يثبت بشاهدين فيثبت بإقرار مرة كالردة وشرب الخمر. ونقل حنبل: إذا أقر بالقتل والزنا ردده السلطان أو سأل أمره لعل به جنونًا كما ردد ماعزًا. عن فظاهر ذلك أنه شبه ذلك الحد بحد الزنا وذلك لا يثبت إلا بإقرار أربع مرات كذلك القتل لأن الحقوق على ضربين منها حق الله وذلك الحق ينقسم منه مالا يعتبر فيه التكرار ومنه ما يعتبر التكرار وهو حد الزنا كذلك حقوق الآدميين ينبغي أن يكون منها ما يعتبر فيه التكرار وليس إلا القتل.
اشتراك الممسك والقاتل في حكم الجناية:
١٢ - مسألة: إذا أمسك رجلًا فجاء آخر فقتله فهل على الممسك القود؟
على روايتين: نقل أبو طالب وأحمد بن سعيد: يقتل القاتل ويحبس الماسك حتى يموت. ونقل ابن منصور: يقتلان جميعًا.
وجه الأولى - وهي الصحيحة - ما روى الأثر قال حدثنا وكيع بن سفيان بن إسماعيل بن أمية قال: قضى رسول الله ﷺ في رجل أمسك رجلًا وقتله الآخر أن يقتل القاتل ويحبس الماسك حتى يموت (١)، ولأن المباشرة متى انضمت إلى سبب غير ملجئ تعلق الضمان بها دون السبب كالحافر والدافع والناصب السكين والدافع عليها فإنه لو حفرا بئرًا فوقع فيها إنسان كان الضمان على الحافر ولو دفعه غيره فيها كان الضمان على الدافع دون الحافر كذلك ها هنا ولأنه لو كان الممسك مشاركًا للقاتل في القتل لوجب إذا أمسك مجوسي شاة فذبحها مسلم أن لا تؤكل كما لو اشترك في ذبحها فلما ثبت أنها تؤكل بطل أن يكون الممسك مشاركًا للذابح.
ووجه الثانية: أنهما تعاونا على قتله فوجب أن يكونا في وجوب القود سواء كما لو اشتركا في ذبحه، ولأنه لا يمتنع أن يجب الضمان على الممسك وإن كان غيره باشر القتل كالمحرم يمسك الصيد فيقتله آخر فإن على الممسك الضمان كذلك هاهنا.
стр. 667
ولأنه إذا أمسك حتى قتله كان هو السبب في قتله ولا يمنع وجوب القود بالسبب كوجوبه بالمباشرة ألا ترى أن شاهدين لو شهدا عند الحاكم على رجل بالقتل فقتله ثم رجعا وقالا: ما كان قتله كان عليها القود وإن كان الذي حصل منها تسبب دون المباشرة كذلك هاهنا.
القصاص في الطرف إذا كانت الجناية بآلة لا يقطع مثلها:
١٣ - مسألة: إذا قطع طرفًا بآلة مثلها لا يتلف هل يجب القود؟
قال أبو بكر في كتاب الخلاف يجب وحكى قول أحمد ﵀ في رواية حنبل: إذا ضربه فذهب ببعض أعضائه بشيء لا يقتل مثله فعليه القود في ذلك، وعندي أنه لا قود في ذلك حتى تكون آلة مثلها يتلف العضو لأن الطرف يجري في هذا الجنس مجرى النفس بدليل أنه يقطع الجماعة بالواحد كما يقتل الجماعة بالواحد ثم ثبت أنه لو قتله بآلة مثلها لا يقتل غالبًا لم يقتل كذلك الأطراف وما ذكره عن أحمد ﵀ لا يدل على ما قال لأنه قد يقطع الطرف ما لا يتلف النفس.
الواجب بقتل العمد:
١٤ - مسألة: الواجب بقتل العمد ما هو؟
على روايتين: إحداهما: أنه أوجب أحد شيئين القود أو الدية كل واحد منها أصل في نفسه فإن اختار أحدهما ثبت وسقط الآخر وإن عفوا عن أحدهما ثبت وسقط الآخر، أومأ إلى هذا في رواية الميموني فقال: أصل قولنا أن لهم أن يقتلوا أو يأخذوا الدية فإن عفوا أخذوا الدية فلما دخله شيء من العفو رجعوا إلى الدية فقد نص على أنه إذا عفى عن القصاص مطلقًا من غير ذكر مال ثبت له المال وهذا فائدة قولنا أن الواجب أحد شيئين والرواية الأخرى القتل أوجب فقط والولي بالخيار بين أن يقتل أو العفو فإن قتل فلا كلام وإن عفى على مال سقط القود وثبتت الدية بدلًا عن القود فتكون الدية على هذا بدلًا عن بدل وقد أومأ إلى هذا في رواية صالح فقال: إذا عفى بعض الأولياء عن القود لم يكن للباقين القود وكان لهم الدية وليس للعافي من الدية
стр. 668
شيء فقد نص على أنه إذا عفى عن القود مطلقًا عن ذكر مال لم يثبت له مال وهذا فائدة قولنا أوجب القود فحسب وهو اختيار الشيخ أبي عبد الله.
وجه الأولى: -وهي أصح- قوله تعالى: "فمن عفى له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف" (١). فأوجب الاتباع بمجرد العفو وحديث أبي شريح الكعبي أن النبي ﷺ قال: "وأنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل وأنا والله عاقله فمن قتل بعده قتيلًا فأهله بين خيرتين ان أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية. (٢). وحقيقة التخيير بين شيئين: إن كل واحد منها أصل في نفسه لا بدل عن صاحبه كالتخيير في كفارة الإيمان بين الإطعام والكسوة والعتق ولأنه لو كان الواجب بالقتل القود فقط لما جاز العدول عنه إلى غير جنسه بغير تراضى كسائر إبدال المتلفات فلما ثبت في مسألتنا جواز العدول إلى غير جنسه بغير رضاه ثبت أنه لم يجب معنا.
ووجه الثانية: قوله تعالى "النفس بالنفس" (٣) وقال تعالى: كتب عليكم القصاص في القتلى (٤). فظاهر هذا أن الواجب القصاص فقط فمن قال: القصاص أو الدية ترك الظاهر ولأنه بدل عن متلف فكان معينًا كسائر المتلفات، ولأنه قتل آدمي فكان بدله معينًا.
استيفاء الوكيل في القصاص بغيبة الموكل:
١٥ - مسألة: هل يجوز للوكيل استفياء القصاص بغيبة من الموكل؟
فنقل ابن منصور عنه: للرجل أن يوكل بطلب الدم وله أن يقتل لأنه يقوم مقام موكله فظاهر هذا أن له ذلك بغيبة منه. ونقل حرب أيضًا: الوكالة جائزة
стр. 669
في الحدود وله أن يقيمه وإن لم يحضر الذي وكله فقد نص على جواز الاستيفاء بالغيبة.
وقال أبو بكر: ومن أصحابنا من يقول لا يجوز استيفاء ذلك بغيبة من الموكل وقد أومأ إليه أحمد في رواية مهنا في رجل قذف رجلًا فقدمه إلى السلطان فأقر عنده فكتب السلطان إقراره وقال: عودوا حتى أقيم الحد فعاد القاذف فلا يقام عليه الحد حتى يحضر المقذوف لعله أن يكون قد عفى وهذا المعنى الذي اعتبره موجود في الوكيل.
وجه الأول: وهو المذهب - أن كل حق صحت النيابة فيه بحضرة الموكل كذلك بغيبة منه كسائر الحقوق وعكسه الصلاة والصيام والاستمتاع لما لم يجز بمشهد منه لم يجز بغيبة منه.
ووجه من قال: لا يجوز قال: لو جاز هذا افضى إلى هدر الدماء لأنه قد يعفوا فيقتل الوكيل قبل العلم به ولأن الإنسان قد يحرص على الشيء يطلبه حتى إذا ظفر به تركه فلهذا لم يجز إلا بمشهد منه لأنه قد يعفوا عنه إذا شاهده عند التمكين من قتله.
اشتراك العامد والمخطئ في القتل:
١٦ - مسألة: العامد إذا شارك المخطئ في القتل هل يقتل العامد؟
على روايتين: نقل الجماعة منهم صالح وعبد الله والمروذي وأبو داود: لا قود على واحد منهما.
ونقل ابن منصور: على العامد القود.
وجه الأولى: وهي اختيار الخرقي وهي أصح أنها روح خرجت عن عمد وخطأ فوجب أن لا يجب القود كما لو جرح رجلًا خطأ ثم عاد وجرحه عمدًا ثم سرت الجراحتان إلى نفسه، ولأنه إذا اجتمع في القصاص موجب ومسقط غلب الإسقاط كما لو قتل حر من نصفه حر ونضفه عبد فإنه لا قصاص، كذلك هاهنا.
стр. 670
ووجه الثانية: وهي اختيار أبي بكر ان كل من انفرد بقتله قتلناه فإذا شاركه غيره فيه قتلناه كالأجنبي إذا شارك والدًا في قتل ولده ولأن هذا العامد بمنزلة المنفرد بقتله في باب الدية والمأثم فوجب أن يكون كالمنفرد في باب القصاص. ومن قال: بالرواية الأولى أجاب عن مشاركة الأجنبي للأب في أن القصاص يجب على الأجنبي بأنه شارك من زال عنه القود لا لمعنى في فعله فلم يكن ذلك مسقطًا للقود عن شريكه كما لو قتلا رجلًا عمدًا فعفى الولي عن أحدهما فإنه لا قود عليه وعلى شريكه القود ويفارق هذا إذا شارك المخطئ لأنه شارك من سقط عنه القصاص لمعنى في فعله فيسقط عن شريكه فهو كما لو جرحه جرحًا خطًا وجرحا عمدًا وسرت الجرحتان إلى النفس فإن القصاص يسقط لأنه شاركه بما يسقط القصاص لمعنى في الفعل كذلك هاهنا.
وإذا قلنا: يسقط القصاص عن العامد فهل يكون نصف الدية في ماله أم على عاقلته، فنقل صالح وعبد الله وأحمد بن سعيد في رجل وصبي قتلا عمدًا فعلى الرجل نصف الدية في ماله وعلى عاقلة الصبي نصف الدية.
قال أبو بكر: فيها روايتان: أحداهما هذا وهو أصح.
والثانية: على عاقلته لأن القود سقط عنه لمعنى في الفعل فكانت الدية على عاقلته كالمخطئ.
ووجه الأول: أن فعله عمد يختص بسقوط القود عنه فلا يوجب تحمل الدية على العاقلة كالأب إذا قتل ولده فإن القود يسقط والدية في ماله، كذلك هاهنا.
استيفاء القصاص بغير السيف:
١٧ - مسألة: إذا قتله بآلة يجب بها القود وكانت بغير السيف مثل إن حرقة بالنار، أو غرقه، أو خنقه، أو منعه الطعام والشراب، فهل يقتل بمثل ما قتله به أم بالسيف؟.
على روايتين: نقل ابن منصور: إذا قتل رجلًا بعصًا أو خنقه أو شدخ رأسه بحجر يقتل بمثل الذي قتل به.
ونقل حرب: إذا قتله بخشبة يقتل بالسيف.
стр. 671
ونقل أبو طالب عنه: إذا خنقه قتل بالسيف.
ونقل حنبل: لا أرى أن يقتل بالنار أحد ففي الجملة أن القصاص يجب بالمثقل وإنما الروايتان في استيفاء القصاص هل يكون بالسيف أم بمثله ما قتل؟
ونقل ابن منصور أنه يكون بمثل ما قتل، ونقل غيره: لا يكون إلا بالسيف وهو أصح.
وجه الأولى: قوله تعالى: "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم" (١). وهو ظاهر جيد (٢) لأنه اعتبر الماثلة وروى البراء بن عازب عن النبي ﷺ قال: "من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه". وروى هشام عن قتادة عن أنس أن يهوديًا رضخ رأس جارية أنصارية بين حجرين فأدركت وبها رمق فقيل أقتلك فلان أقتلك حتى ذكر لها اليهودي فأومأت برأسها ان نعم، فسئل اليهودي فاعترف فأمر رسول الله ﷺ أن يرضخ رأسه بين حجرين (٣) وكل آلة حل قتال أهل البغى بها جاز القصاص بها كالسيف أو نقول بآلة يقصد بها القتل غالبًا فجاز استيفاء القصاص به كالسيف.
стр. 672
ووجه الثانية: وهي ظاهر كلام أحمد ﵀ وهو اختيار أبي بكر ما روى عن النبي ﷺ : لا قود إلا بجديدة (١). معناه لا يستقاد إلا بجديدة لاتفاقنا على أن القود يجب بغير حديد.
وروى أن عليًا حرق بالنار قومًا ادعوه الها فقال ابن عباس لو كنت أنا لم أقتلهم إلا بالسيف فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تعذبوا بالنار" وفي بعضها: "لا يعذب بالنار إلا رب النار. (٢). وروى عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته" (٣). ولأنه تفويت نفس بوجه مباح فوجب أن لا يكون بغير المحدد كالذبح للحيوان يتبين صحة هذا ان حرمة الإنسان أكد وأقوى في بابه من حرمة البهيمة ثم ثبت وتقرر أن البهيمة لا تفوت نفسها إلا بالحديد فبأن لا تفوت نفس الآدمي إلا بالحديد.
стр. 673
رجوع أولياء القاتل بنصف ديته في مال المقتولة إذا أقيد بها:
١٨ - مسألة: إذا أقيد الرجل بالمرأة فهل يؤخذ من مالها نصف دية الرجل يكون لورثته؟
فنقل أبو إسحاق إبراهيم بن هاني النيسابوري في رجل قتل امرأة: يقتل ويعطي نصف الدية فقد نص على الرجوع بنصف الدية.
ونقل ابن منصور عنه: يقتل الرجلان والثلاثة بالمرأة فأوجب القصاص ولم يوجب الرجوع بالنصف. وكذلك أبو الصقر: يقتل النصر اني بالمجوسي، قيل له: كيف تقتله وديتها مختلفة فقال: أذهب إلى أن النبي ﷺ قتل رجلًا بإمرأة (١). يعني وديتها مختلفة، فظاهر هذا أنه لم يوجب الرجوع بالنصف.
ووجه الأولى: ما روى عطاء والشعبي والحسن أن عليًا قال: إن شاؤا قتلوه ودفعوا نصف الدية (٢)، وإن شاؤا أخذوا نصف دية الرجل (٣)، ولأن القصاص بدل عن النفس كما ان الدية بدل عن النفس لم ثبت ان نصف الدية للرجل في مقابلة نفسها أن يكون نصف نفسه في مقابلة نفسها إلا أنه لا يمكن استيفاء بعض النفس فلما جاز استيفاء جميع النفس بالإجماع فقد أستوفى الأولياء نصف النفس في غير ملك فيجب أن يرجع عليهم بنصف الدية.
ووجه الثانية: حديث عمرو بن حزم يقتل الرجل بالمرأة (٤)، ولم يذكر رجوعًا بنصف الدية وكذلك قوله ﵇ فمن قتل بعده قتيلًا فأهله بين
стр. 674
خيرتين، إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية (١). ولم يوجب مع القتل شيئًا آخر ولأن القصاص إذا وجب في النفس لم يجب معه غرم بدليل الكتابي إذا قتل بالمجوسي والجماعة إذا قتلوا بالواحد ولأنها تساويا في الحرمة.
اجتماع القصاص والدية في الأطراف إذا اختلفت في الكمال والنقص:
١٩ - مسألة: إذا قطع يدًا كاملة الأصابع ويده ناقصة اصبعًا فهل يقتص من القاطع ويغرم دية أصبع؟.
قال أبو بكر في كتاب الخلاف: لا قصاص عليه ويجب عليه دية اليد، قال لأنا لو أوجبنا القصاص عليه أوجبنا له دية الإصبع المفقودة، فيؤدي إلى اجتماع قصاص ودية وذلك لا يجب على أصلنا كما لو أن القاطع أشل والمقطوعة كاملة فإنه لا يجتمع قصاص ودية بل يكون له أحدهما كذلك هاهنا.
فعلى قول أبي بكر يكون حكم هذه الناقصة حكم الشلاء وهو مخير بين القصاص ولا دية للأصبع وبين ترك القصاص والدية. وقال الشيخ أبو عبد
стр. 675
الله: المجني عليه بالخيار بين العفو على مال وله دية اليد خمسون من الإبل وبين أن يقتص فيأخذ يدًا ناقصة أصبعًا قصاصًا ويأخذ دية الأصبع وهو الصحيح عندي، وقد نص أحمد على نظير هذا في الأعور إذا فقئت عينه فهو بالخيار بين أن يقتص بمثل عينه ويطالب بنصف الدية وبين أن يعفو ويأخذ دية كاملة فقد خير في اجتماع القصاص والدية وإنما كان له القصاص لأنه يأخذ ناقصًا بكامل وهذا لا يمنع القصاص كما يقتل العبد بالحر والكافر بالمسلم وإنما كان له دية الأصبع لأنه أخذ دون حته عددًا فإن قطع من رجل أنملة لها طرفان كان للقاطع مثلها من تلك اليد كان للمجني عليه القصاص فيها لأنها قد تساويا فيهما وإن لم يكن له مثلها أخذ القصاص في الموجود وحكومة في المفقود وإن كانت أنملة القاطع لها طرفان والمقطوعة لها طرف واحد فلا قصاص على الجاني لأنا لا نأخذ زائدة بناقصة وله دية أنملة ثلث دية أصبع ثلاث وثلث من الإبل. وقال أبو بكر في الثانية كما قلنا في الأولى بخلافه فقال: إذا لم يكن له مثلها سقط القصاص وأخذ دية حكومة لأنه لا يجتمع قصاص ودية وإن كانت أنملة القاطع لها طرفان والمقطوعة لها طرف واحد (١) فلا قصاص وحكم الدية على ما ذكرنا والمذهب على ما ذكرنا من اجتماع القصاص والدية كما قلنا في عين الأعور.
القصاص بقطع العضو إذا أعيد مكانه فثبت:
٢٠ - مسألة: إذا قطع أذن رجل فأبانها ثم ألصقها المجني عليه في الحال فالتصقت فهل على الجاني القصاص أم لا؟.
قال أبو بكر في كتاب الخلاف: لا قصاص على الجاني وعليه حكومة الجراحة فإن سقطت بعد ذلك بقرب الوقت أو بعده كان القصاص واجبًا لأن سقوطها من غير جناية عليها من جناية الأول وعليه أن يعيد الصلاة.
واحتج بأنها لو بانت لم تلتحم فلما ردها والتحمت كانت الحياة فيها موجودة فلهذا سقط القصاص وعندي أن على الجاني القصاص لأن القصاص
стр. 676
يجب بالإبانة وقد أبانها ولأن هذا الإلصاق مختلف إقراره عليه فلا فائدة له فيه فلهذا أجزنا القصاص فإذا قطعنا بها إذن الجاني ثم الصقها الجاني فإن قال المجني عليه ألصق أذنه بعد أن أثبتها أزيلوها عنه قلنا بقولك لا نزيلها لأن القصاص وجب بالإبانة وقد وجد ذلك ولكن هل يقلع ذلك الإمام على طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من جهة أنه الصق بنفسه ميتة فهذا مبني على أصل تقدم في مسائل الجنائز وهو أن مابان من أعضاء الآدمي هل هو ميتة أم لا؟.
ففيه روايتان: فإن قلنا هو ميتة أزيل وإن قلنا ليس بميتة لم يزل عنه وهو إختيار أبي بكر وقد نقل إسحاق بن إبراهيم عنه: إذا قطع أذنه فالصقها فالتحمت فلا قصاص على الجاني وليست ميتة ونقل المروذي عنه في الأذن إذا قطعت من قصاص فردت فثبتت فإنها تقطع ثانيًا فقد نص على روايتين في قطعها ثانيًا وذلك مبني على الأصل الذي تقدم هل ذلك طاهر أم لا؟ وهكذا الحكم في المارن من الأنف (إذا) أبانه (١) فأعاده المجني عليه والدم جار فألصق والتحم هل على الجاني كمال الدية؟ المذهب أن عليه كمال الدية لأنها وجبت بالإبانة وقد بانت، وقال أبو بكر لادية في ذلك وعليه حكومة لما يدخل من النقص وهذا مبني على ما تقدم ذكره.
اختلاف الجاني والمجني عليه في سلامة العضو المقطوع وشلله:
٢١ - مسألة: إذا قطع طرف الرجل ثم اختلفا فقال الجاني: كان أشلًا فلا قود ولا دية وإنما على حكومة. وقال المجني عليه كان صحيحًا سليمًا فعليك القود فإذا عفوت في الدية فهل يكون القول قول المجني عليه أم قول الجاني؟.
قال أبو بكر: القول قول المجنى عليه وقال شيخنا أبو عبد الله القول قول الجاني ولا فرق بين أن تكون الجناية على أعضاء ظاهرة كاليدين والرجلين أو على أعضاء باطنة كالذكر والخصيتين ونحو ذلك مما لا يظهر. ويمكن أن يقال: أصل اختلافهم في المتبايعين إذا اختلفا في العيب الحادث فقال البائع: حدث
стр. 677
بعد العقد وقال المشتري: حدث قبل العقد ففيه روايتان: إحداهما: القول قول المشتري.
والثانية: القول قول البائع.
ولكن توجه المسألة إذا كان ذلك الاختلاف في الأعضاء الظاهرة فمن قال: القول قول الجاني فوجهه أن الأصل براءة الذمة وكان القول قوله وإن كان يدعي عليها بتعذر إقامة البينة عليه ألا ترى أنه لو ادعت امرأة على رجل انه وطئها بشبهة فأنكر كان القول قوله وإن كان مما يتعذر أقامة البينة، كذلك هاهنا ولأن الجاني غارم والقول في الأصول قول الغارم. ومن قال قول المجني عليه فوجهه ان الأعضاء تخلق سليمة في الأصل في غالب العرف والعادة والنادر ما لم يكن سليًا فكان القول قول من يدعى السلامة ولأن الأصول موضوعة على ان في جنبه أقوى المتداعين سببًا بدليل أنها لو تداعيا دارًا لأحداهما عليها يد كان القول قول من الدار في يديه لأن جنبته أقوى كذلك هاهنا جنبة المجني عليه لأن الأصل السلامة.
المقتص يقطع عضوًا غير المماثل:
٢٢ - مسألة: إذا وجب القصاص في يمين رجل فقال المجني عليه: اخرج يمينك اقتصها فأخرج يساره فقطعها المجني عليه وكان الجاني قد أخرجها وقد سمع من المجني عليه قوله: أخرج يمينك فأخرج يساره مع العلم بأنها يساره وإن القود لا يسقط عن يمينه فلا ضمان على المجني عليه بقطع هذه اليد لا في قصاص ولا في دية لأنه بذل له يده للقطع عمدًا بغير عوض فهو كما لو بذلها ابتداء ولكن هل القود باق في يمينه أم قد سقط؟ قال أبو بكر: يسقط لأن الألم في اليدين في القطع واحد واليد باليد والمماثلة قائمة في الديات فكذلك في القصاص ولأنه لو وجب قطع بيمينه بالسرقة فأخرج يساره فقطعت سقط بها عن يمينه كذلك هاهنا.
وقال شيخنا أبو عبد الله ﵁: القود باق في يمينه لأنه وجب عليه حق فبدل غيره لا على سبيل العوض فلم يسقط الحق عنه كما لو وجب
стр. 678
عليه قطع يمينه فأهدى إلى المجني عليه مالا وثيابًا لا على سبيل العوض عن اليمين فقبل ذلك المجني عليه لم يسقط القصاص عن اليمين كذلك هاهنا.
صفة الدية المغلظة:
٢٣ - مسألة: في صفة الدية المغلظة الواجبة عن عمد محض أو عن عمد الخطأ.
فنقل الجماعة: أبو الحارث وبكر بن محمد وحرب وابن منصور: أنها أرباع خمس وعشرون بنات مخاض وخمس وعشرون بنات لبون وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة.
ونقل حنبل عنه: الذي أذهب إليه في شبه العمد أثلاثًا وهؤلاء يقولون أرباعًا خلافًا للحديث، فظاهر هذا أنها ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة في بطونها أولادها.
ووجه هذه الرواية ما احتج به أحمد ﵀ وروى عبد الله قال: حدثنى أبي قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن أيوب قال: سمعت القاسم بن ربيعة يحدث عن عبد الله بن عمر ان النبي ﷺ قال: في الخطأ شبه العمد قتيل السوط والعصا مائة من الإبل منها أربعون خلفه في بطونها أولادها (١).
ووجه الرواية الأولى: وهي اختيار الخرقي وأبي بكر، أنه بدل عن النفس فوجب أن لا يجب فيه حوامل كقتل الخطأ ولأن الخلفة سن لا يجب في الزكاة فلم يجب في الدية كما فوق الثنايا.
стр. 679
دية عمد الخطأ أو شبه العمد:
٢٤ - مسألة: في دية عمد الخطأ هل تكون في مال القاتل أم على عاقلته؟.
قال أبو بكر في كتاب الخلاف: هي في مال القاتل، لأنها دية مغلظة، فكانت في ماله كالعمد المحض. وقال الخرقي: هي على عاقلته مؤجلة لما احتج به أحمد ﵀ من حديث المغيرة بن شعبة أن جاريتين اقتتلا فضربت إحداهما الأخرى بعمود فسطاطا فقتلتها وما في بطنها فقضى رسول الله ﷺ بدية المقتولة على عاقلة القاتلة (١) وهذا عمد الخطأ، ولأنه قتل لا يجب فيه قود بحال فكانت الدية فيه مؤجلة على العاقلة، دليله الخطأ المحض.
إقامة القصاص في الحرم:
٢٥ - مسألة: إذا قطع طرفًا أو أتى حدًا مما لا يوجب القتل خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم فهل يستقاد منه أم لا؟.
على روايتين: نقل أبو طالب والمروذي: لا يستوفى منه حتى يخرج ولكن يهجر فلا يكلم ولا يبايع ولا يشارى حتى تضيق عليه المكان فيخرج إلى الحل فيقام عليه الحد.
ونقل حنبل: يستوفى منه في الحرم. وقال أبو بكر انفرد بها حنبل فقال: تقام الحدود كلها إلا القتل فجعل في القتل رواية واحدة: لا يقام عليه حتى يخرج وفيما دونه روايتان فإن قلنا لا يقام عليه فوجهه أنه أحد نوعي القصاص فمنع
стр. 680
الحرم من استيفائه كالقصاص في النفس ولأنه حد من الحدود فمنع الحرم استيفاءه كالزاني المحصن والمرتد، إذا قلنا: يقتص منه فوجهه انه ما دون النفس يجري مجرى استيفاء الأموال ولهذا لا يتعلق كفارة والحرم لا يمنع من استيفاء حقوق الأموال كذلك الأطراف التي هي جارية مجراه.
دخول الحلل في أصول الدية:
٢٦ - مسألة: في الحلل هل هي أصل في الدية؟
فنقل حنبل: أنها أصل في الدية وأنها مئتا حلة على أهل الحلل.
ونقل صالح: أنها ليست بأصل.
وجه الأولى: ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كانت قيمة الإبل على عهد رسول الله ﷺ مائة درهم فلم يزل كذلك حتى استخلف عمر فصعد فخطب فقال: ألا إن الإبل قد غلت ففرضها على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم وعلى أهل البقر مئتي بقرة وعلى أهل الغنم ألفي شاة وعلى أهل الحلل مئتي حلة (١) والظاهر من هذا أنه انتشر في الصحابة فلم ينقل خلافه فحصل إجماع من الصحابة، وقد روى هذا الحديث مسندًا فروى أبو داود في سننه بإسناده عن عطاء بن أبي رباح أن رسول الله ﷺ قضى في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل وعلى أهل البقر مئتي بقرة وعلى أهل الشياه ألفي شاة وعلى أهل الحلل مئتي حلة (٢).
ووجه الثانية: أن الحلل جنس لا يجب فيه الزكاة فلا يجب في الديات (٣) كالحمير والبغال.
стр. 681
دية الشجاج:
٢٧ - مسألة: في الشجاج التي هي دون الموضحة كالحارصة والبازلة والباضعة والمتلاحمة والسمحاق هل فيها مقدر أم لا؟.
فنقل أبو طالب عنه: قد حكم زيد في الدامية يعني البازلة ببعير وفي الباضعة ببعيرين وفي المتلاحمة بثلاثة وفي السمحاق بأربعة. وأذهب إليه، وهذا حكم أصحاب رسول الله ﷺ كما حكموا في الصيد (١). فظاهر هذا أن فيها مقدرًا وهو ما حكاه عن زيد ونقل ابن منصور عنه ما دون الموضحة باجتهاد.
وجه الأولى: ما احتج به أحمد ﵀ من قول زيد (٢) وقول الصحابي حجة إذا لم يخالفه غيره ولأنها شجاج في الرأس والوجه فكان فيها مقدر دليله الموضحة والهاشمة والمتنقلة والسمحاق.
ووجه الثانية: وهي الصحيحة - واختارها الخرقي وأنها لا مقدر فيها وإنما هو اجتهاد الحاكم ما روى مكحول أن النبي ﷺ قضى في الموضحة بخمس من الإبل ولم يقض فيما دونها (٣) ولأنه لم يثبت فيه مقدر بتوقيف ولا فيه قياس
стр. 682
صحيح ولأن هذه الجراح دون الموضحة فلم يكن فيها مقدر، دليله إذا كانت على البدن غير الوجه والرأس.
دية الموضحة في الوجه:
٢٨ - مسألة: إذا كانت الموضحة في الوجه هل فيها خمس أم عشر؟
على روايتين: نقل حنبل أن فيها عشرًا من الإبل.
ونقل صالح أن فيها خمسًا من الإبل ولا تختلف الرواية انها إذا كانت في الرأس أن فيها خمسًا من الإبل.
وجه الأولى: أن الشين بها في الوجه أكثر منه في الرأس فلهذا كان الأرش أكثر.
ووجه الثانية: وهو اختيار الخرقي - عموم قول النبي ﷺ في حديث عبد الله بن عمر قال: "في المواضحة خمس" (١).
وكذلك في حديث عمرو بن حزم عن النبي ﷺ "في الموضحة خمس من الإبل" (٢) وهذا عام ولأنها موضحة فيها مقدر فكان خمسًا من الإبل كالتي في الرأس.
دية الشفتين:
٢٩ - مسألة: في الشفة السفلى هل فيها نصف الدية أم ثلثاها؟
على روايتين: نقل الميموني فيها نصف الدية وهو قول أبي بكر وعلي وابن مسعود (٣).
стр. 683
ونقل حنبل أن فيها ثلثي الدية وفي العليا الثلث وبه قال زيد بن ثابت (١).
ووجه هذه الرواية أن المنفعة بالسفلى لأنها هي التي تدور والعليا ساكنة لا تتحرك فكان فيها أكثر من العليا.
ووجه الأولى: في أنها سواء ما روى عمرو بن حزم أن النبي ﷺ قال في الشفتين الدية (٢). والظاهر أن في كل واحدة منهما نصف الدية وكلها جعلت الدية في شيئين كان في كل منهما نصفها كالأذنين.
بدل اسوداد السن بالجناية عليها:
٣٠ - مسألة: إذا ضرب سن رجل فاسودت هل يجب عليه جميع ديتها أم ثلث ديتها؟
فنقل ابن منصور: السن إذا اسودت ثم عقلها فإن طرحت بعد ذلك فله الثلث.
ونقل أبو الحارث عنه في السن إذا اسودت: فيها ثلث الدية.
وقال أبو بكر المسألة على روايتين: إحداهما تجتمع جميع الدية والثانية تجب ثلث الدية.
وعندي أن المسألة ليست على ظاهرها فالذي نقله أبو الحارث في السن السوداء ثلث الدية يعني به إذا أتلفت بعد أن اسودت فيها ثلث الدية كما في اليد الشلاء إذا قطعت وهذا فضل يأتي ولم يرد به أنها إذا ضربت واسودت فيها ثلث الدية. وقوله في رواية ابن منصور: ثم عقلها محمول عليه إذا اسودت وذهبت كل منافعها حتى لا يقدر أن يعض بها شيئًا فيكون فيها جميع ديتها كما لو ضرب يده فأشلها فإنه يجب فيها جميع ديتها لأنه عطل جميع منافعها وأما إذا اسودت مع بقاء منافعها ففيها حكومة لأجل الشين.
стр. 684
دية يد الأقطع:
٣١ - مسألة: إذا قطع يدا قطع فهل يجب عليه دية اليدين كما يجب عليه في عين الأعور إذا فقئت دية العينين أم لا؟.
فنقل أبو النضر عنه حديث عمر: لو أن رجلًا فقأ عين أعور كان عليه الدية كاملة قيل له فإن قطع يدًا قطع قال: وهكذا يكون في قياسه. قال جابر ابن زيد: إن أخذ ليده المقطوعة دية ثم قطع هذا يده الأخرى فلا يأخذ وإن لم يأخذ أخذ الدية كاملة، فظاهر هذا انه إن كان الأقطع أخذ ليده المقطوعة أولًا بدلًا وهو أن يكون قطعها رجل متعديًا وغرمه ديتها أو قطعت قصاصًا عوضًا عن جناية حصلت من جهته لم تستحق اليد الثانية أكثر من ديتها وإن قطعت في سبيل الله بمعنى قطعها أهل دار الحرب أو قطعت في السرقة أو قطاع الطريق وجب له على القاطع دية اليدين.
ونقل ابن منصور عنه إذا قطعت يده في سبيل الله أو في حد ثم قطع رجل يده الأخرى فليس إلا النصف، ولا يكون إلا في العين، وكذلك نقل أبو طالب لا يكون اليد والرجل مثل العين أقول: لا يقتص من العين وحدها، وما كان سوى ذلك اقتص منه، فقد نص على أن فيها نصف دية يد وفرق بين ذلك وبين عين الأعور وأثبت القصاص فيها لمن له يدان.
وجه الأولى: أنه إذا قطع الباقية فقد عطل منفعة البطش بهذا العضو فيجب أن يجب له كمال الدية كما لو فقأ عين الأعور ولأناقد قلنا في اللص إذا سرق في الدفعة الثالثة: لا يقطع يده اليسرى لئلا يؤدي إلى تعطيل المنفعة كذلك ها هنا.
ووجه الثانية: - وهي الصحيحة - أنه قطع أحد اليدين فلم يلزمه أكثر من قيمتها دليله لو كان قد أخذ لها بدلًا وهذا فارق عين الأعور أن فيها دية كاملة أخذ للذاهبة بدلًا أم لم يأخذ.
ولما صار أحمد هاهنا إلى الفرق بين أن يأخذ لها بدلًا أو لا يأخذ، إلى ما حكاه عن جابر بن زيد أنه اعتبر هذا الاعتبار ولأن الأعور يدرك بإحدى
стр. 685
عينيه ما يدركه بالأخرى بدليل انه يدرك من المدى ما يدرك ذو العينين ويتأمل نقط المصاحف ونحو ذلك فإذا قلع عينه أتلف عليه ضوء فهو كما لو قلع العينين وليس كذلك صاحب اليد الواحدة لأنه لا يدرك باليد الواحدة ما يدركه باليدين فليس في قطعها تعطيل منفعة اليدين ولهذا فرقنا بينها.
عقل الجناية على المرأة إذا زاد عن ثلث دية الرجل:
٣٢ - مسألة: إذا جنى على المرأة جناية يزيد أرشها على ثلث دية الرجل فهل يكون على النصف من ديته أم يرد إلى ثلث ديته؟
على روايتين: نقل الجماعة: صالح وعبد الله وأبو الحارث أنه يكون على النصف من ديته، وهو اختيار الخرقي.
ونقل ابن منصور: إذا قطعت يد المرأة عمدًا أو رجلها ففيه ثلث دية الرجل يعني دية النفس فقلت: هذا اللفظ من أصل مسائل ابن منصور فقد نص على أن دية يدها تضمن بثلثة دية الرجل لأنها قد زادت على ثلث ديته ولم يرد ذلك إلى نصف ديتها ويفيد الخلاف أنه إذا قطع يدها وجب فيها على الرواية الأولى نصف ديتها وهو ربع دية الرجل وعلى ما نقل ابن منصور يكون فيها ثلث دية الرجل وعلى هذا الحساب.
وجه الأولى: ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "عقل المرأة كعقل الرجل إلى ثلث الدية" (١) وهي المأمومة وما زاد بعد ذلك فعلى النصف. وهذا نص فإنه رد الزيادة إلى النصف ولم يردها إلى ثلث دية الرجل.
وروي أن ربيعة سأل سعيد بن المسيب عن إصبعها، فقال: فيها عشر من الإبل، فقال له: فإصبعان؟ فقال: عشرون قال: فثلاث أصابع، قال: ثلاثون، قال: فكم في أربع أصابعها؟ فقال: عشرون، قال له ربيعة: لما اشتد جرحها
стр. 686
وعظمت مصيبتها قل عقلها فقال له سعيد أعراقي أنت؟ إنما هي السنة يا بن أخي (١).
والتابعي إذا قال هي السنة إنما يريد يريد سنة النبي ﵇ ولأن هذه الجناية يزيد أرشها على ثلث دية الرجل فيجب أن يكون على النصف من ديته دليله الجناية على جملتها بأن يقتلها.
ووجه الثانية: أن الجناية إذا لم تزد على الثلث فإنها تساوي الرجل فيها لأن الثلث في حد القلة وهذا المعنى موجود فيجب أن ترد إليه ولا تنقص عنه ولأنه إذا جاز أن تساويه في الثلث إذا لم يزد أرشها على الثلث فأولى أن تساويه في الثلث إذا زاد أرشها على الثلث، ألا ترى أن الأخوين من الأم لها الثلث فإذا كانوا ثلاثة فصاعدًا لم يزادوا على الثلث ولم ينقصوا عنه؟ كذلك ها هنا.
دية المثانة إذا فتقت فلم يستمسك البول:
٣٣ - مسألة: إذا وطئ أجنبية مكرهة فأفضاها واسترسل البول.
فنقل أبو طالب عنه: وفي المثانة إذا فتقت فلم يستمسك البول الدية كاملة.
ونقل ابن منصور: في الفتق الثلث والفتق أن لا يستمسك البول روي فيه الثلث.
قال أبو بكر: المذهب على ما روى أبو طالب وأن المثانة إذا لم يستمسك البول فيها كمال الدية وقوله في رواية ابن منصور الثلث ليس بمذهب له وإنما حكاه عن غيره.
وجه ما نقله أبو طالب أنه إذا استرسل البول فقد أذهب العضو ومنفعته جمعيًا وبذهاب المنفعة تجب كمال دية العضو كما لو ضرب يده فأشلها فإنه يلزم دية اليد لذهاب منفعتها كذلك هاهنا.
стр. 687
ووجه ما نقله ابن منصور ان الجناية عليها بالإفضاء فلم يلزمه زيادة على ثلث الدية كما لو كان البول محتبسًا.
دية ذكر العنين:
٣٤ - مسألة: اختلفت الرواية في ذكر العنين هل فيه دية كاملة أم حكومة؟
فنقل أبو الحارث: فيه دية كاملة.
ونقل حنبل: فيه حكومة ولا تختلف الرواية في ذكر الخصي أن فيه حكومة نص عليه في رواية ابن منصور.
وجه من قال: إن فيه حكومة أن منفعة الذكر قد بطلت منه وهو الإنزال والإحبال فلم يجب فيه دية كاملة كذكر الخصي.
ومن قال: فيه دية كاملة قال: أنا أجمعنا على أن ذكر الصبي فيه دية كاملة وإن كنا لا نتحقق سلامته حال الجناية لأنه يجوز أن يبلغ عنينًا ويجوز أن يبلغ صحيحًا وقد أوجبنا فيه دية كاملة كذلك في ذكر العنين. وهذا القائل يجيب عن ذكر الخصي بأن العجز هناك متحقق فليس كذلك هاهنا لأن نقصه غير متحقق لأن هذا النوع من المرض وإن كان مما يجوز بقاؤه فقد يجوز أن يزول فهو كذكر الصبي يجوز أن يكون عنينًا ويجوز أن يكون صحيحًا والخصي يتحقق عجزه على صفة لا يزول.
دية العضو الزائد أو الأصلي الذي تعطلت منفعته:
٣٥ - مسألة: إذا جنى على عضو صورته صورة الصحيح في الخلقة إلا أنه لا منفعة فيه كالعين القائمة وهي التي في صورة البصير غير أنه لا يبصر بها واليد الشلاء والرجل الشلاء وهي في صورة الصحيحة غير أنه لا يبطش بها ولسان الأخرس وهو في صورة لسان الناطق غير أنه لا ينطق به والذكر الأشل وذكر الخصي والأصبع الزائدة ونحو ذلك هل فيه مقدر أم لا؟
على روايتين: نقل عبد الله وأبو داود في العين القائمة واليد الشلاء والسن
стр. 688
السوداء إذا قلعت: ثلث ديتها وكذلك نقل أبو طالب في الأصبع الزائدة، فظاهر هذا أن فيها مقدرًا وهو ثلث دية ذلك العضو.
ونقل ابن منصور عنه في ذكر الخصي حكومة قيل له: ثلث الدية قال: فيه حكم وكذلك نقل مهنا عنه في الأصبع حكم وكذلك نقل أبو الحارث عنه قال: بعض الناس في اليد الشلاء والعين القائمة والسن والسوداء إذا أصيبت يأخذ لها حكمًا، فظاهر هذا ان الواجب في ذلك حكومة غير مقدرة. والوجه فيه أنه ليس فيه جمال كامل ولا منفعة فلم يجب فيه مقدر كالشارب والحارصة.
ووجه من قال: فيه مقدر، هو اختيار الخرقي، ما روى أبو داود قال: حدثنا أبو مختف محبوب بن خالد السلمي قال مروان بن محمد قال الهيثم بن جميل: قال العلاء بن الحارث قال: حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قضى رسول الله ﷺ في العين القائمة السادة لمكانها بثلث الدية (١). وروى قتادة عن عبد الله بن بريدة الأسلمي عن يحيى بن يعمر عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب قضى في العين القائمة إذا خسفت واليد الشلاء إذا قطعت والسن السوداء إذا كسرت بثلث دية كل واحد ولا يعرف له مخالف فإن قطع كفا لا أصابع له أو ذكرًا لا حشفة له فهل يجب في ذلك ثلث الدية أم حكومة غير مقدرة؟
فنقل أبو طالب عنه في بقية الذكر وبقية الكف وفي شحمة الأذن ثلث الدية فمن ذهب من أصحابنا إلى ظاهر هذا قال: لأن معظم الجمال بالأذن إذا كانت بشحتمها والكف يحصل به من الجمال قريب مما يحصل باليد الشلاء وكذلك بقية الذكر يحبس البول وهو يجري مجرى ذكر الأشل ويتوجه عندي أن يكون في ذلك رواية واحدة وأنه يكون فيه حكومة غير مقدرة لأن المقدر
стр. 689
وجب في اليد الشلاء ونحوها لما ورد فيه من الأثر ولأنه عضو كامل الخلقة وهذا بعض عضو فلا يحصل من الجمال بجميع العضو فلهذا فرقت بينها.
دية العظام:
٣٦ - مسألة: في الضلع والساق والفخذ والترقوة والزندين والذراع والساعد هل في ذلك مقدر أم فيه حكومة غير مقدرة؟.
فنقل أبو طالب عنه: في الضلع بعير وفي الترقوة بعير، وكسر الساق بعيران وكسر الفخذين بعيران. فالضلع والترقوة على النصف من الساق والفخذ لأن الساق والفخذ فيها مخ فقد نص على أن في الضلع، بعير، وفي الترقوة بعير يعني في كل واحد منهما وفيهما بعيران لأن الترقوة وهو العظم الممتد من عند نقرة النحر إلى المنكب ولكل واحد ترقوتان ففي كل واحدة بعير، وقد قال الخرقي. في الترقوة بعيران يعني فيها جميعًا وفي كل واحد من الساقين والفخذين بعيران وكذلك في كل واحد من الزندين بعيران نص على ذلك في رواية صالح وأبي الحارث فقال في الزند إذا انكسر بعيران وفيهما جميعًا أربعة من الإبل وكذلك في الذراع والساعد بعيران وفي كل واحد منهما كالساق والفخذ.
ونقل ابن منصور كلامًا يدل على أنه لا مقدر في ذلك فقيل له: إذا كسرت الذراع والساق فقال: يروى عن عمر في كل واحد قلوصان (١) ولا نكتبه فظاهر هذا انه لم يأخذ به.
وجه الأولى: وهي اختيار الخرقي ما روي عن عمر بألفاظ وروى أحمد قال حدثنا عبد الصمد قال حدثنا همام: حدثنا قتادة عن سليمان بن يسار أن عمر قضى في الذراع والعضد والفخذ والساق والورك إذا كسر واحد منهما فجبر فلم يكن فيه دحور جرح ببعير (٢) وإن كان فيها دحور فحساب ذلك.
стр. 690
وروى أحمد قال: حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن قتادة عن سليمان عن يسار عن عمر انه قضى في الذراع والعضد والساق والورك إذا جبرت قلوصين (١). وروى سعيد عن مطر عن قتادة عن سليمان عن زيد بت أسلم (٢) عن مسلم بن جندب عن أسلم عن عمر: في الضلع جمل وفي الترقوة جمل (٣).
وروى عمرو بن شعيب أن عمر قضى في أحد الزندين ببعيرين وفيها جميعًا بأربعة أبعرة (٤). ولأن أكثر ما في ذلك أنه كسر عظم وذلك لا يمنع التقدير كالسن إذا كسرت والهاشمة.
ووجه الرواية الثانية: أنه عظم باطن فكان فيه حكومة كما لو كسر العصعص وخرزة الصلب.
ويفارق هذا الأسنان لأن ذلك ظاهر وأما الهاشمة فإن أوضح ثم هشم فهو ظاهر وإن هشم ولم يوضح ففيه نظر.
دية الكتابي:
٣٧ - مسألة: في دية اليهودي والنصراني إذا قتل خطأ كم قدرها؟
فنقل الأثرم وأبو طالب وأبو الحارث: أنها نصف دية السلم.
ونقل حنبل: أنها على الثلث من دية المسلم، فظاهر هذا أن المسألة على روايتين:
قال أبو بكر في كتاب الشافي المسألة رواية واحدة بأنها على النصف من دية المسلم لأنه قال في رواية أبي الحارث: كنت أذهب إلى حديث ابن عمر (٥)
стр. 691
أن دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف (١) ثم نزلت عن حديثه لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (٢)، فظاهر هذا الرجوع ولا تختلف الرواية أنه إذا قتل عمدًا أن ديته دية المسلم.
ووجه الأولى: ما روى المروذي حدثنا أبو عبد الله: حدثنا هاشم بن القاسم وعبد الصمد قال: حدثنا محمد بن راشد عن سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قضى أن عقل أهل الكتاب نصف عقل المسلمين (٣) وفي لفظ آخر قال دية الكافر نصف دية المسلم (٤) ولأن النقص المؤثر في الدية ضربان: كفر وأنوثية ثم ثبت أن الأنوثية أثرت في إسقاط نصف الدية كذلك نقص الكفر.
ووجه الثانية: ما روي في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: دية الكافر ثلث دية المسلم (٥) ولأنه ناقص بالكفر فلم تبلغ ديته نصف دية المسلم دليله المجوسي.
وأما قتل العمد فالدلالة على أن ديته مثل دية المسلم أن الأخبار مختلفة في
стр. 692
ديته، فروي نصف دية المسلم (١)، وروي: مثل دية المسلم (٢)، وروي: ثلث دية المسلم (٣)، وروي جميع ذلك في حديث عمرو بن شعيب (٤) فيجب أن نحمل كل لفظ على وجه لا تعارض بينهما فيسقط فيحمل قوله مثل دية المسلم على العمد، ونصف دية المسلم على الخطأ وثلث ديته على الوقت التي كانت الإبل رخاصًا فكانت قيمة مائة من الإبل ثمانية آلاف فكانت هي دية المسلم فأوجب فيها النصف أربعة آلاف وهي ثلث دية المسلم في وقتنا لأنها اثنا عشر ألفًا ولأنه كتابي (٥) خرجت روحه عن عمد محض مضمون فكملت ديته دليله المسلم وفيه احتراز من المرأة والمجوسي والحربي وقتل الخطأ.
دية أعضاء العبد:
٣٨ - مسألة: اختلفت الرواية في الجناية على العبد هل يجب بها مقدر؟ فنقل ابن القاسم وأحمد بن موسى الترمذي: أن كل جناية لها على الحر أرش مقدر من ديته لها من العبد مقدر من قيمته ففي أنف الحر ولسانه وذكره ديته ففي كل واحد منهما في العبد قيمته وفي يد الحر نصف ديته وفي يد العبد نصف قيمته وفي أصبع الحر عشر ديته وفي أصبع العبد عشر قيمته وفي موضحة الحر نصف عشر ديته ففي العبد نصف عشر قيمته.
ونقل الميموني ومحمد بن الحكم أن فيه ما نقص سواء كانت الجناية مما ليس له بعد الاندمال نقص وهي الموضحة والمنقلة والمأمومة والجائفة أو كان مما له نقص كقطع أحد أطرافه، ووجه هذه الرواية وهي اختيار أبي بكر الخلال أنه
стр. 693
حيوان مضمون بالقيمة فوجب أن يضمن بالجناية عليه بالقيمة كالبهيمة ولأن العبد باليد تارة وبالجناية تارة ثم ثبت أنه لو ضمن باليد كان فيه ما نقص كذلك إذا ضمن بالجناية.
ووجه الرواية الأولى: وهي اختيار الخرقي وأبي بكر عبد العزيز وهي قول عمر وعلى أنه حيوان يجب بقتله كفارة فوجب أن يكون لأعضائه أرش مقدر كالحر ولأنكم اعتبرتموه بالبهائم واعتبرناه بالحر فكان اعتبارنا أولى لأنه مخاطب مكلف مثاب معاقب وفيه الكفارة والقسامة والقصاص وهذا كله معدوم في البهيمة فكان اعتبارنا أولى.
عمد الصبي والمجنون:
٣٩ - مسألة: في عمد الصبي والمجنون هل هو حكم العمد أم في حكم الخطأ وهو أن الصبي المراهق إذا قصد القتل بالسيف أو باللت أو قصد المجنون قتل غيره والمنصوص في رواية أبي داود والمروذي وصالح وأحمد بن سعيد: أن حكمه حكم الخطأ.
ونقل أبو بكر في كتاب الخلاف عن ابن منصور: أنه في حكم العمد لأنه نقل في رجل وصبي قتلا رجلًا عمدًا ان على الرجل القود وعلى الصبي نصف الدية في ماله وأومأ إلى أن المسألة على روايتين والذي ذكر في كتاب الشافي وزاد المسافر في رواية ابن منصور انه في حكم الخطأ وأن الدية على العاقلة فإن كان ما نقله في الخلاف صحيحًا فالمسألة على روايتين إحداهما: أن عمده في حكم العمد فتكون الدية في ماله ووجهها ان كل من وجب أرش الإتلاف في ماله جاز أن تجب الدية في ماله كالبالغ.
والثانية: أن عمده في حكم الخطأ فتكون الدية على العاقلة -وهو الصحيح- لما يروي عن النبي ﷺ أنه قال: رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق (١) ولأنه لا يجب به قود بحال فوجب أن لا يكون في حكم العمد كالخطأ.
стр. 694
تكرر تحمل السيد لجناية أم ولده:
٤٠ - مسألة: إذا جنت أم الولد فغرم السيد القيمة ثم جنت بعدها ثانيًا فهل عليه ضمان ثان.
قال أبو بكر في كتاب الخلاف فيها روايتان إحداهما عليه الضمان كلما جنت ولو ألف مرة نقلها ابن منصور وهو اختيار الخرقي وأبي بكر.
والثانية: لا يجب على السيد أكثر من قيمتها نقلها حنبل ﵀ فقال ليس على سيدها شيء حتى تعتق فتؤخذ بجنايتها.
وجه الأولى: - وهي الصحيحة - أنه لو كان له عبد قن فجنى واختار أن يفديه فداه وإن جنى ثانيًا واختار ذلك فداه لأن الذي غرم به أولًا وجد ثانيًا كذلك أم الولد المعنى فيه أنه مانع من بيعها عن جنايتها فكان عليه أرش ذلك كما لو اختار أن يفدي العبد القن ولأنه إذا ضمن قيمتها الأول فرغت الرقبة من الجناية وإن قتلت الثاني ثبتت الجناية الثانية في رقبتها واستحقت بها وقد صار المولى مانعًا لها بالاستيلاد المتقدم فيضمن قيمة أخرى للثاني كأنها لم تقتل غيره.
ووجه الثانية: أنه عطل محل أرش الجناية دفعه بسبب واحد فلم يكن عليه أكثر من قيمة ما عطله كما لو جنى عبده مرارًا فتعلق له أرش برقبته ثم قتله لم يجب عليه إلا قيمة ما أتلفه كذلك هاهنا.
ما تحمله العاقلة من الدية:
٤١ - مسألة: إذا رمى أربعة فصاعدًا بالمنجنيق فرجع الحجر على واحد منهم أو على غيرهم فقتله، فالكفارة في مال كل واحد منهم وأما الدية، فقال
стр. 695
أبو بكر فيها روايتان إحداهما يلزم كل واحد في ماله بقدر حصته، نقل ذلك المروذي وإسحاق بن إبراهيم وهو اختيار الخرقي. ونقل يعقوب بن بختان في قوم رموا بالمنجنيق فرجع فقتل رجلًا من المسلمين: فالدية على عواقلهم والكفارة في أموالهم فقد أطلق القول أنها على العاقلة وهذا محتمل أن يكونوا ثلاثة فما دون فيلزم كل واحد بقسط جنايته الثلث فصاعدًا فتحمله العاقلة ويحتمل أن يكونوا أكثر من ذلك فجعل الدية على العاقلة.
وجه الأولى: -وهي الصحيحة- أنهم إذا كانوا أربعة فصاعدًا لزم بجناية كل واحد أقل من الثلث والعاقلة لا تحمل ما دون الثلث رواية واحدة فيجب أن يكون في أموالهم.
ووجه الثانية: أن هذه جناية لو انفرد بها الواحد حملتها العاقلة فإذا اشترك فيها جماعة حملته العاقلة دليله لو كانوا ثلاثة ولا يلزم عليه الاشتراك في الموضحة والهاشمة لأن تلك انفرد بها الواحد لم تحملها العاقلة جملة كذلك الاشتراك.
دخول الأب والابن في العاقلة:
٤٢ - مسألة: في الأب والابن هل يدخلان في جملة العاقلة في تحمل الدية؟
على روايتين: نقل حرب: العاقلة ما عدا الوالدين والمولودين وهو اختيار الخرقي.
ونقل أبو طالب والفضل بن عبد الصمد يدخلان في التحمل وهو اختيار أبي بكر وهو ظاهر كلامه.
وجه الأولى: ما روى أحمد بإسناده عن أبي رمثة قال: أتيت النبي ﷺ مع أبي (١) فقال هذا ابنك فقلت: نعم فداك أبي وأمي قال: لا يجني عليك ولا تجني عليه (٢) ولم يرد به نفس الجناية لأن من المحال أن يقول: لا تجرحه ولا
стр. 696
يجرحك ثبت أنه أراد الأرش وأنه لا يتحمل عنك ولا تتحمل عنه. وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض ولا يؤخذ الرجل بجزيرة ابنه ولا الابن بجريرة أبيه (١). ولأنها قرابة لا يستحق بها النفقة مع اختلاف الدين فوجب أن لا يتحمل العقل بها كأبي الأم.
ووجه الثانية: أن العاقلة تحمل العقل نصرة للعاقل والأب أحق بنصرته من غيره ولأنها عصبة فوجب أن تحمل الدية كالأخوة ثم هذا أولى لأن تعصيب الأب أقوى من تعصيب الأخوة لأنه يسقطهم في الميراث ثم ثبت أن الأخ يعقل فإن يعقل الأب أولى ولأن تحمل العقل على سبيل المواساة والأب في مواساة ابنه أولى وأحرى.
تحمل العاقلة لدية الجاني على نفسه خطأ:
٤٣ - مسألة: إذا جنى على نفسه جناية خطأ مثل أن ضرب رجلًا بسيف ترجع السيف عليه أو رمى طائرًا فعاد السهم عليه فهل هذا يكون هدرًا أم تكون فيه الدية على العاقلة؟
على روايتين: إحداهما: على عاقلته إن كان حيًا وهو أن يقطع يد نفسه ولورثته إن كان ميتًا.
стр. 697
نقل ذلك أبو طالب وابن منصور وهو أصح.
والثانية: أنها هدر أومأ إليه في رواية حرب وقيل له: من قتل نفسه هل يؤدي من بيت المال فقال لا. وكيف يؤدي إذا قتل نفسه؟.
ووجه هذه الرواية أنها جناية على نفسه فوجب أن يكون هدرًا كما لو كان عمدًا وكل جناية لو كانت عمدًا كانت هدرًا فإذا كانت خطأ وجب أن تكون هدرًا كالجناية على المرتد.
ووجه الأولى: ما روي أن رجلًا كان راكبًا على دابة ومعه خشبة فضربها فطارت شظية منها ففقأت عينه فذكر ذلك لعمر فقال: يده يد واحد من المسلمين وجعل ديته على قومه وفي بعضها: فقضى عمر بدية عينه على عاقلته وقال: يد من أيدي المسلمين (١) فإن كان هذا منتشرًا في الصحابة فهو إجماع وإن لم يكن منتشرًا فهو مخالف للقياس والصحابي إذا قال قولًا يخالف القياس فإنه يقوله توفيقًا عن النبي ﷺ فكأن النبي ﷺ قضى بذلك ولأن الدية مال يجب بجناية الغير عليه فجاز ان يجب بجنايته على نفسه كالكفارة.
القتل بالسبب:
٤٤ - مسألة: إذا حفر بئرًا في طريق المسلمين بغير إذن الإمام طلبًا للثواب ومنفعة المسلمين فوقع فيها إنسان فهل يضمن أم لا؟
على روايتين إحداهما: لا ضمان عليه نص عليه في رواية إبراهيم بن هاني ويعقوب بن بختان فقال: إلا أن تكون بئرًا أحدثها لمصلحة المسلمين كماء المطر فأرجو أن لا يكون عليه الضمان.
والثانية: يضمن أومأ إليه في رواية الحسن بن ثواب فيمن حفر بئرًا فإن كان مما أخذه السلطان لم يضمن فظاهر هذا أنه إن لم يأخذه به السلطان فعليه الضمان.
стр. 698
وجه الأولى: أنه قصد منفعة المسلمين بحفره على وجه لا يضر بهم فلم يكن عليه الضمان كما لو كان بإذن الإمام.
ووجه الثانية: أنه افتيات على الإمام بحفرها فكان كما لو كان حفرها لنفسه وكذلك الحكم فيمن بنى مسجدًا في طريق المسلمين: إن كان ضيقًا ضمن وإن كان واسعًا بإذن الإمام فلا ضمان وإن كان بغير إذنه فهل يضمن؟ على روايتين، وكذلك الحكم فيمن فرش البواري في المسجد وبنى فيه حائطًا أو سقف فيه سقفًا أو علق فيه قنديلًا فوقع على إنسان فمات أو تعثر بالبارية فوقع فمات فإن كان بإذن الإمام فلا ضمان وإن كان بغير إذنه يخرج على الروايتين. ويمكن أن يقال في بواري المسجد: لا ضمان وجها واحدًا لأنه من تمام مصلحته.
تغيّر الضمان بتغيير صفة المجني عليه فيما بين الجناية واستقرار الضمان:
٤٥ - مسألة: إذا ضرب بطن نصرانية ثم أسلمت ثم ألقت جنينًا ميتًا فكان الضرب وهي نصرانية والإسقاط وهي وجنينها مسلمان أو ضرب بطن أمة ثم أعتقت ثم ألقت الجنين فكان الضرب وهو مملوك والإسقاط وهو حر فأيش الواجب؟
اختلف أصحابنا.
فقال أبو بكر في كتاب الخلاف فيه عشر قيمة أمه قال: لأن الجناية وقعت به وهو عبد ولا ينتقل الحكم إلى غير ذلك مثل لو قطع يدي عبد ثم أعتق ثم اندمل حال الحرية فإن فيه قيمته اعتبارًا بحال الجناية كذلك هاهنا ولأنه لو ضرب بطن حربية ثم أسلمت ثم أسقطت سقط الضمان ولم يعتبر الاستقرار كذلك هاهنا.
وقال شيخنا أبو عبد الله: الواجب فيه غرة عبد أو أمه قيمته خمسون دينارًا إلا أن الجناية إذا وقعت مضمونة ثم سرت إلى النفس كان اعتبار الدية بحال الاستقرار كما لو قطع يدي عبد ثم أعتق ثم سرى إلى نفسه ففيه دية حر كذلك لو قطع يدي ذمي ثم أسلم سرى إلى نفسه ففيه دية مسلم اعتبارًا بحال الاستقرار كذلك هاهنا فقد أومأ أحمد إلى ما قاله الشيخ أبو عبد الله في رواية
стр. 699
حرب وقيل له: رجل أعتق ما في بطن أمة فأعتقت فأسقطت جنينًا قال: فيه دية مملوك قال أحمد: لا يجب العتق إلا بالولادة وهو عبد حتى يعلم أنه حي أو ميت. قيل له: إذا ضربها فأسقطت حيًا ثم مات قال هذا حر عليه دية حر كاملة. فقد نص على أن العتق ينفذ في الولد وأنها إذا وضعته حيًا ثم مات من الجناية ففيه دية حر اعتبارًا بالجناية حال الاستقرار وهذا موجود فيه إذا جنى عليه ثم أعتقت ثم أسقطت يجب أن يكون فيه غرة اعتبارًا بحال الإستقرار لأنه لو كان الاعتبار بحال الجناية كما قال أبو بكر لم يحكم فيه بدية حر لأن وقت الجناية عليه كان عبدًا.
ضمان جنين الأمة إذا سقط من الجناية عليها ميتًا:
٤٦ - مسألة: في جنين الأمة إذا أسقط من الضربة ميتًا هل يضمن بعشر قيمة أمه أو بنصف العشر؟
فنقل صالح وابن منصور أنه يضمن بعشر قيمتها.
ونقل حرب يضمن بنصف عشر قيمة أمه.
وجه الأولى: -وهي الصحيحة- أنه جنين ميت بالجناية فوجب فيه عشر بدل أمه دليله جنين الحرة ولا يختلف المذهب في أن الواجب فيه عشر دية أمه وهو خمس من الإبل لأن ديتها خمسون نصف دية الرجل أو ستمائة درهم عشر ستة آلاف كذلك في جنين الأمة يجب أن يعتبر بعشر قيمة أمه يبين صحة هذا أنه إنما قدرت دية الجنين لأنها دية نفس ولم يجز إيجابها دية كاملة لأنا نجهل حياته حين الضرب فاعتبرنا أدنى مقدر ورد الشرع في الجنايات وهو أرش الموضحة خمس من الإبل نصف عشر دية الرجل وعشر دية المرأة وهذا المعنى موجود في جنين الأمة فيجب أن يتساويا في المقدار.
ووجه الثانية: أن الحر والمملوك إذا اشتركا فيما هو مقدر كان المملوك على النصف من الحر يدل على ذلك أن المملوك تعتد شهرين وخمس ليال من الوفاة وبشهر ونصف من الطلاق وبقرء ونصف إذا كانت من ذوات الإقراء ولكن
стр. 700
القرء الواحد لا يتبعض فكمل وكذلك عدد الطلاق وهو على النصف وكذلك عدد المنكوحات كذلك هاهنا.
ضمان جنين البهيمة إذا سقط ميتًا بالجناية على أمه:
٤٧ - مسألة: في جنين البهيمة إذا سقط بالضربة ميتًا هل يضمن بعشر قيمة أمه أو بما نقصت الأم؟
فالمنصوص عن أحمد ﵀ في رواية ابن منصور: أنه يجب فيه من نقص يعني ما نقصت أمه بالإسقاط لأنها جناية على بهيمة وكان فيها ما نقص كما لو جرحها.
وقال أبو بكر: فيه عشر قيمة أمه لأنه جنين مضمون بالقيمة فضمن بعشر قيمة أمة دليله جنين الأمة.
إذا مات العبد القاتل عمدًا أو قتل بغير إذن ولى الدم:
٤٨ - مسألة: في عبد قتل صبيًا أو رجلًا عمدًا فقام رجل (١) فاقتص من العبد بغير إذن ولي الدم فهل يملك ولي المقتول المطالبة لسيد العبد بالقيمة أم قد سقط ذلك بقتله؟
على روايتين: نقل مهنا: قد سقط ذلك بقتل العبد
ونقل حرب لم يسقط حقه وهو اختيار أبي بكر.
وجه الأولى: أن محل الجناية هو رقبة العبد ففات المحل بقتله فسقط الضمان كما لو مات حتف أنفه.
ووجه الثانية: أن لبدل هذه الجناية محل هو قيمة هذا العبد المقتول لأن السيد يرجع على قالته بقيمته وإذا كان لبدل الجناية محلا، وقد فات بغير اختيار من له الحق وجب أن يرجع إلى البدل كالحر إذا قتل عمدًا ومات وخلف تركة فإن الحق لا يسقط بموته لأن لبدل الجناية محلًا هو التركة. ويفارق
стр. 701
هذا لو مات العبد لأنه ليس لبدل الجناية محل يرجع إليه فهو كالحر المعسر إذا قتل ثم مات فإنه لا يرجع على ورثته كذلك هاهنا.
دخول أيمان غير المسلم في القسامة إذا كان حال الجناية مسلمًا:
٤٩ - مسألة: إذا قتل ولد الرجل وهناك لوث فارتد والده قبل أن يقسم ثم أراد أن يقسم في حال الردة منعه الإمام من ذلك لأن من أقدم على الردة أقدم على اليمين الكاذبة، فلو (١) خالف وأقسم فهل تقع القسامة موقعها؟
قال أبو بكر في كتاب الخلاف: لا يقسم ويكون موقوفًا لأنه ليس من أهل القسامة لإقدامه على اليمين الكاذبة.
وعندي أنها تقع موقعها لأن القسامة من أنواع الاكتساب والمرتد لا يمنع من اكتساب المال في مهلة الاستتابة.
حلف أولياء الدم في القسامة إذا كان أحدهم صغيرًا أو غائبًا:
٥٠ - مسألة: إذا قتل رجل وهناك لوث وخلف ابنين كبيرًا وصغيرًا أو كبيرين أحدهما غائب فللكبير أن يحلف قبل بلوغ الصغير وللحاضر أن يحلف قبل قدوم الغائب ويثبت له الحق من الدية وهل يثبت له الحق بأقل من خمسين يمينًا؟.
ذكر أبو بكر في كتاب الخلاف كلامًا يدل على أنه لا يثبت بأقل من خمسين يمينًا.
وجهه أن الخمسين في القسامة كاليمين الواحدة في الأموال ثم ثبت لو أنه ادعى مالا أقسم يمينًا واحدة وجب أن يقسم هاهنا خمسين يمينًا.
وقال الشيخ أبو عبد الله: يحلف الكبير والحاضر بقدر قسطه من القسامة وهو خمس وعشرون يمينًا إذا كان يستحق نصف الدية ولا يجب عليه جميع القسامة لأن إيمان القسامة تجري مجرى البينة في إثبات الحق وقد ثبت أنها لو كانا حاضرين وثبت لها حق بشاهد واحد كان لهما أن يحلفا جميعًا مع الشاهد
стр. 702
فيحلف كل واحد يمينًا ولو كان أحدهما غائبًا فأقام الحاضر شاهدًا كان له أن يحلف معه يمينًا واحدة ويستحق بقدر حصته ولا يلزمه أن يحلف عن نفسه وعن أخيه كذلك هاهنا.
القسامة من غير دية بين المدعى عليهم وأولياء الدم:
٥١ - مسألة: إذا ادعى قتيل على أهل محلة من محال البلاد الكبار التي يطرقها غير أهلها مثل الكرخ والقطيعة ونهر الدجداج وباب الشعير، وباب الهجرة وباب الشام وما جرى هذا المجرى فهل يكون لوثًا ويثبت القسامة؟.
فنقل مهنا كلامًا يدل على أنه لا يكون لوثًا ولا قسامة ويكون القول قول المدعي عليهم فقال: إذا وجد قتيلًا في الطواف أو في الزحام أو في مسجد الجامع فقال: من كان بينه وبينه عداوة أخذ به أو ادعوا على رجل بعينه فإن لم يعرف له قاتل قدمه هدر.
ونقل عبد الله كلامًا يدل على القسامة فقال: يروى عن علي أن الدية على الجماعة الذين وجد فيهم المقتول (١) وإليه أذهب.
فقال أبو بكر: القياس فيما روى مهنا والرواية الأخرى يحتمل القول على أنه لم يكن له مخالف في الصحابة فإن كان له مخالف فالقول ما قاله مهنا ولا معنى للقسامة.
وقد نقل ابن منصور كلامًا يدل على ما نقله عبد الله إذا وجد قتيل بين قريتين فهو قسامة ومن ذهب إلى ظاهر ما نقله عبد الله وابن منصور فوجهه أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال أن أخي قتل بين قريتين فقال رسول الله ﷺ يحلف منهم خمسون رجلًا ولك مائة من الإبل. (٢). وروى الشعبي قال: وجد قتيل بين
стр. 703
وادعة وحيوان حيين من أحياء همدان فبعث عمر بن الخطاب بمن قاس ما بينهما فضمن أقربهما فاستحلف منهم خمسين بالله ما قتلناه وما علمنا قاتلًا ثم ضمنهم الدية (١). ولأن النبي ﷺ قضى بالقسامة على أهل خيبر (٢) وهي بلد من البلاد كذلك في غيرها من المحال والبلاد.
ووجه ما نقله مهنا - وهو الصحيح - أن المحال التي يخلطها غير أهلها ويطرقها المجتاز يجوز أن يكون القاتل من أهل المحلة ويجوز أن يكون غيره فلم يجز الحكم بأمر مجوز ولا يشهد له الظاهر ويفارق هذا خيبر لأن خيبر دار يهود محضة لا يخالطهم غيرهم فكان بين الأنصار وبين اليهود عداوة ظاهرة وهذا معدوم في مسألتنا، وأما الخبر المروي عن النبي ﷺ فلا يصح الاحتجاج به على المذهب لأن فيه أنه حلفهم وغرمهم ولا يختلف المذهب أنه لا يجتمع اليمين والغرامة.
(تحمل بيت المال دية من لا عاقلة له إذا قتل في زحام)
٥٢ - مسألة: فيمن قتل ولا عاقلة له هل يكون دية المقتول في بيت المال … ؟
стр. 704
فنقل أبو طالب: لا يكون في بيت المال ويكون دمه هدرًا.
ونقل حنبل عنه فيمن وجد قتيلًا في زحام الناس في دخول البيت أو في يوم الجمعة أو في الطواف: أن ديته في بيت المال.
ونقل مهنا عنه: التفرقة إن مات في زحام البيت قدمه هدر وإن مات في زحام الجمعة فهي في بيت المال.
وجه الأولى في أنها تسقط أن القياس يمنع من تحمل الدية لأنها جناية منه لكن تركنا القياس في العاقلة للإجماع وبقي ما عداه على موجب القياس ولأنه لا نسب بينهم ولا ولاء فلم يتحمل ديته كآحاد المسلمين.
ووجه الثانية - وهي اختيار الخرقي - ما روى في حديث الأسود بن يزيد أنه قتل في زحام البيت (١) فسأل عمر عليًا فأشار أن تجعل ديته من بيت المال (٢) وفي حديث سهل بن مذكور (٣): أن الناس ازدحموا يوم الجمعة فتفرقوا عن قتيل فجعل علي ﵁ ديته من بيت المال ولأن ماله يتنقل إلى بيت المال (٤) بعد موته فجاز أن يعقلوا عنه.
ووجه ما نقله مهنا من الفرق بين زحام البيت وزحام الجمعة أن الزحام في الحج إنما يحصل بالحركات الموجودة في حالة الطواف والسعي وتلك المناسك مأمور بها على هذا الوجه فعلى هذا لم يضمن ما حصل منها لأنه مأمور به وليس كذلك الصلاة لأن الزحام إنما يحصل بالسعي إليها وذلك غير مأمور به وإنما المأمور به الصلاة والزحام لا يحصل بأفعالها فما يحصل منها من الإتلاف يجب أن يكون مضمونًا عليه.
стр. 705
وجوب الدية على من قتل مسلمًا في دار الحرب يظنه كافرًا:
٥٣ - مسألة: إذا قتل المسلم في دار الحرب يظنه كافرًا فبان مسلمًا فهل يجب بقتله الدية أم لا .. ؟
على روايتين:
نقل ابن إبراهيم عنه في رجل أسلم وكتم إيمانه ففيه دية وكفارة قيل له فإن كان من أهل العهد فقتله رجل خطأ قال دية مسلمة إلى أهله وعتق رقبة فظاهر هذا أنه أوجب الدية.
ونقل المروذي وأبو طالب: إذا أصاب مسلمًا في دار الحرب وهو لا يعرفه كان عليه الرقبة ولا دية عليه وذكر الآية فظاهر هذا أنه لا دية في ذلك ولا فرق بين أن يكون من أهل الدار كان هو أسلم فيها ولم يخرج منها إلينا أو خرج ولكن عاد بتجارة أو سبب أو لم يكن من أهل الدار ولكن كان متنقلًا إليها بتجارة أو بسبب آخر وسواء كان أسيرًا أو مطلقًا واقفًا في الصف أو غير واقف، فالحكم في جميع ذلك واحد وفيه الروايتان فإن قلنا فيه الدية فوجهه عموم قوله تعالى: "ومن قتل مؤمنًا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله" (١).
وهذا عام ولأنه مسلم قتل خطأ فكان فيه الدية كما لو كان في دار الإسلام أو نقول أنها إحدى الدارين أشبه دار الإسلام وإذا قلنا: لا دية وهي اختيار الخرقي - وهو أصح - فوجهه قوله تعالى: "فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة (٢) ".
فأوجب في المقتول في دار الحرب تحرير رقبة. فالظاهر أن جميع الموجب بقتله تلك الرقبة يبين صحة هذا أن الله تعالى غاير بين المسلم يقتل في دار الإسلام وبين المسلم يقتل في دار الحرب فلو كان الحكم سواء لما كان تغاير بينهما ولأن الرمي إلى دار الحرب مباح من غير اتقاء ولهذا المعنى يجوز بيات العدو