لا يعلم، وإن كان عالمًا بحاله عذر لأن العلم بطرق مسائل الخلاف خفي لا يعلمه إلا أهل العلم فعذر بذلك.
صلاة المنفرد إذا أخل بشرط يسوغ فيه الاجتهاد من غير تأويل ولا تقليد:
٢٧ - المسألة: فإن صلى منفردًا وأخل بشرط من شرائط الصلاة من غير تأويل ولا تقليد وكان ذلك الشرط مما يسوغ فيه الاجتهاد … فظاهر كلامه أن صلاته تبطل. قال في رواية الميموني: إذا صلى وقد مس فرجه من غير تأويل تأمره بالإعادة؟ قال: نعم. قيل له: فإن طالت الأيام؟ قال يعيد على القرب اليوم واليومين .. فأما إذا طال ذلك فلا .. وظاهر هذا أنه لا تجب الاعادة لأنه أسقطها إذا كثرت ويتخرج فيه ما ذكرنا إذا ائتم بغيره فيكون على روايتين:
إحداهما: البطلان، لأن فرضه التقليد وقد أخل بفرضه.
والثانية: الصحة، لأن طرق المسائل خفية فعذر في ذلك.
السجود على كور العمامة:
٢٨ - المسألة: واختلفت في السجود على كور العامة.
فنقل أبو داود: إذا سجد عليها لم يعد، وظاهر هذا الإجزاء، هو اختيار أبي بكر لأنه عضو من أعضاء السجود فجاز السجود على حائل دونه، دليله القدمان.
ونقل أبو طالب: لا يسجد على كور العامة، ويمكن أن يحمل على طريق الاختيار والاستحباب.
جلسة الاستراحة:
٢٩ - مسألة: واختلفت في جلسة الاستراحة.
فنقل أبو طالب وغيره: لا يجلس، ويقوم على صدور قدميه، وهو اختيار الخرقي، وهو أصح، لأنه أشق على المصلي، والفضيلة تحصل بحسب المشقة بدليل طول القيام.
стр. 107
ونقل عبد الله والمروذي يجلس على إليته، وهو اختيار أبي بكر الخلال وأبي بكر عبد العزيز. قال أبو بكر الخلال: رجع أبو عبد الله عن قوله الأول. ونقل الجماعة أنه يجلس على اليته لما روي عن النبي ﷺ في حديث أبي حميد ومالك بن الحويرث أنه كان يجلس على اليته إذا رفع من السجدة الثانية في الركعة الأولى والثالثة (١).
صلاة من ترك التسبيح ساهيًا:
٣٠ - مسألة: واختلفت فيمن ترك التسبيح في الركوع والسجود ساهيًا فنقل أبو الحارث: الصلاة صحيحة، وهو اختيار الخرقي، لأن هذا الركن قربة في نفسه فصح بغير ذكر.
ونقل حنبل صلاته باطلة نص على ذلك في المنفرد إذا ترك بعض التكبير ساهيًا قال: يعيد الصلاة، وإن كان مأمومًا لم يعد كذا وجدته في مسائل حنبل لأنه ذكر لا يسقط في الصلاة بالعمد فلم يسقط بالسهو كالقراءة.
موضع التشهد الأول في حق من ادرك مع الامام ركعة من صلاة المغرب:
٣١ - مسألة: واختلفت فيمن أدرك مع الامام ركعة من صلاة المغرب. هل يجلس في الثانية؟ فنقل حرب: لا يجلس في الثانية، ولكن يجلس في الثالثة، لأن ما يقضيه أول صلاته، وليس في الأولى من صلاة المغرب جلوس.
ونقل صالح وابن مشيش: يجلس فيها وفي الثالثة فيجتمع له ثلاث جلسات لأنها وإن كانت اولة في الحكم فهي ثانية في الفعل فلهذا جلس فيها.
стр. 108
موضع التشهد الأول في حق من أدرك مع الإمام ركعة من صلاة رباعية:
٣٢ - مسألة: واختلفت أيضا فيمن أدرك ركعة من صلاة الظهر ثم قام يقضي. هل يجلس عقيب الثانية أم لا؟
فنقل حرب عنه: أنه لا يجلس. ونقل صالح والميموني: أنه يجلس عقيب الثانية. وقد ذكر أبو بكر الروايتين في باب الإمامة، والوجه فيها ما تقدم.
صلاة من ترك الصلاة على النبي ﷺ -:
٣٣ - مسألة: واختلفت إذا ترك الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الاخير فنقل أبو زرعة الدمشقي عنه أنه قال: كنت أتهيب ذلك ثم تبينت فإذا الصلاة على النبي ﷺ أمر فمن تركها في الصلاة اعاد الصلاة. لأن الصلاة عبادة يفتقر صحتها إلى ذكر الله ، فافتقرت إلى ذكر النبي ﷺ كالأذان.
ونقل المروذي عنه وقد حكى له قول ابن راهوية فيمن ترك الصلاة على النبي ﷺ يعيد؟ فقال لا أتجرأ أن أقول هذا. وظاهر هذا أن الصلاة لا تبطل بتركها عمدا أو سهوا (١). لأنه تشهد في الصلاة فلم تجب فيه الصلاة على النبي ﷺ كالتشهد الأول، ولأنه ذكر يفعل بعد التشهد وقبل السلام فلم يكن واجبًا كالاستعاذة من أربع. وقال الخرقي: إن تركها عامدًا بطلت صلاته، وإن تركها ساهيًا فالصلاة صحيحة اعتبارًا بالتشهد الأول والتسبيح في الركوع والسجود والتكبير غير تكبيرة الإحرام.
صفة الصلاة على النبي ﷺ :
٣٤ - مسألة: واختلفت في صفة الصلاة على النبي ﷺ ، فنقل عبد الله: يقول: اللهم صل (على) محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وهو اختيار الخرقي ﵀.
ونقل المروذي: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم
стр. 109
وآل إبراهيم. قال أبو بكر الخلال: لم يضبط المروذي عن أبي عبد الله كيف حكا الصلاة على النبي ﷺ .
والوجه في ذلك: أن كليهما مروي عن النبي ﷺ . فمن أثبت الصلاة على: إبراهيم قال هو زائد (١)، فكان الأخذ به أولى، ومن حذف ذكر إبراهيم قال: لأن الرواية المشهورة بحذفه (٢).
حكم التسليمة الثانية في الصلاة:
٣٥ - مسألة: واختلفت في التسليمة الثانية هل هي واجبة؟
فنقل هارون بن يعقوب الهاشمي وغيره أنها واجبه، لأنها إحدى التسليمتين فشابهت الأولى.
ونقل أبو زرعة: أنها غير واجبة، لأن النبي ﷺ كان يسلم بتسليمة واحدة (٣) ولأنها صلاة فجاز أن يخرج منها بتسليمة كالجنازة والنوافل فإن الرواية لا تختلف في ذلك انه يخرج منها بتسليمة واحدة.
المقصود بالسلام في التسليمة الثانية:
٣٦ - مسألة: لا يختلف أصحابنا في التسليمة الأولى أنه ينوي بها الخروج من الصلاة لا غيره، واختلفوا في الثانية فقال شيخنا أبو عبد الله: هي كالأولى
стр. 110
وهو ظاهر كلام أحمد ﵀ في رواية أحمد بن الحسين فقال: ينوي بالسلام الخروج من الصلاة، فإن نوى على الملكين ومن خلفه فلا بأس، وإن كان منفردًا نوى بالثانية الحفظة، وكذلك نقل علي بن سعيد عنه إنما يخرج به من الصلاة.
وقال أبو حفص العكبري: إن كان مأمومًا نوى بالثانية الرد على الإمام والحفظة والخروج من الصلاة وظاهر كلامه في التسليمتين (١) جميعًا. ولعل أبا حفص اختار رواية أبي زرعة، وإنه يخرج من الصلاة بالتسليمة الأولى وتكون الثانية مستحبة، واستحب أن ينوي به بالسلام على الحفظة. والرد على الإمام روى سمرة قال: أمرنا رسول الله ﷺ ان نسلم على إمامنا، وأن يسلم بعضنا على بعض (٢). وروى عروة بن الزبير أن رسول الله ﷺ قال: لا تسبقوا قارئكم بالركوع والسجود ولكنه يسبقكم، فإذا كان التسليم فسلموا على نبيكم وسلموا على قرائكم، وسلموا على انفسكم إذا انصرفتم (٣).
وعن أبي هريرة: كان إذا سلم الإمام قال: السلام عليك أيها القارئ (٤).
وعن ابن عمر ﵁ كان إذا سلم الإم كان إذا سلم الإمام رد عليه (٥). والدلالة على أنه لا يزيد في ذلك على نية الخروج أن الصحيح من المذهب ان الثانية يخرج بها من الصلاة كالأولى ثم لا يستحب ذلك في الأولى كذلك الثانية. ولأنه
стр. 111
قبل أن يكمل السلام هو في صلاة فإذا نوى بذلك هو في صلاة فإذا نوى بذلك السلام على الحفظة والإمام فقد قصد خطاب آدمي في الصلاة فكره.
ما يقنت فيه من الصلوات عند النوازل:
٣٧ - مسألة: واختلفت إذا نزل بالمسلمين نازلة هل يقنت الإمام في جميع الصلوات المفروضات؟
فنقل عبد الله: لا يقنت إلا في الفجر، لأن النبي ﷺ قنت فيها (١)، ولم يقنت في غيرها من الصلوات.
ونقل المروذي: يقنت في الفجر والمغرب، وهو اختيار أبي بكر، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قنت في الفجر والمغرب (٢).
تقديم الصلاة الحاضرة على الفائتة عند ضيق وقت الحاضرة:
٣٨ - مسألة: واختلفت في الترتيب في قضاء الفوائت هل يسقط مع ضيق الوقت؟ فنقل صالح والأثرم وإبراهيم بن الحارث وأبو داود أنه يسقط، وهو اختيار الخرقي، وهو أصح لأن فوات إحدى الصلاتين وفعل الأخرى في وقتها أولى من فواتها.
ونقل الحسن بن ثواب ان الترتيب لا يسقط، وهو اختيار أبي بكر الخلال، لانه ترتيب لا يسقط مع سعة الوقت، فلم يسقط مع ضيقه دليله ترتيب
стр. 112
الركوع على السجود، وعندي أن المسألة رواية واحدة، وأنه يسقط، لأنه قال في رواية مهنا في رجل نسي صلاة فذكرها عند حضور صلاة الجمعة يبدأ بالجمعة هذه يخاف فوتها فقال له كنت أحفظ عنك أنك تقول إذا صلى وهو ذاكر الصلاة فاتته انه يعيد قال: كنت اقول، فظاهر هذا أنه رجع عن ذلك.
تقديم الجماعة للصلاة الحاضرة على قضاء الفائتة:
٣٩ - مسألة: فإن حضرت صلاة الوقت في جماعة وعليه فائتة والوقت متسع. إلا أنه لا يطمع في جماعة أخرى في آخر الوقت. فهل يقدم صلاة الوقت ويسقط الترتيب أم لا؟
فنقل صالح عنه في الذي يقضي الفائتة فتحضر صلاة مكتوبة ويسمع الإقامة لا يصلي حتى يخاف الفوات لوقت هذه الصلاة. وظاهر هذا أن الترتيب لا يسقط لأن حضور الجماعة ليس بشرط في الصحة، ولترتيب شرط في الصحة فكان تقديمه أولى.
ونقل ابن منصور عنه فيمن يقضي صلوات فائتة فيحضر الصلاة: صلى في الجماعة إذا كان لا يطمع أن يقضي الفوائت كلها إلى آخر وقت هذه الصلاة التي حضرت فإن طمع قضي الفوائت ما لم يخش فوات الوقت. ظاهر هذا أنه اختار تقديم صلاة الوقت في جماعة إذا لم يعلم أن الوقت يتسع لقضاء جميع ما عليه من الفوائت، وهو اختيار أبي حفص لأنه إذا لم يتسع الوقت لجميع ذلك كان فعل البعض في جماعة وبعضه فرادى اولى من فعل جميعه فرادى، وقد نقل أبو داود: إذا كان عليه فوائت فأدركته الظهر يصلي مع الامام ويحسبها من الفوائت فيصلي الظهر في آخر الوقت لا يصلي وعليه فائتة حتى يخشى الفوات، وهذا محمول على أن الفائتة كانت ظهرا فلهذا تبع الإمام فيها لاتفاق النية. (ما يصنع من ذكر صلاة فائتة وهو إمام في صلاة حاضرة). فإن ذكر الفائتة وهو في الصلاة وهو إمام. قال أبو بكر: لم يروها غيرها، وفيها دلالة على بطلان الاستخلاف وعندي ان هذه المسألة مبنية على أنه ذكر والوقت واسع فيكون في حقه نقلًا والمتنقل لا يؤم المفترض على الصحيح من
стр. 113
الروايتين، ولا يجوز له الاستخلاف أيضا على إحدى الروايتين. فلهذا استأنفوا الصلاة. وقوله ينصرف هو معناه أن ينصرف من الإمامة. فأما إن ذكر والوقت ضيق. فإن صلاته صحيحة وإمامته باقية لسقوط الترتيب في هذه الحال، وإذا ذكر في الصلاة وهو مأموم فقال في رواية الأثرم: إذا ذكر وهو في الصلاة فإن كان وحده قطع ثم صلى التي ذكر، وإن كان خلف إمام مضى فيها، ويصلي التي ذكر ثم يعيدها وهذه المسألة أيضًا محمولة على أن المأموم ذكر والوقت واسع فانها تكون نقلًا، ويقضي الفائتة ويصلي صلاة الوقت. فأما إن كان الوقت ضيقًا فإنه يمضي في صلاته، وإنما يختلفان في أنه إذا كان إمامًا وكان الوقت واسعًا لبطلت صلاة المأمومين لما ذكرنا. ويكون ذكره للفائتة مع سعة الوقت كذكره لحدث في الصلاة أن صلاتهم تبطل. (تذكر المنفرد لصلاة فائتة أثناء التلبس بصلاة حاضرة) وأما إن ذكر وهو منفرد فقال في رواية الأثرم والحسين بن حسان ويوسف بن موسى يقطع الصلاة. وقال في رواية حنبل يمضي فيها وتكون نفلًا، وعندي أن قوله يقطعها معناه يقطعها عن نية الفرض لا أنه يبطلها من أصلها كما قلنا في الإمام والمأموم. وقد روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع إمام فليصل مع الامام فإذا فرغ من صلاته قضى المذكورة وليعد التي صلى مع الإمام. (١)
فقد حكم النبي ﷺ بصحة الصلاة التي بصحة الصلاة التي هو فيها وجعلها نفلًا. إلا أن أصحابنا ﵃ حملوا الكلام على ظاهره فقال أبو بكر: لا يختلف قوله أنه إذا كان وراء إمام أنه يمضي، واختلف إذا كان منفردًا فروى عنه يقطع الصلاة وروى عنه يمضي فيها وهو أصح.
стр. 114
الترتيب بين الفوائت إذا نسي المتقدم منها:
٤٠ - مسألة: فإن كان عليه صلاتان فائتتان من يومين لا يعلم السابق منها فنقل الأثرم عنه: إذا نسي الصهر والعصر من يومين لا يدري أيهما قبل الأخرى عمل على أكثر ظنه وقضى.
ظاهر هذا أنه يتحرى في الأولى منها. ونقل مهنا عنه يصلي وينوي أنها الظهر ثم يصلي وينوي أنها العصر.
وجه الأول: أن هذا اشتباه في صفة الأداء فهو كاشتباه القبلة وعدد الركعات فإنه يتحرى في ذلك كذلك ههنا، ولأنا إذا جعلنا الظهر أولته احتمل أن تكون العصر هي الفائتة أولا فاحتاج إلى التحري.
وجه الثاني: أن التحري إنما يكون إذا كان هناك إمارة تدل على الحكم وليس ههنا إمارة تدل على الأولى فوجب أن يرجح في ذلك إلى ترتيب الشرع فيقدم الظهر على العصر، فهو كما لو نسي صلاة من يوم فقضي صلاة يوم مر مرتبًا، ويفارق هذا عدد الركعات لأنه يبني على غالب ظنه، ويرجع إلى قول المأمومين ويفارق القبلة. لأن عليها إمارة ظاهرة.
بطلان الصلاة بمرور المرأة والحمار الأهلي بين يدي المصلي:
٤١ - مسألة: واختلفت في المرأة والحمار الأهلي هل يقطعان الصلاة؟
فنقل ابن منصور: يقطعان الصلاة لقول النبي ﷺ : "ثلاث يقطعن الصلاة: المرأة، والحمار، والكلب الأسود" (١).
стр. 115
ونقل حبيش بن سندي وأبو طالب وصالح لا يقطعان الصلاة، لأن المرأة آدمية فلا تقطع الصلاة كالرجال، ولأن الحمار بهيمة ينتفع بظهره كالبغل.
حد عورة الرجل:
٤٢ - مسألة: واختلفت في حد عورة الرجل فنقل المروذي وعبد الله وأحمد بن هشام: حدها من السرة إلى الركبة لقول النبي ﷺ لعلي كرم لعلي كرم الله وجهه: غط فخذك فإن الفخذ عورة (١).
ونقل مهنا: حدها القبل والدبر، لأن النبي ﷺ كشف فخذه بحضرة أبي بكر وعمر وغطاه بحضرة عثمان (٢)، والأول أصح.
حد عورة أم الولد:
٤٣ - مسألة: واختلفت في حد عورة أم الولد فنقل الأثرم: أنها كالحرة فقال تغطي شعرها وقدميها. وكذلك نقل أبو طالب عنه أنه قال: هي في جميع أحوالها أمه في الحد والجناية، وإن ماتت فالها لسيدها. فقيل له: في القناع في الصلاة فقال: يحتاط لها لأنها لا تباع فهي بالحرة.
ونقل عنه: أن عورتها عورة الأمة القن وهو اختيار الخرقي. لأن حكمها حكم الإماء في جميع أمورها إلا في العقد على رقبتها.
стр. 116
سقوط القيام في الصلاة عمن صلى عريانًا:
٤٤ - مسألة: لا تختلف الرواية أن العراة إذا صلوا جماعة أن المستحب أن يصلوا جلوسا فإن صلوا متفرقين بحيث لا يشاهد بعضهم بعضًا فهل يكره أن يصلوا قيامًا؟ فنقل الأثرم: إذا توارى بعضهم عن بعض فلا بأس أن يصلوا قيامًا. وقال في رواية أبي طالب في القوم إذا كانوا عراة: لا يصلون قيامًا إذا ركعوا أو سجدوا بدت عوراتهم، فجعل العلة ظهور العورة. وهذا موجود في الخلوة وهو الصحيح، لان الستر في الصلاة حق الله، ولهذا لو صلى وحده ويجد الستارة عريانًا لم تصح صلاته.
سقوط السجود في الصلاة عمن صلى عريانًا:
٤٥ - مسألة: واختلفت في العريان إذا صلى جالسًا هل يومئ في سجوده أم يسجد بالأرض؟ فنقل إبراهيم الحربي يومئ، وهو اختيار الخرقي، وهو أصح لأنه إذا سجد بالأرض بدت عورته فإذا أومأ لم تبد. فلهذا قلنا: يصلي جالسًا حتى لا تبدو عورته.
ونقل المروذي: يسجد بالأرض، وهذا محمول على أنه يلصق بطنه بالأرض بحيث لا تبدو عورته، ولأن السجود أكد من القيام بدليل أنه يسقط القيام لعدم الستارة ولا يسقط السجود.
السجود على الماء:
٤٦ - مسألة: واختلفت فيمن كان في ماء هل يومئ في سجوده أو يسجد على متن الماء؟
فنقل المروذي روايتين: إحداها: يومئ لأن الماء ليس بقرار فهو كما لو صلى على الراحلة فإنه يومئ، والثانية: يسجد على متن الماء. وعندي أنه لم يرد وجوب السجود على نفس الماء لأن الماء ليس بقرار، لكن يومئ بحسب ما يقدر عليه من القرب إلى الأرض وإن غاص وجهه في الماء.
стр. 117
الكلام العمد في الصلاة لمصلحتها:
٤٧ - مسألة: مسألة واختلفت في الكلام عامدًا في الصلاة لمصلحتها. فنقل حرب وحنبل: يبطلها، وهو أصح، لأنه تكلم في صلاته عامدًا فأبطلها كما لو كان مأمومًا. ونقل صالح إن كان إمامًا لم تبطل صلاته، وإن كان مأمومًا بطلت وكذلك نقل المروذي، وهو اختيار الخرقي لأن النبي ﷺ تكلم في الصلاة وبنى عليها (١).
قال أبو حفص الكعبري: ونقل أبو طالب الصلاة صحيحة في حق الإمام والمأموم، لأنه يقصد به تنبيه الإمام لمصلحة الصلاة فهو كالتسبيح.
الكلام في الصلاة لغير مصلحتها سهوًا:
٤٨ - مسألة: واختلفت في الكلام ساهيًا لغير مصلحة هل تبطل صلاته؟.
فنقل المروذي وإسحاق بن إبراهيم والمشكاتي ومحمد بن الحكم إبطال الصلاة وهو أصح لأنه ليس من جنس ما هو مشروع في الصلاة فأبطلها سهوه كالحدث.
ونقل يوسف بن موسى وأبو الحارث: صحة الصلاة، لأنه خطاب آدمي على وجه السهو، فلم تبطل الصلاة كما لو سلم من ركعتين ساهيًا.
الإتيان قبل السلام بذكر مشروعيته بعد السلام
٤٩ - مسألة: واختلفت إذا قال في صلاته قبل السلام اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام. هل تبطل صلاته؟
стр. 118
فنقل أبو طالب: لا بأس بذلك لأن ذلك ثناء على الله وتعظيم له فهو كالتشهد وكالتسبيح.
ونقل جعفر بن محمد: ليس ذلك من شأن الصلاة، ويستأنف الصلاة، لأن هذا الدعاء لم يرو أنه سنة قبل السلام فصار كقوله: اللهم ارزقني دارًا فورًا، وجارية بيضاء، وسكباجًا طيبًا، وخبيصًا رطبًا.
بطلان الصلاة بالنفخ فيها:
٥٠ - مسألة: إذا نفخ في صلاته فنقل عبد الله والمشكاتي: هو كلام، وأخشى أن يكون قد فسدت صلاته.
ونقل صالح: لا أقول: يقطع صلاته، لأنه ليس بكلام فيمكن أن تحمل المسألة على اختلاف حالين فيقال الموضع الذي قال تفسد صلاته إذا كان حرفين والموضع الذي قال لا تبطل صلاته إذا كان حرفًا واحدًا.
بطلان الصلاة بسبق الحدث فيها:
٥١ - مسألة: واختلفت فيمن سبقه الحدث في الصلاة هل تبطل صلاته أم يبني على ما مضى؟
فنقل صالح واسحق بن إبراهيم: تبطل صلاته، وهو أصح لأنه حدث يمنع استفتاح الصلاة فمنع استدامتها كالحدث المتعمد (١).
ونقل حنبل: إنه يبني على صلاته ما لم يحدث (باختياره) لأنه حدث بغير اختياره فلم تبطل الصلاة كسلس البول ودم الاستحاضة. ونقل الفضل بن زياد أن الذي يقطع الصلاة ما خرج من قبل أو دبر فأما الرعاف فإنه يبني القياس يقتضي بطلان صلاته أيضًا بهذا الحدث، لكن تركناه لما روي عن النبي
стр. 119
ﷺ أنه قال: من قاء أو رعف فليتوضأ وليبن علي ما مضى من صلاته (١). فأمره بالبناء في هذا الحديث.
صلاة المأمومين إذا علم الإمام أثناء الصلاة أنه محدث:
٥٢ - مسألة: واختلفت إذا ذكر الإمام أنه محدث في أثناء الصلاة هل تبطل صلاة من خلفه؟
فنقل الجماعة منهم: إسحق بن إبراهيم وصالح: إن صلاتهم تبطل، وهو أصح لأنه ائتم بمن لم تنعقد له صلاة فلم تصح إمامته. دليله لو كان عالما بحدثه، وكما لو ائتم بكافر.
ونقل العباس والخلال في رجلين أم أحدهما صاحبه ثم ذكر أنه على غير وضوء: أتم الذي معه صلاته، لأنه غير عالم بحدث الإمام فلم تبطل صلاته كما لو ذكر بعد الفراغ من الصلاة أنه كان محدثًا فإنه لا تبطل صلاة المأمومين رواية واحدة كذلك إذا ذكر في الصلاة.
стр. 120
الاستخلاف بعد سبق الحدث:
٥٣ - مسألة: واختلفت في جواز الاستخلاف فنقل صالح ومهنا: إذا أحدث استخلف. ونقل أحمد بن سعيد: إذا أحدث استقبلوا الصلاة ولم يستخلف. كنت أذهب إلى الإستخلاف وعندي أن هذا الاختلاف مبني على بطلان الصلاة فإن قلنا: إن صلاته قد بطلت بالحدث لم يستخلف، لأن صلاتهم قد بطلت أيضًا، وإن قلنا: إن صلاته لم تبطل بل يبني عليها فإنه يستخلف. وقد اختلفت الرواية هل تبطل صلاتهم إذا سبقه الحدث؟.
فنقل صالح ومهنا: يستخلف، وهذا يدل على أن صلاتهم لم تبطل، لأن الإمام ممنوع من الصلاة لأجل الحدث، فلم تبطل كذلك (١) صلاة المأمومين، كما لو ذكر أنه محدث بعد الفراغ من الصلاة. وقد روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم فرعف أو قاء فليضع يده على أنفه وينظر رجلًا من القوم لم يسبق بشيء من الصلاة فيقدمه (٢) ". وهذا يدل على صحة صلاتهم.
ونقل علي بن سعيد، أنهم يعيدون الصلاة لأنه ائتم بمن لا تصح صلاته فبطلت صلاته، دليله إذا ترك القراءة ناسيًا أو ذكر الحدث في صلاته أن صلاتهم تبطل كذلك ههنا. وقد نقل ابن منصور: إذا قهقه الإمام في صلاته يعيد ويبنون على صلاتهم وظاهر هذا أن صلاتهم لم تبطل.
ويتخرج في ذلك روايتان كالحدث إذا لحقه في الصلاة، ونقل ابن مشيش وابن أصرم المزني: إذا لم يقرأ يعيد ويعيدون، فخرج من هذا أن كل موضع بطلت صلاة الإمام هل تبطل صلاة المأموم؟ على روايتين، إلا في موضع، وهو إذا ذكر الحدث بعد الفراغ من الصلاة فإن صلاتهم لا تبطل رواية واحدة استحسانًا لأجل السنة (٣).
стр. 121
بناء المستخلف إذا كان مسبوقًا على صلاة الإمام.
٥٤ - مسألة: واختلفت إذا كان المستخلف مسبوقًا هل يبتدئ الصلاة أم يبني، وإنما تصح المسألة إذا كان خروجه بعذر أو بحدث لحقه، وقلنا: إن طريان الحدث لا يبطل صلاته وصلاتهم فنقل إسحق بن هانئ إذا استخلف رجلًا قد فاتته ركعة إن شاء استأنف وإن شاء بنى على الصلاة الأولى، فإذا أراد أن يسلم يقدم رجلا فيسلم بهم ويتم هو صلاته، ونقل صالح: يبني وهو أصح لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا (١).
والذي أدركه هو بقية صلاة الإمام، فيجب أن يصليه ثم يقضي بعد ذلك، ولأنه قائم مقام الأول.
الأكل والشرب اليسيران في صلاة التطوع:
٥٥ - مسألة: واختلفت فيمن أكل أو شرب في صلاة التطوع، فنقل حرب وحنبل: الصلاة صحيحة، لأنه عمل يسير أشبه المشي اليسير.
ونقل صالح وأبو داود: الصلاة باطلة لأنه يبطل الصوم فأبطل الصلاة كا الجماع.
سؤال الرحمة والتعوذ من العذاب في الصلاة عند مرورهما في القراءة:
٥٥ - مسألة: واختلفت إذا كان في صلاة فريضة فمرت به آية رحمة هل يسألها أو آية عذاب هل يستعيذ بالله منه؟
فنقل حرب عنه: لا يعجبني ذلك في المكتوبة، لأن زمان الوقوف ليس
стр. 122
بموطن للدعاء، فيأتي بالدعاء في غير محله، ولا يقطع نظم القراءة ولأنه يترك القراءة ويأتي بغيرها.
ونقل الفضل بن زياد أن ذلك في التطوع، قيل له: ويدعو بمثل ذلك في الفرض؟ قال: نعم، لأن النبي ﷺ كان يفعله فروى حذيفة قال: صليت خلف رسول الله ﷺ فما مر بآية رحمة إلا سألها ولا بآية عذاب إلا استعاذ منها ثم قرأ سورة آل عمران وسورة النساء مثل ذلك فهممت بأمر سوء. فقيل له: ما هو؟ قال: أردت أن أقطع الصلاة. (١)
ولم ينقل أنه كان يخص ذلك بصلاة النفل.
مصافة المرأة:
٥٦ - مسألة: واختلف أصحابنا إذا صلت المرأة إلى جنب الرجل هل تبطل صلاته؟
فقد توقف أحمد في ذلك، وقال أبو بكر الخلال: لا تبطل صلاته لأنه لو تقدمها الرجل في الموقف لم تبطل صلاته فإذا ساواها فيه لم تبطل صلاته. دليله لو وقف إلى جنب عبد أو صبي، وقال أبو بكر وصاحبه في كتاب الخلاف: تبطل صلاته، لأنه خالف مسنون الموقف فهو كما لو وقف فذًا خلف الصف.
عدد سجدات القرآن:
٥٧ - مسألة: واختلفت في عدد سجود القرآن، فنقل صالح وعبد الله والأثرم والفضل بن زياد أنها خمسة عشر.
стр. 123
ونقل المروذي وحرب: أنها أربعة عشر، وهو اختيار الخرقي، وهو أصح، والخلاف في سجدة (ص).
فإن قلنا: إنها من عزائم السجود فوجهه أن من يقول: إنها سجدة شكر يعلقها بالتلاوة، وكل سجدة تعلقت بالتلاوة فإنها من سجدات التلاوة. دليله سائر سجدات القرآن.
وإن قلنا ليست من عزائمه فوجهه ما روى أبو سعيد الخدري، قال: قرأ رسول الله ﷺ سجدة (ص) على المنبر فنزل فسجد وسجد الناس ثم قرأها ثانية فتهيأ الناس للسجود، فنزل فسجد وسجد الناس معه، ثم قال: لم أرد أن أسجد لأنها توبة نبي، فلما رأيتكم قد تشرفتم سجدت (١).
متابعة المصلي لمن يقرأ خارج الصلاة في سجود التلاوة:
٥٨ - مسألة: واختلفت إذا سمع السجدة من القارئ وهو في الصلاة هل يجوز له أن يسجد؟ فنقل يوسف بن موسى وأحمد بن الحسين: إذا سمع السجدة وهو في صلاة فأحب إلي أن يسجد، ولو كان في غير صلاة فليس عليه. فظاهر هذا أنه قد استحب له ذلك، لأنه قاصد إلى الاستماع، فأشبه لو سمعها من إمامه أو سمعها وهو خارج الصلاة. ونقل محمد بن الحكم: إذا سمع السجدة فلا يسجد أخشى أن تفسد صلاته عليه، وكذلك روى عبد الله قال: لا يدخل في صلاته ما ليس معها، وهو اختيار أبي بكر، وهذا أصح، لأن سبب السجود هو التلاوة، ولم يوجد ذلك السبب في الصلاة فلم يجز السجود، أصله سجود الشكر.
стр. 124
السلام من سجود التلاوة:
٥٩ - مسألة: واختلفت هل يجب السلام في سجود التلاوة؟ فنقل عبد الله: إذا رفع رأسه من السجود فإن شاء سلم فإن لم يفعل فلا بأس، وكذلك نقل الكوسج قال. يكبر إذا سجد، وأما السلام فما أدري ما هو؟ وكذلك نقل بشر بن موسى، وقد سأله عن الرجل يسجد للتلاوة هل يسلم إذا رفع رأسه، فقال: روي عن بعضهم أنه كان يسلم، ولا بأس به وإن لم يسلم، وذلك لأن هذا السلام يفعل في حال الجلوس فلو كان مسنونًا لكان فيه تشهد. ألا ترى أن الفرائض والنوافل لما كان فيها سلام كان فيها تشهد، ولما لم يكن فيها تشهد لم يكن فيها سلام؟ ونقل الأثرم أنه يسلم ولا يتشهد، وهو اختيار الخرقي، لأنها صلاة لها تحريم، فكان لها تحليل دليله صلاة النافلة.
بناء الإمام على غالب ظنه إذا شك في عدد الركعات
٦٠ - مسألة: واختلفت في الإمام إذا شك في صلاته هل يبني على اليقين أم على غالب ظنه؟ فنقل ابن القاسم عنه: أنه قال: لا آخذ بالتحري، وكذلك نقل أبو داود عنه: لا أذهب إلى التحري، ويبني على الأقل، وهو اختيار أبي بكر لأنه مصل شك في عدد الركعات فيجب أن يبني على اليقين كالمنفرد فإنه لا يختلف المذهب أنه يبني على اليقين كذلك الإمام، ونقل أبو طالب: يتحرى فإن قاموا قام وإن سبحوا به تحرى. وهو اختيار الخرقي لأن الإمام معه إمارة ظاهرة على السهو وهم المأمومون. فجاز التحري والرجوع إلى تلك الإمارة كالتحري في القبلة لما كان عليها إمارة ظاهرة على إصابتها تحرى فيها، ويفارق هذا المنفرد لأنه ليس معه إمارة تدل على سهوه فلهذا بنى على اليقين.
ما يفعل من نسي أربع سجدات من أربع ركعات:
٦١ - مسألة: واختلفت فيمن نسي أربع سجدات من أربع ركعات.
فنقل بكر بن محمد: أنه يستأنف الصلاة لأنه يحتاج أن يلغي عملًا كثيرًا في الصلاة، فيجب أن تبطل صلاته.
стр. 125
ونقل علي بن سعيد والأثرم الصلاة صحيحة، ويسجد في الحال سجدة فيأتي بثلاث ركعات، لأنه زاد في الصلاة ما هو من جنسها سهوًا، فيجب ألا يبطلها كما لو ترك سجدة.
تكرار السجود للسهو بتكرار السهو:
٦٢ - مسألة: واختلف أصحابنا إذا سها في صلاته سهوين أو أكثر من جنسين مثل أن كان بعضه من نقصان وبعضه من زيادة هل يسجد لكل سهو سجدتين؟ فذكر أبو بكر وجهين: أحدهما أنه يجزئ فيه سجدتان، وهو المنصوص في رواية صالح وابن منصور، لأنه لو كان لكل سهو سجدتان لأتي بها عقب كل سهو كسجود التلاوة، فلما ثبت أنه لا يأتى بها عقب السهو ثبت أنه أخره ليجبر به كل سهو في الصلاة والوجه الثاني: لكل سهو سجدتان، لأن الصلاة عبادة يدخلها الجبران فلم تتداخل كالحج.
سجود السهو للزيادة التي لا يبطل عمدها الصلاة:
٦٣ - مسألة: واختلفت فيمن زاد في صلاته على وجه السهو زيادة لا يبطل الصلاة عمدها مثل أن قرأ في الأخريين من الظهر والعصر والعشاء، والركعة الأخيرة من المغرب بسورة مع الفاتحة أو صلى على النبي ﷺ في التشهد الأول أو دعا بشيء يدعو به في التشهد الأخير أو قرأ في موضع تشهده أو موضع ركوعه وسجوده أو تشهد في موضع قيامه ونحو ذلك.
فنقل أبو الصقر وقد سأله عن الرجل يتشهد في قيامه ناسيًا أو قرأ بأم الكتاب في جلوسه للتشهد هل يسجد للسهو؟ فقال: إنما يسجد من سلم من السجدتين أو قعد في الثالثة أو أراد أن يقعد فقام، وظاهر هذا أنه لم ير في ذلك سجود السهو.
وقال أيضًا: في رواية الميموني وأحمد بن هشام إذا قرأ في الأخيرتين بالحمد وسورة لا يسجد،، لأن هذه الزيادة لا يبطل الصلاة عمدها، فإذا فعلها ناسيًا لم يسجد لها، دليله العمل في الصلاة.
стр. 126
ونقل الجماعة أنه يسجد لذلك قال في رواية صالح فيمن قرأ في جلوسه أو تشهد في مكان القراءة ناسيًا: يسجد للسهو. ونقل إسحاق بن إبراهيم فيمن صلى على النبي ﷺ في التشهد الأول، أو قال في ركوعه سمع الله لمن حمده: يسجد للسهو.
ونقل أبو طالب عنه فيمن سها فقرأ في الأربع بالحمد وسورة: يسجد للسهو لأن هذه زيادة في الصلاة من طريق القول، فيجب أن يسجد لها دليله إذا سلم من ركعتين وإذا تكلم ناسيًا، وقلنا: إن الصلاة لا تبطل.
محل سجود السهو:
٦٤ - مسألة: واختلفت إذا كان سهوه عن زيادة في الصلاة هل يسجد للسهو قبل السلام أم بعده؟
فنقل الحسن بن علي عنه أنه قال: العمل عندنا في سجود السهو على حديث النبي ﷺ قبل السلام في النقصان وبعد السلام في الزيادة، وظاهر هذا أنه يسجد قبل السلام إذا كان عن نقصان فإنه يقع به جبران الصلاة، فكان في أثنائها، وإذا كان عن زيادة فلا يقع به الجبران فكان محله بعد السلام.
ونقل ابن بدينا لولا ما كان عنه يعني النبي ﷺ لكان السجود قبل السلام لأنه من تمام الصلاة، لكن حديث ذي اليدين سلم من ركعتين فسجد بعد السلام (١). وظاهر هذا أن ما عدا ذلك يسجد له قبل السلام، وهو أصح لأن الزيادة في الصلاة نقصان في المعنى بدليل أنها تبطل بذلك كما تبطل بالنقصان ثم ثبت أنه إذا سها عن نقصان سجد قبل السلام كذلك الزيادة.
محل سجود السهو للزيادة:
٦٥ - مسألة: واختلفت إذا صلى خمسا ساهيًا هل يسجد قبل السلام أو بعده؟
стр. 127
نقل حرب وأبو داود: يسجد قبل السلام، وهو أصح، لما بينا أن الزيادة في الصلاة نقصان في المعنى.
ونقل صالح وابن منصور يسجد بعد السلام لما روي أن النبي ﷺ صلى خمسًا فلما انفتل قالوا هل زيد في الصلاة؟ قال: لا. قالوا: صليت خمسًا فسجد سجدتين ثم سلم (١).
اتخاذ المسجد مبيتًا ومقيلًا:
٦٦ - مسألة: اختلفت الرواية عن أحمد هل يكره اتخاذ المسجد مبيتًا ومقيلًا؟
فروى إبراهيم بن هانيء، ويعقوب بن بختان عنه أنه قد رخص في المبيت في المسجد وقال: إن وفدًا قدموا على رسول الله ﷺ فأنزلهم المسجد، وظاهر هذا نفي الكراهة.
ونقل صالح وابن منصور عن أحمد أنه سئل عن النوم في المسجد فقال: إذا كان رجلًا على سفر وما يشبهه. وأما أن يتخذ مقيلًا فلا. ومثل ذلك نقل أبو داود، وظاهر هذا يقضي المنع.
وجه الأولى: وأنه جائز غير مكروه، ما روى ابن عمر قال: كنا على عهد رسول الله ﷺ ننام في المسجد ونقيل فيه ونحن شباب (٢). وفي لفظ آخر قال:
стр. 128
ما كان لي مبيت ولا مأوى على عهد رسول الله ﷺ إلا المسجد (١). وروى طرفة (٢) الغفاري وكان من أصحاب الصفة قال رسول الله ﷺ : إن شئتم نتم عندنا، وإن شئتم انطلقتم إلى المسجد فنمتم فيه فقلنا: بل ننطلق إلى المسجد (٣). ووجه الثانية وإنه مكروه ما روي عن ابن عباس أنه قال: أما أن نجعله مبيتًا ومقيلًا، فلا (٤)، وروي عن مجاهد ان عبد الله كان لا يرى أحدًا ينام في المسجد إلا أخرجه، وفي لفظ آخر: رأيت ابن مسعود يعس المسجد ليلًا فلا يدع سوادًا إلا أخرجه إلا رجلًا يصلى (٥). ومن ينصر هذه الرواية يجيب عما يحتج به القائل الأول بأن ذلك كان في صدر الإسلام، وكان بالمنازل قلة وضيق. فلهذا أنزلهم النبي ﷺ المسجد. وكان يقيل فيها بعض الصحابة ثم اتسع عليهم فزال ذلك بدليل ما رويناه عن ابن عباس وابن مسعود، ولم أجد نصًا صريحًا عن النبي ﷺ بالنهي عن ذلك.
سجود المأمومين للسهو إذا تركه الإمام:
٦٧ - مسألة: واختلفت إذا سها الإمام فلم يسجد هل يسجد المأمومون؟
فنقل المروذي أنهم يسجدون لأن سهو الإمام يدخل به النقص على صلاته وصلاة المأمومين لأن صلاة المأموم تكمل بصلاة الإمام فنقصت بنقصانها، فإذا ترك الإمام إكمال صلاته لزم المأموم إكمال صلاة نفسه كما لو تركا معًا سجدة من نفس الصلاة.
стр. 129
ونقل يوسف بن موسى: لا يسجدون، لأن ذلك إنما يلزمه بحكم سهو الإمام فإذا ترك الإمام السجود لم يتعلق على المأمومين، والأولى أصح.
موضع سجود المسبوق لسهو إمامه:
٦٨ - مسألة: واختلفت في المسبوق إذا سها إمامه ويسجد للسهو فاتبعه في ذلك، فإذا قام فقضى ما فاته هل يعيد سجوده للسهو؟
نقل حنبل: أنه يسجد مع إمامه ويقضي ما فاته ويقضي سهوه، وهو أصح، لأنه قد دخل بذلك نقص على صلاته فعليه (١) جبرانه بالسجود، وقد أتى به في غير موضعه، وإنما أتى به متابعة لإمامه فلزمه أن يأتي بالسجود في موضعه.
ونقل إسحاق بن إبراهيم: يسجد مع الإمام قبل أن يقضي ويقوم فيقضي، ولم يذكر إعادة سجود السهو، لأنه إنما يلحقه السهو بحكم سهو الإمام، وقد سجد مع إمامه فلم يلزمه شيء آخر.
رجوع المسبوق لسجود السهو مع الإمام إذا قام قبل أن يسجد الإمام:
٦٩ - مسألة: فإن قام ولم يعلم بسهو إمامه ثم علم بعد أن اعتدل قائما وأخذ في عمل الأخرى، هل يرجع فيسجد معه أم يمضي؟
فنقل الأثرم، وإبراهيم بن الحارث: إذا استتم قائمًا يسجد بعد ما يقضي. وظاهر هذا انه لا يرجع.
ونقل أبو الحارث: ينحط فيسجد معه ثم يقضي ما فاته. ونقل ابن منصور: إن شاء قعد مع الإمام، وإن شاء مضى في صلاته ثم يسجدها بعد. فظاهر هذا أنه مخير.
وجه الأولى: إن هذا السجود ليس بشرط في صحة الصلاة، فهو كالتشهد الأول إذا سها عنه وذكره بعد القيام فإنه لا يرجع.
ووجه الثانية: أنه سجود يلزم متابعة الإمام فيه أشبه سجود صلب الصلاة.
стр. 130
ووجه الثالثة: أنه قد أخذ شبها من التشهد الأول ومن سجود صلب الصلاة فلهذا كان مخيرًا.
صلاة من ترك سجود السهو:
٧٠ - مسألة: في سجود السهو إذا تركه هل تبطل صلاته أم لا؟
فنقل الأثرم عنه أنه سئل فيمن نسي سجدتي السهو فقال: إن كان من سهو خفيف فأرجو أن لا يكون عليه شيء، قيل له فإن كان فيما سها فيه النبي ﷺ فلم يجب فيه، قال الأثرم وبلغنا أنه كان يستحب أن يعيد. وظاهر هذا أنه يقتضي أنه ما كان يوجبه. ونقل يعقوب بن بختان فيما حكاه شيخنا أنه يرجع ما كان في المسجد، وإن خرج وتكلم أعاد. وظاهر هذا أنه يعيد قال أبو بكر الخلال: اتفقوا عنه أنه يسجد بالقرب. فإن بعد فلا شيء عليه، وما نقله الأثرم أنه إذا لم يسجد يعيد، فيحتمل أن يكون سهوًا ممن حكاه.
وجه من قال يعيد أنه سجود مفعول لتكملة الصلاة فبطلت بتركه دليله سجود صلب الصلاة.
ووجه من قال لا تبطل أنه جبران للعبادة فلم تبطل بتركه دليله الجيران في الحج.
العفو عن يسير بول الخفاش:
٧١ - مسألة واختلفت في يسير بول الخفاش هل يعفى عنه في الثوب والبدن؟
فنقل أبو طالب في الرجل يكون في المسجد فيصيبه بول الخفاش فقال: أرجو أن لا يضر، وإن كان كثيرًا غسل لأنه في المساجد من لدن النبي ﷺ وإلى وقتنا هذا فلولا أنه معفو عنه لما أقره في المساجد، كما عفي عن بول الحمام وروثه.
ونقل إسحق بن إبراهيم عنه أنه سئل عن بول الخفاش فقال: يروى عن الشعبي فيه شيء، والذي أذهب إليه أن ما أكل لحمه فلا بأس ببوله، لأنه بول
стр. 131
ما لا يؤكل لحمه فلا يعف عن شيء منه دليله بول الكلب والخنزير.
العفو عن يسير لعاب الحمار:
٧٢ - مسألة واختلفت أيضًا في يسير لعاب الحمار وعرقه إذا حكمنا بنجاسة عينه.
فنقل عبد الله في لعاب الحمار وعرقه يصيب الثوب فقال: أكرهه، وهو نجس أو رجس لأنه عرق من حيوان حكمنا بنجاسة عينه فلم يعف عن يسيره.
دليله: عرق الكلب والخنزير. ونقل إبراهيم بن عبد الله بن مهران الدينوري في لعاب الحمار والبغل: إن كان كثيرًا لا يعجبني. فظاهر هذا انه عفي عن اليسير لأنه مختلف في تنجيسه فخف حكمه.
العفو عن يسير القيء:
٧٣ - مسألة: واختلفت أيضًا في يسير القيء.
فنقل أبو داود عنه في القلس هو مثل ما خرج من السبيلين. فظاهر هذا يسيره كيسير البول. لأن ما ينافيه كثير القيء ينافيه يسيره. دليله الصيام. ونقل الميموني في القلس إذا ملأ الفم شبهه بالدم. لأنه خارج من غير السبيل فعفي عن يسيره دليله الدم، فإن المذهب لم يختلف في العفو عن يسيره.
العفو عن يسير المسكر يصيب الثوب:
٧٤ - مسألة واختلفت في يسير النبيذ.
فنقل حنبل عنه في الخمر: هو مثل البول قيل له: قطرة مسكر قال: من أقام المسكر مقام الخمر أنزله هذه المنزلة. فظاهر هذا أنه لم يعف عن يسيره سيره لأنه شراب مسكر فلم يعف عن يسيره كالخمر.
ونقل بكر بن محمد في المسكر: إذا كان فاحشًا أعاد، وكذلك نقل أبو طالب إن كان قليلًا لم يعد لأنه مختلف في نجاسته، فمنهم من يقول هو طاهر، فكان ذلك شبهة في يسيره.
стр. 132
العفو عن يسير المذي:
٧٥ - مسألة: واختلف في يسير المذي فنقل الحسن بن الحسين في المذي يصيب الثوب يغسل ليس في القلب منه شيء، لأنه شيء، لأنه خارج من الفرج لا يوجب الغسل فلم يعف عن يسيره كالبول. ونقل صالح في المني والمذي والودي: إذا فحش أعاد، وكذلك نقل أبو الصقر في المذي والدم في الثوب لا يكون قدر الدرهم فلم تجزه صلاته. لأن المذي جزء بدليل أنه يتولد عند الشهوة فكان شبهة في العفو عن يسيره. ولهذا أفسد الصلاة كالمنى ولا تختلف الرواية في يسير المني أنه يعفى عنه. إذا قلنا إنه نجس.
من صلى بثوب لم يعلم بنجاسته حتى فرغ من الصلاة:
٧٦ - مسألة:: واختلفت إذا صلى وفي ثوبه نجاسة وهو غير عالم بها هل يعيد؟
فنقل أبو داود: يعيد في الوقت وبعد الوقت لأن كل طهارة لا تصح الصلاة مع العلم بفقدها لا تصح مع الجهل بفقدها. دليله الطهارة من الحدث. ونقل أحمد بن الحسن الترمذي: إذا صلى في ثوب غير طاهر يطرحه ويبنى على صلاته. لأن النجاسة مما نهى عنه وأمر بتركه فجاز أن يفرق بين عمده وسهوه كالأكل في الصيام.
طهارة أسفل الخف بالدلك:
مسألة: واختلفت إذا أصاب أسفل الخف نجاسة فدلكه بالأرض حتى زالت عنها.
فنقل الفضل بن زياد فيمن وطئ بنعله فأرة فتبين أثرها عليه: يغسله وقيل له فيمسحه؟ قال: لا. وكذلك نقل عبد الله: إذا كان السرجين رطبًا من بغل أو حمار فيعجبني غسله، لأنه ملبوس نجس فلم تجز الصلاة فيه إلا بعد غسله كالثوب. ونقل عبد الله وقد سأله عن البول في النعل أو الخف هل هو مثل الثوب؟ فقال: أرجو أن يكون أخف.
стр. 133
وذلك لأن في غسله مشقة فعفي عنه كأثر (١) الاستنجاء. ونقل ابن منصور عنه في الأرض يطهر بعضها بعضًا سوى البول والعذرة والرطبة. لأن نجاسة البول أغلظ، ولهذا يقول: إذا وقعت في ماء قدره قلتين فصاعدًا نجس وإن لم يتغير بخلاف غيره من النجاسات.
تطهير المذي بالرش:
٧٨ - مسألة: واختلفت في المذي هل يجزئ فيه الرش؟ فنقل أبو داود وأبو طالب وصالح في المذي: أرجو أن يجزئ فيه النضح، والغسل أعجب إلي، روي في حديث سهل بن حنيف قال: كنت ألقى من المذي عناء، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "يجزيك أن تأخذ حثية من ماء فترش عليه (٢) ". ونقل الحسن بن الحسين في المذي يصيب الثوب: يغسل ليس في القلب منه شيء لما روي في حديث حسين بن قبيصة عن علي قال: كنت رجلًا مذاء، فاستحييت أن أسأل رسول الله ﷺ فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ" فأمره (٣) بالغسل.
стр. 134
طهارة البول والروث مما يؤكل لحمه:
٧٩ - مسألة: واختلفت في بول ما يؤكل لحمه وروثه، فنقل عبد الله عنه، الأبوال كلها نجسة إلا بول ما يؤكل لحمه، وكذلك نقل المروذي لما روى البراء عن النبي ﷺ أنه قال: "ما أكل لحمه فلا بأس ببوله (١).
ونقل الأثرم في بول الإبل يصيب الثوب: إن كان كثيرًا فاحشًا يعيد، وكذلك نقل صالح: يتنزه عن جميع الأبوال فقيل له: أليس قد شربه قوم فقال: ذلك عند الضرورة، لأنه حيوان حكم بنجاسة دمه فحكم بنجاسة بوله دليله مالا يؤكل لحمه.
طهارة مني الآدمي:
٨٠ - مسألة واختلفت في مني الآدميين فنقل خطاب بن بشر: يفركه أو يغسله، ولو كان نجسًا ما كان الفرك يطهره فقد صرح بطهارته لقول النبي ﷺ : امطه عنك بأذخرة إنما هو كبصاق أو مخاط. (٢)
стр. 135
ونقل عبد الله ان كان فاحشًا أعاد، وكذلك نقل إسماعيل بن سعيد ومهنا وغيرهما، لأنه مائع خارج من الفرج يوجب الغسل فكان نجسا. دليله الحيض والنفاس.
بطلان الصلاة في المواضع المنهي عن الصلاة فيها:
٨١ - مسألة واختلفت في المواضع المنهي عن الصلاة فيها إذا صلى فيها. هل تبطل صلاته؟
فنقل بكر بن محمد: إذا صلى في مواضع نهى النبي ﷺ عن الصلاة فيها كمعاطن الإبل والمقبرة يعيد الصلاة لنهي النبي ﷺ عن الصلاة في سبعة مواطن (١). والنهي يدل على فساد المنهي عنه.
ونقل أبو الحارث: إذا صلى في المقبرة أو الحمام يكره، فقيل له: يعيد؟ قال إن أعاد كان أحب إلي وظاهر هذا أن الإعادة غير واجبة، لأنها بقعة طاهرة مستقبل بها القبلة فصحت الصلاة فيها. دليله غير المواضع المنهي عن الصلاة فيها.
ونقل حنبل: إذا صلى في أعطان الإبل فإن كان جاهلًا ولم يعلم ولم يسمع الخبر عن النبي ﷺ (٢) رجوت أن لا يلزمه، وإن كان قد سمع الخبر وفعل أعاد
стр. 136
كما قلنا في التكبير خلف الصف فذا، وإن كان يعلم فلم تصح تحريمته، وإن كان جاهلًا صحت صلاته.
الصلاة على سطح الطريق:
٨٢ - مسألة: واختلفت في الصلاة على ساباط تحته طريق فنقل إسحق بن إبراهيم لا يصلى فيه إذا كان من الطريق، ظاهر هذا المنع لأن ما تحته (ليس) موضع للصلاة، كذلك ما فوقه لأن الهواء تابع للقرار، وهو في حكمه. ولهذا هواء الدار تابع لقرارها كذلك هواء الطريق يجب أن يكون تابعًا له. يبين صحة هذا على أصلنا أنه لا يجوز إشراع الجناح إلى الطريق كما لا يجوز بناء دكة في أسفله، ونقل محمد بن ماهان في ساباط يمر (١) الناس تحته إذا صلى عليه: أرجو أن لا يكون به بأس، وإن صلى على ظهر مسجد وتحته نهر أخشى أن يكون النهر من الطريق ظاهر هذا جواز الصلاة على ساباط تحته طريق ومنع الصلاة (٢) في مسجد على نهر، لأن الطريق قد تكون موضعًا للصلاة، وهو إذا اتصلت الصفوف والماء ليس بموضع للصلاة لأنه يمنع من الإتيان بأركان الصلاة، فكان الهواء تابعًا له في المنع بكل حال.
الصلاة في البقعة النجسة إذا فرشت بطاهر:
٨٣ - مسألة: واختلفت في البقعة النجسة إذا بسط عليها بساطًا طاهرًا فصلى.
فنقل المروذي عنه في البول: إذا جف فألقى عليه ثوبًا فصلى فلم يعجبه، ظاهر هذا الكراهة لأن هذا الموضع قد حصل مدفنًا للنجاسة فهو كالمقبرة، ونقل ابن منصور وصالح وقد سئل عن المكان القذر يبسط عليه الثوب ويعلى عليه قال: إذا كان الشيء لا يعلق بالثوب فظاهر هذا أنه غير مكروه إذا لم يعلق بالثوب لأن بينه وبين النجاسة حائل. فهو كما لو بنى عليها سقفًا.
стр. 137
الصلاة في الثوب المغصوب:
٨٤ - مسألة: واختلفت في الصلاة في الثوب الغصب.
نقل جماعة منهم عبد الله: إذا سرق ثوبًا وصلى فيه ما هو بأهل (آمره بإعادة) صلاته (١) لأن الصلاة قربة، فإذا وقعت على وجه محرم لم يصح، لأن المعاصي تنافي القرب وتضادها، فهو كما لو صلى في ثوب نجس. ونقل علي بن سعيد: فمن صلى في ثوب غصب لا آمره بإعادة الصلاة، لأن تحريم الغصب لا يختص الصلاة ولا يرجع إليها فيجب أن لا يؤثر في صحتها كما لو صلى وهو مانع لقضاء دين هو مطالب به متمكن من قضائه أو مانع لتسليم الوديعة. وعلى هذا الإختلاف إذا صلى في أرض غصب أو توضأ بماء غصب أو حج بمال غصب أو ذبح شاة بسكين غصب أو صلى في ثوب حرير جميع ذلك على روايتين.
صفة اشتمال الصماء المنهي عنها:
٨٥ - مسألة: واختلفت في صفة اللبسة الصماء المنهي عنها فنقل حنبل: إذا كان عليه قميص فأخرج إزاره تحت يده فألقاه على عنقه لم يكن صماء، إنما الصماء إذا صنع ذلك وليس عليه إلا إزار واحد تبدو منه (٢) عورته، وظاهر هذا أن صفتها ثوب واحد يضطبع به، وهو ظاهر الخبر، لأنه قال في حديث أبي مسعود البدري نهى النبي ﷺ عن البستين أن يحتبي الرجل في ثوب واحد لا يكون بين عورته وبين السماء شيء تصيب مذاكره الأرض، وإن يلبس ثوبًا واحدًا يأخذ جوانبه على منكبيه (٣)، فتدعى تلك الصماء.
стр. 138
ونقل بكر بن محمد وقد سأله يلتحف الصماء فوق القميص فقال: لا يعجبني يروى عن ابن عباس أنه كرهه وإن كان عليه قميص، وإن كان حديث النبي ﷺ أنه ثوب واحد، ولكن ابن عباس كرهه وإن كان عليه ثوب واحد.
صفة التلثم المكروه في الصلاة:
٨٦ - مسألة: واختلفت في صفة التلثم المكروه في الصلاة.
فنقل حنبل أن ذلك على الفم دون الأنف، فقال: أكره تغطية الفم في الصلاة ولا بأس بالتلثم على الأنف لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه عن السدل، وأن يغطي الرجل فاه في الصلاة (١) فخص ذلك بالفم. ونقل صالح كراهة ذلك على الأنف أيضًا فقال: أكره التلثم في الصلاة والتلثم على أنفه، لأنه إذا تلثم على أنفه منعه ذلك من مباشرة الأرض في السجود على الأنف، وكره ذلك كما كره السجود على كور العمامة لأجل الحائل.
стр. 139
دخول أهل الذمة المسجد:
٨٧ - مسألة: واختلفت في دخول أهل الذمة المسجد.
فنقل أبو طالب عنه، وقد سئل عن اليهودي والنصراني يدخلان المسجد فقال: لا، ظاهر هذا المنع، لأنه بيت الله أشبه المسجد الحرام، ونقل الأثرم وقد سئل أيدخلون المسجد؟ فقال: ينبغي أن يتوقى، وقد روي في هذا حديث وفد ثقيف أتوا النبي ﷺ فأنزلهم المسجد (١). ظاهر هذا أن منعهم من ذلك على طريق الأولى لا على طريق التحريم للخبر الذي ذكره أحمد أن النبي ﷺ أنزلهم المسجد. (٢)
فعل ذوات الأسباب في أوقات النهي:
٨٨ - مسألة: واختلفت في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها هل يجوز فعل النوافل التي لها سبب فيها؟ على روايتين:
إحداهما: تجوز قال في رواية الفضل بن زياد، وحبيش بن سندي، وإسماعيل بن سعيد تجوز صلاة الكسوف والآيات في غير وقت صلاة، وكذلك نقل مهنا يجوز سجود القرآن بعد صلاة الفجر وقبل طلوع الشمس. وكذلك نقل المروذي: يقضي الوتر بعد طلوع الفجر. وكذلك نقل الأثرم: أحب إلي أن يقضي ركعتي الفجر عن الضحى فإن صلاهما بعد الفرض أجزأه … لأن هذه صلاة لها سبب، فجاز فعلها في الأوقات المنهي عنها دليله ركعتا الطواف. وإذا صلى الفرض وحضرت جماعة ثانية فإنه يصليها في هذه الأوقات.
والثانية: لا يجوز، قال في رواية بكر بن محمد: لا يصلي صلاة الكسوف نصف النهار وبعد العصر، وقال في رواية المروذي:
стр. 140
يصلي تحية المسجد إلا أن يكون وقتا لا تجوز فيه الصلاة. وقال في رواية الأثرم لا يسجد للقرآن بعد طلوع الفجر. نقل المروذي وغيره: لا يصلى ركعتي الفجر حتى تطلع الشمس لأنها نافلة مقصورة في نفسها، فلم يجز فعلها في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها دليله التي لا سبب لها.
التنفل في جماعة بعد صلاة التراويح:
٨٩ - مسألة: واختلفت في كراهية صلاة النوافل في جماعة بعد صلاة التراويح.
فنقل بكر بن محمد عن أبيه أنه سئل عن التعقيب في رمضان، فقال: أكرهه.
ويروى عن أنس أنه كرهه، ولكن يؤخرون القيام إلى آخر الليل كما قال عمر. ونقل المروذي وأبو طالب عنه، وقد سئل عن التعقيب وهو أن يصلوا التراويح ثم ينصرفون ثم يرجعون يصلون: لا بأس. قال أبو بكر ما رواه بكر بن محمد قول قديم، والعمل على ما رواه الجماعة أنه غير مكروه، وعندي أن المذهب غير مختلف في ذلك، وأنهم إذا صلوا في جماعة من آخر الليل لم يكره، وإنما يكره أن يجمعوا بعقب صلاة التراويح لأنه قال في رواية بكر بن محمد أكره ذلك، ولكن يؤخرون من آخر الليل، وقال في رواية أبي طالب: لا بأس إذا صلوا التراويح وانصرفوا ثم عادوا فأجاز ذلك بعد التراويح بزمان. وقد روي في ذلك عن عمر أنه قال: يدعون أفضل الليل آخره، وفي لفظ آخر: الساعة التي تنامون أحب إلي من الساعة التي تقومون.
الوتر بركعة ليس قبلها صلاة:
٩٠ - مسألة: واختلفت في كراهية الوتر بركعة مفردة ليس قبلها صلاة.
فقال أبو بكر الخلال: قد روي عن أبي عبد الله كراهية أن يوتر بركعة لا يكون قبلها صلاة قريب من عشرين نفسا. ثم رأيت المروذي وحنبل وإسماعيل أنه لا يرون به بأسًا أن يوتر بركعة على فعل سعد ومعاوية. فالوجه في نفس الكراهة ما روى أحمد في المسند بإسناده عن أبي أيوب الأنصاري، قال رسول
стр. 141
الله ﷺ : أوتر بخمس، فإن لم تستطع فبثلاث، فإن لم تستطع فبواحدة، فإن لم: تستطع فأومئ إيماء (١)، وهذا يدل على جواز الاقتصار على الواحدة من غير كراهة وروى أحمد أيضًا بإسناده عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يوتر بواحدة ولا يزيد عليها (٢)،، ووجه الكراهية أنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه أوتر بواحدة ليس قبلها صلاة بل كان يداوم على صلاة قبلها فإذا اقتصر على ركعة كان فيه ترك للسنة، ولما داوم النبي ﷺ على فعله.
نقص الوتر:
٩١ - مسألة: فإن أوتر في أول الليل ثم أراد أن يتطوع بعد ذلك هل ينقض وتره بركعة مفردة ليكون شفعًا لوتره ثم يتطوع ما شاء ثم يوتر بعد ذلك أم لا؟
فنقل عبد الله وإبراهيم بن الحارث عن أحمد: لا أرى نقض الوتر وكرهه. وقال أبو بكر في كتاب الشافي: ينقض وتره، واحتج فيه بما روي عن عثمان وابن عمر وابن عباس وأسامة بن زيد رضوان الله عليهم من نقض الوتر (٣).
стр. 142
والوجه في كراهة ذلك ما روى طلق بن علي عن النبي ﷺ قال: "لا يكون وتران في ليلة" (١). فلو قلنا: ينقض وتره كان فاعلًا لوترين في ليلة. ولأن التطوع بعد الوتر جائز بدليل ما روى أنس أن النبي ﷺ كان يصلي بعد الوتر ركعتين وهو جالس (٢) وإذا كان ذلك جائزًا فلا حاجة به إلى نقضه. وروى النجار بإسناده عن إبراهيم عن عائشة رضوان الله عليها أنها سئلت عن الذي ينقض وتره قالت: ذلك يلعب بوتره (٣)، وهذا يعارض ما روي عن غيرها من الصحابة من نقضه.
القنوت في جميع السنة:
٩٢ - مسألة: اختلفت في القنوت في جميع السنة.
فنقل أبو طالب وأبو الحارث عنه أنه قال: أذهب إلى أن أقنت في النصف الأخير من شهر رمضان لما روي أن عمر قدم أبي بن كعب ليصلي بالناس في رمضان فلم يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان.
ونقل خطاب بن بشر عنه أنه قال: كنت أذهب إلى أن أقنت في النصف الأخير من رمضان، ثم رأيت أن لا يضيق على الناس، فقنت في السنة كلها ويرفع يديه ويقنت بعد الركوع، لأنه ذكر مسنون في هذه الصلاة، فوجب أن لا
стр. 143
يختص بزمان دون زمان أو لا يختص بالنصف الأخير من شهر رمضان قياسًا على سائر الأذكار.
مسح الوجه باليدين بعد القنوت:
٩٢ م - مسألة: واختلفت إذا قنت هل يمسح يديه على وجهه؟
فنقل عبد الله: لا بأس بذلك لما روى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا دعوت فادع ببطن كفك ولا تدع بظهرها، فإذا فرغت فأمسح بها وجهك" (١).
ونقل المروذي: لا يمسح لأنه عبث، وقد نهى عن ذلك في الصلاة. (٢)
سقوط صلاة الجماعة بفعلها في غير المسجد:
٩٣ - مسألة: واختلفت إذا صلى في بيته جماعة هل يسقط عنه السعي إليها، إلى المسجد؟
فنقل حرب في قوم في دار نحو من عشرة والمسجد على باب الدار فقال: يخرجون ولا يصلون في الدار إلا أن يكون في الدار مسجد يؤذن فيه. وظاهر هذا أنه لم يسقط عنهم فرض السعي، وكذلك نقل المروذي لعموم قول النبي ﷺ : (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) (٣) وروي عنه أنه قال: (من سمع
стр. 144
النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر). (١). ولأننا لو قلنا: يسقط السعي أدى ذلك إلى خراب المساجد وإسقاط حرمتها. ونقل صالح قال: كان أبي والعباس والعنبري وعلي بن المديني يكتبون عن ابن أبي الليث صاحب الأشجع (٢) فصلوا جماعة في البيت ولم يخرجوا إلى المسجد وقد سمعوا النداء فقيل له: ألا تخرج؟ فقال: نحن جماعة.
قال صالح كنت مع أبي حين صلى ولم يكن يخاف شيئًا. فظاهر هذا أنه يسقط عنه فرض السعي بذلك. لأن جماعة من الصحابة كانت تصلي في بيوتها (٣) وروي عن أبي أنه أتى النبي ﷺ فقال: صل في بيتي لنتخذه
стр. 145
مسجدًا (١)، وروي أنه صلى في بيت عتبان بن مالك ليتخذه مسجدًا (٢) ولأنه قد أتى بالجماعة فسقط عنه الفرض كما لو صلى الجمعة في غير مسجد الجماعة.
إعادة صلاة المغرب:
٩٤ - مسألة: إذا صلى المغرب في منزله ثم أدرك الجماعة كره له أن يدخل في صلاة الإمام فإن دخل فيها أتمها أربعًا رواه أبو طالب عنه. وروى الأثرم: لا بأس أن يدخل في صلاة الإمام ويتمها أربعًا وجه الأولى أنه إذا دخل في صلاة الإمام لزمه ما أوجبته تحريمة الإمام وتحريمة الإمام أوجبت ثلاث ركعات ولا يجوز التنقل بثلاث ركعات فوجب أن يكره، ولأنه يحتاج أن يقعد في الثالثة وليس في الأصول أن يقعد المتنقل في الثالثة، ولا يجوز أن يدخل في صلاة تحتاج أن يقعد فيها في الثالثة وهي له نافلة، (ووجه الثانية أن) الإيجاب منه بموجب تحريمة الإمام وهو ثلاث ركعات ولو أوجب بالقول ثلاث ركعات لزمه بالإيجاب أربع ركعات ولم يكره الدخول فيها كذلك هذا.
الأفضل في صلاة النافلة من كثرة السجود أو طول القيام:
٩٥ - مسألة: أيما أفضل طول القيام في صلاة النافلة أم قصر قصره مع كثرة الركوع والسجود؟
فنقل أبو طالب كلامًا يدل على أن كثرة الركوع والسجود أفضل وصرح به في رواية حنبل.
ونقل المروذي: أن كليهما حسن. وروى أن رجلا سأل النبي ﷺ أن يدعو