Полный текст (1 534 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
هذا باب الفاعل الذي يتعدَّاه فعله إلى ثلاثة مَفْعولين
قال أبو بكر: يجوز الاقتصار عندي على المفعول الأول في هذا الباب من حيث جاز الاقتصار على الفاعل في الباب الذي قبله في قولك: رأى زيدٌ لأن المفعول الأول في هذا الباب هو الفاعل في الباب الذي قبله، فمن حيث جاز الاقتصارُ على الفاعل قبل أن تَنقُل الفعل إلى (أفْعل) جاز الاقتصار على المفعول الأول.
قال: ولكن كما تقول: يا سارِقَ اللَّيْلَةِ.
стр. 72
قال أبو علي: أوضَحَ بإضافة السارق إلى الليلة أنها غير ظرف وأنها مفعول به على السَّعة، لأن الظروف لا يضاف إليها بل تكون متضمنة الأحداث.
قال: وتقول: أعْلمْتُ هذا زيدًا قائمًا العلم اليقين إعْلامًا.
قال أبو علي: لا يخلو (قائمًا) في هذه المسألة من أن يكون حالا أو مفعولا ثالثًا، ولا يجوز أن يكون حالا، لأنك إن جعلته حالا لَزِمك أن تجعل: (العِلْمَ اليقين) أو (إعْلامًا) المفعول الثالث، ولا يجوز في واحد منهما أن يكون مفعولا ثالثًا، لأن المفعول الثالث يَلْزَمُ أن يكون المفعول الثاني في المعنى والعلم لا يكون زيدًا، فإذا بَطَلَ أن يكون (قائمًا) حالا ثبت أنه المفعول الثالث، وإذا ثَبَتَ أنه المفعول الثالث ثبت أن (العلم اليقين) ينتصب على المصدر، و (إعلامًا) تكرار المصدر.
قال: صارت بمنزلة ما لا يتعدَّى
قال أبو علي: يقول: فَعَدّ هذه الأفعال التي يتعدى فاعلها إذا انتهت إلى المصدر والمكان، وهذه الأشياء كما تعدَّى إليها ما لا يتعدى من الأفعال الفاعل، فليس ما تعدي فاعليها من الأفعال بأصف مما لم يتعدَّ فاعليها.
стр. 73
هذا باب المفعول الذي يتعدّاه فعلُه إلى مفعول
قال: وضُرِبَ عبد الله اليومين اللذين تَعْلَمُ لا تجعله ظرفًا.
قال أبو علي: لو جُعِل بَدَل اليوم وما أشبههُ اسمٌ غير الظرف لم يَجُز كما جاز في الظرف، وإنما جاز فيه لأن الفعل كان يتعدى إليه وهو ظرف فوقع الاتساع في تقدير انتصابه على أنه مفعول به.
قال: واعلم أن المفعول الذي لم يتعدَّ إليه فعل فاعل في التعدي والاقتصار.
قال أبو علي: الاقتصار أن تقول: ضُرِبَ زيدٌ، ولا تُعَدِّيه إلى شيء آخر.
قال أبو علي: وقوله: لم يتعد إليه فعل فاعل ليس يريد أنه لم يصل إليه فعل فاعل، هو حركة مؤثرة، لكنه يريد أن هذه اللفظة التي هي ضُرِبَ لم تجاوز هذا الاسم المرتفع إلى اسم آخر منتصب كما جاوزه إليه في أُعْطي زيد ونحوه.
стр. 74
قال: لأن معناه متعديًا إليه فعل فاعل وغير متعدٍّ [إليه] فعله سواء.
قال أبو علي: يقول: ضُرِب زيد، في المعنى مثل ضَرَبْتُ زيدًا وإن اختلف في تقدير الإعراب، فكما جاز تعدي الفعل إلى المصدر والزمان والمكان إذا تعدى إلى المفعول به الذي هو زيد في (ضَرَبتُ زيدًا)، كذلك يجوز أن يتعدى إلى هذه الأشياء إذا قلت: (ضُرِب زيد) فلم يتعده إلى مفعول به.
стр. 75
هذا باب المفعول الذي يتعداه فعلُه إلى مفعولين وليس لك أن تقتصر
قال: وذلك قولك: نُبِّئْتُ.
قال أبو علي: يجوز الاقتصار على (نُبِّئْتُ) وحدها، لأن الاسم الذي أُقيم فيه مُقام الفاعل هو المفعول الأول من الثلاثة، ألا ترى أن (نُبِّئْتُ) يجوز فيه أن يتعدى إلى مفعول به، وهو في المعنى المفعول الأول من (أنْبَأني الله زيدا أبا فُلان).
فأما إذا عَدَّيت نُبِّئت إلى مفعول فلا يجوز الاقتصار عليه دون الثاني من (نَبَّأني اللهُ زيدًا أبا فلانٍ).
فكما لا يجوز الاقتصار على المفعول الثاني من هذه المسألة لأنه المفعول الأول من باب (عَلِمْتُ، وظنَنْتُ) وهو الذي القصد في ذكره أن يذكر ما بعده ليُعْلَم، كما كان القصد في ذكر المبتدأ أن يُعلم خبرُه كذلك لا يجوز الاقتصار على المفعول الأول من (نُبئت) لأنه المفعول الثالث من (أعْلَمَ اللهُ) والمفعول الثاني من (عَلِمتُ)، ولا يجوز الاقتصار عليهما دون الثاني والثالث.
قال: صيّر المفعول والفاعل حيث انتهى فعلهما.
стр. 76
قال أبو علي: يريد المفعول الذي يتعداه فعله إلى مفعول أو إلى مفعولين نحو: أعْطَيت زيدًا، ونبئت جعفرًا أبا فلان، والفاعل: أي الفاعل الذي يتعداه فعله إلى مفعول أو أكثر.
قال: بمنزلة الفعل الذي لا يتعدّى فاعله ولا مفعوله.
قال أبو علي: الفعل الذي لا يتعدى فاعله نحو (ذهب) والفعل الذي لا يتعدى مفعوله نحو (ضُرِب زيدٌ).
قال: ولم يكونا ليكُونا.
قال أبو علي: يعني الفاعل الذي يتعداه فعله، والمفعول الذي يتعداه فعله.
стр. 77
هذا باب ما يَعْمَلُ فيه الفعل فيَنتَصِبُ وهو حالٌ
قال: ويكون معناه ثانيًا كمعناه أولا إذا قلت: كَسَوْتُ الثَّوبَ.
قال أبو علي: معنى الثوب إذا كان مفعولا في قولك: كَسَوْتُ الثوب، كمعناه أولا إذا كان قلت: كُسِيَ الثوبُ، لأنه في كلا الموضعين مفعول في المعنى، وكذلك إذا قلت: كسوت زيدًا الثوب، فمعناه ثانيًا كمعناه أولا، لأنه في كلا الموضعين مفعول به، فأما الحال والاسم المنتصب عليهما فلا يكون معناه أولا كمعناه ثانيا، كما كان المفعول به كذلك.
ألا ترى أنك لو قلت: ضُرِبَ قائمٌ، فأقمته مُقام الفاعل كما أقمت الثوب، لخرج عن أن يكون حالا، ولا يخرج الثوب عن أن يكون مفعولا في المعنى في هذه المواضع.
قال: يعملُ عَمَلَ غير الفعل.
قال أبو علي: يريد بغير الفعل مثله في قولك: لي مثلُهُ عَسَلاً، تقول الذي هو ذَهَبَ في نصبه الاسم النكرة على الحال عمل غير الفعل في نصبه الاسم النكرة على التمييز.
стр. 78
هذا باب الفعل الذي يتعدى اسم الفاعل إلى اسم المفعول
قال: وأما (لَيْسَ) فإنه ليس يكون فيه ذلك.
قال أبو علي: يقول ليس يستغنى عن الخبر كما استغنى سائر هذه الأفعال.
قال أبو إسحق: لا يجوز أن يكون (أَشْنَعًا) خبر كان،
стр. 79
لأنك لا تفيد به، لأن كل يوم ذي كواكب فهو أشنع، وإنما هو حال، ويجوز أن تجيء الحال وإن كانت لا تفيد تجيء مؤكدة، تقول: هذه نارُك حارةً، ولا تقول: كانت ناركَ حارةً.
قال أبو بكر: يجوز أن يكون خبرًا من حيث جاز أن يكون حالا لأن الحال أيضًا خبر.
قال أبو علي: أنا لا يصلح عندي أن تكون خبرًا، ويجوز أن تكون حالاً لأن الحال آخر ضروبها أن تجيء لازمة للتأكيد كقوله تعالى: (وهو الحقُّ مُصَدِّقًا) و:
стр. 80
أنا ابنُ دارةَ معروفًا.
وزيدٌ أخوك بَيِّنًا، وما أشبه هذا مما في الكلام الذي قبله دلالة عليه، وليس الإخبار كذلك، ولم يجئ على هذا، ألا ترى أن الأخفش لا يجيز في الخبر (أحَقُّ الناس بمال أبيه ابنُه) لأن في الأب دليلا على الابن، فكذلك يوم ذو كواكب فيه دلالة على الشَّناعَةِ فلا يجوز أن تجعل (أشنعًا) خبرًا عنه، ويجوز أن يكون حالا من حيث جاز (وهو الحقُّ مُصَدِّقًا) وما أشبه ذلك.
وأما قول أبي بكر: لأن الحال أيضًا خبر، فليس الحال بخبر محض إنما هو زيادة في الخبر، فيجوز أن تُصرَف هذه الزيادة إلى التأكيد دون غيره مما فيه الفائدة لأنه يبقى مما يستفاد ما الحال زيادة عليه فإذا صرفت
стр. 81
الخبر بأسره إلى هذه الجهة لم يَصْلُحْ لأنه لا يبقى شيء مما يُستفاد، فيصير ذلك خروجًا عما وُضِعت له الأخبار من الإفادة بها، وليس الحمل على الحال كذلك عندهم، لأن من الحال ما يكون لازمًا مؤكدًا، نحو ما ذكرنا من قوله تعالى: (وهو الحقُّ مصدقًا) ونحوه، وهذا بَيِّنٌ.
قال: ومثل قولهم: مَنْ كان أخاكَ قول العرب: ما جاءتْ حاجَتَك.
قال أبو علي: ما جاءت حاجَتَك في موضع رفع بالابتداء، وهو استفهام، وجاءت بمعنى صارت في هذه الكلمة دون غيرها، وفيه ضمير ما، (وحاجَتَك) منتصبة لأنها خبر صار وأنَّثَ (جاءتْ) وإن كان فاعله (ما) لأنه في معنى الحاجة، فحمل على المعنى فأنَّث، وإن كان اللفظ مذكرًا كما حمل على المعنى فجمع في قول الله تعالى (ولا يستطيعون) بعد قوله: (ما لا يملكُ لهم)، وكما قُرِئَ (ومن يَقْنُتْ منكنَّ)
стр. 82
أنَّثَ على المعنى، وقال : (ومنهم من يستمعون إليك) فجمع على المعنى، وفي موضع آخر (ومنهم من يستمع إليك) على اللفظ، وقال سبحانه: (وكَمْ مِن مَلَكٍ في السموات والأرض لا تغني شفاعتُهم) فجمع على المعنى وإن كان لفظ كم مفردًا، لأنه في المعنى جميع ولا تغني في موضع خبر (كَمْ) والهاء والميم راجع إلى (كم) وفي السموات ظرف ليس بخبر، وقال: (وكَمْ من قرية أهلكناها). فأنَّثَ (كمْ) على المعنى، لأنه في المعنى للقرية، وأفرد الضمير، و (أهْلَكْنا)
стр. 83
الخبر، فإن قلت: ما تذكر أن يكون قوله (أهلكناها) صفة لقرية ولا يكون خبرًا لـ (كم) فذلك لا يجوز من قِبَلِ أنك إن جعلته صفةً لقرية لم تذكر لـ (كم) خبرًا، فيصير: كم من قرية مُهْلَكَةٍ، وليس هذا بكلام تامٍّ، حتى تذكر له خبرًا، فأهلكناها خبر لما ذكرناه، وليس بصفة، وأنثت (كم) على المعنى كما جُمِعَتْ على المعنى في الآية الأخرى ويحتمل أن يكون (أهلكناها) صفة لقرية، وقوله (فَجاءَها) معطوفة على هذه الصفة، والخبر (فما كان دعواهُم)، ويكون دخول الفاء في الخبر كدخوله في (كلُّ رجلٍ جاءني فلَهُ درهمٌ)، و (كم) على هذا التأويل أيضًا محمول على المعنى، لأن الضمير عاد إليه مجموعًا، وأكْرَهُ في هذا التأويل عطف الصفة على الصفة بالفاء، ألا ترى أنه يَبْعُدُ (هذا رجلٌ ظريف فَشَريف)، فكذا يبْعُدُ هذا التأويل لقوله : (فجاءها بأسُنا).
ويحتمل أن يكون (أهلكناها) صفة، ويكون الخبر (فجاءها) كقولك: كلُّ رجلٍ.
قال أبو علي: وفيه نَظَرٌ أكثرُ من هذا.
و (كَمْ) في كلا الآيتين خبر، فهذه جمل من الحمل على المعنى دون اللفظ.
стр. 84
قال: ومن يقول من العرب (ما جاءتْ حاجَتُك) كثير كما يقولون: مَن كانت أمُّك؟
قال أبو علي: مَن قال: (ما جاءت حاجتُك) فرفع الحاجة، صار (ما) في موضع نصب، كأنه قال: أأَكْلاً كانت حاجَتُك، فصارت التاء في جاءت للحاجة، وقولك: مَن كانت أمُّكَ؟ بمعنى أَهِندًا كانت أمك.
قال: ولم يقولوا: ما جاء حاجتُك.
قال أبو علي: يقول: إذا صار (جاء) فاعله ضمير (ما) لم تحذف علامة التأنيث من الفعل، وإن كان لفظ (ما) مذكرًا كما تحذف العلامة من (كان) إذا صار فاعله ضمير (مَنْ) لأن هذه الكلمة جرت مجرى الأفعال.
قال: ومثل قولهم: ما جاءت حاجَتَك، إذ صارت تقع على مؤنث قراءة بعض القراء: (ثُمَّ لم تكن فِتْنتَهم).
стр. 85
قال أبو علي: يقول: فأنَّث (أنْ قالوا) وإن كان مذكرًا، لأنه في المعنى الفتنة، فكذلك أنث (ما) وإن كان مذكر اللفظ لأنه في معنى (الحاجة)، إلا أن التأنيث في (ما) وحملها على المعنى أحسن من حمل (أنْ قالوا) ونحوه من الأسماء غير المبهمة، لأن المبهمة قد تحملُ على المعنى كثيرًا في غير الضرورة، ولا يُحْمَل غيرها عليه، ألا ترى أن (ما) قد جُمِع، فعاد ضميره إليه، كضمير الجماعة في قوله : (ولا يستطيعون) بعد قوله (ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقًا)، وليس ذلك في غير المبهمة وقد حُمِل غير المبهمة أيضًا على المعنى وجاء، إلاّ أنّه في ضرورة الشعر كقوله:
..................... ثلاثُ شُخُوصٍ كاتِبانِ وَمُعصِر
стр. 86
فأنث الشخوص لما كانت في المعنى نِساءً.
قال: اجْتمعت اليمامة.
قال أبو علي: يقول: كأنْ يقول: اجتمعت اليمامة كثيرًا، فيؤنث الفعل لأنه لها، ثم أدخل بين الفعل وبين اليمامة (أهْلُ) فأقحمه وجعله يجري على الكثرة التي كان يجري عليها قبل إدخاله الأهل في الكلام، وكذلك كأن يدعو (طَلْحَةَ) أكثر ما كان يدعوه مُرَخّمًا وكذلك ما أشبه (طلحة) ثم أدخل علامة التأنيث، وأجْراه على ما كان يكون عليه في الكثرة، فأقْحم الهاء بين الحاء وبين الفتحة التي كانت تكون على الحاء إلى الهاء المقحمة بينها وبين الحاء، فانفتحت الحاء لأن هذه التاء إذا أُلحقت اسمًا فُتحت ما قبلها، فالفتحة في الحاء من قولهم (يا طلحَة) غير
стр. 87
الفتحة التي كانت عليها في حال الترخيم، لأن تلك قد انتقلت إلى الهاء على مذهبنا.
قال أبو علي أيضًا: كأنه قال: يا طَلْحُ فسكَّن الحاء وأقحم الهاء بالحركة التي كانت في الحاء بالحركة التي تَلْحق الحرف الذي يقع قبل الهاء في شجرة.
стр. 88
هذا باب يُخْبَرُ فيه عن النكرة بالنكرة
قال: وذلك قولُك: ما كان مثلُك أحدًا.
قال أبو علي: (مثلك) وإن كان مضافًا إلى معرفة فهو نكرة، لأن الذي يُعَرِّف الاسم هو التخصيص، والإشارة إلى مختص، أو نوع بعينه وإذا أُضيف المثل إلى معرفة لم يَخُصَّ شيئًا بعينه لكثرة ما يجوز أن يقع فيه التّماثُل من المثلين.
قال: ولا يجوز لأحد أن يضعه في موضع واجبٍ.
قال أبو علي: (أحدٌ) يجري على ضربين:
стр. 89
أحدهما: يراد به (واحدٌ) كقولك: أحدٌ وعشرون، أردت واحدًا وعشرين، فالهمزة بدل من الفاء التي هي (واو) وهذا يقع في الإيجاب كما يقع في النفي، لأن (واحدًا) الذي هو في معناه كذلك أيضًا، وعلى هذا قول الله (قُلْ هو الله أحدٌ) تقديره الأمرُ اللهُ واحدٌ فهذا الضمير في المبتدأ نظير الهاء الظاهرة في قوله: (مَنْ يأتِ رَبَّه مُجرمًا)، (وأحدٌ) بمعنى واحد، مثل قوله:
وقدْ بَهَرَتْ فما تَخفى على أحدٍ ... إلاّ على أحدٍ لا يعرفُ القَمَرَا
أي إلا على واحد.
والضرب الثاني من ضربَيْ (أحدٍ) أن يقع حيث يراد العموم نفيًا
стр. 90
كان أو إيجابًا بعد أن يكون بمعنى الجماعة، كقولك في الإيجاب: (كلُّ أحدٍ يعلم هذا) أو (كل أحد جاء فَلَه درهمٌ). فهذا الإيجاب.
وأما وقر به في النفي وغير الإيجاب فقولك: (ما جاءني من أحدٍ وهل من أحدٍ)، ويدلك على وقوعه بمعنى الجميع قوله تعالى: (فما منكم من أحدٍ عنه حاجزين) فجمع، وقوله سبحانه: (وإنْ من أهل الكتاب إلا لَيؤمنن به قبل موته) ثم قال: (ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا)، والمعنى: وإن من أهل الكتاب أحد، ومثله (وإن منكم إلا واردُها)، ثم قال: (ثم ننجِّي الذي اتّقَوْا).
قال: فكلما قدَّمْتَهُ كان أحسن، لأنه إذا كان عاملا في شيء قدمته.
قال أبو علي: يعني إذا كان الظرف عاملا في شيء فتقديمه أحسن كما أن تقديم (ظننت) إذا كان عاملا أحسن، وإنما يكون الظرف عاملا عند سيبويه إذا جعل فيها خبرًا غير ملغى كقولك: (فيها زيدٌ قائمًا) وعمله بمعنى الفعل الذي فيه، وإنما جاز ذلك فيه لقيامه مقام الفعل المحذوف النائب هذا الظرف عنه، وكأنك قلت: (زيدٌ استقرَّ فيها قائمًا)، ففيها
стр. 91
على هذا الوحه هو الذي سمّاه سيبويه المُستقَر، فإذا لم تجعله مستقرًا، وقلت: فيها زيدٌ قائم، فلا محذوف في الكلام، ولا إرادة في استقرار، لكن يكون على ظاهره، وقولك: (فيها) مُتعلَّقٌ، وفي موضع نصب به فنُصِب (قائم) على هذا الوجه، وهذه الشريطة ممتنع محال، ألا ترى أنك لو نصبْت (قائمًا) على هذا لكنت قد أحلت من جهتين:
إحداهما: أن الكلام يبقى المُخبَر عنه فيه بلا خبر، لأن زيدًا لا خبر له.
والأخرى: أنك نصَبْتَ (قائمًا) ولا عامل هنا في الكلام يعمل فيه فينصبه، ألا ترى أن (زيدًا) وحده لا ينتصب عنه الحال، إنما ينتصب عن جملة فيها معنى فعل، فتأمَّل ذلك يَصِحُّ لك إن شاء الله تعالى.
стр. 92
هذا باب ما أُجْرِي مجرى ليس
قال: لا يكون (لاتَ) مع الحين إلا مضمرًا فيها مرفوع.
قال أبو علي: يقول: لم يُستعمَل لاتَ إلا مضمرًا اسمها الذي هو مُحدَّثٌ عنه في الجملة التي فيها لات، لا في نفس لات لأن الحروف لا يضمر فيها على شريطة التفسير، ولا بعد تقدُّم الذكر كما يُضمر في الفصل على شريطة التفسير، كقولك: نِعمَ رجلاً زيد، وبعد تقدم الذكر كقولك: بكرٌ ضرب عَمْرًا فلا يقال في الحرف: عمروٌ ما منطلقًا.
قال: ونظير (لاتَ) في أن لا يكون إلا مضمرًا فيه: (لَيسَ) و (لا يكونُ) في الاستثناء.
قال أبو علي: هو نظيره في أن الاسم المُحَدَّث عنه مضمر لا يجوز
стр. 93
إظهاره في (ليس) و (لا يكون) إذا استثنيت بهما، لأن اسميهما لا يستعمل إظهارهما، كما لا يستعمل إظهار اسم (لاتَ) فإنما اتفقا في أن المُضمر لا يستعمل إظهاره، لا في موضع الإضمار لأن الإضمار في (ليس) و (لا يكون) في الفعلين أنفسهما، ولا في (لاتَ) في النية والجملة دون نفس الحرف.
قال أبو علي: (لاتَ) هي (لا) زيد فيها حرف التأنيث نحو: ثُمَّ، وثُمَّتَ، ورُبَّ، ورُبَّتَ.
قوله: فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم.
стр. 94
قال أبو علي: قَدَّر سيبويه انتصاب (مِثْلهم) في بيت الفرزدق هذا أنه خبر لما نُصِب مُقَدَّمًا كما يُنصب مؤخرًا، وقدّره المازني على أنه
стр. 95
منتصب على الحال للخبر المضمر، كأنه في التقدير: وإذ مافي الدنيا أو في الوجود مثلهم بَشَر، كما يقول: فيها قائمًا عمرو.
قال أبو علي: هذا الإضمار حكمه أن يقدَّر قبل (مِثلَهم) ولا يُسَوّغ تقديره بعده من حيث لا يجوز (قائمًا فيها عمرو) وإذا لم يسغ إعمال هذا العامل مذكورًا إذا تأخر عن ما يعمل فيه، فإن لا يعمل محذوفًا أجدر، لأن ما يعمل مضمرًا أضعف مما يعمل مظهرًا ألا ترى أن الفعل إذا أظهرته صَلَحَ تقديم معموله وتأخيره، وإذا أضمرته في نحو (في الدار زيدٌ قائمًا) لم يَجُزْ تقديم (قائمًا) على (في الدار)، كما كان يجوز لو أظهرته، وكذلك إذا لم يَجُز التقديم فيه مُظهرًا ينبغي ألا يجوَّز إعماله مضمرًا لِضعفه.
فإن قال قائل: ألَيْسَ قد قال سيبويه إنهم إذا أعملوا شيئًا مظهرًا أعملوه مضمرًا؟، قيل له: قد قال ذلك، إلا أن ذلك لا يلزم إضماره
стр. 96
هنا وإعماله، وذلك أنه قائم مقام شيء محذوف والمحذوف هو الأصل، وهذا فرع وقائم مقامه، فلا يسوغ أن يضمر كما أضمر الأصل، لأنه لا يكون حينئذ للأصل مَزِيَّةٌ على الفرع، ولأنه إذا جاز أن يعمل مضمرًا فكذلك يجب أن يُنصب مؤخرًا، كما ينصب الفعل مؤخرًا، وهذا فاسد عندهم، فكما لم يَجُز إعمالُه مُؤخرًا كذلك لا يجوز إضمارُه.
قال أبو بكر: والقول عندي فيه أنه لَمّا استعار لُغة غيره لم يدرِ كيف استعمالُهم لها، فقدَّر أنهم يُجْرونَها مثل (ليس) في جميع الأحوال، في التقديم والتأخير فغلِطَ.
قال: وهو كقول بعضهم: مِلحفةٌ جديدةٌ في القِلَّةِ
قال أبو علي: (جديدةٌ) (فعيلٌ) في معنى (فاعِلٌ)، فأكثر استعمالها بغير الهاء، وإنما كان كذلك لأنهُ لَمّا كان على (فَعِيل) جعلهُ بمنزلة (فَعولٍ) لأنه يكون للكثرة كما أن (فَعولا) يكون كذلك، فلم
стр. 97
يدخُل في مؤنث (فَعيلٍ) الذي هو في معنى (فاعلٍ) في هذا الحرف (التاء)، كما لم يدخُل في (فَعولٍ).
ومثلُ (جديدٍ) في أنه أُجْرِيَ مُجرى (فَعولٍ) فلم تدخل فيه تاء التأنيث في المؤنث حروف أُخرُ وهي: سدِيسٌ، وكتيبةٌ خَصيفٌ
стр. 98
وريح خَريق، حكى ذلك في الجمع؛ فلما كان الاستعمال في هذا في الأمر الأكثر ترك التاء في التأنيث فيه، صار قولُ من قال: مِلحفةٌ جديدة، فأدخل في المؤنث التاءَ شاذًّا عن الاستعمال قليلا، كما أن قول مَنْ قال: (لاتَ حينُ مناصٍ)، وإذا ما مثلهم بشرٌ قليل، وكما أُجري (فعيلٌ) مجرى (فَعولٍ) في هذا الموضع فلم يؤنث كما لم يؤنث (فَعُول)، كذلك أُجري مجراه في أن أُفرِدَ في موضع الجمع، كما أُفرد، فإفرادهم (لفَعيلٍ) نحو قوله تعالى (وحَسُنَ أولئك
стр. 99
رفيقًا) وقول الشاعر:
دعْها فما النّحويُّ مِن صديقِها
وإفرادهم للقول نحو (عَدوّ) قال تعالى: (وإنْ كان من قوم عدوٍّ لكم)، وقال تعالى: (إنّ الكافرين كانوا لكم عدوًّا مبينا)، أما قوله تعالى: (إنّا رسولُ ربك)، فقد كتبناه في موضع آخر.
قال: فجعَلتها (لا) التي للإشراك.
стр. 100
قال أبو علي: معنى قوله (لا) التي للإشراك، يريد بالإشراك هنا اعتبار اللفظ لفظ المعطوف والمعطوف عليه في الإعراب، لا اعتبار المعنى لأن قولك: ما عبدُ الله خارجًا، ولا مَعْنٌ ذاهب، مشتركان في النفي أيضًا وإن اختلفا في الإعراب.
قوله: هَوِّنْ عليك فإن الأمورَ بِكَفِّ الإله مقاديرُها.
قال أبو علي: مَن رفعَ قوله (قاصرٌ) قَطَعَه من الأول، وجعله خبرًا لقوله: (مأمورُها)، ومأمورها مبتدأ، ومن جَرَّه فقال: ولا قاصرٍ فتقديره على ما قال سيبويه: ما مَنْهِيُّها بِآتيكَ، ولا قاصِرٍ
стр. 101
مأمورها فَرَدَّ الهاء من (مأمورها) إلى المنهيِّ وإن كان المنهي مذكرًا في اللفظ لأنه مضاف إلى مؤنث، فتقديره إذا حذفْتَ خبر الاسم الأول من الكلام على حسب ما يسير به الباب (ليس منهيُّها بقاصرٍ عنك مأمورها) وإنما قَدَّرَه هذا التقدير لِيُخَلِّصَهُ به من أن يكون قد عَطَفَ على عاملَين لأنه إذا قَدَّره هذا التقدير لم يقع عطف على عاملين كما يقع إذا لم يُقدَّر الهاء من (مأمورها) راجعةً إلى المنهي، فلهذا تَأوَّل هذا التأويل، وأما من رأى العطف على عاملين فإنه لم يردّ الهاء من (مأمورها) إلى المنهي، ولم يحتج هذا التأويل، ولم يُقدِّر أيضًا (ليس) تقديرها كما قدّر سيبويه، ولم يكن يجعل (مأمورها) مرتفعًا بالعطف على اسم ليس بالواو، ويخْفِضُ قوله: قاصرٍ بالعطف على الباء. فَعَطَفَ بالواو هذين الاسمين على هذين العاملين، وهو قول الأخفش، ومن نَصَبَ (قاصرًا) حمله على موضع (بآتيك) لأن موضعه نصب، ورفع قوله (مأمورها) بالعطف على (ليس)، وتقديره: ليس منهيُّها بآتيكَ، ولا مأمورها قاصرًا عنك.
стр. 102
هذا باب ما يجري على الموضع لا على الاسم
قال سيبويه: ولو قلت: ما زيدٌ على قومِنا، ولا عندنا كان نصب ليس غير.
قال أبو العباس: إنما لم يَجُزْ حمل (عِندَ) على (عَلى) لأن (عند) أعَمُّ من (على) و (على) أخصُّ منها، ألا ترى أنها تقع على الجهات الست و (على) لجهة مخصوصة، فلو أدخلت (على) عليها لأخْرَجَتْها من بابها.
قال: لأنه ليس في الكلام، وبِفَوْقِهِ.
قال أبو إسحق: لا يمتنع جرُّه في القياس لأن (فَوْقَ) اسم مُتَمَكِّنٌ ليس مثل (عِندَ).
стр. 103
قال أبو علي: إذا قلت: ما زيدٌ كعَمرو ولا شبيهًا به، فالمعنى أنه ليس مماثلا له ولا مشابهًا، فإذا جرَّ (شبيهًا به) فالمعنى أنه قد أثْبَتَ له شبيهًا وبقى أن يكون مثله.
وقال أبو علي في قوله:
............ وليس كلُّ النَّوى يُلقي المساكينُ
стр. 104
قال سيبويه: فجعلت الذي يعمل فيه الفعل الآخر يلي الأول.
قال: يعني بالذي يعمل فيه الفعل الآخر (كلُّ النَّوى) لأنه معمول يُلْقي ويُعنى بالأول (ليس).
قال: ولو قلت: كان زيدًا الحُمّى تأخذُ، أو تأخذُ الحُمَّى لم يَجزْ.
قال أبو علي: لا يجوز ذلك، لأنك فصَلْتَ بين (كان) واسمها بمعمول معمولها، وهو (زيدٌ) الذي هو مفعول (تأخذُ) الذي هو مفعول (كان) تصحيح المسألة: أن تقول: كان زيدًا الحمّى تأخذُ، فتحذف علامة التأنيث وتُضمر الحديث في كان، وتصير الجملة التي هي (الحمى تأخذ) في موضع نصب، ولو قدَّمت فقلت (كانت تأخذ زيدًا الحمى)
стр. 105
لكان جيدًا، لأنك لم تفصل بين (كان) واسمها بمعمول معمولها، إنما قدمت الخبر على الاسم فصار بمنزلة كان منطلقًا زيد، ولو قلت (كانت زيدًا الحمى تأخذُ)، فجَعَلت علامة التأنيث في الفعل لغير الحمى لكان حَسَنًا، ومثله قوله (فإنها لا تعمى الأبصار)، فالها ضمير القصة وكذلك تجعل (كانت) فاعلة القصة ولا تجعلها للحشو.
قال سيبويه: وقال بعضهم: كان أنتَ خيرٌ منه.
قال أبو علي: تَعْلمُ من هذا ضرورة أنّ في (كان) ضميرًا، ولولا ذلك لا تصل بها الضمير، وكانت تاءً لم تنفصل.
قال: ولا يجوز أن يقول: ما زيدًا عبدُ الله ضاربًا.
стр. 106
قال أبو علي: يريد: من قال: ليس زيدًا عبد الله ضاربًا على أن يُضمر في ليس القِصة والحديث، لم يقول في (ما) الحجازية: ما زيدًا عبد الله ضاربًا، وإن كانت مثل (ليس) في أنها تنصب وترفع لأن الضمير الذي يكون في ليس وأخواتها، ويقدر فيه لا يسوغ في (ما) ألا ترى أنه لا يجوز (زيدٌ ما منطلقًا) فإذا لم يجز الإضمار فيها كان جاز في (ليس) لم تَجُز هذه المسألة للفصل بينها وبين اسمها بما هو أجنبي منها.
قال: وكان هذا أحسن من التقديم.
قال أبو علي: يريد أن إضمار الهاء في (عارِفٌ) ورفع (كلّ)
стр. 107
على أنه اسم مبتدأ أحسن من نَصْب (كل) وتقدير التقديم والتأخير، لأنه إذا نَصَبَ قَدَّر كلاًّ مؤخرًا، وجعل (ما) تميميّة.
стр. 108
هذا باب ما يَعمل عمل الفعل ولم يَجْرِ مُجرى الفعل ولم يتمكّن تمكُّنَه
قال: وذلك قولك: ما أحْسَنَ زيدًا.
قال أبو علي: (ما) اسم مبتدأ، وأحسن خبرُه، وموضعُ (ما) رفع بالابتداء، وفي (أحسن) ضمير (ما) فزيدٌ منتصب بأحسن وتقديره: رجل ضَرَب عَمْرًا.
وإنما كانت (ما) اسمًا بلا صلة، لأنها إنما تُوصل حيث يراد بها التَّخصيصُ والإشارة إلى واحد بعينه، فأما إذا أُريد بها الإبهامُ لم توصل، كما لم توصل في الاستفهام والجزاء لَمّا لم ترد بالموضعين التَّخصيص كذلك المُتعجَّبُ منه مُبهمٌ غير مخصصٍ، وكذلك كان حكمه أن يكون، لأنها لو وصلت وحُصِرت بالصلة لصار معروفًا، وخرج أن يكون متعجبًا منه، فحكم التعجُّب أن يكون مبهمًا، لأنه إذا خُصِّص فعرف لم يكن تَعجُّبًا، فإبهامه أفخم له من تخصيصه، فكما لم يوصل في
стр. 109
الاستفهام والجزاء كذلك لم توصل هاهُنا، وقد جاءت (ما) غير موصوله في غير الجزاء والاستفهام، وذلك إذا كانت نكرةً كالتي في قوله : (بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا)، فما هذه عندهم نكرة يقدرونها: بئس شيئًا اشتروا به أنفسهم كُفْرُهم كما يقدرون: ما أحسن زيدًا شيءٌ أحسن زيدًا، وموضع (ما) نصب في الآية، فأما قوله: (اشتروا به)، فصِفةٌ له غير صلة.
قال أبو علي: الأفعال التي لا تتعدى إلى مفعول إذا نُقلت بالهمزة تعدت إلى مفعول، والمتعديةُ إلى مفعول إذا نقلت بها تعدَّتْ إلى اثنين، فيقول القائلُ: هلاّ تعدت الأفعالُ المتعدية إلى مفعول في التعجب إذا نُقلت بالهمزة إلى مفعولين كما تعدت في غير التعجب؟ فقيل على هذا:
ما أضْرَبَ عَمرًا بَشَرًا، كما تقول: ضربتُ عمرًا بشرًا؟ فالجواب: إن الأفعال المتعدية تساوي الأفعال غير المتعدية في التعجب، وذلك أن الفعل ليس يقع في هذا الباب حتى يكثر من فاعله، فيصير لذلك بمنزلة
стр. 110
ما كان غريزة، وهذا الضّرب من الأفعال هو غير متعدٍّ فالنقل يقع في التعجب في الأفعال كلهما مما لا يتعدى إلى مفعول لما ذكرنا.
والأفعال غير المتعدية إذا نُقلت بالهمزة تعدت إلى مفعول واحد، فَضَرَب وما أشبهه في باب التعجب غير متعدٍّ؛ فإذا نُقل بالهمزة تعدى إلى مفعول واحد، فإذا تعدى إلى مفعول واحد وأُريد تعديته إلى مفعول ثان عُدِّيَ بحرف الخفض، كما أن الذي لا يتعدى إلى مفعول واحد إذا أريد تعديه عدي بحرف خفض فنقول على هذا إذا أردت تعديته إلى مفعول ثان (ما أضْرَبَ زيدًا لِعَمرو) ولا يجوز (ما أضرب زيدًا عَمْرًا) لما ذكرنا كما لا يجوز (أكْرَمْتُ زيدًا عَمْرًا) ليساوي (ضَرَبَ) في هذا الباب (كَرُمَ) وكذلك سائر الأفعال المتعدية إلى مفعولٍ، تساوي في نقلك إيّاه بالهمزة ما لا يتعدى إلى مفعول.
следующие страницы →