رجوع الغارم بغير إذن على من غرم عنه:
١٦ - مسألة: واختلفت الرواية إذا ضمن عنه بغير إذنه وقضى عنه الحق بغير إذنه هل يرجع به؟
فنقل ابن منصور: أنه يرجع، وكذلك نقل الأثرم، وهو اختيار الخرقي.
ونقل محمد بن عبيد الله بن المنادى وإسحاق بن إبراهيم: لا يرجع، وقد ذكرنا توجيه الروايتين في مسائل الرهن.
الضمان بمال الكتابة:
١٧ - مسألة: واختلفت هل يصح الضمان بمال الكتابة؟
فنقل ابن منصور: لا تصح الكفالة به، وهو اختيار أبي بكر.
ونقل حرب ويعقوب بن بحتان ومهنا تجوز الكفالة والضمان بمال الكتابة وجه الأولى: أن مال الكتابة غير مستقر في الحال ولا مستقر في الثاني لأن للمكاتب أن يعجز نفسه أي وقت شاء فلو قلنا: يصح ضمانه ثبت على الضامن دين صحيح، ولا يجوز أن يثبت على الكفيل خلاف ما هو ثابت على المكفول عنه.
ووجه الثانية: أن مال الكتابة دين على المكاتب فجازت الكفالة به كسائر الديون ولأن ضمان مال الكتابة قد يصح على وجه، وهو إذا كاتب عبدين (١) كتابة واحدة على أن كل واحد منهما كفيل ضامن عن صاحبه جاز كذلك في الحر، ومن قال بالأول انفصل عن هذا بأن ضمان أحدهما عن صاحبه لا يؤدي إلى الزام الضامن خلاف ما هو ثابت على المكفول به لأنه لا يعتق واحد منهما إلا بأداء جميع المال. ولا يلزم الضامن خلاف ما هو على المكفول وفي باب ضمان الحر عنه يؤدي إلى إلزامه على خلاف ما هو على المكفول فلهذا لم يصح، فأما أخذ الرهن بمال الكتابة فيحتمل أن لا يصح، رواية واحدة لأنه ليس
стр. 352
يتسع أن يصح الضمان فيما لا يصح به أخذ الرهن وهو ضمان الدرك (١) ويحتمل أن يجوز أخذ الرهن به رواية واحدة لأن في صحة ضمان الحر عنه يؤدي إلى أن يثبت على الكفيل خلاف ما هو على المكفول عنه وهذا المعنى معدوم في الرهن لأنه متى عجز كان رهنه كسائر أمواله.
المقاصة في الدين من غير تراضى:
١٨ - مسألة: إذا كان لرجل على رجل مال من قرضٍ أو قيمة متلف أو ثمن مبيع أو غيره، وكان للآخر عليه من جنس ذلك المال. مثل إن كان الدينان دراهم أو دنانير فهل يقع القصاص عن رضاها وبتراد من كل واحد منهما عن حق صاحبه بغير اختياره أم لا؟
على روايتين: إحداهما: يقع أومأ إليه أحمد ﵀ في رواية مهنا في رجل له على رجل عشرة دراهم وللآخر عليه عشرة دراهم فلقيه فقال: العشرة التي لي عليك بالعشرة التي لك علي. فهو جائز قد قضاه حين صارت له عليه عشرة.
فقد نص على أن القصاص حصل حين صار له عليه من جنس دينه، وإن لم يوجد التراضي في تلك الحال، وإنما وجد في الثاني.
والرواية الأخرى: متى رضى بذلك أحدهما برئا معًا، ولا يقع القصاص بغير رضى واحد منها أومأ إليه في روايته أيضًا في موضع آخر في رجل استقرض من رجل دراهم فجاءه بدراهم ليقضيه فقال: قد جعلتك في حل ثم ذكر هذا المستقرض أن له على الذي أقرضه دراهم أصابها في حسابه فطالب بها. فقال: الذي كنت أقرضتك قضاء مما ذكرت فقال أحمد: تلك قد حاله منها. ويأخذ منه الدراهم التي أصابها في حسابه فلم يحكم بالقصاص بما خرج له في حسابه من الدراهم التي كانت له عليه قبل أن يحاله منها لعدم الرضى من أحدهما، وأوجب عليه القضاء كذلك.
стр. 353
وجه الأولى: (أنه) لا فائدة في بقاء الحقين لأن أحدهما يقبض ماله على صاحبه ثم يرده إليه.
ولأنه لو كان له دين على والده فمات والده والدين في ذمته برئ الوالد منه لأن الدين يتعلق بتركته، وتركته لولده فلا معنى في بيع التركة في حقه والحق كله له.
ووجه الثانية: أن من عليه دين جاز له أن يقضيه من أي أمواله شاء، وليس لمن له الدين أن يتغير عليه جهة القضاء فإذا رضى أحدهما أن يقضي دينه من الذي في ذمة صاحبه لم يكن له أن يعترض عليه، فلهذا وقع القضاء عنه.
стр. 354
كتاب الشركة الوكالة
ويشمل الموضوعات التالية:
الأول: في قسمة الدين في الذمة.
الثاني: في استئجار أحد الشريكين الآخر لعمل في العين المشتركة بينهما.
الثالث: في توزيع الربح.
الرابع: ما يستحقه المضارب إذا تعدى الإذن في المضاربة واختلف في الشروط.
الخامس: في بيع المضارب نسيئه أو بغير نقد البلد أو بأقل من ثمن المثل.
السادس: في شراء المضارب من يعتق على رب المال.
السابع: في شراء رب المال شيئًا من مال المضاربة.
الثامن: في المضاربة بالعروض.
التاسع: في تحديد أجل المضاربة.
العاشر: رجوع المضارب عن الإقرار بالربح.
الحادي عشر: في تصرف الوكيل بعد عزله قبل أن يعلم.
الثاني عشر: في بيع الوكيل نساء أو بأقل من ثمن المثل مما لا يتغابن به الناس.
الثالث عشر: في توكيل الوكيل لغيره فيما وكل فيه.
الرابع عشر: في قبول قول الوكيل في قضاء دين الموكل.
الخامس عشر: في شراء الوكيل والوصي من نفسه.
السادس عشر: في إنكار الوكالة في النكاح.
стр. 355
كتاب الشركة والمضاربة والوكالة
قسمة الدين في الذمة:
١ - مسألة: واختلفت في جواز قسمة الدين وهو في الذمة.
فنقل حرب: جواز ذلك لأن معني القسمة إفراز الحقوق وتعديل الانصباء وهذا المعنى يوجد في الذمم.
ونقل حنبل منع ذلك، وهو أصح، لأن الذمم لا تتكافأ ولا تتعادل والروايتان فيه إذا كانت الديون في ذمم جماعة، وأقلها ذمتان فأما إن كانت في ذمة واحدة لم تصح، رواية واحدة، لأنه لا يصح إفراز ذلك في ذمة واحدة.
استئجار أحد الشريكين صاحبه لعمل في العين المشتركة بينهما:
١ - مسألة: واختلفت في استئجار أحد الشريكين صاحبه لإيقاع عمل في العين المشتركة مثل أن يستأجره لنقل الطعام بنفسه أو بغلامه أو بدابته أو القصارة الثوب ونحو ذلك.
فنقل ابن القاسم وسندى وصالح: جواز ذلك كما لو استأجر منه دارًا يخزن (١) فيها الطعام أو جوالق أو سفينة أو رحا فإن ذلك جائز بلا خلاف على المذهب.
стр. 356
ونقل أحمد بن الحسين بن حسان أنه لا يجوز، وهو أشبه، لأنه لا يمكن إبقاء العمل في العين المشتركة لأن نصيب المستأجر غير متميز من نصيب المؤجر، وإذا لم يعرف المعقود عليه لم يجب الأجر، ويفارق هذا الدار والسفينة، لأن الأجرة لا تجب فيها بإيقاع عمل في العين، وإنما تجب بوضع العين في الدار وفي الجوالق فيمكن التسليم في المعقود عليه فلهذا جاز، ولأنه إذا لم يتميز مال أحد الشريكين من مال صاحبه حصل عاملًا في مال نفسه، فلا يجوز أخذ الأجرة على عمله في مال نفسه.
توزيع ربح المبيع المشترك شركة إملاك على قدر الملك لا على قدر الثمن:
٣ - مسألة: إذا اشتركا في ثوب شركة إملاك لا شركة اختلاط واستويا في الملك فكان بينها نصفين واختلفا في الثمن فابتاع أحدهما نصفه بخمسين، وابتاع الآخر نصفه بمائة ثم باعاه فالمنصوص عن أحمد في رواية المروذي وأبي طالب وحرب (١) وأحمد بن سعيد أن الثمن والربح بينهما نصفان، لأن الثمن في مقابلة أجزاء المبيع والاجزاء بينهما متساوية وخرج أبو بكر في ذلك وجهين آخرين.
أحدهما: إن باعاه مرابحة انقسم الربح على قدر الثمنين، وإن باعاه مساومة كان الربح بينهما نصفين.
نقل عنه ذلك إسحاق بن هاني، لأن بيع المرابحة يقتضي أن يكون الربح في مقابلة ثمن كل واحد منهما، والثمن مختلف، وإذا باعاه مساومة فالثمن في مقابلة أجزاء المبيع، والأجزاء بينها متساوية فتساويا في ذلك.
والوجه الثاني: أن الربح والثمن بينها على قدر أموالها مساومة كان البيع أو مرابحة لأن الثمن مختلف فانقسم الربح عليه دليله شركة الاختلاط.
ما يستحقه المضارب إذا تعدى الإذن في المضاربة الصحيحة:
٤ - مسألة: واختلفت الرواية في المضارب إذا تعدى الإذن في المضاربة
стр. 357
الصحيحة مثل أن نهاه أن يعامل فلانًا لرجل بعينه أو نهاه أن يتجر في نوع من المتاع بعينه فخالف فيه وأجاز رب المال ذلك العقد، وقلنا: إن الشراء يقف على الإجازة فهل للمضارب أجرة المثل أم لا؟
نقل عبد الله وأبو الحارث وأبو طالب: لا أجرة له، لأنه لم يكن مأذونًا له في ابتداء (١) العقد.
ونقل يعقوب بن بختان وصالح له أجرة المثل لأن بالإجازة تبين صحة الإذن فاستحق الأجرة.
ونقل حنبل إذا خالف فربح لم يكن الربح لواحد منهما ويتصدقان بالربح، قال أبو بكر انفرد بها حنبل، وإنما لم يكن للمضارب، لأنه غير مأذون له في العقد، ولم يكن لرب المال لأن هذا المال لو تلف لم يكن من ضمانه، وإنما كان من ضمان المضارب، وقد نهى عن ربح ما لم يضمن.
بيع المضارب نسيئه أو بغير نقد البلد أو بأقل من ثمن المثل:
٤ - مسألة: في المضارب هل يجوز (٢) أن يبيع بنسيئه على روايتين نقلها الخرقي، ويتخرج على هذا الاختلاف: هل يجوز أن يبيع بغير نقد البلد وبأقل
من ثمن المثل؟ يتخرج على روايتين. وكذلك الحكم في الوكيل هل يجوز له أن يبيع بنسيئه وبغير نقد البلد أو بأقل من ثمن المثل يتخرج على الروايتين فإن قلنا: له ذلك فوجهه أن الوكيل والمضارب يتصرف من طريق الأمر، والأمر بالبيع مطلقًا يقتضي بيعه نقدًا ونسيئه وبنقد البلد وغيره وبثمن المثل ودونه لأن اسم البيع المطلق يقع على جميع ذلك ولأنه شرط معلق بالعقد فملكه الوكيل بإطلاق الأمر دليله خيار الثلاث، وإذا قلنا لا بالمذهب فوجهه أن قوله: بع يقتضي بيعًا مطلقًا، والبيع المطلق يقتضي تعجيل الثمن، بدلالة أن من باع واشترط تأجيل الثمن تأجل بالشرط، وإذا أطلق كان
стр. 358
الثمن حالًا (١) فيجب أن يحمل مطلق الأمر على هذا، ولأن المحاباة في البيع تحل محل الهبة بدليل (أن) محاباة المريض معتبرة من ثلثه كما أن هبته معتبرة من ثلثه ثم ثبت أنه إذا وكله في بيع شيء فباع البعض ووهب البعض لم يصح، كذلك إذا حاباه فيه يجب أن لا يصح، ولأن في العادة إذا وكل غيره ببيع عبد أو ثوب فإنما يريد بيعه بالدراهم والدنانير فيصير المعتاد كالمنطوق به (٢). فإن قلنا ان إطلاق الإذن يقتضي البيع نقدًا أو نساء فالعقد صحيح ولرب المال الثمن مؤجلًا وعلى قياسه إذا باع بأقل من عوض المثل وبغير نقد البلد.
وإذا قلنا: إن إطلاق الإذن لا يقتضي بيع النساء، وإنما يقتضي نقدًا وثمن المثل ونقد البلد فمتى خالف، فهل يبطل العقد من أصله أو يحكم بصحته، ويغرم المضارب والوكيل؟.
نقل ابن منصور لفظين في موضعين أحدهما في الوكيل إذا باع بأقل من ثمن المثل فالبيع جائز وهو ضامن لما نقص.
فقد حكم بصحة البيع، وألزم الوكيل النقصان، واللفظ الثاني: قال: لا يبيع إلا بنقد يبيع الناس به فإن باعه نسيئه رده فإن استهلك الثوب فقيمته على الذي قد باعه. فقد حكم ببطلان العقد من أصله فيتخرج ذلك على روايتين.
إحداهما: بطلان العقد من أصله، وهو أشبه.
والثانية: صحة العقد ويغرم الوكيل النقصان عن ثمن المثل، وكذلك يضمن الثمن في البيع نساء حالا وكذلك إذا باعه بعرض يضمن قيمة العرض بنقد البلد يوم البيع، وليس يمتنع أن يحكم بصحة البيع، والغرم إذا اختار رب المال كما لو ابتاع ذا رحمه بغير إذنه صح وغرم القيمة. وكذلك لو وكله في بيع سلعة، فإذا ابتاع معيبة صح الشراء وكان لرب المال الخيار في الإمضاء وفي تضمين الوكيل إذ لم يثبت أنه وكيل لرب المال كذلك ها هنا.
стр. 359
ما يجب للمضارب إذا اختلف في المشروط:
٦ - مسألة: إذا اختلف العمل ورب المال في قدر الربح فقال المضارب (١): شرطت لي نصف الربح، وقال رب المال: بل الثلث.
فنقل ابن منصور وسندي: القول قول رب المال مع يمينه.
ونقل حنبل ان كان ما يدعيه المضارب قدر أجرة مثله أو زيادة عليه بقليل مما يتغابن بمثله قبل قوله، والله أعلم. وإن كان فيه زيادة على ذلك فله أجرة مثله.
وجه الأولى: أنه يدعي عليه حقًّا في ماله فكان القول قول المنكر كسائر الدعاوي، ولا يلزم على هذا المتبايعان إذا اختلفا تحالفا وكان القول قول البائع، لأن المتبايعين إذا اختلفا تراجعا إلى عين أموالهما، وها هنا لا يمكن التراجع لأنه عمل قد تلف لا يمكن الرجوع فيه.
ووجه الثانية: أنه إذا كان ما يدعيه المضارب قدر أجرة المثل وما يقاربه فالظاهر معه، لأن الغالب من معاملات الناس يقتضي أجرة المثل أو زيادة بقليل فهو كما قلنا في اختلاف الزوجين في قدر الصداق القول قول الزوجة مع يمينها ما ادعت مهر مثلها لأن الظاهر معها.
شراء المضارب ذا رحم لرب المال:
٧ - مسألة: (٢) إذا ابتاع المضارب أبا رب المال أو ابنه صح الشراء وعتق رواية واحدة نص عليه في رواية علي بن سعيد وابن منصور وهل يضمن لرب المال عوض ذلك؟
ذكر أبو بكر في كتاب التنبيه وجهين:
أحدهما: لا ضمان عليه، لأنا قد حكمنا بصحة العقد في حق رب المال.
والثاني: يضمن، وهو أصح، لأنه إذا دفع إليه المال مضاربة لينميه ويحصل
стр. 360
له الربح، وفي هذا الموضع قد أتلف عليه المال لأنه قد عتق عليه فإذا قلنا يضمن قال أبو بكر: في قدر الضمان قولان:
أحدهما: أنه ضامن بالثمن، لأن العدوان فيه حصل.
والثاني: يضمن قيمته ويكون له من الربح بحصته، لأن الإتلاف حصل بعد حصول الملك للمضارب بسبب من جهته لأنه إنما يعتق بعد صحة الشراء.
شراء رب المال سلعة من مال المضاربة:
٨ - مسألة:: إذا اشترى المضارب سلعة للمضاربة هل لرب المال ابتياعها منه؟ على روايتين نقلها حنبل:
إحداهما: جواز ذلك كما جاز له أن يشتري من مكاتبه ومن عبده المأذون له إذا كان عليه دين.
والثانية: لا يجوز، لأنه ملكه فلم يجز له (١) ابتياعه كالموكل لا يصح أن يبتاع ما له في يد وكيله، وكذلك السيد فيما له في يد عبده المأذون له في الشراء بمال السيد فأما المكاتب فإنما جاز للسيد أن يشتري مما في يده، لأن ما في يده ليس بملك للسيد، وأما العبد المأذون فإن لم يكن عليه دين لم يصح شراؤه منه، وإن كان عليه دين لم يمنع لأن حق السيد انقطع عما في يده فأما شراء أحد الشريكين سلعة من مال الشركة فالعقد باطل في قدر حصته لأنه يبتاع ما هو ملكه، وهل يبطل في حصة شريكه على روايتين بناء على تفريق الصفقة، وقد تقدم شرحها، وإن ابتاع قدر حصة شريكه من سلعة بعينها جاز لأنه يبتاع ملك غيره فهو كما لو ابتاع من غير مال الشركة.
ويفارق هذا رب المال إذا ابتاع سلعة من مال المضاربة أنه لا يصح على الصحيح من الروايتين لأنه يبتاع ملكه، وقد علق أحمد ﵀ القول في رواية حنبل في أحد الشريكين إذا أراد أن يبتاع حصة شريكه قبل القسمة فإن كان مما لا يكال ولا يوزن مثل عبد وثوب فلا بأس. فظاهر هذا أنه لا
стр. 361
يجوز شراؤه لحصته من المكيل والموزون، وليس هذا الكلام على ظاهره لأنه قد نص على جواز ذلك في رواية ابن القاسم في الشريكين في الطعام يريد أحدهما بيع حصته من صاحبه فإن لم يكونا يعلمان كيله فلا بأس، وإن علما مبلغ كيله فلا بد من كيله فقد أجاز بيع من حصته من شريكه من المكيل والموزون، وقوله: ان علما مبلغ كيله لم يجز حتى يكيلاه معناه إذا كان بينهما شركة في طعام فباع حصته من شريكه صبره بغير كيل فإن كان البائع يعلم مبلغ كيل ذلك الطعام لم يجز بيعه صبره، وإن لم يعلم جاز، وهذا بناء على أصل آخر (وهو) (١) أن من عرف مبلغ شيء لم يجز بيعه صبره لنهي النبي ﷺ عن ذلك (٢) ولأنه إذا علم وكتم فإنه يقصد غبنه فمنع من ذلك كتلقي الركبان.
المضاربة بالعروض:
٩ - مسألة: (٣) المضاربة بالعروض هل تصح أم لا؟
نقل إسحاق بن هاني: أنها لا تصح.
ونقل الأثرم: جواز ذلك.
ووجه الأولى أنها نوع شركة فلم تصح على العروض كشركة العنان لا تصح رواية واحدة.
ووجه الثانية أن العروض أعيان مباحة فصح عقد المضاربة عليها كالدراهم والدنانير.
стр. 362
تحديد المضاربة بأجل (١):
مسألة: هل أن تقع المضاربة مؤقتة أم لا؟
يصح نقل عنها جواز ذلك فقال: إذا دفع إليه ألفًا مضاربة شهرًا فإذا مضى الشهر يكون قرضًا جاز.
ونقل حنبل: أنه لا يجوز، وهو إختيار أبي حفص.
وجه الأولى أنها تختص بنوع دون نوع فوجب ألا يفسد بذكر الوقت وتتوقت إذا وقتت كالوكالة.
ووجه الثانية: أن المضاربة تقتضي التصرف في عموم الأوقات فإذا وقتها فقد نفى موجب العقد فهو كما لو شرط ألا يخلى بينه وبين المال.
رجوع المضارب عن اقراره بالربح (٢):
١١ - مسألة: إذا دفع المضارب إلى رب المال شيئًا وقال له: هذا ربح حصل في المال ثم ادعى بعد ذلك أنه لم يكن ربحًا وإنما كان من صلب المال.
فنقل الأثرم: أنه لا يقبل قوله في ذلك. قال أبو حفص: وقد روى عنه خلاف ذلك في رواية مهنا ﵁ أنه يستحلف على دعواه.
وجه الأولى: وهي الصحيحة أنه قد أقر على نفسه أن الذي دفعه من الربح هو مديع بعد ذلك أنه كان من صلب المال فيجب ألا يقبل قوله كما لو قال: لفلان علي كذا، ثم قال غلطت بإقراري على نفسي فإنه لا يقبل قوله كذلك ها هنا
ووجه الثانية: أن المضارب أمين في حق رب المال بدليل أنه لو أخبر بالوضيعة قبل منه وإذا أقر بحصول الربح ثم ادعى الوضيعة وذلك مما لا يجوز أن يكون صادقًا فيه جاز أن يقبل منه، والأولى أصح.
стр. 363
تصرف الوكيل قبل علمه بالعزل أو موت الموكل:
١٢ - مسألة: إذا تصرف الوكيل بعد عزل الموكل أو موته وقبل علمه بذلك هل ينفذ تصرفه؟
فنقل ابن منصور: إذا تصرف بعد العزل نفذ تصرفه.
ونقل جعفر بن محمد: إذا تصرف بعد العزل أو الموت نفذ تصرفه لم يعلم بموته فقد نص على نفوذ التصرف، وقال الخرقي ﵀: ما فعله (١) الوكيل بعد فسخ الموكل أو موته فباطل، فظاهر (٢) كلامه بطلان التصرف.
وجه الأولى: أن العزل نهى عن التصرف بعد تقدم الإذن والأوامر والنواهي لا تثبت أحكامها إلا بعد العلم بها بدلالة أوامر الله ونواهيه لا يثبت حكمها إلا بعد العلم، والأصل فيه قصة أهل قباء لما نسخت القبلة وهم في الصلاة استداروا ولم يبتدئوا الصلاة (٣) من أولها، ولأنها معاملة تمت بها فلم تنفسخ بأحدهما كالبيع لا ينفسخ بإقالة أحدهما للآخر بغير علمه، كذلك الوكالة. ووجه ما قاله الخرقي، وهو أشبه بأصول المذهب أن الفسخ رفع عقد لا يفتقر إلى رضا شخص فلم يفتقر إلى علمه كالطلاق لما لم يفتقر إلى رضا المرأة لم يفتقر إلى علمها، وعكس هذا الإقالة لما افتقر فيها إلى رضا المقيل افتقر إلى علمه وهذه العلة تجري في مسائل، منها: إذا ثبت الخيار لأحد المتبايعين ملك الفسخ بغير علم صاحبه، وكذلك إذا وجد بالمبيع عيبًا ملك بغير علمه، وكذلك الوصي يملك عزل نفسه بعد موت الموصي وليس يعتبر العلم إلا في مسألة وهي إذا حلف على زوجته ألا تخرج إلا بإذنه فأذن لها بحيث لا تعلم لم يكن إذنًا لأن ذلك ليس بفسخ عقد وإنما هو وجود صفة والصفة لا توجد إلا بالعمل لأن قوله لا خرجت إلا بإذني معناه: إلا بأن أعلمك الإذن لأن الإذن في لغتهم:
стр. 364
الإعلام، قال الله تعالى "وآذان من الله" (١) ومعناه وإعلام، وقال النبي ﷺ في مسكينة إذا ماتت فآذنوني (٢) معناه: فاعلموني.
بيع الوكيل نساء أو بأقل من ثمن المثل مما لا يتغابن به الناس:
١٣ - مسألة: (٣) إذا باع الوكيل بأقل من ثمن المثل مما لا يتغابن الناس بمثله أو باعه نساء فهل يصح البيع أم لا؟
نقل ابن منصور لفظين:
أحدهما: إذا باع بأقل من ثمن المثل فالبيع جائز وهو ضامن لما نقص.
واللفظ الثاني: قال سفيان إذا أمره يبيع له شيئًا فلا يبيعه إلا بنقد، يبيع الناس نقدًا.
فإنه باعه بنسيئة رده فإن استهلك الثوب فقيمته قال أحمد: كما قال: فقد نص على صحة البيع إذا باع بنقصان وضمن الوكيل النقصان ونص على بطلانه إذا باعه نساء وضمنه القيمة عند تعذر العين فيكون فيه روايتان إحداهما: بطلان العقد من أصله في الموضعين.
والثانية: صحة البيع فيها، ويضمن قيمة النقصان. فإن قلنا البيع باطل فوجهه أن المحاباة في البيع تحل محل الهبة بدليل أن محاباة المريض معتبرة من ثلثه كالهبة ثم ثبت أنه وكله في بيع شيء فباع البعض ووهب البعض لم يصح ولأن التوكيل المطلق يقتضي تعجيل الثمن بدليل أنه لو شرط التأجيل تأجل.
وإذا لم يشرط تعجل، فيجب أن يحمل الإطلاق عليه.
ووجه الثانية: أن قوله: بع يعم ثمن المثل، وما دون ذلك. والنقد والنسيئة فيجب أن يحمل على إطلاقه، ولأنه لا يمتنع أن يحكم بصحة العقد على حاله يملك
стр. 365
الموكل فيها الفسخ كما لو وكله في شراء ثوب فاشترى معيبًا فالعقد صحيح وللموكل الخيار في إبطاله وإمضائه - كذلك ها هنا يكون له الخيار في مطالبة الوكيل بالنقصان.
توكيل الوكيل لغيره فيها وكل فيه:
١٤ - مسألة: واختلفت في الوكالة المطلقة هل يملك الوكيل أن يوكل غيره؟
فنقل ابن منصور: لا تجوز وكالة الوكيل. قال أبو بكر: وكذلك الوصي هل له أن يوصي إلى غيره؟ على روايتين.
نقل ابن منصور: له أن يوصي إلى آخر، ويكون هذا وصيًا عن الأول.
ونقل جعفر بن محمد: ليس له أن يوصي فإن وصى عنه لم تصح الوصية، وكذلك إذا ولى الإمام حاكمًا بلدًا يقدر أن ينظر فيه بنفسه هل له أن يستنيب من ينظر فيه عنه على روايتين … نقل مهنا يجوز، ويتخرج المنع بناء على الوكيل والوصي.
وجه الرواية الأولى: أن الموكل أذن له في التصرف بنفسه ولم يأذن له في أن يولي غيره فيجب أن يمنع من ذلك كما قلنا فيمن استأجر رجلًا ليخيط له قميصًا أو يحج عنه فإنه لا يجوز للأجير أن يستأجر غيره لخياطته ولا ليحج مكانه، لأن الإذن حصل في حقه كذلك ها هنا.
ووجه الرواية الثانية أنه لما ملك البيع بنفسه على الإطلاق ملك أن يوكل فيه دليله الأب، ولأن أكثر ما فيه أن تصرفه بتوليه وهذا لا يمنع التوكيل كالوصي وأمين الحاكم.
قبول قول الوكيل في قضاء دين الموكل:
١٥ - مسألة: إذا أمر وكيله أن يقضي دينه فذكر الوكيل أنه قد قضاه فأنكر صاحب الدين ذلك لم يقبل قول الوكيل على صاحب الدين رواية واحدة وهل يقبل قوله على موكله أم لا؟
فنقل الميموني: أنه يقبل فقال في رجل أمر رجلًا أن يدفع إلى فلان ألف
стр. 366
درهم فدفعها، وأنكر المدفوع إليه فإن كان أمره بالإشهاد فلم يشهد ضمن، وإن لم يؤمر بالإشهاد فالقول قوله، وقال الخرقي: ولو أمر وكيله أن يدفع إلى رجل مالًا فذكر أنه دفعه إليه لم يقبل قوله على الأمر إلا ببينة، فظاهر هذا أنه لا يقبل قوله على موكله وجه ما نقله الميموني أنه تصرف من الوكيل على موكله فهو كالبيع، وقد ثبت أنه لو أقر على موكله بالبيع قبل قوله كذلك ها هنا.
ووجه ما نقله الخرقي: أنه أمره بقضاء دينه وإبراء ذمته، وإنما يحصل ذلك بأن يشهد عليه بالقبض فإذا دفعه دفعًا لا تبرأ ذمته به كان مفرطًا فيه فكان عليه الضمان.
شراء الوكيل والوصي مما وكل فيه:
١٦ - مسألة: في الوصي والوكيل وأمين الحاكم هل لهم الشراء من أنفسهم على روايتين:
نقل مهنا والبرزاطي في الوصي لا يشتري من مال اليتيم (١) ولا يبيعه شيئًا وهو اختيار الخرقي، وقد نص في الوكيل أيضًا في رواية حرب وأبي طالب فقال في الوكيل لا يشتري ولا يشارك فيه إنما وكل في بيعه.
ونقل جعفر بن محمد في رجل دفع إلى رجل ثوبًا، وقال: بعه، فدفعه إلى مناد فبلغ الغاية لم يأخذه إلا أن يزيد، فظاهر هذا جواز الشراء بزيادة، وقاله أيضًا في رواية إسحاق بن إبراهيم: إذا أمره ببيع سلعة فأراد شراءها لم يجز حتى يوكل رجلًا ولا يعقد هو لنفسه فظاهر هذا جواز الشراء بشرط أن يستعين بغيره في النداء عليها ومعرفة مبلغ الثمن، وكذلك نقل حنبل عنه فقال لا يشتري الوصي من نفسه حتى يوكل رجلًا يشتري منه لا يأخذ بإحدى يديه من الأخرى، فعلى هذه الرواية يجوز شراء الوكيل بشرطين: أحدهما أن يكون بزيادة في الثمن وأن يستعين بغيره في النداء عليها وكذلك الوصي. وقد نقل حنبل لا يشتري الوصي لإحدى يديه من الأخرى لكن يوكل رجلًا فإذا قام على ثمن في السوق اشتراه، فظاهر هذا جواز الشراء من نفسه
стр. 367
إذا اشترك غيره في عرض السلعة والنداء عليها، وزاد في قيمتها لنفي التهمة عن نفسه في انفراده بعرضها والنداء عليها.
وجه الأولى: أن الوكيل والوصي وأمين الحاكم كل واحد منهما يستقصي لنفسه وقد أخذ عليه أن يستقصي للموكل فيؤدي إلى تضاد الغرضين والتهمة تلحق في ذلك فلهذا لم يجز.
ووجه الثانية: أنه لما جاز بيعه من غيره جاز من نفسه كالأب يجوز أن يبيع على ولده من غيره ويجوز من نفسه كذلك الوكيل والوصي (١) وإنما اعتبر في شرائه زيادة في الثمن وأن يكون من يد غيره لأنه أبعد للتهمة وأنفى للظنة.
إنكار الوكالة في عقد النكاح:
١٧ - مسألة: في رجل ادعى على رجل أنه وكله في عقد النكاح، وأنه قد عقد له عقد النكاح فأنكر الموكل فإنه لا يقبل قول الوكيل على موكله لأن الأصل عدم التوكيل، وهل يلزم الوكيل نصف الصداق المسمى، على روايتين: نص عليها في أخوين ادعى أحدهما على أخيه أنه وكله في تزويجه من امرأة وقد تزوجها وأنكر الآخر.
فنقل ابن منصور: يلزم الأخ الوكيل نصف الصداق.
ونقل أبو طالب: لا يلزمه فعلى هذا تكون الخصومة فيه بين الموكل وبين المرأة فيكون القول قول الموكل لأن الأصل أن لا عقد وعلى رواية ابن منصور تكون الخصومة بين المرأة وبين الوكيل فيلزمه أن يدفع إليها نصف الصداق. وقد تأول بعض أصحابنا هذه الرواية على وجه، وهو أن يكون الوكيل عقد العقد وضمن الصداق عن الموكل، وأنكر الموكل الإذن في العقد ولا بينة عليه بذلك فالقول قوله في ذلك، ويلزم الوكيل بحق الضمان نصف الصداق.
стр. 368
كتاب الإقرار
ويشمل الموضوعات الآتية:
الأول: استثناء النصف.
الثاني: استثناء العين من الورق والورق من العين.
الثالث: ما يلزم بالإقرار بكذا وكذا درها.
الرابع: الإقرار في مرضى الموت.
الخامس: العارية بشرط عدم الضمان.
стр. 369
كتاب الإقرار
استثناء النصف مما أقر به:
١ - مسألة: لا يختلف أصحابنا أنما إذا أقر بشيء واستثنى منه الكثير لم يصح استثناؤه، واختلفوا إذا استثنى منه النصف فقال أبو بكر في كتاب "الشافي": لا يصح استثناء النصف، وظاهر كلام الخرقي جواز ذلك لأنه قال ومن أقر (١) بشيء واستثنى منه الكثير وهو أكثر من النصف كان استثناؤه باطلا، وجه قول أبي بكر أنه لما لم يجز (٢) استثناء الكثير لأنه لم ينقل ذلك عن أهل اللغة وهذا موجود في النصف لأنه لم ينقل عنهم وإنما نقل عنهم فيما دونه فيجب أن يمنع من ذلك كما منع في الكثير، ووجه قول الخرقي أنه لم يستثن الكثير فيجب أن يصح استثناؤه كما لو استثنى القليل، ونظير هذه المسألة إذا كان الحرير غالبًا على القطن لم يجز لبسه، وإن كان القطن غالبًا جاز وإن كانا نصفين فهل يجوز لبسه أم لا؟ يتخرج على وجهين:
أحدهما: التحريم لأنه معلوم ظاهر، وقد أومأ إليه في رواية إسحاق بن هانئ في الثوب يكون سداه حريرًا ولحمته قطنًا فهو الملحم المحدث لم يكن على عهد رسول الله ﷺ فكرهه.
стр. 370
والثاني: الإباحة، لأنه ليس بغالب، وقد (١) أومأ إليه في رواية الأثرم في الخز الذي سداه الإبريسم، فلم يربه بأسًا، وكذلك نقل صالح في ثوب سداه حرير ولحمته قطن فهو كالخز، وقد قال ابن عباس: نهى النبي ﷺ عن المصمت من الحرير (٢)، وهذا يدل على الجواز.
استثناء العين من الورق والورق من العين:
٢ - : مسألة واختلفوا في استثناء العين من الورق والورق من العين.
فقال أبو بكر: لا يصح لأنه استثناء من غير الجنس فهو كما لو أقر بدراهم فاستثنى منها طعامًا أو ثوبًا. وقال الخرقي: يصح، لأن العين والورق في حكم الجنس الواحد ألا ترى أنها قيم المتلفات وأروش الجنايات ويضم بعضها إلى بعض في الزكاة، ويفارق هذا الاستثناء من جنس غيرهما لأنه لم يجر مجرى الجنس الواحد.
ما يلزم بالإقرار بكذا وكذا درهمًا:
٣ - مسألة: واختلفوا إذا قال له علي كذا وكذا درهمًا.
فقال شيخنا أبو عبد الله: يلزمه درهم واحد.
وقال أبو الحسن التميمي: يلزمه درهمان، قال: ومن أصحابنا من قال: يلزمه درهم فأكثر وجه من قال: يلزمه درهم واحد أن كذا يقع على فلس ودائق ونصف درهم وكذا الثاني أيضًا (٣).
فإذا قال: درهمًا كان تفسيرًا لأقل اثنين يفسران بدرهم وأقل اثنين يفسران بدرهم نصف ونصف، فأوجبنا اليقين (٤)، ووجه من قال: يلزمه درهمان أنه أقر بمبهمين بدليل أنه لو فسرهما بثوبين أو عبدين أو درهمين كان
стр. 371
القول قوله فإذا قال بعد هذا: درهمًا كان تفسيرًا لهذا العدد فهو كقوله عشرون، هذا مبهم فإذا قال: درهمًا كان تفسيرًا للعشرين كذلك ها هنا قوله: درهما تفسير لهاتين الجملتين.
ووجه من قال: يلزمه درهم فأكثر أن قوله كذا يقع على أقل من درهم.
الإقرار لأجنبي في مرض الموت:
٤ - مسألة: إذا أقر في مرض الموت لأجنبي هل يصح إقراره؟
فقال أبو بكر: فيها روايتان:
إحداهما لا ينفذ إقراره، قال في رواية ابن منصور: إذا قال: فرسي هذا لفلان فإقراره جائز إذا كان صحيحًا، وإن أقر وهو مريض فلا، فظاهر هذا المنع جملة، لأنه إقرار في مرض الموت بحق في ماله فلم يصح كما لو أقر لوارث والرواية الثانية: يصح إقراره، وهو اختيار الخرقي لأنه قال: والإقرار في مرض موته بدين كالإقرار في صحته إذا كان لغير وارث، لأنه غير متهم في هذا الإقرار فهو كما لو أقر بنسب فإنه يقبل إقراره، ويفارق هذا الإقرار لوارث لأن التهمة تلحقه في ذلك فلهذا لم يقبل.
العارية بشرط عدم الضمان:
٥ - مسألة: (١) إذا استعار بشرط أنها إن تلفت لم يضمن، فهل يسقط الضمان أم لا؟
قال أبو حفص: لا ضمان، قال وقد نقل ابن منصور قلت لأحمد: قال سفيان: كل شيء أصله ضامن فإذا شرط أنه ليس عليه ضمان فهو ضامن. قال أحمد: إذا اشترط له فالمسلمون عند شروطهم، وعندي أن عليه الضمان كما لو لم يشرط وهو ظاهر كلام أحمد ﵀ لأنه أطلق القول بأن العارية مضمونة، ولم يعتبر الشرط في ذلك.
стр. 372
وجه قول أبي حفص ما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "المؤمنون عند شروطهم … " (١).
روي عبد الرحمن بن غنم قال شهدت عمر بن الخطاب قال: إن مقاطع الحق عند الشرط (٢)، ولأنه لا يمتنع أن يسقط الضمان بالشروط. كفدية اللبس والتحلل عند الإحصار إذا شرط ذلك في عقد الإحرام، وكما لو أذن في قطع يده، وشرط ألا ضمان على القاطع فإنه لا يجب الضمان، والدلالة على ثبوت الضمان وإن شرط نفيه قول النبي ﷺ في حديث صفوان:
"عارية مضمونة مؤادة" (٣).
فوصفها بالضمان، وهذا عام، ولأن ما كان مضمونًا لم يزل ضمانه بالشرط كالمبيع قبل القبض، والقرض والمقبوض على وجه العموم، وما لم يكن مضمونًا فشرط الضمان لا يوجب ضمانه كالوديعة والشركة والرهن كذلك ها هنا.
стр. 373
كتاب الغصب
ويشمل المسائل الآتية:
الأولى: ما يضمن به المثلى.
الثانية: ما تضمن به عين الدابة.
الثالثة: ضمان منافع الغصب
الرابعة: فداء المغرور بالأمة لأولاده منها.
الخامسة: رجوع المغرور بالمهر على من غره.
السادسة: الوقت الذي تعتبر فيه قيمة المغصوب.
السابعة: ربح المال المغصوب إذا اتجر به الغاصب.
الثامنة: وجوب المهر على مكره الثيب.
التاسعة: ما يضمن به المغصوب إذا تغير عن صفته حال الغصب.
العاشرة: إجبار الغاصب على إزالة ما أحدثه في المغصوب.
الحادية عشرة: ما يأخذ به صاحب الأرض ما عليها من بناء أو زرع للغاصب.
стр. 374
كتاب الغصب
ما يضمن به المثلى:
١ - مسألة: فيما له مثل:
نقل حرب وإبراهيم بن هاني وما كان من الطعام والدراهم، أو ما يكال أو يوزن فعليه مثله ليس القيمة، فظاهر هذا أن ما يكال ويوزن له مثل وما عدا ذلك لا مثل له. ونقل موسى بن سعيد الدنداني: المثل في العصا والقطعة إذا كسرت وفي الثوب، ولا أقول في العبد والبهائم فظاهر هذا أن ما عدا الحيوان له مثل كالثياب والحطب والخشب والأواني، وإلى هذا ذهب جماعة من أصحابنا وعندي أن المسألة رواية واحدة، وأن ما عدا المكيل والموزون لا مثل له، وما نقله موسى بن سعيد قول مرجوع عنه لأنه ليس بمكيل ولا موزون فلم يضمن بمثله كالحيوان ولأنه لا يمكن الرجوع فيه إلى المثل لأنه إن ساواه في المقدر خالفه في الثقل وإن ساواه فيهما خالفه من وجه آخر وهو القيمة فإذا تعذر المثل لم يكن بد من اعتبار القيمة، ومن ذهب من أصحابنا إلى إثبات المثل في هذه الأشياء يحتج بما روى أنس قال: كان رسول الله ﷺ عند إحدى (١) أمهات المؤمنين فبعثت إحداهن قطعة من طعام إليه فضربت بيدها على يد الرسول ﷺ فسقطت القطعة وانكسرت نصفين فضم رسول الله ﷺ أحد الكسرين إلى الآخر، وجعل يجمع الطعام فيه، وقال: "كلوا، غارت أمكم"
стр. 375
وبعث بقطعة صحيحة إليها وقال: "خذوا ظرفًا مكان ظرفكم" (١)، وروى عن عائشة ﵂ قال: "بعث بقصعتي إليها" (٢) والجواب أن هذا محمول على أنه بعث بالقصعة إليها برضا عائشة، بدليل أنه بعث بقصعة بكسر قصعة، وهذا لا يجب، فثبت أنه عن رضى منها به.
ما تضمن به عين الدابة:
٢ - مسألة: إذا قلع عين دابة ينتفع بظهرها في العادة دون لحمها هل يجب فيها مقدار أم يضمن بما نقص؟
قال أبو بكر: فيها روايتان:
إحداهما: ما نقص، قال في رواية الميموني: من جنى على الدابة أو أعور فيها فعليه ما نقص.
فظاهر هذا أن الواجب في ذلك ما نقص.
ونقل أبو داود في رجل فقأ عين دابة رجل فعليه ربع قيمتها قيل له: فإن فقأ العينين جميعًا فقال: إذا كانت واحدة فقضى عمر بأن فيها ربع القيمة (٣)
стр. 376
وأما العينان فما سمعت فيها شيئًا فقد نص على ربع القيمة في العين الواحدة. وتوقف في العينين أن يحكم فيها بمقدر.
وقد نقل أبو الحارث هذه المسألة وكشف فقال في رجل فقأ عين دابة لرجل عليه ربع قيمتها. قيل له: فقأ العينين، قال: إذا كانت واحدة فقال عمر ربع القيمة، وأما العينان فما سمعت فيها شيئًا قيل له: فإن كان بعيرًا أو بقرة أو شاة فقال: هذا غير الدابة هذا ينتفع بلحمه وينظر ما نقصها.
وجه الرواية الأولى: أنها جناية على بهيمة فضمنت بالنقصان، دليله لو قلع العينين أو قطع يدًا أو قلع عين بهيمة بقصد الانتفاع بلحمها دون ظهرها".
ووجه الرواية الثانية: حديث عمر أنه قضى في عين الدابة بربع قيمتها (١). وروى عن علي أيضًا (٢) والصحابي إذا قال قولًا يخالف القياس فلا يقوله اجتهادًا، لأن الاجتهاد لا يقتضيه، وإنما يقوله توقيفًا عن النبي ﷺ ، ولأن الفرس حيوان يستحق به من المغنم فوجب في عينه مقدر كالحر.
ضمان منافع الغصب:
٣ - مسألة: في منافع الغضب. هل هي مضمونة على الغاصب؟
فنقل الأثرم فيمن زرع في أرض قوم بغير إذنهم فعليه أجرة مثلها.
ونقل بكر بن محمد عن أبيه في رجل غصب دارًا فسكنها سنة أو أقل أو أكثر هل ترى عليه أجرة مثلها؟.
فقال: من الناس من يقول: لا أجرة عليه، ولا اجترئ أن أجعل عليه سكنى ما سكن.
قال أبو بكر الخلال: هذا قول قديم، لأن محمد بن الحكم مات قبل أبي عبد الله بنحو من عشرين سنة.
فمن ذهب إلى رواية بكر بن محمد فوجهه أنه لو غصب حرًا فحبسه مدة ثم
стр. 377
أرسله لم يضمن منافعه كذلك العبد، والعلة فيه أنها منفعة استخدام فلم تضمن بالغصب، ولأن منفعة ولد المغرور غير مضمونة وإن كانت قيمته مضمونة كذلك العبد.
ووجه الضمان: وهو الصحيح أن المنفعة تضمن بالبدل في العقد الفاسد فضمنت بالغصب كالأعيان. يبين صحة هذا أنها تحل محل الأعيان بدلالة جواز العقد عليها، وأنها تضمن بالمسمى في العقد الصحيح وبالمثل في الفاسد، وتصح هبتها والوصية بها كالأعيان سواء فيجب أن تساويه في باب الضمان.
فداء المغرور بالأمة لأولاده منها لسيدها:
٤ - مسألة: في المغرور إذا استولد الأمة، هل يفدي أولاده لمالك الأمة؟
فنقل جعفر بن محمد: يفديهم، ويرجع بذلك على من غره.
ونقل ابن منصور روايتين إحداهما مثل هذا.
والثانية: قال: ليس عليه أن يفديهم، ويرد الأمة إلى مالكها. قال أبو بكر الخلال: أحسب هذا قولًا قديمًا، والذي أذهب إليه أنه يفديهم ويرجع بذلك على الغار، فوجه من نفى ضمان القيمة أن هذا الولد انعقد حرًا في الأصل وإذا انعقد حرًا لم يضمن لسيد الأمة، لأنه غير مالك له ووجه من أثبت ضمان قيمته - وهو الصحيح - أن الولد من نماء ملكه وكان من سبيله أن يكون مملوكًا لسيدها. وقد أتلف الرق عليه باعتقاده فكان عليه قيمته.
رجوع المغرور بالمهر على من غره:
٥ - مسألة: إذا ضمن المغرور المهر للمستحق هل يرجع به على الغار وهو البائع؟
فنقل ابن منصور: أنه يرجع به على من غره، وكذلك قال في المغرور في النكاح إذا غره في العيوب فوطئ وهو لا يعلم ثم فسخ أنه يرجع به على من غره.
стр. 378
قال في رواية بكر بن محمد: قد كنت أذهب إلى حديث على (١) ثم هبته وكأني أميل إلى حديث عمر، فقد أخذ بحديث عمر ولفظه: إذا تزوج بامرأة وبها جنون أو جذام أو برص فمسها فلها صداقها وذلك لزوجها غرم على وليها (٢)، ورجع عن قوله بحديث على، وهو الغرم بلا رجوع. قال في رواية أبي طالب يقول: ليس عليه غرم بما غره فقيل له: ما تقول أنت؟ قال: لا أدري، وكذلك نقل هارون بن عبد الله البزاز فيمن من خطب إمرأة فزوجوه بغيرها فدخل بها فلهذا الصداق على وليها لأنه غره. وقد نص بالرجوع على الغار فيه.
قال أبو بكر: فقد توقف أحمد عن المهر لأن عمر وعليا اختلفا فقال عمر: يرجع.
وقال علي: لا يرجع، وكلا القولين قال بها أحمد. قال: واختياري قول علي ﵁ فقد جعل أبو بكر المسألة على روايتين في الرجوع واختياره أنه لا يرجع به، والمنصوص عنه في الأمة وفي العيوب أنه لا يرجع بذلك. وأخذ بحديث عمر - وهو اختيار الخرقي وكذلك يتخرج الخلاف إذا استخدمها المشتري. ثم جاء مستحق فاستحقها فإنه يغرم للمستحق أجرة مثلها. وهل يرجع بذلك على البائع أم لا؟ على روايتين: فمن ذهب إلى أن لا يرجع فوجهه أن المهر بدل منفعة قد حصلت له. فيجب ألا يرجع به على غره، ألا ترى أنه لو غصب طعامًا فغصبه آخر منه، فأكله فضمنه المغصوب منه لم يرجع بما ضمنه على الغاصب الأول، ولا يشبه هذا قيمة الولد إذا ضمنها المستحق يرجع بها على البائع لأنه يكون مغرورًا يمنع دخول الولد في الرق فصار الولد حر الأصل، وهذا المعنى لا يحصل للمغرور وإنما يحصل للولد والوطء منفعته قد حصلت له فلا يجوز أن يرجع ببدلها على غيره، ومن ذهب إلى أنه يرجع، وهو أصح فوجهه أن البائع قد ضمن له بعقد البيع سلامة الوطء كما ضمن له سلامة الولد فكما يرجع عليه بقيمة الولد كذلك يجب أن يرجع.
стр. 379
عليه بالمهر ولأن كونه منتفعًا بالوطء لا يمنع الرجوع بدليل أن قيمة الولد يرجع بها وهو منتفع بحريته لأنه يرثه ولا ينتفي عنه النقص برق ولده، ولأنه لا يرجع وإن لم يحصل له منفعة وهو أن العين إذا تلفت في يده فإنه يغرم القيمة لمالكها ولا يرجع بذلك على البائع وإنما يرجع بالثمن الذي أخذه فامتنع أن يكون عليه الرجوع ما لم ينتفع به، لأنه قد لا ينتفع ولا يرجع وهو القيمة يعني قيمة العين، وقد ينتفع ويرجع وهو قيمة الولد.
الوقت الذي يعتبر فيه قيمة المغصوب:
٦ - مسألة: في قيمة المغصوب هل يعتبر وقت الإتلاف أو قت الغصب؟
فنقل ابن مشيش فيمن غصب ثوبًا: فعليه قيمته يوم يستهلكه لا يوم يغصبه، وكذلك نقل حنبل وصالح فيمن غصب جارية قيمتها ألف فماتت وهي تساوي مائتين فعليه قيمتها يوم ماتت فقد نص على أن القيمة معتبرة يوم التلف.
ونقل ابن منصور في الرجل يستهلك الطعام لرجل أو شيئًا من العروض: فعليه قيمته يوم غصبه فعاوده السائل بعد ذلك فجبن عنه، قال أبو بكر الخلال: قد روى جماعة أن عليه القيمة يوم الاستهلاك.
ونقل إسحاق عنه يوم غصبه ثم جبن عنه ورجع إلى قوله الأول، فعلى هذا رجوعه يمنع اختلاف الروايتين بل تكون المسألة رواية واحدة أنه لا يعتبر قيمته يوم الغصب، وإذا لم يعتبر قيمته يوم الغصب فهل يعتبر يوم التلف؟ فالمنصوص في رواية ابن مشيش وحنبل وصالح أنه يعتبر قيمته يوم التلف.
وقال الخرقي: ولو غصبها وهي حامل فولدت في يده ومات الولد فعليه قيمة ولدها أكثر ما كانت قيمته يعني بذلك أكثر ما كانت قيمته من حين الولادة إلى حين التلف، وما وجدت رواية بذلك فعلى قوله: إذا كانت قيمته يوم الولادة مائة ويوم التلف خمسين ضمنه بمائة، وكذلك سائر المتلفات فالغصب يخرج على قوله أنه يضمن بأعلى القيمتين من حين الغصب إلى حين الإتلاف. والمنصوص عن أحمد خلاف هذا، وهكذا الحكم في المقبوض عن عقد فاسد أنه
стр. 380
يضمن بقيمته حين الإتلاف ولا تعتبر قيمته حين القبض ولا أعلى القيمتين وقد قال أحمد ﵀ في رواية الأثرم وحنبل في الرجل يأخذ من الرجل رطلًا من كذا وكذا على وجه البيع ولا يقاطعه على سعره: فلا بأس به، ويكون له قيمته يوم أخذه لا يوم محاسبته، وإنما حكم بأن القيمة يوم القبض لأن استهلاك هذه الأشياء في العادة يوم القبض فمن نصر قول الخرقي وأنه يضمن بأعلى القيمتين فوجهه أنه يطالبه بتسليم العين حال زيادتها، وهو غاصب لها في هذه الحال فيجب أن تكون مضمونة عليه كزيادة الثمر والصنعة (لما كان) (١) مطالبًا بها على هذه الصفة كانت مضمونة عليه، والدلالة على أنه يضمن بقيمته يوم الإتلاف هو أن الزيادة في القيمة لو كانت مضمونة مع تلف العين لكانت مضمونة مع بقائها.
ولما لم يضمن هذه الزيادة مع بقاء العين (٢) كالسمن وتعليم الصنعة لما كانت هذه الأشياء مضمونة مع تلف العين كانت مضمونة مع بقائها لأنه لو غصبها وقيمتها مائة فبلغت قيمتها مائتين ثم نقصت فرجعت إلى مائة فردها وقيمتها مائة لم يضمن هذا النقصان، كذلك يجب ألا يضمنها مع تلف العين.
ربح المال المغصوب إذا اتجر به الغاصب:
٧ - مسألة: (٣) إذا غصب مالًا اتجر فيه فهل يكون الربح لصاحب المال؟
فنقل أبو طالب وعلي بن سعيد إذا اتجر في الوديعة بغير إذن مالكها فربح فيها فالربح لصاحب الوديعة.
ونقل حنبل: لا يكون الربح لأحدهما بل يتصدقان به.
وجه الأولى: أنه لا خلاف أنه لو غصب الحنطة فزرعها فالزيادة لرب الحنطة كذلك ها هنا يبين صحة هذا أن الربح يضم إلى النصاب ويزكي
стр. 381
وتضم السخال إلى الأمهات وتزكى أن كان أحدهما من عين المال وهو السخال. والآخر من غيره وهو الربح.
ووجه الثانية: نهى النبي - له عن ربح ما لم يضمن (١). وهذا المال بعد التصرف فيه لو تلف قبل قبضه لم يكن من ضمان المالك، وإنما يكون من ضمان الغاصب فيجب أن يتصدق بالربح، وهكذا نقل حنبل فيمن ابتاع ثمرة قبل بدو الصلاح بشرط القطع فتركها حتى يبدو صلاحها تصدق بالزيادة، لأن الثمرة قبل قبضها من ضمان البائع فلم يملك الزيادة.
وجوب المهر على مكره الثيب:
٨ - مسألة: واختلفت إذا استكره حرة ثيبًا هل يلزمه مهرها؟
فنقل بكر بن محمد: عليه الصداق، لأنه ملتزم حكم الإسلام صادف وطوه أجنبيه منه فإذا سقط الحد عن الموطوءة وجب المهر على الواطئ إذا كان من الضمان كما لو كانت بكرًا فإنه يلزمه المهر، رواية واحدة كوطء الشبهة، ولأن أكثر ما فيه أنه لم يتلف جزءًا منها، وإنما انتفع بالوطء، ومثل هذا يوجب الضمان كمنافع المغصوبة إذا كانت أمة، وسكنى الدار وركوب الدابة، كل هذا مضمون كذلك ها هنا.
ونقل ابن منصور: لا صداق عليه لما روى عن النبي ﷺ أنه نهى عن مهر البغي (٢) ويروى بالتخفيف، ومعناه عن مهر في مقابلة فعل البغي وهذا
стр. 382
فعل البغي، لأن الحد يجب عليه بهذا الوطء، والصحيح أنه يروي بالتشديد والمكرهة غير باغية فلا ينصرف الخبر إليها، والرواية الأولى أصح.
ما يضمن به المغصوب إذا تغير عن صفته حال الغضب:
٩ - مسألة: إذا تغير المغصوب عن صفته التي هي عليها مثل أن غصب حديدًا فضربه سكاكين أو خشبًا فعمله أبوابًا أو حنطة فطحنها أو دقيقًا فخبزه أو شاة فذبحها وشواها هل ينقطع حق المغصوب منه؟
فنقل بكر بن محمد: إذا غصب حديدًا فعمله سكاكين فإنه يدفع إليه سكاكين، وإذا كان حديدًا يدفع الثمن على القيمة، فظاهر هذا أنه حكم بملكه الغاصب وألزمه القيمة، وهو اختيار أبي بكر لأنه، قال في كتاب (التنبيه): ولو غصب بيرما فعمله ابرًا أو ساجة فعملها أبوابًا فعليه قيمة البيرم والساجة، وعندي أنه لا ينقطع حق المغضوب منه لأنه قال في رواية الميموني: في رجل دفع إلى رجل ثوبًا ليقطعه قميصًا فقطعه قباء، أو قميص امرأة، أو إلى صباغ ليصبغه بعصفر فصبغه أسود فهو لصاحب الثوب، ويلزمه قيمة ما نقص. وهذا نظير هذه المسألة لأن الأجير إذا تعدى في الإذن صار غاصبًا. وقال في رواية ابن منصور: إذا ذبح الشاة ثم أخرجها يقطع في ذلك، وهؤلاء يقولون: لا يقطع، وهذا يدل على أنه لا يملكها الغاصب، وقال أيضًا: إذا جنى على العين المغصوبة جناية أتلف منها منفعة مقصودة مثل ان قطع يد العبد المغصوب أو شق الثوب نصفين يلزمه الأرش ولم يجعل له حبس العين ودفع القيمة، ويكون معنى قوله في رواية بكر بن محمد يعطيه القيمة، يعني نقصان القيمة عما كانت عليه وقت الغصب لا أنه أراد قيمة جميع العين، فعلى هذه الطريقة إن نقصت قيمة العين بتغير صفته فعليه ما نقص، وإن زادت فالزيادة لصاحب العين ولا شيء للغاصب لأنها آثار أفعال وليست أعيان أموال، قال أبو بكر: وقد روى عنه إن كان فيها زيادة كان شريكًا لصاحب السلعة المغصوبة بقدر الزيادة
стр. 383
ولعله خرج هذا القول على رواية إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني فيمن غصب ثوبًا فصبغه فزاد أن الغاصب شريك في الزيادة، ويجب أن يكون بينها فرق وذلك أن الصبغ زيادة أعيان وليس كذلك ها هنا لأنها زيادة آثار، فمن ذهب من أصحابنا إلى أنه ينقطع حق المغصوب منه إذا تغيرت صفته فوجهه ما روي عن النبي ﷺ أنه زار قومًا من الأنصار في دارهم فذبحوا له شاة وصنعوا منها طعامًا فأخذ من اللحم شيئًا ليأكله فمضغه ساعة فلم يسعه فقال ما شأن هذا اللحم، وروى أنه قال: أن هذه الشاة لتحدثني أنها أخذت بغير حق، فقالوا: طلبنا شاة في السوق فلم نجد وهذه الشاة كانت لبعض جيراننا فذبحناها ونحن نرضيه من ثمنها فقال النبي ﷺ : "أطعموها الأسرى (١) فلولا أن حق صاحبها قد انقطع عنها لما أمرهم أن يطعموها الأسرى ولأمرهم بردها على المغصوب منه، ولأنه إذا ذبحها وشواها فات أعظم منافعها وزال الاسم عنها فوجب أن ينقطع حق صاحبها عنها كما لو غصب شاة فقتلها، ولا يلزم عليه إذا ذبحها ولم يشوها لأن معظم المنافع لم تفت لأن المقصود من الشاة اللحم وهو قبل أن يشوي يصلح لكل لون، والدلالة على أنه لا ينقطع حق المغضوب منه أن كل ما إذا فعله المالك في ملكه لم يزل ملكه عنه فإذا فعله الغاصب لم يزل ملكه عنه أصله إذا ذبحها ولم يشوها، وإذا غصب نقرة فضربها دراهم، ولأنه لو كان الغاصب أحق بها لملك التصرف فيها بالبيع والهبة والأكل ونحو ذلك.
إجبار الغاصب على إزالة ما أحدثه في الأرض:
١٠ - مسألة: إذا غصب أرضًا فبنى فيها هل يجبر الغاصب على قلع البناء أم له المطالبة بالقيمة أو أرش النقص بما يحصل بالنقص.
فنقل بكر بن محمد عن أبيه عنه: يقوم البناء ويعطى لأنه إن أخذ الغاصب
стр. 384
بناء يضر برب الأرض في الخراب والهدم ويكون ذهاب مال الغاصب في الجص والآجر.
ونقل ابن مشيش ومهنا: يجبر على قلع البناء، وهو أصح.
ووجه الأولى: أنه بناء حصل في ملك الغير فلم يجبر على قلعه على وجه يضر به كما لو أعاره أرضًا للبناء، ولأنه لو أعاره أرضًا للزراعة مدة معلومة فانقضت المدة والزرع لم يبلغ فإنه يجبر على إقراره في أرضه حتى يبلغ، وإن لم يكن الإذن حصل فيما زاد على ذلك.
ووجه الثانية: ما روى عروة بن الزبير: أن رجلين من الأنصار وروي من بياضة اختصما إلى رسول الله - غرس أحدهما في أرض الآخر نخلًا فقضى رسول الله ﷺ لصاحب الأرض بأرضه وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها، وقال:
"من أحيا أرضًا ميتة فهي له وليس لعرق ظالم حق (١) قال ولقد رأيتها والفؤوس تعمل في أصولها وهي يومئذ عم، وهذا المعنى موجود في البناء، ولأنه شغل ملك غيره غصبًا بملكه الذي لا حرمة له بنفسه فكان عليه التفريغ أصله إذا غصب دارا فصب فيها طعامًا فعليه التفريغ والنقل، ولأنه لو غصب ساحة وبنى عليها لزمه نقل بنائه من غير قيمة البناء كذلك ها هنا.
ما يأخذ به صاحب الأرض ما عليها من بناء أو زرع للغاصب:
١١ - مسألة: (٢) فإن غصب أرضًا فزرعها، فأراد صاحب الأرض أخذ الزرع لنفسه، فهل يأخذه بقيمته أم بما أنفقه الغاصب على الزرع؟ فيه روايتان:
стр. 385
نقل الميموني أبو الحارث وأبو طالب: يأخذه بما أنفق عليه.
ونقل مهنا عنه: له قيمة الزرع.
وجه الأولى: حديث رافع أن النبي ﷺ قال: "له نفقته" (١) فنص على النفقة دون القيمة.
ووجه الثانية: أن الزرع ملك الغاصب، بدليل أنه لو لم يحضر صاحب الأرض حتى حصد الزرع لم يكن له أخذه وإذا كان على ملكه كان له أخذه بقيمته، كما لو غصب خياطًا فخاط به خرجه دفع قيمته، ولأن الشفيع والمعير يأخذ الغراس والبناء بقيمته كذلك صاحب الأرض.
стр. 386
كتاب الإجارة
ويشمل الموضوعات التالية:
الأول: الإجارة مشاهرة كل شهر بكذا.
الثاني: كرى الأرض بجزء مما يخرج منها.
الثالث: إجارة الأرض بكيل معلوم من جنس ما يخرج منها.
الرابع: تسليم العين المؤجرة قبل تمام المدة وأثره في مقدار الأجرة.
الخامس: دعوى موانع الانتفاع بالعين المؤجرة.
السادس: إجارة الظئر والأجير بطعامه وكسوته ومقدار النفقة.
السابع: ضمان الأجير المشترك لما يتلف في يده.
الثامن: إجارة المسلم من الذمي للخدمة.
التاسع: تأجير المستأجر ما استأجره.
стр. 387
كتاب الإجارة
إجارة الدار مشاهرة كل شهر بكذا:
١ - مسألة: إذا قال: أجرتك داري هذه كل شهر بدراهم معلومة هل تصح الإجارة أم لا؟
فنقل ابن منصور في "الرجل" (١) يؤاجر داره بعشرة دراهم كل شهر: لا بأس به، فظاهر هذا أن الإجارة صحيحة، ومعنى هذا أنها صحيحة في الشهر الأول، وهي مراعاة فيما بعده من الشهور فلكل واحد منها فسخ الإجارة عند رأس الشهر فإن لم يفسخ حتى مضى من الشهر (الثاني) (٢) يوم أو يومان لواحد منها أن يفسخ، وهو اختيار الخرقي، وقال أبو بكر: الإجارة باطلة، لأن أحمد قال: في رواية أبي الحارث والمروذي في الرجل يكتري لمدة غزاته لا يصح. وجه الرواية الأولى أن الشهر (الأول) (٣) معلوم لأنه عقيب العقد، وقد ذكر له قسطًا من العوض معلومًا، والشهور لا تختلف فيجب أن يصح العقد على الشهر الأول كما لو قال الشهر الأول بعشرة وما بعده من الشهور بحساب ذلك، ولا يشبه هذا إذا (قال) (٤) بعتك هذه الثياب التي في الجراب كل ثوب بعشرة أنه لا يصح البيع في شيء من الثياب لأنها تختلف والشهور لا تختلف.
стр. 388
ووجه الرواية الثانية: أن العقد إذا وقع على جملة مجهولة بطل فيها وفي أبعاضها كلها، وإن كانت أبعاضها معلومة، كما لو قال: أجرتك هذه الدار ودارًا أخرى بعشرة، أو قال بعتك هذا الثوب وثوبا آخر بعشرة فإن العقد باطل في الجميع، ومن نصر الأول أجاب عن هذه بأنه يبطل به إذا قال: أجرتك هذه الدار الشهر الأول (١) بعشرة وما بعده من الشهور فبحسابه فإنه يبطل فيما بعده ويصح فيه وعلى أن الدار (٢) والثياب تختلف فلهذا يبطل العقد في الجميع، والشهور لا تختلف (٣) فلهذا لم يبطل في الجميع.
كرى الأرض بجزء مما يخرج منها:
٢ - مسألة: (٤) هل يجوز كرى الأرض بالثلث والربع مما تخرج أم لا؟
نقل الحسن بن ثواب، وأحمد بن أصرم، وأبو بكر بن صدقة، وإسحاق بن هانيء وأبو طالب، وأحمد بن هشام، وحرب، وأبو النضر، وعبد الله الميموني: جواز ذلك قال أبو حفص: وقد روى عن أبي عبد الله الكراهية في رواية ابن منصور، وقد سئل عن كرى الأرض بالطعام قال: هو المحاقلة، ولا بأس بكراها بالدراهم والدنانير.
وجه الأولى: ما روى البخاري قال: قال قيس بن سالم عن أبي جعفر: ما بالمدينة أهل بيت هجرة ألا يزرعون على الثلث والربع (٥) وروي عن سعد بن مالك، وابن مسعود أنها كانا يعطيان أرضها بالثلث والربع (٦)، ولأن المزارعة صنف من الإجارة وقد جازت بالثلث والربع كذلك المساقاة والمضاربة، وكذلك الإجارة.
стр. 389
ووجه الثانية: ما روي رافع بن خديج. قال: كنا نحاقل بالأرض على عهد رسول الله ﷺ - فنكريها بالثلث والربع والطعام المسمى - فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي فقال: نهانا رسول ﷺ أن نحاقل بالأرض فنكريها على الثلث والربع والطعام المسمى، وأمر رب الأرض أن يزرعها أو يزرعها (١) ولأن هذه أجرة مجهولة لأنه لا يعلم قدر ما تخرج الأرض فلهذا لم يصح.
إجارة الأرض بكيل معلوم من جنس ما يخرج منها:
٣ - مسألة: فإن أجر أرضه بكيل معلوم من جنس ما تخرج الأرض هل يجوز أم لا؟
نقل الحسن بن ثواب عنه: الكراهية، وقال أبو حفص ونقل عبد الله الرخصة، في رواية أبي النصر.
وجه الأولى: ما تقدم من حديث رافع بن خديج أن النبي ﷺ نهى أن يحاقل الأرض بالثلث والربع وطعام مسمى. ونهى عن إجارتها بطعام مسمى (٢).
ووجه الثانية: وهي أصح ما تقدم من إجماع الصحابة ﵃ (٣) وأنهم كانوا يكرون بالثلث والربع، ولأن كل ما جازت إجارته بغير المطعوم جازت بالمطعوم كالدور والبدن.
стр. 390
تسليم العين المؤجرة قبل تمام المدة وأثره في مقدار الأجرة:
٤ - مسألة: إذا استأجر دارا مدة بعينها فسكن بعض المدة وانتقل عنها (١) باختياره.
فنقل أبو طالب: يلزمه جميع الكرى للمدة، قال أبو بكر: وقد نقل ذلك الأثرم وإبراهيم بن الحارث، وانفرد أبو الحارث عنه، فقال: عليه بقدر ما ترك من الشهر، وعندي أن هذا محمول على أنه انتقل لعذر منعه من السكنى فأما أن ينتقل باختياره فإن جميع الأجرة تلزمه، لأن أصلنا أن لأن أصلنا أن جميع الأجرة قد ملكت عليه بعقد الإجارة، ولأن الإجارة عقد لازم لا يملك فسخه.
دعوى مستأجر العبد أنه أبق أو مرض أثناء المدة:
٥ - مسألة: فإن استأجر عبدًا مدة بعينها وتسلمه ثم ادعى المستأجر أن العبد أبق في هذه المدة وأنه لم ينتفع به.
فنقل ابن منصور: القول قول المستأجر في ذلك فإن ادعى أنه مرض في هذه المدة لم يقبل قوله حتى يقيم البينة على ذلك، فظاهر هذا أنه قد فرق بين الإباق والمرض فجعل القول قول المستأجر في الإباق، وجعل القول قول المؤجر في عدم المرض.
ونقل حنبل أنه لا يقبل قوله في ذلك، ويكون القول قول السيد إلا أن يقيم المستأجر بينة بإباقه.
ووجه هذه الرواية: أن التسليم قد حصل في الظاهر، والأجرة قد ملكها المؤجر بالعقد، والمستأجر يدعي زوال ملكه عنها فيجب أن لا يقبل قوله إلا ببينة ويكون القول قول المؤجر لأنه تشهد له سلامة العقد، ووجه الرواية الأولى: أنه قد استحق المستأجر التسليم للمنفعة المعقود عليها والمؤجر يدعي تسليمها منه والأصل عدم ذلك فكان القول قول المستأجر لأنه منكر، وإنما فرق بين الإباق وبين المرض، لأن الإباق لا يمكنه إقامة البينة عليه فكان القول قوله، والمرض يمكن إقامة البينة عليه فإذا لم يقمها لم يقبل قوله، وأصل