الله ﷺ : أوتر بخمس، فإن لم تستطع فبثلاث، فإن لم تستطع فبواحدة، فإن لم: تستطع فأومئ إيماء (١)، وهذا يدل على جواز الاقتصار على الواحدة من غير كراهة وروى أحمد أيضًا بإسناده عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يوتر بواحدة ولا يزيد عليها (٢)،، ووجه الكراهية أنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه أوتر بواحدة ليس قبلها صلاة بل كان يداوم على صلاة قبلها فإذا اقتصر على ركعة كان فيه ترك للسنة، ولما داوم النبي ﷺ على فعله.
نقص الوتر:
٩١ - مسألة: فإن أوتر في أول الليل ثم أراد أن يتطوع بعد ذلك هل ينقض وتره بركعة مفردة ليكون شفعًا لوتره ثم يتطوع ما شاء ثم يوتر بعد ذلك أم لا؟
فنقل عبد الله وإبراهيم بن الحارث عن أحمد: لا أرى نقض الوتر وكرهه. وقال أبو بكر في كتاب الشافي: ينقض وتره، واحتج فيه بما روي عن عثمان وابن عمر وابن عباس وأسامة بن زيد رضوان الله عليهم من نقض الوتر (٣).
стр. 142
والوجه في كراهة ذلك ما روى طلق بن علي عن النبي ﷺ قال: "لا يكون وتران في ليلة" (١). فلو قلنا: ينقض وتره كان فاعلًا لوترين في ليلة. ولأن التطوع بعد الوتر جائز بدليل ما روى أنس أن النبي ﷺ كان يصلي بعد الوتر ركعتين وهو جالس (٢) وإذا كان ذلك جائزًا فلا حاجة به إلى نقضه. وروى النجار بإسناده عن إبراهيم عن عائشة رضوان الله عليها أنها سئلت عن الذي ينقض وتره قالت: ذلك يلعب بوتره (٣)، وهذا يعارض ما روي عن غيرها من الصحابة من نقضه.
القنوت في جميع السنة:
٩٢ - مسألة: اختلفت في القنوت في جميع السنة.
فنقل أبو طالب وأبو الحارث عنه أنه قال: أذهب إلى أن أقنت في النصف الأخير من شهر رمضان لما روي أن عمر قدم أبي بن كعب ليصلي بالناس في رمضان فلم يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان.
ونقل خطاب بن بشر عنه أنه قال: كنت أذهب إلى أن أقنت في النصف الأخير من رمضان، ثم رأيت أن لا يضيق على الناس، فقنت في السنة كلها ويرفع يديه ويقنت بعد الركوع، لأنه ذكر مسنون في هذه الصلاة، فوجب أن لا
стр. 143
يختص بزمان دون زمان أو لا يختص بالنصف الأخير من شهر رمضان قياسًا على سائر الأذكار.
مسح الوجه باليدين بعد القنوت:
٩٢ م - مسألة: واختلفت إذا قنت هل يمسح يديه على وجهه؟
فنقل عبد الله: لا بأس بذلك لما روى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا دعوت فادع ببطن كفك ولا تدع بظهرها، فإذا فرغت فأمسح بها وجهك" (١).
ونقل المروذي: لا يمسح لأنه عبث، وقد نهى عن ذلك في الصلاة. (٢)
سقوط صلاة الجماعة بفعلها في غير المسجد:
٩٣ - مسألة: واختلفت إذا صلى في بيته جماعة هل يسقط عنه السعي إليها، إلى المسجد؟
فنقل حرب في قوم في دار نحو من عشرة والمسجد على باب الدار فقال: يخرجون ولا يصلون في الدار إلا أن يكون في الدار مسجد يؤذن فيه. وظاهر هذا أنه لم يسقط عنهم فرض السعي، وكذلك نقل المروذي لعموم قول النبي ﷺ : (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) (٣) وروي عنه أنه قال: (من سمع
стр. 144
النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر). (١). ولأننا لو قلنا: يسقط السعي أدى ذلك إلى خراب المساجد وإسقاط حرمتها. ونقل صالح قال: كان أبي والعباس والعنبري وعلي بن المديني يكتبون عن ابن أبي الليث صاحب الأشجع (٢) فصلوا جماعة في البيت ولم يخرجوا إلى المسجد وقد سمعوا النداء فقيل له: ألا تخرج؟ فقال: نحن جماعة.
قال صالح كنت مع أبي حين صلى ولم يكن يخاف شيئًا. فظاهر هذا أنه يسقط عنه فرض السعي بذلك. لأن جماعة من الصحابة كانت تصلي في بيوتها (٣) وروي عن أبي أنه أتى النبي ﷺ فقال: صل في بيتي لنتخذه
стр. 145
مسجدًا (١)، وروي أنه صلى في بيت عتبان بن مالك ليتخذه مسجدًا (٢) ولأنه قد أتى بالجماعة فسقط عنه الفرض كما لو صلى الجمعة في غير مسجد الجماعة.
إعادة صلاة المغرب:
٩٤ - مسألة: إذا صلى المغرب في منزله ثم أدرك الجماعة كره له أن يدخل في صلاة الإمام فإن دخل فيها أتمها أربعًا رواه أبو طالب عنه. وروى الأثرم: لا بأس أن يدخل في صلاة الإمام ويتمها أربعًا وجه الأولى أنه إذا دخل في صلاة الإمام لزمه ما أوجبته تحريمة الإمام وتحريمة الإمام أوجبت ثلاث ركعات ولا يجوز التنقل بثلاث ركعات فوجب أن يكره، ولأنه يحتاج أن يقعد في الثالثة وليس في الأصول أن يقعد المتنقل في الثالثة، ولا يجوز أن يدخل في صلاة تحتاج أن يقعد فيها في الثالثة وهي له نافلة، (ووجه الثانية أن) الإيجاب منه بموجب تحريمة الإمام وهو ثلاث ركعات ولو أوجب بالقول ثلاث ركعات لزمه بالإيجاب أربع ركعات ولم يكره الدخول فيها كذلك هذا.
الأفضل في صلاة النافلة من كثرة السجود أو طول القيام:
٩٥ - مسألة: أيما أفضل طول القيام في صلاة النافلة أم قصر قصره مع كثرة الركوع والسجود؟
فنقل أبو طالب كلامًا يدل على أن كثرة الركوع والسجود أفضل وصرح به في رواية حنبل.
ونقل المروذي: أن كليهما حسن. وروى أن رجلا سأل النبي ﷺ أن يدعو
стр. 146
الله له بالجنة فقال: "أعنى بكثرة السجود (١) ". وروى عبد الله بن عمر أن رجلًا سأل النبي ﷺ أي الصلاة أفضل؟ فقال: "طول القنوت (٢) ".
تفضيل المسجد القريب على البعيد إذا لزم من تركه انحلال جماعته:
٩٦ - مسألة: واختلفت إذا كان في جواره مسجدان عتيقان: أحدهما أقرب من الآخر هل الأفضل أن يصلي في القريب أم في البعيد؟
فنقل عنه صالح في الرجل يفوته في مسجده تكبيرة الإحرام هل يذهب إلى مسجد آخر يلحق فيه أول تكبيرة. قال: لا يجوز مسجده. وقيل له إذا كان مسجده لا يصلي معه فيه الظهر والعصر أحد ويصلي معه المغرب والعشاء والغداة هل يصلي في مسجده؟ أم يصلي في مسجد آخر؟ قال: يصلي في مسجده.
وظاهر هذا أن القريب أفضل من البعيد، وهذه الرواية محمولة على أنه إذا تجاوز المسجد القريب انحلت الجماعة عنه وانقطعت، فالأفضل الصلاة فيه لأن الصلاة فيه عمارة له وفي تركها خراب له، وقد روى ابن عمر عن النبي
стр. 147
ﷺ أنه قال: "ليصل أحدكم في المسجد الذي يليه ولا تتبع المساجد (١) ". ولأن الجيران أقربهم دارًا أحق بالبر ممن بعد فهو أولى بالصدقة والهدية له ممن بعدت داره، وكذلك كل حلقة قوم أحق بالبر ممن بعد، فهو أولى بالصدقة والهدية له ممن بعدت داره، وكذلك كل حلقة قوم أحق بالشفعة ممن بعد كذلك المساجد يجب أن يكون أقربها إليه أحق بالصلاة فيه لأن في الصلاة فيه رفعة له. ونقل أبو بكر بن صدقة في رجل إلى جانبه مسجد، وآخر كان أبوه صلى فيه فقال: إذا كانا عتيقين، فكلما بعد هو خير له وظاهر هذا أن البعيد أفضل (وهذا) محمول على أن القريب منه لا يختل ببعده، ولا تنحل الجماعة عنه، فإن البعيد أفضل لما فيه من الخُطى والمشقة، وقد قال النبي ﷺ : (يا بني سلمة ألا تحتسبون آثاركم (٢)) ولا تختلف الرواية أن الصلاة في المسجد العتيق السابق أفضل من المحدث بعده لقوله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ (٣).
ومعناه أن القيام في هذا المسجد يعني مسجد الضرار لو كان من الحق الذي يجوز لكان المسجد الذي أسس على التقوى قبله أحق بالقيام فيه لأن الأشخاص لما تفاضلوا بالمنازل لتقدم الطاعات كذلك البقاع، ولهذا قلنا: إن اقدمهم يتقدم على غيره في الإمامة لأجل سابقته بالهجرة.
ولا تختلف أيضًا إذا كان في جواره مسجدان: أحدهما يصلي فيه جماعة، والأخر لا يصلي فيه إن صلاته في المسجد الذي لا يصلي فيه وحده [أفضل]، واختلفت هل يقيم الجماعة في المسجد العتيق (٤) أو يأتي مسجدًا فيه جماعة؟ فذهب (٥) إلى أن يقيم في المسجد العتيق، ونحو ذلك نقل حرب.
стр. 148
صلاة من سبق الإمام بركن:
٩٧ - مسألة: إذا سبق المأموم الإمام بركن واحد في الصلاة عامدًا. هل يبطل صلاته أم لا مثل إن سبقه بكمال الركوع؟
فنقل أبو الحارث: إذا ركع ورفع قبل الإمام لم يعتد بتلك الركعة.
فظاهر هذا أنه إذا كان عامدًا لم يعتد بالصلاة، لأنه لم يحكم بصحة الركعة حقه في حال الجهل ونقل المروذي عنه: إن سبقه بسجدة اتبعه وإن سبقه بسجدتين لم يعتد بتلك الركعة.
فظاهر هذا أنه إن ترك ركنًا واحدًا لا تبطل صلاته، لأنه لم يحكم بفوات الركعة ووجهها أن الركن الواحد في حد القلة فجاز أن يعفى عنه.
ووجه الأولى: أنه ترك متابعة الإمام في ركن يجب إتباعه فيه فبطلت صلاته كما لو ترك المتابعة له في الركن الثاني، ويمكن أن يفرق فيقال: إن سبقه بالركوع بطلت صلاته، وإن سبقه بإحدى السجدتين لم تبطل لأنه إذا سبقه بإحدى السجدتين يمكن الإتيان بمثل ما سبقه وهي الثانية، وإذا سبقه بالركوع لم يمكنه الإتيان بمثل ذلك. ولهذا نقول: إذا سبقه بسجدتين بطلت.
رجوع الإمام الراتب إلى الإمامة أثناء الصلاة واستمرار خليفته إمامًا يبلغ عنه:
٩٨ - مسألة - واختلفت في إمام الحي إذا استخلف إمامًا لعذر ثم زال العذر هل يجوز أن يفعل كفعل النبي ﷺ ، ويكونا إمامين في صلاة واحدة على ثلاث روايات إحداهما: لا يجوز ذلك، قال في رواية أبي داود ذلك خاص للنبي ﷺ ، وهو اختيار أبي بكر - لأن النبي ﷺ قال: "إذا كنتم في جماعة - فليؤمكم رجل منكم (١) " فجعل الإمام واحدًا في صلاة واحدة، ولأن هذا يؤدي
стр. 149
إلى صلاة واحدة بإمامين في حالة واحدة، وهذا لا يجوز كما لو أحر ما جميعًا بالصلاة ابتداء. والثانية الجواز قال في رواية إسماعيل بن سعيد الشالنجي: الخليفة والأمير والإمام المنصوب إذا جاءوا وقد عقد الإمام الثاني الصلاة فعل كما فعل النبي ﷺ (١) يصير إمامًا للأول والأول على إمامته. لأن النبي ﷺ فعل مثل ذلك وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٢).
وروي أن النبي ﷺ خرج فوقف على يسار أبي بكر ﵁ وأبو بكر إمام للناس (٣). والظاهر أن هذا شرع لنا، ولأن أكثر ما في هذا أنها صلاة بامامين. وهذا جائز بدلالة جواز الاستخلاف. الثالثة: يجوز ذلك للإمام الأعظم كالخليفة ولا يجوز لغيره من الأئمة، قال في رواية المروذي في إمام مسجد جامع مرض فتقدم إلى رجل ليصلي بهم هل يفعل كما فعل النبي ﷺ ؟ قال: لا، ليس هذا لأحد إلا للخليفة، لأن القياس يمنع من فعل ذلك جملة لما ذكرنا، وإنما أجزنا ذلك في حق الخليفة لأن الخبر (٤) ورد بذلك في حق النبي ﷺ وهو للإمام، فتركنا القياس لأجل ذلك وما عداه على موجب القياس.
إمامة المتنفل للمفترض، ومن يصلي صلاة لمن يصلي صلاة أخرى مشابهة لها في الهيئة:
٩٩ - مسألة: واختلفت في المتنفل هل يؤم المفترض ومن هو في ظهر يصلى
стр. 150
بمن يصلي العصر؟ فنقل أبو الحارث وأبو طالب وحنبل ويوسف بن موسى والمروذي ومهنا: لا يجوز ذلك لأنه لا يصح صلاته بنية صلاة إمامة فلا يصح اقتداؤه به دليله إذا صلى الجمعة خلف من يصلي الظهر والفرض خلف من يصلي الكسوف.
ونقل صالح وإسماعيل بن سعيد والميموني وأبو داود الجواز لأن الصلاتين متفقتان في الأفعال الظاهرة، وتفعل جماعة وفرادى فصح اقتداءه فيها. دليله الظهران والعصران، والأول أصح.
إمامة المسافر للمقيمين:
١٠٠ - مسألة: فإن صلى مسافر بمقيمين فأتم هل تصح إمامته؟
فنقل ابن منصور والميموني: يجزيهم، ونقل أبو طالب: لا يجزيهم. وقال أبو بكر يتوجه على قولين. يعني روايتين بناء على المتنفل هل يؤم المفترض، لأن هذا المسافر له القصر، فإذا أتم بهم فهو كالمتطوع، لأن الإتمام غير واجب عليه. وعندي أن هذا يصح إمامته رواية واحدة، لأنه متى لم ينو القصر فجميع صلاته فرض لأن القصر رخصة.
إمامة من يقضي الصلاة لمن يؤديها:
١٠٠ مكرر: مسألة: فإذا صلى الظهر أداء خلف من يصليها قضاء فهل يجوز أم لا؟
نقل ابن منصور عنه في نفسين عليهما صلاة ظهر من يومين مختلفين: يجمعان جميعا من يوم واحد وأيام متفرقة.
ونقل صالح: يجمعان من يوم واحد فأما من أيام متفرقة فلا يجوز.
قال أبو بكر الخلال غلط صالح على أبيه، والقول ما قاله ابن منصور، لأن نيتهما متفقة في الفرض وفي تعين الفرض أيضًا، وإنما افترقا في أن أحدهما ما ينوي القضاء، وهذا لا يؤثر لأن القضاء قد يصح بنية الأداء ألا ترى أن الأسير إذا خفيت عليه الأوقات فصلى بنية الأداء فبان أن الوقت قد خرج أجزاه، فكذلك ههنا.
стр. 151
ومن يذهب إلى رواية صالح فيقول: النية مختلفة، لأن نية القضاء غير نية الأداء. بدليل أنه يجب على من يصلي الفائت أن ينوي نية القضاء، ولا يجوز مثل هذا للمؤدي فقد اختلفت النيتان فلم يصح فلا يجوز مثل هذا كالظهر والعصر.
إمامة الفاسق:
١٠١ - مسألة: واختلفت في إمامة الفاسق هل تصح أم لا؟
فنقل أبو الحارث عنه: لا يصلى خلف الفاجر ولا خلف مبتدع ولا فاسق إلا أن يخافهم فيصلي ويعيد وكذلك نقل أحمد بن أبي عبدة: لا يصلى خلف إمام يكذب إذا كثر كذبه.
وكذلك نقل أبو الصقر: لا يصلى خلف من يأكل الربا لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يؤمن فاجر برا) (١). ولأنها إحدى الإمامتين فيصح ينافيها الفسق في الدين دليله الإمامة الكبرى.
ونقل أبو الحارث وقد سئل هل يصلى خلف من يغتاب الناس؟ فقال: لو كان كل من عصا الله تعالى لا يصلى خلفه من يؤم الناس على هذا؟ وقال في رواية حرب: يصلى خلف كل بر وفاجر فلا يكفر أحد بذنب. ظاهر هذا صحة الإمامة لأنه لما صحت صلاته صحت إمامته كالعدل، والأول أصح.
إمامة الصبي للبالغين في النفل:
١٠٢ - مسألة: في (إمامة) الصبي، اختلفت الرواية عن أحمد هل تصح إمامته بالبالغين في النفل؟
فنقل أبو طالب: لا تصح، ونقل حنبل قال: كنت أصلي بأبي عبد الله في شهر رمضان التراويح وأنا غلام مراهق، وكان أبو عبد الله يصلي بهم المكتوبة.
стр. 152
وجه الأولى: ما روى علي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقدموا صبيانكم في صلاتكم ولا جنائزكم فإنهم وفودكم إلى الله تعالى (١) ". ولأن من لا تصح إمامته في الفرض لا تصح إمامته في النقل كالمجنون.
ووجه الثانية: ما روى أن عمرو بن سلمة أسلم (٢) وجاء إلى قومه فقال: جئت من عند رسول الله ﷺ يأمركم بكذا وينهاكم عن كذا، وقال: إذا حضرت الصلاة يؤمكم أكثركم قرآنًا (٣)، فنظروا فما وجدوا أكثر مني قرآنًا، فقدموني وأنا ابن سبع سنين أو ست سنين، ولأنه عدل تصح صلاته فصحت إمامته كالبالغ. وأما إمامته في الفرائض فهو مبني على ما تقدم فإن قلنا: لا يؤم في النفل فأولى أن لا يؤم في الفرض وإذا قلنا يؤم في النقل فهل يؤم البالغ في الفرض أم لا؟
على روايتين:
في المتنفل البالغ هل يؤم المفترض، فإن قلنا: لا يؤم فأولى أن لا يؤم الصبي. وإن قلنا: يؤم، فهل يؤم الصبي؟ يحتمل أن يقول: يؤم لأن له صلاة صحيحة نافلة فهو كالبالغ ويحتمل أن يقول لا يؤم بخلاف البالغ، لأنه ليس من أهل فرض الصلاة فلا يصح أن يؤم فيها لمن هو من أهل فرضها. دليله العبد والمرأة في صلاة الجمعة.
من أحرم وركع فذا ثم دخل في الصف:
١٠٣ - مسألة: واختلفت إذا كبر الفذ خلف الصف وركع ثم دخل في الصف.
стр. 153
فتقل أبو الحارث: إذا كبر وركع ودخل في الصف يجزيه، وذكر حديث أبي بكرة فظاهر هذا الجواز على الإطلاق. كذلك نقل المروذي لأن النبي ﷺ نهى أبا بكرة أن يفعل مثل فعله ولم يأمره بالإعادة (١)، ونقل أبو طالب وصالح فيمن ركع دون الصف جاهلًا: أجزاه، ويقال له: لا تعد، وإن كان عالمًا بذلك يعيد الصلاة. لأن الصلاة خلف الصف منهي عنها (٢)، فجاز أن يفرق بين العلم والجهل، ألا ترى أن الأكل في الصيام منهي عنه، وقد فرق فيه بين العلم والجهل كذلك ههنا، وهذه الرواية اختيار الخرقي.
جلوس المأموم خلف الإمام إذا زاد في الصلاة ولم يرجع لتسبيحهم:
١٠٤ - مسألة: واختلفت في الإمام إذا قام إلى خامسة على ثلاث روايات:
أحدها: لا يتبعونه بل يسلمون فإن تبعوه بطلت صلاتهم وصلاته أيضًا إذا لم يجلس. قال في رواية أبي داود فيمن وهم في صلاته وهو إمام يسبح به (٣) من خلفه فإن سبحوا فلم يلتفت وصلى يعيد ويعيدون. وقال أيضًا في رواية محمد بن المتطيب: إذا قام إلى خامسة فسبحوا به فلم يقعد يسلمون وصلاتهم تامة قال أبو بكر الخلال: لا يليق بمذهبه غير هذا. لأن المأموم قام إلى خامسة مع العلم والإمام كان يلزمه الرجوع إلى قول المأمومين.
والثانية: يتبعونه في القيام والسلام قال في رواية أبي طالب إذا صلى أربع ركعات ثم قام إلى خامسة وهو يظن أنها رابعة ومن خلفه لا يشك أنه قد صلى
стр. 154
أربعًا معه حتى صلى الخامسة فقد أحسن الذين قاموا معه، وقد صلى النبي ﷺ خمسًا (١). أما الإمام فإنه قام إلى خامسة، وهو يظن أنها رابعة (٢) فقد زاد في الصلاة على وجه السهو فلم تبطل الصلاة. وأما المأموم فإنها لم تبطل صلاته لما روي أن النبي ﷺ قام إلى خامسة فاتبعوه، وقالوا له: صليت خمسًا فسجد للسهو بعدما سلم ولم يأمرهم بالإعادة. وقد علم من حالهم أنهم قاموا مع علمهم أنها خامسة.
والثالثة: لا يتبعونه لكن ينتظرونه جلوسًا حتى يسلم بهم. قال في رواية المروزي فيمن صلى يقوم فقام إلى خامسة فسبحوا به فلم يلتفت إلى قولهم يقعدون ولا يتبعونه حتى يقعد فيسلم بهم. وكذلك نقل أبو الحارث ﵀ إنما لم يتبعوه (٣) في القيام لما ذكرنا، وإنما (٤) انتظروه ليسلموا معه لأنه يجب عليهم متابعته في السلام ولا يجوز أن يتقدموه فيه. فلهذا أمرناهم بالانتظار، ولأنه لما جاز للإمام انتظار المأموم ليسلم معه وهو انتظاره الثانية في صلاة الخوف كذلك جاز للمأموم أن ينتظر الإمام ليسلم معه.
الانتقال من الانفراد إلى الائتمام أثناء الصلاة:
١٠٥ - مسألة: واختلفت إذا أحرم بالصلاة منفردًا ثم صار مأمومًا في أثناء الصلاة وهو أن يحضر جماعة فاتبعهم في الصلاة هل تبطل صلاته أم لا؟
على روايتين:
إحداهما: أنها تبطل قال في رواية حنبل في رجل دخل المسجد فصلى ركعتين أو ثلاثًا ينوي الظهر أو العصر ثم جاء مؤذن وأقام فلا يدخل معهم فإن معهم دخل في الصلاة لم يجزه حتى ينوي بها الصلاة مع الإمام ابتداء الفرض. وظاهر هذا أنها لا تصح.
стр. 155
ونقل بكر بن محمد عن أبيه عنه: إذا صلى ركعتين من فرض ثم أقيمت
الصلاة فإن شاء دخل مع الإمام، فإذا صلى ركعتين سلم، وأعجب إلى أن يقطع الصلاة ويدخل مع الإمام. وظاهر هذا الجواز، وجه الأولى، وهي أصح أن صلاته انعقدت على جهة من الجهات وصفة من الصفات فلم يجز نقلها إلى غيرها بنيته دليله إذا أحرم بالظهر ثم نقلها إلى الجمعة.
ووجه الثانية: إن للصلاة أولًا وأخيرًا ثم يجوز أن يكون أول الصلاة جماعة وآخرها فرادى وهو المسبوق فكذلك جاز أن يكون أولها فرادى وآخرها جماعة، وهكذا الحكم إذا أحرم بالصلاة مأمومًا ثم أخرج نفسه من صلاة الإمام لغير عذر فهل تبطل صلاته على روايتين، والوجه فيه ما تقدم، وكذلك إذا أحرم بالصلاة منفردًا ثم صار إمامًا يتخرج على روايتين.
قطع المنفرد لصلاة الفرض ليصليها مع جماعة:
١٠٦ - مسألة: وإذا أحرم بالصلاة منفردًا ثم حضرت الجماعة هل يقطع الصلاة ويدخل معهم أم يقتصر على بعض الركعات ويسلم؟
نقل محمد بن يحيى المتطيب عنه في الرجل يصلي فرضه فلما صلى ركعة جاء الإمام وأقام الصلاة فقطع الصلاة: يقطع الصلاة ويتكلم ويصلي مع الإمام. ونحو هذا نقل بكر بن محمد، ونقل حنبل عنه: إذا صلى ركعتين أو ثلاثًا ثم أقيمت الصلاة يسلم من هذه وتصير له تطوعًا ويدخل معهم، وظاهر هذا أنه لا يقطعها.
وجه الأولى: أن هذا خروج لغرض صحيح فيجب أن يجوز كما قلنا في فسخ الحج إلى العمرة.
ووجه الثانية: أنه يمكنه أن يقتصر على بعض صلاته فتكون نافلة صحيحة، ويدرك الفضيلة فيجمع بين الفعلين، فتكون أولى من البطلان.
قصر الصلاة في سفر النزهة:
١٠٧ - مسألة: واختلفت في القصر في سفر النزهة.
فنقل مهنا فيمن خرج إلى بلد يريد النزهة بها: لا يقصر الصلاة. وظاهر
стр. 156
هذا المنع محمول على طريق الاختيار. ونقل ابن منصور أن ابن مسعود يقول: لا يقصر الصلاة إلا حاج أو غاز (١). قال أحمد: تقصر الصلاة في كل سفر. وظاهر هذا الجواز على الإطلاق.
وجه الأولى: أنه ليس بسفر طاعة فلا يباح فيه القصر كسفر المعصية، ولا يلزم عليه سفر التجارة، لأن ذلك سفر طاعة يدل عليه ما روى ابن أبي الدنيا في كتاب إصلاح المال بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "طلب الحلال جهاد" (٢)، "التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء" (٣). وبإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "طلب الحلال جهاد (٤)، "إن الله يحب العبد المحترف (٥).
стр. 157
وبإسناده عن عمر قال: ما خلق الله ميتة أموتها بعد القتل في سبيل الله أحب إلي من أن أموت بين شعبتي جبل أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله (١).
ووجه الثاني: أنه سفر مباح أشبه سفر التجارة.
الإقامة التي يجب فيها الإتمام:
١٠٨ - مسألة: إذا نوى إقامة زيادة على أربعة أيام أتم في أصح الروايتين، نقلها أبو داود وابن إبراهيم، لأنه نوى زيادة على أربعة أيام أشبه إذا نوى خمسة أيام. ونقل عبد الله والأثرم: إذا نوى إقامة إحدى وعشرين صلاة قصر، وإن نوى زيادة صلاة أتم للخبر، ولفظه ما روى ابن عباس وجابر أن النبي ﷺ قدم مكة صبيحة الرابع من ذي الحجة، وخرج منها إلى منى يوم التروية، وكان حاجًا والحاج لا يخرج إلى منى قبل يوم التروية. (٢)
فوجه الدلالة: أنه نوى المقام أكثر من أربعة أيام وقصر.
الصلاة في السفينة مع القدرة على الخروج منها:
١٠٩ - مسألة: واختلفت في الصلاة في السفينة مع القدرة على الخروج. فنقل عبد الله: إذا لم يمكنهم الخروج صلوا في السفينة فأما إذا كان يمكنهم الخروج خرجوا حتى يصلوا (٣) على الأرض. فظاهر هذا منع الصلاة فيها، لأنها ليست حال استقرار أشبه الراحلة.
ونقل أبو الحارث والأثرم وغيرها جواز الصلاة فيها مع القدرة على
стр. 158
الخروج، لأنه يتمكن في العادة من القيام والركوع والسجود فأشبه إذا كانت واقفة على الأرض.
وجوب الصلاة مع العجز عن أفعالها:
١١٠ - مسألة في المريض إذا عجز عن أفعال الصلاة هل تسقط عنه الصلاة؟ نقل الجماعة أنها لا تسقط فبعضهم نقل عنه في المغمى عليه: يقضي وبعضهم يقول إذا صلى مضطجعًا صلى على جنب. ونقل أبو بكر المستملي محمد بن يزيد قال: مرض أبو عبيد الله أحمد بن حنبل ﵁ فوضأته فقلت له: تصلي مرة أو مرتين؟ فقال: أما سمعت حديث أبي سعيد فلم يصل. فظاهر هذا أنه لم ير وجوبها عليه. والحديث الذي ذهب إليه رواه إسماعيل بن رجاء عن أبيه قال: لما مرض أبو سعيد الخدري وضأته. قال: ثم قلت: الصلاة قال: قد كفاني إنما العمل في الصحة، ولأنه نوع مرض فجاز أن يسقط فرض الصلاة كالجنون.
والمذهب الأول: أن الصلاة لا تسقط ويصلي على حسب حاله لما روي في حديث عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال: "صل قائمًا فإن لم تطق فعلى جنب تومئ إيماء (١) ".
فقد أمر بالصلاة في حال المرض، وأمره بالإيماء، ولأن هذا نوع مشقة لا يزول معها التكليف فلم يسقط فرض الصلاة كالسفر. ويفارق هذا الجنون.
стр. 159
لأن هناك يسقط التكليف بدليل أن الصيام والحج لا يلزمه والمريض يتعلق به فرض الصيام بدليل أنه يقضيه والحج يتعلق بالمال.
السجود بالإيماء عند العجز عن السجود:
١١١ - مسألة: فإذا ثبت أن الصلاة لا تسقط عنه وإن عجز عن السجود بالأرض فإنه يومئ فإذا رفع إلى وجهه شيئًا فسجد عليه فهل يجزيه أم لا؟
نقل الميموني وحنبل عنه: إن شاء سجد على المرفقة، وإن شاء أومًا إلا أنه لا يسجد على عود، ظاهر هذا المنع. ونقل ابن منصور: ولا يسجد على شيء يرفعه إلى جبهته، فإن فعل فلا بأس، وإن سجد على المرفقة فهو أحب إلي من الإيماء. وظاهر هذا الجواز، ويمكن أن يحمل هذا على أنه أومأ إلى الحد الذي يمكنه ثم رفع إلى وجهه شيئًا سجد عليه فيجزيه لأن الفرض قد سقط بالايماء والدلالة على أنه لا يجزيه أن يرفع شئًا يسجد عليه من غير إيماء، ما روى ابن عمر عن النبي ﷺ قال: من استطاع أن يسجد فليسجد، ومن لم يستطع فلا يرفعن إلى جبهته شيئًا، وليكن سجوده ركوعا، وليكن ركوعه أن يومئ برأسه (١).
стр. 160
ولأنه كان يلزمه السجود بالأرض فإذا عجز عن ذلك وجب أن يلزمه ما يقدر عليه من الإيماء، فإذا رفع إلى وجهه شيئًا فقد ترك الإيماء.
صلاة المريض على الراحلة إذا شق عليه النزول:
١١٢ - مسألة: واختلفت في صلاة المريض على الراحلة إن كان يشق عليه النزول.
فنقل أبو طالب أنه لا يجوز، لأنه ليس عليه في نزوله وصلاته على الأرض مشقة غالبة بل قد يكون في نزوله وصلاته على وجه الأرض أسكن لجسمه وبدنه، وما يلحقه في حال صعوده ونزوله فهو يسير لا حكم له فهو يجري مجرى ما يلحقه من المشقة حال نزوله، وهو الصحيح، ويفارق هذا الطين والمطر لأن عليه في ذلك مشقة غالبة في ثيابه وبدنه.
ونقل أبو إسحق بن إبراهيم ومهنا الجواز لأن عليه المشقة في النزول فأشبه لو كان سائرًا في ماء وطين وكان يتأذى بنزوله فإنه يصلي على الراحلة.
نية القصر:
١١٣ - مسألة: اختلف أصحابنا في المسافر إذا عزم على القصر هل عليه نية القصر؟
فقال الخرقي: ينوي القصر، وهو أصح، لأن الأصل الإتمام، والقصر ترفيه ورخصة فإذا أحرم بالصلاة من غير نية القصر (١)، انعقدت بالإتمام الذي هو الأصل. وقال أبو بكر: لا يحتاج إلى نية القصر، لأن السفر سبب القصر كما أن الحضر سبب الإتمام، فلا يحتاج في الحضر إلى نية التمام كذلك في السفر.
سقوط الجمعة عن العبد:
١١٤ - مسألة: واختلفت في العبد هل يجب عليه الجمعة.
стр. 161
فنقل ابن منصور وصالح: لا جمعة عليه لقول النبي ﷺ : "لا جمعة على عبد (١) ".
ونقل المروذي عنه في عبد سأله أن مولاه لا يدعه هل يذهب من غير علمه؟ فقال: إذا نودي فقد وجبت عليك وعلى كل مسلم لقوله تعالى: (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا) (٢).
وهذا عام، ولأنه ذكر مقيم صحيح فلزمته الجمعة كالحر.
العدد الذي تنعقد به الجمعة:
١١٥ - مسألة: واختلفت في العدد الذي تنعقد به الجمعة فنقل الأثرم وإبراهيم بن الحارث أربعون لما روى أن أول جمعة جمعت في الإسلام كان العدد أربعين (٣) ومعلوم أن ما دون الأربعين قد كانوا موجودين فلو كان فرض الجمعة قد وجب لأقيمت، ولو كان العدد يزيد على ذلك لم يجز إقامتها.
ونقل محمد بن الحكم إذا كان القوم في موضع واحد خمسين جمعوا الجمعة، ويحتمل أن يكون هذا القول منه لا على طريق التحديد، لكن على معنى أن
стр. 162
الجمعة قد تلزم عددًا مبلغه هذا القدر وقد روى أبو أمامة عن النبي ﷺ أنه قال: على الخمسين جمعة وليس فيما دون ذلك (١).
الإنصات حال خطبة الجمعة.
١١٦ - مسألة: في الإنصات عند سماع الخطبتين هل هو واجب أم لا؟ فنقل أبو داود قال: سأل رجل أحمد أرى الرجل يتكلم والإمام يخطب (قال) ليس له أومئ إليه.
وكذلك نقل أبو طالب، وظاهر هذا وجوب الإنصات، ونقل أحمد بن الحسن الترمذي أنه سأل أحمد إذا تكلم والإمام يخطب (فقال): ليس عليه شيء لحديث أنس: أن رجلًا سأل النبي ﷺ وهو يخطب، فقال استسق لنا (٢)، وظاهر هذا أنه غير واجب.
وجه الأولى: وهي أصح ما روى ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كالحمار يحمل أسفارًا (٣) ".
стр. 163
وجه الثانية: أنها عبادة لا يفسدها الكلام فلم يحرم فيها كالطواف والأذان.
رد السلام وتشميت العاطس حال خطبة الجمعة:
١١٧ - مسألة: وإذا ثبت أن الإنصات واجب فهل يجوز في حال الاستماع رد السلام وتشميت العاطس؟
نقل أبو داود وأبو طالب عنه: لا يرد ولا يشمت.
ونقل علي بن سعيد: لا بأس برد السلام وتشميت العاطس والإمام يخطب.
ووجه الأولى: أنها عبادة حرم (١) فيها الكلام فحرم فيها رد السلام وتشميت العاطس كالصلاة.
ووجه الثانية: أنها عبادة لا يفسدها الكلام فلا تمنع من رد السلام وتشميت العاطس. دليله الطواف.
إمامة من لم يتول الخطبة في الجمعة:
١١٨ - مسألة: إذا خطب بهم واحد وصلى بهم آخر.
فنقل حنبل لا يجوز ذلك. ونقل (٢) أبو طالب: جواز ذلك. وأصل الروايتين جواز الاستخلاف في صلاة الجمعة، وفيه روايتان:
وجه الأولى: أنه ذكر يتقدم الصلاة فصح من غير الإمام كالأذان.
من كبر للإحرام في صلاة الجمعة مع الإمام ثم زحم فلم يتخلص حتى جلس الإمام للتشهد.
١١٩ - مسألة: واختلفت إذا كبر مع الإمام تكبيرة الإحرام وزحم فلم يتخلص حتى جلس الإمام للتشهد.
فنقل أحمد بن القاسم، وأبو الحارث، وبكر بن محمد: أنه يكون مدركًا للجمعة ويصلي ركعتين لأنه أدرك تكبيرة الإحرام مع الإمام والعدد موجود. فكان مدركًا كما لو كان أدرك ركعة فزحم عن الأخرى. ونقل ابن منصور
стр. 164
وصالح والحسن بن حسان: يصلي ظهرًا لأنه لم يدرك مع الإمام الركوع فلم يدرك الجمعة كما لو لم يدرك تكبيرة الإحرام.
تخطي الرقاب في المسجد لسد فرج الصفوف:
١٢٠ - مسألة: واختلفت إذا أتى المسجد فرأى بين يديه سعة وفرجة هل يتخطى ليسد تلك الفرجة؟
فنقل حنبل: لا يتخطى، لأنه يؤذي من مر أمامه. ونقل ابن القاسم: يتخطى لأنهم أسقطوا حرمة أنفسهم بتركهم الخلل أمامهم.
اشتراط إذن الإمام لإقامة الجمعة:
١٢١ - مسألة: واختلفت هل من شرط الجمعة إذن الإمام؟.
فنقل أبو الحارث وإسماعيل بن سعيد ليس من شرطها (إذن) الإمام ولا أمره، لأنها إقامة صلاة فلم يفتقر إلى إذن الإمام كسائر الصلوات.
ونقل المروذي ومحمد بن الحسين بن هارون وعلي بن سعيد ما يقتضي أنها لا تنعقد إلا (بإذن) الإمام أو بأمره، لأنه لا يصح لكل أحد إقامتها على الانفراد فوجب أن يكون من شرطها (إذن) السلطان. دليله الحدود.
صلاة الجمعة خلف المبتدع بدعة مكفرة:
١٢١ - مسألة: واختلفت إذا كان الإمام يكفر باعتقاد هل يتبع في صلاة الجمعة؟
فنقل المروذي عنه في إمام تكلم بكلام الجهمية: لا يصلى خلفه الجمعة، لأنه كافر بذلك، والكافر تزول إمامته الكبرى والصغرى فلا يتبع.
ونقل حنبل: يصلي ويعيد ولا يدع إتيان الجمعة، وكذلك نقل ابن منصور: لا يترك الجمعة لشيء، لأنها من أعلام الدين الظاهرة، فلو قلنا: لا يصلي خلفه أدى إلى تعطيلها، وما يعود بفساد صلاته يقضيه.
стр. 165
الوقت الذي يحرم فيه البيع يوم الجمعة:
١٢٢ - مسألة واختلفت في الوقت الذي يحرم فيه البيع يوم الجمعة.
فنقل حنبل وصالح والمروذي: إذا زالت الشمس يوم الجمعة حرم البيع. لأنه وقت لصلاة الجمعة فحرم البيع فيه. دليله بعد النداء يبين صحة هذا أن الحضور قد وجب بدخول الوقت، وإن لم يوجد الآذان فيجب أن يتعلق المنع به. ونقل ابن منصور: إذا أذن المؤذن حرم البيع والشراء لقوله: (إذا نودي الجمعةِ فاسعَوْا إِلى ذِكرِ اللهِ وذروا البيع) (١). فنهى عن هذا للصلاة من يوم (عند) النداء.
الدخول مع الإمام في تشهد الجمعة بنية الظهر:
١٢٣ - مسألة: واختلف أصحابنا فيه إذا أدرك الإمام في التشهد ودخل معه، هل ينوي الظهر أم الجمعة؟.
فقال الخرقي: ينوي الظهر لأنه لم يدرك ما يعتد به من الجمعة فلم يجز أن ينوي فيه الجمعة.
وقال إسحق بن شاقلا: ينوي نية الجمعة، ولا يجوز أن ينوي الظهر كما لو أدرك معه ركعة، ولأنه وإن لم يدرك ما يعتد به فهو في حكم ما يعتد به بدليل أن المسافر لو دخل في صلاة المقيم وهو في التشهد لزمه الإتمام كما لو أدرك ما يعتد به.
وقال أبو إسحق: ولأن الجمعة ليست ظهرًا مقصورة بدليل أنه يجوز فعلها قبل الزوال عندنا، وبدليل أنه يجوز أن يدخل مع الإمام في صلاة الجمعة قبل الزوال وإن كان في التشهد، وإن كان ما يقضيه بعد ذلك ظهرًا. فلو كانت ظهرًا مقصورة لم يجز فعلها قبل وقت الظهر. وأجود ما يقال أنه غير ممتنع أن يدخل نية الجمعة مع علمه أنه لا يصليها جمعة كالمسافر إذا أحرم بالصلاة بنية القصر وهو في سفينة ويعلم أنه يدخل في البلد قبل إكمالها، فإنه يصح ويلزمه إتمامها بعد دخوله كذلك ها هنا.
стр. 166
سفر من تلزمه الجمعة في يومها بعد الزوال:
١٢٤ - مسألة: ولا تختلف الرواية أنه لا يجوز السفر يوم الجمعة بعد الزوال واختلفت قبل الزوال.
فنقل أبو طالب عنه أنه قال: خرجنا من اليمن نريد عبد الرزاق يوم الجمعة ولم نصل فأصابنا شقًا. وهذا يدل على جواز السفر.
ونقل صالح عنه أنه قال: لا يخرج الرجل يوم الجمعة حتى يجمع، وهذا يقتضي المنع. ونقل أبو طالب عنه: يجوز الخروج للجهاد خاصة.
وجه الأولى: أنه سافر قبل دخول وقتها فجاز. دليله إذا سافر قبل طلوع الفجر.
وجه الثانية: أن التسبب إلى الجمعة واجب كوجوبها. بدليل أن من بعدت داره لزمه أن يتسبب إليها من أول النهار فيجب أن يحرم ذلك بطلوع الفجر.
ووجه الثالثة: أن النبي ﷺ جهز جيشًا وأمر عليه جعفرًا وعبد الله بن رواحة. فتأخر عبد الله فقال له النبي ﷺ : روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها (١).
صلاة الطالب للعدو وصلاة الخوف
١٢٥ - مسألة: واختلفت في الطالب هل يصلي صلاة الخوف، فنقل الأثرم
стр. 167
ومحمد بن الحسن: لا يصلي صلاة خائف، وهو أصح لأن العلة في ذلك هي الخوف والخوف معدوم إذا كان هو الطالب. ونقل أبو طالب: يصلي، وقد ذكر الخرقي الروايتين جميعًا في مختصره، لأن القصد من صلاة الخوف النكاية فيهم والتحرز منهم. فلما أجاز أن يصلي صلاة الخوف لأجل التحرز منهم جاز أن يصليها لأجل النكاية فيهم لوجود أحد المقصودين.
لبس الحرير في دار الحرب:
١٢٦ - مسألة واختلفت في لبس الحرير في دار الحرب.
فنقل إبراهيم بن الحارث: جواز ذلك لما روى قتادة عن أنس أن رسول الله ﷺ مرخص لعبد الرحمن والزبير في قميص الحرير في غزوة تبوك حين شكوا إليه القمل (١)، ونقل ابن منصور: منع ذلك لأن ما كان حرامًا في دار الإسلام كان حرامًا في دار الحرب كالزنا والسرقة.
стр. 168
صلاة العيدين
وقت انقطاع التكبير في عيد الفطر:
١٢٧ - مسألة: واختلفت في الوقت الذي ينقطع فيه التكبير في عيد الفطر.
فنقل حنبل: بعد فراغ الإمام من الخطبة لما روى أحمد في مسائل عبد الله قال: حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا ابن أبي ذئب عن الزهري قال: كان رسول الله ﷺ يخرج يوم عيد الفطر فيكبر من حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى، فإذا قضى الصلاة قطع التكبير (١). لأن الناس تبع للإمام، والإمام يقطع التكبير بعد فراغه من الخطبتين، ولأن التكبير من شعار الصلاة فما دامت الصلاة والخطبة قائمتين. فإنه يؤتى به.
ونقل الأثرم: إذا جاء الإمام إلى المصلى قطع. ومعناه إذا خرج الإمام للصلاة قطع لأنه يحتاج أن يتأهب للصلاة فيقطع حين يتأهب فأما قبل خروجه فإنه يكبر لأن الكلام، مباح، وأولى الكلام التكبير.
محل التكبير في صلاة العيد:
١٢٨ - مسألة: واختلفت في محل التكبير في صلاة العيد.
стр. 169
فنقل أبو داود، وأبو طالب، وأبو الحارث، وصالح: أن التكبير قبل القراءة في الركعتين جميعًا لأنها تكبيرات زائدة في صلاة العيد، فوجب أن تكون قبل القراءة.
وفي الثانية: بعد القراءة لأنه ذكر مسنون في حال القيام، فوجب أن يؤخر عن القراءة في الركعة الثانية قياسًا على القنوت في الوتر.
تكبير أهل القرى في صلاة العيد:
١٢٩ - مسألة: إذا صلى أهل القرى صلاة العيد فهل يكبرون في صلاتهم أم يصلون ركعتين؟
فنقل إبراهيم بن هاني: سئل أبو عبد الله ﵀ عن أهل القرى يجمعون صلاة العيد قال: نعم يخطبون ويصلون، ولكن إذا كان بإذن الأمير فهو أجود. وظاهر هذا أنهم يصلون كاهل الأمصار. وقال أبو حفص: روى عنه رواية أخرى يعني لا يكبرون قال حنبل: قلت لأحمد: كم ترى أن يصلوا العيد إذا كانوا في قرية؟ قال: مائة ونحوه. وقد روى أربعين يخرجون ويصلون ركعتين يكون ذلك بإذن الإمام، ولا يكبرون كما يكبر أهل الأمصار في الصلاة ابتداء التكبير إلى الإمام. وظاهر هذا أنها ركعتان بغير تكبير.
وجه الأولى: أنها صلاة عيد في وقتها أشبه صلاة المصر ولأنها صلاة تفعل في القرى، فيجب أن تفعل على صفتها في المصر كالجمعة.
ووجه الثانية: أن إقامة العيد والجمعة في القرى مختلف فيها، كما أن قضاء العيد مختلف فيه ثم إن قضاء العيد بغير تكبير أفضل فوجب أن تكون صلاة العيد في القرى بغير تكبير أفضل لأنها صلاة عيد تفعل في وقتها في المصر، فلم تفعل في القرى على صفتها (١) في المصر دليله الجمعة.
صفة قضاء صلاة العيد:
١٣٠ - مسألة: واختلفت في صلاة العيد إذا فاتت كيف تقضى؟
стр. 170
فنقل أبو طالب: أنه يصلي أربع ركعات بلا تكبير ولا خطبة، وهو اختيار الخرقي، وهو أصح لأنها تشرع لها الخطبة، فإذا فاتت مع الإمام صلاها أربعًا. دليله صلاة الجمعة.
ونقل بكر بن محمد وأحمد بن الحسين أنه يصلي ركعتين بتكبيرة لما روي عن أنس أنه كان إذا لم يشهد العيد مع الإمام بالبصرة وكان بمنزله بالظهر جمع أهله وولده ومواليه ثم أمر غلامه عبد الله بن أبي عتبة فيصلي بهم فيكبر تسع تكبيرات خمسًا في الأولى، وأربعًا في الآخرة. (١).
ونقل حنبل وصالح هو مخير إن شاء صلى أربعًا بلا تكبير، وإن شاء صلى ركعتين بتكبير لأنها أخذت سببها في الجمعة من جهة أنها صلاة فيها خطبة ذاتية، فكان القضاء بخلاف الأداء، وأخذت سببها من سائر النوافل، لأنها صلاة نفل فيجب أن تصح فرادى وجماعة، وتفعل قضاء كما تفعل أداء كسائر النوافل (٢) الراتبة.
التكبير عقب الصلاة لمن صلى منفردًا في أيام عيد الأضحى:
١٣١ - مسألة: واختلفت هل يكبر عقيب الصلاة الفرادي؟
فنقل صالح وعبد الله والأثرم: من صلى وحده لا يكبر، وهو اختيار أبي حفص، لأنها صلاة منفردة فأشبه النوافل ونقل ابن منصور: أحب إلي أن يكبر وهو اختيار الخرقي لأنها صلاة مفروضة فأشبه إذا صلى في جماعة.
الأيام المعلومات التي يشرع فيها الذكر في شهر ذي الحجة:
١٣٢ - مسألة: واختلفت في الأيام المعلومات.
فنقل يعقوب بن بختان: هي أيام العشر، لأن الله تعالى ذكر الأيام
стр. 171
المعلومات (١) والمعدودات (٢) وغاير بينهن، فاقتضى ذلك اختلاف المسمى، فلو قلنا: هي الأيام المعدودات لم نخالف بين المسمى.
ونقل المروذي: هي يوم النحر ويومان بعده. وروى في حديث ابن عمر: الأيام المعلومات هي يوم النحر ويومان بعده (٣) لقوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (٤). والتسمية على ذلك إنما يكون في يوم النحر وما بعده دون ما قبله فثبت أنه ليس ذلك من المعلومات.
عدد الركوع في صلاة الكسوف:
١٣٣ - مسألة: واختلفت في صلاة الكسوف.
فنقل حنبل والمروذي: أنها أربع ركعات وأربع سجدات، وهو أصح لما روي عن ابن عباس وعائشة أن النبي ﷺ صلى صلاة الكسوف (٥) وذكر الخبر بطوله، وكان فيه أربع ركعات، وأربع سجدات.
стр. 172
ونقل إسماعيل بن سعيد: أنها ثمان ركعات وأربع سجدات، وكذلك صلاة الزلزلة لما روى ابن عباس أيضًا قال صلى بنا رسول الله ﷺ في كسوف الشمس ثماني ركعات وأربع سجدات (١).
وروى حذيفة عن النبي ﷺ مثل ذلك (٢).
الخطبة في صلاة الاستسقاء:
١٣٤ - مسألة واختلفت هل في صلاة الاستسقاء خطبة أم لا؟
فنقل حنبل، وبكر بن محمد فيها خطبة، وهو أصح لما روى أبو هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ يستسقي فصلى بنا ركعتين بغير آذان ولا إقامة وخطب (٣).
ونقل يوسف بن محمد بن موسى، والمروذي، والفضل بن زياد: ليس فيها خطبة لأنها نافلة، تفعل لأجل عارض، فلم يكن من سببها الخطبة كالكسوف.
стр. 173
تأخير خطبة الاستسقاء عن الصلاة:
١٣٥ - مسألة: واختلف هل تكون الخطبة قبل الصلاة أم بعدها؟ على ثلاث روايات إحداها: تكون الخطبة بعد الصلاة. ونقل ذلك حنبل وبكر بن محمد، وهو أصح، لما تقدم من حديث أبي هريرة، قال: خرج رسول الله ﷺ يستسقي، فصلى بنا ركعتين وخطب (١).
فالظاهر أن الخطبة بعد الصلاة.
ونقل محمد بن الحسن بن هارون: يبدأ بالخطبة قبل الصلاة لما روى أنس أن النبي ﷺ استسقى فخطب قبل الصلاة (٢).
ونقل الميموني: لم أسمع فيه شيئًا وقبل وبعد واحد لأنها أخذت شبهًا من صلاة العيد، لأنها صلاة نافلة سن لها الخطبة فكانت بعدها كصلاة العيد، وأخذت شبهًا من صلاة الجمعة لأنها ليس فيها تكبير متتابع، فكانت كالجمعة، والجمعة يخطب لها قبلها، كذلك ها هنا.
كفر تارك الصلاة عمدًا:
١٣٦ - مسألة: واختلفت إذا ترك الصلاة هل يكفر بتركها؟
стр. 174
فنقل أبو طالب وقد سئل هل يكفر؟ قال: الكفر شديد لا يقف عليه أحد، ولكن يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه لأنها من فروع الدين أشبه الصوم والحج. ونقل أبو داود عنه: إذا قال لا أصلي فهو كافر.
وكذلك نقل العباس بن أحمد اليماني: لا يرث ولا يورث، وهو أصح، لأنه يحكم بإسلامه بفعلها فكفر بتركها كالشهادتين، ولأن النيابة لا تدخلها بمال ولا ببدن أشبه الشهادتين.
عدد الصلوات التي يقتل بعد تركها:
١٣٧ - مسألة: واختلفت بكم صلاة يكفر، ويجب قتله، على روايتين:
إحداهما: بترك ثلاث صلوات (١)، فإذا ضاق وقت الرابعة عن فعلها وجب قتله، قال في رواية يعقوب بن بحتان: إذا ترك صلاة أو صلاتين ينتظر عليه، ولكن إذا ترك ثلاث صلوات لأنه يجوز أن يكون شبهة دخلت عليه فلهذا لم يقتل إلا بترك ثلاث صلوات متواليات وضيق وقت الرابعة.
والثانية: إذا ترك صلاة وضاق وقت الثانية وهو على تركها قال في رواية أبي طالب: إذا ترك الفجر عامدًا حتى وجبت عليه أخرى فلم يصلها يستتاب، فإن تاب وإلا ضرب عنقه وهو أصح لأن القتل إنما يجب بترك الصلاة المفروضة في وقتها، وهذا المعنى موجود في الصلاة الأولى وليس تأخيره ثلاث صلوات بأولى من تأخيره أربع وخمس وست، وأجمعنا على أن ذلك غير معتبر. وحكى شيخنا عن إسحاق بن شاقلا انه كان يقول: إن ترك صلاة إلى وقت لا يجمع معها مثل: أن يؤخر الفجر إلى الظهر والعصر إلى المغرب قتل، وإن تركها إلى وقت يجمع معها كالظهر إلى العصر والمغرب إلى العشاء لم يقتل لأن وقت العصر وقت الظهر في حق الجميع وفي حق الإدراك، وكذلك وقت العشاء وقت المغرب فلم يكن مؤخرًا لها عن وقتها، وهذا المعنى معدوم في تأخير الفجر إلى الظهر والعصر إلى المغرب.
стр. 175
كتاب الجنائز
ويشمل الموضوعات الآتية:
الأولى: مسائل في عيادة المريض.
الثاني: مسائل في تغسيل الميت.
الثالث: مسائل في الصلاة على الجنازة وحملها.
الرابع: مسائل في اتباع الجنازة ودفنها.
الخامس: مسائل في زيارة القبور والقراءة عليها.
стр. 176
كتاب الجنائز
عيادة أهل الذمة:
١ - مسألة: واختلفت هل يكره للمسلم عيادة اليهودي والنصراني؟
فنقل جعفر بن محمد: كراهية ذلك. وقال: لا، ولا كرامة لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: لا تبدأوهم بالسلام (١).
ونقل أبو منصور الأصبهاني جواز ذلك لما روى أنس أن النبي ﷺ عاد يهوديًا ونصرانيًا فقال: كيف أنت يا يهودي، كيف أنت يا نصراني (٢)؟.
стр. 177
وروى أنس أن النبي ﷺ كان إذا عاد رجلًا على غير دين الإسلام لم يجلس عنده (١).
فأما تعزية الذمي فإنه يخرج على روايتين كالعيادة.
تغسيل المرأة من فوق الثياب إذا لم يوجد امرأة تغسلها:
٢ - مسألة: واختلفت في المرأة إذا ماتت مع الرجال وليس هناك امرأة أو مات الرجل مع النساء وليس هناك رجل.
فنقل حرب: ييمم وهو أصح. لأن الغسل إذا تعذر أقيم التيمم مقامه كالحي. ونقل حنبل لفظين: أحدهما مثل هذا.
والثاني: تغسل من فوق ثوب، لأن الغسل واجب، وإنما سقط ها هنا لأجل ما فيه من النظر إلى الصورة، فإذا غسلت في ثيابها فليس فيه إظهار لصورتها.
تغسيل الخنثى من فوق الثياب:
٣ - مسألة: واختلفت في الخنثى.
فنقل محمد بن عبده: أنه ييمم، لأنه يحتمل أن يكون ذكرًا، فلا يغسله النساء، ويحتمل أن يكون أنثى، فلا يغسله الرجال.
ونقل أحمد بن العباس بن أشرس أنه يغسله الرجال ويصلون عليه. ومعناه أنه يغسل من فوق ثوب كما قلنا في الرجل إذا مات بين النساء، والمرأة بين الرجال.
تغسيل الرجل لزوجته:
٤ - مسألة واختلفت في الرجل هل يغسل زوجته.
فنقل حنبل: جواز ذلك، لأن كل فرقة حصلت بالوفاة لم تحرم الغسل، كما
стр. 178
لو مات الزوج، وكل شخص حل له غسل شخص حل لذلك الشخص غسله كالأخوين والأختين.
وتوقف عنه في رواية صالح وعبد الله والأثرم، وهو ظاهر كلام الخرقي ﵀ لأن له أن يتزوج أختها وأربعًا سواها فوجب أن يمنع من غسلها كالأجنبية.
عدم نجاسة الآدمي بالموت:
٥ - مسألة: واختلفت هل ينجس الآدمى بالموت؟.
فنقل صالح وأبو الحارث ما يدل على نجاسته فقال: الآدمي إذا مات في الماء (١) فهو نجس ينزح. وسأله المروذي عن الماء الذي ينتضح من غسل الميت فيصيب الثوب أو الخف يرى أن يغسل قال: نعم لأنه حيوان لا يؤكل لحمه بعد الموت فحكم بنجاسته كسائر الحيوانات غير السمك والجراد ونقل جعفر بن محمد ما يدل على طهارته فقال: سألته عن الميت يغسل في البيت فيدخل الماء الحفيرة ينجس البيت؟ قال: لا، ولكن يرش عليه فلو كان نجسًا لحكم بنجاسة الماء. وقال في رواية مهنا: يصلي في الثوب الذي نشف فيه الميت ولو كان نجسًا لم يطهر بالغسل، فإذا لم يطهر وجب أن ينجس الثوب الذي نشف فيه ويمنع من الصلاة فيه.
وهو أصح لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: لا تنجسوا موتاكم فإن المسلم لا ينجس حيًا ولا ميتًا (٢).
ولأنه شرع غسله، فلو كان نجسًا لم يطهر بالغسل.
стр. 179
عدم نجاسة أعضاء الآدمي بانفصالها عنه حال الحياة:
٦ - مسألة: واختلفت أيضًا في الأعضاء إذا انفصلت عنه في حال الحياة هل هي نجسة أم لا؟.
فنقل المروذي في الرجل ينقلع ضرسه ثم يرده ثم يرده إلى موضعه فيمكث أيامًا فيصلي فيه ثم ينقلع فقال: كان الشافعي يقول: يعيد لأنه صلى في ميتة وما أبعد ما قال. بل لو أخذ سن شاة فوضعه لم يكن به بأس وذهب إلى أن يعيد ما صلى. وكذلك نقل إسحق بن إبراهيم، وهو أصح لأنه ما شرع غسله فكان نجسًا. ونقل الأثرم عنه في الرجل يقتص منه من أذن أو أنف فيأخذ المقتص منه فيعيد، بحرارته فيثبت هل تكون ميتة؟ فقال: أرجو أن لا يكون به بأس. وكذلك نقل صالح فيمن قطع عضوًا من أعضائه فأعاده مكانه فلا بأس. فقيل له يعيد سنه؟ قال: أما سن نفسه فلا بأس، وهذا يدل على الطهارة لأنه بعض من الجملة فلما كانت الجملة طاهرة كانت أبعاضها طاهرة.
ما يوضع على الميت في قبره:
٧ - مسألة: واختلفت هل الأفضل أن يجعل على الميت في قبره القصب أم اللبن؟.
فنقل الميموني عنه وقد سئل: أيما أحب إليك اللبن أو القصب؟ فقال: اللبن. لما روى عن سعيد (١) أنه قال: اصنعوا بي كما صنع برسول الله ﷺ انصبوا على اللبن وهيلوا على التراب (٢).
стр. 180
ونقل عبد الله بن محمد الفقيه: القصب أحب إليّ، لأن النبي ﷺ وضع على قبره طن قصب (١): وروي عن الشعبي قال: جعل على لحد النبي ﷺ طن قصب (٢).
وقال عمرو بن شرحبيل: اطرحوا على قبري طنًا من قصب فإنني رأيت المهاجرين يستحبونه على ما سواه (٣).
الصلاة على شهيد المعركة:
٨ - مسألة: واختلفت في الصلاة على شهيد المعركة.
فنقل صالح: لا يصلي عليه، وهو اختيار الخرقي لأنه لا يغسل مع إمكان الغسل. فلم يصل عليه كالسقط.
ونقل إسحق بن هانئ: إذا قتل في المعركة لا يغسل ويصلى عليه، لأن الامتناع من الصلاة يكون لانقطاع الموالاة ووجوب البراءة كالكافر، والشهادة تؤكد الموالاة فلم يمنع من الصلاة.
الصلاة على شهيد غير المعركة:
٩ - مسألة: واختلفت في شهيد غير المعركة مثل الذي يقتله اللصوص ومن قتل ظلمًا دون ماله ونفسه عمدًا.
فنقل صالح وأبو الحارث: أنه كشهيد المعركة لا يغسل، وهل يصلى عليه؟ على روايتين: لأنه قتل بغير حق، ولا وجب عليه غسل في حال الحيال أشبه شهيد المعركة. ونقل أبو طالب أنه كسائر الأموات يغسل ويصلى عليه لأنه مات في غير معركة المشركين أشبه سائر الأموات.