← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13246

الروايتين والوجهين - المسائل الفقهية منه

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 069 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

أولادهم الطلقاء ولهذا قال عمر ﵁: إن هذا الأمر يعني الخلافة لا يصلح للطلقاء ولا لأبناء الطلقاء (١). ووجه الثانية: ما روى ابن عباس قال: لما نزل رسول الله ﷺ من الظهران قال العباس: قلت: والله لئن دخول رسول الله مكة عنوة قبل أن يستأمنوه أنه لهلاك قريش فجلست على بغلة رسول الله - فقلت لعلي: أجد ذا حاجة فيأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول الله ﷺ ليخرجوا إليه فيستأمنوه فاني لأسير إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء فقلت: يا أبا حنظلة فعرف صوتي فقال أبو الفضل قلت: نعم، قال: مالك فداك أبي وأمي، قلت: هذا رسول الله في الناس قال: فما الحيلة فركب خلفي ورجع صاحبه فلها أصبح غدوت به على رسول الله ﷺ فأسلم قلت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئًا قال: نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن قال: فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد (٢) وفي لفظ آخر أن العباس قال لأبي سفيان: التجئ التجيء إلى قومك فدخل أبو سفيان مكة فصرخ فقال: قد أتاكم محمد بما لا قبل لكم به قالوا: فما الحيلة قال: من دخل داري فهو آمن قالوا ما تغنى دارك قال: ومن أغلق بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن فتفرق الناس إلى بيوتهم وإلى المسجد (٣). فوجه الدلالة أن النبي ﷺ علق لهم الآمان بشرط بمر الظهران على سبعة فراسخ من مكة. ووجد الشرط وهذا يدل على دخولها صلحًا. ومن نصر الرواية الأولى أجاب عن هذا الحديث بأن هذا لا يدل على الصلح لأن هذا ليس بصلح، وأنه أمان معلق بشرط ولم يثبت وجود الشرط

стр. 772

والذي روى أنهم ألقوا السلاح وتفرقوا لم يثبت أنهم فعلوا ذلك قبل دخول النبي ﵇ مكة ويجوز أن يكونوا فعلوا ذلك بعد دخولها قهرًا، يبين صحة هذا ما ذكرنا من حديث أبي ومن حديث ابن عباس وما فعله خالد فلو كانوا قد ألقوا السلاح وقبلوا الأمان قبل دخول النبي ﵇ كيف كان يأمر أصحابه بقتلهم بعد دخولها؟. التفرقة بين السبي: ١٣ - مسألة: هل تجوز التفرقة بين السبي بعد البلوغ أم لا؟ نقل الأثرم وابن القاسم: الصغير والكبير والذكر والأنثى سواء أدركوا أو لم يدركوا. ونقل مهنا عنه: لا يفرق بينهم حتى يبلغوا. وجه الأولى: وهي أظهر في المذهب ما روى أيوب الأنصاري، أن النبي ﵇ قال: "من فرق بين والدة وبين ولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة" (١). وهذا عام فيه قبل البلوغ وبعده، ولأن بينها رحمًا محرمًا فمنع من التفرقة كحالة الصغر ولأن منع التفرقة لأجل الرحم المحرم فاستوى فيه بحالة الصغر والكبر كالعتق بالرحم المحرم ووجوب النفقة. ووجه الثانية: أنه إنما لم يفرق بينهما قبل البلوغ لما يفقده كل واحد منها من صاحبه فإذا بلغ سكنت أنفسهما لفراقه وكان مالك نفسه في الشفقة عليها فهو كما قلنا في حق الحضانة ثابت في حال الصغر لهذا المعنى فيزول بالبلوغ.

стр. 773

إلحاق الطفل المسبى مع أحد أبويه لأحدهما في الدين: ١٤ - مسألة: إذا سبى الطفل أبويه مع أبيه أو أمه هل يتبع السابي أم لا؟. نقل الجماعة منهم صالح والميموني وابن إبراهيم إذا سبى مع أحد أبويه فهو مسلم. فظاهر هذا أنه تابع للسابي في الدين. ونقل ابن منصور عنه: إذا لم يكن مع أبويه فهو مسلم قيل له: فلا يجبر على الإسلام إذا كان مع أبويه أو أحدهما قال نعم فظاهر هذا أنه تابع لأحد أبويه في الدين ولا يتبع السابي. قال أبو بكر: ما رواه الكوسج قول أول والعمل على ما رواه الجماعة أنه مسلم. وجه الأولى: ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه (١) فجعله في الدين تبعًا لهما جميعًا دليله أنه لا يكون تابعًا لأحدهما ولأنه لم يسب مع أبويه فكان على دين سابيه دليله لو سبى منفردًا عنها. ووجه ما نقله ابن منصور أن السابي يجري مجرى دار الإسلام ثم أن لقيطًا وجد في دار الإسلام وعرف أحد أبويه كان على دين أبيه ولم نحكم بإسلامه كما لو وجد معهما كذلك السابي إذا كان معه أحد أبويه يجب أن يكون على دين من سبى من أبويه.

стр. 774

إلحاق المسبى وحده في الدين لسابيه: ١٥ - مسألة: فإن سبى وحده فهل يكون على دين السابي؟. نقل المروذي وابن وإبراهيم ويعقوب بن بختان وأبو داود: أنه تابع للسابي في الدين. ونقل علي بن سعيد في السرية في أرض العدو يأخذون صبيانًا صغارًا قال: قد نهى النبي ﷺ عن قتل الولدان (١) وإن كان معهم غنم يسبونه وإن لم يكن معهم غنم فلا أعلم له وجهًا إلا أن يدفع إلى بعض الحصون من الروم. فظاهر هذا أنه لم يحكم بإسلامه لأنه لو حكم بإسلامه لم يجز إلحاقه بدار الحرب. قال أبو بكر: العمل على ما رواه الجماعة لا يدفع إليهم لأنه مسلم وقد صرح به به في رواية المروذي في الرضيع وليس معهم من يرضعه قال: لا يترك يطعم ويسقى فإن مات مات. وجه ما نقله علي بن سعيد أن سبى من دار الحرب فلم يتبع السابي في الدين دليله لو سبى مع أبويه. ووجه ما نقله الجماعة أن الطفل يعتبر في الدين بغيره لا بنفسه فلما لم يكن هناك من يعتبر دينه به غير السابي اعتبرناه به كما قلنا فيمن وجد لقيطًا في دار الإسلام وأنه في الدين تابع للدار كذلك السابي والسابي يجري مجرى الدار في هذا الحكم.

стр. 775

الحكم بإسلام أولاد الذمي إذا مات عنهم صغارًا: ١٦ - مسألة: إذا مات الذمي عن صغار هل نحكم بإسلامهم أم لا؟ إذا مات الأبوان أو أحدهما هل يحكم بإسلام الطفل أم لا؟ قال أبو بكر في كتاب الشافي: روى سبعة عن أبي عبد الله منهم حنبل: إذا مات أحد أبويه هو مسلم ما لم يبلغ، وخالفهم إسحاق بن منصور فقال: إذا مات أحد أبويه فهو على دين الآخر قال: وبالأول أقول وبه قال أبو بكر الخلال والخرقي ووجهه أن النبي ﷺ قال: "يهودانه وينصرانه ويمجسانه" (١) فجعله في الدين تبعًا لها دليلنا أنه بعد موتها لا يتبعها في الدين ولأن انفراد أحد الأبوين بالكفر يوجب الحكم بإسلام الطفل دليله إسلام أحدهما أو نقل: عدم كفر الأبوين يوجب إسلام الطفل دليله لو أسلما. ووجه الثانية: أنه لم يحكم بإسلامه بنفسه ولا بمن هو تابع له فلم يحكم بإسلامه كما لو لم يموتا ولأن الموت معنى يسقط التكليف فلم يوجب الحكم بالإسلام كالمجنون. توريث أولاد الذمي منه إذا مات عنهم صغارًا فحكم بإسلامهم بموته: ١٧ - فصل: وإذا حكمنا بإسلامه بموت أحدهما فهل يرث من حكمنا بإسلامه بموته؟ نقل أبو طالب في يهودي مات أبواه وهو صغير فهو مسلم ويرثها ونقل محمد بن يحيى الكحال جعفر بن محمد في يهودي مات وله زوجة حامل فأسلمت بعده: فما في بطنها مسلم ولا يرث أباه، فظاهر هذا أنه لا يرث لأن الموت يوجب أن يرث مسلم من كافر وهذا لا يجوز، ومن قال: يرث وهو اختيار الخرقي فوجهه أن الإسلام إذا طرأ بعد الموت لم يمنع الإرث كما إذا كان بالغًا وأسلم عقيب موت أبيه الكافر فإنه يرثه ولأن الإسلام المتعلق بموت مورثه يجب أن لا يمنع من الإرث فيكون بمنزلة الحادث بعده يفصل كما أن الحرية المتعلقة بموت مورثه لا يوجب الإرث ويكون بمنزلة الحرية الحادثة بعده بفصل

стр. 776

وهو إذا قال لعبده: إذا مات أبوك فأنت حر فمات أبوه عتق ولا يرثه كما إذا مات ثم أعتقه عقيبه كذلك في الإسلام المتعلق بالموت يجب أن يكون بمثابة الحادث بعده في أنه لا يمنع. بيع أرض الخراج وإجارتها: ١٧ - مسألة: لا يجوز بيع أرض الخراج وهي كل أرض فتحت عنوة ووقفها الفاتح على جماعة المسلمين وهل يجوز إجارتها لمن هي في يده. على روايتين: نقل الأثرم وأبو داود: إذا استأجر من أرض السواد شيئًا ممن هي في يديه فجائز يكون فيها مثلهم. فظاهر هذا جواز ذلك. ونقل إسحاق بن إبراهيم في الرجل يستأجر أرضًا من أرض السواد قال: يزارع رجلًا أحب إليَّ من أن يستأجرها، فظاهر هذا المنع. قال أبو بكر: وبهذا أقول. وجه الأولى: -وهي الصحيحة- أن الخراج المأخوذ ممن هي في يديه على وجه الأجرة عوضًا عن كونها في يديه ومن استأجر شيئًا فله أن يؤجره بمثل ما استأجره وزيادة ونقصان كذلك هاهنا. ووجه الثانية: أنها أرض فتحت عنوة فلم يجز إجارتها دليله رباع مكة لا يجوز إجارتها رواية واحدة نص عليه في رواية حنبل وأبي طالب وأكد القول في ذلك في رواية أبي طالب فقال: لا تكرى بيوتها ومن كان له فضل فلا يمنعن. وقد دل على ذلك الأصل قوله تعالى: "سواء العكف فيه والباد" (١). فذكر المسجد الحرام والمراد به الحرم وجعل الناس فيه سواء فلو جازت إجارته لكان بعض الناس أخص به من بعض. وروى مجاهد عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "لا يحل بيع بيوت مكة ولا إجارتها (٢) ".

стр. 777

وروى سعيد بن المسيب قال كانت رباع مكة تدعى بالسوائب من احتاج إليها سكن ومن استغنى اسكن (١). وقف الإمام للأرض المفتوحة عنوة بغير إذن الغانمين: ١٩ - مسألة: هل يجوز للإمام أن يقف الأرض المفتوحة (٢) عنوة ويسقط حق الغانمين فيها بغير إذنهم أم لا؟ نقل عبد الله عنه أنه قال: كل أرض تؤخذ عنوة فهي لمن قاتل عليها بمنزلة الأموال، فظاهر هذا أنه لا يجوز له ذلك، لأنه جعلها بمنزلة الأموال. ونقل عبد الله في موضع آخر: إن وقفها من فتحها على المسلمين كما وقف عمر السواد فهي على ما فعل الفاتح لها، إذا كان من أئمة الهدى، فظاهر هذا أن له القسمة وله الوقف بغير إذنهم وهو الصحيح في المذهب. وجه الأولى: أنه مال مغنوم فلم يجز صرفه إلى غير الغانمين دليله ما ينقل. ووجه الثانية: ما أن روي عمر ﵁ لما فتح السواد استشار الصحابة في أمرها فأشار علي (٣) وعبد الرحمن (٤) بأن لا يقسمها وطلب الزبير (٥) وعمار (٦) وبلال (٧) القسمة فحاجهم عمر وقال: وجدت آية تفصل بيني وبينكم قال الله تعالى "ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول

стр. 778

ولذي القربى" … إلى قوله تعالى: "كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم … " ثم قال: "للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم" ثم قال: "والذين تبوأوا الدار والإيمان" يعني الأنصار ثم قال: "والذين جاءوا من بعدهم" (١) فأثبت فيها حقًّا لهؤلاء فلو قسمتها بينكم صارت دولة بين الأغنياء وبينكم وجاء آخر الناس ولا شيء لهم فيجب أن يثبت فيها حق يستوي فيه أول الأمة وآخرها (٢) فرأى أن يقفها ويضرب الخراج على من تكون في يده ولأن ما جاز للإمام أن يثبت فيه إذا صاروا ذمة جاز أن يترك قسمته بين الغانمين إذا ظهر عليه دليله رقاب الأسارى. بيع البنيان المتصل بأرض الخراج: ٢٠ - مسألة: بيع البنيان المتصل بأرض الخراج من السقوف والحيطان الحادث فيها هل يجوز إفراده بالبيع دون الأرض؟ فنقل بكر بن محمد عن أبيه عنه: أكره أن تباع الدار من أرض السوداء إلا أن يباع البناء. ونقل يعقوب بن بختان في الرجل يقول أبيعك النقض ولا أبيعك رقبة الأرض فإن هذا خداع. وجه الأولى: وهي أصح أن هذا البنيان مملوك لصاحبه أحدثه في أرض الخراج فيجب أن لا يمنع من بيعه كما لو غرس فيها غراسًا أو وقف أرضًا وبنى فيها بناء أن له بيع ذلك.

стр. 779

ووجه الثانية: أن المسألة محمولة على أن البناء وجد في أرض الخراج ولم يعلم هل كان موجودًا قبل الوقف أم حدث فيمنع من بيعه لأنه لا يتحقق ملكه فأما إن كان معلومًا فإنه يجوز بيعه رواية واحدة. وجوب الخراج في الأرض العامرة وإن لم تزرع: ٢١ - مسألة: ويجب الخراج في الأرض العامرة التي ينالها الماء. وإن لم يزرعها لأنه ترك الانتفاع بها باختياره، وأما الأرض العامرة التي لا ينالها الماء فهل يجب الخراج عنها. على روايتين: قال في رواية أبي الحارث: يجب على أرض السواد على العامر إذا ناله الماء. فظاهر هذا أنه إذا لم ينله الماء فلا يجب عليها. ونقل الميموني وإبراهيم بن هاني: يمسح العامر والجبال وإن لم ينله الماء ماء السماء يناله. ووجه الأولى: وهي اختيار أبي بكر أنها إذا لم ينلها الماء فلا منفعة فيها فيجب أن يسقط الخراج عنها كالمساكن والدور وحريم القرية ولأن عمر ﵁ إنما أوجب الخراج في الخارج (١) لأنه أوجب في جريب الحنطة قفيزًا ودرهمين وفي جريب الشعير قفيزًا ودرهما وجريب الكرم عشرة دراهم (٢).

стр. 780

فدل على أن الحق يتعلق بالخارج ولأن هذه الأرض في أيدي أهلها على طريق الأجرة فالمستأجر يلزمه التمكين من الانتفاع بها ولا منفعة هناك فيجب أن لا تلزمه الأجرة. ووجه الثانية: ما روى أبو عون الثقفي أن عمر بن الخطاب ﵁ جعل على كل جريب عامر وغامر درهمًا وقفيزا (١). وروى الشعبي قال: بعث عمر ﵁ عثمان بن حنيف فقسم على كل جريب يبلغه الماء عمله صاحبه أو لم يعمله درهما ومختومًا بالحجازي" (٢) ولأنه إنما وجب الخراج بتسليم الأرض إليهم وثبوت أيديهم عليها وقد ثبت أيديهم على هذا الغامر. بدليل أنه ليس لأحد الانتفاع به دون من لم يثبت يده عليه فيجب أن يلزمهم الخراج ولأنه قد يحصل لهم الانتفاع بها بماء الأمطار والسيول، وأن لم يحصل الانتفاع بماء الآبار، والعيون، فعلى هذه الرواية يجب أن يقال: أن الخراج أقل ما يجب وهو قفيز ودرهم. وفاء الأسير المسلم بما يشرطه الكفار من الفداء أو الرجوع إليهم: ٢٢ - مسألة: إذا أخلى الأسير منا وشرطوا عليه الفداء أو الرجوع إليهم فهل يلزمه الوفاء بهذا الشرط أم لا؟ فنقل أبو داود وأحمد بن الحسين الترمذي في الأسير في أيدي العدو في أرضهم: يحلف ويعاهد أن يخرج إلى المسلمين ثم يعود إليهم. قال: يفي لهم ويرجع إليهم لحديث حذيفة (٣). فظاهر هذا أنه يلزمه الوفاء بذلك الشرط. قال الخرقي: وإذا أخلى الأسير منا وحلف أن يبعث إليهم بشيء بعينه أو يعود إليهم فلم يقدر عليه لم يرجع إليهم. فظاهر هذا أنه إن لم يقدر على الشرط

стр. 781

لم يلزمه الوفاء به ولا الرجوع إليهم لأن دار الحرب دار هجرة وقد أنقذه الله منها فلا ينبغي له أن يعود إليها كما لو خرجت امرأة وشرطت الرجوع إليهم فإنه لا يلزمها هذا الشرط ولا يجوز لها الرجوع كذلك في حق الرجل. ووجه ما نقله أبو داود وأحمد بن الحسين ما روي أن النبي ﷺ صالح أهل الحديبية على أن يرد من جاءه منهم بعد الصلح مسلما فجاءه أبو جندل فرده إلى أبيه وجاءه أبو بصير فرده (١) وذلك لأن النبي ﷺ كان قد شرط على نفسه ذلك لهم - ولأن في رد الفداء مصلحة للأسرى وفي منعه مفسدة عليهم لأنه لا يطلق بعده غيره. بطلان البيع باستيلاء الكفار على المبيع: ٢٣ - مسألة: إذا تبايع نفسان في دار الحرب وتقابضا ثم غلب المشركون على المبيع فأخذوه هل يكون من مال البائع أم المبتاع؟ فنقل عبد الله ويعقوب بن بختان، وأبو الحارث، والحسن بن البزاز: إذا اشترى السبي أو الحربي في بلاد الروم، وصار في ملكه ثم غلبه عليه العدو وجب عليه في ماله فإن مات المشتري بعد ما غلب عليه العدو يرجع عليه بالثمن في ماله. فظاهر هذا أنه يتلف من مال المبتاع. ونقل أبو طالب عنه: إذا اشترى الغنيمة في أرض العدو ثم غلبوا عليها لا يؤخذ منهم الثمن لأنه لم يسلم لهم ما اشتروه. فظاهر هذا أنه من ضمان البائع وهو اختيار الخرقي. وجه الأولى وهي أصح أن القبض قد حصل فما طرأ بعد ذلك من التلف يجب أن يكون من ضمان المبتاع كدار الإسلام تبين صحة هذا أنه يملك

стр. 782

التصرف فيه بالبيع والشركة والهبة ونحو ذلك لوجود القبض. ووجه الثانية: أنه إذا كان الحال حالة الخوف فالقبض غير حاصل ألا ترى أنه لو ابتاع من رجل متاعًا في دار الإسلام وسلمه إليه في موضع فيه الغيارون وقطاع الطريق لم يكن ذلك قبضًا صحيحًا ويتلف من مال البائع كذلك هاهنا. التفضيل من الغنيمة لبعض الغانمين: ٢٤ - مسألة: هل يجوز للأمير أن يفضل بعض الغانمين من الغنيمة إذا رأى فيه شجاعة ونكاية في العدو. فنقل أبو طالب في أمير الجيش إذا أمر لرجل من الركاضة أو طليعة أو ردءا برأس من السبى، هل لهم أن يرجعوا فيما أمر له به إذا لم تطب أنفسهم؟ قال: لا بأس بذلك، يعني يدفعه إليه إذا كان أنفع لهم وكان فيه تحريض يعني على القتال. فظاهر هذا الجواز. ونقل إبراهيم بن الحارث، وقد سئل هل يعطي الأمير من المغنم لقوم دون قوم في بلاد الروم؟ فقال ينبغي أن يسوي بينهم ولا يخص قوما. فظاهر هذا المنع. وكذلك نقل أبو داود عنه في رجل أخذ عشرة رؤوس فنادى الإمام من جاء بعشرة فله شيء فجاء بهم فليس (له) من هذا النفل شيء. وجه الأولى: أن النبي ﷺ أعطى من غنائم حنين صناديد العرب عطايا نحو الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن والزبرقان بن بدر عطايا لا تتسع سهمه من الغنيمة وخمس الخمس لها (١) لأنه أعطى كل واحد منهم كثيرا ولم يكن يعطيهم ذلك من الخمس لأن ذلك للفقراء وكان هؤلاء أغنياء علم أنه أعطاهم من مال الغنيمة ولأن في هذا مصلحة للمسلمين ونكاية في العدو وهو أنه يحرضه بذلك على القتال ولهذا المعنى خصصنا الفارس بزيادة في السهم لأجل تأثيره في العدو وكذلك خصصنا القاتل بالسلب لأجل تأثيره، كذلك هاهنا.

стр. 783

ووجه الثانية: ما روى ابن المبارك قال خالد الحذا، عن عبد الله بن سفيان، عن رجل من بلعنبر ذكر قصة قال: قلنا يا رسول الله ما تقول في هذا المال؟ قال: خمسه الله تعالى وأربعة أخماسه للجيش. قال: قلت: هل أحد أحق به من أحد؟ قال: لو انتزعت سهما من جنبك، لم تكن أحق به من أخيك المسلم (١) ولأن حقوقهم متساوية فيها، فلم يجز أن يخص بعضهم منها. القصر والفطر للقتال: ٢٥ - مسألة: إذا حاصر العدو أهل بلد وعزموا على قتاله أو قصدوا عدوا على مسافة لا يقصر فيها الصلاة هل يباح لهم القصر والفطر في رمضان أم لا؟ نقل الأثرم في القوم يخرجون إلى النفير ومسافة سفرهم أقل من يوم فلقوا العدو في رمضان هل يفطرون ليتقووا على عدوهم؟ قال: لا يفطرون، ولا يقصرون قيل له: يضعفون عن قتال العدو. قال: كيف يفطرون في الحضر؟ فظاهر هذا المنع. ونقل جنبل: إذا جاءهم العدو في منازلهم في رمضان فإن أجهدوا أفطروا، فظاهر هذا الجواز. وجه الأولى: أن الله تعالى علق جواز القصر والفطر بشرطين: المرض والسفر وليس هاهنا واحد منهما. ووجه الثانية: أن السفر إنما أباح الفطر لما يلحق فيه من المشقة وهذا المعنى موجود في مسألتنا ولأن الخوف لما أثر في الصلاة في الحضر وهو يصلي بهم صلاة خائف جاز أن يؤثر في الصوم وفي القصر كالسفر. الفرار من الحرق إلى الغرق: ٢٦ - مسألة: إذا كان الجهاد في البحر والتقى الزحفان فرمى المشركون

стр. 784

مراكب المسلمين بالنار، فأحرقتها، هل يصبر من فيها على الهلاك أم يجوز له أن يلقى نفسه في البحر، وإن كان فيه الهلاك؟ فنقل أبو داود في الغزو في البحر إذا رمى الروم مركبا من مراكب المسلمين بالنار واشتعلت فيها هل يرمى نفسه في الماء؟ فقال: كيف شاء صنع. فظاهر هذا الجواز. ونقل مهنى عنه في الرجل في البحر فترمى سفينته بالنفط والنار، فيطرح نفسه في البحر فيموت، قال: أكرهه، فظاهر هذا المنع. (وجه الجواز) ما روي عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: من فر من حرق إلى غرق فهو شهيد (١) … رواه الحسن بن دوما ولأن هلاكه بالماء أيسر منه بالنار وهو مضطر في هذه الحال فله أن يختار أيسر الميتتين عليه: ألا ترى أنه لو أكره فقيل له لنعذبنك بالنار أو لتقتلن نفسك بالماء، كان في سعة من إلقاء نفسه في الماء؟ قال أبو بكر ينظر إلى الأغلب في السلامة فيستعمله على طريق الاجتهاد ومعناه أن كان الأغلب أن يلقي نفسه في البحر فيسلم فعل وإن كان الأغلب في نفسه أن يصبر صبرا فأما أن اعتدلا وكان في كل واحد منهما الهلاك، فظاهر كلام أحمد يقتضي روايتين إحداها: يجوز له أن يلقي نفسه في الهلاك. الثانية: لا يجوز له ذلك لأنه لا يتحقق هلاكه بالمشركين، لجواز أن يحصل الظفر بهم فيؤدي إلى أن يحصل قاتل نفسه فلهذا لم يجز. وقال أيضًا في رواية بكر بن محمد وأبي طالب: إذا حصل أسيرا في المشركين، فقدموه يضربوا عنقه، فهل يعطيهم سيفه لأنه أمضى؟ قال: لا. قيل له: فإنه يعذبه قال: يعلم الله أن يخلصه أو يعيش من ذلك الضرب. ووجه الأولى: وأنه يجوز أن الظاهر والغالب قد أجرى في الأصول مجرى

стр. 785

المتحقق كالزكاة، والطهارة ونحو ذلك، وذلك أنه لو وجد شاة مذبوحة كان له الأكل اعتبارًا بالظاهر، وأنها مذكاة، وإن لم يتحقق ذلك، وكذلك لو وجد جاز له أن يتطهر منه على الظاهر وإن لم يتحقق ذلك، كذلك ها هنا. فيمن تؤخذ منهم الجزية: ٢٧ - مسألة فيمن يجوز أخذ الجزية منه. فنقل الحسن بن ثواب من سبى من أهل الأديان من العرب والعجم فالعرب إن أسلموا وإلا فالسيف وأولئك إن أسلموا وإلا فالجزية، فظاهر هذا أن الجزية تؤخذ من الكل إلا من عبدة الأوثان من العرب فقط. وقال الخرقي: ولا نقبل الجزية إلا من يهودي أو نصراني، أو مجوسي وكانوا مقيمين على ما عوهدوا عليه ومن سواهم بالإسلام أو السيف، فظاهر هذا أن من له كتاب أو شبهة كتاب تؤخذ منه الجزية سواء كان من العرب أو العجم وسواء كان من قريش أو من غيرها، ولا تؤخذ من غيرهم. وجه الأولى: ما روى الزهري أن النبي ﷺ صالح أهل الأديان على الجزية إلا من كان منهم من العرب (١) ولأنه أعجمي مقيم على دين لم يعتقد سواه، فجاز إقراره ببذل الجزية، دليله إذا كان من أهل الكتاب ولأن الجزية لو كانت متعلقة بالكتاب لما جاز أخذها من المجوسي لأنه لا كتاب لهم. ووجه الثانية: وهو الصحيح أنها طائفة من المشركين ليس لها كتاب ولا شبهة كتاب فلم يجز اقرارهم على دينهم ببذل الجزية دليله عبدة الأوثان من العرب ولأن أخذ الجزية حكم يتعلق بالكفر فاستوى فيه حكم العرب والعجم كالقتل وتحريم المناكحة والاسترقاق وأن هذه الأحكام يستوي فيها العرب والعجم. قدر الجزية: ٢٨ - مسألة: في قدر الجزية ثلاث روايات:

стр. 786

نقل صالح وابن منصور وإبراهيم بن هانئ وأبو الحارث: أكثر ما يؤخذ من أهل الذمة ثمانية وأربعون والوسط أربعة وعشرون، والفقير اثنا عشر، فظاهر هذا أنها مقدرة الأقل والأكثر فيجب على الموسر ثمانية وأربعون درهما، وعلى المتوسط أربعة وعشرون وعلى المتجمل اثنا عشر درهما. ونقل الأثرم: الجزية على ما يطيقون يزاد وينقص على قدر طاقتهم، وما يرى الإمام، فظاهر هذا أنها غير مقدرة الأقل والأكثر وهو إلى اجتهاد الإمام. ونقل يعقوب بن بختان: لا يجوز للإمام أن ينقص من ذلك وله أن يزيد. فظاهر هذا أنها مقدرة الأقل وغير مقدرة الأكثر فيجوز للإمام أن يزيد على ما قدره عمر ﵁ ولا يجوز أن ينقص منه، وهذا اختيار أبي بكر. وفائدة الخلاف أنا إذا قلنا: هي مقدرة الأقل والأكثر فمتى بذلها أهل الذمة لزم الإمام قبوله، وحرم عليه قتالهم، وإذا قلنا: ليست مقدرة أو مقدرة الأول لم يحرم عليه القتال. وجه الأولى: وهي الصحيحة وهي اختيار الخرقي وأنها مقدرة الأول والأكثر ما روى أن عمر ﵁ لما مضى إلى الشام ضرب الجزية على أهل الكتاب، على الغني ثمانية وأربعون درهما، وعلى المتوسط أربعة وعشرون درهما وعلى المتجمل اثنا عشر درهما (١) ولأنه حق مال يجب بوجود المال في كل حول مرة فيجب أن يختلف بقلة المال وكثرته كالزكاة، ولا يلزم عليه زكاة الفطر لأنها لا تجب بوجود المال، لأنها تجب عندنا على من يملك قوت يومه وليلته.

стр. 787

ووجه الثانية: في أنها غير مقدرة الأول والأكثر أن المال المأخوذ من المشرك على الأمان ضربان: هدنة وجزية فلما كان المأخوذ هدنة إلى اجتهاد الحاكم كذلك المأخوذ جزية. ووجه الثالثة: في أنها محدودة الأقل أن في النقصان من ذلك إضرارا ببيت المال وفي الزيادة حظا للمسلمين إذا كان فيه رأى وصلاح ويبين صحة هذا أن الخراج جزية وقد زاد عمر ﵁ على ما كان قدره عليهم. روي أن عثمان بن حنيف دخل عليه يسأله في الزيادة فقال له: الله لئن زدت لا يشق ذلك عليهم قال: نعم قال: فافعل (١). تحمل السيد الكافر جزية عبده: ٢٩ - مسألة: هل يجب على السيد إذا كان كافرا تحمل الجزية عن عبده الكافر؟ فقال في رواية عبد الله: العبد ليس عليه جزية، والمكاتب عبد ما بقى عليه درهم، فظاهر هذا أنه لا يتحملها عنه. وقال حنبل: والذمى يؤدي عنه، وعن مملوكه خراج جماجمهم إذا كانوا عبيدا أخذ منهم جميعا الجزية. وكذلك نقل ابن منصور وقد سأله ما معنى قول عمر: لا تشتروا رفيق أهل الذمة (٢). قال: لأنهم خراج يؤدي بعضهم عن بعض فإذا صاروا إلى المسلمين انقطع عنهم ذلك، فظاهر هذا أنه يتحمل. وجه الأولى: ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: لا جزية على العبيد (٣)

стр. 788

ولأنه مال فهو كالبهيمة، ولأنه محقون الدم بمعنى لو وقع في الأسر لم يكن الإمام مخيرا فيه بين القتل والمن ولأنه خلص بالرق فلم يجب عليه الجزية كما لو كان سيده مسلما. ووجه الثانية: وهي اختيار الخرقي، ما احتج به به أحمد من قول قول عمر: (لا تشتروا رقيق أهل الذمة فإنهم أهل خراج يبيع بعضهم بعضا) (١) وفسره بأن معناه يؤدي بعضهم عن بعض، ولأن الجزية حق في مال يجب أداؤه عن الرقبة، فجاز أن يدخله التحمل، دليله صدقة الفطر، ولأنه ذكر مكلف فجاز أن تتعلق الجزية بجنسه، دليله الحر. الجزية على العبد بعد عتقه: ٣٠ - مسألة: إذا أعتق العبد الكافر وصار حرا فهل تجب عليه الجزية إذا كان من أهل الجزية بعد حلول الحول إذا أراد المقام في دار الإسلام أم لا؟ نقل بكر بن محمد عن أبيه في النصراني إذا أعتق: ليس عليه جزية لأن ذمته ذمة مولاه. ونقل ابن منصور وأبو طالب: عليه الجزية إلا أن في رواية ابن منصور إذا كان سيده نصرانيا فعليه الجزية وفي رواية أبي طالب إذا كان سيده مسلما فعليه الجزية. وجه الأولى: وفيها ضعف أنه بعد العتق على حكم الرق في استحقاق الولاء عليه فجاز أن يسقط عنه الجزية كالعبد القن. ووجه الثانية: وهو اختيار الخرقي وأبي بكر أنه حر محقون الدم على التأبيد فلا يقر في دارنا بغير جزية دليله الحر الأصلى وفيه احتراز من المرأة والصبي والشيخ الفاني.

стр. 789

سقوط الجزية بالموت: ٣١ - مسألة: لا يختلف المذهب أن الإسلام يسقط الجزية الواجبة وأما الموت فهل يسقطها أم لا؟ فقال شيخنا أبو عبد الله لا يسقطها لأنه دين وجب في حال الحياة فلا يسقط بالموت كالدين. وعندي أنها تسقط كالإسلام، وهو قياس المذهب، لأنا نقول: أن إسلام أحد الأبوين يوجب إسلام الطفل، وموت أحد الأبوين يوجب إسلام الطفل أيضًا، والمعنى فيه أن الموت يقطع الصغار فأسقط الجزية كالإسلام، ولأنه معنى يوجب إسلام الطفل، فأسقط الجزية كالإسلام. تجديد معابد أهل الكتاب: ٣٢ - مسألة: في الكنائس: إذا انهدم جميع بنيان البيعة، فهل لهم تجديدها على ما كانت عليه؟. نقل عبد الله ما انهدم فلهم أن يبنوها فظاهر هذا جواز عمارتها، وتجديدها سواء انهدم جميعها أو بعضها. ونقل حنبل وأبو طالب، وكل ما فتحه المسلمون عنوة فليس لأهل الذمة أن يحدثوا فيها كنيسة ولا بيعة، وإن كان لهم في المدينة شيء فأرادوا رمه رموه، فإن انهدمت الكنيسة والبيعة بأسرها لم يبدلوا غيرها. فظاهر هذا جواز رم ما تشعت منها ولا يجوز تجديدها إذا خربت جميعها. ومن أصحابنا من يمنع رم ما تشعث منها بكل حال قال: لأن عمر ﵁ كان في كتابه إلى أهل الشام ان لا تجددوا ما خرب منها (١) وقد نص عليه في رواية عبد الله فقال: ما انهدم فليس لهم أن يبنوها. فوجه من قال: يجوز تجديدها بعد خرابها وهذا خلاف ما حدثنا، أنا نقرهم

стр. 790

فيها فلو منعوا من تجديد ما خرب ورم ما تشعث بطلت رأسا لأن البناء لا يبقى على الدوام فإذا كان فيه إبطال ما بذل لهم سقط. ووجه من قال: لا يجوز تجديد جميعها أنه إذا خرب جميعها تعطلت منفعتها فلو قلنا: يجددونها، كان في حكم ابتدائها وإنشائها، وليس كذلك رم ما تشعث منها فإن المنفعة بها قائمة فلهذا جاز، وحدثني أبو بكر بن أحمد بن علي ثابت الخطيب بإسناده عن عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ : لا تبنى كنيسة في الإسلام ولا يجدد ما خرب منها (١). انتقاض عهد الذمي لمخالفة الشروط: ٣٣ - مسألة: إذا ترك أهل الذمة شيئا من الشروط المأخوذة عليهم مما يجب عليهم تركه ولا يعود فعله بضرر المسلمين بل فيه إظهار منكر في دار الإسلام كأحداث البيع والكنائس ورفع الأصوات بقراءة كتبهم وضرب النواقيس وإطالة البنيان وإظهار الخمر والخنزير وما كان في معناه من ترك التشبه بالمسلمين في لبسهم وركوبهم وكناهم وشعورهم فهل ترك هذه الأشياء يوجب نقض عهد الذمة أم لا؟ قال الخرقي: ومن نقض العهد بمخالفة ما صولحوا عليه حل دمة وماله. فظاهر هذا أن ترك ذلك يوجب نقض العهد على ظاهر حديث عمر ﵁ (٢) وإن ذلك في شروطه وشرط عليهم أن من خالف شيئا من ذلك حل ماله ودمه، ولأنه ترك ما شرط عليهم في عقد الذمة، فنقض العهد كما لو فعل ما يعود بضرر المسلمين، كالاجتماع على قتل المسلمين، والزنا بمسلمة، أو إصابتها باسم النكاح، أو يفتن مسلما عن دينه، أو قطع عليه الطريق أو آوى

стр. 791

للمشركين عينا أو أعان على المسلمين بدلالة أو قتل مسلما أو ذكر الله تعالى ورسوله وكتابه بسوء فإن هذه تنقض العهد، وعندي أن ما لا ضرر على المسلمين بتركه لا ينقض العهد به شرط أولم يشرط، لأنه لا ضرر على المسلمين، في مال، ولا فيه منافاة الأمان، ولأنه أظهر ما يعتقد، دينا ومذهبا ويفارق هذا غيره لأن على المسلمين فيه ضررا وفيه ما ينافي الأمان فلهذا نقض العهد. منع الذمي من دخول المساجد: ٣٤ - مسألة: لا يجوز لأهل الذمة دخول المسجد الحرام. رواية واحدة. ونقل ذلك ابن منصور لقوله تعالى: "فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا (١) فأما غيره من المساجد هل يجوز لهم دخولها أم لا؟ نقل أبو طالب في اليهودي والنصراني والمجوسي: لا يدخلون المسجد لا ينبغي لهم أن يدخلوها، فظاهر هذا المنع. ونقل الأثرم عنه وقد سئل: هل يترك أهل الذمة يدخلون المسجد؟ قال: ينبغي أن يتوقى ذلك قيل له: فإن رأى رجل منا ذميا أيخرجه؟ قال: قد روي في هذا حديث وفد ثقيف أتوا النبي ﷺ فأنزلهم المسجد وعمر كرهه (٢) فظاهر هذا جواز ذلك لأنه احتج بالحديث. ووجه من منع احتج بأنه بيت الله تعالى فمنعوا منه كالمسجد الحرام. ووجه من أجاز ذلك احتج بأن وفد ثقيف قدموا على النبي ﷺ فأنزلهم المسجد (٣) فدل على جوازه. سقوط العشر عن جارية الذمي بدعوى حريتها: ٣٥ - مسألة: إذا مر الذمى بعشار المسلمين ومعه جارية فادعى أنها ذات

стр. 792

رحم منه وأنها ليست بملك له فهل يقبل قوله في ذلك ويسقط عنه العشر على روايتين: نقل يعقوب بن بختان: لا يقبل منه لأنه متهم في ذلك لأن ذلك شيء ممكن إقامة البينة عليه فهو كما لو ادعى أن عليه دينا فإنه لا يقبل منه، نص عليه أحمد كذلك هاهنا. ونقل أبو الحارث يقبل ذلك منه لأنه يحتمل ما قاله والأصل في الناس الحرية حتى يقوم دليل الرق. أكل ذبائح نصارى بني تغلب ونكاح نسائهم: ٣٦ - مسألة: في نصارى بني تغلب هل تنكح نساؤهم أو تؤكل ذبائحهم أم لا؟ نقل ابن منصور وإبراهيم بن الحارث والأثرم: إباحة ذبائحهم ومناكحتهم. وذكر الخرقي في مختصره روايتين: أحداهما مثل هذا والثانية: لا يباح. وجه الإباحة: أنهم دخلوا في دين أهل الكتاب يقرون عليه بالجزية فكانت ذبائحهم ومناكحتهم مباحة فهو كما لو دخلوا في دينهم قبل النسخ وقبل التبديل، وقد روى عن ابن عباس أنه رخص في ذبائحهم (١). ووجه المنع: أنهم كانوا عبدة الأوثان، فانتقلوا إلى دين أهل الكتاب، ولم يعلم هل انتقلوا إلى دين المبدلين أو غيرهم، والأصل الحظر فغلب الحظر، على هذه الرواية، حكمهم حكم المجوس. تحول الكتابي إلى ملة أخرى غير الإسلام: ٣٧ - مسألة: إذا تنقل من يهودية إلى نصرانية أو من نصرانية إلى يهودية فهل يقر على ذلك أم لا؟ نقل عنه حنبل في يهودي تنصر أو نصراني تهود: لا يقبل. وكذلك نقل مهنى في نصراني أو يهودي ارتد عن دينه هل يقتل؟

стр. 793

قال: هؤلاء يعطون الخراج، لا يقال لهم شيء. فظاهر هذا أنه يقر على ذلك ولا يكلف الإسلام ولا الدين الذي كان عليه لأن الدين الثاني في معنى الدين الذي صالحناه عليه ولأنه من أهل الكتاب يقر عليه. قال أبو بكر: فيه وجه آخر لا يقبل منه إلا دين حق وهو الإسلام أو القتل لأن الدين الذي انتقل إليه باطل، قد كان مقرا ببطلانه والدين الذي كان عليه قد أقر الآن ببطلانه فلم يبق دين باطل إلا وقد أقر ببطلانه، فوجب أن لا يقبل منه إلا دين حق وهو الإسلام. فإن انتقل من يهودية أو نصرانية إلى مجوسية لم يقر عليه وقبل منه دينه الذي كان عليه - نص عليه أحمد ﵁ في رواية إسماعيل بن سعيد، في نصراني أو يهودي، تمجس يردون إلى دينهم لأنه نقص في الإسلام لأن لنا أن نأكل ذبائحهم وتنكح نساءهم، لأنه انتقل إلى دين لا يباح أكل ذبيحته ونكاح نسائه، فلا يقر عليه كما لو انتقل إلى عبدة الأوثان والشمس والقمر. فإن انتقل من مجوسية إلى نصرانية أو يهودية فإنه يقر عليه. نص في رواية مهنى في مجوسي تنصر فلا قتل عليه لأنه انتقل إلى دين هو أكمل من دينه أشبه إذا انتقل إلى الإسلام، ومعنى الكمال أن له كتاب ولا كتاب للمجوسي. قال أبو بكر: وفيه وجه آخر لا يقر على ذلك لأنه انتقل إلى دين باطل فهو كما لو انتقل إلى عبدة الأوثان. حكم ثمن المبيع المحرم إذا أسلم الذمي قبل قبضه: ٣٨ - مسألة: إذا تبايع أهل الذمة الخمر ثم أسلموا قبل قبض الثمن فهل يقضي للبائع بالثمن أم لا؟ نقل ابن منصور في مجوسي باع مجوسيا خمرا ثم أسلما يأخذ بالثمن قد وجب له الثمن يوم باعه وأما الخنزير فلا يأخذ الثمن. وكذلك نقل أبو داود عنه في اليهودي والنصراني إذا احتكموا إلى إمام المسلمين في الخسر والخنازير: ما يعجبنى أن يحكم عليهم فإن اختصموا في أثمانها

стр. 794

حكم بينهم فإن مات ذمي وله دين ثمن خمر فأسلم ابنه يأخذ الدين، وظاهر هذا أنها مال لهم ويقضي بالثمن. ونقل ابن منصور أيضًا وأبو طالب في نصراني أو يهودي أسلف في خمر ثم أسلم الذي أسلفه وأما الآخر فلم يسلم: فلا شيء له، ولا يأخذ للخمر ثمنا. وظاهر هذا المنع. وجه الأولى: حديث عمر: ولوهم بيعها، وخذوا العشر من أثمانها (١). وهذا يقتضي أنها مال لهم يصح بيعها ونقد ثمنها. ووجه الثانية: وهي أصح أنها ليست مالا في حقنا ولا يصح بيعها في حقنا فلم تكن مالا لهم ولم يصح بيعهم لها، كالخنزير، فإن أحمد قد نص عليه كالميتة والدم.

стр. 795

المسائل الفقهية مِن كتاب الروايتين وَالوَجْهَين للقاضي أبي يعلى تحقيق الدكتور عبد الكريم بن محمد اللاحم الجُزْءُ الثالث مكتبة المعارف الرياض

стр. 796

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م مكتبة المعارف - ص. ب: ٣٢٨١ - هاتف ٤٠١٣٧٠٨ - ٤٠٢٣٩٧٩ الرياض - المملكة العربية السعودية

стр. 797

المسائل الفقهية الجزء الثالث

стр. 798

(كتاب الصيد والذبائح) ويشمل الموضوعات التالية: صيد الكلاب والطيور. التسمية على الذبيحة والصيد. الذكاة. الأضاحي. ما يباح من الميتة. الأكل من البساتين لمن مر بها. الشرب من البان الماشية لمن مر بها. شحوم ذبائح أهل الكتاب. إطعام الميتة والطعام النجس لما لا يؤكل من. البهائم.

стр. 799

كتاب الصيد والذبائح والأطعمة والضحايا الإصطياد بكلب المجوسي: ١ - مسألة: هل يكره الإصطياد بكلب علمه مجوسي أم لا ..... ؟ على روايتين: نقل بكر بن محمد وحنبل والمشكاتي كراهية ذلك. ونقل صالح وابن منصور لا بأس بذلك إذا كان المسلم هو المرسل له. قال أبو بكر الخلال نقل حنبل والمشكاتي كراهية الأكل من صيد كلب المجوسي، ونقل عبد الله والكوسج لا بأس به، وقد رجع أبو عبد الله عن الأول إلى أنه لا بأس به. وجه الكراهية: ما احتج به أحمد ﵁ من قوله تعالى: "وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم (١). فأباح الأكل من الجوارح التي علمناها فاقتضى الظاهر أنه لا يباح أكل ما علمه غيرنا. ووجه الإباحة: عموم قول النبي ﷺ لثعلبة الخشني وقد سأله عن كلاب له مكلبة فقال له: "كل ما أمسك عليك كلبك" (٢) ولم يفرق. وروى عن

стр. 800

ابن عباس قال لا بأس إن يستعير كلب مجوسي يصيد به (١) ولأن الكلب كالآلة التي يذبح بها وقد ثبت أن الآلة لو كانت لمجوسي أبيح الذبح بها كذلك الكلب مثله، ولأن مجوسيًا لو علم كلبًا ثم أسلم حل أكل صيده بلا خلاف ولأن الإعتبار بالمرسل ولا بالمرسل، بدليل أن مجوسيًا لو أرسل كلبًا علمه مسلم لم يبح أكله، إعتبارًا بالمرسل وها هنا المرسل مسلم فيجب أن يباح أكل صيده. حكم صيد الكلب إذا أكل منه: ٢ - مسألة: في الفهد، والكلب، إذا قتل الصيد وأكل منه، هل يباح أكل ما أكل منه أم لا .... ؟ قال الشيخ أبو عبد الله: في ذلك روايتان قال في رواية أبي الحارث وأحمد بن القاسم ومحمد بن موسى قد رخص في الكلب يأكل من صيده أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ أبو هريرة وسلمان وابن عمر (٢) وإنما حديث عدي في الكراهية (٣) فظاهر هذا إباحة أكله لأنه لم ينكر قولهم. ونقل الأثرم، وأبو طالب، والميموني، أنه لا يحل أكله وهو المذهب. وجه

стр. 801

الأولى: عموم قوله تعالى: "فكلوا مما أمسكن عليكم" (١) وهذا مما أمسك ولم يفصل وحديث أبي ثعلبة الخشني في صيد الكلب "إذا أرسلت كلبك وذكرت إسم الله فكل وإن كان أكل منه وكل ما رد عليه قوسك (٢) ولأن كل ظفر كان ذكاة إذا لم يتعقبه أكل كان ذكاة وإن تعقبه الأكل دليله الصقر وكما إذا قتله وتركه، ثم عاد فأكل منه. وجه الثانية: وهي الصحيحة قوله تعالى "فكلوا مما أمسكن عليكم" (٣) وإذا أكل منه فقد أمسك على نفسه لأن صيده لا يتبعض لأنه إما أن يمسك على نفسه أو على صاحبه فإذا أكل فقد علم أنه أمسك على نفسه وأيضًا ما روى الشعبي عن عدي بن حاتم قال: سألت النبي ﷺ قلت: أرسل كلبي فقال: إذا سميت فكل، وإلا فلا تأكل، فإن أكل منه فلا تأكل، لأنه أمسكه على نفسه (٤)، ولأنه إذا أكل من الصيد يحتمل أنه أكله لعدم التعليم فلا يباح أكل صيده، واحتمل أن يكون أكل لفرط جوع به، أو نسى أن صاحبه أرسله فلا يؤثر ذلك في الإباحة، وإذا احتمل ما وما يحرم ولم يتقدم منا الحكم يبيح بإباحة الأكل لم يجز أكله، لأن الأصل الحظر، ويفارق هذا ما قبله من الصيود إن أكله من صيد آخر لا يؤثر في إباحتها لأنا قد حكمنا بإباحته فلم نبطله بأمر

стр. 802

محتمل كشاهدين شهدا عند الحاكم وعرف عدالتها، وحكم بشهادتها ثم فسقا بعد الحكم، فإنه لا يؤثر ذلك في الحكم السابق، وإن كان الفسق يحتمل أن يكون موجودًا قبل الحكم، ولو ظهر فسقهما قبل الحكم بشهادتها لم يحكم، لأنه يحتمل أن يكون الفسق حدث ويحتمل أن يكون متقدمًا، ولكن لم يسبق منه حكم بقولها، لم يحكم بشهادتها كذلك ها هنا. ويفارق هذا إذا قتله وتركه ثم عاد وأكل منه أنه يباح لأنه أكل بعد أن حكمنا بذكاته وإباحته فلهذا لم يؤثر فيه أكلة، وفي مسألتنا اتصل أكله بقتله فلم يبح، ويفارق هذا البازي والصقر، إذا أكل من الصيد، لأن جارح الطير يعلم على الأكل، وهو أن يأكل ما يصطاده، فلهذا لم يحرم أكل ما أكل منه، وسباع البهائم تعلم على ترك الأكل. الذبيحة التي لم يسم عليها: ٣ - مسألة: إذا ترك التسمية على الذبيحة عامدًا هل يباح أكلها أم لا؟ على روايتين: نقل حنبل: لا بأس أن يأكل وإن لم يسم، وينبغي أن يسمي الله، وكذلك نقل أحمد بن هاشم وبكر بن محمد، إذا ذبح ولم يسم تؤكل ذبيحته إنما قال الله تعالى "ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه (١) يعني في المدينة فظاهر هذا إباحة الأكل، وهو اختيار أبي بكر. ونقل إسحاق بن إبراهيم، والميموني، وصالح، إذا لم يسم على الذبيحة عامدًا لا يؤكل، وإن نسى يؤكل فظاهر هذا أنه لا يباح، وهو اختيار الخرقي وهو أصح. وجه الأولى: ما روى البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: (المسلم يذبح على اسم الله سمى أو لم يسم) (٢)، وروى عن أبي هريرة أنه قال: سأل رجل

стр. 803

النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي الله تعالى؟ فقال النبي ﷺ : اسم الله على كل مسلم (١). وروى أن عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله إن قومًا قريبي عهد بالإسلام يأتوننا بلحمان لا أسموا عليها أم لا، فقال النبي ﷺ كلوا وسموا (٢)، ولأنه ذكر لو تركه ندري ناسيًا لم يمنع صحة الذكاة، فإذا تركه عامدًا يجب أن لا يمنع كالصلاة على النبي ﷺ . يبين صحة هذا أن ما كان شرطًا في صحة الذكاة لا يختلف فيها العمد والسهو، كقطع الحلقوم والمرئ، وما ليس بشرط لا يختلف كاستقبال القبلة وتحديد الشفرة. ووجه الثانية: قوله تعالى: "ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه (٣) ولأنها ذكاة فافتقرت إباحتها إلى التسمية دليله الصيد لا يختلف المذهب أنها شرط في إباحته، كذلك الذبيحة، وقد دل على ذلك الأصل ما روى عن النبي - أنه قال لعدي بن حاتم إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل

стр. 804

وإن شاركه كلب آخر فلا تأكل، فإنما سميت على كلبك (١)، فجعل التسمية شرطًا كما جعل كون الكلب معلمًا شرطًا. وفي حديث آخر: إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل، فإن لم تسم فلا تأكل (٢) وهذا نص في إيجاب التسمية على الصيد فكانت الذبيحة مقيسة عليها، وإذا ترك التسمية على الذبيحة ناسيًا أبيحت رواية واحدة، لأنه لا يمتنع أن يكون الشيء واجبًا ويسقط بالسهو. كما نقول في ترك التسبيح في الركوع والسجود والتسمية على الطهارة ونحو ذلك، وأما التسمية على الصيد فإن التسمية فيه واجبة في العمد والسهو، وإن تركها لم يبح أكله. رواية واحدة، نص على ذلك في رواية جماعة منهم بكر بن محمد فقال: إذا بعث كلبه أو بازه، ولم يسم فلا يأكل، لقول النبي ﷺ : فإن لم تسم فلا تأكل (٣). وقد نقل جعفر بن محمد بن يحيى المتطبب في الرجل يرمي سهمه سهمه ولا يسمي: فحائر، قيل له: يذبح ولا يسمى؟ قال: جائز إذا لم يتعمد، فقيل له: يرسل كلبه فلا يسمي؟ فقال: لا، فظاهر هذا أنه فرق بين أن يكون الصيد بالسهم فيباح بغير تسمية وبين أن يكون بجارح فيشترط فيه التسمية. وجه الأولى: أن السهم آلة للاصطياد، فكانت التسمية شرطًا في إباحة صيده، دليله الجوارح.

стр. 805

ووجه الثانية: قول النبي ﷺ : إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل (١)، فلما شرط التسمية في إرسال الكلب دل على أنها غير شرط في السهم ولأن الصيد بالسهم ذكاة بآلة يعتبر فيها العقر وإنهار الدم فلم تكن التسمية فيها شرطًا، دليله الذبح، وقد ذكرنا في الذبيحة روايتين، كذلك ها هنا. ولا يلزم عليه الصيد بالجوارح لأن تلك ذكاة لا يعتبر فيها العقر وإنهار الدم فإنه لو خنق الصيد أبيح أكله وها هنا لو أصابه السهم بعرضه فقتله لم يبح، فأما ذبيحة الذمى وصيده هل يعتبر في إباحتها التسمية كالمسلم أم لا؟ فنقل ابن منصور عنه في نصراني ذبح ولم يسم قال: لا بأس، فقد أطلق القول بالإباحة ويجب أن يكون هذا محمولا على الرواية التي تقول: إنها ليست بشرط في حق المسلم، فلا يكون شرطًا في حقه. فأما إذا قلنا: إنها شرط في حق المسلم فهي شرط في حق الكتابي لأن كلما كان شرطًا في ذكاة المسلم فهو شرط في ذكاة الكتابي بدليل قطع الحلقوم والمريء والودجين ونحو ذلك. الصيد يغيب فيجده الصائد وبه السهم أو عليه الكلب: ٤ - مسألة: إذا أرسل سهمه أو كلبه على صيد فعقره قبل أن يغيب عنه ثم تحامل وغاب عنه فوجده ميتًا أو لم يعقره بل غاب السهم فالكلب والصيد قبل عقره ثم وجد الصيد ميتًا والكلب عليه، والسهم فيه، فهل يباح أكله أم لا؟ فيه ثلاث روايات: إحداهما: الإباحة على الإطلاق قال في رواية حنبل والأثرم في رجل رمى صيدًا فغاب عنه ثم وجده بعد ميتًا فعرف سهمه فيه أيأكله؟ قال: نعم. فظاهر هذا الإباحة على الإطلاق وهو اختيار الخرقي. والثانية: إن أدركه من يومه يومه أبيح أكله وإن أدركه من الغد لم يبح. قال في رواية ابن منصور: إذا غاب الصيد فلا يأكله إذا كان ليلًا وأما إذا كان نهارًا ولم ير به أثرًا غيره يأكله ومعنى قوله إذا كان ليلًا يعني إذا حال بينه وبينه الليل ووجده من الغد لم يبح.

стр. 806

والثالثة: إن كان قد عقره عقرًا صيره في حكم المذبوح قبل أن يغيب عن عينه أبيح، وإن لم يصيره في حكم المذبوح لم يبح قال في رواية جعفر بن محمد في الرجل يرمي الصيد فيغيب عنه فيجد به سهمه وقد مات، فقال: إن كان قد رماه رميًا يرى أنه يموت منه، وإن خشي أن يكون شاركه شيء فلا. وجه الأولى: وهي أصح ما روى هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير، عن عدي بن حاتم، قال قلت يا رسول الله إنا أهل صيد، يرمي أحدنا الصيد فيغيب عنه الليلة والليلتين ثم نتبع أثره بعدما نصبح فيجد سهمه فيه. قال: إذا وجدت سهمك فيه ولم تجد به أثر سبع وعلمت أن سهمك قتله فكل (١). فقد أباح أكله الغيبة، ولم يعتبر أن تكون الرمية موجبة، وأجازه بعد الليلة والليلتين، ولأنه لم يكن هناك سبب كان منه موته في الظاهر إلا سهمه فوجب أن يجوز أكله، دليله إذا لم يتوار أو إذا وجده من يومه، أو إذا كانت الرمية موحية. ووجه الثانية: أن الغيبة توجب المنع بدليل ما روى عن ابن عباس أنه قال: "كل ما أصميت" يعني قتلت "ودع ما أنميت" (٢) يعني - غاب عنك - وقيل ما خرجت روحه بعد زمان، ولأنه إذا غاب عن عينه لم يأمن أن يكون قد مات من غير السهم فيجب أن لا يؤكل إذ الأصل الحظر فلا يستباح بالشك

стр. 807

إلا أنه إذا أدركه من يومه فهو قريب من الرمية، وما قارب الشيء فهو في حكمه، وإذا وجده من الغد فهو بعيد منه، فيجب أن يكون على حكم الحظر. ووجه الثالثة أن الغيبة توجب الحظر من الوجه الذي ذكرنا. فإذا كانت الرمية موحية تحققنا ذكاته من تلك الرمية، فإذا غاب لم تؤثر الغيبة فيه، ويفارق هذا إذا لم تكن موحية لأنه يحتمل أن يكون موته من غير السهم، والأصل الحظر فلم يبح بالشك. قتل الكلب للصيد ذكاة له: ٥ - مسألة: إذا أدرك وقد جرحه وبه عقر لم يصيره في حكم المذبوح، وفيه حياة مستقرة وخاف عليه الموت وليس معه ما يذكيه به، فأضرى الكلب عليه حتى قتله هل يباح أكله أم لا؟ نقل الميموني: لا يكون ذلك ذكاة له، وهو اختيار أبي بكر، لأنه مقدور عليه، وذكاة المقدور عليه في الحلق واللبة. ونقل أبو طالب وحنبل أن ذلك ذكاة له وهو إختيار الخرقي، لأن هذه الحال يتعذر فيها الذكاة في الحلق واللبة في الغالب، فجاز أن يكون ذكاته على حسب الإمكان في الغالب، دليله إذا تردى في بئر أو ند بعيره، ولا يلزم على هذا إذا كان عنده صيد في بيته وخاف عليه الموت ولم يجد ما يذكيه أنه لا يعفي عن محل الذكاة في تلك الحال لأن تلك الحال لا يتعذر فيها الآلة التي يذكى بها في الحلق واللبة في غالب الحال، لأن الإنسان لا يخلو من آلة في منزله وفي رحله، وليس كذلك ها هنا، لأنه قد يتعذر في الغالب أن يكون معه في موضع الصيد آلة الذكاة في الحلق واللبة، فلهذا عفى عنها كما عفى عن المحل في المتردى. صيد الكلب إذا استرسل بنفسه: ٦ - مسألة:: إذا استرسل الكلب بنفسه من غير إرسال صاحبه فصاح به صاحبه وأضراه وأغراه على الصيد وسمى فازداد عدوه وحقق قصده وصار عدوه أسرع من الأول، فهل يحل أكل صيده أم لا؟

стр. 808

نقل حرب عنه: إذا أصاب الكلب من غير أن يرسل فلا يعجبني، لأن حديث عدي بن حاتم إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله (١) وهذا لم يذكر اسم الله، فظاهر هذا أنه اعتبر وجود الإرسال في الابتداء، فإذا لم يوجد ذلك ابتداء لم يبح، وهو الصحيح عندي. فقال أبو بكر وشيخنا أبو عبد الله: يباح. وجه الأولى: أن انفلات الكلب وذهابه تعلق به تحريم أكل الصيد، فوجب أن لا يرتفع ذلك الحكم بزجره، كما لو أرسله مجوسي فزجره مسلم أنه لا يتعلق الحكم بالزجر، كذلك ها هنا، ولأن زجر صاحبه له لم يقطع ما كان منه لأنه لم يرجع عن الاسترسال بل قوى فيه واشتد فلم يكن فيه قطعًا لاختياره، كما لو أن رجلا كان يمضي في حاجة فقال له رجل: بادر فيها، فأسرع وقوي في ذلك فإنه لا يكون قطعًا لما كان منه بل هو تقوية، فإذا صاد صيدًا فقد صادره لا عن إرسال فلم يجز أكله. ووجه الثانية: أن الزجر لم يتقدمه إرسال، فوجب أن يتعلق الحكم بالزجر كما لو كان في يده فزجره، ويبين صحة هذا أن الزجر إذا لم يتقدمه إرسال تعلق الحكم، به، ألا ترى أن الكلب لو انفلت على دابة إنسان فزجره صاحبه فعقر دابة الإنسان، ضمن، فلو لم يزجره لم يضمن، ولأنه قد حصل سببان أحدهما بغير فعل الآدمي، وهو انفلات الكلب من غير إرسال صاحبه وذهابه، والآخر بفعل الآدمي، فيجب أن يتعلق الحكم بفعل الآدمي. ألا ترى أن رجلًا لو حفر بئرًا في طريق المسلمين، أو وضع فيها حجرًا فعثر إنسان بدركه ووقع في البئر، أو على الحجر، تعلق الضمان على الحافر، وواضع الحجر، ولأنه لو صاح به فوقف ثم صاح به فاسترسل وقتل أبيح الأكل كذلك إذا لم يقف. أكل صيد المجوسي من من البحر: ٧ - مسألة: هل يباح أكل صيد المجوسي من البحر أم لا؟

стр. 809

فنقل حنبل عنه: لا يعجبني أن يؤكل من صيد المجوسي في بر ولا بحر، فظاهر هذا المنع. ونقل ابن منصور في المجوسي يصيد السمك في البحر والجراد: لا بأس به. ووجه الأولى: أنه صيد مجوسي فلا يباح دليله صيد البر. ووجه الثانية: أن هذه الأشياء لا تفتقر في إباحتها إلى الذكاة. والمجوسي فيها كالآلة ولو كانت الآلة التي يذبح بها السمك أو الجراد يقتل بها المجوسي لم يمنع. إباحة الطريدة. (١) ٨ - مسألة: إذا رمى صيدًا فأبان بعضه وفيه حياة غير مستقرة فذكاه أو تركه حتى مات أبيح أكله كله، وأما أكل ما بان منه ففيه روايتان: إحداهما: يحل أكله أيضًا. قال في رواية الميموني في المناجل إذا قطعت بعض الصيد: إنه مباح، وكذلك نقل أحمد بن الحسين المروزي إذا رمى صيدًا فأبان منه شيئًا فإنه يأكل ما بان منه، فظاهر هذا الإباحة، وهو اختيار أبي بكر. والثانية: لا يباح أكل ما بان منه قال في رواية حنبل: لا يأكل البائن وكذلك نقل الأثرم. وقد نقل الخرقي الروايتين جميعا، وذلك محمول على أنه إذا لم يكن فيه حياة مستقرة بعد الإبانة، فأما إذا كان فيه حياة مستقرة لم يبح أكل ما بان منه رواية واحدة. وجه الأولى: أن كل عقر كان ذكاة لما بقي كان ذكاة لما بان منه، أصله إذا كان قد قطعه نصفين ولأن العقر في الممتنع يحل محل الذبح في غير الممتنع، ثم ثبت أن الذبح في غير الممتنع يبيح سواء حصل بذلك إبانة الرأس أو لم يحصل كذلك العقر في الممتنع.

стр. 810

ووجه الثانية: قول النبي ﷺ ما أبين من حي فهو ميت (١)، وهذا بان من حي، ولأنه أبان منه ما لا يمنع بقاء الحياة فيما بقي فوجب أن لا يحل أكل ما بان منه، كما لو أدركه الصياد وفيه حياة مستقرة فذبحه أو لم يذبحه حتى مات إنه لا يباح. اجتماع المبيح والحاظر في الذكاة: ٩ - مسألة: إذا ذبح الشاة أو غيرها من الحيوان فأتى على المقاتل فحمل نفسه فوقع في ماء أو كان على رأس جبل فتردى فهل يباح أكله أم لا؟ على روايتين: قال في رواية الأثرم: في الرجل يذبح الذبيحة فتقع بعد ذبحه فقال: (لا تؤكل)، لحديث عاصم: إذا وقعت رميتك في ماء فلا تأكل (٢)، وكذلك نقل حنبل فظاهر هذا المنع، وهو اختيار الخرقي. ونقل أبو الحارث في الصيد إذا تردى ولحقه وبه رمق: يذكيه ويأكله، إلا أن يكون قد خرجت أمعاؤه ويكون مثله لا يعيش، وهكذا الحكم في الصيد إذا
следующие страницы →