ ابْتُدِئَتْ (إنَّ) فَكُسِرَتْ، لأنَّ ما بعد الفاءِ في موضع ابتداءٍ.
قال: ونظيرُ ذلك في الابتداء "لا جَرَمَ أنّهم في الآخرة هم الأخسرون"، ومِثْلُه "ثم إنّ ربّك للذين عَمِلوا السّوءَ .. " الآية.
قال أبو علي: ابْتَدَأ (هم) قبل أن يُؤْتى بخبر (أنّ)، (فهُم) مُبتدأ، (والأخسرون) الخبرُ، والجملةُ خَبَرُ (أنّ)، فهذا الاسمُ المبتدأ بعد (أنَّ) في الابتداء نَظيرُ (إنّ) المكسورةِ يعد (أنَّ).
стр. 630
هذا بابٌ مِنْ أبواب أنَّ تكون فيه مبنيةً على ما قبلَها
وذلك قولُك: أحقا أنّك ذاهبٌ، وآلْحَقَّ أنّك ذاهبٌ؟
قال أبو علي: إذا قال: أحقا أنّك ذاهبٌ فلا يخلو أنْ تنصِب حقا على أنّه ظرفٌ، أو مصدرٌ، فإنْ نصبْتَه نصبَ المصادر وَجَبَ أن تفتَح أنَّ التي بعدها بالفعل النّاصِب للمصدر، كأنّه قال: أحَقّ ذهابكَ حَقًّا، وإذا نصبتَه نصبَ الظروف، فكسرُ إنَّ لم يجُزْ لأنّ الظرفَ لا ناصبَ له، وما بعد أنّ لا يعمل فيما قبلَه.
وإذا قلتَ: لا محالةَ أنّك ذاهبٌ، أوْ يومَ الجمعةِ، لم يجزْ كسرُ (إنّ) بعدَها مِنْ حيثُ لم يجزْ بعدَهما.
وأنشد:
أحَقًّا أنَّ جيرَتَنا اسْتَقَلُّوا ... فَنِيَّتُنا ونِيَّتُهم فَريقٌ
стр. 631
قال أبو علي: معناه: أفي الحقّ أنَّ، وموضعُ (أنَّ جيرَتنا) رفعٌ، كأنّه قال في الجواب: اسْتقلالُ جيرتِنا على هذا وضعُه، ويُحْتَملُ أنْ يكونَ موضعُ (أنّ) نصبًا إذا لم تجعل (حَقًّا) ظرفًا، لكنّك تَنْصِبُهُ نصبَ المصدر فَيَكونُ التّقديرُ: أتَحِقُّ استقلالَ جيرتِك حقًّا، وجميعُ الباب على هذا.
قال: وسألتُه عن قولهم: أمّا حَقًّا فإنّك ذاهبٌ، فقال: هذا جَيِّدٌ، وهذا الموضعُ مِنْ مواضعِ (إنّ)، ألا ترى أنّك تقول: أمّا يومَ الجمعة فإنّك راحلٌ.
قال أبو علي: جاز انتصابُ حقًّا قبلَ (إنّ) في قولك: أمّا حقًّا فإنّك ذاهبٌ، وإنّما جاز انتصابُ الظرف مع (أمّا) وإنْ وقعَتْ قبل (إنّ) لأنّه ينْتصِبُ بالمعنى الذي في (أمّا) مِنَ الفعل فتقديرُه: مهما يكنْ مِنْ شيءٍ يومَ الجمعة فإنّك ذاهبٌ، ومهما يكنْ مِنْ شيءٍ في حقٍ فإنّك ذاهبٌ، فيومُ الجمعة وفي الحقِّ ينتصبان بما في (أمّا) مِنْ معنى الفعل.
وقوله: لأنَّ فيها معنى يوم الجمعة يكُنْ مِنْ شيءٍ.
فالمُرادُ (بيومَ الجمعة) أن يقع (مهما)، لأنَّ ما قبلَ (مهما) لا يتعلَّقُ بما بعدَه.
стр. 632
قال: وأمّا قولُه: "لا جَرَمَ أنّ لهم النارَ".
قال أبو علي: موضعُ (أنَّ) بعد (جَرَمَ) لأنَّه فاعِلٌ، والتّقديرُ: لقدْ حقَّ كونُ النّار لهم، ولا زيادةَ كزيادتِها في "لِئَلاَّ يَعْلَمَ أهلُ الكتابِ"، "ولا تستوي الحسنةُ ولا السَيِّئَةُ"، وهلا.
قال أبو العباس: قولُ الشاعر: جَرمتْ فَزَارةَ
أي جَرَمَت الطَّعْنَةُ فَزارَةَ بعدَها ... البيت.
стр. 633
قال: وتقولُ: أمّا جَهْدَ رأيي فإنّك ذاهبٌ، لأنّك لم تُضْطَرّ إلى أنْ تَجعله ظرفًا كما اضْطرِرْت في الأوّل.
قال أبو علي: أيْ في قولك: يومَ الجمعة أنّك ذاهبٌ، وإنّما اضْطرَّ هناك إلى أنْ يجعلَه ظرفًا ليَبْني عليه (أنّك ذاهبٌ).
قال: ومع ذلك أنّك لم تجيءْ بالمبتدأ، وفي نُسخة أبي العبّاس: ومع ذلك أنّك لم تجيء بخبر المبتدأ.
قال أبو علي: قولُه: ومع ذلك أنّك لم تجيءْ بما بَنَيْتَهُ إذا قلت: جَهْدَ رأيي لمْ يَجُزْ إلاّ أنْ تفْتَحَ (أنَّ) لأنَّك لو لم تفتحْه لم تجيءْ بما بَنَيْتَهُ على (جَهْدَ) فسمّاهُ مُبتدأ لأنّه وإنْ أوْقَعَهُ بالظّرْف فهو مُحدّثٌ عَنْه، كما أنّ المُبتدأ كذلك، وليس يرتفعُ (أنّك عالمٌ) بعد (جَهْدَ رأيي) عندَه على الابتداء، إنّما يرتفع على الظّرف.
وإذا كان على ما في نسخة أبي العباس وهو قوله: (ومع ذلك أنّك لم تجيءْ بخبر المبتدأ)، فكأنّه يقول: إذا] أدْخَلْتَ [(أنّ) فلا بُدّ أنْ
стр. 634
تجعلَ (جَهْدَ رأيي) ظَرْفًا له ليكونَ خبرًا لما هو بمنزلة المبتدأ في أنّه مُحدَّثٌ عنه وهو قوله: أنّك عالم.
قال: وأمّا قولُه: أمّا بعدُ، فإنّ اللهَ قال في كتابه، فإنّه بمنزلة "أمّا اليومَ فإنّك".
قال أبو علي: يقول: مَنْ فَتَحَ (أنّ) في قوله: (أمّا اليومَ فأنّك مُرتحِلٌ).
يريدُ: أمّا اليومَ فرحلتُك، لم يقول: أمّا بعدُ فإنّ اللهَ قال: إذا أراد أمّا بعدُ فقولُ الله.
قال: وسألتُه عن قوله، شَدَّ ما أنّك ذاهبٌ ... الفصل.
قال أبو علي: إذا مثّل شدّ ما أنّك ذاهبٌ بنِعْم ما، فجاء بعد قولك (شدَّ ما) نكرةٌ في موضع نصْب، كما أنّها بعد (نِعْمَ ما) كذلك، وتقديرُه (نِعْم الشيءُ شيئًا)، كما أنَّ تقديرَ نعمَ رجلاً: نِعْمَ الرّجُلُ رجُلاً، و (أنّك) على هذا خبرُ مُبتدأ، كأنّك قلت: نِعْمَ شيئًا هو أنّك تقول الحقَّ، لما قيل لك: ما هو؟.
ومن قدّر (زيدًا) مُبتدأ في قولك: نعْمَ الرّجُلُ زيدٌ، فقال: كأنّه قال في التّقدير زيدٌ نعم الرجلُ، فإنّه ينبغي له أنْ يوافِقَ من يقول: إنّ زيدًا خبر مبتدأ محذوف في قولك: نِعْمَ الرجلُ زيدٌ، لأنّه إنْ لم يُقدِّرهُ هذا
стр. 635
التقدير لزِمَهُ أنْ يبتدئ بأنَّ المفتوحَةَ، كأنّه قال: أنّك ذاهبٌ نِعْمَ العملُ، وهذه لا يجوزُ ابتداؤُها.
قال: وسألتُه عن قوله: كما أنّه لا يعلمُ ذاك، فتجاوزَ اللهُ عنه، وهذا حَقٌّ، كما أنّك هنا، فزَعَمَ أنَّ العاملة في (أنّ) الكافُ، وما لغوٌ، ويدُلُّك على أنَّ الكافَ العاملةَ قولُهم: هذا حقٌّ مثلما أنّك هنا.
قال أبو علي: أيْ يعملُ (مثل) في إنَّ، وفتحُه إيّاها كفتح الكاف إيّاها، وإنّما فُتِحت (أنّ) بعد الكاف كما فُتِحَتْ بعد (مثل) لأنّها مُضافٌ إليها، والمُضاف إليه يكون اسمًا، و (أنَّ) إذا وقَعَتْ موقعَ اسمٍ فُتِحَ.
قال: وبعضُ العرب يرفعُ – أي (مثل) - فيما حَدَّثنا يونسُ، وزَعَم أنّهم يقولون "إنّه لحق مثلُ ما أنّكم تنطقون".
следующие страницы →