إعتاق الرقاب من الزكاة:
٥ - مسألة: هل يجوز أن يعتق من زكاته رقبة كاملة .... ؟ فنقل الميموني: وابن منصور جواز ذلك وهو اختيار الخرقي، ونقل المروذي وصالح: كنت أذهب إلى أن يعتق ثم إنني جبنت عنه.
فظاهر (١) هذا أنه رجع عن قوله بجواز العتق ولكن أصحابنا حملوا المسألة على روايتين.
فإن قلنا: يجوز أن يعتق منها فوجهه أنه صرف الزكاة في حرية الرقاب فأشبه إذا دفعها إلى المكاتب.
وإذا قلنا: لا يجوز أن يعتق منها وهو أصح فوجهه أنهم صنف من أهل الصدقات فوجب أن يكونوا على صفة يصح صرف الصدقة إليهم كسائر الأصناف.
فإذا قلنا: يعتق منها رقبة كاملة فهل يعقل عنها رب المال؟ فنقل الميموني: يعقل عنه. ونقل أحمد بن هاشم: جنايته في رقبته، هو رجل من المسلمين ولا تختلف (٢) الرواية أن ولاءه لا يكون لسيده بل يصرف في الرقاب.
وحكى أبو بكر عن أبي بكر الخلال أنه قال: جنايته في رقبته لا يعقل عنه السيد لأنه لا يرث من ولائه شيئًا.
وما رواه الميموني عنه (٣) فهو قول قديم، وقال أبو بكر بن جعفر: الذي أقول به ما رواه الميموني، وأن معتقه يعقل عنه وإن لم يرثه ولا يمتنع مثل هذا لأن من أعتق سائبة فلا ولاء له عليه ويعقل عنه وكذلك الحكم في عبد له بنتان اشترت إحداهما أباها عتق عليها وتنفرد بالولاء فيما زاد على الفرض والعقل عليها جميعًا وإنما لم يرثه السيد بالولاء لأن عتقه مستحق عليه فلا نعمة له عليه يستحق بها الولاء ولأنه أخرجه عما استحق عليه، فلم يثبت له حق على المستحق الذي هو العبد، دليله إذ دفع الزكاة إلى الفقير فإنه لا يثبت له حق على المستحق وهو الفقير كذلك ها هنا.
стр. 457
دخول الحج في السبيل الذي تصرف الزكاة فيه:
٦ - مسألة: هل الحج من السبيل فيجوز صرف الزكاة فيه … ؟
فنقل حنبل وصالح وإسحاق بن إبراهيم: لا يعطى في الحج. ونقل الميموني وعبد الله والمروذي يعطى في الحج والعمرة وهو اختيار الخرقي.
وجه الأولى: أن كل صنف (من أهل الصدقة يأخذها إما لحاجتهم إليها كالفقراء والمساكين وابن السبيل أو لحاجتنا إليهم كالعاملين والمؤلفة قلوبهم كذلك هذا الصنف (١)) فوجب أن يكون بهذه الصفة وهذا إنما يكون في المجاهدين فإن الصدقة تدفع إليهم فيدفعون الكفار عنا فأما إذا دفع (٢) في الحج فإنه لا يكون دفعًا إلى من يحتاج إلينا ولا إلى ((٣) من نحتاج إليه.
ووجه الثانية: وهي أصح ما روي أن رجلًا وقف ناقة في سبيل الله (فأرادت امرأته أن تحج فقال لها رسول الله ﷺ اركبيها: فقالت: إنما وقفها زوجي في سبيل الله (٤)) وروي عن أم عطية (٥) قالت: يا رسول الله نذرت أن أجعل ناقتي في سبيل الله فقال: اجعليها في الحج (٦) - ولأن الحج سفر يتعلق وجوبه بالمال فجاز أن يكون من السبيل أو فجاز صرف الصدقة إليه كالجهاد.
شراء عدة الجهاد من الزكاة:
٧ - مسألة: هل يجوز أن يشتري الكراع والسلاح من الزكاة ويصرفه إلى الجهاد ..... ؟
فنقل بكر بن محمد وهارون بن عبد الله: يعطى ثمن الفرس ولا يتولى هو
стр. 458
شراءه. ونقل محمد بن الحكم يجعل من زكاة ماله في السيف والفرس والرمح وإن اشترى به أرجو أن يجزيه، قال أبو بكر: دفع الدراهم أمكن على مذهبه لأنه لا يرى دفع العروض في الزكاة.
وجه الأولى: أن سبيل الله أحد الجهات التي ينصرف إليها الزكاة فلم يجز صرف القيمة فيها، دليله الفقراء والمساكين ولأنه أخرج (١) القيمة في الزكاة فلم يجز، دليله ما ذكرناه ويمكن أن يحمل ما قاله في رواية محمد بن الحكم على أن الإمام يتولى صرف الزكاة في الفرس والرمح لأن الفرض قد سقط عن صاحبها بالدفع إليه فأما أن يكون رب المال هو الفاعل لذلك فلا.
دفع زكاة المرأة إلى زوجها
٨ - مسألة: هل يجور للمرأة دفع زكاتها إلى زوجها؟
فنقل أبو طالب، وابن مشيش: لا يجوز، ونقل صالح وأبو الحارث: الجواز ولا تختلف الرواية في الزوج (٢) أنه لا يجوز دفع زكاته إلى زوجته.
وجه الأولى: أن بينهما زوجية فمنعت من دفع الزكاة، دليله الزوج إذا أراد أن يدفع زكاته إليها فإنه لا يجوز كذلك هي ها هنا (٣). ولأنه لما لم يجز له أن يعطيها لم يجز لها أن تعطيه كالابن مع أمه.
ووجه الثانية: أن الزوجية سبب لا تجب به النفقة عليها بحال فلم تحرم دفع صدقتها إليه كالنسب المتباعد ويفارق هذا الزوج أنه لا يجوز له دفع الزكاة إليها (٤) لأنه تجب نفقتها عليه فهي غنية به فلهذا لم يجز دفع صدقته إليها.
ضمان الزكاة إذا دفعت إلى من ظاهره الفقر فبان غنيًا:
٩ - مسألة: إذا دفع الزكاة إلى من ظاهره الفقر فبان غنيًا.
стр. 459
فنقل أبو طالب ومهنا: لا ضمان عليه، ونقل المروذي: يضمنها. ولا تختلف الرواية أنه إذا بان (١) عبدًا أو كافرًا أو من ذوي القربى أنه يضمنها ولا تجزئه.
وجه الأولى: وهي الصحيحة أن الغنى طريقه الظن والاجتهاد لأن من الناس من يكون غنيًا في الظاهر فقيرًا في الباطن، ومنهم من يكون غنيًا في الباطن فقيرًا في الظاهر فإذا تبين (٢) له خلاف ما ظنه حال الدفع فقد انتقل من اجتهاد إلى اجتهاد فلا يفسح الاجتهاد الأول كالحالم إذا لاح له اجتهاد بعد ما قضى بالاجتهاد ويفارق هذا إذا دفع إلى عبد أو كافر أو مناسب أو هاشمي أنه لا يجزيه (٣) لأنه انتقل من اجتهاد إلى قطع ويقين لأن الكفر طريقه القطع واليقين ولهذا يقتل عليه وكذلك الزوجية مثله ولهذا يتعلق بها إباحة الوطأ، وكذلك ملك اليمين يتعلق بها إباحة الوطأ، وكذلك النسب، ولهذا إذا نفى الولد لا عن أو أحد فلهذا فسخ الاجتهاد الأول، وهذه الرواية أشبه بالمذهب ولهذا إذا بان له الخطأ في القبلة لا يعيد.
ووجه الثانية: أنه دفع الزكاة إلى غير مستحقها فلم يجز، دليله الأم والأب والهاشمي، ولأنه حق لآدمي يضمن مع العبد جاز أن يضمن مع الخطأ كما لو كانت عنده وديعة فدفعها إلى غير صاحبها.
стр. 460
كتاب الفرائض
ويشتمل على الموضوعات التالية:
الأول: في التوارث بين أهل الملل.
الثاني: في منزلة العمة في الميراث.
الثالث: في التسوية بين ذكور ذوي الأرحام وإناثهم.
الرابع: في الرد على الجدة وولد الأم مع ذي سهم.
الخامس: في إرث الجدات.
السادس: في الإرث بالولاء.
السابع: في سريان العتق.
الثامن: في ميراث المرتد.
التاسع: في ميراث ولد الملاعنة.
العاشر: في من أسلم على ميراث قبل أن يقسم.
الحادي عشر: في الإرث بقرابتين.
الثاني عشر: في إرث المبتوتة في مرض الموت.
الثالث عشر: في قسمة التركة قبل اتضاح الخنثى.
الرابع عشر: في القتل المانع من الإرث.
стр. 461
كتاب الفرائض
التوارث بن أهل ملل الكفر المختلفة
١ - مسألة: في الكفر هل هو ملل أم ملة ..... ؟
فنقل ابن منصور: لا يرث اليهودي النصراني، فعلى هذا ثبت أن الكفر ثلاث ملل: اليهودية ملة، والنصارى ملة، والمجوس وعبدة الأوثان ملة، وهو اختيار أبي بكر.
ونقل حرب: يرث اليهودي النصراني فعلى هذا الكفر كله ملة، وهو اختيار أبي بكر الخلال.
وجه الأولى: ما روي عن النبي ﷺ قال: "لا يتوارث أهل ملتين شتى" (١).
وهذا عام ولأن مللهم مختلفة فأشبه ملة الإسلام والكفر ولأن التوارث
стр. 462
يثبت بالموالاة وإن كان الدين واحدًا فإذا سقطت الموالاة سقط التوارث.
ألا ترى أنه لا توارث بين أهل الإسلام والكفر (١) لوجود هذا المعنى؟ وكذلك لا توارث بين أهل الذمة وأهل دار الحرب.
ووجه الثانية: أنه يجمعهم الضلال والكفر فأشبه فرق اليهود وفرق النصارى ولأن الذمة سبب يحقن به دم من ضمه ذلك السبب فكانوا ملة واحدة وجرى بينهم التوارث كالإسلام فنقيس عقد الذمة على الإسلام والأولى أصح.
منزلة العمة في الميراث:
٢ - مسألة: في العمة: فنقل المروذي وإسحاق بن إبراهيم وإسحاق بن منصور هي بمنزلة الأب ونقل الأثرم وإبراهيم بن الحارث وحنبل: هي بمنزلة العم وهو اختيار أبي بكر.
وجه الأول: ما روى عبد الله بن أحمد قال: حدثنى أبي قال: حدثنا يزيد قال: أخبرنا الحجاج بن أرطاه عن الزهري أن رسول الله ﷺ قال: العمة بمنزلة الأب إذا لم يكن بينها أب، والخالة بمنزلة الأم إذا لم يكن بينها أم (٢). ولأن العمة تدلى بأربع جهات وارثات تدلى بالأب، والجد، والجدة، والعم، لأنها بنت الجد والجدة وهي أخت الأب والعم - فإذا اجتمع لها هذه الجهات الأربع الوارثات ولم ترث بجميعها وجب أن ترث بأقواها وهو الأب ألا ترى أنهم قالوا في المجوسي إذا كان له قرابتان ورث بأقواها ومنهم (٣) من قال
стр. 463
يرث (١) بجميعها كذلك العمة لما لم ترث بجميعها: ورثت بأقواها وكذلك قالوا في الجدة إذا كان لها قرابتان مثل أن تكون جدة من قبل أم وجدة من قبل أب منهم من ورثها بهما ومنهم من ورثها بأقواهما كذلك. هاهنا.
ووجه الثانية: أنا إذا نزلناها بمنزلة أب، أسقطت من هو أقرب منها وهم ولد الأخوات وبنات الإخوة لأنهم ولد الأب وهي من ولد الجد ولا يجوز أن يسقط الأبعد الأقرب وإذا نزلناها بمنزلة العم لم يوجد هذا المعنى.
التسوية بين ذكور ذوي الأرحام وإناثهم في الميراث:
٣ - مسألة: هل يرث الذكور والإناث من ذوي الأرحام بالسوية إذا كان أبوهم واحدًا وأمهم واحدة، أم يفضل الذكر على الأنثى؟
فنقل الأثرم وإبراهيم بن الحارث وحنبل في ولد الخال والخالة: يعطون بالسوية ولا يفضل بعضهم على بعض.
فظاهر هذا أنه سوى بين الذكور والإناث. ونقل يعقوب بن بختان: إذا ترك ولد خاله وخالته أجعله بمنزلة الأخ والأخت للذكر مثل حظ الأنثين. وكذلك ولد العم فظاهر هذا أنه فضل الذكور على الإناث، وكذلك نقل المروذي للخال الثلثان وللخالة الثلث، قال أبو بكر: المسألة على روايتين:
إحداهما: أنهم يرثون بالسوية، والثانية: يرثون للذكر مثل حظ الأنثيين، فجعل الروايتين في جميع ذوي الأرحام، وقال الخرقي في مختصره: ويورث الذكور والإناث بالسوية إلا الخال والخالة فللخال الثلثان وللخالة الثلث فخص الخال والخالة بالتفضيل وسوى بينهم فيما عداها ولم أجد هذا بعينه عن أحمد.
وجه من سوى بينهما: أنهما في القرابة سواء وليس لأحدهما تعصيب فيجب أن يسوى بينهما لتساويها في النسب المستحق ولأنهم يرثون بالرحم المحض فاستوى الذكر والأنثى كالإخوة والأخوات من الأم وكابن أخت وبنت أخت أخرى.
стр. 464
ووجه من فضل بينهما: أنه لو وجبت التسوية بينها لوجب مثله في الخال والعمة لأنهما في درجة واحدة ولوجب مثله في الأخوال والخالات المتفرقين لأنهم في درجة واحدة وقد أدلوا بشخص واحد ولما لم يسو بينهم كذلك هاهنا في غيرهم.
الرد على الجدة وولد الأم مع ذي سهم:
٤ - مسألة: هل يرد على ولد الأم والجدة مع ذي سهم فنقل ابن منصور: لا يرد عليهم ويرد على من سواهم، قال الخرقي: ويرد على كل أهل الفرائض على قدر فرائضهم إلا الزوج والزوجة، ولا تختلف الرواية أنه لا رد على الزوج والزوجة. وجه ما نقله ابن منصور أنه إذا اجتمع في الفريضة أم وإخوة من أم فإنما قلنا: يرد على الأم دون الإخوة من الأم لأن سبب الأم آكد بدليل أنه لا يسقط إرثها بحال والإخوة من الأم يسقطون في مواضع ولأنهم بها يدلون (١) فكانت أقوى حالًا منهم، وكذلك الجدة إذا اجتمعت مع الإخوة والأخوات من الأب والأم أو من الأب لأنهم أكد إرثًا منها ألا ترى أن الأم تسقط الجدة والأخوات يحجبن الأم وينقصنها ولأن الأخوات يرثن بالفرض تارة والتعصيب أخرى (٢) مع البنات وليس هذه المنزلة للجدة (٣) فكانوا آكد منها.
ووجه ما قاله الخرقي وهو أصح أن ولد الأم والجدة يرثون بالرحم فجاز الرد عليهم مع غيرهم دليله بقية ذوي الفرائض وكل من رد عليه إذا انفرد رد عليه إذا كان معه وارث غيره كولد الصلب مع ولد الابن والأخت للأب مع الأخت (٤) للأب والأم فإن أحمد قد نص على الرد على جميع هؤلاء ويفارق هذا الزوج والزوجة لأنهم لا يرثون بالرحم ولأنهم لا يرد عليهم إذا انفردوا.
стр. 465
إرث الجدة أم الأب مع الأب:
٥ - مسألة: في الجدة أم الأب هل ترث مع الأب؟
فنقل أبو طالب: أنها لا ترث، ونقل ابن القاسم وبكر بن محمد: ترث وهو اختيار الخرقي ولا تختلف الرواية أن أم الأم لا ترث مع الأم.
وجه الأولى: أن أم الأم لا ترث مع الأم لأنها تدلى بها كذلك أم الأب ولأنها ولادة من جهة واحدة فلا يقع بها ميراثان كأم الأم مع الأم، والأب مع الجد.
ووجه الثانية: وهي الصحيحة، أن الأب ابنها، فلم يحجبها (١) دليله العم والجد (٢) ولأنها ترث باسم الأمومة فلم يحجبها الأب كأم الأم أو نقول: لأنها جدة ترث مع عدم الأب فورثت معه كأم الأم أو نقول: أم الأب (٣) تأخذ سهم الأم بدليل أنها لا ترث معها فلم يسقطها الأب، دليله أم الأم.
حجب القربى من الجدات للبعدى منهن:
٦ - مسألة: إذا كانت الجدة القربى من قبل الأب والبعدى من قبل الأم هل تسقط البعدى؟
فقال الخرقي: فإن كان بعضهن أقرب من بعض كان الميراث لأقربهن.
فظاهر هذا أنه أسقطها.
وقال في رواية إسحاق بن إبراهيم: أنا أقول السدس بينهما ولا يختلفون أن البعدى إذا كانت من جهة الأب والقربى من جهة الأم أن البعدى تسقط.
وجه ما نقله الخرقي أنه اجتمعت جدتان فيجب أن يكون الأقرب منها أولى كما لو كانت الأقرب من جهة الأم والأبعد من جهة الأب.
ووجه ما نقله ابن إبراهيم أن الجدات من قبل الأب إنما يدلين بالأب والأب لو اجتمع مع الجدات من قبل الأم لم يحجبهن فبأن لا يحجبهم من يدلى به أولى.
стр. 466
إرث ابن الابن من الولاء مع الابن:
٧ - مسألة: هل يرث ابن الابن مع (١) الابن من الولاء … ؟
فنقل أبو طالب: لا يرث، ويكون الولاء للابن، فإذا مات المولى وخلف ابن مولاه وابن ابنه فالولاء لابنه.
قال أبو بكر: وله قول آخر: الولاء بينهما نقله حنبل.
وجه ما نقله أبو طالب وهي الصحيحة أن الابن أقرب إلى المولى من ابن الابن فقدم في التعصيب عليه كابن المناسب مع ابن الابن والذي نقله حنبل يفيد أن الولاء يورث فيكون لعصبة الابن ما كان للابن (٢) وهو قول شريح وقد صرح أحمد في مواضع أن الولاء لا يورث وعلى هذا الاختلاف إذا أعتقت امرأة عبدًا وخلفت ابنًا وأخًا ثم مات الابن وترك عصبة ثم مات العبد وترك أخًا مولاته، وعصبة ابنها كان ماله لأخي مولاته لأن المرأة لو كانت الميتة لورثها أخوها.
ونقل جعفر بن محمد عنه إذا خلفت ابنًا واخًا وخلفت مولى ومات الابن فإن كان للابن عصبة رجع إلى عصبته، وإلا يرجع إلى الخال يعني بالخال أخا المعتقة وهو خال ابنها هذا يخرج على رواية حنبل ﵀ وإن (٣) الولاء يورث فيكون لعصبة الابن ما كان للابن فالدلالة على أن الولاء لا يورث ما روى جابر عن النبي ﷺ قال: "الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب ولا يورث" (٤).
стр. 467
ولأنه لو كان ورثًا (١) كالمال لورث منه الزوج والزوجة والنساء ولا يقول هذا أحد، ولأن الولاء كالنسب يورث به وهو في نفسه غير موروث قال ﷺ : "الولاء لحمة كلحمة النسب" (٢) ثم ثبت أن النسب لا يورث وإنما يورث به كذلك الولاء.
ووجه من قال يورث: قال: إن الولاء من حقوق الملك ونتيجته فيجب أن يورث دليله ثمرة الشجرة. وولد الشاة، والأجل في الدين وغير ذلك.
فإن اعتق عبدًا ومات وخلف ابنين وماتا وخلف أحدهما ابنًا وخلف الآخر عشرة، ثم مات العبد المعتق كيف يقسم الولاء بينهم؟
فنقل ابن منصور إذا خلف أحدهما ابنًا وخلف الآخر عشرة قسم الولاء بينهم على أحد عشر سهًا، ونقل بكر بن محمد عنه إذا خلف أحدهما ابنًا وخلف الآخر أربعة قسم الولاء بينهم نصفين نصف للواحد ونصف للأربعة.
وقال أبو بكر: العمل على رواية (٣) إسحاق وفيه ضبط ولم يضبط بكر بن محمد ما نقله وهذه المسألة مبنية على الأصل الذي قد تقدم فرواية ابن منصور مبنية على أن الولاء لا يورث وأن البنين يورثون بولاء (٤) أبيهم فأولادهم (٥) أيضًا كذلك ومال الجد يقسم بينهم على عددهم ورواية بكر بن محمد تخرج (٦) على أن الولاء يورث وأن الولدين ورثوا الولاء عن أبيهم نصفين وأن أولادهم يرثون عنهم ما ورثه كل واحد منها، وقد ورث كل ابن النصف فكان ذلك لولده.
стр. 468
إرث النساء بالولاء:
٨ - مسألة: في ابنة المولى هل ترث من الولاء … ؟
فنقل أبو طالب وأبو الحارث وحنبل: لا يرث النساء من الولاء إلا من اعتقن أو أعتق من اعتقن أو دبرن.
ونقل أبو طالب: إذا مات المولى وله بنت وللذي أعتقه بنت المال بينها نصفان مثل بنت حمزة وهو اختيار الخرقي لأنه قال: وقد روي عن أبي عبد الله رواية أخرى في بنت المعتق خاصة: أنها ترث واحتج في ذلك بما روي عن النبي ﷺ أنه ورث ابنة حمزة من الذي أعتقه حمزة (١) ولأنه سبب يرث به الابن فورثت به البنت كالنسب والدلالة على أنها لا ترث وهو اختيار أبي بكر وقد تكلم على رواية أبي طالب وقال: وهم فيها وأن البنت لا ترث من الولاء لأنها أنثى فلم ترث من الولاء دليله الأخت ولأن النساء إنما يرثن مع النسب المتداني ولا يرثن إذا تباعدن بدليل أن الأخ يعصب أخته فترث فترث معه ولو كان ابن أخ لم يعصب أخته والعم لا يعصب أخته ولا ترث لبعدها ثم كان الولاء مؤخرًا عن النسب بكل حال فإذا لم يرثن مع تباعد النسب فبأن لا يرث مع ما هو أبعد من النسب الأبعد أولى وقد سئل أحمد في رواية ابن القاسم: هل كان المولى لحمزة أو لا بنته فقال: لا بنته فقد بين أن ابنة حمزة ورثت بولاء نفسها. لأنها كانت هي المعتقة فلم يكن فيه حجة على أنها ترث بولاء عبد أعتقه أبوها.
جر الجد لولاء أولاد الابن:
٩ - مسألة: في الجد هل يجر الولاء وهو إذا تزوج عبد معتقه لقوم فولدت له أولادًا فولاؤهم لمواليها.
فإن أعتق أبوهم، صار ولاؤهم لمواليه. وإن لم يعتق ولكن أعتق جدهم لم يجر الولاء في إحدى الروايتين نص عليها في رواية أبي طالب.
فقال: الأب يجر الولاء فأما الجد فليس هو كالأب.
стр. 469
وفيه رواية أخرى يجر، قال في رواية الحسن بن ثواب في مملوك أولاده: أحرار.
مات المملوك بعد أن الجد عتق فهو يجر ولاءهم لأنه عتق بعد موت إبنه.
وجه الأولى: أن الجد يدلى إليهم بأبيهم لأنه يقول: أنا أبو أبيهم كما أن العم يدلى إليهم بأبيهم لأنه يقول: أنا أخو أبيهم والعم لا يجر الولاء كذلك الجد.
ووجه الثانية: أن الجد له ولادة وتعصيب فأشبه الأب.
ثبوت الولاء للمعتق عتقًا واجبًا:
١٠ - مسألة: إذا أعتق عبدًا عن كفارته لم يرثه بالولاء، وكذلك من زكاته في إحدى الروايتين.
نص عليها في رواية الميموني، وأحمد بن هاشم: لا يعتق من زكاته ونقل مهنا وأبو طالب: إذا اعتق في الكفارة يرثه بالولاء.
وجه الأولى: أن الميراث بالولاء من جهة الأنعام عليه بالعتق وإذا كان العتق واجبًا فلم ينعم عليه، ولأنه يرجع من منافع هذا العتق، وهو الولاء.
ووجه الثانية: أنه عتق وقع في ملك فوجب أن يكون الولاء لمن وقع العتق في ملكه كما لو تطوع.
ولاء العبد المعتق عن الغير بإذنه بلا عوض:
١١ - مسألة: إذا أعتق عبدة عن غيره بإذنه بغير جعل فهل يكون الولاء للمعتق عنه أم للمعتق؟
على روايتين: نقل ابن منصور: أنه للمعتق عنه وهو اختيار الخرقي، ونقل مهنا الولاء للمعتق.
وجه الأولى: أن العتق جعل عن الغير بإذنه فكان الولاء للمعتق عنه. دليله إذا كان يجعل.
стр. 470
ووجه الثانية: أن هذا العتق يتضمن التمليك لأنه لا يكون معتقًا عنه إلا (١) بعد حصول الملك (٢) فإذا (٣) لم يشترط فيه المال كان تمليكًا بغير بدل والتمليك بغير بدل لا يصح إلا بالقبض وإذا لم يملكه وقع العتق على ملك المعتق فكان الولاء له دون المعتق عنه، ويفارق هذا إذا كان بعوض لأنه يحصل تمليكًا ببدل والتميلك ببدل يصح بغير قبض بدلالة البيع (٤) وإذا ملكه الأمر وقع العتق عنه. فكان الولاء له.
ما يترتب على عتق أحد الشريكين وهو موسر لمكاتبها بعد ما أدى جزءًا من مال الكتابة.
١٢ - مسألة: في عبد بين شريكين كاتباه على ألف فأدى تسع مائة وأعتقه أحدهما وهو موسر هل يسري العتق إلى جميعه ويغرم لشريكه نصف قيمته أم يعتق من المكاتب بقدر ما بقي من مال الكتابة … ؟
فنقل بكر بن محمد يسري إلى جمعيه ويغرم لشريكه نصف قيمة العبد ولا يحاسبه بما أخذ من المكاتب هكذا نص عليه وهو اختيار أبي بكر، ونقل حنبل عنه: أنه لا يعتق إلا نصف المائة ويكون لذلك نصف المائة على هذا ويكون الولاء له على قدر ما أعتق.
فظاهر هذا أنه يعتق منه بقدر ما بقي من مال الكتابة ويغرم لشريكه نصف قيمة عشرة ومقداره خمسون درهمًا ولا يجري العتق (٥) في جميعه لأنه إذا أدى من كتابته شيئًا فقد حصل له العوض عنه ولهذا يمنع من عتقه في الكفارة فإذا أعتقه وقد بقي من مال الكتابة عشرها فقد أتلف على شريكه نصف عشرة فيجب أن يضمن قدر ما أتلفه عليه ولا يلزمه ضمان نصف قيمة جميعه لأن الشريك قد حصل له العوض في مقابلة ذلك.
стр. 471
ووجه الرواية الأولى: وهي الصحيحة أنه قبل كمال الإداء عبد ما بقي عليه درهم.
قال النبي ﷺ "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم" (١) ولهذا المعنى لا يرث ولا يعقل ولا يلي النكاح على ابنته وإذا كان عبدًا فقد أتلف عليه نصفه بالعتق فيجب أن يغرم قيمة نصفه لشريكه وما قبضاه يكون لها لأنه من الكتابة.
ميراث المرتد:
١٣ - مسألة في ميراث المرتد فنقل حنبل والعباس بن أحمد الثمامي والعباس بن محمد النسائي وموسى بن سعيد الطرسوسي وابن منصور: أنه لبيت المال لا يرثه ورثته المسلمون، وقال كنت أقول يرثه أهل ملته ثم حبنت عنه ونقل أبو داود وأبو الحارث ما يدل على أنه لورثته من المسلمين إذا قتل أو مات، فقال: كنت أذهب إلى أنه لا يرثه أحد من المسلمين ثم أجبن عنه.
قال أبو بكر الخلال: روى هذه المسألة جماعة على التوقيف وجماعة رووا أنه لجماعة المسلمين وهو أشبه بقوله، ونقل بكر بن محمد ما يدل على أن ميراثه لورثته من أهل دينه الذين اختارهم إذا لم يكونوا مرتدين فقال: لا يرثه ورثته المسلمون فإن كان له ورثة كفار وإلا في بيت المال.
وجه الأولى: ما روي عن النبي ﷺ قال: لا يرث المسلم الكافر ولا
стр. 472
الكافر المسلم" (١) والمرتد كافر فلم يرثه المسلم، ولأن المرتد لا يرث بحال فيجب أن لا يورث كالمكاتب ولأنه مال كافر فلم يرثه مسلم كاليهودي.
ووجه الثانية: ما روي عن علي ﵁ أنه قتل المستورد بن الأحنف وكان مرتدًا وجعل ماله لورثته المسلمين (٢) وعن عبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت أنها قالا ماله لورثته المسلمين (٣) ولا يعرف لهم مخالف ولأنه لما لم يرث المرتد أقرباؤه المشركون ورثه أقرباؤه المسلمون كالمسلم.
ووجه الثانية: قوله: لا يرث المسلم الكافر دليله أن الكافر يرث الكافر والمرتد كافر فيجب أن يرثه ورثته ولأن دينهما متفق أو لأنهم (٤) يجمعهم الضلال فيتوارثون دليله اليهود والنصارى.
стр. 473
ميراث ولد الملاعنة:
١٤ - مسألة: في ميراث ولد الملاعنة فنقل الأثرم وحنبل عصبته عصبة أمه وهو اختيار الخرقي ونقل أبو الحارث ومهنا الملاعنة أولى عصبة ولدها فإن لم تكن الأم فعصبة الأم.
وجه الأولى: وأن عصبته عصبة أمه وأن الأم لا تكون عصبة ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ما أبقت الفريضة (١) فلأولى عصبة ذكر" (٢)، الملاعنة أنثى فوجب أن تكون بقية المال لعصبتها إذا لا عصبة هاهنا سواهم ولأنه لو كانت الأم عصبة كالأب لم يرث معها الإخوة والأخوات كما لا يرثون مع الأب، ولما ورثوا معها دل على أنها ليست عصبة، ولأنه لما كان مولاها مولى لأولادها مع وجودها عند عدم موالى الأب كذلك يجب أن يكون عصبتها مع وجودها عصبة لولدها.
ووجه الثانية: وأن أمه عصبته وأن عصبتها لا تكون عصبة له مع وجودها ما روى مكحول وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ جعل ميراث ابن الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها (٣) وروى واثلة بن
стр. 474
عن النبي ﷺ قال: تحوز المرأة ثلاثة مواريث عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه" (١).
وروى عبد الله بن عبيد بن عمير عن رجل من أهل الشام أن رسول الله ﷺ قال في ولد الملاعنة: عصبته أمه (٢) وفي حديث آخر: هي بمنزلة أبيه وأمه (٣).
ولأن الإناث قد يكن عصبة بأنفسهن وهن الأخوات مع البنات وقد يكن عصبة بتعصيب غيرهن (٤) وهن البنات وبنات الابن والأخوات للأب والأم والأخوات للأب يعصبهن إخوتهن، والمولاة (٥) عصبة لمعتقها فغير ممتنع أن تكون الأم عصبة لولدها عند عدم العصبات من جهة الأب.
والرواية الأولى أصح في المذهب.
من أسلم على ميراث قبل أن يقسم:
١٥ - مسألة: فيمن أسلم على ميراث قبل أن يقسم.
فنقل الأثرم وابن منصور، وبكر بن محمد: أنه يرث وهو اختيار الخرقي
стр. 475
ونقل أبو طالب عنه: لا يرث (١) وقال: قد وجبت المواريث لأهلها. ولا تختلف الرواية أنه إن أعتق قبل (٢) قسمة الميراث أنه لا يرث ونص عليه في رواية بكر بن محمد.
ووجه الأولى: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من أسلم على شيء فهو له" (٣) وهذا عام في كل شيء أسلم عليه، وروى زيد بن قتادة أن أمه ماتت فأسلم بعض أولادها. فرفع ذلك إلى عثمان فسأل عن ذلك أصحاب النبي ﷺ . فقالوا: يرثون ما لم يقسم (٤). وهذا إشارة إلى جماعتهم، ولأن دينهما متفق قبل القسمة أشبه ما لو كان متفقًا حال الموت، ولأن المواريث التي كانت في الجاهلية ما طرأ عليه الإسلام منها قبل القسمة قسم على حكم الإسلام ولم يعتبر وقت الموت، كذلك الإسلام بعد الموت ويكون في حكم الموجود قبله كما قلنا فيمن حفر بئرًا ومات ثم وقع فيها إنسان فإن الضمان يتعلق بتركته كما لو وجد الوقوع في حال حياته فالحفر (٥) للضمان سبب وجد حال الحياة والوقوع شر شرط في الضمان وجد بعد الموت والنسب سبب للإرث وجد قبل الموت والإسلام شرط في استحقاقه وجد بعد الموت فلا فرق بينهما ولأنهم قد قالوا: إن ما ينتقل إلى بيت المال عن ميت لا وارث له ينتقل إرثًا فلو أسلم رجل بعد انتقال المال عن ميت استحق جزءًا منه كما لو كان مسلمًا قبل الانتقال كذلك هاهنا.
ووجه الثانية: أنه بالموت تنتقل التركة إلى ملك الورثة ويستقر ملكهم عليها فيجب أن لا يزول ملكهم عنها بالإسلام، كما لا يزول بحدوث وارث آخر وهو أن يموت ويخلف أما وأخًا فتعلق الأم بولد آخر فإنه لا يرث بحدوثه بعد الحكم بالميراث للموجود كذلك هاهنا.
стр. 476
ولأن من لم يكن وارثًا حال الموت لم يكن وارثًا بعده كما لو أسلم بعد قسمة الميراث أو أعتق بعد الموت وقبل القسمة، ومن قال بالأولى أجاب عن هذا فقال: إذا حدث له وارث بعد الموت لم يرث لأن سبب الإرث لم يكن موجودًا حال الموت.
والسبب هاهنا موجود وهو النسب فجاز أن يرث بعد الموت. وأما إذا أسلم بعد قسمة الميراث فلا يمنع أن لا يرث إذا أسلم قبل القسمة كما أن المشركين إذا غنموا أموال المسلمين ثم ظهر عليها المسلمون فإن أدركه صاحبه قبل قسمته فهو أحق به وإن أدركه مقسومًا كان أحق به بالثمن، وأما عتق العبد بعد الموت وقبل القسمة فإنما لم يرث لأن العتق جاء من جهة غيره والإسلام جاء من جهته وفرق بينها ألا ترى أن ما يقطع الإرث إذا كان من جهته يحرم (الإرث) وهو القتل، ولو كان من جهة غيره لم يحرم الإرث كذلك فيما يوجب الإرث جاز أن يفرق بينهما ولأنه إذا كان من جهته فهو مثاب ممدوح وإذا كان من جهة غيره فلا منة له، ولا ثواب له (١) فيه وإنما هو لسيده فجاز أن يستحق بما يمدح عليه ولا يستحق بما لا يمدح عليه ولا ثواب له فيه.
إرث الشخص الواحد بقرابتين لا تحجب إحداهما الأخرى:
١٦ - مسألة: في ميراث المجوس فنقل ابن القاسم والفضل بن عبد الصمد وابن منصور: يرثون من الوجهين يعني بالقرابتين نحو أن تكون الأم أختًا وهو أن يتزوج بنته فيولدها بنتًا فترث أمها بالأمومة والأخوة وغير ذلك.
ونقل حنبل قال: كان أبو عبد الله يذهب إلى أنه يورث من وجه واحد من الحلال، فظاهر هذا أنه يرث بآكد (٢) القرابتين ولا يرث بهما قال أبو بكر: لا أعرف لقول حنبل وجهًا لأنه لم يحك عن أبي عبد الله لفظًا والعمل على ما روي عنه من توريثهم من الوجهين جميعًا فمن نصر رواية حنبل احتج بأنها سببان يورث بأحدهما من جنس ما يورث بالآخر فإذا اجتمعا لم يورث بها جميعًا (٣)
стр. 477
دليله العم إذا كان مولى والأم إذا كانت مولاة والابن إذا كان مولى ولأنهما قرابتان يورث بكل واحد منهما فرض مقدر فإذا اجتمعا لم يورث بهما كالأخت من الأب والأم لا ترث لكونها أختًا من أب وكونها أختًا من أم، ومن ذهب إلى أنهما يرثان بالسببين جميعًا وهو الصحيح فوجهه أنها قرابتان من جهتين لو كانتا موجودتين في شخصين ورث بهما كذلك إذا وجدتا في شخص واحد فوجب أن يورث بها كابني عم أحدهما أخ لأم. لأن الأخ للأم يأخذ السدس والباقي بينه وبين الأخ نصفين ولا يلزم عليه الأخ للأب والأم والأخ للأب أنه لا يستحق لأنه أخ لأم وأخ لأب لأن الجهة هاهنا واحدة ألا ترى أنه لو أوصى لإخوته وله إخوة لأم، وإخوة لأب وأم، وهناك من يحجبهم من الميراث صحة الوصية فإنه لا يجوز أن يقال: إن الإخوة للأم والإخوة للأب والأب يشتركون في سهام الإخوة للأم (١) ثم يكون الباقي للإخوة للأب والأم، وليس كذلك كونها بنتًا وأختًا لأنهما قرابتان من وجهين، ويفارق هذا ابن العم إذا كان مولى وكذلك الأخ إذا كان مولى لأن ابن العم والأخ عصبة والعصبة إنما تأخذ فاضل المال فإذا أخذ الفاضل بإحدى المعنين لم يكن لاعتباره معنى وهاهنا يأخذ الفرض فإذا أخذ بإحدى المعنيين قرضًا معلومًا جاز أن يأخذ بالمعنى الآخر.
إرث المبتوتة في المرض:
١٧ - مسألة: المبتوتة في المرض هل ترث بعد انقضاء العدة ما لم تتزوج؟.
فنقل الجماعة منهم الأثرم وأبو الحارث وأبو طالب: أنها ترث وإن انقضت العدة ما لم تتزوج.
ونقل حنبل فيمن طلق في المرض قبل الدخول: قال جابر بن زيد لا ميراث ولا عدة وقال الحسن ترث، وأذهب إلى قول جابر.
فظاهر (٢) هذا: أنه حرمها الإرث لعدم العدة فاقتضى أن العدة معتبرة،
стр. 478
ومن ذهب إلى هذه الرواية فوجهه أنه إذا انقضت العدة لم يبقَ عليها حكم من أحكام النكاح فيجب أن لا ترث كما لو تزوجت وليس كذلك إذا كانت العدة باقية لأنه قد مات وقد بقى عليها حكم من أحكام النكاح فورثت كالرجعية، ومن ذهب إلى أنها ترث وإن انقضت العدة ما لم تتزوج وهو الصحيح فوجهه: أنه طلقها في حال ثبت حقها في ماله، ولم يوجد من جهتها قبل الطلاق ولا بعده ما يوجب إسقاط حقها فيجب أن ترث كما لو مات وهي في العدة ويفارق هذا إذا تزوجت من وجهين:
أحدهما: أنها لو ورثت بعد التزوج كان فيه إثبات إرثها من زوجين وهذا لا يجوز وهذا المعنى ليس (١) فيه إذا لم تتزوج ولأنها قبل التزوج حكم الفراش باق. ألا ترى أنها إذا أتت بولد لأربع سنين لحق به وإن تزوجت بعد ثلاث حيض زال فراش الزوج الأول ولحق الولد بالثاني. فإن كان الطلاق قبل الدخول في مرض الموت، فقال أبو حفص العكبري: فيه أربع روايات:
نقل حنبل: لا ميراث لها ولا عدة عليها ولها نصف المهر.
ونقل ابن منصور لها الميراث والصداق كاملا وعليها العدة.
ونقل الميمونى لها الميراث ونصف الصداق ولا عدة عليها.
ونقل أبو الحارث لها الصداق والميراث ولا عدة عليها وذهب إلى قول عطاء.
وجه الأولى في حرمانها الإرث ما تقدم من أنه لم يبق عليها شيء من أحكام النكاح، وأما نصف المهر فلأنه طلاق قبل الدخول وأما عدم العدة فلأنه طلاق قبل الدخول فهو كحال الصحة.
ووجه الثانية في أن لها الميراث: أنه طلاق في المرض لم يحصل من جهتها ما يسقطه فهو كما لو دخل بها، وأما إيجاب كمال الصداق والعدة فلأنها فرقة أوجبت الإرث فكملت الصداق والعدة كالوفاة.
ووجه الثالثة: في إثبات الميراث وإسقاط العدة ونصف الصداق أن
стр. 479
الميراث إنما وجب لأن الطلاق في المرض فهو متهم، وأما إسقاط العدة ونصف الصداق فلأنه لا تهمة فيه وقد وجد في طلاق قبل الدخول.
ووجه الرابعة في اثبات الميراث وكمال الصداق وإسقاط العدة فلأنه متهم في إسقاط ميراثها فلهذا ورثته، وأما تكميل الصداق وإسقاط العدة فلأنه متهم أيضًا بطلاقها ليسقط كمال صداقها فلهذا كمل وليس بمتهم في العدة فلهذا لم تجب.
إرث من سألت الطلاق في مرض الموت:
١٨ - مسألة: فإن سألته الطلاق في مرض الموت فطلقها ثلاثًا فهل ترثه … ؟ نقل مهنا أنها ترثه، ونقل حنبل في رجل خير امرأته في مرضه فاختارت نفسها ثم مات لم ترثه هي اختارت نفسها وهو ميت فهو بمنزلة الخلع ولا يشبه هذا الطلاق فقد نص على أنها لا ترثه إذا اختارت نفسها لأن الفرقة جاءت من جهتها وهذا وهذا موجود ها هنا (١) إذا سألته الطلاق.
ونقل مهنا إذا اختلعت من زوجها في مرضه ومات، وهي في العدة لا ترثه ولو قال لها وهو مريض أمرك بيدك واختاري نفسك واختارت نفسها ومات وهي في العدة ورثته وليس هذا كالخلع والخلع أمر من قبلها. وقد فرقا بين أن تختار نفسها وبين الخلع.
وجه الأولى: أن الطلاق حصل في حال ثبت حقها في ماله فيجب أن ترث كما لو لم تسأله.
ووجه الثانية: أن المبتوتة ورثت لأجل أنه متهم في طلاقها أنه قصد إسقاطه وإذا سألته فالتهمة قد زالت فيجب أن لا ترث وهكذا الخلاف فيه إذا طلقها في المرض ثم ارتدت بعد الطلاق ثم عادت إلى الإسلام ثم مات الزوج بعد ذلك هل ترثه .. ؟
على روايتين إحداهما ترثه لأن الطلاق وجد في المرض، والثانية: لا ترثه لأنه وجد من جهتها ما يسقط الإرث وهي الردة فإذا قال لها في مرضه: أنت
стр. 480
طالق ثلاثًا إن دخلت الدار أو فعلت كذا وكذا لأمر نهاها عنه لها منه بد ولا تأثم بتركه ففعلت ذلك وهي عالمة باليمين طلقت وهل ترثه على روايتين:
إحداهما: لا ترثه لأن الطلاق وقع باختيارها فهو غير متهم.
والثانية: ترثه لأن الطلاق وجد في المرض، فأما إن فعلت ذلك ولا تعلم بيمينه ورثته - رواية واحدة - وكذلك لو قال لها في مرضه: أنت طالق ثلاثًا إن شئت فشاءت ذلك فطلقت أو اختلعت أو سألته أن يخيرها نفسها ثلاثًا فاختارت نفسها ثلاثًا فبانت منه هل ترثه في جميع ذلك … ؟
على روايتين:
فإن سألته في مرضه أن يطلقها واحدة فطلقها ثلاثًا ورثته رواية واحدة، ولو قال لها في مرضه: أنت طالق ثلاثًا إن صليت المكتوبة أو صمت رمضان أو كلمت أباك أو أمك أو فعلت كذا لأمر لا بد لها منه أو تأثم بتركه ففعلت ذلك (١) طلقت ثلاثًا وورثته رواية واحدة.
سواء علمت بيمينه أولم تعلم لأنه أعنتها فإن قال لها في مرضه: أنت طالق ثلاثًا إن كلمت أخاك فكلمته وهي عالمة بيمينه - فهل ترثه .... ؟
على روايتين: لأن لها منه بد فهو كما لو سألته الطلاق، وإن لم تعلم بيمينه ورثته رواية واحدة فإن قال لها في الصحة: أنت طالق ثلاثًا إن صمت رمضان أو كلمت أباك أو أمك أو فعلت كذا لأمر لها منه بد أولا بد لها منه ففعلت ذلك في مرضه بانت منه وهل ترثه (٢) على روايتين:
إحداهما: لا ترثه علمت باليمين أولم تعلم لأن اليمين كانت في الصحة وقد نص على ذلك في رواية مهنا في القذف إذا كان في حال الصحة واللعان في المرض لا ترثه.
والثانية: ترثه اعتبارًا بوقوع الطلاق البائن في المرض على أي صفة كان وقد نص على ذلك في رواية مهنا إذا قال في صحته أنت طالق إذا جاء رأس
стр. 481
الشهر فجاء وهو مريض ترثه فإن قال في صحته: إن لم أضرب غلامي فأنت طالق ثلاثا فمات قبل أن يضرب غلامه ورثته وإن ماتت هي قبله لم يرثها ولو مات الغلام قبل أن يضربه والزوج مريض طلقت. وهل ترثه … ؟
على روايتين:
إحداهما: لا ترثه لأن اليمين كانت في الصحة.
والثانية: ترثه لأن الطلاق وقع في المرض، فإن لاعنها في مرضه عن قذف في صحته ثم مات فهل ترثه … ؟
يخرج على روايتين والمنصوص عنه في رواية مهنا إذا قذفها في صحته ولا عنها في مرضه لا ترثه، فإن قذفها في مرضه ولا عنها في مرضه ومات (١) ورثته رواية واحدة نص عليه في رواية حنبل فقال إذا لاعنها في مرضه ومات ورثته لأنه (٢) بمنزلة اللعان وهذا محمول على أن القذف واللعان وجدا في المرض فأما إن كان القذف في الصحة واللعان في المرض تخرج على روايتين وأبو بكر حمل كلام أحمد في المسألتين جميعًا إذا كان القذف في الصحة واللعان في المرض أو كانا جميعًا في المرض. على روايتين:
ولو أن مريضًا وثب ابنه على امرأة أبيه فقبلها لشهوة أو وطئها مستكرهًا لها بانت من زوجها؟ فإن مات المريض من مرضه ورثته ما لم تتزوج لأن الابن متهم أنه فعل (٣) ذلك ليجر ميراثها إلى نفسه فإن كانت طاوعته على ذلك بانت. وهل ترثه؟ على روايتين كما لو سألته الطلاق، ولو كان الابن من الرضاعة أو كان مملوكًا أو مشركًا ففعل ذلك مستكرهًا (٤) لها بانت ولم ترثه لأن الابن ليس عمتهم بجر ميراثها (٥) إلى نفسه لأنه لا يرث الميت في تلك الحال وكذلك لو فعل بها ذلك ابن الابن وللمريض ابن لصلبه يحجبه بانت ولم ترثه ولو مات ابن المريض لصلبه فصار ابن الابن وارثًا ثم مات المريض فهل ترثه ......
стр. 482
يخرج على روايتين:
إحداهما: لا ترثه لأنه حين وطئها لم يكن وارثًا.
والثانية: ترثه لأن البينونة وجدت في حال المرض ولو أن مبرسمًا زائل العقل أو مجنونًا وطئ أم امرأته أو ابنتها بانت منه امرأته فإن مات من مرضه، فهل يرثه يتخرج على روايتين:
إحداهما: لا ترثه لأنه ليس فارًا.
والثانية: ترثه لوجود البينونة في المرض ولو فعل ذلك وهو صحيح العقل ومات من مرضه ورثته رواية واحدة لأنه فار، فإن وطئها ابن زوجها في مرضها ورث منها، ولو اعتقت (تحت) عبد واختارت نفسها واعتق لم يرث منها لأنها بالاختيار لا تهمة تلحقها لأن الفرقة لسبب ظاهر في الشرع جعل لها استدراك حقها به فلم تحمل الفرقة على قصد إسقاط حقه - وفي مسألتنا هي متهمة أن تكون قصدت الفرقة ليسقط حقه من إرثها فلم يسقط.
قسمة التركة إذا كان في الورثة حنثى قبل اتضاح حاله:
١٩ - مسألة: إذا كان في الورثة خنثى مشكل فهل تقسم التركة أم توقف … ؟ فنقل الجماعة منهم إسحاق بن إبراهيم: أنه يقسم له نصف ميراث ذكر، ونصف ميراث أنثى، ويؤدى كل
ونقل الميموني إذا أشكل لم يقدم عليه حتى يعرف أسبابه فإذا عرف قسم له، قيل له: ففي هذا ضرر على أهل المواريث بحبس أموالهم.
قال: كيف يصنعون .. ؟
فظاهر هذا أن التركة توقف حتى ينكشف أمره كما أوقفنا ميراث المفقود والأسير، والمذهب: أنه لا يوقف، لأن أكثر ما يحتمل أن يكون ذكرًا فلا اعتراض له فيما زاد على سهمه، فلا يجب أن يوقف، وأقل ما يحتمل أن يكون أنثى فلا اعتراض له فيما زاد على ذلك، فالاحتمال (١) هو نصف ميراث ذكر
стр. 483
فيجب أن يحكم له بنصف كما حكمنا لمتداعين ثوبًا أيديهما عليه أنه بينهما، ولم يوقف الأمر كذلك هاهنا.
ويفارق هذا المفقود لأن الأصل فيه الحياة وهذا الأصل منع التصرف في شيء من ماله فوجب الوقوف حتى تنظر ما كان من حاله، وليس الأصل في الخنثى أنه يستحق جميع المال دون بقية الورثة فلهذا لم يوقف ذلك.
أثر القتل بحق في منع الإرث:
٢٠ - مسألة: القتل إذا كان مستحقًا مثل العادل إذا قتل الباغي وإذا شهد معه ثلاثة أن مورثه زنى فرجم والحاكم إذا أقام القصاص على مورثه (١) لمطالبة غيره هل يرث أم لا؟
على روايتين: قال أبو بكر في كتاب الخلاف في العادل إذا قتل مورثه الباغي ورثه وحكاه عن أحمد، وقال أحمد أيضًا في رواية بكر بن محمد في أربعة شهدوا على أختهم بالزنا ورجموا مع الناس: يرثونها.
فظاهر هذا ثبوت الإرث فيما ذكرنا. وحكى (٢) شيخنا أبو عبد الله عن أحمد في رواية صالح وعبد الله: لا يرث العادل الباغي ولا الباغي العادل. فظاهر هذا إسقاط الإرث فيما ذكرنا.
وجه الأولى: (٣) أنه قتل مستحق فهو غير متهم فيه.
ووجه الثانية: أن روح مورثه خرجت بسبب كان منه فلم يرثه كالعمد والخطأ.
стр. 484
كتاب النكاح
وأهم موضوعاته ما يأتي:
الأول: النظر إلى المخطوبة.
الثاني: الولي.
الثالث: الشهادة.
الرابع: إعلان النكاح.
الخامس: الصداق.
السادس: الألفاظ التي ينعقد بها النكاح.
السابع: الكفاءة.
الثامن: المحرمات في النكاح.
التاسع: نكاح الأمة.
العاشر: نكاح الشغار.
الحادي عشر: نكاح المتعة.
الثاني عشر: العيوب.
الثالث عشر: نكاح المملوكين إذا أعتقا أو أعتق أحدهما.
الرابع عشر: الشروط في النكاح.
الخامس عشر: الخلع.
السادس عشر: الطلاق.
стр. 485
السابع عشر: الرجعة.
الثامن عشر: الإيلاء.
التاسع عشر: الظهارة.
العشرون: كفارة الظهار.
الحادي والعشرون: اللعان.
الثاني والعشرون: القذف.
الثالث والعشرون: العدد.
الرابع والعشرون: الاستبراء.
الخامس والعشرون: الرضاع.
السادس والعشرون: النفقات.
السابع والعشرون: الحضانة.
стр. 486
كتاب النكاح وما يتعلق به من المهر والخلع والطلاق والرجعة، والإيلاء، والظهار، والرضاع والعدة، والنفقات
نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي لغير حاجة:
١ - مسألة: اختلفت الرواية عن أحمد ﵁ هل يكره للمرأة الأجنبية أن تنظر من الرجل الأجنبي ما ليس بعورة لغير حاجة كما يكره ذلك في حق الرجل؟
فنقل إسحاق بن إبراهيم عن أحمد أنه قال: لا ينبغي للمرأة أن تنظر إلى الرجل كما لا ينبغي للرجل أن ينظر إلى المرأة. واحتج بحديث نبهان عن أم سلمة: أفعمياوان أنتما (١) فظاهر هذا الكراهة وهو اختيار أبي بكر.
ونقل بكر بن محمد عنه أنه ذكر له حديث أم سلمة إذا كان لمكاتب إحداكن ما يؤدي، فاحتجين منه (٢).
стр. 487
فقال هذا لأزواج النبي خاصة وكذلك نقل الأثرم وقد ذكر له حديث نبهان عن أم سلمة أنه لهن خاصة، فظاهر هذا أنه غير مكروه وإن الأخبار الواردة في ذلك خاصة لأزواج النبي ﷺ أن ينظرن إلى رجل أجنبي.
وجه الأولى: أنه يكره للرجل أن ينظر من المرأة الاجنبية ما ليس بعورة لغير حاجة خوفًا أن يدعو ذلك إلى الفتنة وهذا المعنى موجود في المرأة لا يؤمن عليها حصول الفتنة بنظرها إلى الأجنبي فيجب أن يكره ذلك في حقها، وهذا معنى معتبر ألا ترى أن الصائم منع من القبلة خوفًا أن يتعقبها إنزال فيعود بفساد الصيام؟ ويوضح هذا المعنى قول النبي ﷺ لأم سلمة: أفعمياوان أنها لا تبصرانه (١) فنهاها عن النظر إلى ابن أم مكتوم، ولأنها كالرجل يحرم عليها الاستمتاع بالأجنبي كما يحرم على الأجنبي الاستمتاع بها. ثم ثبت أن الأجنبي يكره النظر له كذلك المرأة.
ووجه الثانية: أنه لو كان مكروها لوجب أن يؤمر الرجل أن يستر جميع بدنه كما تؤمر المرأة.
ولما لم يؤمر الرجل إلا بستر العورة فقط دل على أن النظر إليهم غير مكروه.
ما يجوز النظر إليه من المخطوبة:
٢ - مسألة: في قدر ما يجوز للرجل أن ينظر من المرأة إذا أراد أن يتزوجها.
فنقل صالح أنه ينظر إلى الوجه ولا يكون على طريق التلذذ، فظاهر هذا أنه أجاز النظر إلى ما ليس بعورة وهو الوجه.
ونقل حنبل لا بأس أن ينظر إليها وإلى ما يدعوه إلى نكاحها من وجه أو يد أو جسم أو نحوه.
стр. 488
فظاهر هذا أنه ينظر إلى ما يظهر في العادة من الوجه واليدين والقدمين وهو اختيار أبي بكر قال في كتاب الخلاف: ولا بأس أن ينظر إليها عند الخطبة حاسرة، وقال في رواية حرب ومحمد بن أبي حرب الجرجاني في البيع: تأتيه المرأة فينظر في كفها ووجهها فإن كانت عجوزًا رجوت، وإن كانت شابة بسنها فإني أكره ذلك، فظاهر هذا أن الكفين ليس بعورة عنده لأنها لو كانا عورة لم يبح النظر إليها، وإن كانت عجوزًا.
وجه الأولى: وهي الصحيحة أن القصد من النظر ليتأمل المحاسن. والوجه مجمع المحاسن فيجب أن يكتفي بذلك عما زاد عليه ولأن ما عدا ذلك عورة فيجب أن لا يجوز النظر إليه قياسا على مغابن البدن.
ووجه الثانية: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أوقع الله في قلب أحدكم خطبة إمرأة فله أن ينظر إليها كي (١) يؤدم بينها (٢) ".
стр. 489
فأباح النظر إليها على الإطلاق، ولأن اليدين والقدمين تظهر في العادة فهو كالوجه.
وقوع الطلاق من نكاح في العدة:
٣ - مسألة: إذا نكحها في العدة ثم طلق، هل يقع طلاقه (١)؟
فنقل ابن منصور: إذا تزوج بغير ولي ثم طلقها أجزت طلاقه فإن تزوجها في العدة لم يكن مثل ذاك ولم يكن شيئًا.
ونقل أبو طالب ومهنا: إذا تزوجها في العدة وطلقها (٢) لا يعجبني أن يراجعها حتى تتزوج بغيره وهو اختيار أبي بكر.
وجه الأولى: وهي الصحيحة أن هذا نكاح مجمع على فساده فلم يقع الطلاق فيه دليله: إذا نكحها وهي ذات زوج.
ووجه الثانية: أنها (٣) اعتقدا صحة هذا العقد فجاز أن يلحق الطلاق فيه كالمختلف فيه، ولأن النكاح في العدة قد تلحقه الصحة وهو إذا عقد النكاح في حال الشرك وأسلما بعد انقضاء العدة فإنها يستديمان ذلك النكاح وإن كان واقعًا في العدة فجاز أن يقع الطلاق فيه كالمختلف فيه.
ولاية النكاح بالوصية:
٤ - مسألة: هل تستفاد ولاية النكاح بالوصية؟
فنقل ابن منصور وأبو الحارث: ليس لوصي من النكاح شيء إنما هو إلى العصبة والأموال إلى الأوصياء.
ونقل إسحاق بن إبراهيم والمروذي: الوصي يقوم مقام الأب ويثبت النكاح.
стр. 490
وجه الأولى: وهي اختيار أبي بكر أن الحق في الولاية إلى العصبات فلم تجز الوصية بذلك لأن فيه (١) إسقاط حقوق العصابات.
ووجه الثانية: وهي الصحيحة أنها ولاية تنتقل إلى غيره بموته فجاز أن يقطعها بفعله، دليله الولاية في المال على أولاده الصغار لما كان الحق في ذلك إلى الحاكم وجاز له إسقاطه بالوصية إلى غيره كذلك هاهنا وكذلك ثلث (٢) التركة له أن يوصي بذلك، وإن كان الحق في ذلك للورثة كذلك هاهنا.
إجبار الأب لابنته البكر البالغ على النكاح:
٥ - مسألة: في الأب هل يملك إجبار ابنته البكر البالغ على النكاح؟
فنقل الأثرم والميموني: يملك وهو اختيار الخرقي.
ونقل عبد الله: إذا بلغت تسع سنين فلا يزوجها أبوها ولا غيره إلا بإذنها.
وجه الأولى: وهي الصحيحة: أن من لم يفتقر نكاحها إلى نطقها مع قدرتها على النطق لم يفتقر إلى رضاها قياسًا على البكر الصغيرة.
ووجه الثانية: أنها تملك التصرف في مالها بنفسها فلم يملك الأب إجبارها دليله الثيب.
إجبار الأب لإبنته الثيب الصغيرة على النكاح:
٦ - مسألة: في الثيب الصغيرة هل يملك الأب إجبارها على النكاح؟
فقال أبو بكر في كتاب الخلاف (٣): انه يملك الإجبار. وقال شيخنا أبو عبد الله وأبو عبد الله بن بطة وأبو حفص بن المسلم لا يملك إجبارها. وجه قول أبي بكر أنها غير متصرفة في مالها فجاز إجبارها على النكاح دليله البكر الصغيرة.
стр. 491
ووجه من قال: لا يملك إجبارها وهو الصحيح أنها حرة سليمة ذهبت بكارتها بجماع فلم يملك إجبارها على النكاح كالثيب الكبيرة ولأنها قد اختبرت المقصود فلم يثبت عليها إجبار فيه كما أن من اختبر أمر المال لا يثبت عليه إجبار فيه.
النكاح الموقوف على الإجازة:
٧ - مسألة: في النكاح هل يصح أن يقع موقوفًا على الإجازة؟
فنقل ابن منصور: إذا تزوجت بغير إذن وليها ثم أذن الولي بعد ذلك فأعجب إلى (١) أن يستأنف النكاح وكذلك نقل أبو الحارث إذا جعلت أمرها إلى رجل فزوجها لم يجز وتستأنف النكاح، فظاهر هذا أن النكاح لا يقف على الإجازة - وهو اختيار الخرقي -.
ونقل صالح في صغير زوجه عمه فإن رضي به في وقت من الأوقات جاز وإن لم يرض فسخ. وكذلك نقل عبد الله: إذا زوجت اليتيمة فإذا بلغت فلها الخيار فهذا يدل على أن النكاح يقف على الإجازة.
ونقل أيضًا ابن منصور عنه: قال سفيان في يتيمة زوجت ودخل بها الزوج ثم حاضت عند الزوج بعد ذلك قال: تخير فإن اختارت نفسها لم يقع التزويج وهي أحق بنفسها وإذا قالت اخترته فليشهدوها على نكاحها. قال أحمد: جيد فهذا يدل على أن النكاح يقف على الإجازة.
وجه الأولى: وهي الصحيحة أن هذا النكاح لا يثبت فيه شيء من أحكام النكاح الصحيح كالطلاق والظهار واللعان والإيلاء واستباحة الاستمتاع والتوارث وعدة الوفاء وغير ذلك من أحكام النكاح الصحيح فدل (٢) ذلك على أنه باطل من أصله كنكاح المرتدة والمعتدة. (٣)
ووجه الثانية: أن هذا العقد له مخير في الحال فجاز أن يقف على إجازته
стр. 492
قياسًا على الوصية بأكثر من الثلث، واللقطة إذا تصدق بها بعد الحول فإنها تقع موقوفة على إجازة الورثة، وإجازة المالك. كذلك هاهنا، ولا يلزم عليه المعتدة، والمرتدة، والنكاح في حال الإحرام، لأنه ليس له مخير في الحال فلهذا كان باطلًا.
ولاية الفاسق في عقد النكاح:
٨ - مسألة: في ولاية الفاسق هل تصح في عقد النكاح؟
فنقل مثنى بن جامع الأنباري، أنه سأل أحمد ﵀: إذا تزوج بولي وشهود غير عدول هل يفسد من النكاح شيء؟ فلم ير أنه يفسد من النكاح شيء، فظاهر هذا أن ولاية الفاسق صحيحة، وكان شيخنا أبو عبد الله يقول لا ولاية فإن قلنا: تصح ولايته، فوجهه أن عصرًا من الأعصار لم يخل من الفساق، يزوجون أولادهم الصغار ولم ينقل عن أحد من السلف الإنكار (١) عليهم والفرق بينة وبين العدل، ولأنه من أهل ميراثها أشبه العدل، ولأنه ممن يزوج ابنه فكان له أن يزوج ابنته، كالعدل، ولأنه ممن يقبل النكاح لنفسه فجاز أن يملك الولاية في نكاح ولده كالعدل. وإذا قلنا: لا تصح فوجهه أنها ولاية بتزويج في حق الغير فيجب أن ينافيها فسقه في دينه قياسًا على ولاية الأبكم. وقولنا: ولاية بتزويج احتراز من ولاية القصاص وقولنا: في حق الغير احتراز من ولاية السيد على أمته وقولنا: فنافاها فسقه في دينه احتراز من الكافر يزوج ابنته الكافرة فإنه ليس بفاسق في دينه وإنما هو فاسق في ديننا ولأن الولي إنما أريد في النكاح ليطلب الحظ ويضعها في كفء ولا يضيع حقها وهذا المعنى إنما يوجد في الولي إذا كان رشيدًا.
اشتراط الشهادة لصحة النكاح:
٩ - مسألة: في الشهادة هل هي شرط في صحة النكاح؟
فنقل الميموني ومهنا والمروذي: إذا تزوج ولم يشهد ثم مات أحدهما لم
стр. 493
يتوارثا لأنه لم ينعقد النكاح فظاهر هذا أن الشهادة شرط في صحة النكاح.
وذكر أبو بكر في كتاب المقنع فقال: حدثنا علي بن عيسى الحذاء أبو الحسن الشيخ الصالح من أصحابنا ثقة مأمون قال: حدثنا شيخ له ذكر عن إبراهيم بن يعقوب الودخاني قال: قلت لأحمد ما تقول في نكاح بلا ولي؟ قال: لا يجوز قلت: فلا شهود قال: الشهود أحب إلي وإن لم يشهد فالنكاح جائز وجدنا ابن عمر زوج بلا شهود.
وكان يزيد بن هارون يحتج بحديث يحدث به شعبة عن عبد الله أنه رأى نكاحًا جائزًا ولم يكن شهود فظاهر هذا أن الإشهاد ليس بشرط. وقد ذكر أبو بكر أن المسألة على روايتين.
ووجه الرواية الأولى: وهي الصحيحة ما روت عائشة أن النبي ﷺ قال: لا نكاح إلا بولي وشاهدين (١): ولأن النكاح يتعلق به حق المتعاقدين وهو أنه يثبت به الفراش ويلحق به النسب فاشترط فيه الشهادة لحفظ النسب ويفارق هذا سائر العقود من البيع والإجارة لأن الحق لا يتجاوزهما.
ووجه الثانية: ما روي أن النبي ﷺ زوج أمامة بنت الحارث ولم يشهد (٢) ولأنه عقد معارضة فلم يفتقر إلى الشهادة كالبيع ولأنه عقد على منفعة فهو كالإجارة ولأنه عقد يستباح به البضع فهو كالرجعة.
النكاح المكتوم:
١٠ - مسألة: إذا حضر العقد شاهدان وتواصوا بكتمان النكاح. فهل النكاح صحيح أم باطل؟
فقال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم وقد سأله عن الرجل يتزوج بولي
стр. 494
وشاهدين ويخفي النكاح فقال: يستحق أن يضرب عليه بالدف كيما يعلم به الناس.
وكذلك نقل عبد الله عنه وقد سأله عن نكاح السر، وهل يكون السر إذا كان شاهدين ووليًا، فقال: يستحب أن يظهر النكاح، ويضرب عليه بالدف حتى يشتهر ولا يكون سرًا بولي. وظاهر هذا أن إعلانه مستحب وأن كتمانه لا يبطل العقد.
وقال أبو بكر في كتاب الرجعة من كتاب الشافي: النكاح باطل. قال: لأن أحمد قال في رواية أبي طالب: إذا طلقت زوجته وراجعها واستكتم الشهود حتى انقضت العدة فرق بينها ولا رجعة له عليها فلما نص على بطلان الرجعة لأجل كتمان الشهود فأولى أن يبطل النكاح قال أبو بكر: من شرط النكاح الإظهار فإذا دخله الكتمان فسد كذلك الرجعة.
ووجه الأول في أن النكاح صحيح وهو الصحيح ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: لا نكاح إلا بولي وشاهدين (١) فعلق صحته بالولي والشاهدين وقد وجدا، ولأنه عقد فلم يكن من شرطه ترك التواصي بكتمانه دليله البيع.
ووجه قول أبي بكر نهي النبي ﷺ عن نكاح السر (٢). فإذا تواصوا بكتمانه فهو سر ولأن التواصي بكتمانه ذريعة إلى الزنا لأن من يوجد مع امرأة يقول: تزوجتها سرًا أو ما أعلمت أحدًا ولا ينفعه حضور الشهود، ولأنه إذا قارنه التواصي بالكتمان فالإشهاد غير نافع.
شهادة النساء في النكاح:
١١ - مسألة: هل ينعقد النكاح بشهادة رجل وامرأتين؟
стр. 495
فنقل حنبل لا يجوز وليستأنف النكاح.
ونقل حرب: إذا تزوج بشهادة نسوة لم يجز فإن كان معهن رجل فهو أهون.
فظاهر هذا صحة النكاح.
وقال أبو حفص بن السلم العكبري: قوله أهون ليس باعتقاده لإجازة النكاح برجل وامرأتين وإنما قال أهون يعني في اختلاف الناس، فإن حملنا الكلام على ظاهره وأنه ينعقد بشهادة رجل وامرأتين، فوجهه قول النبي ﷺ : لا نكاح إلا بولي وشهود (١)، وهذا عام ولأن النكاح لا يسقط بالشبهة فكان لشهادة النساء مدخل فيه كحقوق الآدميين، ولأنه عقد على منفعة فأشبه الإجارة.
وإذا قلنا: لا ينعقد بشاهد وامرأتين، وهو الصحيح، فوجهه أن كل ما لم يكن المقصود منه المال فإذا لم يقبل فيه شهادة النساء على الانفراد لم يقبلن مع الرجال قياسًا على القصاص، وقولنا: لم يكن المقصود منه المال احتراز من الديون وعقد البيع والإجارة وغير ذلك مما يقصد به المال، وقولنا: إذا لم يقبل فيه شهادة النساء على الانفراد احتراز من الولادة والرضاع وعيوب النساء
تزويج المجنون:
١ - مسألة: في المجنون إذا كان جنونه مطبقًا في جميع الأوقات وكان محتاجًا إلى النكاح، فقال الخرقي: يجوز للولي تزويجه وقد نص عليه أحمد في رواية بكر بن محمد في المعتوه يزوج، فإن لم يكن له ولي يزوجه فالسلطان.
وقال أبو بكر في كتاب الخلاف لا يجوز للأب أن يزوج ولده المجنون إذا كان بالغًا.
وجه قول الخرقي أنه يحتاج إلى ذلك وليس له إذن في الحال ولا يرجى له إذن في الثاني فجاز تزويجه بغير إذنه غير مكلف فملك تزويجه كالصغير العاقل.