في يد الزوج سنين لم تقبضه ثم وهبته للزوج هل تجب الزكاة على الزوج أم على الزوجة؟
فنقل حرب روايتين، إحداهما: أن الزكاة على الزوجة، وكذلك نقل إبراهيم بن هانئ ويعقوب بن بختان لأنها، ملكته بالعقد فكانت الزكاة عليها كما لو كان الصداق مالا معينا فإن الزكاة عليها (١) رواية واحدة. ونقل حرب رواية أخرى أن الزكاة على الزوج لأنها ملكت عليه ما لم يزل ملكه عنه، لأن ما كان دينا في الذمة فملكه عليه باق قبل أن يعينه، فإذا وهبت له ذلك فكأن ملكه ما زال عن هذا الصداق، فلهذا كانت الزكاة عليه، ويفارق هذا لو كان (٢) الصداق عينًا لأنها ملكت عنه ما زال ملكه عنه، فإذا ملكه (٣) عنها بعد ذلك لم يكن عليه الزكاة.
اعتبار نصاب ثمر النخل والعنب بحالة الجفاف:
١٧ - مسألة: واختلفت في ثمرة النخل والكرم هل يعتبر نصابها بعد جفاف الثمر، أم في حال رطوبتها؟
على روايتين، إحداهما: يعتبر بعد جفافه، فإذا حمل النخل القدر الذي إذا جف وأثمر (٤) كان خمسة أوسق وجبت فيه الزكاة، وكذلك الكرم، فأما إذا كان مبلغه رطبًا خمسة أوسق وينقص عنه إذا جف فلا زكاة فيه، وهذا ظاهر ما نقله أبو الحارث، فقال: النخل والعنب يخرص على أهله ويؤخذ منهم العشر إذا أتمر، فظاهر هذا أنه اعتبر نصابه بعد جفافه، وكذلك نقل حنبل إذا خرص فترك في رؤوس النخل فأصابه جائحة فذهبت الثمرة سقط عنه ولم يؤخذ منه، وهذا يدل على أن النصاب معتبر بحال (٥) الجفاف إذ لو كان معتبرا
стр. 212
في الحال لم تسقط الزكاة والوجه فيما روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة (١).
ونقل الأثرم ما يدل على أن النصاب معتبر في حال رطوبته، فإذا بدا الصلاح في النخل والكرم ومبلغه خمسة أوسق رطبًا وينقص (٢) إذا جف وجبت الزكاة ولفظ كلامه أنه سئل عن الخارص يخرص مائة وسق، وهذا يؤول إلى أن يكون تسعين وسقا فقال: كان الشافعي يقول: يخرص على ما يؤول إليه وإنما هو على ظاهر الحديث، ومعناه أن النبي ﷺ خرص عليهم ولم يعتبر الجفاف وقيل له أيضًا: إذا خرص عليه مائة وسق رطبًا يعطي عشرة أوسق تمرًا فقال: نعم على ظاهر الحديث. فظاهر هذا أنه أوجب في الرطب تمرًا، ولفظ الحديث رواه سعيد بن المسيب عن عتاب بن أسيد قال: لما بعثني رسول الله ﷺ إلى مكة قال: "اخرص عليهم العنب، وخذ منهم زبيبًا كما تخرص عليهم الرطب، وتأخذ منهم تمرًا (٣) فظاهر الحديث أن النبي ﷺ أمره بخرص العنب والرطب ولم يأمره أن يعتبر نقصان ذلك، وإلى هذا ذهب أبو بكر في
стр. 213
كتاب الخلاف وأيضًا فإن حال رطوبته حالة لإيجاب الزكاة (١) فيه فكان النصاب معتبرًا بها دليله حالة الجفاف ولا يلزم عليه ما قبل هذه الحالة.
أعني (٢) حالة الإرطاب لأنه ليس بحالة للوجوب. وقد أومأ إليه أحمد في رواية ابن منصور، ويكره أن يبيع الثمرة حتى تطيب فإن باعها قبل أن تطيب نسخته، وإن باعه ثمرة قد طابت فالزكاة على البائع، فأوجب الزكاة إذا باعها بعد أن طابت. فالزكاة على البائع، والأولى أشبه عندي بالمذهب.
ووجهه حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر ولا حب صدقة (٣) " فنص على التمر. ولأنه لو كان النصاب معتبرًا في حالة رطوبته لجاز الإخراج منه. كسائر الأموال. ولما وجب الإخراج من التمر والزبيب. دل على أن تلك حالة الوجوب.
وقد نص أحمد على أن المأخوذ تمر أو زبيب، وبه جاءت السنة في حديث عتاب بن أسيد قال أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرص العنب كما نخرص النخل ونأخذ زكاته زبيبًا كما نخرص النخل ونأخذ زكاته تمرًا (٤).
والأولى أشبه عندي بالمذهب.
الزكاة في الزيتون:
١٨ - مسألة: واختلفت في الزيتون هل فيه صدقة؟
стр. 214
فنقل يعقوب بن بختان: ليس فيه صدقة لأنه لا يدخر في العادة فأشبه التين. ونقل صالح في الزيتون العشر إذا بلغ ستين صاعًا لعموم قول النبي ﷺ : فيما سقت السماء العشر (١).
الزكاة في القطن:
١٩ - مسألة: واختلفت في القطن هل فيه صدقة؟
فنقل أبو داود: ليس فيه زكاة، وهو اختيار أبي بكر، وهو أصح، لأنه غير مكيل فلا زكاة فيه كسائر الخضروات، ونقل يعقوب بن بختان: فيه الزكاة لعموم قوله: فيما سقت السماء العشر.
الزكاة في الزعفران
٢٠ - مسألة: واختلفت في الزعفران:
فنقل يعقوب بن بختان روايتين: إحداهما: لا زكاة فيه، وهو اختيار أبي بكر لأنه غير مكيل أشبه الفواكه، والثانية: فيه الزكاة لعموم قوله ﵇ فيما سقت السماء العشر (٢)، والصحيح من المذهب في هذه الأشياء وافق الأصل الذي اعتبرناه من الكيل والادخار.
стр. 215
ضم الحبوب إلى بعضها في تكميل النصاب:
٢١ - مسألة واختلفت في ضم الحبوب بعضها إلى بعض في تكميل النصاب وإيجاب الزكاة على ثلاث روايات إحداها: لا يضم شيء منها بعضه إلى بعض.
قال في رواية ابن القاسم وإسحاق بن إبراهيم: ما أخرجت الأرض لا أضم بعضه إلى بعض، لأنها جنسان، فلم يضم بعضها إلى بعض، دليله التمر والزبيب.
والثانية: يضم بعضها إلى بعض فتضم الحنطة إلى الشعير وإلى القطاني، وهذا ظاهر ما نقله الميموني، فقال: اختلفوا في هذا (١)، والأحوط أن يجمعها كلها إذا كانت تكال بالقفيز مثل الحنطة، والأرز، والعدس، فتزكى هذه تكال ويقع عليها اسم الحب فتجمع فتزكى، وليس هذا مثل التمر فيضمه إليه، لأن النبي ﷺ فرق بينهما فقال: ليس على مال مسلم صدقة في حب ولا ثمر (٢). ففرق بين الحب والثمر (٣)، فظاهر هذا أن جميع الحبوب من المقتات (٤) والقطاني، فيضم بعضها إلى بعض في إكمال النصاب، وإيجاب الزكاة، ولأنها فروع لأصول لا تتنافى فيجب (٥) أن يضم بعضها إلى بعض دليله أنواع الحنطة وأنواع الشعير، ولا يلزم عليه الثمار أنها لا تضم لأنها فروع لأصول تتنافى فلهذا لم تضم (٦).
стр. 216
والرواية الثالثة: تضم الحنطة إلى الشعير، ولقطنيات بعضها إلى بعض، ولا تضم القطنية إلى الحنطة ولا إلى الشعير، وهذا ظاهر ما نقله أبو الحارث فقال: إذا أخرجت أرضه حنطة وسمسما هل يضم؟ فقال: فيه اختلاف وكل ما كان من القطاني يضم بعضه إلى بعض، فظاهر هذا أنه لم يضمه إليه لأن الحنطة والشعير في معنى الجنس الواحد، لأنها يتفقان في الخلقة والمنفعة (فأشبه أنواع الحنطة وأنواع الشعير، وكذلك الأرز والعدس يتفقان في المنفعة (١)) لأنها يؤكلان طبخًا وأدما، والحنطة والشعير يؤكلان قوتًا. فلهذا ضمت القطاني بعضها إلى بعض، والحنطة والشعير بعضه إلى بعض، ولم يضم القطاني إلى الحنطة والشعير لاختلافهما في المنفعة، وكذلك لم يضم التمر إلى الزبيب، لاختلافها في الخلقة والمنفعة لأن منفعة التمر أعم من منفعة الزبيب، لأن التمر أعم في الاقتيات، ويصنع منه ما لا يصنع من الزبيب، وهو جميع ما يعقد بالنار، وقد نقل إسحاق بن إبراهيم عن أحمد ﵀ أنه رجع عن هذه المسألة، قال: ويضم الذهب إلى الفضة فيزكى، وكذلك الحنطة والشعير يضم بعضه إلى بعض، ويزكى القليل إلى الكثير، فظاهر هذا أن أحمد (٢) ﵀ رجع عن قوله بترك الضم وأنه رأى الضم (٣)، وهو الصحيح في المذهب.
ضم الذهب إلى الورق في تكميل النصاب:
٢٢ - مسألة: واختلفت الرواية - أيضًا - في ضم الذهب إلى الورق في تكميل النصاب، فنقل المروذي وابن إبراهيم: يضم، لأن زكاتها ربع العشر في عموم الأحوال فضم بعضها إلى بعض، دليله أنواع الدراهم، وأنواع الدنانير، ولأنهما من جنس الأثمان. ونقل حنبل وسندي: لا يضم، لأنها جنسان أشبه التمر والزبيب.
стр. 217
تأثير نقص النصاب اليسير في إسقاط الزكاة:
٢٣ - مسألة: إذا نقصت المائتان ثلث درهم (١)، والعشرون مثقالًا ثلث مثقال (٢)، هل تجب فيها الزكاة؟
فنقل عبد الله إذا نقصت المائتان ثلث درهم فلا شيء فيها، وهو أصح لأنه نقصان بين فأسقط الزكاة دليله النصف وزيادة عليه، ولا يلزم الجبة والحبتين، لأن ذلك النقصان ليس ببين، ونقل أيضًا في موضع آخر: إذا ملك عشرين دينارًا غير ثلث زكاها، فإن كان غير نصف فلا زكاة، وظاهر هذا أنه أوجب الزكاة لما روي عن علي ﵁ انه قال في عشرين مثقالًا غير ثلث زكاة (٣).
الزكاة فيما يخرج من البحر:
٢٤ - مسألة: واختلفت فيما يخرج من البحر من لؤلؤ ومرجان وزبرجد ودر وعنبر ونحو ذلك غير السمك هل فيه زكاة؟
فنقل صالح وأبو الحارث: لا زكاة فيه، وهو أصح، لأن الزكاة إنما تجب في الأموال النامية أو المرصدة للنماء كالثمار والماشية، وهذه الجواهر ليست نامية (٤)، ولا مرصدة للنماء، وإنما هي معدة للاستعمال (٥) المعتاد، فلهذا لم تجب الزكاة، ونقل الميموني: فيه الزكاة إذا بلغت قيمته نصابًا (لأنه تملك بما تعجل دفعة واحدة فوجب أن يجب فيه حق كالركاز، ولا يلزم على هذا السمك إذا بلغ مائتين ففيه الزكاة كأنه صياد صار في يديه منه ثمن مائتي درهم يزكيه (٦).
стр. 218
دخول أموال القنية في مال التجارة إذا نويت للتجارة
٢٥ - مسألة: واختلفت إذا اشترى سلعة للقنية ثم نواها للتجارة هل تصير للتجارة بمجرد النية؟.
فنقل صالح أنها لا تصير بذلك، وهو اختيار الخرقي، لأن كل ما لم يكن في أصله الزكاة لم يجر في حول الزكاة بمجرد النية دليله الماشية إذا كانت معلوفة فنواها للسوم لم يجر في حول الزكاة بمجرد النية، ونقل ابن منصور: أنها تصير للتجارة وهو اختيار أبي بكر، لأنه لو كان جاريًا في حول التجارة فنوى القنية لانقطع عن الحول بمجرد النية، كذلك إذا كان للقنية فنوى التجارة وجب أن يجري في حول التجارة بمجرد النية.
شراء المزكي للزكاة ممن أعطاها إياه:
٢٦ - مسألة: إذا أخرج الزكاة بنفسه ودفعها إلى المسكين، فهل يجوز له أن يبتاعها أم لا؟.
نقل المروذي وأبو طالب: إذا تصدق بشيء فلا يشتريه، واحتج بحديث عمر، وظاهر هذا إبطال البيع.
ونقل حنبل عنه ما أحب أن يشتريها، وظاهر هذا الكراهة من غير تحريم. وجه الأولى ما روي أن عمر ﵁ تصدق بفرس في سبيل الله فوجده يبتاع فسأل النبي ﷺ أن يشتريه، فقال: لا تعد في صدقتك (١) والنهي يقتضي الحظر. ولأن العادة أن يسامحه فمنع من ذلك لئلا يعود في جزء منها.
стр. 219
ووجه الثانية: أن ملكها بالشراء أحد جهات التملك لها، فصح كالميراث والهبة، ولأنها صدقة يجوز لغيره شراؤها فجاز له دليله صدقة غيره.
إسقاط الديون للزكاة في الأموال الظاهرة:
٢٧ - مسألة: واختلفت في الدين هل يسقط الزكاة في الأموال الظاهرة، كالحبوب، والثمار، والمواشي؟
فنقل إسحاق بن إبراهيم: أنها تسقط كالأموال الباطنة، وهو اختيار الخرقي، وهو أصح لأنه حق يجب بوجود مال فوجب أن يمنع الدين منه كالحج، ولأنه مال تجب فيه الزكاة فسقطت بالدين. دليله: الأموال الباطنة ونقل عنه الأثرم، وإبراهيم بن الحارث، وبكر بن محمد: أنه لا يمنع بخلاف الأموال الباطنة، لأن وجوب الزكاة في الأموال الباطنة أضعف من وجوبها في الظاهرة بدليل أن للإمام حقًّا في المطالبة في الظاهرة. ويجب الدفع إليه فيصير كأنه قد تعلق به حقان. حق الله تعالى، وحق للإمام، وهو الآخذ. وهذا المعنى معدوم في الأموال الباطنة فكانت أضعف فجاز أن يسقط الزكاة فيها لضعف سببها، ولأن أصلنا أنه إذا كان عليه دين وله مال ناظ وعروض من ماشية وغيرها فإنه يجعل الدين في مقابلة الناض دون المواشي والحيوان، وهذا أيضًا يدل على نقصان الملك في الأموال الباطنة لتوجه المطالبة، نحوها وقوة الأموال الظاهرة لسلامتها عن المطالبة.
وجوب الزكاة في المال المغصوب:
٢٨ - مسألة: واختلفت في المال المغصوب: هل تجب فيه الزكاة؟
فنقل الميموني، والأثرم، وإبراهيم بن الحارث لا زكاة لأن كل مال منع الإنسان من الانتفاع به، ولم تكن يده ثابتة عليه لم يجب عليه فيه زكاة، دليله مال المكاتب، ونقل مهنا وأبو الحارث فيه الزكاة، وهو أصح لأن ملك المغصوب منه باق عليه، وإنما زالت يده عنه، وزوال ذلك لا يمنع كالوديعة، والرهن والإجارة.
стр. 220
وقت وجوب الزكاة في الأجرة المقبوضة عند عقد الإجارة:
٢٩ - مسألة: واختلفت إذا أجر ملكه بمال مبلغه نصاب هل تجب الزكاة الأجرة في الحال، أم حتى يحول عليه الحول؟
فنقل بكر بن محمد، ومهنا: لا زكاة حتى يحول عليها الحول، وهو الصحيح لأن الأجرة ملكها بعقد. معاوضة فاستقبل بها حولًا دليله أثمان البياعات. ونقل حنبل: أنه قيل له: قال مالك في إجارة العبيد والمساكين لا تجب الزكاة في ذلك حتى يحول عليه الحول من يوم قبضه. قال أحمد: وأنا أرى ذلك من يوم قبضه (١). ويصير مالًا ففيه الزكاة.
ووجه هذه الرواية: أن الأجرة مستفادة من نماء ملكه، ولمن يعتبر فيها الحول. دليله السخال. والربح في مال التجارة، وثمرة النخلة ولا يعتبر الحول في ذلك. لأنه من مال هو ملكه، كذلك الأجرة، ويفارق هذا أموال أثمان البياعات لأن تلك أملاك مبتدئة وليست بنماء ما هو في ملكه. ولهذا استقبل بها حولًا، ويمكن أن يحمل قوله وأنا أرى ذلك قبضه معناه أن يبتدئ الحول من يوم يقبضه، ويصير (بيده) لأنه غير متحقق. ولأنه في حكم الاعسار، ولأن أحكامه موقوفة على الظهور إلا أن أصحابنا جعلوا المسألة على روايتين.
مصرف خمس الركاز:
٣٠ - مسألة: واختلفت في مصرف خمس الركاز.
فنقل بكر بن محمد: مصرفه مصرف الفيء والغنيمة لأنه مخموس. فأشبه مال الفيء والغنيمة. وأومأ في رواية حنبل إلى أن مصرفه مصرف الصدقات فقال: أرى إن تصدق به رجل على المساكين أجزأه، لأن عليًا ﵁ أمر صاحب الركاز أن يتصدق به على المساكين، ولأنه حق على المسلم في المستفاد من الأرض فيجب أن يصرف مصرف الزكاة، دليل، حق المعدن وزكاة الحبوب.
стр. 221
الأقارب الذين لا تصرف لهم الزكاة:
٣١ - مسألة: لا تختلف الرواية أنه لا يجوز صرف صدقته إلى الوالدين وإن علو، ولا للولد وإن سفل، واختلفت في غيرهم من الأقارب ممن تلزمه نفقته كالأخ والأخت والعم ونحوهما. هل يجوز صرف الصدقة إليهم بحق الفقر. أم لا؟. فنقل: إن أعطى زكاته من تجب عليه نفقته من العصبة لم يجزه لأنه ممن يلزمه نفقته فلم يجز دفع زكاته إليه كالوالدين والمولودين ولأنه إذا دفع الزكاة إليهم أسقط ما يلزمه من النفقة ولأنهم أغنياء بنفقته.
ونقل ابن القاسم: لا يدفع الزكاة للوالدين ولا إلى الولد ولا إلى الجد، ويعطى من سوى ذلك. وظاهر هذا الجواز، لأن استحقاق النفقة إنما هو دين وحق يلزمه فلم يمنع ذلك من دفع الزكاة كما لو كان عليه دين لانسان. فإن ذلك لا يمنعه من دفع الزكاة إليه، ويفارق هذا دفعها إلى الولد أنه لا يجزي لأن مال الولد مضاف إلى الأب، بقوله: أنت ومالك لأبيك (١).
فيحصل كأنه دفع الزكاة إلى نفسه، وإذا ثبت هذا في الابن يثبت في الأب، لأن كل واحد بعض من الآخر، ولأن شهادة كل واحد منها لا تقبل للآخر، لأجل ماله في ماله من الشبهة. وهذا المعنى معدوم في سائر الأقارب.
صدقة الفطر عن الجنين:
٣٢ - مسألة: واختلفت هل تجب صدقة الفطر عن الجنين؟
فنقل أبو الحارث أنها لا تجب، وهو أصح لأنه لا حكم له قبل ظهوره، لأن قبل الظهور قد حكم له بالحياة بدليل أنه إذا سقط ميتًا بالضربة ضمنه بالغرة والكفارة، فلم يخرج عنه.
ونقل الفضل: يخرج عنه إذا تبين، وعندي أن هذا على طريق الاستحباب إلا أن أبا بكر جعل المسألة على روايتين.
стр. 222
مقدار صدقة الفطر عن العبد المشترك:
٣٣ - مسألة: واختلفت في عبد بين جماعة هل يلزم كل واحد منهم صاع أو يجب عليهم جميعهم صاع؟.
فنقل أبو طالب، وعبد الله، وصالح، والكوسج: يجب عليهم إخراج صاع واحد يخرجونه بالحصة، لأن صدقة الفطر تجب لأجل الملك، فوجب أن يتقسط على قدر الملك كالنفقة تلزم الجميع بالحصة، ولا يلزم كل واحد نفقة كاملة. ونقل الأثرم وأحمد بن سعيد: يلزم كل واحد منهم صاع كامل، لأن كل من لزمه أن يخرج عن رقيقه صدقة الفطر لزمه صاع كامل. كما لو كان مالكًا للجميع وحده، ولأن صدقة الفطر لا تتبعض بدليل أنه لو ملك نصف صاع فاضلًا عن قوته لم يلزمه إخراجه.
فإذا لم يتبعض أشبهت الكفارات، وقد ثبت أنه لو اشترك نفسان في قتل نفس لزم كل واحد كفارة كذلك هذا.
وكذلك الخلاف إذا كان بعضه حرًا، ولأولى أصح. وقد قال ابن مشيش: قال الحسن بن الهيثم سمعت فوران يقول: رجع أبو عبد الله عن هذه المسألة وقال: يعطي كل واحد منهما نصف صاع. وقال: لا تحكها عن أبي عبد الله.
إخراج الأقط في صدقة الفطر:
٣٤ - مسألة: واختلفت في الأقط، هل يجوز إخراجه في صدقة الفطر؟
فنقل حنبل: إذا أخرج الأقط أجزأه. وظاهر هذا الإجزاء على الإطلاق وهو اختيار أبي بكر لأنه منصوص عليه فأجزأه إخراجه كالبر يبين صحة هذا ما روي في حديث أبي سعيد وغيره: صاعًا من أقط، ولأنه وإن لم يجب فيه الزكاة فهو متولد مما تجب فيه الزكاة، ونقل ابن مشيش إذا لم يجد التمر فأقط، فظاهر هذا أنه لا يجوز إخراجه مع وجود غيره، وهو اختيار الخرقي لأنه جنس لا تجب فيه الزكاة، فلم يجز إخراجه في زكاة الفطر كاللحم.
стр. 223
ترك المسألة مع الضرورة إليها:
٣٥ - مسألة: إذا امتنع المسكين عن المسألة فمات هل يأثم أم لا؟.
ظاهر كلام أحمد يقتضي روايتين: إحداها: لا يأثم، قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: الرجل يكون مع القوم فيحتاج ويقدر على الميتة والمسألة أيهما أفضل؟.
قال: يأكل الميتة وهو مع الناس هذا شنيع. قيل له: فإن اضطر إلى الميتة؟ قال هي مباحة، قيل له. فإن تعفف؟ قال: ما أظن أحدًا يموت من الجوع الله يأتيه برزقه ثم ذكر حديث أبي سعيد: من استعفف (١) أعفه الله (٢) وظاهر هذا أنه لا إثم (٣) عليه بترك ذلك، لأنه قال: فإن تعفف ما أظن أحدًا - يموت من الجوع الله يأتيه برزقه، ونقل محمد بن حمدان العطار: سمعت أبا عبد الله وقد صلى في مسجد باب التبن فنظر التبانون إليه فصلى خلفه جماعة، فسمعت رجلًا من الصف الثاني أو الثالث وهو قاعد فقال: تصدقوا علي فسمعته وهو يقول: أيها الشاب قم قائمًا - عافاك الله - حتى يرى إخوانك ذل المسألة في وجهك فيكون ذلك لك عذرًا عند الله فظاهر هذا (٤) أنه إن ترك ذلك أثم (٥)، لأنه أمره بالقيام حتى يعرف، وأخبر أن ذلك يكون عذرًا ولا يكون العذر إلا في ترك واجب. وقال أبو داود الكاذي: كنت عند أحمد بن حنبل، وجاءه رجل فقال له (٦): يا أبا عبد الله الرجل يكون عطشان وهو بين الناس فلا يستسقي (٧) فأظنه قال في الورع ما يكون أحمق، فظاهر
стр. 224
هذا الإنكار عليه في ترك طلب الماء. وجه الأولى ما روى أبو حفص بإسناده عن قيس بن ثعلبة أنه أتى النبي ﷺ وهو يخطب ويقول: من يستعفف يعفه الله، ومن يستغن أغناه الله، ومن يستعفف أو يستغن عنا فهو أحب إلينا (١).
فأخبر أن المستعفف عن المسألة خير وهذا يمنع الإثم، وروى أبو هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان، أو التمرة أو التمرتان، ولكن المسكين الذي لا يسأل الناس شيئًا ولا يفطن بمكانه فيعطي (٢)، وهذا خرج (٣) مخرج المدح ووجه الثانية: انه قادر على ما يحيى به نفسه فهو كما لو وجد طعامًا فلم يأكله حتى مات، والجواب أن ذاك واجد، وذاك غير واجد بل يظن (٤) أنه يعطي.
стр. 225
كتاب الصيام
ويشمل الموضوعات التالية:
الأول: مسائل في نية الصيام.
الثاني: مسائل في صيام يوم الشك والصيام برؤية الواحد.
الثالث مسائل في مفسدات الصوم وأحكام الكفارة فيما يوجبها من هذه المفسدات.
الرابع: مسائل في الإمساك أو الإفطار أثناء النهار عند حدوث مقتضى الصيام أو سوغ الفطر.
الخامس: مسائل في قضاء رمضان.
السادس: مسائل في صيام من لم يبلغ إذا أطاق.
السابع: مسائل في السواك للصائم.
الثامن: مسائل في الاعتكاف.
стр. 226
كتاب الصيام
نية الصيام لكل يوم من رمضان:
١ - مسألة (١): اختلفت الرواية عن أحمد ﵁: هل يجزي (٢) نية واحدة لجميع شهر رمضان؟
فنقل أبو طالب، وعبد الله، وصالح، والأثرم، والميموني: لا بد من نية لكل يوم من الليل، وهو أصح (٣)، لأنه صوم يوم واجب فكانت النية من شرطه وفي ليلته دليله اليوم الأول.
ونقل حنبل عنه: إن نوى في أول ليلة من رمضان صيام الشهر كله أجزأه لجميع الشهر.
قال أبو القاسم البغوي، وعبد الله: حدثنا حنبل: قال: سألت أبا عبد الله: هل يحتاج في شهر رمضان إلى نية كل ليلة؟ قال: لا. إذا نوى من أول الشهر يجزيه، لأنه زمان لا يصح فيه صوم التطوع، فجاز أن تتقدم النية عليه كز من الليل. والأولى أصح.
٢ - مسألة: اختلفت في تعيين النية لصوم شهر رمضان (٤). هل هو شرط أم لا (٥)؟
стр. 227
تعيين النية لصوم شهر رمضان:
فنقل المروذي: إذا حال دون مطلع الهلال غيم صام ذلك اليوم.
فقيل له: يصومه على أنه (١) من رمضان؟ فقال: نحن أجمعنا على أنا نصبح صيامًا، ولم نعتقد أنه من رمضان فهو يجزينا من (٢) رمضان.
وظاهر هذا أنه لا يشترط نية التعيين، وهو اختيار الخرقي ذكره في شرحه.
ونقل الأثرم عنه في يوم الشك: لا يجزيه إلا بعزيمة على أنه من رمضان، وظاهر هذا وجوب التعيين، وهو اختيار أبي حفص ذكره في شرحه.
وجه الأولى: أن هذا الوقت لا يصح فيه غير الفرض، فلم يحتج إلى نية التعيين، دليله الإحرام، وهو إذا كان عليه حجة الفرض فأحرم مطلقًا أجزأه كذلك الصوم.
ووجه الثانية: وهو أصح أنه: وهو أصح - أنه صوم واجب، فكان من شرطه نية التعيين كالنذر، ولأن قضاءه يفتقر إلى التعيين، فافتقر أداؤه إلى التعيين كالصلاة والمذهب على ما رواه الأثرم وغيره.
صيام رمضان والفطر منه إذا رأى الهلال الشك نهارًا:
٣ - مسألة: إذا رئي الهلال من يوم الشك نهارًا، فهل يكون للماضية أم للمستقيلة؟
فنقل الأثرم عنه إذا رأي قبل الزوال ففي الصوم يصومون هو أحوط، وأما في الفطر، فلا يفطرون، وأما بعد الزوال فليس فيه اختلاف أنهم يصومون. فظاهر هذا أنه حكم به في أول الشهر لليلة الماضية فأوجب صيام ذلك اليوم، وحكم في آخره (٣) أنه للمستقبلة فألزمه صيام ذلك اليوم، ولم يحكم
стр. 228
به للماضية في جواز الفطر، وهذا عندي على طريق الاختيار، وأنه يستحب (١) له صيام أوله للخروج من الخلاف، لا أنه أوجب عليه، والواجب في ذلك أن يكون للمستقبلة فلا يجب عليه صومه، وفي آخره لا يجوز له الفطر، على ما قال، لأننا نحكم فيه أنه للمستقبلة، وأن هذا اليوم الأخير من رمضان، وهو ظاهر كلام الخرقي ﵁ ﵁ لأنه قال: وإذا رئي الهلال نهارًا قبل الزوال أو بعده (٢)، فهو لليلة المستقبلة، ولم يفرق بين أوله وآخره، ونقل إسحاق بن هاني في القوم يرون الهلال قبل الزوال قال: يفطرون، ولذا رأوه بعد الزوال لم يفطروا (٣)، والمذهب على ما رواه الأثرم وغيره، والوجه في ذلك إجماع الصحابة ﵃ روي عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر (٤)، وأنس، كلهم قالوا للقابلة (٥)، ويحتمل أن تحمل رواية الأثرم على (٦) ظاهرها، وأنه في أول الشهر يغلب طلوعه في الماضية، وفي آخره يغلب طلوعه في المستقبلة احتياطًا للصوم، فإنا إذا غلبنا طلوعه في أوله للماضية أوجبنا قضاء هذا اليوم، وإذا غلبنا طلوعه في آخره للمستقبلة أوجبنا إتمامه، ولهذا المعنى أوجبنا صيام يوم الشك، وقدرنا طلوع، الهلال، ولهذا قبلنا في هلال رمضان شهادة الواحد تغليبًا (٧) للصيام، وفي آخره شاهدين تغليبًا للصيام،
стр. 229
وإنما فرقنا بين قبل الزوال وبعده على رواية إسحاق لما رواه سيف في الفتوح بإسناده قال: كتب - يعني عمر - إلى سعد وإلى أهل حلوان: إذا رأيتم الهلال في الصوم من آخر النهار فلا تفطروا، وإذا رأيتموه في أول النهار فافطروا، فإنه كان بالأمس (١). ولأنه إذا رئي قبل الزوال كان أقرب إلى الماضية، وإذا رئي بعد الزوال كان أقرب إلى المقبلة.
وإذا قلنا: أنه يكون للمستقبلة في أوله وفي آخره (٢) قبل الزوال وبعده، فلما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته (٣) " وقوله: أفطروا لرؤيته معناه لوقت رؤيته، ووقت رؤيته هو الليل يدل على
стр. 230
صحة قوله: صوموا لرؤيته .. المراد به: وقت الرؤية الذي يجب أن يكون الفطر لأنه معطوف عليه، ولأنه رآه من النهار فكان للقابلة، دليله: لو رآه بعد الزوال. وما روي عن عمر ﵁ فقد روى عن غيره خلافه (١)، وقولهم: إنه إذا رئي قبل الزوال، فهو أقرب إلى الماضية، فهو بالعكس لأنه أبعد من الماضية، وأقرب إلى القابلة، وذلك أن بينه وبين الماضية الليل بطوله، وبعض النهار، وبينه وبين المستقبلة بعض النهار، فكان إلى القابلة أقرب.
صيام يوم الشك وقيام ليلته إذا حال دون مطلع الهلال غيم:
٤ - مسألة: إذا حال دون مطلع الهلال في ليلة الثلاثين من شعبان غيم، فلا يختلف أصحابنا أنه يجب صوم الغد. واختلفوا في صلاة التراويح في هذه الليلة، فقال أبو حفص العكبري: لا يصلي فيها .. لأننا لا نتحقق ذلك من رمضان، وإنما وجب صيامه احتياطًا للغرض.
وقال شيخنا أبو عبد الله: يصلى في هذه الليلة، لأن كل ليلة وجب صيام نهارها، عن رمضان، مسنون قيامها كالثانية.
ثبوت هلال رمضان برؤية واحد:
٥ - مسألة: واختلفت هل يثبت هلال رمضان بواحد؟ فنقل صالح وابن منصور والميموني: أنه يثبت بشهادة الواحد -وهو أصح- لأنه أخبار عن سبب يلزم به عبادة يستوي فيها المخبِر والمخبَر، فلم يعتبر فيه العدد.
كرواية أخبار النبي ﷺ -.
ونقل حنبل في رجل (٢) رأى هلال رمضان وحده هل يصوم؟ فقال: لا يصوم إلا في جماعة الناس، ولا يفطر حتى يفطر الإمام .. فظاهر هذا أنه لم يثبت صومه بشهادة الواحد، قال أبو بكر: اختياري أنه إذا رأى الواحد
стр. 231
الهلال وقدم على أهل المصر أنه يصوم الناس، وإن كان الواحد في جماعة من المسلمين فذكر أنه رآه اتهم على ما رواه حنبل، لأن رؤية الهلال تدرك بالنظر والمشاهدة، والناس مشتركون في ذلك، فإذا أخبر به أحدهم مع انتفاء انتفاء الموانع والعوارض علم خطؤه في ذلك، فوجب التوقف عن شهادته (١)، والمذهب أنه تقبل شهادة الواحد إذا كان عدلا في هلال رمضان، سواء كان بالسماء علة أو لم يكن.
بطلان الصيام بابتلاع النخامة إذا حصلت في الفم:
٦ - مسألة: واختلفت في النخامة إذا ازدردها بعد أن حصلت في فيه هل يفطر أم لا؟.
فنقل حنبل: أنه يفطر، لأنه أمكنه أن يحترز عن ازدرادها، فإذا لم يفعل وابتلعها أفطر كما لو انفصلت عن فيه ثم أعادها.
ونقل المروذي، وأبو طالب: لا يفطر، وهو اختيار أبي بكر، لأن الفطر إنما يحصل بالازدراد، دون ما يحصل في فيه، ولو از درد ما اجتمع في فيه من غير جمعه لم يفطر كذلك إذا ازدرد ما جمعه، وهذا التعليل (٢) في الريق إذا جمعه وحكمه وحكم النخاعة سواء.
وجوب الكفارة على من احتجم وهو صائم:
٧ - مسألة: واختلفت إذا احتجم هل عليه كفارة؟ على روايتين:
فنقل الجماعة: أنما تجب الكفارة بالغشيان لأنه أفطر بغير جماع فلا توجب كفارة دليله الأكل.
ونقل محمد بن عبدك القزاز فيمن احتجم في شهر رمضان: إن كان بلغه الخبر فعليه القضاء، والكفارة، كفارة يمين، وإن لم يبلغه فعليه القضاء، لأن
стр. 232
الصوم عبادة يجب بالوطء فيها الكفارة، فوجب أن يجب فيها (١) الكفارة بمحظور غير الوطء، دليله الحج.
وجوب كفارة الجماع على المرأة المطاوعة:
٨ - مسألة: اختلفت هل يلزم المرأة كفارة الجماع في صوم رمضان؟
فنقل إسحق بن إبراهيم والمروذي عليها الكفارة، وهو اختيار أبي بكر، وهو أصح، لأنه قد نص على أن عليها كفارة الجماع في الإحرام لأنها اشتركا في سبب الكفارة دليله القتل.
ونقل مهنا: لا كفارة عليها، لأنه حق مالي يتعلق بالوطء، فوجب أن يختص الرجل بتحمله كمهر المثل، في النكاح الفاسد.
عدم وجوب كفارة الجماع على المكرهة:
٩ - مسألة: واختلفت إذا أكرهها، فنقل جعفر بن محمد ويعقوب بن بختان في المكرهة لا كفارة عليها، وهو أصح، لأن الفعل لا يضاف إليها.
ونقل أبو طالب في المحرمة (٢) إذا أكرهها تكفر، لأن أكثر ما فيه أنها معذورة في ذلك، وهذا المعنى لا يسقط كفاة الوطء، بدليل أنه لو وطئ ناسيًا وجبت الكفارة.
فساد الصوم بالجماع من الناسي:
١٠ - مسألة: واختلفت إذا جامع ناسيًا، هل يفسد صومه وتجب الكفارة؟ فنقل جماعة منهم يفسد صومه، وتجب الكفارة (٣)، لأنه وطء تام صادف صوم رمضان متحتمًا، فيجب أن يفسده، ويوجب الكفارة (٤) إذا كان الصوم
стр. 233
متحتمًا (١) ; دليله العامد ولا يلزم عليه المسافر إذا وطئ في سفره لأنه غير متحتم عليه صيامه، ونقل أبو داود (٢) .. إذا وطئ ناسيًا يعيد صومه ولا كفارة فقيل له قد وطئ فقال: وطيء وهو ناس قال أبو حفص العكبري: فيها روايتان، فظاهر هذا أن الصوم قد فسد أيضًا لكن لا كفارة فيه، لأنه وطء لا يأثم به (٣)، فلا يوجب الكفارة، دليله المسافر إذا وطئ وهو صائم في حال السفر.
ترتيب كفارة الجماع في نهار رمضان:
١١ - مسألة: واختلفت في كفارة الجماع (٤) في رمضان: هل هي على التخيير، أم على الترتيب؟
فنقل أبو القاسم: أنها على الترتيب مثل كفارة الظهار عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع، فإطعام ستين مسكينًا. قال في رواية ابن القاسم مالك يقول: هو بالخيار (٥)، وإنما يقال له: عندنا شيء بعد شيء، وهو اختيار الخرقي، وهو أصح، لأنها كفارة صيامها شهران فوجب أن يكون على الترتيب دليله كفارة الظهار والقتل.
ونقل صالح: أنها على التخيير بين أن يعتق أو يصوم أو يطعم ستين مسكينًا، وذكر ما يرويه مالك من التخيير وأعجبه ذلك لما روى الزهري عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁. أن رجلًا أتى النبي - فقال له: هلكت، وأهلكت (٦)، فقال: وما شأنك؟ فقال: وقعت على
стр. 234
امرأتي في رمضان فأمره أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينًا (١).
الكفارة على من قبل وهو صائم فأنزل:
١٢ - مسألة: إذا قبل فأنزل في حال الصوم، هل تجب عليه الكفارة أم لا (٢)؟
فنقل حنبل عليه الكفارة، لأنها مباشرة تؤثر في فساد الصوم، فأوجبت الكفارة، الدليل عليه الوطء في الفرج، ولا يلزم عليه إذا استمنى بيده أنه لا كفارة عليه نص عليه في رواية ابن منصور لأن هذا اللمس ليس بمباشرة لأن المباشرة ما كانت بين شخصين.
ونقل الأثرم وأبو طالب: لا كفارة، وهو اختيار الخرقي، لأنه إنزال عن غير وطء فلا يوجب الكفارة دليلة: إذا نظر أو فكر فأنزل (فإنه لا كفارة عليه رواية واحدة. وكان شيخنا أبو عبد الله ينصر الأولى وأنه يكفر) (٣).
١٢ - مسألة: واختلف أصحابنا إذا وطئ في يومين، ولم يكفر عن اليوم الأول. فقال أبو بكر في كتاب التنبيه: عليه كفارة واحدة، لأن الشهر له حرمة واحدة، والكفارة تجب لهتك حرمة الوقت، فهو كاليوم الواحد إذا
стр. 235
كرر فيه الوطء ولم يكن كفر، وقال: شيخنا أبو عبد الله عليه كفارة ثانية، وهو أصح لأن كل يوم عبادة ألا ترى أنه يفتقر إلى نية، وفساده لا يتعدى إلى غيره، فلهذا لم تتداخل الكفارة (ويفارق اليوم الواحد إذا كرر فيه الوطء ولم يكفر عن الأولة فإنه يلزمه كفارة واحدة، لأن صوم اليوم الواحد عبادة واحدة وفساد بعضه يتعدى إلى (البعض) (١).
وطء المسافر إذا نوى الصيام في حال صيامه:
١٣ - مسألة: في المسافر إذا نوى الصيام. هل يجوز له أن يطأ في حال صيامه … ؟
فنقل مهنا عن المسافر إذا نوى الصيام فواقع: وجب عليه القضاء والكفارة، فظاهر هذا المنع، لأن الرخصة حصلت لما تدعو الحاجة إليه من الطعام والشراب.
ونقل ابن منصور: قلت لأحمد قال الزهري: يكره للمسافر أن يجامع امرأته في سفره نهارًا في رمضان فلم ير به بأسًا في السفر، وظاهر هذا الجواز، لأن من جاز له الفطر بالأكل جاز له بالجماع كالمتطوع والمريض (٢).
وجوب الإمساك على من زال عذره أثناء النهار:
١٤ - مسألة: واختلفت في المسافر إذا قدم في نهار رمضان مفطرًا هل يجب عليه الإمساك باقي نهاره؟
فنقل حنبل: إذا قدم في بعض النهار أمسك عن الطعام وقضى ذلك اليوم. فظاهر هذا وجوب الإمساك، لأن كل معنى لو وجد قبل شروعه في الصوم لزمه به الصوم، فإذا وجد في أثناء النهار لزمه الإمساك أصله ثبوت الهلال يوم الشك لو ثبت يوم الشك أن الهلال كان بالأمس لزمه الإمساك بقية النهار،
стр. 236
كذلك يقال في السفر مثله، ونقل الأثرم: إذا قدم مفطرًا ينبغي أن يتوقى الأكل في الحضر وكذلك الحائض، وكذلك نقل ابن منصور: إذا قدم مفطرًا وقد طهرت امرأته من حيضها ما أحب أن يغشاها. فظاهر هذا: أن الإمساك على طريق الاستحباب لا عن طريق الوجوب. لأن كل من لم يلزمه إمساك أوله ظاهرًا أو باطنًا لم يلزمه إمساك آخره كالمسافر إذا استدام السفر، وكذلك يتخرج في الحائض والنفساء إذا طهرتا في أثناء النهار، والكافر إذا أسلم والمجنون إذا أفاق هل يلزمهم الإمساك بقية اليوم؟ على روايتين، وكذلك المريض إذا برئ وقد أكل، والصبي إذا بلغ وقد أكل هل يلزمها الإمساك؟ على روايتين، فأما إذا بلغ الصبي، ولم يأكل، وبرئ المريض ولم يأكل، لزمها الإمساك رواية واحدة، (وكذلك المسافر إذا قدم وهو صائم لم يجز له الفطر رواية واحدة (١)، لأن الرخصة أتت مع بقاء العبادة، فهو كما لو حضر وهو متلبس بالصلاة فإنه يتمها.
وجوب القضاء على من صار أهلًا للصيام أثناء اليوم:
١ - مسألة: واختلفت في الكافر إذا أسلم في أثناء النهار، هل يلزمه قضاء ذلك اليوم، والصبي إذا بلغ في أثناء النهار، والمجنون إذا أفاق.
فنقل حنبل: إذا احتلم في بعض الشهر، لا يقضي ويصوم فيما يستقبل، واليهودي والنصراني إذا أسلما يصومان ما بقي ولا يقضيان. فظاهر هذا: أنه لم يوجب القضاء، لأنه زمان فاته صيامه في حال كفره، فوجب أن لا يكون عليه القضاء كاليوم الذي قبله، وذلك أنه لا يمكنه صوم يوم هو في أوله غير صائم، ونقل صالح وابن منصور في اليهودي والنصراني (٢) يسلمان: يكفان عن الطعام، ويقضيان ذلك اليوم، فظاهر هذا: وجوب القضاء لأنه أسلم مع بقاء وقت الصيام، فلزمه صيام ذلك القدر، إلا أنه لا يمكنه ذلك إلا بقضاء اليوم كله، فلزمه صومه كله، كما قلنا في جزاء الصيد. يقوم المثل طعامًا ويصوم عن كل
стр. 237
مد يومًا، فإن كان هناك كسر في المد ألزمناه صوم يوم كامل لأنه لا يمكنه صيام بعض النهار إلا بصيامه كله (١) وكذلك ها هنا وقد ذكر أبو بكر هذه المسألة في كتاب (التنبيه) وقال فيها قولان: يعني روايتين، والأولى أشبه فأما الحائض والنفساء والمريض، والمسافر، فعليهم القضاء بكل حال، رواية واحدة لأنهم مخاطبون في حال العذر.
من سافر أثناء النهار:
- مسألة: واختلفت إذا أصبح المقيم صائمًا، ثم سافر في أثناء النهار هل يجوز له الفطر؟
فنقل إسحق بن إبراهيم في الرجل يريد أن يسافر متى يفطر (٢)، فقال: إذا نزح عن البيوت، فظاهر هذا جواز الفطر، ونقل صالح: إذا أصبح في شهر رمضان صائمًا ثم سافر آخر النهار لا يعجبني أن يفطر، فظاهر هذا المنع لأنها عبادة تختلف بالسفر والحضر. فإذا تلبس بها في الحضر ثم سافر غلب حكم الحضر دليله الصلاة إذا أحرم بها في الحضر ثم سافر، فإنه لا يجوز له القصر، والأولى أشبه لأنه لو نوى الصيام ابتداء في السفر لم يتعين عليه وكان له الفطر، كذلك إذا طرأ بعد التلبس به، ويفارق هذا الصلاة لأنه لو نوى الإتمام ابتداء في السفر تعين عليه ولم يجز له القصر، فلهذا (٣) إذا تلبس بها في الحضر ثم سافر وجب أن يلزمه الإتمام.
صوم أيام التشريق عن قضاء رمضان أو عن النذر أو دم التمتع:
١٧ - مسألة واختلفت هل يجوز صوم أيام التشريق صومًا واجبًا مثل قضاء رمضان والنذر والتمتع إذا لم يجد الهدى؟
فنقل المروذي: إذا لم يصم المتمتع قبل يوم التروية لم يصم أيام التشريق،
стр. 238
(فظاهر هذا المنع لأنه يوم سن فيه الرمي فلم يجز صومه دليله يوم النحر، وكل زمان لم يجز صومه تطوعًا لم يجز واجبًا دليله الفطر.
ونقل حنبل وإبراهيم: يصوم المتمتع أيام التشريق.
ونقل عبد الله: إذا نذر صوم سنة، فصام أيام التشريق) (١) أرجو أن لا يكون به بأس. ولو أفطر وكفر رجوت، فظاهر هذا جواز صومها عن النذر لما روى الزهري عن سالم عن ابن عمر ﵂ قال: رخص رسول الله ﷺ للمتمتع إذا لم يجد الهدى أن أيام التشريق (٢).
وقد نقل الفضل بن زياد عنه أنه قال: كنت أذهب إلى هذا يعني صوم المتمتع لأيام التشريق إلا أني رأيت الأحاديث عن رسول الله ﷺ : أنها أيام أكل وشرب (٣) وبعال (٤) فظاهر هذا أنه رجع عن قوله بالجواز.
صيام الصبي لرمضان إذا أطاق الصيام:
١٨ - مسألة: واختلفت في الصبي إذا أطاق الصيام هل يلزمه.
فنقل حنبل في صبي احتلم في بعض الشهر لا يقضي ويصوم ما يستقبل، وظاهر هذا أنه (٥) لا يجب عليه، لأنه لو وجب للزمه قضاء ما تركه قبل
стр. 239
بلوغه، وقد صرح (١) به في رواية الفضل بن زياد في غلام أتى عليه أربع عشرة سنة أيصوم؟ قال: لا. قيل له: فإن أتى عليه خمس عشرة سنة (٢) يصوم؟ قال: تعم. لأنها عبادة على البدن فلم يلزمه كالحج، ونقل المروذي في غلام ابن أربع عشرة سنة لم يحتلم هل عليه الصيام؟ قال: نعم. يضرب على الصوم والصلاة. فظاهر هذا أنه ألزمه ذلك لأنها عبادة تجب في كل سنة مرة فوجب عليه دليله الزكاة.
إعادة الصبي للصلاة التي يبلغ في وقتها وقد صلاها قبل بلوغه:
١ - مسألة: واختلفت - أيضًا - في الصلاة، فنقل أبو عبد الله بن بطة عن يعقوب بن بختان في غلام احتلم في بعض الليل يقضي المغرب والعشاء، قيل له: وإن كان قد صلاها، قال نعم صلاها وهو مرفوع عنه القلم، وهذا صريح في أن الصلاة لا تجب عليه قبل بلوغه، وهو اختيار الخرقي، لأنها عبادة على البدن، أشبه الحج، ونقل ابن منصور عنه في ابن أربع عشرة سنة ترك الصلاة قال: يقضيها.
فظاهر هذا أنها وجبت عليه، وقد كان أبو الحسن التميمي ينصر هذه الرواية، ويقول: تجب عليه الصلاة، وتكلم أبو عبد الله بن بطة على رواية ابن منصور فقال: يحتمل أن يكون أمره بالقضاء، لأنه كان قد بلغ بانيات أو احتلام، وعندي أن المسألة رواية واحدة، وأن الصلاة والصيام لا يجبان عليه حتى يبلغ، ويحمل ما قاله على الاستحباب.
السواك بعد الزوال للصائم:
٢ - مسألة: يكره للصائم السواك بعد الزوال في أصح الروايتين. نقلها الأثرم، وابن منصور، وعبد الله. ونقل إسحاق بن هانئ قال: رأيت أبا عبد الله يستاك وهو صائم في وقت العصر، وكان يعني (صومه) تطوعًا.
стр. 240
وجه الأولى:
قول النبي ﷺ -: لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك (١) والسواك يزيل الخلوف، ولأنه أثر عبادة، ورد الشرع باستطابتها، أشبه (دم) الشهداء.
ووجه الثانية:
أن كل من جاز له السواك في أول النهار، جاز له في آخره كالمفطر.
تسوك الصائم بالعود الرطب:
٢١ - مسألة: هل يكره السواك بالعود الرطب في الصوم .. ؟ على الروايتين:
نقل البرزاطي: إذا كان في أول النهار فالرطب واليابس سواء لا بأس به، وكذلك نقل إسحاق بن هانئ: الرطب واليابس أرجو، وظاهر هذا أنه لا يكره، لأن أكثر ما فيه جواز أن يتحلل، وهذا لا يمنع الاستعمال كالمضمضة. ونقل الأثرم وابن منصور: أكره الرطب، لأنه لا يؤمن أن يتحلل إلى جوفه، لأنه يطول مكثه في فمه، ويفارق المضمضة، لأنه لا يطول مكثه.
اشتراط الصوم لصحة الاعتكاف:
٢٢ - مسألة: واختلفت في الاعتكاف هل من شرطه الصوم؟
فنقل علي بن سعيد، وحنبل وأبو طالب: أنه مستحب وليس بواجب، وهو أصح، لأن كل عبادة مقصودة في نفسها لم تكن شرطًا في صحة عبادة أخرى كالصلاة مع الصوم والصوم مع الحج (٢).
стр. 241
ونقل الأثرم: إذا اعتكف وجب عليه الصوم.
فظاهر هذا: أنه شرط لما روت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "لا اعتكاف إلا بصوم" (١)
الكفارة على من أفسد اعتكافًا واجبًا بوطء:
٢٣ - مسألة: واختلفت إذا أفسد اعتكافًا واجبًا بوطء هل يلزمه الكفارة؟
فنقل حنبل روايتين: إحداهما: إذا وطئ نهارًا وجب عليه كفارة.
ونقل (٢) في موضع آخر: يبطل اعتكافه، وعليه أيام مكان ما أفسده، ويستقبل ذلك ولا كفارة عليه، لأنها عبادة لا يدخل في جبرانها المال، بدليل أنها لا تسقط إلى مال فلم تجب بإفسادها كفارة دليله الصلاة، ووجه الرواية الأولى: أنها لبث في مكان مخصوص فجاز أن يجب بإفسادها الكفارة كالحج.
خروج المعتكف لعيادة المريض وشهود الجنازة:
٢٤ - مسألة: واختلفت في المعتكف هل يخرج لعيادة المريض وشهود الجنازة من غير شرط؟
فنقل بكر بن محمد وحنبل: المعتكف يشهد الجنازة ويعود المريض فظاهر هذا جوازه من غير شرط، لما روى أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : المعتكف يتبع الجنازة ويعود المريض (٣).
стр. 242
ونقل المروذي في المعتكف يشترط عيادة المريض والجنازة قال: أرجو.
فظاهر هذا جوازه بالشرط، وهو اختيار الخرقي لما روي عن عائشة ﵂ قالت: من السنة للمعتكف (١) أن لا يخرج إلا لحاجة الإنسان ولا يتبع جنازة ولا يعود مريضًا (٢) ولأن خروجه لعيادة المريض فضيلة ولبثه في المسجد فريضة، فكان أولى، وإنما جاز ذلك بالشرط لأن للشرط تأثيرًا في الأصول. بدليل أن الحج إذا شرط فيه التحليل جاز (٣) وكان له التحلل ولا فدية عليه كذلك ها هنا.
стр. 243
كتاب الحج
ويشمل الموضوعات التالية:
الأول: مسائل في نيابة من لم يحج عن نفسه في الحج عن غيره.
الثاني: مسائل في سقوط الحج بالعجز المادي.
الثالث: مسائل في محظورات الإحرام وكفارتها.
الرابع: مسائل في الطواف.
الخامس: مسائل في السعي.
السادس: مسائل في المبيت بمزدلفة.
السابع: مسائل في رمي الجمار.
الثامن: مسائل في الحلق.
التاسع: مسائل في جزاء الصيد.
العاشر: مسائل في فوات الحج والإحصار.
الحادي عشر: مسائل في الإحرام لدخول مكة وتجاوز الميقات قبل الإحرام.
الثاني عشر: مسائل في الهدى وما يترتب عليه.
الثالث عشر: مسائل في فضل حرم مكة والمدينة.
الرابع عشر: مسائل في سقوط الحج عن المرأة بعدم المحرم.
стр. 244
"كتاب الحج"
من أحرم بالحج عن غيره وهو لم يحج عن نفسه:
١ - مسألة: اختلف أصحابنا - رحمة الله عليهم (١) - فيمن أحرم بالحج عن غيره وعليه فرض الحج هل ينعقد الإحرام عن نفسه أم لا ينعقد أصلا؟
فقال الخرقي: ينعقد عن نفسه، وهو أصح لما روي في بعض ألفاظ (٢) حديث شبرمة: هذه عنك. (٣). ومعناه انعقدت عنك، وفي لفظ آخر: إن كنت حججت عن نفسك فلب عنه، وإلا فلب عن نفسك (٤)، فثبت أن الإحرام انعقد عنه، ولأن الحج لا يفتقر إلى تعيين النية بدليل (٥) أنه لو أطلق النية أو قيدها بالنفل انعقدت فرضًا كذلك إذا نواها عن غيره انصرفت إليه.
وقال أبو بكر في كتاب الخلاف لا تنعقد عنه ولا عن غيره، وحكى في ذلك رواية إسماعيل بن سعيد عن أحمد أنه قال: إذا أحرم بالضرورة (٦) عن غيره لم
стр. 245
يجزه عن نفسه ولا عن الذي حج عنه بنيته (١)، لما روى في بعض ألفاظ حديث شبرمة: اجعلها عنك (٢) وظاهر (٣) هذا يقتضي الابتداء، ولأنه نوى بالحج عن غيره فلم ينعقد عن نفسه دليله إذا نوى بالحج عن غيره وكان قد حج عن نفسه ولأنه لم ينو بالحج عن نفسه، فهو كما لو لم ينو الحج.
وقال أبو حفص العكبري: ينعقد الإحرام عن المحجوج عنه ثم ينقلب الحج عن نفسه ذكره في شرح الخرقي. وهو ظاهر الخبر (٤)، لأن النبي ﷺ قال له: إجعلها عن نفسك (٥). فظاهر هذا الابتداء، ولأنه لا يمتنع مثل هذا وهو إذا أحرم بالحج، لأنه يجوز فسخه إلى العمرة (ولا يختلف أصحابنا أنه لا ينعقد عن المحجوج عنه) (٦).
سقوط الحج عمن لا تكفيه نفقته لذهابه وإيابه:
٢ - مسألة: واختلفت فيمن وجد زادًا وراحلة. لذهابه ولم يفضل منه شيء لرجوعه، ونفقة عياله، هل يلزمه الحج أم لا .. ؟
نقل أبو داود، وصالح، وحنبل: يجب الحج على من وجد زادًا وراحلة، والسبيل هو الزاد والراحلة، وظاهر هذا أنه يجب عليه وإن لم يفضل منه شيء لما روي عن النبي ﷺ أنه فسر السبيل بالزاد والراحلة (٧)، وهذا واجب لهما.
стр. 246
ونقل أبو طالب عنه: يجب الحج إذا كان عنده ما يبلغه إلى مكة ويرجع ويخلف لأهله نفقة ما يكفيهم حتى يرجع. وظاهر هذا: أنه لا يجب حتى يفضل عنه بقدر الرجوع والنفقة، ولأنه إذا لم يكن كذلك ضاع عياله بالغيبة، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: كفى بالمرء إنما أن يضيع من يقوت" (١) ولأنه لو لم نعتبر نفقة رجوعه شق عليه مفارقة الأهل والعيال، لأنه يستوحش. فلهذا اعتبر ذلك.
تظلل المحرم تحت محمل ونحوه:
٣ - مسألة: اختلفت الرواية عن أحمد ﵀ إذا ظلل المحرم (٢) المحمل على رأسه هل يجب عليه الفدية؟
فنقل جعفر بن محمد، وبكر بن محمد عليه الفدية، لأن ذلك مما يقصد به الترفه في بدنه، فهو كما لو غطى رأسه بمنديل.
ونقل الفضل بن زياد، وعبد الله: أرجو أن لا يكون عليه كفارة، لأنه منفصل عنه فهو كما لو جلس تحت خيمة.
تداخل كفارة الطيب واللبس والحلق وتقليم الأظافر إذا وقعت دفعه
٤ - مسألة: واختلفت إذا تطيب، ولبس وحلق وقلم الكفارة دفعة واحدة هل تجب كفارة واحدة أم لكل جنس منها كفارة (٣)؟ على روايتين نقلها ابن منصور إحداهما: أن في كل واحد كفارة، وقد نقل ذلك إبراهيم بن هاني أيضًا لأنها أجناس فلم تتداخل كالحدود إذا اختلفت أجناسها واجتمعت، والرواية الثانية كفارة واحدة لأن هذه الأجناس كفارتها واحدة، وهو التخيير بين
стр. 247
الصيام والنسك والصدقة فتداخلت كالجنس الواحد إذا توالى في وقت واحد، فإنه يتداخل (١)، ولا تختلف الرواية أن هذه الأجناس لو تفرقت في أوقات أنه يجب لكل فعل كفارة.
تداخل فدية المحظور الواحد إذا تكرر قبل التكفير:
٥ - مسألة: واختلفت في الجنس الواحد إذا تفرق في دفعات وأوقات لم يكفر عن الأول هل عليه كفارة ثانية مثل أن تطيب في وقت (٢) وتطيب في وقت آخر أو لبس في وقت ثم لبس في وقت آخر، أو حلق في وقت، وحلق في وقت آخر؟ على روايتين.
نقل ابن القاسم: تتداخل وتجب كفارة واحدة ما لم يكفر عن الأول، لأنه استمتاع تكرر لم يتخلله تكفير فوجب أن لا تجب إلا كفارة واحدة كما لو كان كله دفعة واحدة في مجلس واحد.
ونقل الأثرم: إن كان السبب واحدًا فكفارة واحدة، وإن كانا سببين فكفارتان مثل إن يلبس في وقت لمرض ويلبس في (٣) دفعة أخرى لذلك المرض أو يحلق دفعة ثانية لذلك المرض، فهذا كفارة واحدة وإن كان الثاني بسبب آخر (٤) غير الأول فكفارة ثانية سواء كفر عن الأول أو لم يكفر، لأن الكفارات كالحدود - قال: الحدود كفارات لأهلها (٥).
стр. 248
ثبت أن الحدود إذا ترادفت، فإن كان سببها واحدًا تداخلت. وإن اختلفت أسبابها مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر لم تتداخل كذلك ها هنا، ولا تختلف الرواية، وإن كل واحد من هذه الأجناس إذا توالى في وقت واحد أن فيه كفارة واحدة (١) لأن الأصول فرقت بين الفعلة الواحدة والفعلتين، ألا ترى أنه لو حلف لا أكلت اليوم إلا أكلة فأكل من برد (٢) الغداة إلى العشاء ولم يقطع كانت أكلة واحدة، ولو فرق لكان لكل أكلة حكم (٣) فحنث بالأولة دون الثانية.
تداخل فدية حلق الرأس والبدن إذا وقع دفعة واحدة:
٦ - مسألة: واختلفت إذا جمع في (٤) حلق الشعر بين الرأس والبدن دفعة واحدة، هل يجب فدية أو (٥) فديتان؟ فنقل أبو الحارث وعبد الله تجب فديتان: فدية للرأس، وفدية للبدن - وهو أصح - لأنهما في حكم الجنسين بدليل أن الرأس يتعلق النسك بأخذ شعره والبدن لا يتعلق النسك بأخذ شعره.
ونقل سندي الخواتيمي عنه: أن شعر الرأس واللحية والابط سواء لا أعلم أحدًا يفرق (٦) بينها، فظاهر هذا أنه إذا جمع بينهما في الأخذ ففدية لأنه ترفه بجنس واحد في وقت واحد فهو (٧) كما لو جمع في اللبس بين الرأس والبدن أو جمع في الطيب بين الرأس والبدن في وقت واحد فإن فيه (٨) فدية رواية واحدة نقلها أبو طالب.
стр. 249
سقوط كفارة الطيب واللبس نسيانًا:
٧ - مسألة: واختلفت إذا تطيب أو لبس ناسيًا أو جاهلًا بتحريمه هل تجب عليه الكفارة؟
فنقل ابن منصور عليه الكفارة، لأنه معنى ينافيه الإحرام، فاستوى حكم عمده وسهوه كقتل الصيد والحلاق وتقليم الأظافر فإن الرواية لا تختلف في ذلك.
ونقل أبو طالب وابن القاسم لا كفارة عليه، وهو اختيار الخرقي وهو أصح، لأنها عبادة يجب بإفسادها الكفارة، فوجب أن يكون فيما نهى عنه فيها ما يفرق بين عمده وسهوه كالصيام.
شم المحرم لما ينبت للطيب ولا يتخذ منه الطيب:
٨ - مسألة: واختلفت فيما ينبت للطيب ولا يتخذ منه الطيب كالريحان الفارسي والنرجس والمرزنجوش ونحوه.
فنقل جعفر بن محمد: يشم المحرم الريحان لأنه لا يتخذ منه الطيب فوجب أن لا يكون طيبًا كالشيح والقيصوم.
ونقل أبو طالب لا يشم (١) المحرم الريحان لأنه (٢) ينبت للطيب فوجب أن يكون طيبًا كالورد والبنفسج.
إدهان المحرم بما لا طيب فيه:
٩ - مسألة: واختلفت: هل يجوز للمحرم أن يدهن بدنه ورأسه بما لا طيب فيه كالزيت والشيرج والسمن والزبد.
فنقل الأثرم وأبو داود جواز ذلك، فظاهر هذا أنه لا فدية لأنه قد أجازه لما روى ابن عمر ﵂ أن النبي ﷺ ادهن وهو محرم بزيت
стр. 250
غير مقتت (١). قال أبو عبد الله المقتستست: المطيب ولأنه دهن غير مطيب فلم يمنع منه ولم يجب به (٢) فدية كالسمن.
وقال أبو داود: لا يدهن وهو اختيار الخرقي (٣).
وقال الخرقي: ولا يدهن بما فيه طيب، وما لا طيب فيه، فظاهر هذا المنع يقتضي وجوب الفدية، لأنه دهن يرجل الشعر ويحسن البدن فهو كدهن البنفسج والورد والبنفسج.
فدية حلق الثلاث شعرات:
١٠ - مسألة: واختلفت: إذا حلق ثلاث شعرات هل يجب عليه دم؟ فنقل حنبل فيها دم لأنه حلق من الشعر الممنوع منه لحرمة الإحرام ما يقع عليه اسم الجمع (٤) المطلق فتعلقت به الفدية الكاملة كما لو حلق معظم رأسه (٥)، ولأن القليل لا يوجب الدم والكثير يوجب (٦) الدم، فلا بد من حد فاصل بينها فيجب أن يكون الثلاث لأنها أول حد الكثرة، وآخر حد القلة.
ونقل المروذي: الدم كثير في ثلاث ولست أوقت فإذا نتف أكثر من ثلاث ففيه دم، وكذلك نقل ابن منصور. فظاهر هذا أنه أوجب الدم فيما زاد على الثلاث ولو بشعره (٧)، وهو اختيار الخرقي، لأنه قال: من حلق أربع شعرات