← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13246

الروايتين والوجهين - المسائل الفقهية منه

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 069 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

ووجه الثانية: عموم قوله تعالى: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا) (١) ولأنه ناقص بالكفر فلم يجب على قاذفه تعزير، دليله الحربي، ولأن التعزير عقوبة تجب لأجل القذف فلا يجب على المسلم بقذف الذمي دليله الحد.

стр. 737

مسائل في القطع في السرقة اعتبار الذهب أصلًا في نصاب السرقة: ٢٨ - مسألة: في الذهب هل هو أصل في نصاب القطع في السرقة؟ على روايتين: إحداهما: أنه أصل ومقداره ربع دينار فصاعدًا نص عليه في رواية صالح والمروذي فقال: إذا سرق من الذهب أقل من ربع دينار وهو يساوي ثلاثة دراهم فأكثر فليس عليه قطع حتى يسرق من الذهب ربع دينار، فظاهر هذا أنه أصل. والثانية: ليس بأصل وهو مقوم بالدراهم نص عليه في رواية الميموني إذا سرق من الذهب رددته إلى قيمته بالدراهم، فإذا بقدر ما يقطع فيه قطعته. وجه الأولى: وهي أصح ما روي في حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: "القطع في ربع دينار فصاعدًا" (١) ولأن الذهب أحد جنسي الأثمان فكان

стр. 738

أصلًا في القطع كالفضة، ولأنه حكم يعتبر فيه حكم يعتبر فيه نصاب في الورق في الورق فاعتبر فيه نصاب من الذهب كالزكاة. ووجه الثانية: ما روى ابن عمر أن النبي ﷺ قطع سارقًا في مجن قيمته ثلاثة دراهم (١) فقوم المجن بالدراهم فدل على أنها هي الأصل. وروى في خبر آخر: لا قطع في ثمر ولا كثر حتى يؤويه الجرين فإذا آواه الجرين فالقطع فيما بلغ قيمته المجن (٢). ولأن الذهب لو كان أصلًا لكانت الأشياء المسروقة مقومة به كما كانت مقومة بالدراهم ولا يختلف المذهب أن العروض لا

стр. 739

تقوم بالذهب وإنما تقوم بالدراهم دل على أنها ليست بأصل ألا ترى أنها لما كانت أصلًا في قيم المتلفات قوم به؟ اختلاف الحرز باختلاف المحروز: ٢٩ - مسألة: هل يختلف الحرز باختلاف المحروز؟ فذكر أبو بكر في كتاب الخلاف ما يدل على أن الموضع إذا كان حرزًا لشيء فهو حرز لسائر الأشياء ولا يكون الموضع حرزًا لشيء لأن ما كان حرزًا لنوع من الأموال كان حرزًا لغيره من الأموال دليله وراء الاقفال والإغلاق. وقال شيخنا الإحراز يختلف باختلاف المحروز في البقل والخضروات في دكاكين البقالين من وراء شريحة تغلق وحرز الذهب والجوهر والفضة والثياب الأماكن الحريزة في الدور وتحت الاغلاق الوثيقة فمن جعل الجوهر في دكان البقل تحت شريحة فقد ضيع وهو أصح لأن الحرز ورد مطلقًا ولا حد له في اللغة ولا في الشرع فيجب أن يرجع فيه إلى عرف الناس وعاداتهم كالتفرق والقبض وأقل الحيض وأكثره وأقل الحمل وأكثره وفي العادة أن الاحراز يختلف باختلاف المحرز. القطع في السرقة من الحمام والخان والحوانيت المأذون في دخولها إذا كان عليها حافظ: ٣٠ - مسألة: إذا سرق من الحمام أو الخان أو الحوانيت المأذون في دخولها وهناك حافظ فهل يقطع أم لا؟ فقال في رواية ابن منصور: لا يقطع سارق الحمام إلا أن يكون على المتاع آخر قاعد مثلما صنع بصفوان فقد نص على القطع. وقال في رواية حنبل: ليس على سارق الحمام قطع وكذلك نقل الميموني، فقال: إذا كان الشيء مشتركًا يدخل فيه مثل الحمام والخيمة فلا قطع فقد أطلق القول بأن لا قطع. وجه الأولى: أنه لو كان المتاع في المسجد أو في صحراء أو عليه حافظ فإنه يقطع سارقه بلا خلاف كذلك الحمام والخان.

стр. 740

ووجه الثانية: أن الاذن قد وجد من المالك في الدخول فخرج الشيء عن أن يكون محرزًا من المأذون له ألا ترى أن من أذن لرجل في دخول داره لا قطع عليه لأجل الإذن ولهذا قال أحمد في رواية جعفر بن محمد في الرجل يدخل الضيف بيته فيسرق: لا قطع عليه كذلك هاهنا، ويفارق هذا المسجد والصحراء لأنه لم يحصل الإذن في ذلك من جهة آدمى فلهذا وجب القطع. القطع بسرقة الكلأ المحوز: ٣١ - مسألة: هل يقطع بسرقة الكلأ المحاز؟ قال أبو بكر: لا يقطع. وقال أبو إسحاق: يقطع وهو أصح. وجه قول أبي بكر أن الكلأ مما ورد الشرع باشتراك الناس فيه فهو كالماء ووجه قول أبي إسحاق أنه يتمول في العادة فهو كالخشب. قطع السارق بعد الثانية: ٣٢ - مسألة: إذا سرق في الدفعة الثالثة هل يقطع أم لا؟ نقل أبو الحارث والمروذي: لا يقطع وهو اختيار الخرقي وأبي بكر. ونقل الميموني: قطع عمر ﵁ بعد يد ورجل وإليه أذهب. وجه الأولى: قوله تعالى "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما" (١) فأضاف اليد إليها بلفظ الجمع فدل على أن المراد به يد واحدة كما قال الله تعالى: "إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما" (٢). فأضاف القلب إلى الاثنين بلفظ الجمع ثم كان لكل واحد منهما قلب واحد وكذلك قول العرب: قطعت رؤوسها وبعجت بطونهما وضربت ظهورهما فيضيف الشيء الواحد إلى الاثنين بلفظ الجمع ولأن في قطع اليدين إبطال منفعة البطش في حق الله تعالى فوجب أن لا يجوز قياسًا على الدفعة الثانية ولهذا أشار على كرم الله وجهه بقوله: إني

стр. 741

لاستحي من الله أن لا أدع له يدا يبطش بها. وكل عضو لا يقطع في المرة الثانية لا يقطع في المرة الثالثة كالأنف والأذن. وجه الثانية: ما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال في السارق: "اقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله ثم إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله" (١). ولأن كل يد قطعت قصاصًا قطعت بالسرقة كاليمني وكل عضو في أطرافه مقدر قطع بالسرقة كالرجل اليسرى. تكرر السرقة قبل القطع: ٣٣ - مسألة: إذا تكررت منه السرقة ولم يقطع فهل يقطع لكل مرة؟ نقل مهنا عنه إذا سرق مرة ثم سرق مرة أخرى ولم يقطع ثم أتى به الإمام يقطع يدًا واحدة فظاهر هذا انه يقطع مرة واحدة. ونقل صالح عنه فيمن سرق من جماعة شيئًا: فإن جاؤوا متفرقين قطع لكل واحد منهم وإذا جاؤوا جميعًا قطع لهم قطع. وجه الأولى: -وهي أصح- واختاره أبو بكر أنها حدود الله تعالى ترادفت فتداخلت كحد الزنا والشرب. قال أبو بكر: ولأنه لو وطئ في شهر رمضان مرارًا في يوم واحد أو أيام متفرقة عليه كفارة واحدة، فإن كفر عاد من يومه يومه أو من الغد فوطئ عليه كفارة أخرى كذلك هاهنا. ووجه الثانية: أنه حد يتعلق بحق آدمي فإذا تعلق بجماعة اعتبر اجتماعهم وانفرادهم في المطالبة دليله حد القذف وقد اختلفت الرواية في حد القذف إذا ثبت لجماعة على روايتين: إحداهما حد واحد والثانية إن جاؤوا جميعًا بحد واحد وإن جاؤوا متفرقين فحدود كذلك هاهنا. قطع العضو الأشل في السرقة: ٣٤ - مسألة: في أشل سرق هل تقطع يده الشلاء أم رجله اليسرى؟

стр. 742

نقل ابن منصور تقطع يده الشلاء إذا كانت قائمة. ونقل إبراهيم الحربي وأبو النصر: تقطع رجله البسرى. وجه الأولى: وهي اختيار أبي بكر، أن محل القطع موجود فيجب أن يقطع كما لو كانت سالمة. ووجه الثانية: أنه لا منفعة فيها ولا جمال ولا أرش فيها مقدر فلم يقطع كما لو كانت معدومة. سرقة أحد الزوجين من مال الآخر: ٣٥ - مسألة: إذا سرق كل واحد من الزوجين من مال صاحبه هل عليه القطع أم لا؟ نقل صالح: لا قطع وهو اختيار الخرقي وأبي بكر. ونقل حنبل: يقطع وهكذا الخلاف إذا سرق عبد كل واحد منهما من مال مولى الآخر. وجه الأولى: ما روى أن رجلًا جاء إلى عمر بعبده وقد سرق مرآة زوجته فقال: أرسله فليس عليه قطع خادمكم سرق متاعكم (١). ولأن بينهما سببًا لا يسقط الميراث بوجه فوجب أن لا يقطع بسرقته كالولد والوالد ولأن كل واحد منهما له شبهة في مال صاحبه أما هي فإنها تستحق زيادة في النفقة وأما هو فيزيد في قيمة بضعها الذي هو ملكه. ووجه الثانية: أنه استباح أحد المنفعتين بعقد فوجب أن لا يسقط به حكم القطع كما لو استأجر امرأة فسرقت من متاعه فعليها القطع. اعتبار الجيب حرزًا لما فيه: ٣٦ - مسألة: في جيب الإنسان وكمه هل هو حرز لما فيه؟

стр. 743

فنقل حنبل عنه في الذي يأخذ من كم الإنسان وجيبه ويطر: لا يقطع، هو بمنزلة المختلس. فظاهر هذا أنه لا قطع في ذلك. ونقل ابن منصور عنه في الطرار: إذا كان يطر سرًا يقطع وإن اختلس لم يقطع. فظاهر هذا أنه أوجب القطع في ذلك لأن الطرار هو الذي يأخذ من الجيب والكم. ووجه الأولى: أن العادة جرت أن من أراد أن يحرز ما في كمه قبض على كمه بيده وزر جيبه ولم يرسله فإذا خالف العادة في ذلك لم يكن حرزًا فعلى هذا يكون الجيب والكم حرزًا إذا قبض على كمه وزر جيبه وإن أرسله لم يكن حرزًا. ووجه الثانية: أن جيب الإنسان حرز لما يوضع فيه في العادة، ألا ترى أن من فعل هذا لا يقال: ضيع ماله ولا فرط فيه بل يقال: حفظ واحتاط فيه وكذلك إذا جعل في كمه فيجب أن يكون حرزًا. توقف القطع في السرقة على مدع للمسروق: ٣٧ - مسألة: إذا ثبت القطع في السرقة بالبينة أو بالإقرار هل يفتقر في إقامته إلى مدع يدعي العين المسروقة؟ قال الخرقي: لا يقطع حتى يدعيها مدع. قال أبو بكر في كتاب الخلاف يقطع ولا يحتاج فيه إلى مطالبة. وجه ما قاله الخرقي وهو أصح أن النبي ﷺ لم يقطع عمر بن سمرة حين أقر أنه سرق جملًا لآل أبي فلان حتى بعث إليهم فقالوا: فقدنا جملًا لنا وطالبوا بذلك فقطعه (١). ولو جاز قطعه قبل المطالبة لم يبعث إليهم ولأنه يحتمل أن يكون المالك أباح هذه العين لمن أخفرها أو وقفها عليه وهو لا يعلم أو كانت ملكًا للسارق عند الغائب ولا يعلم به البينة فاسقطنا القطع عنه للاحتمال والشبهة.

стр. 744

ووجه ما قاله أبو بكر أن القطع حق الله تعالى فلا يفتقر في إقامته إلى مطالبة آدمي كالزنا وشرب الخمر وعكسه حد القذف لما كان حقًّا لآدمي افتقر إلى مطالبة ولأن أحمد قد قال في العبد إذا أقر على نفسه بالسرقة بمال في يده لزيد فأنكر السيد ذلك فادعى أن المال الذي في يده ملك له أنه يقطع ويكون المال للسيد فلو كان إقامة الحد يفتقر إلى مطالبة بالعين المسروقة وجب أن لا يقام عليه الحد هاهنا لأنه لا مطالب بالسرقة. القتل والصلب بالقتل وأخذ المال: ٣٨ - مسألة: إذا قتل وأخذ المال هل يقطع يده مع القتل أم يقتل ويصلب؟ نقل عبد الله: يقتل ويصلب ولا تقطع يده. ونقل حرب: تقطع ويقتل. وجه الأولى: - وهي الصحيحة - قوله تعالى أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف (١). قال ابن عباس: أن يصلبوا أن قتلوا وأخذوا المال فقد فسر الآية بذلك فمن زاد على هذا فقد ترك الآية. ولأن الله تعالى أوجب الصلب ولا يخلو إما أن يجب الصلب بالقتل أو بأخذ المال أو بهما فبطل أن يكون وجوبه بالقتل لأنه خلاف الإجماع وبطل أيضًا أن يكون وجوبه بأخذ المال لأنه خلاف الإجماع أيضًا، ثبت أن يكون الصلب بالقتل وأخذ المال معًا وإذا ثبت وجوبه لم يجز تركه إلى القطع. ووجه الثانية: أنه لو انفرد بأخذ المال قطع ولو انفرد بالقتل قتل فإذا جمع بينهما وجب أن يستوفى منه كما لو زنا وسرق فإنه يستوفى منه الحدان معًا كذلك هاهنا.

стр. 745

الأواني التي يكره الانتباذ بها: ٣٩ - مسألة: هل يكره الانتباذ في الأوعية غير الأدم. فنقل بكر بن محمد وصالح وابن منصور يكره في الظروف المزفتة والنقير والحنتم والدبا فهذه نهي عنها ونهي أن ينتبذ في المزادة المحبوبة والسقاء المقطوع العنق حتى يكون عنقه منه، ظاهر هذا كراهية ذلك. ونقل حنبل: قد أذن النبي ﷺ أن ينتبذ في الظروف بعد ما كان نهى (١) ولا بأس أن ينتبذ في الأوعية كلها إذا لم يكن مسكرًا والسقاء أحب إليّ لأنه لا اختلاف فيه ولم يجئ فيه نهي، فطاهر هذا أن ذلك غير مكروه. وجه الأولى: ما روى عن النبي ﷺ أنه نهى عن الدبا والحنتم والنقير والمزفت وقال: انتبذوا في الأدم فإنها توكا وتغلق (٢) فنهى عن هذه الأوعية. فالدبا من القرع متى قطع رأسها بقيت كالجود ينتبذ فيها، والحنتم الجرة الصغيرة والنقير خشبة تنقر وتخرط كالبرنية والمزفت ما قير بالزفت كل هذا نهى عنه لأجل الظروف وأنها يكون في الأرض فتسارع إليه الشدة كما كره أن ينتبذ الخليطين لأنه يسارع إليه الشدة. ووجه الثانية: أن النهي عن ذلك ورد ثم نسخه ما روى محارب بن دثار عن

стр. 746

يزيد عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "نهيتكم عن ثلاث وأنا آمركم بهن نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن زيارتها تذكركم الآخرة ونهيتكم عن الأشربة أن تشربوا إلا في الظروف الأدم فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكرًا ونهيتكم عن لحوم الأضاحي أن تأكلوها بعد ثلاث فكلوا واستمتعوا (١) "، فالنبي ﵇ نهى عن التنبيذ في هذه الأوعية ثم أذن فيه فدل على جوازه. حد شرب الخمر: ٤٠ - مسألة: اختلفت الرواية في حد شرب الخمر على روايتين: نقلها حنبل: إحداهما: أنه ثمانون وهي اختيار الخرقي. والثانية: أنه أربعون وهي اختيار أبي بكر. وجه الأولى: ما روى بقية بن وهب عن محمد بن علي عن أبيه أن النبي ﷺ جلد شارب الخمر بجريدتين نحو أربعين (٢). وإذا كان أربعين بجريدتين ضعفين ثبت أنه ثمانون ولأن الأربعين حد

стр. 747

العبد وهو حد القذف فلم يكن حد الحر، كالخمسين، لما كان حد العبد في حد الزنا لم يكن حدا للحر. ووجه الثانية: ما روى حصين بن المنذر أبو ساسان الرقاشي قال شهدت عثمان بن عفان وقد أتى بالوليد بن عقبة فشهد عليه حمران ورجل آخر شهد أحدهما أنه شربها وشهد الآخر أنه تقيأها. فقال عثمان: ما تقيأها حتى شربها، فقال لعلي: أقم عليه الحد، فقال علي للحسن: أقم عليه الحد، فقال الحسن: يتولى حارها من يتولى قارها. فقال علي لعبد الله بن جعفر أقك عليه الحد، فجلده عبد الله بن جعفر وعلي يعد، فلما بلغ أربعين قال: حسبك، جلد رسول الله ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكلاهما سنة، وهذا أحب إلى (١)، يعني الأربعين، فقد أخبر أن النبي ﷺ اقتصر على الأربعين. ولأن الحدود تترتب باختلاف الإجرام فحد الزنا يغلظ لأنه هتك بالزنا حرمتين حرمته وحرمتها، وربما أفسد النسب، وحد القذف أدون لأنه هتك به حرمة آدمي فكان ثمانين وحد الخمر هتك حرمة واحدة في حق الله تعالى وحدة فكان أخف من غيره فكان أربعين. ضمان من مات بسبب الزيادة على الحد: ٤١ - مسألة: إذا جلد الإمام زيادة على الحد إما في حد الشرب أو غيره من الحدود فمات فهو مضمون وهل يجب كمال الدية أم نصفها؟ قال أبو بكر في كتاب الخلاف على قولين أحدهما يجب كمال الدية فهو قياس المذهب فإن أحمد قد نص في الإجارات إذا جاوز بالدابة الموضع المستأجر إليه أو زاد على حملها فتلفت فعليه كمال القيمة.

стр. 748

والثاني: عليه نصف الدية لأنه مات من فعل مضمون وغير مضمون فلم تجب فيه كمال الدية كما لو جرح نفسه وجرح غيره أو جرح وهو مرتد فأسلم ثم جرح وهو مسلم فإنه لا تجب كمال الدية، كذلك هاهنا. وإذا قلنا: تجب كمال الدية لأن الفعل المحظور إذا انضاف إلى فعل مباح تعلق الضمان بالمحظور ولم يقابل المباح شيء من ذلك كما قلنا في رجل ألقى حجرًا في سفينة فيها متاع كثير فغرقت السفينة بالقائه الحجر ومثله لا يغرق السفينة به فإنه لا خلاف أن الضمان يجب على ملقي الحجر ولا يقال: إن الضمان يتقسط فسقط بقدر ما قابل المتاع. كذلك هاهنا. خطأ الإمام: ٤٢ - مسألة: في خطأ الإمام هل يكون في بيت المال أم على عاقلته؟ مثل أن يكون الجلد ثمانين فيخطئ فيجلد أحدًا وثمانين فيموت المحدود أو تكون الزانية حاملًا فيجلدها أو يرجمها فيموت ما في بطنها وهو لا يعلم أو يذكر امرأة عنده بسوء فينفد إليها فتسقط ذا بطنها فزعًا منه فتخرج الجنين ميتًا أو يحكم في القتل بشهادة فاسقين أو كافرين أو عبدين أو يحكم باجتهاده ثم تبين أنه خالف النص. (نص) عليه في رواية ابن منصور: إذا أخطأ الإمام في قتل أو جرح فعلى بيت المال، واحتج بحديث علي ﵁ في حد الخمر (١). ونقل أبو النضر فيمن شهد عليه أنه زنا فلم يسأل القاضي عن إحصانه حتى رجمه فالدية في بيت المال. والرواية الثانية: يكون على عاقلته، نقلها ابن منصور في موضع آخر. واحتج بقصة عمر ﵁ التي أنفذ إليها فأجهضت ذا بطنها (٢)

стр. 749

ونقلها أبو طالب: إذا أنفذ الإمام إلى امرأة فأسقطت فالدية على عاقلته وقد ذكر حديث عمر (١). وجه الرواية الأولى: وهو اختيار الخرقي ﵀ أن الإمام وكيل المسلمين وما كان من خطأ الوكيل كان في حق موكله، ولأنه إذا كان عمدًا فالضمان في مال القاتل، وإن كان قد أخطأ تحولت الدية عنه إلى عاقلته حفظًا للمال واحتياطًا للدماء لأنا لو أو جبناها في ماله ذهب ماله فمتى أخطأ سقطت الدية فإذا كانت على العاقلة لم يذهب أموالهم ولم تهدر الدماء، فإذا كان لهذا المعنى في غير الإمام وجب أن يكون في حق الإمام في بيت المال لأن خطأه يكثر فإنه يقيم الحدود ويضرب في التعزير، فلو أو جبناها على عاقلته أفضى إلى الإجحاف بأموالهم وهدر الدماء، فلهذا كان في بيت المال. ووجه الثانية: ما احتج به أحمد ﵀ من إجماع الصحابة روي أن امرأة ذكرت عند عمر بسوء فأرسل إليها فأجهضت ذا بطنها فاستشار الناس في ذلك فقال له عبد الرحمن بن عوف لا شيء عليك فقال لعلي ما تقول. فقال: أن اجتهدوا فقد أخطأوا، وإن علموا فقد غشوك، عليك الدية. فقال له عمر: عزمت عليك لا تقوم حتى تقسمها على قومك يعني على قومي (٢) فأضافهم إليه تألفا. ثبت أن خطأ الإمام على عاقلته وروى عن علي خلاف هذا (٣). روي أن عليًا قال له في حد الخمر: إذا تلف المحدود منه كان في بيت المال (٤) ولأنها دية خطأ ثبت بالبينة فوجب أن تكون على عاقلته، أصله غير الإمام، وفيه احتراز من العمد والاعتراف.

стр. 750

مقدار التعزير: ٤٣ - مسألة: في مقدار التعزير. فنقل عبد الله وأبو الحارث وأبو طالب وابن منصور فيمن وجد مع امرأته رجلًا فقال علي - كرم الله وجهه - يجلد مائة (١). قال أحمد وعلي: مذهبنا لا يجلد مائة إلا في الحد وعليه التعزير. وكل من يكن عليه حد قائم بعينه فعليه تعزير، والتعزير عشر جلدات حديث أبي بردة (٢). فظاهر هذا أن قدر التعزير عشر جلدات في سائر الأشياء فيما كان موجبه معصية بفرج وبغير فرج. ونقل أبو طالب وأبو الحارث والميموني في رجل يطأ جارية بينه وبين شريكه: يجلد مائة، إلا سوطًا كذا قال سعيد بن المسيب وذهب إلى حديث عمر (٣). فظاهر هذا أنه كان موجب التعزير معصيته بالفرج أنه يزيد على عشر جلدات ما لم يبلغ به الحد في ذلك الجنس. وقال في رواية الأثرم: إذا وطئ جارية امرأة وقد أحلتها له جلد مائة، فظاهر هذا أنه يبلغ به أعلى الحدود في ذلك الجنس.

стр. 751

وقال الخرقي ولا يبلغ (١) بالتعزير أدنى (٢) الحدود فظاهر هذا أنه يزيد على عشر جلدات ما لم يبلغ أدنى الحدود وهو أربعون. وقد أومأ إليه أحمد في رواية صالح فقال حدثنى أبي حدثنا وكيع: حدثنا سفيان عن عطاء بن أبي مروان أن عليًا ضرب النجاشي ثمانين ثم أخرجه من الغد فضربه عشرين وقال هذا لتجرئك على الله وإفطارك في رمضان (٣). قال أبي: اذهب إليه فقد أخذ أحمد بحديث علي ﵇ في التعزير. (وجه) الأولى في أنه يتقدر أكثره بعشر جلدات لا يزاد عليها ما روى أبو بردة بن نيار أن النبي ﷺ قال: لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله (٤) - وهذا نص. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "من بلغ بحد في غير حد فهو من المعتدين" (٥). ولأن العقوبات في الأصول تختلف باختلاف الاجرام ووجدنا أن جرم الواطئ دون الفرج أقل من جرم الواطئ في الفرج كذلك

стр. 752

المفتري في السب أقل من جرم المفتري بالقذف فيجب أن لا يبلغ عقوبة الأخف عقوبة الأغلظ. ووجه الثانية: ما روى النعمان بن بشير عن النبي ﷺ في الذي يأتي جارية امرأته قال: إن كان أحلتها له جلد مائة جلدة وإن لم يكن أحلتها رجم (١) فأسقط الحد عنه وأوجب التعزير مائة. وروي أن معن بن زائدة زوّر على عمر كتابًا فجلده مائة فشفع إليه في أمره فجلده مائتين (٢) وقد روى عنه خلاف هذا روي أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: لا تبلغ بالتعزير أدنى الحد (٣). وروى هشام بن عروة عن أبيه أن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب جاء إلى عمر بأمة كانت لحاطب وقد أصابت فاحشة وقد أحصنت فدعاها فسألها فقالت: نعم مرعوش بنت همين فقال عمر لعلي وعثمان وعبد الرحمن وهم جلوس عنده: أشيروا علي فقال علي وعبد الرحمن ترجم فقال لعثمان أشر فقال: قد أشارا عليك فقال له: عزمت عليك فقال عثمان: اني لا أرى الحد إلا على من علم وأراها تستهل به كأنها لا ترى به بأسًا فقال عمر: صدقت والذي نفسي بيده ما الحد إلا على من علم فضربها مائة وغربها عامًا (٤). وروى ابن أبي ليلى قال: وجد رجل مع امرأة في لحافها على فراشها فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب فضربه أربعين (٥).

стр. 753

وروى عطاء بن أبي مروان أن عليًا أتى بالنجاشي وقد شرب الخمر فجلده ثمانين وعشرين لإفطاره في رمضان (١) فقال النجاشي: إذا سقا الله قومًا صوب غلائه … فلا سقا الله أهل الكوفة المطرا ضربوني ثم قالوا قدر … قدر الله لهم شر القدر وروي عن علي أنه أصاب رجلًا مع امرأة في لحاف واحد فضربها مائة (٢). القصاص على قاتل من وجده يزني بامرأته: ٤٤ - مسألة: إذا وجد مع امرأته رجلًا ينال منها ما امرأته رجلًا ينال منها ما يوجب الحد على الزاني وكان الزاني ثيبًا، فقتله وادعى ذلك لم يقبل قوله في إسقاط القود في الظاهر وهو ساقط عنه فيما بينه وبين الله تعالى لما روى أبو هريرة أن سعدا قال: يا رسول الله أرأيت أن وجدت مع امرأتي رجلًا أمهله حتى آتى بأربعة شهداء، فقال رسول الله ﷺ : نعم (٣) فثبت أنه إن لم يأت بأربعة شهداء فعليه الضمان فإن أقام البينة فهل يجزئ في ذلك شاهدان أم أربعة؟. نقل ابن منصور عنه في رجل وجد مع امرأته رجلًا فقتله فقال: إذا جاء بشهود أنه وجده مع امرأته في بيته هدر دمه وإن كان شاهدين فظاهر هذا أنه يجزئ في ذلك شاهدان. ونقل أبو طالب فيمن وجد مع امرأته رجلًا فقتله: يقيم البينة أربعة لأنه قذفها فإن شهد أربعة رجمت وإن شهد اثنان جلدوا فظاهر هذا أنه لا يجزئ في ذلك أقل من أربعة يثبتون الزنا، فإن شهد اثنان لم يسقط القود عنه لأنه

стр. 754

مدعي أنه قتله بسبب يستحق القتل وهو الزنا فيجب أن يثبت السبب الذي يسقط به القود عنه وذلك لا يثبت بأقل من أربعة. ووجه من قال: يجوز في ذلك شاهدان فوجهه أنه لا يمتنع أن يقصد تثبيت الزنا بمعنى يرجع إلى حقه وإن كان ذلك الشيء مما لا يثبت به الزنا، ألا ترى أن الزوج إذا قذف زوجته ولاعنها فإنه يقصد باللعان إثبات الزنا عليها والزنا لا يثبت بذلك عليها على أصلنا ولكن يسقط عنه حد القذف، لأنه معنى يرجع إلى حقه كذلك هاهنا لا يمتنع أن يثبت الزنا بشاهدين المعنى يرجع إلى إسقاط القود وإن لم يثبت به الزنا لأن القتل لما جاز أن يثبت بشاهدين جاز ان يسقط بشاهدين ولأن الشهادة تضمنت حقا لآدمي فقط وهو إسقاط القود عنه وذلك أنه إن ثبت زناها سقط القود عنه وهو حق كان استيفاؤه للورثة ولو ثبت القود فهو حق لهم وحقوق الآدميين ثبتت بشاهدين ولأنه لما قال: فقتله لأنه زنا فقد وصل الإقرار بمعنى لا يؤدي إلى التناقض فكان يجب أن لا يلزمه إقامة البينة على ذلك لأنه وصل الإقرار بما يسقطه وهو أنه قتله بحق فهو كما لو قال: كان له فقضيتها لا يلزمه شيء لكن كلفناه البينة هاهنا احتياطًا للدماء فيجب أن يجزى في ذلك شاهدان.

стр. 755

جنايات البهائم ونحوها (١) ضمان سائق الدابة لجناية يدها أو رجلها: ٤٥ - مسألة: إذا جنت الدابة برجلها أو بيدها وصاحبها يسوقها فهل يضمن بتلك الجناية أم لا؟. فالمنصوص عنه في رواية أبي طالب: الضمان لأنه قال: والذي يسوقها فما أصابت برجلها أو بيدها فهو ضامن لما أصابت. وقال الخرقي: وما جنت الدابة بيدها ضمن راكبها وإن جنت برجلها لم يضمن وكذلك إذا ساقها أو قادها فجعل حكم الراكب والقائد في نفس الضمان (كحكم السائق). ووجه قوله: أنها جناية برجلها فلم يضمنها دليله لو كان راكبًا أو قائدًا ووجه ما نقله أبو طالب وهو أصح أنه إذا كان سائقًا أمكنه الحفظ منها لأنه يشاهد ذلك فهو الكراكب يضمن جناية يدها لأنه يمكنه التحفظ منها ويفارق هذا الراكب والقائد أنه لا يضمن جناية الرجل لأنه لا يمكنه التحفظ منها لعدم المشاهدة فلهذا لم يضمنها. ضمان جناية الدابة الموقوفة في الطريق: ٤٦ - مسألة: إذا وقف دابة في طريق المسلمين فنفخت بيدها أو برجلها أو كدمت بفمها هل يضمن صاحبها إذا لم يكن يده عليها؟.

стр. 756

فنقل أحمد بن سعيد: إذا وقف على نحو ما يقف الناس أو في موضع يجوز أن يقف في مثله فنفخت بيدها أو برجلها فلا شيء عليه فإذا كانت مشدودة في قطار فيه عدة أبعرة فضربت إحداها برجلها وليس عليها إنسان فلا شيء عليه إنما ذلك إذا كان راكبًا عليها فظاهر هذا أنه لا ضمان عليه إذا كان واقفًا لحاجة وكان الطريق واسعًا. ونقل أبو الحارث: إذا أقام دابته في الطريق فهو ضامن لما جنت ليس له في الطريق حق. وكذلك نقل أبو طالب: إذا شد فرسه في الطريق فعض رجلًا يضمن. فظاهر هذا ان عليه الضمان. وجه الأولى: أن وقوفه في الطريق الواسع يجري مجرى جلوسه في الطريق الواسع ثم ثبت أنه لو جلس في الطريق الواسع فعثر به إنسان فمات العاثر فلا ضمان على الجالس كذلك هاهنا. ووجه الثانية: أن الدابة من طبعها أنها ترفس برجلها من قرب منها وتجني عليه فإذا أوقفها في الطريق حصل متعديًا بذلك فكان عليه الضمان كما لو شد سبعًا في الطريق فافترس إنسانًا فعليه الضمان كذلك هاهنا. ويفارق هذا جلوسه في الطريق أنه ليس من طبعه الجناية على من قرب منه فلهذا لم يضمن. فإن ألقى في الطريق حجرًا أو نصب سكينًا فعثر به إنسان فمات ضمن سواء كان الطريق واسعًا أو ضيقًا لأن الحجر والسكين قل ما عثر به إنسان إلا عقره وجرحه فحصل متعديًا بذلك. ويفارق الدابة على رواية أحمد بن سعيد أنه لا يضمن لأنها قد يجني فخرج من هذا أنه إذا جلس في طريق واسع فعثر به إنسان فمات العاثر لا يضمن رواية واحدة، فإن ألقى حجرًا أو سكينًا فعثر بها إنسان ضمن، رواية واحدة، فإن شد دابة فجنت، فعلى روايتين.

стр. 757

كتاب السير ويشمل على الموضوعات التالية: الأول: الغزو عن غير إذن الإمام. الثاني: الغنيمة. الثالث: الأمان. الرابع: الغلول. الخامس: أموال المسلمين التي يظهر عليها المشركون ثم تسترد منهم. السادس: فتح مكة. السابع: السبي. الثامن: الأراضي المغنومة. التاسع: الجزية. العاشر: معابد أهل الكتاب. الحادي عشر: أحكام أهل الذمة.

стр. 758

الغزو بغير إذن الإمام: ١ - مسألة: ويكره لطائفة قليلة أن تغزو بغير إذن الإمام لأنه أعرف بالطرقات وأوقات الحرب، ومكان الحرب، وخلاف غيره لاهتمامه بذلك فإن كان بإذنه أرشدهم وهداهم إلى ما هو أصوب فإذا تركوا الأصوب كره لهم ولأنه إذا كان بإذنه كان ردءًا لهم وعلى خبرتهم حتى إذا احتاجوا إلى مدد بادر به إليهم وإذا لم يكن بإذنه لم يعلم بهم فربما نالهم ما لا طاقة لهم به فهلكوا فإن خالفوا وخرجوا فهل يحرم عليهم تلك الغنيمة أم لا؟. نقل محمد بن يحيى الكحال: من غزا بغير إذن الإمام لم يكن له في الغنيمة حق. فظاهر هذا أنه أحرمه الغنيمة. ونقل يعقوب بن بختان في رجل غزا وحده وغنم يؤخذ منه الخمس وما بقي فهو له. ونقل مهنا فيمن دخل أرض العدو وحده غنم غنيمة قال: ليس عليه فيها خمس فظاهر هذا أنه لا يحرم عليه. إلا أن يعقوب نقل أنه يخمس ومهنا نقل أن جميعه له. وجه الأولى: أنا قد ذكرنا ما في ذلك من الغرر بهم والخطر فجاز أن يحرموا هذه الغنيمة ليكون منعا لهم عن مثل ذلك كما حرم القاتل الميراث. ووجه الثانية: أن أكثر ما فيه التغرير بالنفس فيها فيه لقاء العدو، وهذا لا يحرم، بدليل ما روي عن النبي ﷺ أن رجلًا قال: يا رسول الله، أرأيت لو

стр. 759

انغمست في المشركين فقتلت صابرًا محتسبًا فلي الجنة قال نعم فانغمس (١) وبعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري ورجلًا آخر إلى مكة ليقتلا أبا سفيان فغدر بهما فانصرفا (٢) وبعث عبد الله بن أنيس إلى رجل فقتله (٣) وقال: من لكعب بن الأشرف فقد أذى الله ورسوله قال محمد بن مسلمة: أنا، فمضى فقتله (٤). وبعث جماعة إلى أبي الحقيق اليهودي إلى خيبر فقتلوه (٥). وكل هذا تغرير وقد أجازه. فإذا قلنا: إنهم لا يحرمون تلك الغنيمة فهل تكون مخموسة أم يكون جميعها لمن غنمها؟ على روايتين:

стр. 760

نقل يعقوب بن بختان فيمن غزا وحده: يخمس وله ما بقي. ونقل مهنى: ليس عليه فيها خمس. وجه الأولى: وهو عموم قوله تعالى: "واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن الله خمسة وللرسول ولذى القربى" (١). وهذه غنيمة ولأنه مال استحق بالقهر فوجب أن يخمس دليله لو كان بإذن الإمام وطائفة لها منعه ولا يدخل عليه السلب لأنه استحق بالقتل لا بالقهر بدليل أنه لو سلبه قهرًا ولم يقتله لم يستحق السلب. ووجه الثانية: أن ما أخذ من دار الحرب على طريق التلصص ولم يقصد به إعزاز الدين وغلبه المشركين فهو له كما لو أخذ بهبة أو شرب ويفارق هذا إذا كان بإذن الإمام فطائفة لها منعة إن ذلك يقصد به اعزاز الدين وغلبة المشركين. رد الطعام إلى المغنم: ٢ - مسألة: إذا دخل جيش المسلمين إلى دار الحرب فأصابوا طعامًا كان لهم أكله فإن خرج إلى دار الإسلام ومعه بقية من ذلك الطعام فهل عليه رده إلى المغنم إذا كان يسيرًا أم لا؟ على روايتين: نقل ابن إبراهيم يحل له أكله ما لم يبلغ المأمن فإذا بلغ المأمن طرحه في المقسم فظاهر هذا أن عليه رده. ونقل أبو طالب في الطبخة والطبختين من اللحم والعليق والعليقتين من الشعير يدخله طرسوس: لا بأس به إذا كان قليلًا. فظاهر هذا أنه لا يلزمه رده ولا يختلف الرواية أنه إذا كان كثيرًا لزمه رده. وجه الأولى: وهو اختيار أبي بكر الخلال أنه إنما كان أحق به في دار الحرب لموضع الحاجة الداعية إليه والضرورة الموجبة لذلك وقد زال هذا بدخوله دار الإسلام فوجب أن يرد في المغانم.

стр. 761

ووجه الثانية: أنه كل مال كان به في دار الحرب كذلك في دار الإسلام دليله السلب. استعمال السلاح أو الفرس من الغنيمة في القتال: ٣ - مسألة: إذا كان به حاجة إلى القتال بشيء من سلاح الغنيمة جاز له أن يأخذ ويقاتل فإذا فرغ رده إلى المقسم وهل يجوز له أن يجاهد على فرس من خيل الفيء عند الحاجة إليها؟ ففيه روايتان: نقل الأثرم وإبراهيم بن الحارث في الرجل يأخذ الفرس في الغزو فيقاتل عليها العدو فقال: إذا كان عند الضرورة ويخاف على نفسه فلا بأس ولا يركبه في غير ذلك. فظاهر هذا جواز ذلك. ونقل المروذي عنه: لا يأخذ الدابة من المغنم ليقاتل عليها إذا نفق فرسه ولكن إن أخذ السيف فلا بأس وكذلك كل شيء من السلاح. ووجه الأولى: أن الفرس جنة للقتال كما أن السلاح جنة للقتال ثم قد جاز له أخذ السلاح كذلك الفرس. ووجه الثانية: أن الفرس في الغالب أنه يعطب بالقتال عليه ففي أخذه تغرير به. ويفارق هذا السلاح لأن الغالب منه السلامة وليس في أخذه تغرير به فلهذا فرقنا بينها. استرقاق العرب من أهل الكتاب: ٤ - مسألة: هل يجوز استرقاق مشركي العرب من أهل الكتاب أم لا؟ نقل بكر بن محمد عن أبيه عنه وقد سئل عن قول عمر ليس على عربي ملك (١)، قال: لا أذهب إلى هذا قد سبى النبي ﷺ العرب في غير

стр. 762

حديث (١)، وأبو بكر سبى بني ناجية حين ارتدوا، (٢)، فظاهر هذا جواز استرقاقهم. ونقل ابن منصور أنه سئل عن قول عمر في العربي يتزوج الأمة فولدت لا يسترقون يفديهم. (٣). قال: لا أقول في العرب شيئًا فقد اختلفوا فيه. فقد توقف عن ذلك فيحتمل الجواز. قال شيخنا أبو عبد الله: في ذلك روايتان: إحداهما: جواز استرقاقهم لأنه مقيم على الكفر الأصلي فإذا كان من أهل الكتاب جاز استرقاقهم كالعجمي. ووجه الثانية: ما روي عن عمر أنه قال: لا يجري على عربي ملك (٤). فأما من لا كتاب له من العرب والعجم جميعًا ممن يعبد الأصنام والشمس والقمر ونحو ذلك فهل يجوز استرقاقهم أم لا؟ فقال أبو القاسم والخرقي في مختصره: إنما يكون له استرقاقهم إذا كانوا من أهل الكتاب أو مجوسًا فأما ما سوى هؤلاء من العدو فلا يقبل من بالغي رجالهم إلا الإسلام أو السيف أو الفداء. فقد صرح أنه لا يجوز استرقاقهم وقد أطلق القول في رواية بكر بن محمد فقال: قد سبى النبي ﷺ العرب (٥) وأبو

стр. 763

بكر سبى بني ناجية (١)، فالوجه في أنهم لا يسترقون أنه نوع كفر لا يقر عليه بالجزية فلم يجز استرقاقه كالردة. ولأنه ضرب من الصفار يقتضي البقاء على الكفر فلم يثبت في حق من لا كتاب له ولا شبهة كتاب كالجزية. ووجه من أجاز، قال: كافر مقيم على الكفر الأصلي فجاز استرقاقه كأهل الكتاب وكل من جاز استرقاق نسائه جاز استرقاق رجاله دليله أهل الكتاب. أمان الصبي المميز: ٥ - مسألة: في الصبي إذا كان يعقل ويميز هل يصح أمانة أم لا؟ نقل الميموني عنه: أمان الصبي جائز، فظاهر هذا جوازه. ونقل حنبل وابن منصور عنه: الصبي لا يعقل. فظاهر هذا أنه لا يصح أمانة. قال شيخنا أبو عبد الله: المسألة على روايتين: وقال أبو بكر الخلال: إن كان ابن سبع سنين وعقل التخيير بين أبويه فأمانه جائز، وإن كان دون ذلك فليس له أمان، فكأنه حمل المسألة على اختلاف حالين فالموضع الذي قال: لا يصح أمانه إذا لم يكن مميزًا والموضع الذي قال: يصح أمانه إذا كان مميزًا. وجه الأولى: أنه يعقل الأمان فجاز أمانه كالبالغ ولأنها حالة فيها إسلامه فصح أمانه دليله حال البلوغ. ووجه الثانية: قوله ﵇ رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم (٢) ولأنه غير مكلف فلم يصح أمانه كالمجنون والطفل. التباس من أعطى الأمان بغيره: ٧ - مسألة: إذا نزل الإمام بحصن فأعطى رجلًا الحصن أمانا ليفتح الحصن

стр. 764

فلما فتحه ادعى كل واحد منهم أن الأمان له وأشكل عليه عينه لم يجز قتل واحد منهم لأن هذه شبهة لأن كل واحد منهم يحتمل أن يكون ما يدعيه حقًّا. وكذا يجري في رجل أبيح دمه بالردة أو غيرها فاختلط برجال ولم يعرف عينه فإن القتل يسقط عن جميعهم، فإذا لم يقتل واحد فهل يخرج واحد منهم بالقرعة ويسترق بقيتهم. قال أبو بكر: من أصحابنا من قال: يقرع بينهم فيميز الحر منهم وهو صاحب الأمان من غيره ويسترق من لم يقع عليه القرعة كما لو أعتق عبدًا من عبيده لا يعينه فإنه يميز من جماعتهم بالقرعة كذلك هاهنا. قال: وظاهر كلام أحمد أنه لا يسترق واحد منهم، لأنه قال في رواية أبي طالب وأبي داود وإسحاق بن إبراهيم في قوم في حصن: استأمن عشرة وترك عشرة. فيقولون لنا الأمان: فيؤمنون كلهم ولا يقتل واحد منهم بل هم على أصل الجزية، فلا معنى لاستعمال القرعة في ذلك. ادعاء الأسير للأمان: ٧ - مسألة: في رجل من المسلمين جاء معه بأسير من الكفار وادعى الكافر أنه أمنه وأنكر المسلم هل يكون القول قول الأسير أم قول المسلم؟. على ثلاث روايات: نقل المروذي عنه في رجل جاء بأسير فقال: استرقوه فقال العلج: قد أعطاني الأمان: فله الأمان، فظاهر هذا القول قول الأسير لأنه يحتمل صدقه ويحتمل كذبه فكان شبهة في ذلك فلهذا قبل قوله. ونقل محمد بن يحيى الكحال ويعقوب بن بختان في الأسير يخرج من بلاد الروم ومعه علج فقال العلج: إنما خرجت به، وقال الأسير: إنما خرجت به ففي رواية الكحال الأولى أن يقبل قول المسلم، وفي رواية يعقوب إذا كان الرجل صالحًا لم يقبل قول العلج، فظاهر هذا القول قول المسلم، لأنه وإن كان يحتمل ما قاله الأسير فالأصل الإباحة لدمه ورقه فلا يسقط بالشك. ونقل بكر بن محمد عن أبيه عنه إذا لم يكن ثم دلالة تدل على ما قال

стр. 765

الرومي فالقول قول المسلم، فظاهر هذا ان كان ظاهر الحال يدل على صدق الأسير وهو أن يكون به قوة ومعه سلاح وبه جلد فالقول قوله لأن الظاهر يحتمل ما قاله. وإلا لم (١) يقدر عليه ويطاوعه إلى الأسر إلا بأمان، وإن كان بخلاف ذلك بأن يكون (٢) بلا سلاح فالقول قول المسلم لأن الظاهر أنه أخذه قهرًا. قال أبو بكر: وبما روى المروذي أقول، لأنه شرف للمسلمين ويمنع من رجوعه إلى دار الحرب إذا كان يخشى منه لشدة بأسه، قال ولو قال قائل: ويفدي نفسه لكان جائزًا على مذهبه. عقوبة الغال من الغنيمة: ٨ - مسألة: إذا غل من الغنيمة فهل يحرم السهم أم لا؟ نقل الأثرم وإبراهيم بن الحارث قد قالوا: يحرم سهمه من الغنيمة ويضرب. فظاهر هذا أنه لم ينكر ذلك. ونقل ابن منصور عنه يحرق رحله قيل له فيحرم نصيبه من المغنم؟ فلم يعرفه، فظاهر هذا أنه لم يأخذ ذلك. وجه الأولى: أنه سرق من مال له فيه شبهة فلم يحرم حقه منه دليله لو سرق من مال من له عليه دين وكأحد الورثة إذا سرق من التركة وأحد الشريكين إذا سرق من مال الشركة ولأن النبي ﷺ قال يحرق رحله (٣). ولم يقل يحرم سهمه فدل على أن جملة ما يعاقب به تحريق الرحل. ووجه الثانية: أنه تعجل حقه قبل وقته فيجب أن يحرمه دليله القاتل

стр. 766

يحرم الميراث لهذه العلة قال أبو بكر وقد روي في بعض الحديث: ويحرم سهمه (١). وإن صح الحديث فالحكم له وإلا فلا يحرم سهمه. أموال المسلمين التي يستولي عليها الكفار ثم تسترد منهم: ٩ - مسألة: إذا ظهر أهل الحرب على المسلمين وسبوا أموالهم وحازوها إلى دار الحرب ملكوها بالقهر والإحازة فإن ظهر عليها المسلمون بعد ذلك فمن وجد عين ماله قبل القسمة فهو له ومن وجده بعد القسمة فهل يكون أحق به بالقيمة أم لا حق له فيه؟ على روايتين: نقل أبو طالب وأحمد بن القاسم وسندي: ما أحرزه العدو من المسلمين وأخذه المسلمون فأدركه صاحب المال قبل أن يقسم فهو أحق به وإذا قسموا فلا شيء له، فظاهر هذا أنه لا حق له فيه بحال لا بالقيمة ولا بعيرها. ونقل إسحاق بن إبراهيم في العبد يأبق والفرس يشرد فيصير في بلاد الروم فيؤخذ: فإنه يصير إلى المولى ما لم يقسم فإذا قسم فهو أحق به بالثمن. فظاهر هذا أن الرجوع فيه بالقيمة. وقد نقل الخرقي الروايتين. وجه الأولى: ما روى سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال من أدرك ماله قبل أن يقسم فهو أحق به وإن أدركه بعد أن قسم فليس له شيء (٢). وهذا يمنع الرجوع بالقيمة وغيرها ولأنه ما زال ملكه عنه فلم يكن أحق به بالثمن كما لو أسلم الكافر وهو معه وفي يده وكما لو زال ملكه عنه ببيع أو هبة فإنه لا يكون أحق به بالثمن. ووجه الثانية: ما روى ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني وجدت بعيرًا لي في المغنم فقال: اذهب فإن وجدته فخذه وإن

стр. 767

وجدته وقد قسم أنت أحق به بالثمن إذا أردت (١). وهذا نص. وأنه لا يمتنع أن يكون مملوكًا لغيره ويكون أحق به، ألا ترى أن الوالد يرجع فيما وهب لولده وإن كان الموهب له قد ملكه وكذلك الشفيع يأخذ الشقص المبيع ولا ذلك يمنع من حصول الملك للمشتري. رد أم الولد إلى سيدها إذا أصابها المسلمون بعد أن استولى عليها الكفار: ١٠ - مسألة: فإن قهروا أم الولد فهل يملكونها بالقهر؟. نقل بكر بن محمد عن أبيه عنه في أم الولد إذا كانت لرجل سباها العدو ثم أصابها المسلمون فقسمت ثم عرفها سيدها: فعلى السيد أن يفديها بالثمن الذي اشتراها به فظاهر هذا أنها قد ملكت عليه لأنه ألزمه القيمة لمن حصلت في يده. ونقل المروذي وعبد الكريم بن الهيثم في أم الولد يظهر عليها العدو ثم يظهر عليها المسلمون ترد إلى مولاها قسمت أو لم تقسم فظاهر هذا أنها لا تملك لأنه حكم بردها ولم يعتبر القيمة. وجه الأولى: أنها تضمن بالقيمة فملكت بالقهر دليله المدبر وعكسه رقبة المسلم لما لم تضمن بالقيمة لم تملك بالقهر. ووجه الثانية: أنها لا تملك بالبيع فلا تملك بالقهر دليله رقاب المسلمين. رد العبد إلى سيده إذا أبق إلى بلاد الكفار ثم ظفر به المسلمون: ١١ - مسألة: فإن أبق العبد ودخل في دار الحرب وأخذه المشركون فهل يملكونه أم لا؟. على روايتين: نقل إسحاق بن إبراهيم في العبد يأبق والفرس يشرد فيصير في بلاد الروم فيؤخذان فقال أحمد: كل هذا يصير إلى المولى ما لم يقسم فإذا قسم فهو أحق به بالثمن فظاهر هذا أنهم ملكوا ذلك.

стр. 768

ونقل الفضل بن زياد في عبد أبق فلحق بالعدو يرد إلى مولاه، وهو ملك لسيده. فظاهر هذا أنهم لم يملكوه، لأنه حكم به لسيده ولم يعتبر قيمة. وجه الأولى: أنه مضمون بالقيمة حصل في يد أهل الحرب في دار الحرب فملكه دليله لو حصل في أيديهم بالقهر والغلبة. ووجه الثانية: أنه إذا أبق وحصل في دار الحرب حصل في يد نفسه بدليل أنه لا يجوز بيعه وإذا لم يجز بيعه لم يملكوه على المسلمين كأم الولد وكرقاب المسلمين. فتح مكة عنوة: - مسألة: اختلفت الرواية في مكة هل فتحت صلحًا أم عنوة؟. فنقل حنبل والميموني: أنه كره أجارة بيوت مكة لأنها فتحت عنوة دخلها النبي ﷺ بالسيف وعمر يقول: لا تمنعوا نازلًا بليل أو نهار (١). فلم يجعل لهم ملكًا دون الناس. فظاهر هذا أنها فتحت عنوة. وقال أبو إسحاق بن شاقلا ومحمد بن إسحاق المقري: قال أحمد بن محمد بن مسلم وسعيد بن محمد الرفا قال: سألت أبا عبد الله عن فتح مكة قال دخلت صلحًا قلت: وأي شيء في ذلك حديث الزهري وهل ترك لنا عقيل من ربع (٢). وقال أبو بكر عبد العزيز: حدثنا أحمد بن محمد بن هارون قال: حدثني حرب قال: سمعت أحمد يقول: أرض العشر هو الرجل يسلم بنفسه من غير قتال وفي يده الأرض فهو عشر مثل المدينة ومكة. قال أبو إسحاق: والمسألة على روايتين: إحداهما: أنها فتحها رسول الله ﷺ صلحًا ومعناه أن النبي ﷺ

стр. 769

عقد لهم أمانًا بشرط في غداة يوم الفتح فوجد الشرط فصاروا به آمنين على دمائهم وأموالهم. والرواية الثانية: فتحها عنوة بالسيف ثم أمنهم بعد حصول الفتح. وجه الأولى: وأنها فتحت عنوة وهي أصح ما روى الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال: لما كان يوم أحد قتل من الأنصار أربعة وستون، ومن المهاجرين ومثل بهم. فقال رسول الله - الله -: لئن كان لنا مثل هذا لنربين عليهم. فلما كان يوم فتح مكة دخلها رسول الله ﷺ عنوة فقال رجل لا يعرف: لا قريش بعد اليوم قال رسول الله ﷺ : الأسود والأبيض آمن إلا مقيس بن صبابة وابن خطل وقينتين (١) فأنزل الله تعالى: "وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين" (٢). فقال النبي ﵇: "نصبر ولا نعاقب". (٣) فمن الخبر: أدلة أحدها قوله: دخلها رسول الله عنوة. والثاني: قول القائل: لا قريش بعد اليوم، والثالث قوله: الأسود والأبيض آمن إلا فلان وفلان، فلو كان صلحًا لدخل مقيس ومن ذكر معه في الصلح، ولم يجز قتلهم، والرابع: قوله: نصبر ولا نعاقب. وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال لأصحابه يوم الفتح: أترون أوباش

стр. 770

قريش احصدوهم حصدًا وأمر إحدى يديه على الأخرى (١) حتى ظنوا أن السيف لا يرفع عنهم يرفع عنهم وأنه بعث خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى والزبير على اليسرى (٢) وإن خالدًا قتل من أسفل مكة سبع عشرة نفسًا حتى انهزموا (٣) فقال قائلهم: إنك لو شهدت يوم الخدمة … إذ فر صفوان وفر عكرمة فلو كان هناك صلح كيف كان يخفى على خالد بن الوليد وعلى صفوان وعكرمة ورؤساء قريش. وروي أنه لما دخل مكة صعد إلى باب الكعبة وأخذ بعضادتي الباب وقال: الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده ثم التفت إلى قريش وهم حواليه، فقال لهم: ما تقولون؟ فقالوا: نقول: أخ كريم وابن أخ كريم قد ملكت فاصنع ما شئت. فقال ﵇: أقول ما قال أخي يوسف ﵇ "لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين أنتم الطلقاء" (٤). فلو كان بينهم صلح لم يقولوا: ملكت فاصنع ما شئت ولم يكن النبي يقول: أنتم الطلقاء لأنهم طلقاء قبل وجود هذا القول فلا يصيرون طلقاء بقوله. ألا ترى أنه لما دخل مكة في عمرة القضاء عن صلح لم يكن أهل مكة طلقاء ولم يقل لهم ذلك وهذا خبر مستفيض لأن الصحابة كانت تسمي الذين أطلقهم رسول الله ذلك اليوم الطلقاء مثل سهيل بن عمرو ومعاوية وكانوا يسمون

стр. 771

أولادهم الطلقاء ولهذا قال عمر ﵁: إن هذا الأمر يعني الخلافة لا يصلح للطلقاء ولا لأبناء الطلقاء (١). ووجه الثانية: ما روى ابن عباس قال: لما نزل رسول الله ﷺ من الظهران قال العباس: قلت: والله لئن دخول رسول الله مكة عنوة قبل أن يستأمنوه أنه لهلاك قريش فجلست على بغلة رسول الله - فقلت لعلي: أجد ذا حاجة فيأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول الله ﷺ ليخرجوا إليه فيستأمنوه فاني لأسير إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء فقلت: يا أبا حنظلة فعرف صوتي فقال أبو الفضل قلت: نعم، قال: مالك فداك أبي وأمي، قلت: هذا رسول الله في الناس قال: فما الحيلة فركب خلفي ورجع صاحبه فلها أصبح غدوت به على رسول الله ﷺ فأسلم قلت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئًا قال: نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن قال: فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد (٢) وفي لفظ آخر أن العباس قال لأبي سفيان: التجئ التجيء إلى قومك فدخل أبو سفيان مكة فصرخ فقال: قد أتاكم محمد بما لا قبل لكم به قالوا: فما الحيلة قال: من دخل داري فهو آمن قالوا ما تغنى دارك قال: ومن أغلق بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن فتفرق الناس إلى بيوتهم وإلى المسجد (٣). فوجه الدلالة أن النبي ﷺ علق لهم الآمان بشرط بمر الظهران على سبعة فراسخ من مكة. ووجد الشرط وهذا يدل على دخولها صلحًا. ومن نصر الرواية الأولى أجاب عن هذا الحديث بأن هذا لا يدل على الصلح لأن هذا ليس بصلح، وأنه أمان معلق بشرط ولم يثبت وجود الشرط

стр. 772

والذي روى أنهم ألقوا السلاح وتفرقوا لم يثبت أنهم فعلوا ذلك قبل دخول النبي ﵇ مكة ويجوز أن يكونوا فعلوا ذلك بعد دخولها قهرًا، يبين صحة هذا ما ذكرنا من حديث أبي ومن حديث ابن عباس وما فعله خالد فلو كانوا قد ألقوا السلاح وقبلوا الأمان قبل دخول النبي ﵇ كيف كان يأمر أصحابه بقتلهم بعد دخولها؟. التفرقة بين السبي: ١٣ - مسألة: هل تجوز التفرقة بين السبي بعد البلوغ أم لا؟ نقل الأثرم وابن القاسم: الصغير والكبير والذكر والأنثى سواء أدركوا أو لم يدركوا. ونقل مهنا عنه: لا يفرق بينهم حتى يبلغوا. وجه الأولى: وهي أظهر في المذهب ما روى أيوب الأنصاري، أن النبي ﵇ قال: "من فرق بين والدة وبين ولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة" (١). وهذا عام فيه قبل البلوغ وبعده، ولأن بينها رحمًا محرمًا فمنع من التفرقة كحالة الصغر ولأن منع التفرقة لأجل الرحم المحرم فاستوى فيه بحالة الصغر والكبر كالعتق بالرحم المحرم ووجوب النفقة. ووجه الثانية: أنه إنما لم يفرق بينهما قبل البلوغ لما يفقده كل واحد منها من صاحبه فإذا بلغ سكنت أنفسهما لفراقه وكان مالك نفسه في الشفقة عليها فهو كما قلنا في حق الحضانة ثابت في حال الصغر لهذا المعنى فيزول بالبلوغ.

стр. 773

إلحاق الطفل المسبى مع أحد أبويه لأحدهما في الدين: ١٤ - مسألة: إذا سبى الطفل أبويه مع أبيه أو أمه هل يتبع السابي أم لا؟. نقل الجماعة منهم صالح والميموني وابن إبراهيم إذا سبى مع أحد أبويه فهو مسلم. فظاهر هذا أنه تابع للسابي في الدين. ونقل ابن منصور عنه: إذا لم يكن مع أبويه فهو مسلم قيل له: فلا يجبر على الإسلام إذا كان مع أبويه أو أحدهما قال نعم فظاهر هذا أنه تابع لأحد أبويه في الدين ولا يتبع السابي. قال أبو بكر: ما رواه الكوسج قول أول والعمل على ما رواه الجماعة أنه مسلم. وجه الأولى: ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه (١) فجعله في الدين تبعًا لهما جميعًا دليله أنه لا يكون تابعًا لأحدهما ولأنه لم يسب مع أبويه فكان على دين سابيه دليله لو سبى منفردًا عنها. ووجه ما نقله ابن منصور أن السابي يجري مجرى دار الإسلام ثم أن لقيطًا وجد في دار الإسلام وعرف أحد أبويه كان على دين أبيه ولم نحكم بإسلامه كما لو وجد معهما كذلك السابي إذا كان معه أحد أبويه يجب أن يكون على دين من سبى من أبويه.

стр. 774

إلحاق المسبى وحده في الدين لسابيه: ١٥ - مسألة: فإن سبى وحده فهل يكون على دين السابي؟. نقل المروذي وابن وإبراهيم ويعقوب بن بختان وأبو داود: أنه تابع للسابي في الدين. ونقل علي بن سعيد في السرية في أرض العدو يأخذون صبيانًا صغارًا قال: قد نهى النبي ﷺ عن قتل الولدان (١) وإن كان معهم غنم يسبونه وإن لم يكن معهم غنم فلا أعلم له وجهًا إلا أن يدفع إلى بعض الحصون من الروم. فظاهر هذا أنه لم يحكم بإسلامه لأنه لو حكم بإسلامه لم يجز إلحاقه بدار الحرب. قال أبو بكر: العمل على ما رواه الجماعة لا يدفع إليهم لأنه مسلم وقد صرح به به في رواية المروذي في الرضيع وليس معهم من يرضعه قال: لا يترك يطعم ويسقى فإن مات مات. وجه ما نقله علي بن سعيد أن سبى من دار الحرب فلم يتبع السابي في الدين دليله لو سبى مع أبويه. ووجه ما نقله الجماعة أن الطفل يعتبر في الدين بغيره لا بنفسه فلما لم يكن هناك من يعتبر دينه به غير السابي اعتبرناه به كما قلنا فيمن وجد لقيطًا في دار الإسلام وأنه في الدين تابع للدار كذلك السابي والسابي يجري مجرى الدار في هذا الحكم.

стр. 775

الحكم بإسلام أولاد الذمي إذا مات عنهم صغارًا: ١٦ - مسألة: إذا مات الذمي عن صغار هل نحكم بإسلامهم أم لا؟ إذا مات الأبوان أو أحدهما هل يحكم بإسلام الطفل أم لا؟ قال أبو بكر في كتاب الشافي: روى سبعة عن أبي عبد الله منهم حنبل: إذا مات أحد أبويه هو مسلم ما لم يبلغ، وخالفهم إسحاق بن منصور فقال: إذا مات أحد أبويه فهو على دين الآخر قال: وبالأول أقول وبه قال أبو بكر الخلال والخرقي ووجهه أن النبي ﷺ قال: "يهودانه وينصرانه ويمجسانه" (١) فجعله في الدين تبعًا لها دليلنا أنه بعد موتها لا يتبعها في الدين ولأن انفراد أحد الأبوين بالكفر يوجب الحكم بإسلام الطفل دليله إسلام أحدهما أو نقل: عدم كفر الأبوين يوجب إسلام الطفل دليله لو أسلما. ووجه الثانية: أنه لم يحكم بإسلامه بنفسه ولا بمن هو تابع له فلم يحكم بإسلامه كما لو لم يموتا ولأن الموت معنى يسقط التكليف فلم يوجب الحكم بالإسلام كالمجنون. توريث أولاد الذمي منه إذا مات عنهم صغارًا فحكم بإسلامهم بموته: ١٧ - فصل: وإذا حكمنا بإسلامه بموت أحدهما فهل يرث من حكمنا بإسلامه بموته؟ نقل أبو طالب في يهودي مات أبواه وهو صغير فهو مسلم ويرثها ونقل محمد بن يحيى الكحال جعفر بن محمد في يهودي مات وله زوجة حامل فأسلمت بعده: فما في بطنها مسلم ولا يرث أباه، فظاهر هذا أنه لا يرث لأن الموت يوجب أن يرث مسلم من كافر وهذا لا يجوز، ومن قال: يرث وهو اختيار الخرقي فوجهه أن الإسلام إذا طرأ بعد الموت لم يمنع الإرث كما إذا كان بالغًا وأسلم عقيب موت أبيه الكافر فإنه يرثه ولأن الإسلام المتعلق بموت مورثه يجب أن لا يمنع من الإرث فيكون بمنزلة الحادث بعده يفصل كما أن الحرية المتعلقة بموت مورثه لا يوجب الإرث ويكون بمنزلة الحرية الحادثة بعده بفصل
следующие страницы →