هذا لو مات العبد لأنه ليس لبدل الجناية محل يرجع إليه فهو كالحر المعسر إذا قتل ثم مات فإنه لا يرجع على ورثته كذلك هاهنا.
دخول أيمان غير المسلم في القسامة إذا كان حال الجناية مسلمًا:
٤٩ - مسألة: إذا قتل ولد الرجل وهناك لوث فارتد والده قبل أن يقسم ثم أراد أن يقسم في حال الردة منعه الإمام من ذلك لأن من أقدم على الردة أقدم على اليمين الكاذبة، فلو (١) خالف وأقسم فهل تقع القسامة موقعها؟
قال أبو بكر في كتاب الخلاف: لا يقسم ويكون موقوفًا لأنه ليس من أهل القسامة لإقدامه على اليمين الكاذبة.
وعندي أنها تقع موقعها لأن القسامة من أنواع الاكتساب والمرتد لا يمنع من اكتساب المال في مهلة الاستتابة.
حلف أولياء الدم في القسامة إذا كان أحدهم صغيرًا أو غائبًا:
٥٠ - مسألة: إذا قتل رجل وهناك لوث وخلف ابنين كبيرًا وصغيرًا أو كبيرين أحدهما غائب فللكبير أن يحلف قبل بلوغ الصغير وللحاضر أن يحلف قبل قدوم الغائب ويثبت له الحق من الدية وهل يثبت له الحق بأقل من خمسين يمينًا؟.
ذكر أبو بكر في كتاب الخلاف كلامًا يدل على أنه لا يثبت بأقل من خمسين يمينًا.
وجهه أن الخمسين في القسامة كاليمين الواحدة في الأموال ثم ثبت لو أنه ادعى مالا أقسم يمينًا واحدة وجب أن يقسم هاهنا خمسين يمينًا.
وقال الشيخ أبو عبد الله: يحلف الكبير والحاضر بقدر قسطه من القسامة وهو خمس وعشرون يمينًا إذا كان يستحق نصف الدية ولا يجب عليه جميع القسامة لأن إيمان القسامة تجري مجرى البينة في إثبات الحق وقد ثبت أنها لو كانا حاضرين وثبت لها حق بشاهد واحد كان لهما أن يحلفا جميعًا مع الشاهد
стр. 702
فيحلف كل واحد يمينًا ولو كان أحدهما غائبًا فأقام الحاضر شاهدًا كان له أن يحلف معه يمينًا واحدة ويستحق بقدر حصته ولا يلزمه أن يحلف عن نفسه وعن أخيه كذلك هاهنا.
القسامة من غير دية بين المدعى عليهم وأولياء الدم:
٥١ - مسألة: إذا ادعى قتيل على أهل محلة من محال البلاد الكبار التي يطرقها غير أهلها مثل الكرخ والقطيعة ونهر الدجداج وباب الشعير، وباب الهجرة وباب الشام وما جرى هذا المجرى فهل يكون لوثًا ويثبت القسامة؟.
فنقل مهنا كلامًا يدل على أنه لا يكون لوثًا ولا قسامة ويكون القول قول المدعي عليهم فقال: إذا وجد قتيلًا في الطواف أو في الزحام أو في مسجد الجامع فقال: من كان بينه وبينه عداوة أخذ به أو ادعوا على رجل بعينه فإن لم يعرف له قاتل قدمه هدر.
ونقل عبد الله كلامًا يدل على القسامة فقال: يروى عن علي أن الدية على الجماعة الذين وجد فيهم المقتول (١) وإليه أذهب.
فقال أبو بكر: القياس فيما روى مهنا والرواية الأخرى يحتمل القول على أنه لم يكن له مخالف في الصحابة فإن كان له مخالف فالقول ما قاله مهنا ولا معنى للقسامة.
وقد نقل ابن منصور كلامًا يدل على ما نقله عبد الله إذا وجد قتيل بين قريتين فهو قسامة ومن ذهب إلى ظاهر ما نقله عبد الله وابن منصور فوجهه أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال أن أخي قتل بين قريتين فقال رسول الله ﷺ يحلف منهم خمسون رجلًا ولك مائة من الإبل. (٢). وروى الشعبي قال: وجد قتيل بين
стр. 703
وادعة وحيوان حيين من أحياء همدان فبعث عمر بن الخطاب بمن قاس ما بينهما فضمن أقربهما فاستحلف منهم خمسين بالله ما قتلناه وما علمنا قاتلًا ثم ضمنهم الدية (١). ولأن النبي ﷺ قضى بالقسامة على أهل خيبر (٢) وهي بلد من البلاد كذلك في غيرها من المحال والبلاد.
ووجه ما نقله مهنا - وهو الصحيح - أن المحال التي يخلطها غير أهلها ويطرقها المجتاز يجوز أن يكون القاتل من أهل المحلة ويجوز أن يكون غيره فلم يجز الحكم بأمر مجوز ولا يشهد له الظاهر ويفارق هذا خيبر لأن خيبر دار يهود محضة لا يخالطهم غيرهم فكان بين الأنصار وبين اليهود عداوة ظاهرة وهذا معدوم في مسألتنا، وأما الخبر المروي عن النبي ﷺ فلا يصح الاحتجاج به على المذهب لأن فيه أنه حلفهم وغرمهم ولا يختلف المذهب أنه لا يجتمع اليمين والغرامة.
(تحمل بيت المال دية من لا عاقلة له إذا قتل في زحام)
٥٢ - مسألة: فيمن قتل ولا عاقلة له هل يكون دية المقتول في بيت المال … ؟
стр. 704
فنقل أبو طالب: لا يكون في بيت المال ويكون دمه هدرًا.
ونقل حنبل عنه فيمن وجد قتيلًا في زحام الناس في دخول البيت أو في يوم الجمعة أو في الطواف: أن ديته في بيت المال.
ونقل مهنا عنه: التفرقة إن مات في زحام البيت قدمه هدر وإن مات في زحام الجمعة فهي في بيت المال.
وجه الأولى في أنها تسقط أن القياس يمنع من تحمل الدية لأنها جناية منه لكن تركنا القياس في العاقلة للإجماع وبقي ما عداه على موجب القياس ولأنه لا نسب بينهم ولا ولاء فلم يتحمل ديته كآحاد المسلمين.
ووجه الثانية - وهي اختيار الخرقي - ما روى في حديث الأسود بن يزيد أنه قتل في زحام البيت (١) فسأل عمر عليًا فأشار أن تجعل ديته من بيت المال (٢) وفي حديث سهل بن مذكور (٣): أن الناس ازدحموا يوم الجمعة فتفرقوا عن قتيل فجعل علي ﵁ ديته من بيت المال ولأن ماله يتنقل إلى بيت المال (٤) بعد موته فجاز أن يعقلوا عنه.
ووجه ما نقله مهنا من الفرق بين زحام البيت وزحام الجمعة أن الزحام في الحج إنما يحصل بالحركات الموجودة في حالة الطواف والسعي وتلك المناسك مأمور بها على هذا الوجه فعلى هذا لم يضمن ما حصل منها لأنه مأمور به وليس كذلك الصلاة لأن الزحام إنما يحصل بالسعي إليها وذلك غير مأمور به وإنما المأمور به الصلاة والزحام لا يحصل بأفعالها فما يحصل منها من الإتلاف يجب أن يكون مضمونًا عليه.
стр. 705
وجوب الدية على من قتل مسلمًا في دار الحرب يظنه كافرًا:
٥٣ - مسألة: إذا قتل المسلم في دار الحرب يظنه كافرًا فبان مسلمًا فهل يجب بقتله الدية أم لا .. ؟
على روايتين:
نقل ابن إبراهيم عنه في رجل أسلم وكتم إيمانه ففيه دية وكفارة قيل له فإن كان من أهل العهد فقتله رجل خطأ قال دية مسلمة إلى أهله وعتق رقبة فظاهر هذا أنه أوجب الدية.
ونقل المروذي وأبو طالب: إذا أصاب مسلمًا في دار الحرب وهو لا يعرفه كان عليه الرقبة ولا دية عليه وذكر الآية فظاهر هذا أنه لا دية في ذلك ولا فرق بين أن يكون من أهل الدار كان هو أسلم فيها ولم يخرج منها إلينا أو خرج ولكن عاد بتجارة أو سبب أو لم يكن من أهل الدار ولكن كان متنقلًا إليها بتجارة أو بسبب آخر وسواء كان أسيرًا أو مطلقًا واقفًا في الصف أو غير واقف، فالحكم في جميع ذلك واحد وفيه الروايتان فإن قلنا فيه الدية فوجهه عموم قوله تعالى: "ومن قتل مؤمنًا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله" (١).
وهذا عام ولأنه مسلم قتل خطأ فكان فيه الدية كما لو كان في دار الإسلام أو نقول أنها إحدى الدارين أشبه دار الإسلام وإذا قلنا: لا دية وهي اختيار الخرقي - وهو أصح - فوجهه قوله تعالى: "فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة (٢) ".
فأوجب في المقتول في دار الحرب تحرير رقبة. فالظاهر أن جميع الموجب بقتله تلك الرقبة يبين صحة هذا أن الله تعالى غاير بين المسلم يقتل في دار الإسلام وبين المسلم يقتل في دار الحرب فلو كان الحكم سواء لما كان تغاير بينهما ولأن الرمي إلى دار الحرب مباح من غير اتقاء ولهذا المعنى يجوز بيات العدو
стр. 706
ورميهم بالمنجنيق وإذا كانت الرمية مباحة من غير اتقاء لم تكن مضمونة كرمي المرتد والحربي ويفارق هذا الرمي في دار الإسلام لأنه مباح بشرط الاتقاء فلهذا كان مضمونًا ولأنه لو وجبت عليه الدية بقتل المسلم أدى ذلك إلى ترك الرمي جملة وتعطيل الجهاد.
تعدد الكفارة بتعدد القاتلين:
٥٤ - مسألة: إذا اشترك الجماعة في القتل هل يلزم كل واحد منهم كفارة أم تجب كفارة واحدة بينهم … ؟ على روايتين:
نقل مهنا على كل واحد كفارة وهو اختيار الخرقي وأبي بكر لأن كفارة القتل لا تتبعض فهي كالقتل وقد ثبت أن الجماعة إذا اشتركوا في القتل استوفى من كل واحد قصاص كامل كذلك الكفارة ومعنى وقولنا: لا يتبعض أنه لا يجب بعض كفارة لأنه متى لم يجد إلا نصف رقبة لم يلزمه إخراجها.
ونقل حنبل والميموني: عليهم كفارة لأنه مال يجب بالقتل فإذا اشترك الجماعة فيه وجب على جماعتهم شيء واحد دليله الدية ولأنها كفارة تتعلق بالقتل فإذا اشترك الجماعة فيها فتسقط عليهم دليله جزاء الصيد.
الكفارة بقتل العمد:
٥ - مسألة: قتل العمد هل تجب به الكفارة .. ؟
نقل صالح عنه فيمن قتل عمدًا هل عليه الكفارة فقال: يروى عن ابن عباس: ليس له كفارة ولا توبة. فظاهر هذا أنه لا كفارة فيه.
ونقل ابن منصور عنه في المرآة إذا تعمدت إسقاط ولدها: فيه الكفارة.
وجه الأولى: وهي اختيار أبي بكر وشيخنا أنه فعل يوجب القتل فلم تجب به الكفارة دليله الزاني المحصن ولا يلزم عليه إذا زنى في شهر رمضان وهو محصن لأن الموجب للكفارة هتك حرمة الشهر بدون الفعل الموجب للقتل ولأن الكفارة حق مال فوجب أن لا تجب مع القود كالدية.
ووجه الثانية: وهو اختيار الخرقي ما روى عن عمر أنه قال: يا رسول الله
стр. 707
إني وأدت في الجاهلية، فقال: "أعتق عن كل موءودة رقبة" (١)، وهذا قتل عمد، ولأنه أتلف نفسًا مضمونة فوجب أن تلزمه الكفارة قياسًا على الخطأ ولأنه دخل في قتله خطأ وجبت فيه كفارة فإذا قتله عمدًا وجبت به كفارة قياسًا على قتل الصيد.
الإطعام في كفارة القتل:
٥٦ - مسألة: هل للإطعام مدخل في كفارة القتل .. ؟
قال الشيخ أبو عبد الله: فيها روايتان إحداهما: له مدخل وقد أومأ إليه في رواية الميموني وقد سأله: هل يطعم في كفارة اليمين والظهار وقتل النفس خطأ ووطء أهله في رمضان غير أهل الإسلام … ؟
فقال: لا يطعم في هذه غير أهل الإسلام ولا في شيء من الواجبات. فظاهر هذا أن كفارة القتل فيها إطعام، وظاهر كلام الخرقي أنه لا إطعام في ذلك لأنه ذكر العتق والصيام ولم يذكر الإطعام وهو اختيار شيخنا.
وجه من قال: فيها إطعام أنه صوم مقدر بشهرين فوجب أن يكون بد له الإطعام، كصوم الظهار، والجماع.
ووجه من قال: لا إطعام قوله تعالى: "فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله" (٢) فأوجب الرقبة ونقل إلى الصيام عند العجز ولم يذكر شيئًا آخر فثبت أن جميع ما يجب هذان ولأنها كفارة تجب لأجل إتلاف نفس فوجب أن يكون آخره الصيام دليله قتل الصيد ولا يلزم عليه كفارة الظهار والوطء لأنه ليس بإتلاف.
شهادة النساء على إثبات القتل الموجب للمال:
٥٧ - مسألة: في الجناية إذا كانت موجبة للمال كعمد الخطأ والمأمومة والجائفة، وقتل الصبي، والمعتوه وقتل المسلم الكافر، وقتل الحر العبد،
стр. 708
والوالد للولد، وقتل الخطأ المحض، هل يثبت هذه بشهادة رجل وامرأتين .. ؟
اختلف اصحابنا فقال الخرقي: يثبت وقال أبو بكر: لا يثبت إلا برجلين.
وجه ما نقله الخرقي - وهو أصح الوجهين - أنها شهادة على مال أشبه سائر الأموال.
ووجه قول أبي بكر: أنه إثبات قتل وخرج بشهادته النساء فلم يصح كالعمد المحض.
اختلاف الجاني وولي الدم في حياة المجني عليه حال الجناية:
٥٨ - مسألة: إذا ضرب رجلًا ملفوفًا في كساء فقده نصفين ثم اختلف الجاني وولى المجني عليه فقال الجاني كان ميتًا حال ما ضربته وقال الولي: كان حيًا فقتله.
فقال أبو بكر في كتاب الخلاف: القول قول المجني عليه لأن الحياة متحققة والجاني يدعي ما هو مشكوك وهو زوال الحياة والشك إذا طرأ على اليقين قدم عليه كما تقول فيمن تطهر ثم شك هل أحدث أم لا … ؟ فإنه يبنى على طهارته ويقينه كذلك هاهنا.
ومن أصحابنا من قال القول قول الجاني لأن أحمد ﵀ قال: لا يجزئ عتق الآبق في كفارة فلم تعتبر أصل الحياة لأن ما يدعى الجاني ممكن وما يدعى الولي أيضًا ممكن فإذا أمكن قول كل واحد منها فالأصل براءة ذمة الجاني كرجل جنى عليه رجل ومضت عليه مدة يمكن أن يكون قد اندمل ثم مات، فإن القول قول الجاني، وإن كان لم يدع كل واحد منهما ممكنًا لأن الأصل براءة ذمته وكذلك هاهنا.
стр. 709
الحدود
وتشمل الموضوعات التالية:
الأول: أثر التوبة في إسقاط الحد.
الثاني: حد الردة.
الثالث: حد الزنا.
الرابع: حد القذف.
الخامس: حد السرقة.
السادس: حد قطاع الطريق.
السابع: حد الشرب.
الثامن: التعزير.
التاسع: جنايات البهائم ونحوها.
стр. 710
الحدود
توبة الساحر:
١ - مسألة: في الساحر هل تقبل توبته أم لا؟
نقل حنبل: أنه كالمرتد يستتاب، ونقل يعقوب بن بختان عنه: الزنديق والساحر كيف تقبل توبتهما؟
قال أبو بكر: فالمسألة على روايتين: إحداهما: لا يستتاب لما روى ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "حد الساحر ضربة بالسيف" (١).
وروي أنه قال: "اقتلوا الساحر والساحرة" (٢) ولم يفرق بين التوبة قبلها وبعدها ولأنه ساع في الأرض بالفساد ويد الإمام ثابتة عليه فهو كقطاع الطريق إذا قدر عليهم الإمام ثم تابوا أن التوبة لا تسقط عنهم القتل.
стр. 711
والثانية: يستتاب -وهو اختيار الخلال- لعموم قوله تعالى: "ألم تعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده" (١). وقوله: "ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا" (٢). ولأن قتله هاهنا واجب بحق الله فإذا تاب جاز أن يقبل توبته دليله المرتد.
قال أبو بكر ولأن في توبته منفعة للمسلمين لأنه بعد التوبة هو عالم بالسحر يمكنه يحله فكان في ذلك منفعة.
سقوط حد الزنا بالتوبة:
٢ - مسألة: حد الزنا هل يسقط بالتوبة وكذلك حد السرقة وشرب الخمر أم لا؟
فالمنصوص عنه في رواية أبي الحارث: في السارق إذا تاب قبل القدرة عليه سقط القطع قال أبو بكر وكذلك الزاني إذا تاب قبل القدرة عليه سقط الحد.
قال شيخنا أبو عبد الله: فيه رواية أخرى لا يسقط الحد لأن أحمد ﵀ قال في رواية ابن منصور فيمن سرق وزنى ثم ارتد ثم تاب قال سفيان أهدر الإسلام ما كان قبله، قال أحمد: يقام عليه الحد ولا يسقط الردة ذلك.
وجه من قال: يسقط - وهو أصح - أنه حد وجب على غير وجه السعي في الأرض بالفساد، وهو حق الله فسقط بالتوبة كالردة وفيه احتراز من الساحر والقاطع إذا قدر عليه.
ولأنه قتل هو حق الله فسقط بالتوبة كالمرتد وقاطع الطريق قبل القدرة عليه ولا يلزم عليه حد القذف، لأنه حق لآدمي ولا يلزم عليه الساحر على إحدى الروايتين.
ووجه الثانية: أنه حد وجب على غير وجه المحاربة وتبديل الدين فالتوبة لا تسقطه دليله حد القذف.
стр. 712
توبة الزنديق:
٣ - مسألة: في الزنديق هل تصح توبته أم لا؟
نقل أبو الحارث والميموني وابن منصور: الزنديق إذا ظهر عليه فأقر بالزندقة يقتل ولا يستتاب والمرتد يستتاب.
ونقل أبو طالب وعبد الله وابن إبراهيم عن أحمد: الزنديق يستتاب ثلاثًا فإن تاب وإلا ضربت عنقه.
وجه الأولى: أن من عادة الزنديق أن يظهر الإسلام ويستبطن الكفر ويدعو إليه في السر ويسعى في الأرض فسادًا فإذا كان هذا معلومًا من حاله لم يقبل قوله: إنه تاب وليس هو كالمرتد إذا تاب لأنا لا نعلم أنه يبطن الكفر فيحمل أمره على الصحة ويقبل قوله.
ووجه الثانية: وهي اختيار أبي بكر الخلال ﵀ أن المنافقين كانوا على عهد رسول الله ﷺ يظهرون الإسلام ويسرون الكفر قال الله تعالى: "وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم" (١). وقال: "يحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم" (٢). وقال: "يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر" (٣).
وقال تعالى: "إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون" (٤).
ومع هذا فالنبي ﷺ لم يكن يقتلهم كذلك الزنديق إذا أظهر الإسلام، يجب أن لا يقتل.
الباغي إذا لم يكن له منعة:
٤ - مسألة: في الباغي إذا لم يكن له فئة ممتنعة فهل يجري عليه أحكام البغاة؟
стр. 713
قال أبو بكر في كتاب الخلاف: لا فرق بين من كثر عدده أو قل لأن الإمام العادل لو قلت أوامره وجموعه لم يكن مسقطًا لإمامته كذلك أهل البغي لا فرق بين أن يقل جماعتهم أو يكثروا إذا نصبوا راية أو أظهروا دعوة الإمام … وعندي أنه متى لم يجتمعوا بحيث يحصل لهم شوكة وعسكر ومنعة فلا حكم له، وإنما حكمه كحكم سائر (الجناة) إن قتل قتل قودا وإن أتلف المال ألزم بدلًا، وذلك لأن ابن ملجم لعنه الله قتل عليًا ﵁ (١) فقتل ابن ملجم قودًا لأنه تأول تأويلًا غير سائغ، ولم يسقط عنه التبعة بل أمر بقتله قودًا وأنه أقيد به لأنه لم يكن في منعه وإنما كان وحده وأجاب أبو بكر عن هذا بأن ابن ملجم لم ينضم إلى إمام منصوب، ودعوة قائمة وإنما كان محله محل اللصوص وقطاع الطريق.
ضمان ما يتلفه أهل البغي على أهل العدل:
٥ - مسألة: إذا أتلف أهل البغي مالا على أهل العدل أو قتلوا منهم في حال الالتحام هل هو مضمون عليهم أم لا؟
فنقل الأثرم، وأحمد بن أبي عبده، أنه أخذ بحديث الزهري: أنه لا يقاد ولا يؤخذ ما أتلف على تأويل القرآن إلا ما وجد بعينه (٢). فظاهر هذا أنه ما لم يؤخذ بعينه فلا ضمان عليه من نفس ولا مال.
ونقل ابن منصور في الحرورية: إذا قاتلوا وأخذوا فقال: كلما أصابوا من شيء فهو عليهم. فظاهر هذا أنه ضمنهم ما أصابوه في حال قتالهم.
وجه الأولى: - وهي أصح - ما روى هشام بن عبد الملك أنه كتب إلى الزهري يسأله عن امرأة من أهل العدل هربت إلى أهل البغي وكفرت زوجها وتزوجت فيهم ثم تابت ورجعت هل عليها الحد أم لا؟
فكتب إليه الزهري فقال: كانت الفتنة العظمى وفي بعض الأحاديث:
стр. 714
كانت الفتنة الأولى بين الناس، وفيهم البدريون، وفي بعضها أنه قال: فلقيت جماعة منهم فاجتمعوا على أن لاحد على من ارتكب فرجًا محرمًا بتأويل القرآن وأن لا يقتل من سفك دمًا محرمًا بتأويل القرآن وإن لا يغرم ما لا أتلف بتأويل القرآن (١).
وقول الزهري: كانت الفتنة العظمى ليس بمرسل، لأنه تابعي لقي عشرة من الصحابة ونقل عنهم وروى عنه أنه قال: فلقيت جماعة منهم، فهذا إجماع منهم مقطوع به ولأنه إتلاف على وجه التدين من جماعة ممتنعة فلم يتعلق بها ضمان وشهادتهم تقبل وإذا أخذوا الزكاة أو الجزية أجزأ ذلك ثم لا يجب على أهل العدل الضمان بإتلاف أموال البغاة كذلك لا يجب على البغاة الضمان بإتلاف مال أهل العدل.
ووجه الثانية: كل مسلم قتل مسلمًا بغير حق لزمه الضمان كغير الباغي وكل طائفتين من المسلمين اقتتلتا إحداها محقه والأخرى مبطلة لزم الضمان المبطلة كقطاع الطريق وإذا قاتلوا أهل الرفقة وأتلفوا عليهم مالًا وقتلوا منهم وكذلك الحكم في المرتدين إذا كانوا في منعة فأتلفوا مالا هل يضمنون مالا أم لا؟ على روايتين:
إحداهما: لا يضمنون أومأ إليه في رواية مهنا في مرتد لحق بدار الحرب فقتل بها رجلًا مسلمًا ثم رجع، وقد أسلم فأخذه وليه ما يكون عليه في ذلك فقال: قد زال عنه الحكم إنما قتله وهو مشرك وكذلك إن سرق، وهو مشرك فقيل يذهب دم هذا الرجل قال: لا أقول في هذا شيئًا فظاهر هذا أن لم يضمنه لأنها فئة متنعة أتلفت مالا على وجه التدين فلم يلزمهم الضمان كأهل الحرب.
والثانية: عليهم الضمان، وهو اختيار أبي بكر لأنه ملتزم حكم الإسلام أتلف مال من له حرمة بغير حق فلزمهم الضمان كقطاع الطريق، وقد أومأ أحمد في رواية مهنا في مرتد قطع الطريق ولحق بدار الحرب، فأخذه المسلمون:
стр. 715
يقام عليه الحدود، ويقتص منه، وكذلك نقل ابن منصور في المرتد يدخل دار الحرب فيقتل ويزنى، ويسرق، فقال: أما أنا فلا يعجبني أن لا يقام عليه ما أصاب.
انتقاض أمان أهل الذمة بمساعدة أهل البغي:
٦ - مسألة: إذا استعان أهل البغي بأهل الذمة، فقاتلوا معهم لأهل العدل، ولم يكونوا مكرهين ولا أتوا بشبهة تكون عذرًا لهم في ذلك مثل أن قالوا: ما عرفنا أنهم يستعينون بنا على مقاتلة المسلمين، أو قالوا: كنا نعتقد أنها من المسلمين تجوز متابعتهم فهل ينقض أمانهم أم لا؟
ذكر أبو بكر عبد العزيز، في كتاب الخلاف، ما يدل على وجهين، أحدهما: ينتقض أمانهم لأنهم لو انفردوا بمقاتلة المسلمين انتقض عهدهم، كذلك إذا قاتلوا مع أهل البغي وجب أن ينتقض عهدهم.
والثاني: لا ينتقض لأن أهل الذمة وإن قاتلوا فإنما قاتلوا تبعًا للمسلمين والحكم للمتبوع لا للتبع فلهذا حكمنا بذلك.
الدفاع عن مال الغير على وجه يؤول إلى القتل:
٧ - مسألة: إذا اعترض إنسان لرجل من المسلمين يطلب ماله، فهل لغيره معاونته في قتال ذلك الطالب، ودفعه عنه، على وجه يغلب على ظنه أنه يؤول إلى قتل الطالب أم لا؟
فقد توقف عن الجواب في رواية حرب، ومحمد بن يحيى الكحال فقال: لو كان ماله لم يكن في قلبي منه شيء وأما غيره فلا أدري وقد صرح بالمنع في رواية أحمد بن الحسن الترمذي، والمروذي، فقال: لا يقاتل بالسيف إلا عن ماله لم يبح لك قتله عن مال غيرك، أما توقفه مال غيرك، أما توقفه فيحتمل أن يقتضي الجواز لما روى عن النبي ﷺ على أنه قال: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" (١).
стр. 716
ولأنه دافع عن غيره جورًا فصار كما لو دفع عن نفسه ولأنه لما جاز له أن يدفع عن مال نفسه كما يدفع عن نفسه كذلك في حق الغير لما جاز أن يدفع عن نفس غيره جاز أن يدفع عن ماله أيضًا. ويحتمل أن يقضي توقفه المنع وقد صرح به في رواية المروذي وغيره والوجه فيه ما روى عن النبي ﷺ قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس" (١). ولأنه لو أتلف مال غيره لم ذلك قتله في مقابلتها كذلك إذا هم بأخذه وإتلافه لم يبح ذلك قتله ويفارق هذا النفس لأنه لو أتلف نفس غيره أبيح قتله في مقابلتها وكذلك إذا هم بإتلافها أبيح قتله ولا يلزم على هذا مال نفسه إذا طلبه غيره أنه مباح للمالك أن يقاتل عنه، وإن لم يكن إتلاف ماله موجبًا لقتل المتلف، لأن القياس يقتضي المنع أيضًا لكن تركنا القياس، كما روى عن النبي ﷺ أنه قال: "من قتل دون ماله فهو شهيد" (٢) فأباح القتال دون ماله، فتركنا القياس لذلك ولم يرد في مال الغير
стр. 717
خبر، فترك له القياس، ولأن القتال عن مال نفسه، هو لمعنى في نفسه، والقتال عن مال غيره هو لمعنى في غيره، وفرق بينهما ألا ترى أنها لو أفطرت لمرض قضت، ولا فدية عليها، ولو أفطرت الحامل والمرضع (خوفًا على ولديها)، كان عليها القضاء والكفارة لأن فطرها لمرض لمعنى في نفسها، فكانت معذورة فخفف عنها وفطرها لأجل الولد لمعنى في غيرها، فغلظ عليها فوجبت الفدية.
استرقاق أولاد المرتد الذين يولدون حال ردته:
٨ - مسألة: هل يسترق ولد المرتد الذي ولد في حال الردة أم لا؟
نقل الفضل بن زياد، في رجل ارتد في أرض الشرك وتزوج فيهم، وولد له، ما يصنع بولده قال: يردون إلى الإسلام إلا أنهم يكونون عبيدًا للمسلمين، وهذا يدل على استرقاقهم لأنه قال: هم عبيد للمسلمين وهو اختيار أبي بكر ذكره في كتاب الخلاف.
قال شيخنا أبو عبد الله: في استرقاقهم روايتان، وأختار أنه لا يجوز استرقاقهم لأنهم يتبعون الأب في الدين والإسلام، وقد كان ثبت لأبيهم حرمة الإسلام فمنع ذلك من استرقاقهم فيجب أن يمنع تلك الحرمة من استرقاقهم والدلالة على أنه يجوز استرقاقهم، وهو المذهب، أنه ولد من بين كافرين، فأشبه إذا ولد من بين كافرين أصليين ولأن الحرمة ثبتت للأب وتلك الحرمة منعت من استرقاقه في نفسه، ولم يثبت للأولاد فلم يمنع من استرقاقهم.
فإذا قلنا: يسترقون، فقال أبو بكر: لا يقرون ببذل الجزية ويجبرون على الإسلام، وهو ظاهر كلام أحمد ﵀ يردون إلى الإسلام لأنهم عبيد
стр. 718
للمسلمين وعندي أنه يجب أن ينظر فيما يختارون من الأديان، فإن كانوا يختارون دين أهل الكتاب أقروا على دينهم، وجاز استرقاقهم وإن كان دينًا لا يقرون عليه كعبدة الأوثان لم يجز استرقاقهم، وقد نص علي أن استرقاق عبدة الأوثان لا يجوز.
الحكم بإسلام الكافر الأصلي إذا شهد أن محمدًا رسول الله:
٩ - مسألة: الكافر الأصلي إذا شهد أن محمدًا رسول الله ولم يلفظ بالشهادة بالله، هل يحكم بإسلامه أم لا؟
نقل مهنا عنه فيمن قال أشهد أن محمدًا رسول الله: فقد دخل في الإسلام قيل له: يهودي أو نصراني أو مجوسي قال أشهد أن محمدًا رسول الله وقال: لم أرد الإسلام يجبر على الإسلام، فظاهر هذا أنه يحكم بإسلامه في جميع أهل الأديان.
ونقل صالح في اليهودي، والنصراني، إذا قال: أشهد أن محمدًا رسول الله ثم قال: لم أرد الإسلام هل يجبر؟
فقال: أما اليهودي فيجبر لأنه يوحد وأما النصراني والمجوسي فلا، لأنهم لا يوحدون فظاهر هذا أنه فرق بين أهل الأديان فجعل ذلك إسلامًا في حكم اليهودي، ولم يجعله إسلامًا في حق النصراني، والمجوسي.
وجه الأولى: أنه إذا شهد بالنبي ﷺ فقد اعترف بالتوحيد، لأنه قد حصل مصدقًا بما جاء به النبي ﷺ والذي جاء به نفي الولد والتوحيد.
ووجه الثانية: أن شهادتهم بالنبي ليس بصريح في إسلامهم لجواز أن يعتقد أن المرسل له الابن أو روح القدس، قال أبو بكر: لأن التوحيد لا يصح من النسطور، والروم، ويصح من اليعاقبة لأنهم لا يقولون: عيسى هو الله، تعالى الله علوًا كبيرًا.
والوجه الصحيح في ذلك: أن شهادته بالله تعالى قبل الشهادة بالنبي ﷺ لا حكم لها، لأنه إنما يصح وشهادتهم بالله إذا كان مصدقًا لرسوله ممتثلا لأمره وهذا المعنى لا يصح منه في تلك الحال.
стр. 719
الإتيان بالشهادتين دون قصد الإسلام:
١٠ - مسألة: إذا أتى بالشهادتين وقال: لم أعتقد الإسلام هل يقبل قوله؟
فنقل الجماعة: أبو داود، ومهنا، وحرب: لا يقبل منه، ومتى رجع ضربت عنقه.
قال أبو بكر: وقد روي عنه إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ وهو يريد الإسلام فهو مسلم، وإذا قال وهو لا يريد الإسلام لم أجبره على الإسلام، روى ذلك عنه فوران، ومحمد بن الحكم، والمشكاتي قال: والعمل على ما رواه الجماعة: أنه لا يقبل منه لأن المكلف إذا أتى باللفظ الذي يتعلق به الحكم، فالظاهر أنه يصده وأعتقده، وقوله بعد ذلك: لم أقصده، لم يصدق لأنه خالف الظاهر ألا ترى أنه لو أقر وقال: كذبت في اقراري. أو سهوت لم يقبل منه وكذلك لو تلفظ بالطلاق الصريح، وقال: لم أقصد الطلاق لم يقبل منه.
ووجه الثانية: وهي اختيار أبي بكر هو أن في قبول قوله احتياطا للدم، والدماء يحتاط لها في الموضع المحتمل والشبهة وهاهنا شبهة لأنه يحتمل صدقه في ذلك ويمكن أن يحتمل ما نقله فوران، والمشكاتي على وجه وهو أن يكون أتى بالشهادتين على وجه يشهد له الظاهر، أنه لم يقصد به الإسلام مثل أن يأتي بألفاظ الآذان على وجه الحكاية، والاخبار عن صفته لا على وجه التأذين، أو يذكر أن فيها توحيدًا على وجه الحكاية، كما يقول في باب الطلاق إذا أتى بصريحه على وجه الحكاية لم يقع.
قبول توبة المرتد إذا تكررت ردته:
١١ - مسألة: إذا تكررت توبته وردته هل تصح توبته؟
نقل ابن منصور: تصح.
ونقل الميموني، والمشكاتي: لا تصح وهو اختيار أبي بكر، لأنه متى تكررت ردته فالظاهر أنه زنديق، فلا تقبل توبته. وإذا قلنا تقبل - وهو
стр. 720
أصح - فوجهه ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله تعالى لا يرد توبة التائبين أبدًا وإن ترادف منهم الكفر والكبائر (١).
ولأنا قبلنا توبته أولًا لأجل أنه قد تعرض له شبهة، وهذا المعنى موجود هاهنا في الدفعة الخامسة.
الجمع بين الجلد والرجم للزاني المحصن:
١٢ - مسألة: هل يجتمع الجلد والرجم في حق الزاني المحصن؟
على روايتين: نقل الأثرم وأبو النصر وابن منصور وصالح: يرجم ولا جلد.
ونقل عبد الله وإسحق بن إبراهيم: يجلد ويرجم.
ووجه الأولى: وهي اختيار شيخنا أبي عبد الله ما روى أبو هريرة وعبد الله بن عباس وجابر بن سمرة، وجابر بن زيد الأنصاري: أن النبي ﷺ رجم ماعزًا ولم يجلده (٢) فلو كان الجلد واجبًا لكان يوجبه.
стр. 721
وروي ابن مسعود عبيد الله بن عبد الله بن مسعود أن زيدًا بن خالد الجهمي (١) وأبا هريرة أخبره أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ فقال أحدهما: اقض بيننا يا رسول الله بكتاب الله - فقال الآخر وهو أفقه منه: اقض بيننا يا رسول الله بكتاب الله وائذن لي. فقال له تكلم فقال له يا رسول الله ان ابني كان عسيفًا على هذا، وقد زنا بامرأته وقالوا: إن على ابني الرجم ففديته بمائة شاة وجارية لي، ولقد أخبرني رجال من أهل العلم أنما على ابني الجلد وإنما الرجم على امرأة هذا. فقال النبي ﷺ : والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله أما شاتك وخادمك فهو رد عليك وعلى ابنك جلد مائة وغربة عام. ثم قال لأنيس الأسلمي: اذهب إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها. فذهب فاعترفت فرجمها. (٢). فلو كان الجلد واجبًا عليها لقال له: اجلدها وارجمها ولأنه سبب يجب به القتل فلم يجب معه الجلد أصله قتل المرتد.
ووجه الثانية: وهي اختيار أبي بكر - قوله تعالى: "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منها مائة جلدة" (٣) فأوجب على الزانية والزاني جلد مائة ولم يفرق بين البكر والثيب فروى عبادة بن الصامت: أن النبي ﷺ قال "خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلًا البكر بالبكر جلد مائة جلدة وتغريب عام".
"والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" (٤) وروي أن علي بن أبي طالب -
стр. 722
﵁ جلد شراحة الهمذانية يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، فقيل له: جلدتها حدين فقال: جلدتها بكتاب الله ورحمتها بسنة رسول الله (١)، ولأنه زنا يوجب الجلد فأوجب عقوبتين دليله البكر يجب مع الجلد النفي وكذلك هاهنا يجب أن يجب مع الرجم معنى آخر وهو الجلد.
تغريب الزانية بلا محرم:
مسألة: إذا زنت المرأة البكر فإنها تنفى فإن تطوع محرمها وخرج معها فإنها تنفى إلى ما تقصر فيه الصلاة وإن لم يخرج معها محرمها ففيه روايتان: إحداهما تنفى إلى موضع لا يقصر في مثله الصلاة، نص عليه في رواية المروذي فقال: إذا زنت ولم يكن لها محرم تنفى إلى مثل المدائن سفرًا لا تقصر في مثله الصلاة أومأ إليه في موضع آخر في مسائل المروذي فقال: تنفى من عمله إلى عمل غيره قيل له: بغير محرم قال نعم. فقد اطلق القول بالنفي من غير محرم ولم يقدر المدة.
ونقل الأثرم عنه في المرأة تنفى بغير محرم فقال: نعم قيل له: قد قال النبي ﷺ : "لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم (٢) " وأما السفر ليس من هذا، هذا أمر
стр. 723
لزمها، ليس هذا بمنزلة السفر، يسافر بها وهم يقولون: إن امرأة وجب عليها حق والقاضي منهم على أيام رفعت إلى القاضي ولو أنها أصابت حدا في البادية جيء بها إلى المصر حتى يقام عليها الحد بغير محرم قالوا هذا برأيهم.
ونقل ابن القاسم عنه: لا تحج المرأة إلا مع ذي محرم فقيل له: فإن وجب عليها (الحد) وليس ثم حاكم، يخرج بها إلى المحاكم فقال ليس هذا يشبه الحج.
وجه الأولى: أنه سفر صحيح في دار الإسلام، فلم يجب بغير محرم دليله الحج والتجارة.
ووجه الثانية: أنه نفى وجب لأجل الزنا، فاعتبر في مدته ما تقصر فيه الصلاة، دليله نفي الرجل، ولأنه سفر واجب لغير عبادة فلم يعتبر فيه المحرم دليله الهجرة.
حد اللوطي:
١٤ - مسألة: اختلفت الرواية في حد اللوطي. فنقل أبو طالب، وإسحق بن إبراهيم: أنه يرجم محصنًا كان أو غير محصن.
ونقل المروذي، وحنبل، وأبو الحارث، ويعقوب بن بختان: إن كان بكرًا جلد وإن كان محصنًا رجم.
وجه الأولى: حديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال "اقتلوا الفاعل والمفعول به" (١) ولأنه إجماع الصحابة روى صفوان بن مسلمة
стр. 724
عن (١) خالد بن الوليد أنه وجد في بعض ضواحي العرب رجلًا ينكح كما تنكح المرأة فكتب إلى أبي بكر الصديق في ذلك فاستشار أبو بكر الصحابة في ذلك فكان أشد الناس في ذلك على بن أبي طالب فقال: أن هذا ما عمله إلا أمة واحدة وقد رأيتم ما فعل الله بهم، وأرى أن يحرق. فكتب أبو بكر إلى خالد أن يحرقه (٢) وأخذ بذلك عبد الله بن الزبير في خلافته (٣)، ولأن اللواط أعظم من الزنا فإن الفرج يستباح بحال وهو عقد النكاح، ولهذا يقول في وطء ذوات المحارم أنه يقتل بكل حال.
ووجه الثانية: أن اسم الزنا يقع على ذلك، قال النبي ﷺ : إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان (٤) وإذا وقع عليه اسم الزنا فقد قال الله تعالى: "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة" (٥) ولأنه فرج يجب بالإيلاج فيه الحد فوجب أن يختلف حكم البكر والثيب فيه كفرج المرأة.
عقوبة إتيان البهيمة:
١٥ - مسألة: في إتيان البهائم هل يوجب الحد؟
نقل ابن منصور عنه: يدرأ عنه الحد ويعزر.
ونقل حنبل: حده كحد الزاني.
ووجه الأولى: وهي اختيار أبي بكر والخرقي - أن الحد إنما يراد للزجر والردع والإنسان يرتدع وتعاف نفسه إتيان البهائم فلهذا لم يلزمه الحد.
ولأن الحد يجب بالإيلاج في فرج له حرمة كفرج الآدمي وهذا لا حرمة
стр. 725
له. ألا ترى أنه لو مسه إنسان لم ينتقض طهره ولو مس فرج آدمي انتقض طهره.
ووجه الثانية: أنه فرج يجب بالإيلاج فيه الغسل فجاز أن يحد بالإيلاج فيه كفرج المرأة.
عقوبة واطئ ذات الرحم:
١٦ - مسألة: إذا وطئ ذات رحم منه مع العلم بالتحريم ففيه روايتان.
نقل حنبل وصالح وعبد الله وأبو طالب وابن منصور: حده القتل بكل حال.
ونقل الفضل بن زياد: حده حد الزاني.
قال أبو بكر: فيه روايتان: إحداهما يقتل بكرًا كان أو ثيبًا، والثانية: حكمه حكم الزاني.
وجه الأولى: وهي الصحيحة -وهي اختيار أبي بكر ما روى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: من أتى ذات رحم محرم فاقتلوه. (١)
وروى البراء بن عازب قال خرجت في طلب إبل لي قد ضلت فلقيت فرسانًا ومعهم راية قد خلوا منزل رجل فأخرجوه وضربوا عنقه وقالوا هذا عرس بامرأة أبيه (٢). ولأن وطء ذات رحم محرم أعظم من الزنا لأنه لا يستبيحه.
стр. 726
قال: وقد نبه الله تعالى عليه فقال: "يا نساء النبي من يأت منكن يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين" (١) لأن مأثمهم أعظم من مأثم غيرهم.
ووجه الثانية: أنه فرج من جنس ما يستباح بالوطء فإذا وجب الحد على الواطئ فيه وجب أن يكون حده حد الزاني دليله الأجانب شهادة بعضهم.
ثبوت حد القذف على شهود الزنا إذا لم يكمل النصاب أو ردت شهادة بعضهم:
١٧ - مسألة: إذا لم يكمل عدد الشهود مثل أن يشهد واحد أو اثنان أو ثلاثة بالزنا لم يجب الحد على المشهود عليه، وأما الشهود فهم قذفة وعليهم حد القذف رواية واحدة.
نص عليه في رواية الأثرم وغيره وإن كمل عددهم لكن رد الحاكم شهادة الجميع أو بعضهم، إما لمعنى ظاهر مثل أن يكون فيهم عبد أو فاسق ظاهر الفسق أو كانوا عميانًا أو كان لمعنى خفي مثل أن اشتبه على الحاكم فسق واحد منهم ففيه روايتان: إحداهما: لا حد عليه نص عليه في مواضه.
فنقل حنبل في أربعة عميان شهدوا على رجل بالزنا: لا يضربون قد جاءوا أربعة.
ونقل مهنا: إن كان أحدهما فاسقًا أو أعمى أو محدودًا لم أقم الحد عليهم قد أحرزوا ظهورهم.
ونقل بكر بن محمد والأثرم: إذا كانوا غير عدول أو بعضهم غير عدل لم يضربوا.
стр. 727
والرواية الأخرى: عليهم الحد نص عليه في رواية ابن منصور في أربعة عميان شهدوا على امرأة بالزنا قال يضربون أومأ إليه أيضًا في رواية أبي النضر العجلي في المجنون إذا شهد عليه أربعة أنه زنى فإنهم قذفة، وقال أيضًا: إذا شهد الزوج معهم مع ثلاثة فإنهم يحدون.
ووجه هذه الرواية وهي أقيس أنهم ادخلوا المعرة عليه بإضافة الزنا بسبب لم يسقط حصانته فوجب عليهم الحد كما لو نقص عددهم من أربعة يبين صحة هذا أنه إنما وجب الحد عليهم لنقصان العدد كي لا يكون ذلك ذريعة إلى التعريض لأن كل من أراد أن يقذف إنسانًا يجمع معه فيجيء إلى الحاكم فيشهد عليه بالزنا ولا يجب عليه الحد وهذا المعنى موجود مع كمال العدد.
ووجه الرواية الأولى: أن القياس يمنع من إيجاب الحد عليهم لأنهم أضافوا الزنا إليه بلفظ الشهادة فهو كما لو كانوا أربعة على صفة الشهود.
ولكن تركنا القياس في نقصان العدد الإجماع الصحابة وهو ما روي أن أبا بكرة ونافعًا وشبل بن معبد شهدوا على المغيرة بن شعبة بالزنا وامتنع زياد فحد عمر الثلاثة (١) وكان ذلك بمحضر من الصحابة وتوافر منهم فلم يظهر من أحد منهم نكير عليه ولا مخالفة فتركنا القياس في نقصان العدد للإجماع وبقي ما عداه على موجب القياس ولأن العدد موجود وقد جاؤا مجيء الشهود وهم من أهل الشهادة في الجملة فلم يجب عليهم الحد كما (لو كانوا مبصرين) وذلك أن العميان من أهل الشهادة عندنا في الأموال وكذلك العبيد والفساق من أهل الشهادة في الجملة.
إقامة حد القذف على من يرجع من الشهود على الزنا:
١٨ - مسألة: إذا شهد أربعة بالزنا فرجع أحدهم قبل حكم الحاكم بالحد على المشهود عليه فهل يحد الراجع أم لا؟
نقل أبو الحارث ويعقوب بن بختان إذا رجع أحدهم قبل أن يقام الحد يحد
стр. 728
الثلاثة فظاهر هذا أنه أوجب الحد على الثلاثة ولم يوجبه على الراجع وهو اختيار أبي بكر وشيخنا.
ونقل حنبل: إذا شهد (١) أربعة بالزنا فرجع أحدهم قبل قيام الحد حدوا كلهم فظاهر هذا انه أوجب الحد على الرجع أيضًا.
وجه الأولى: أن الراجع قد فعل المأمور به من الستر على المشهود عليه فلهذا لم يلزمه الحد لفعله ما أمر به وليس كذلك من أقام على الشهادة لأنه لم يفعل المأمور به من الستر ولا زالت حصانة المشهود عليه بقولهم فلهذا لزمهم الحد ويفارق هذا إذ لم يرجع أحد منهم عن الشهادة أنه لا حد عليهم وإن لم يفعلوا المأمور به من الستر فإنه قد زالت حصانة المشهود عليه بقولهم ويفارق هذا إذا قذفه بغير لفظه الشهادة ثم رجع وأكذب نفسه أنه يلزمه الحد لأنه بالقذف وجب عليه الحد، فبالرجوع يسقط ما قد وجب عليه فلهذا لم يقتل، وهاهنا ما وجب عليه الحد بشهادتهم فبالرجوع لا يسقط حقًّا فلهذا لم يحد.
ووجه الثانية: وهي الصحيحة عندي أن شهادة الشهود لا تتم قبل حكم الحاكم بدلالة أن شاهدين لو شهدا بمال ثم رجع أحدهما قبل حكم الحاكم لم يثبت بشهادة الآخر فلو كانت شهادتها قد تمت لوجب أن يثبت نصف المال كما لو رجع أحدهما بعد حكم الحاكم فإنه يغرم نصف المال المشهود عليه وإذا كان كذلك وجب إذا رجع أحدهما في مسألتنا أن لا يكون لشهادة الباقين حكم، وإذا بطل حكمها صارت قذفًا. ولأن الراجع بإيجاب الحد عليه أشبه من الثلاثة لأن الباقين مقيمون على شهادتهم فكان يجب أن لا يصدق عليهم ولو أنه رجع بعد حكم الحاكم وقال تعمدت وتعمدوا معي فإنه يجب عليه القود دونهم وإن قال: أخطأت وجب عليه ربع الدية دونهم لا يختلف المذهب في ذلك فإذا لم يكن الراجع (٢) أولى بإيجاب الحد من غيره فلا أقل من أن يساويهم في إيجاب الحد.
стр. 729
ما يلزم شهود الإحصان عندما يرجعون مع الشهود على الزنا عن الشهادة:
١٩ - مسألة: إذا شهد شاهدان بالحصانة وأربعة بالزنا فرجم، ثم رجعوا أجمعين وقالوا: أخطأنا. فقال أبو بكر وغيره من أصحابنا: عليهم الضمان لأن الرجم المستوفى بقولهم أجمعين وكان الضمان على جماعتهم ويفارق هذا إذا بان فسق الشهود ان المزكين لا يلزمهم الضمان لأن فيه نظرًا مع أن التزكية لا تختص بالرجم ولا بالإحصان وهذه الشهادة تختص بالإحصان فلهذا تعلق بها الضمان فإذا ثبت وإن عليهم الضمان فقال أبو بكر في كيفيته قولان: أحدهما: يضمن (١) شهود الإحصان نصف الدية، قال وهو الأقيس على مذهبه لأن الرجم ثبت بنوعين من الجناية فكان عليهم الضمان نصفين.
والثاني: الضمان عليهم بالسوية لأن الرجم ثبت بشهادتهم أجمعين بدليل أنه لو انفرد كل فريق لم يرجم بشهادته فلما اجتمعوا رجم ثبت انهم بالسوية كما لو شهد الستة بالزنا ثم رجعوا أجمعين فعلى هذا يلزم شهود الحصانة ثلث الدية ويلزم شهود الزنا الثلثان.
إقامة السيد الحد على مماليكه:
٢٠ - مسألة: هل يملك السيد إقامة حد السرقة على عبده؟
فنقل ابن منصور عن سفيان أنه قال في الآبق: لا يقطعه مولاه قد عيب على ابن عمر (٢)، قال أحمد قريب مما قال، وأما إذا زنت أو زنا ملك يمينه فيجلده وذكر الخبر (٣). فظاهر هذا أنه أخذ بقول سفيان وفرق بين القطع وبين
стр. 730
الجلد وأومأ في مسائل مهنا إلى الأخذ بما روي عن ابن عمر في جواز القطع (١).
وجه هذه الرواية عموم قوله ﵇: أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم (٢) ولأن عائشة قطعت أمة لها سرقت (٣) وابن عمر قطع يد عبده في السرقة (٤). ولأنه حد الله تعالى فجاز أن يملك السيد إقامته كحد الزنا.
ووجه الأولى: أن السيد لا يملك شيئًا من جنس القطع فلم يكن له القطع ويملك من جنس حد الزنا وهو التعزير ولأنه متهم في ذلك بأن يقصد إلى إتلافه بالقطع ليسري إلى نفسه.
اختلاف الشهود في الحال التي وقعت عليها الجناية:
٢١ - مسألة: إذا شهد شاهدان أنه زنى بها في ثوب أحمر وشاهدان له زنى بها في ثوب أبيض.
فقال أبو بكر: ليس هذا اختلاف في الشهادة وقال: إذا شهد أحدهما أنه قتله غدوة وآخر أنه قتله عشية أو شهد أحدهما أنه ضربه بالسيف وآخر أنه ضربه بخشبة أنها شهادة مسموعة. وقال: لو شهد اثنان أنه زنى بها وهي سوداء وشهد آخران أنه زنى بها وهي بيضاء فهم قذفة يجب عليهم الحد.
стр. 731
ونقل عن أحمد في كتاب الخلاف انه قال في رواية مهنا إذا شهد نفسان أنه زني بها في هذا البيت وآخران أنه زنى بها في بيت آخر وجب الحد بقولهم، وأخذ بظاهر هذه الرواية والمذهب عندي في جميع هذه المسائل أنها شهادة باطلة غير مسموعة.
وقد ذكر الخرقي: إذا شهد نفسان على رجل أنه زنى بها في هذا البيت وشهد الآخران على رجل أنه زنى بها في هذا البيت فالأربعة قذفة وعليهم الحد وهذا يدل على ما ذكرنا وإن الشهادة باطلة لأنها شهادة لم تجتمع على فعل واحد لأن فعلا واحدًا لا يمكن وجوده في بيتين ولا في قميصين ولا في غدوة وعشية ولا بخشبة وسيف. فيجب أن لا تصح الشهادة كما لو شهد اثنان أنه زنى بها وهي بيضاء وآخران أنه زنى بها وهي سوداء إن الشهادة باطلة ويفارق هذا إذا شهد اثنان أنه زنى بها في الزاوية وآخران أنه زنى بها في الزاوية الأخرى أن الشهادة صحيحة إذا كان البيت صغيرًا والزوايا متقاربة لأنه يمكن أن يكون على فعل واحد بأن يقربه شاهدان في هذه الزاوية وآخران من الزاوية الأخرى والفعل واحد ولا يمكن هذا في البيتين.
إقامة الحدود على الكفار:
٢٢ - مسألة: هل يجب الرجم على الكفار إذا أحصنوا وزنوا؟
نقل الجماعة منهم الميموني: يجب ويصح الإحصان في حقهم.
ونقل المروذي لفظين: أحدهما: قال الذمية تحصن المسلم والثاني: قال لا تحصن اليهودية والنصرانية المسلم. قال أبو بكر قد روى المروذي هذه المسألة في ثلاثة مواضع أثبت احصانهم في موضعين ونفاه في موضع آخر. قال ويغلب على ظني أن أبا بكر الخلال غلط أبا بكر المروذي فيها إلا أن من نفى الرجم عنهم وبقي الإحصان احتج بأنه إحصان شرط فيه الحرية فوجب أن يكون الإسلام شرطًا فيه دليله الإحصان الموجب للحد على القاذف ولأنه لا يحد قاذفه بحال فوجب إذا زنى أن لا يرجم كالعبد.
وأما من أوجب الرجم وهو الصحيح فوجهه أن النبي ﷺ رجم
стр. 732
يهوديين زنيا (١) والرجم لا يجب إلا بعد ثبوت الإحصان ولأن اليهود والنصارى أهل ملة فجاز أن يجب عليهم الرجم بالزنا كالمسلمين ولأنه قتل بسبب متقدم فاستوى فيه المشرك والمسلم كالقتل في القصاص يلزم عليه القتل يترك الصلاة لأنه وجب بسبب حادث لا متقدم.
عقوبة واطئ الميتة:
٢٣ - مسألة: في وطء الميتة: نقل عبد الله عنه في الذي يأتي الميتة أن بعض الناس يقول عليه حدان حد الموت وحد الزنى فظننه يعني عن نفسه.
فقال أبو بكر: لم يبلغنا في هذه المسألة غير ما رواه عبد الله وقد أخبر عن نفسه أنه ظن ذلك عن أبيه ويحتمل أن يكون عليه الحد لأنها حالة يجب الغسل بوطئها فوجب الحد كحالة الحياة ويحتمل التعزير قال فيه أقول لأن الحد يجب في العادة ردعًا وزجرًا والإنسان في العادة يزجر نفسه عن وطء الميتة لأنها لا تشتهى غالبًا.
عقوبة وطء أمة الزوجة:
٢٤ - مسألة: إذا أذنت له زوجته في وطء أمتها لم يحل له الوطء لأن
стр. 733
الوطء لا يستباح بالإباحة وإنما يستباح بملك اليمين أو عقد نكاح وليس ها هنا واحد منهما فإن وطئها لم يجب عليه الرجم ولكن يعزر بمائة جلدة وكان القياس الرجم لوجود شرائط الرجم لكن ترك القياس هاهنا لحديث النعمان بن بشير عن النبي ﷺ في الرجل يأتي جارية امرأته قال: إن كان أحلتها له جلد مائة وإن لم يكن احلتها له رجم (١). فأسقط الرجم عنه بالإذن في الوطء فإن أتت بولد فهل يثبت نسبه منه أم لا؟
نقل ابن منصور عنه: قال سفيان: إذا أحلت فرجها فوقع عليها فهي مملوكة لسيدها الأول والولد مملوك.
قال أحمد هذا وطء شبهة والولد ولده والأمة ترجع إلى سيدها، فظاهر هذا أنه ألحق به الولد.
قال أبو بكر ما رواه ابن منصور قول أول، والعمل على ما رواه الميموني والمروزي أنه لا يلحق الولد لأن الحد يلزمه وليس فيما حكاه عن الميموني والمروذي بيان أن الوطء كان بعد اباحتها له بل يحتمل أن يكون ذلك على أن الوطء كان قبل الإباحة فلا يلحق لأن الرجم يلزمه ومن لزمه الرجم لم يلحق به الولد.
وما نقله ابن منصور فيه صريح إذا كان الوطء بعد الاذن أنه يلحق به لأن الحد لا يلزمه في هذه الحال، وإنما يجب عليه التعزير، وثبوت التعزير لا
стр. 734
ينفي النسب كما لو وطئ أمة بينه وبين شريكه، فإن التعزير يجب والنسب يلحق به كذلك ها هنا. فتكون الإباحة ها هنا شبهة في لحوق النسب كما كان ملك بعضها شبهة في لحق النسب.
وقد نقل المروذي وأحمد بن واصل المقرى إذا وطئ جارية امرأته في حياتها ثم ماتت وادعى أنها له لم نلحق نسبه لأنه وطئ ما لا يملك وإن كان ولدت بعد موت امرأته لحق نسبه لأن له فيها حصة. ويؤدي باقي ثمنها، أما قوله: إذا وطئ في حال حياتها وماتت لم يلحق نسبه، محمول على أنه وطئ من غير إباحة منها، لأن الحد يجب عليه، وقوله: إن ولدت بعد موتها لحق نسبه، لأن له منها حصة محمول على أن الوطء كان بعد موتها، لأن وطأه صادف أمة مشتركة بينه وبين الورثة.
قذف الميت:
٢٥ - مسألة: إذا قذف امرأة ميتة فهل لولدها الحي المطالبة بحد القذف إذا كان حرًا مسلمًا أم لا؟
قال الخرقي في مختصره: له المطالبة سواء كانت الأم مسلمة حرة أو كافرة أمة.
وقال أبو بكر في كتاب الخلاف ليس له المطالبة قال: لأنه قذف لميتة فلا يملك الوارث المطالبة به كما لو كان المقذوف حيًا ثم مات فإن وارثه لا يرث حق المطالبة في أصلنا كذلك هاهنا.
ووجه ما قاله الخرقي ﵀ وهو أصح أن هذا القذف حصل قدحًا في نسب الحي فيجب أن يملك المطالبة به لما عليه من المعرة ولهذا المعنى ملك المطالبة مسلمة كانت أو كافرة إذا كان الابن مسلمًا لأن القدح داخل على نسبه ولهذا المعنى لو قذف أبوه الميت لم يملك المطالبة بحد القذف لأن ذلك لا يقدح في نسبه فلهذا لم يملك المطالبة ولا يلزم على هذا إذا كانت الأم في الحياة أنه لا يملك المطالبة بذلك وإن كان فيه قدح في نسبه لأن هناك من هو أحق بالمطالبة وهي الأم.
стр. 735
حد قاذف الكتابي:
٢٦ - مسألة: فإن قذف يهودية أو نصرانية ولها ولد مسلم أو زوج مسلم هل يجب على القاذف حد القذف؟
نقل حنبل: لا يجب.
ونقل ابن منصور: عليه الحد.
قال أبو بكر: ما رواه حنبل هو المعمول عليه لأنه قذف لكافر فلم يلزمه الحد، دليله إذا لم يكن له زوج مسلم ولا ولد مسلم.
ووجه ما نقله ابن منصور: أن في قذفها قدحًا في نسب الولد المسلم فالمعرة تلحقه بذلك ولهذا المعنى حد قاذف أم النبي ﷺ (١)، لما فيه من القدح في نسبه ﵇ كذلك إذا كان الزوج مسلمًا ففي قذفها قدح في فراشها ونسب ولده.
تعزير قاذف الكافر:
٢٧ - مسألة: فإن قذف كافرًا له ولد مسلم هل يعزر قاذفه أم لا؟
نقل الحسين بن محمد بن الحارث فيمن قذف اليهودي والنصراني: يؤدب.
وكذلك نقل إسحاق. قال أبو بكر الخلال: روى هذه المسألة أرجح من عشرة أنفس: ليس عليه حد يؤدب.
وروي محمد بن موسى: ليس عليه شيء ولم يتابعه على هذا اللفظ أحد.
وجه الأولى: في أنه يعزر قاذفه أن في قذفه الذمي أذية له بذلك وقال النبي ﷺ : من آذى ذميًا كنت خصمه (٢) ولأن على الإمام أن يحمي أهل الذمة ويذب عنهم فيجب أن يعزر قاذفه لأن فيه ذبًا عنهم.
стр. 736
ووجه الثانية: عموم قوله تعالى: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا) (١) ولأنه ناقص بالكفر فلم يجب على قاذفه تعزير، دليله الحربي، ولأن التعزير عقوبة تجب لأجل القذف فلا يجب على المسلم بقذف الذمي دليله الحد.
стр. 737
مسائل في القطع في السرقة
اعتبار الذهب أصلًا في نصاب السرقة:
٢٨ - مسألة: في الذهب هل هو أصل في نصاب القطع في السرقة؟
على روايتين: إحداهما: أنه أصل ومقداره ربع دينار فصاعدًا نص عليه في رواية صالح والمروذي فقال: إذا سرق من الذهب أقل من ربع دينار وهو يساوي ثلاثة دراهم فأكثر فليس عليه قطع حتى يسرق من الذهب ربع دينار، فظاهر هذا أنه أصل.
والثانية: ليس بأصل وهو مقوم بالدراهم نص عليه في رواية الميموني إذا سرق من الذهب رددته إلى قيمته بالدراهم، فإذا بقدر ما يقطع فيه قطعته.
وجه الأولى: وهي أصح ما روي في حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: "القطع في ربع دينار فصاعدًا" (١) ولأن الذهب أحد جنسي الأثمان فكان
стр. 738
أصلًا في القطع كالفضة، ولأنه حكم يعتبر فيه حكم يعتبر فيه نصاب في الورق في الورق فاعتبر فيه نصاب من الذهب كالزكاة.
ووجه الثانية: ما روى ابن عمر أن النبي ﷺ قطع سارقًا في مجن قيمته ثلاثة دراهم (١) فقوم المجن بالدراهم فدل على أنها هي الأصل.
وروى في خبر آخر: لا قطع في ثمر ولا كثر حتى يؤويه الجرين فإذا آواه الجرين فالقطع فيما بلغ قيمته المجن (٢). ولأن الذهب لو كان أصلًا لكانت الأشياء المسروقة مقومة به كما كانت مقومة بالدراهم ولا يختلف المذهب أن العروض لا
стр. 739
تقوم بالذهب وإنما تقوم بالدراهم دل على أنها ليست بأصل ألا ترى أنها لما كانت أصلًا في قيم المتلفات قوم به؟
اختلاف الحرز باختلاف المحروز:
٢٩ - مسألة: هل يختلف الحرز باختلاف المحروز؟
فذكر أبو بكر في كتاب الخلاف ما يدل على أن الموضع إذا كان حرزًا لشيء فهو حرز لسائر الأشياء ولا يكون الموضع حرزًا لشيء لأن ما كان حرزًا لنوع من الأموال كان حرزًا لغيره من الأموال دليله وراء الاقفال والإغلاق. وقال شيخنا الإحراز يختلف باختلاف المحروز في البقل والخضروات في دكاكين البقالين من وراء شريحة تغلق وحرز الذهب والجوهر والفضة والثياب الأماكن الحريزة في الدور وتحت الاغلاق الوثيقة فمن جعل الجوهر في دكان البقل تحت شريحة فقد ضيع وهو أصح لأن الحرز ورد مطلقًا ولا حد له في اللغة ولا في الشرع فيجب أن يرجع فيه إلى عرف الناس وعاداتهم كالتفرق والقبض وأقل الحيض وأكثره وأقل الحمل وأكثره وفي العادة أن الاحراز يختلف باختلاف المحرز.
القطع في السرقة من الحمام والخان والحوانيت المأذون في دخولها إذا كان عليها حافظ:
٣٠ - مسألة: إذا سرق من الحمام أو الخان أو الحوانيت المأذون في دخولها وهناك حافظ فهل يقطع أم لا؟
فقال في رواية ابن منصور: لا يقطع سارق الحمام إلا أن يكون على المتاع آخر قاعد مثلما صنع بصفوان فقد نص على القطع.
وقال في رواية حنبل: ليس على سارق الحمام قطع وكذلك نقل الميموني، فقال: إذا كان الشيء مشتركًا يدخل فيه مثل الحمام والخيمة فلا قطع فقد أطلق القول بأن لا قطع.
وجه الأولى: أنه لو كان المتاع في المسجد أو في صحراء أو عليه حافظ فإنه يقطع سارقه بلا خلاف كذلك الحمام والخان.
стр. 740
ووجه الثانية: أن الاذن قد وجد من المالك في الدخول فخرج الشيء عن أن يكون محرزًا من المأذون له ألا ترى أن من أذن لرجل في دخول داره لا قطع عليه لأجل الإذن ولهذا قال أحمد في رواية جعفر بن محمد في الرجل يدخل الضيف بيته فيسرق: لا قطع عليه كذلك هاهنا، ويفارق هذا المسجد والصحراء لأنه لم يحصل الإذن في ذلك من جهة آدمى فلهذا وجب القطع.
القطع بسرقة الكلأ المحوز:
٣١ - مسألة: هل يقطع بسرقة الكلأ المحاز؟
قال أبو بكر: لا يقطع.
وقال أبو إسحاق: يقطع وهو أصح.
وجه قول أبي بكر أن الكلأ مما ورد الشرع باشتراك الناس فيه فهو كالماء ووجه قول أبي إسحاق أنه يتمول في العادة فهو كالخشب.
قطع السارق بعد الثانية:
٣٢ - مسألة: إذا سرق في الدفعة الثالثة هل يقطع أم لا؟
نقل أبو الحارث والمروذي: لا يقطع وهو اختيار الخرقي وأبي بكر.
ونقل الميموني: قطع عمر ﵁ بعد يد ورجل وإليه أذهب.
وجه الأولى: قوله تعالى "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما" (١) فأضاف اليد إليها بلفظ الجمع فدل على أن المراد به يد واحدة كما قال الله تعالى: "إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما" (٢). فأضاف القلب إلى الاثنين بلفظ الجمع ثم كان لكل واحد منهما قلب واحد وكذلك قول العرب: قطعت رؤوسها وبعجت بطونهما وضربت ظهورهما فيضيف الشيء الواحد إلى الاثنين بلفظ الجمع ولأن في قطع اليدين إبطال منفعة البطش في حق الله تعالى فوجب أن لا يجوز قياسًا على الدفعة الثانية ولهذا أشار على كرم الله وجهه بقوله: إني