← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 13245

التعليقة على كتاب سيبويه

أبو علي الفارسي

Полный текст (1 534 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

قال أبو علي: معناه: أفي الحقّ أنَّ، وموضعُ (أنَّ جيرَتنا) رفعٌ، كأنّه قال في الجواب: اسْتقلالُ جيرتِنا على هذا وضعُه، ويُحْتَملُ أنْ يكونَ موضعُ (أنّ) نصبًا إذا لم تجعل (حَقًّا) ظرفًا، لكنّك تَنْصِبُهُ نصبَ المصدر فَيَكونُ التّقديرُ: أتَحِقُّ استقلالَ جيرتِك حقًّا، وجميعُ الباب على هذا. قال: وسألتُه عن قولهم: أمّا حَقًّا فإنّك ذاهبٌ، فقال: هذا جَيِّدٌ، وهذا الموضعُ مِنْ مواضعِ (إنّ)، ألا ترى أنّك تقول: أمّا يومَ الجمعة فإنّك راحلٌ. قال أبو علي: جاز انتصابُ حقًّا قبلَ (إنّ) في قولك: أمّا حقًّا فإنّك ذاهبٌ، وإنّما جاز انتصابُ الظرف مع (أمّا) وإنْ وقعَتْ قبل (إنّ) لأنّه ينْتصِبُ بالمعنى الذي في (أمّا) مِنَ الفعل فتقديرُه: مهما يكنْ مِنْ شيءٍ يومَ الجمعة فإنّك ذاهبٌ، ومهما يكنْ مِنْ شيءٍ في حقٍ فإنّك ذاهبٌ، فيومُ الجمعة وفي الحقِّ ينتصبان بما في (أمّا) مِنْ معنى الفعل. وقوله: لأنَّ فيها معنى يوم الجمعة يكُنْ مِنْ شيءٍ. فالمُرادُ (بيومَ الجمعة) أن يقع (مهما)، لأنَّ ما قبلَ (مهما) لا يتعلَّقُ بما بعدَه.

стр. 632

قال: وأمّا قولُه: "لا جَرَمَ أنّ لهم النارَ". قال أبو علي: موضعُ (أنَّ) بعد (جَرَمَ) لأنَّه فاعِلٌ، والتّقديرُ: لقدْ حقَّ كونُ النّار لهم، ولا زيادةَ كزيادتِها في "لِئَلاَّ يَعْلَمَ أهلُ الكتابِ"، "ولا تستوي الحسنةُ ولا السَيِّئَةُ"، وهلا. قال أبو العباس: قولُ الشاعر: جَرمتْ فَزَارةَ أي جَرَمَت الطَّعْنَةُ فَزارَةَ بعدَها ... البيت.

стр. 633

قال: وتقولُ: أمّا جَهْدَ رأيي فإنّك ذاهبٌ، لأنّك لم تُضْطَرّ إلى أنْ تَجعله ظرفًا كما اضْطرِرْت في الأوّل. قال أبو علي: أيْ في قولك: يومَ الجمعة أنّك ذاهبٌ، وإنّما اضْطرَّ هناك إلى أنْ يجعلَه ظرفًا ليَبْني عليه (أنّك ذاهبٌ). قال: ومع ذلك أنّك لم تجيءْ بالمبتدأ، وفي نُسخة أبي العبّاس: ومع ذلك أنّك لم تجيء بخبر المبتدأ. قال أبو علي: قولُه: ومع ذلك أنّك لم تجيءْ بما بَنَيْتَهُ إذا قلت: جَهْدَ رأيي لمْ يَجُزْ إلاّ أنْ تفْتَحَ (أنَّ) لأنَّك لو لم تفتحْه لم تجيءْ بما بَنَيْتَهُ على (جَهْدَ) فسمّاهُ مُبتدأ لأنّه وإنْ أوْقَعَهُ بالظّرْف فهو مُحدّثٌ عَنْه، كما أنّ المُبتدأ كذلك، وليس يرتفعُ (أنّك عالمٌ) بعد (جَهْدَ رأيي) عندَه على الابتداء، إنّما يرتفع على الظّرف. وإذا كان على ما في نسخة أبي العباس وهو قوله: (ومع ذلك أنّك لم تجيءْ بخبر المبتدأ)، فكأنّه يقول: إذا] أدْخَلْتَ [(أنّ) فلا بُدّ أنْ

стр. 634

تجعلَ (جَهْدَ رأيي) ظَرْفًا له ليكونَ خبرًا لما هو بمنزلة المبتدأ في أنّه مُحدَّثٌ عنه وهو قوله: أنّك عالم. قال: وأمّا قولُه: أمّا بعدُ، فإنّ اللهَ قال في كتابه، فإنّه بمنزلة "أمّا اليومَ فإنّك". قال أبو علي: يقول: مَنْ فَتَحَ (أنّ) في قوله: (أمّا اليومَ فأنّك مُرتحِلٌ). يريدُ: أمّا اليومَ فرحلتُك، لم يقول: أمّا بعدُ فإنّ اللهَ قال: إذا أراد أمّا بعدُ فقولُ الله. قال: وسألتُه عن قوله، شَدَّ ما أنّك ذاهبٌ ... الفصل. قال أبو علي: إذا مثّل شدّ ما أنّك ذاهبٌ بنِعْم ما، فجاء بعد قولك (شدَّ ما) نكرةٌ في موضع نصْب، كما أنّها بعد (نِعْمَ ما) كذلك، وتقديرُه (نِعْم الشيءُ شيئًا)، كما أنَّ تقديرَ نعمَ رجلاً: نِعْمَ الرّجُلُ رجُلاً، و (أنّك) على هذا خبرُ مُبتدأ، كأنّك قلت: نِعْمَ شيئًا هو أنّك تقول الحقَّ، لما قيل لك: ما هو؟. ومن قدّر (زيدًا) مُبتدأ في قولك: نعْمَ الرّجُلُ زيدٌ، فقال: كأنّه قال في التّقدير زيدٌ نعم الرجلُ، فإنّه ينبغي له أنْ يوافِقَ من يقول: إنّ زيدًا خبر مبتدأ محذوف في قولك: نِعْمَ الرجلُ زيدٌ، لأنّه إنْ لم يُقدِّرهُ هذا

стр. 635

التقدير لزِمَهُ أنْ يبتدئ بأنَّ المفتوحَةَ، كأنّه قال: أنّك ذاهبٌ نِعْمَ العملُ، وهذه لا يجوزُ ابتداؤُها. قال: وسألتُه عن قوله: كما أنّه لا يعلمُ ذاك، فتجاوزَ اللهُ عنه، وهذا حَقٌّ، كما أنّك هنا، فزَعَمَ أنَّ العاملة في (أنّ) الكافُ، وما لغوٌ، ويدُلُّك على أنَّ الكافَ العاملةَ قولُهم: هذا حقٌّ مثلما أنّك هنا. قال أبو علي: أيْ يعملُ (مثل) في إنَّ، وفتحُه إيّاها كفتح الكاف إيّاها، وإنّما فُتِحت (أنّ) بعد الكاف كما فُتِحَتْ بعد (مثل) لأنّها مُضافٌ إليها، والمُضاف إليه يكون اسمًا، و (أنَّ) إذا وقَعَتْ موقعَ اسمٍ فُتِحَ. قال: وبعضُ العرب يرفعُ – أي (مثل) - فيما حَدَّثنا يونسُ، وزَعَم أنّهم يقولون "إنّه لحق مثلُ ما أنّكم تنطقون".

стр. 636

قال أبو بكر: قال أبو العباس: قال أبو عثمان: فتداعى منخراه بدَمٍ ... مِثْلَ ما أثْمَرَ حُمّاضُ الجَبَلْ قال أبو بكر: قال أبو العباس: قال أبو عثمان: سيبويه والنحويون يقولون: إنما بني (مثلُ) لأنه إضافة إلى غير معرب وهو أنكم. قال أبو العباس: قال أبو عمر: هو حال من النكرة ولا اختلاف في جوازه على ما قاله أبو عمر.

стр. 637

قال أبو علي: الدّليلُ على أنَّ (مثلَ) إنّما بُنِيَ على الفتح لأنّه مضافٌ إلى غير مُعْربٍ أنّك إذا أضَفْتَ هذا الذي بَنَيْتَهُ مِنَ الأسماءِ المُبْهَمَةِ إلى مُعْرَبٍ لمْ تَبْنِهِ، فمن قال: على حينَ عاتبت، وهذا حقٌّ مثل ما أنّك، لم يَقُلْ: على حينَ تُعاقِبُ ولا هذا حَقٌّ مِثْل قولك، فهذا يَدُلُّك على البناء في (مِثْلَ) وما أشْبَهَهُ مِن المُبْهَمةِ للإضافة إلى مَبْنِيّ، فاكتسى البناءَ منه كما يكتسي منه التّعريفَ والتّنكيرَ، وأقوى الأقاويل في هذا القولُ، لأنَّ الحالَ مِنَ النَّكِرَةِ ليس بالقويِّ عندهم، فأمّا بناءُ (مِثْلَ) مع (ما) فإنّه بَعيدٌ لأنَّه إذا كانت (ما) زائدةً لمْ يَسُغْ بناؤُها مع ما قبلَها وتصييرها اسمًا واحدًا، ألا ترى أنّه لم يوجَدْ في الشَّيْئَيْن اللَّذَيْن جُعِلا اسمًا واحدًا ما أحَدُ الشَّيْئَيْن فيه حرفٌ زائدٌ، فأمّا البيتُ الذي أنشده أبو عثمان فيحتمِلُ أنْ يكونَ (مثل) فيه مضافًا إلى (ما)، وأنْ تكون (ما) فيه مع الفعل الذي بعده بمنزلة المصدر، إلاّ أنّ (مثل) فيه بُنِيَ أيضًا على الفتح، لأنّه أضيفَ إلى غيرِ مُعْربٍ، وعلى هذا التّأويل لا يكون حُجّة، لِكَوْنِ (مثل) مع (ما)، بمنزلة اسمٍ واحدٍ، لأنَّ (ما) لا تكونُ زائدةً في البيت على هذا. وجاز أنْ يكونَ (مثل) مُضافًا إلى (ما أثْمرَ) إذا كان بمعنى المصدر، وكان (مثل) صفة لِدَمٍ، ودَمٌ نكرةٌ، و (ما أثمر) معرفةٌ لأنّه بمنزلة إثمارِ حُمَّاضِ الجَبَلِ، لأنّ (مثل) وإنْ أضَفْتَهُ إلى المعرفة لم يمتنعْ

стр. 638

مِنْ أنْ يكونَ وصفًا للنَّكِرة فعلى هذا قلت: (مررْتُ برجلٍ مثلِك)، ولذلك جعله أبو عُمر مُنتصِبًا على الحال. فمِثْلُ على قول أبي عُمَر مُعْربٌ وإنْ كان مُضافًا إلى مبنيّ، وهو مِنْ هذا الوجه جَيِّدٌ، ولا مَوْضِعَ لمِثْل مِن الإعراب على قوله، ونظيرُه قراءةُ مَنْ قَرَأ: "مِنْ عذابِ يَومئذٍ"، ولولا أنَّ الحالَ على قوله يصيرُ مِنَ الفِكْرَةِ لكان قولاً حَسنًا، و (مِثْلُ) على قول سيبويه وأبي عثمان في موضع رفعٍ صِفَةٌ (لحق) لأنّه عندهما مبْنيّ وإنْ اختلفا في وجه البناء. قال أبو بكر: قال أبو العبّاس: قولي في هذا كقول سيبويه، قال: وقال: وقولُ أبي عُمر وأبي عثمان جائزان. قال أبو علي: قد قلتُ أنا في قول المازنيّ ما عندي فيه، وإنَّ أقوى الأقاويل قولَ سيبويه، وهو أنّه بُنِيَ لأنّه أضيف إلى غير معربٍ. قال: ولو جاءت (ما) مُسْقطةً مِنَ الكافِ. أي مِنْ قولِك: (كما أنّك هنا) في الشّعر جاز. قال النّابغة: ... كأنْ يُؤْخَذَ المرءُ الكريمُ ...

стр. 639

فـ (ما) لا تُحذَفُ ها هنا، كما لا تُحذَفُ في الكلام مِنْ (إنَّ)، ولكنّه جاز في الشّعر، يعني كما حُذِفَتْ (ما) التي في قوله في (إمّا). قال أبو علي: يقول: لا تُحذَفُ (ما) مِنْ (كما) في الكلام، كما لا تُحذَفُ (ما) مِنْ (إنْ) في الكلام من قولك: (أمّا) لأنَّ عندَه أنَّ (إمّا) المكسورةَ الهمزة إنّما هي (إنْ) ضُمَّتْ إليها (ما)، ولا يجوزُ حذفُ (ما) فيها، إلا في الشّعرِ، وقد مضى القولُ في هذا في حَدِّ الإضمارِ والإظهارِ مِنْ باب الفاعلِ والمفعولِ. وسألْتُ أبا بكرٍ عنْ نَصْبِ (فيُقْتَلا). فقال: لا يكونُ على قولِ سيبويه إلا على (فأستريحا، لأنّه بعد الإيجاب، قال: وهو في إنشاد أبي عثمانَ مُستقيمٌ لأنّ (أنْ) تُجْعَلُ النّاصِبَةَ للفعلِ والكافُ داخلةٌ عليها، فيكونُ حينئذٍ

стр. 640

(فيُقْتلا) على (أنْ). قال أبو إسحاق: قولُ سيبويه أصْوَبُ، لأنّه أراد (كما أنّه يُؤْخَذُ) ولمْ يُرِد التّشبيهَ، ومتى أرَدْتَ التَّشبيه تنْصِبُ ويزولُ المعنى. **** هذا بابٌ مِنْ أبوابِ إنَّ قال: لا تعملُ هنا شيئًا، وإنْ كانت الهاءُ هي القائلَ. أي: وإنْ كانت في قولك: قال عَمروٌ إنّه منطلقٌ، كِنايَةً عن عَمروٍ وعَمْروٌ هو قائلٌ هذا القولَ، كما لا تعملُ شيئًا إذا قلتَ: قال، وأظْهَرْتَ (هو)، أيْ إذا قلت: عَمروٌ منطلقٌ.

стр. 641

هذا بابٌ مِن أبوابِ إنَّ قال: وسألتُه: هل يجوزُ كما أنّك هنا على حدِّ قوله: كما أنت هاهنا؟. فقال: لا، لأنَّ (أنَّ) لا يُبْتدَأُ بها في كُلِّ موضعٍ. قال أبو علي: كما يُضاف إلى المصادر، فلا يقعُ (أنّ) بعدها إلاّ مفتوحًا، لأنَّ المضاف إليه يكون اسمًا، و (إنّ) المكسورة لا تكون اسمًا. قال: ألا ترى أنّك لا تقول: يومَ الجمعة إنّك ذاهبٌ. قال أبو علي: فلو قال لنفى يومَ الجمعة غير مُتّصِل به شيءٌ.

стр. 642

هذا بابٌ آخرُ مِنْ أبوابِ إنَّ قال: وتقول إذا أردْتَ معنى اليمين: أعْطَيْتُه ما إنَّ شَرَّهُ خيرٌ مِنْ جَيّد ما معك، وهؤلاء الذين إنّ أجبنهم لأشجع من شجعائكم. قال أبو إسحاق: المعنى ما والله إنَّ شَرَّهُ. قال أبو علي: (إنَّ) لِتَلَقِّي القَسم، وقد تَفْصِلُ بين الصّلة والموصول بالقَسَم كقول القائل: ذاك الذي وأبيك تعرفُ مالِكٌ ... والحَقُّ يَدْفَعُ تُرَّهاتِ الباطِلِ

стр. 643

هذا بابٌ مِنْ أبوابِ إنَّ قال: ولو جاز أن تقول: إنّك لذاهبٌ لقُلْت: أشْهَدُ بِلَذاكَ، فهذه اللاّمُ لا تكونُ إلا في الابتداء. قال أبو علي: يقول: لو جاز أن يعملَ (أشهدُ) في (أنَّ) مع دخول اللامِ في خبره لقلتَ: أشهدُ بكذا، لأنَّ التَّقديرَ باللاّم في (لَذاهبٌ) أنْ يكونَ قبلَ (أنَّ)، فلَوْ جازَ أنْ يعملَ النّاصِبُ فيما عليه اللامُ لَجاز أنْ يعملَ فيه الجارّ، ولا يجوزُ واحدٌ منهما. قال: وقال الخليلُ: مِثْلُه "إنَّ اللهَ يعلَمُ ما تدعون مِنْ دونِه مِنْ شيءٍ". قال أبوعلي: التَّوفيقُ بين هذه وبين قوله "هل ندُلُّكم على رجلٍ يُنَبِّئُكُم" الآية، أنَّ الاستفهام لا يعملُ ما قبلَه في ما بعدَه، كما لا يعمل

стр. 644

ما قبل هذه اللام في ما بعدَه، وموضعُ (ما) نَصْبٌ (بتَدْعون) لا (بيعلمُ)، والجملةُ التي هي (ما تدعون من دونه من شيءٍ) في موضع نصْبٍ بيَعْلَمُ، و (يَعْلَمُ) هذه التي تتعدّى إلى مفعولين، ولا يجوزُ أنْ تكونَ التي بمعنى (عَرفْتُهُ). قال في معنى عَلِمْتُ أنّه منطلقٌ: حَمَلْتَ (أنّ) على الفعل إذ لم يُضْطَرّ إلى أنْ يحمله على الابتداء، وكما قال: أمّا أنت مُنطلقًا انْطَلَقْتُ، لم يَجُزْ أن تبتدئَ الكلامَ بعد (أمّا)، فاضْطُرِرْتَ في هذا الموضع إلى أن تحملَ الكلامَ على الفعل. قال أبو علي: لم يَجُزْ هذا، لأنّ (أنّ) التي مع الفعل بمعنى المصدر، لا يجوز أن يقع بعدها الاسمُ، وأنّ التي قبل (ما) هذه لا يقعُ بعدها إلاّ الفعلُ بمعنى المصدر صار عِوَضًا مِنَ الفعل، فتقديرُ ارتفاع (أنت) بالفعل لا بالابتداء. قال: فإذا قلت: عَلِمْتُ أنَّ زيدًا منطلقٌ لم يكنْ في (مُنطلق) إلاّ الرّفْعُ في مُنطلق بعد قولك: عَلِمْتُ أنّ زيدًا، فإنّما قال هذا لما وفّق بين عَلِمْتُ لَزَيْدٌ مُنطلقٌ، وأمّا أنتَ منطلقًا في أنّ ما بعدَ اللاّمِ لا يكونُ إلاّ اسمًا كما أنّ ما بعدَ (أنّ) التي تنصبُ الاسمَ، وأمّا لا يكون إلا فعلاً، فأرى أنّ مِن المواضع ما يكون للفعلِ دون الاسمِ، ومنها ما يكون للاسمِ دون الفعلِ. قال سيبويه: هذه كلمةٌ تتكلّم بها العربُ في حال اليمين، وليس كُلُّ

стр. 645

العرب تتكلّم بها. تقول: لهِنك لَرَجُلُ صِدْقٍ. قال أبو علي: تقدير القيم في (لَهِنَّكَ) أنْ يقع قبل اللامِ، كأنّه قال: والله لإنّك رَجُلُ صِدْقٍ، فلذلك صارت اللامُ الأولى للقَسَمِ والثانية لأن، وتقديرُ القَسَم في إنَّ زيدًا لما لَيَنْطَلِقَنَّ، أنْ يكونَ قبلَ اللاّمِ التي في (ليَنْطَلِقَنَّ)، كأنّه قال: إنَّ زيدًا لما والله لَينْطَلِقنَّ هي التي تلقّت القَسَم، وإنّما دَخَلَت النّونُ عليها لأنّها للاستقبال. قال: وقد يجوز في الشّعر (أشهدُ إنَّ زيدًا ذاهبٌ) لأنّ معناه معنى اليمين كما أنّه لو قال: أشهدُ أنتَ ذاهبٌ ولم يذكر اللام لمْ يكنْ إلا ابتداء وهو قبيحٌ ضعيفٌ إلاّ باللاّم. قال أبو علي: غَلِطَ عليه أبو العباس، إنّما يريدُ اللام في (ذاهبٌ)، فيَحذِفُها في الشِّعْر.

стр. 646

قال: كما أنّه ضعيفٌ قد علمتُ عمروٌ خيرٌ منك. أي لأنّه لم يذكرْ ما قام عملَ الفعلِ، ومُعلّقًا له. ... هذا بابُ أنْ وإنْ قال: وحَدَّثني مَنْ لا أتّهِمُ عن رجُلٍ مِنْ أهلِ المدينة موثوقٍ به أنّه سَمِع عربيا يتكلم بمثل قوله: إنْ زيدٌ لذاهبٌ، وهي التي في قوله: "وإنْ كانوا ليقولون لوْ أنّ عندنا"، وهذه (إنْ) محذوفةٌ. قال أبو علي: (إنْ) هذه مُخَفَّفَةٌ مِن الثَّقيلة، وإنّما لم تدخل الثقيلةُ على الأفعال، فلمّا خُفِّفَت زال الشّبَهُ بالفعل، فدَخَلَتْ عليه، ولم يمتنع ذلك، لأنّه حرفُ تأكيدٍ، والفعلُ يُؤَكَّدُ كما يُؤَكَّدُ الاسمُ.

стр. 647

قال: وتصْرفُ (ما) إلى الابتداء كما صَرَفَتْها ﴿ما﴾ إلى الابتداء وذلك قولك: ما إنْ زيدٌ ذاهبٌ، وما إنْ طبُّنا جُبْنٌ ... ... قال أبو علي: تصْرِفُ (إنْ) (ما) إلى الابتداء كما صرفْتَ (ما) (إنَّ) الثّقيلةَ إلى الابتداء فيمن قال: ما زيدٌ ذاهبًا إذا أدْخَلَ (إنْ) هذه

стр. 648

قال: ما إنْ زيدٌ ذاهبٌ، كما أنّ مَنْ قال: إنَّ زيدًا منطلقٌ إذا أدْخَلَ (ما) قال: إنّما زيدٌ منطلقٌ، ولا يجوزُ أنْ تكون (إنْ) في قولك: (ما إنْ لنا فيه)، كالتي في قوله "إن الكافرون إلا في غرور"، لأنّها لو كانت تلك، لَكان الكلامُ إيجابًا. قال: ويكونُ الكلامُ على التّفسير الذي فَسَّرَه الخليلُ في بابِ (إنّ) الثّقيلة والتفسيرُ الأوّلُ لغيرِ الخليل، وجُملةُ القول إنَّ مَنْ كان (إنْ) هناك عندَه في موضع كان (إنْ) هنا عنده في موضع جَرّ. قال: وتقول: إنّي مِمّا أنْ أفْعَلَ ذاك، كأنّه قال: إنّي مِن الشّأن أو الأمر أنْ أفْعَلَ، فوقَعَتْ (ما) هنا كما تقول العربُ، بِئْسَما، يريدون بِئْسَ الشَّيْءُ. قال أبوعلي: موضع (إنْ) في قولك: إنّي مِمّا أنْ أفْعَلَ ذاك رفعٌ، وقدْ أقيمَ المضاف إليه مقام المضاف، كأنّك قلت: إنّي من الأمر صاحِبَ أنْ أفْعَلَ، أي صاحِبَ فِعْلِ ذلك، فحذفْتَ المضاف أعني (صاحب) المُقَدَّرَ. قال: وتقول: ائْتني بعد ما تقولُ ذاك القولَ، كأنّك قلت بعد قولك ذاك القولَ، كما أنّك إذا قلت بعدَ أن تقولَ، فإنّماتريد [بعد] ذلك. أي المصدرَ، ولو كانت (بعدَ) مع (ما) بمنزلة كلمةٍ واحد لم تقلْ:

стр. 649

ائْتِني من بعد ما تقول ذاك، ولكانت الدّالُ على حالةٍ واحدةٍ. قال أبو علي: يقولُ: لو كانت (ما) كافَّةً ولم تكن هي التي مع ما بعدها من الفعل بمنزلة المصدر لم تزل الفتحةعن الدّال مِنْ (بَعْد)، كما لا تزولُ الفتحةُ عنها إذا كانت (ما) كافَّةً، فإذا جُرَّ بِمنْ ولم يُنَوَّنْ عُلِمَ أنّها مُضافةٌ إلى (ما)، تقولُ وإنَّ ما تقولُ بمنزلة القول. قال: وسَمِعْنا فُصَحاءَ العرب يقولون: لحقٌّ أنّه ذاهبٌ. قال أبو الحسن: لم أسمع هذا من العرب، وإنّما وجَدْتُه في الكتاب، وهو جائزٌ في القياس، وإنّما قبَّحَه عندي حذفُ الخبر، ألا ترى أنّك لو قلت: لَعبْد الله، وأضْمرْت لمْ يجُزْ؟. قال أبو علي: لِقائل أن يقول: إضْمارُ خَبر (لحقّ أنّه ذاهبٌ) أحْسَنُ مِنْ إضمارِ (لعَبْدُ الله)، لأنّه إذا طال الكلامُ حَسُنَ الحذفُ. وقولُ أبي الحسن هنا حُجّةٌ عليه في حَمْلِه (ما أحْسَنَ زيدًا) على أنّه بمعنى الذي. قال: وعَسَيْتَ بمنزلة اخْلَوْلَقَتِ السّماءُ.

стр. 650

قال أبو علي: في أنّه يقعُ بعد كل واحدٍ (أنْ يفعَلَ)، وموضعُهُ في كلا الموضعين نَصْبٌ. قال: وكَيْنونَةٌ عسى للواحد والجميع، والمُؤَنّث تَدُلُّك على ذلك. قال أبو علي: إنَّ بعد عسى رَفْعٌ كأنّك قلت: عسى فِعْلُهم أو عسى فِعْلُهما، لأنّ (أنْ) مع ما بعده اسمٌ واحدٌ، وكان الفعلُ الذي في صِلَتِه لِمُثَنّى أو مجموع، ألا ترى أنّك إذا قلت: عسى أنْ يفعلوا فتَمْثِيلُهُ عسى فِعْلُهم، فالاسمُ المرتفعُ بعسى واحدٌ وإنْ كان المضافُ إليه جميعًا، وإنّما الفاعلُ هو المضافُ لا المضاف إليه. قال: واعلم أنّهم لم يستعملوا عسى فِعْلُكَ اسْتَغْنَوا بأنْ تَفْعَل عن ذلك. قال أبو علي: يقول: لم يستعملوا المصدرَ نحو الضَّرْب في قولك عَسى أنْ يَضْربَ، كما لم يستعملوا اسمَ الفاعل موضعَ الفعلِ في قولك: كادَ زيدٌ يفعَلُ، وعسى يفْعَلُ، إلاّ في الضّرورةِ، للاستغناء بأنْ يفعلَ عن الفعل، وبِيَفْعَلَ عن الفاعلِ. قال: واعلم أنَّ من العرب من يقول: عسى يفْعَلُ، يُشَبِّهُها بكادَ

стр. 651

يفعلُ فيَفْعَلُ حينئذٍ في موضع الاسم المنصوبِ. قال أبو علي: (عسى) فعلٌ، و (يفْعَلُ) فعلٌ، والفعلُ لا يَدْخُلُ على الفِعْل، ففي (عسى) ضميرٌ فاعلٌ، ويَفْعَلُ في موضع نَصْبٍ، لأنّه جاء بعد فعلٍ وفاعلٍ، ويَدُلُّ على أنَّ موضعَه نصْبٌ "عَسى الْغُوَيْرُ أبْؤُسًا"، فأبْؤُسًا في موضِع أنْ يفعلَ، والشّاذُّ في قولهم "عسى الغوير أبْؤُسًا" وقوعُ الاسم غيْر (أنْ يَفْعَلَ) موضعَ (أنْ يفعَلَ)، لأنَّ حكم (عسى) أن يقعَ بعدها (أنْ) مع ما يَتَّصِلُ بها، لأنّها خلافُ (كاد)، لبُعْدِها مِنَ الحالِ، فَمِنْ حَيْثُ لم يُسْتَعْمَلْ بعدَ (كادَ) (أنْ) لِقُرْبِها مِن الحالِ، اسْتُعْمِلَ بعد (عسى) لبُعْدِها مِن الحال، فحُكمُ (عسى) أنْ يُسْتعملَ بعدها (أنْ)، وحُكْمُ (كاد) ألاّ يُسْتعملَ بعدها (أنْ)، وهذا على جميع ما في التَّنزيل مِنْ هذا، ثمَّ يُضْطَرُّ الشَّاعِرُ فيُشَبِّه (عسى) (بكاد) وكادَ بعسى، فيقعُ بعدَ كُلِّ واحدٍ منهما يفْعلُ في موضعِ نصبٍ، ثمَّ يقعُ اسمُ الفعلِ موضعَ (يفعلُ)، كما جاء في المثل (أبْؤُسًا) لم يجيءْ غيرُها.

стр. 652

قال: وسألتُه عن معنى أريدُ لأنْ تفعلَ، فقال: إنّما يريدُ أن يقول: إرادتي لهذا كما قال "وأُمِرْتُ لأن أكون أوّلَ المسلمين". قال أبو بكر: قال أبو العباس: الفعل يَدُلُّ على مصدرٍ، فلَمّا قال: أرَدْتُ، دَلَّ على الإرادة، فكأنّه قال: أرَدْتُ وإرادتي لهذا، فحُذفَتْ (إرادتي) لدلالة (أريدُ) عليه، وكذلك "ردِفَ لكم" و"إنْ كنتم للرُّؤْيا تعبرون" وما أشْبَهَهُ، أي رَدِفَ هذه الرَّدافَة لكُمْ، وإنْ كنتم تعبرون العبارةَ للرُّؤْيا. ... هذا بابُ ما يكون فيه أنْ بمنزلة أيْ قال: وأمّا قولُه: كتبْتُ إليه أن افْعَلْ، فيكون على وجهين، على أن تكون التي تنصِبُ الأفعالَ، وصَلْتَها بحرف الأمر والنهي كما تصلُ (الذي) بتَفْعَلُ إذا خاطبْتَ به. قال أبو علي: الذي حُكْمُه أنْ يُوصَلَ بشيءٍ يَرْجِعُ منه إليه ذِكْرٌ، كما أنّ حُكْمَه أنْ يُوصَلَ بفعلٍ غيرِ أمرٍ، فَلَمّا وقع (أنْ) موقعَ أمرٍ وُصِلَ بالأمر، وإنْ لم يكن كذلك بابُه، كما أنّ (الذي) لَمَّا وَقَعَ في الخِطابِ

стр. 653

وُصِلَ لذلك بما لمْ يَرْجِعْ منه إليه ذكرٌ، نحو ذلك: أمرْتُهُ قُمْ، فقُمْ أمْرٌ، وحُكْمُ (أنْ) أنْ يوصَلَ مِنَ الأفعال بما كان خبرًا نحو: أنْ قُمْتَ وأنْ تقومَ، ولو قال قائلٌ: إنّ (أنْ قمْ) أقبحُ في القياس منْ (أنتَ الذي يفعلُ)، لأنَّ (قمْ) أمرٌ، و (تفْعَلُ) خَبَرٌ، والذي لا يُوصَلُ به شيءٌ موصولٌ، إنّما يُوصَلُ بالخَبَر لَكانَ قولاً. قال: في قوله "وآخِرُ دعواهم أنِ الحمدُ لله رب العالمين"، لا تكونُ (أنْ) التي تَنْصِبُ الفعلَ، لأنَّ تلك لا يُبْتَدَأ بعدَها الأسماءُ، ولا تكونُ (أيْ)، لأنّ (أيْ) إنّما تجيءُ بعد كلامٍ يستغني، ولا تكون في موضع المبنيّ على المبتدأ. قال أبو علي: (أنْ) التي للتفسير بمنزلة (أيْ)، لا تكونُ إلاّ بعدَ كلامٍ تامٍّ كما أنَّ (أيْ) لا يُفَسَّرُ به إلاّ بعدَ كلامٍ مُسْتَغْنٍ، فأنْ في قوله تعالى "وآخِرُ دعواهم أن الحمدُ لله" أنْ لا تكونُ إلاّ التّفسيرُ لأنَّ خبرَ المبتدأ لمْ يَمْضِ.

стр. 654

قال: ومثلُ ذلك قولُ الأعشى: في فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ ... أي مِثْل "أنْ غَضَبُ اللهِ".

стр. 655

قال: وإنْ شئتَ رفعتَ في قول الشّاعر: كأنْ وريداهُ ... على مثل الإضمار الذي في قوله: إنّه مَنْ يَأتِنا نُعْطِهِ، أو يكون هذا المُضْمَرُ هو الذي ذُكِرَ، كما قال: كأنْ ظَبْيَةٌ تَعْطُو إلى وارِقِ السَّلَمْ قال أبو علي: إذا رَفَعَ (وريداهُ) أضْمَر في (أنْ) القِصَّةَ والحديثَ ثُمَّ فَسَّرَهُ بقوله (وَريداهُ رشاءُ خُلْبِ)، لأنه جملةٌ، وهذه الهاءُ تُفَسَّرُ بالجُمَلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يكونَ أضْمَرَ في (كأنْ) هذه ضمير القِصَّةِ والحديثِ، لأنَّ ضميرَ القِصَّةِ والحديث، لا يُفَسَّرُ إلا بالجُمَلِ. وقولُه: (ظَبْيَةٌ تَعطو إلى وارِقِ السّلَمْ)، ليس بجملةٍ، لأنَّ (تَعْطُو)

стр. 656

صِفَةٌ لِظَبْيَة، فكأنّك قلت: ظَبْيةٌ عاطِيةٌ إلى كذا، وهذا لا يكونُ تفسيرًا للْقِصَّةِ والحديث. قال: ولو أنهم إذْ حذَفوا جَعَلوه بمنزلةِ (إنّما) كما جَعَلوا (إنْ) بمنزلةِ (لكنْ) لكانَ وجهًا. قال أبو علي: يقول: ولو أنهم إذْ حذَفوا (كانْ) لم يعمِلوه كما لم يُعْمِلوا (إنّما) لكانَ وجهًا، كما أنّهم لم يُعْمِلوا (لما) و (لكنْ) إذا خَفَّفوه، فقُلْتَ: "إنْ كُلُّ نفسٍ لَما عليها حافِظ" كما قلت: "لكن الرّاسخون في العلم" لكان قويا. قال: وأمّا قولُه "أنْ بسم الله" فإنّما يكون على الإضمار. قال أبو علي: لا يجوز أن يكون (بسمِ الله) كقولك: كأن وَريداهُ لأنَّ (وريداهُ رِشاءُ خُلْب) مُبتدأ وخبرٌ، وليس (بسم الله) كذلك فلا يكون هُنا إلاّ مُضْمرًا فيها، والإضمارُ الذي فيها يكون القِصَّةُ

стр. 657

والحديثُ، كأنّك قلت: إنّه لأنّ (بسمِ الله) معناه معنى جملةٍ، كأنّك قلت: أبتدِئُ بسم الله. ... هذا بابٌ آخرُ فيه أنْهُ مُخَفَّفَةٌ وذلك قولُك: قد عَلِمْتُ أنْ لا يقولُ ذلك. قال: ليست (أنْ) التي تنصِبُ الأفعالَ تقعُ في هذا الموضع، لأنّ ذا موضعُ تقريرٍ وإيجابٍ. قال أبو علي: (عَلِمْتُ) موضعُ تثبيت وإيجابٍ، فيقَعُ بعدهُ (أنْ) لأنَّها أيضًا للتَّثْبيت والإيجابِ، و (أنْ) التي تنصِبُ الفعلَ لا تكونُ للتَّثْبيتِ أبدًا، فلوْ وَقَعَ بعْدَ (عَلِمْتُ) لكان كالنَّقيضِ.

стр. 658

قال: وأمّا ظَنَنْتُ وحَسِبْتُ وخِلْتُ ورأيْتُ فإنَّ (أنْ) تكونُ فيها على وجهين: النّاصِبَة والمُخَفَّفة. قال أبو علي: هذه الأفعالُ التي ذكرها تقع بعدها (أنْ) النّاصِبَةُ للفعلِ والمُخَفَّفة، فإذا وقعَت المُخَفَّفة فالمُراد بها أنّه ثَبَتَ في الظَّنِّ واسْتَقَرَّ كما ثَبَتَ ما بعدَ العلم، فإذا وقعت النّاصِبَةُ فما بعْدَ الظَّنِّ لم يَثْبُتْ، كما أنَّ ما بعدَ (رَجَوْتُ وحَسِبْتُ) ونَحْوه لم يَثْبُتْ، وعلى هذا قُرِئَ "وحسِبوا أنْ لا تكونُ" و (ألاّ تكونَ) مرفوعًا ومنصوبًا. قال: فإذا رفعْتَ قلتَ: قدْ حَسِبْتُ ألاَّ تقولُ ذاك، وأرى أنْ سَيَفْعَلُ ولا تَدْخُلُ هذه السّينُ في الفعلِ هُنا حتّى يكونَ (أنَّهُ). قال أبوعلي: إذا وَقَعَت السّينُ في الفعل المستقبل بعْدَ (أنْ) لم تكُنْ (أنْ) النّاصِبَة لِلْفِعْل ولم تكنْ إلاّ المُخَفَّفَة مِن الثَّقيلة، وإنّما لم تكن النّاصِبةَ لِلْفعل لأنَّ السّينَ للاستقبال، و (أنْ) أيضًا إذا دَخَلتْ على فعلٍ مضارِعٍ عُلِمَ أنّها للاستقبال إذْ لا تقعُ لِلْحالِ، فمِنْ حيثُ لم يجزْ أنْ يجتمعَ الحرفان إذا كانا بمعنى واحدٍ، كالتّأكيدَيْن والاستفهامَيْن لم يَجُزْ أنْ يجتمعَ هذان، ولو جمعْتَ بينهما لكان بمنزلةِ جَمْعِكَ السّينَ وسوف.

стр. 659

قال: فجَرى الظّن هنا مَجْرى اليقين لأنّه نفْيُهُ. قال أبو علي: قولُه: لأنّه نفيُه أي ظننْتُ نَفي (عَلِمْتُ)،وعَلِمْتُ يقعُ بعدَه (أنّ) المُثقّلة، فأجْرى (ظننْتُ) لَمّا كان نفيُه بمنزلتِه. قال: ومع هذا أنّه قد كثُرَ في كلامِهم حتّى حذفوا فيه (إنّه)، فإنّه لا يُحذَفُ في غيرِ هذا الموضع. قال أبو علي: إنَّ المكسورة لا تُحذَفُ على شريطةِ أنْ يكونَ فيها إضمارُ القِصَّةِ إلاَّ في هذا الموضع.

стр. 660

هذا بابُ أمْ وأوْ أمّا (أمْ) فلا يكونُ الكلامُ بها إلاّ استفهامًا، ويقعُ الكلامُ بها في الاستفهام على وجهين: على معنى أيُّهما وأيُّهم، وعلى أنْ يكونَ الاستفهامُ الآخِرُ مُنْقطعًا عن الأوّل. قال أبو علي: مثالُ المنقطع (إنّها لإبِلٌ أم شاءٌ) فهي تجيءُ بعد الخبر كما تجيءُ بعد الاستفهام، والتي بمعنى (أيْ) مع الألف لا تكونُ إلا في الاستفهام. فأمّا (أوْ) فإنّها تُثْبِتُ في الخبرِ أحد الشَّيْئَيْن أو الأشياء، وعلى ذلك يدْخُلُ عليها الاستفهام، فإنْ قلت: (تقولُ جالِسْ زيدًا أوْ عَمْرًا)، فيجوزُ له أنْ يُجالِسَهما جميعًا كما يجتمِعُ بين ما كان بالواوِ في

стр. 661

قولك: زيدًا وعمرًا، فالفَصْلُ أنّه إذا جَمَعَ بالواو فجالسَ أحدَهما دون الآخر لمْ يكنْ مُطيعًا للأمرِ، وإذا كان (بأوْ) فجَالسَ أحدَهما دون الآخَر فقدْ أطاع ولم يَعْصِ. ... هذا بابُ أمْ إذا كان الكلامُ بها بمنزلة أيُّهما وأيُّهم قال: وجَعَلْتَ الاسمَ الآخِرَ عَديلاً للأوّل، وصارَ الذي لا تسألُ عنه بينهما. قال أبو علي: الذي لا تسألُ عنه هو كونُ المسؤول عنه في قولك: أزيدٌ عندكَ أمْ عمروٌ، لأنّه ثَبَتَ عندَه الكون بالمسألة (بأوْ) أوْ بغيرِه فَلمْ يسألْ عنه، وإنّما يسْألُ عن نَفْسِ أحد الاسمين أو الأسامي، فأمّا كونُ أحدِ المُسَمَّيْنِ عندَه فقدْ عَلِمَهُ، فليس يحتاجُ إلى المسألة عنهُ. قال: ومِنْ هذا الباب قولُه: (ما أُبالي أزيدًا لَقِيتُ أمْ عَمْرًا)، (وسَواءٌ عَلَيَّ أزيدًا كَلَّمْتُ أمْ عَمْرًا).

стр. 662

قال أبو علي: جرى هذا على حرف الاستفهام مِنْ حيثُ كان تسويَةً وإنْ لم يكنْ استفهامًا، لأنّ كُلَّ استفهامٍ تسويةٌ، ألا ترى أنّك إذا استفهمتَ عن شيءٍ كان ما اسْتفهمْت عنه عندك وخِلافُه سواءٌ. ولو لمْ يكنْ كذلك كُنْت مُتيقّنًا له غيرَ مُسْتَفْهِمٍ عنه، فإنّما جرى على التّسْوِيةِ حرفُ الاستفهام هنا من حيثُ كان التَّسْوِيةُ يَعُمُّ الاستفهام، فلمْ يكنْ استفهامٌ إلاّ تسوية، كما جرى على تخصيص حروف النِّداء وإنْ لم يكنْ مُنادَى، لأنَّ الاختصاصَ يقعُ عند النّداءِ، وكُلُّ مُنادَى مُخْتَصٌّ. قال: ولم تَسْألْ عن موضعِ أحدهما. أي عن (زيدٍ) المنصوب الذي هو موضعُ أحد الفعلين. قال: وتقول: ما أدري أقام زيدٌ أمْ قعَدَ إذا أرَدْتَ أنّه لم يكنْ بينهما شيءٌ. تقول: لا أدّعي أنّه كان منه في تلك الحال قيامٌ ولا قُعودٌ. قال أبو علي: إذا قال: لا أدري أقامَ أمْ قَعَدَ، وأراد أنْ يصِفَ أنَّ فعلَه لمْ يطُلْ، كأنّه ساعةَ قامَ قَعَدَ، أوْ ساعة قَعدَ قام، فإنّه قد عَلِمَ مِن المخْبَرِ عنهُ فعلٌ، كما أنّه إذا قال: ما أدري أقامَ أو قعدَ، فقدْ عَلِمَ منه فعلٌ مِنْ أحدِ هذين، وإنّما يسألُ تعيينُ أحدِهما، إلاّ أنّه لَمّا كان قليلاً جَعَلَه بمنزلة ما لم يكنْ ولم يُعْلَمْ، فاسْتفهمَ عنه بأوْ، وإنْ كان أحدُ الفعليْن فيه بأوْ معلومًا فقد عُلِمَ هنا أحدُ الفعلَيْن، كما عُلِمَ فيما يُسْتَفْهَمُ

стр. 663

عنه (بأمْ) أحد الفعلين، إلاّ أنّه لِقِلّتِه جُعلَ بمنزلة ما لم يُعْلَمْ، ويَدُلُّك على أنّ أحد الفعلين هنا معلومٌ أنّك إذا قلتَ: (تَكَلَّمْتَ ولم تكلَّمْ) فقدْ كان منه كلامٌ معلومٌ، إلاّ أنّه لمّا لم يبلغ المراد منه، ولم يُعَدَّ كلامًا، لم يُعَدّ بأحدِ فعليه لَمّا لم يُبالغْ فيه فعلٌ. ... هذا بابُ أم منقطعة قال: وبمنزلة (أمْ) هنا قوله تعالى"ألم تنزيلُ الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين، أمْ يقولون افتراه ... ". قال أبو العباس: فيُقال له: هذا الضَّرْبُ يجري على ما أصَّلْتَ من الشّكّ. قال: والقولُ فيه أنَّ (أمْ) إنّما تجيءُ للتَّحَوُّل مِنْ خبرٍ إلى خبرٍ، ومعناها في القرآن التّوبيخُ والتّقريرُ كما كان في الألف، ونظيرُها في

стр. 664

الخبر (بلْ)، نحوُ (جاءني عبدُ الله)، ثمّ يُضْربُ عنه فيقول: (بَلْ زيدٌ مررْتُ به)، والألف التي للتوبيخ، فتقديرُه: أتقولون: افتراه وتقديرُه على التّوبيخ والتّحوُّل جميعًا، بل أتقولون افتراهُ، فهي على معنى (بَلْ)، إذا كان معها استفهامٌ. وأنْشدَ: كَذَبتْكَ عينُكَ أم رأيتَ بواسِطٍ .... قال: معناه: بلْ رأيْتَ كقولك: إنّها لإبلٌ أمْ شاءٌ، ومثلُ ذلك قولُ كُثيّر: أليس أبي بالنَّضْرِ أمْ ليس والدي ...

стр. 665

قال أبو العباس: ترك الاستفهام الأوّل ومال إلى الثاني، كأنّه لَمّا قال: أليسَ أبي بالنَّضْرِ مُقَرِّرًا تَرْكَ هذا، وأضربَ عنه لا إضرابَ إبْطالٍ، لكنّه إضرابُ تركٍ غيرُ إبْطالٍ، ثمَّ استَفْهَمَ الاستفهامَ الآخَرَ، فكأنّه قال: بَلْ أليسَ والدي كذا وكذا، ومثلُ الاستفهام الأوّل في أنْ لم يجْعَل (أمْ) إضرابَ إبْطالٍ إنّما جعلهُ إضرابَ تركٍ غير إبْطالٍ وإقْبالٍ على غيره قولُ الله : "أمْ يقولون افتراهُ" بعد قوله "الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه"، ألا ترى أنّ (أمْ) هنا مُحالٌ أنْ تكونَ إضرابَ إبْطال؟. ... هذا بابُ أوْ تقولُ: (أيّهم تضْربُ أو تقتُلُ)، (ومَنْ يأتيكَ أوْ يُحدّثُكَ) لا يكونُ هنا إلاّ (أوْ)، من قِبَلِ أنّك تستفهمُ عن المفعول. قال أبو بكر: لأنَّ (أمْ) اسْتَغْرقَتْها (أيْ)، والحروف الأخَرُ نحو (كيف)، والدّليلُ على أنّ هذه الحروف بمعنى (أيُّ) أنّك إذا سألْتَ بها لم تُجِبْ بلا ونَعَمْ، وإنّما تُجابُ بالشّيْء بعيْنِه، وذلك لأنّك إذا قلتَ: كيفَ زيدٌ، نابَ عن قولِك: أصالِحٌ أمْ طالِحٌ، وكذا أمْ كذا، وأجَبْتَ بحالٍ كما

стр. 666

يُجابُ بها إذا كان السُّؤالُ بأمْ، وكذلك إذا قلتَ: أيُّهم زيدٌ؟ نابَ عن قولك: أذا زيدٌ أمْ ذا؟، فالجوابُ يقعُ بذكري الشّخْصَ المسؤولَ عنه كما كان في أمْ. قال: ومِمّا يَدُلُّك أنّ ألفَ الاستفهام ليستْ بمنزلة (هلْ) أنّك تقولُ للرَّجُلِ: أطرَبًا؟ وأنْت تعلم أنّه قدْ طرِبَ لتوبيخِه. قال أبو علي: إذا اخْتُصَّتِ الألفُ بأشياءَ ليستْ في (هلْ)، كما قد ذَكَرَه، فلا يُمْكِنُ أنْ يُعادِلَها (أمْ) مِنْ حيثُ لا يُعادِلُها (هَلْ). قال: وإذا قلتَ: أزيدٌ أفضَلُ أمْ عمروٌ؟ لم يَجُزْ ها هُنا إلاّ (أمْ). قال أبو بكر: لوْ قُلْتَهُ (بأوْ) لكان المعنى: أحَدُهما أفْضلُ، وليس هذا بكلامٍ. قال: ولوْ قلتَ: أزيدًا لقيتَ أوْ عَمرًا؟ وأزيدٌ عندك أو عمروٌ؟ كان

стр. 667

هذا في الجواز والحُسْن بمنزلة تأخير الاسم إذا أردْتَ معنى أيُّهما. قال أبو علي: يعني قولُك: أزيدٌ عندك أمْ عمروٌ لأنَّ ذلك بمعنى (أيُّهما)، فالأحْسَنُ هنا تقديمُ الاسمِ، والأحْسَنُ في (أوْ) تقديمُ الفعلِ، وأنْ تقولَ: ألَقيتَ زيدًا أوْ عَمرًا، والعِبْرَةُ في هذا تقديمُ ما يُقْصَدُ إليه بالسُّؤال. قال: لأنّك إذا سألْتَ عن الفعل اسْتُغْنِيَ بأوّل اسمٍ. أيْ فَلَمْ تُكَرِّرْه بأمْ. قال: فهذا يجري مُجرى: ألقيتَ زيدًا أوْ عَمْرًا. أيْ في تقديم ما يُسْتفهمُ عنه وهو (لَقِيتَ) و (عندَك). قال: وتقديمُ الاسمين جميعًا مثلُه وهُوَ مُؤَخَّرٌ. يريدُ بالاسمين: أزيدٌ أو عَمْرٌو عندك؟ وقولُه مثلُه وهو مُؤَخَّرٌ: أيْ في المعنى لا في الإخبار. قال: وتقولُ: أزيدًا أو عَمْرًا رأيْتَ أمْ بِشْرًا وذلك أنّك لم تُرِدْ أنْ تجعل عَمْرًا عَديلاً لِزيدٍ حتّى يصيرَ بمنزلةِ (أيُّهما).

стр. 668

قال أبو بكر: إذا قال: أزيدٌ عندك أو عمرٌو؟ فالجوابُ (لا) أو (نعم)، والمعنى: أحدُهما عندك، وإذا قال: أزيدٌ عندك أمْ عمروٌ؟ فالجوابُ زيدٌ أو عمروٌ إذا كان واحدٌ منهما عندك، فإذا قال: أزيدٌ أو عمروٌ عندك أمْ بِشْرٌ؟ فالجوابُ: أنْ يقولَ: بِشْرٌ إنْ كان عنده بِشْرٌ، وإنْ كان عندَه أحدُ الاسمَيْن الآخَرَيْن قال: أحدُهما ولم يقل: عَمْروٌ ولا زيدٌ، ولكنّه يقول: أحدُهما بهذه اللّفْظةِ، فيذكُرُ معنى أوْ. وإنّما لم يجز له أن يقول في جوابِ "أزيدٌ أو عمروٌ" لا أو نعم في هذا الموضع كما كان يقوله قبل أن يُرَكِّبَهُ مع (أمْ) لأنَّ (أمْ) تقتضي الشَّيْءَ بعينه في الجواب عنها، فصارَ (أزيدٌ أو عمروٌ) بمنزلة اسمٍ واحدٍ، وهو قولُك (أحدُهما)، فكما أنّه إذا قال: أزيدٌ عندك أمْ عمروٌ لا يجوزُ أنْ يقول في جوابِ ذلك (نعم) أوْ (لا)، كذلك لا يجوزُ أن يقولَ في جوابِ (أزيدٌ أو عمروٌ عندك أمْ بِشْرٌ): (لا) ولا (نعم) لأنَّ قولَك أزَيْدٌ أو عَمْروٌ معَ (أمْ) بمنزلة (أزيدٌ) في قولك: أزيدٌ عندك أم عمرٌو؟ لا يجوزُ أن تجيبَ إلاّ بأحد الاسمين إذا كان أحدُهما عندك. قال: ويكشف هذا أن يقول القائلُ: آلْحَسَنُ أو الحُسَيْنُ أفضلُ أم ابنُ الحَنفِيَّة؟ آلدُّرُّ أو الياقوتُ أفضلُ أم الخَزَفُ؟ فجوابُ هذا أنْ يقولَ: أحدُهما في المسألتين جميعًا، لا يجوزُ أنْ تقولَ: الحسَنُ دون الحُسَيْن، ولا الحُسَيْن دون الحسن، وكذلك في الدُّرِّ والياقوتِ، فأراد أنْ يُعَينَ لهُ ما

стр. 669

اسْتفْهَم بأمْ، فقال: آلدُّرُ أم الياقوت أفضلُ؟، فيُقال له حينئذٍ: الدُّرُّ أو الياقوتُ، أيُّهما كان عند المُجيبِ أفْضَلُ. وإنْ أرَدْتَ معنى (أيُّهما) في هذه المسألة قلتَ: أتضْرِبُ زيدًا أمْ تقتلُ خالدًا؟ لأنّك لمْ تُثْبِتْ أحد الفعلين لاسمٍ واحدٍ. قال أبو علي: الأحْسَنُ أنْ يكونَ ﴿السُّؤالُ بأمْ﴾ لأنّك تُثْبِتُ أحدَ الفعلين، وإنْ كان على ﴿أو﴾ لم تُثْبِتْ أحد الفعلين إذا كان السُّؤال بأوْ. ... هذا باب أوْ في غير الاستفهام تقول: جالِسْ زيدًا أو عمرًا أو خالدًا، كأنّك قلت: جالِسْ أحد هؤلاء. قال أبو علي: (أوْ) إنّما تكون لأحد الشَّيْئين أو الأشياء، وقد يقول القائلُ في الإباحة: كلْ خُبْزًا أوْ لحمًا، فأكَلَهما المأمور جميعًا، فإن قيل: فيمَ ينفصِلُ هذا مِن الواو إذا قلتَ: كُلْ خبزًا ولحمًا، فإنّه ينفصِلُ بأنّك إذا قلت: خبزًا أو لحمًا، فأكل أحَدَهما كان مُطيعًا، ولو قال له بالواو فأكل واحدًا منهما لم يُطِعْ، فمعنى كونِهما لأحدِ الشَّيئين أو الأشياء لازمٌ

стр. 670

لها هنا أيضًا: أنشد: إذا ما انتهى علمي تناهيتُ عندهُ ... أطالَ فأمْلى أو تناهى فأقْصِرا قال أبو إسحاق: أطالَ فأمْلى، الصّوابُ (بأوْ) مِنْ أطالَ يُطيلُ، فإذا قلت: (أمْ) فيكون مِنْ طالَ والألفُ للاستفهام. قال أبو العباس: الأحْسَنُ في هذا (أوْ)، لأنّ التقدير: إنْ كان كذا، أوْ كان كذا. قال سيبويه: ولا يجوزُ لأضْرِبَنَّهُ أمكَثَ، ولهذا لا يجوزُ لأضْرِبنَه أذَهَبَ أوْ مَكَثَ. قال أبو علي: إنّما جاز (ما أدْرِي أقامَ زيدٌ أو قعد)، فوقع
следующие страницы →