← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13246

الروايتين والوجهين - المسائل الفقهية منه

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 069 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

والثالثة: إن كان قد عقره عقرًا صيره في حكم المذبوح قبل أن يغيب عن عينه أبيح، وإن لم يصيره في حكم المذبوح لم يبح قال في رواية جعفر بن محمد في الرجل يرمي الصيد فيغيب عنه فيجد به سهمه وقد مات، فقال: إن كان قد رماه رميًا يرى أنه يموت منه، وإن خشي أن يكون شاركه شيء فلا. وجه الأولى: وهي أصح ما روى هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير، عن عدي بن حاتم، قال قلت يا رسول الله إنا أهل صيد، يرمي أحدنا الصيد فيغيب عنه الليلة والليلتين ثم نتبع أثره بعدما نصبح فيجد سهمه فيه. قال: إذا وجدت سهمك فيه ولم تجد به أثر سبع وعلمت أن سهمك قتله فكل (١). فقد أباح أكله الغيبة، ولم يعتبر أن تكون الرمية موجبة، وأجازه بعد الليلة والليلتين، ولأنه لم يكن هناك سبب كان منه موته في الظاهر إلا سهمه فوجب أن يجوز أكله، دليله إذا لم يتوار أو إذا وجده من يومه، أو إذا كانت الرمية موحية. ووجه الثانية: أن الغيبة توجب المنع بدليل ما روى عن ابن عباس أنه قال: "كل ما أصميت" يعني قتلت "ودع ما أنميت" (٢) يعني - غاب عنك - وقيل ما خرجت روحه بعد زمان، ولأنه إذا غاب عن عينه لم يأمن أن يكون قد مات من غير السهم فيجب أن لا يؤكل إذ الأصل الحظر فلا يستباح بالشك

стр. 807

إلا أنه إذا أدركه من يومه فهو قريب من الرمية، وما قارب الشيء فهو في حكمه، وإذا وجده من الغد فهو بعيد منه، فيجب أن يكون على حكم الحظر. ووجه الثالثة أن الغيبة توجب الحظر من الوجه الذي ذكرنا. فإذا كانت الرمية موحية تحققنا ذكاته من تلك الرمية، فإذا غاب لم تؤثر الغيبة فيه، ويفارق هذا إذا لم تكن موحية لأنه يحتمل أن يكون موته من غير السهم، والأصل الحظر فلم يبح بالشك. قتل الكلب للصيد ذكاة له: ٥ - مسألة: إذا أدرك وقد جرحه وبه عقر لم يصيره في حكم المذبوح، وفيه حياة مستقرة وخاف عليه الموت وليس معه ما يذكيه به، فأضرى الكلب عليه حتى قتله هل يباح أكله أم لا؟ نقل الميموني: لا يكون ذلك ذكاة له، وهو اختيار أبي بكر، لأنه مقدور عليه، وذكاة المقدور عليه في الحلق واللبة. ونقل أبو طالب وحنبل أن ذلك ذكاة له وهو إختيار الخرقي، لأن هذه الحال يتعذر فيها الذكاة في الحلق واللبة في الغالب، فجاز أن يكون ذكاته على حسب الإمكان في الغالب، دليله إذا تردى في بئر أو ند بعيره، ولا يلزم على هذا إذا كان عنده صيد في بيته وخاف عليه الموت ولم يجد ما يذكيه أنه لا يعفي عن محل الذكاة في تلك الحال لأن تلك الحال لا يتعذر فيها الآلة التي يذكى بها في الحلق واللبة في غالب الحال، لأن الإنسان لا يخلو من آلة في منزله وفي رحله، وليس كذلك ها هنا، لأنه قد يتعذر في الغالب أن يكون معه في موضع الصيد آلة الذكاة في الحلق واللبة، فلهذا عفى عنها كما عفى عن المحل في المتردى. صيد الكلب إذا استرسل بنفسه: ٦ - مسألة:: إذا استرسل الكلب بنفسه من غير إرسال صاحبه فصاح به صاحبه وأضراه وأغراه على الصيد وسمى فازداد عدوه وحقق قصده وصار عدوه أسرع من الأول، فهل يحل أكل صيده أم لا؟

стр. 808

نقل حرب عنه: إذا أصاب الكلب من غير أن يرسل فلا يعجبني، لأن حديث عدي بن حاتم إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله (١) وهذا لم يذكر اسم الله، فظاهر هذا أنه اعتبر وجود الإرسال في الابتداء، فإذا لم يوجد ذلك ابتداء لم يبح، وهو الصحيح عندي. فقال أبو بكر وشيخنا أبو عبد الله: يباح. وجه الأولى: أن انفلات الكلب وذهابه تعلق به تحريم أكل الصيد، فوجب أن لا يرتفع ذلك الحكم بزجره، كما لو أرسله مجوسي فزجره مسلم أنه لا يتعلق الحكم بالزجر، كذلك ها هنا، ولأن زجر صاحبه له لم يقطع ما كان منه لأنه لم يرجع عن الاسترسال بل قوى فيه واشتد فلم يكن فيه قطعًا لاختياره، كما لو أن رجلا كان يمضي في حاجة فقال له رجل: بادر فيها، فأسرع وقوي في ذلك فإنه لا يكون قطعًا لما كان منه بل هو تقوية، فإذا صاد صيدًا فقد صادره لا عن إرسال فلم يجز أكله. ووجه الثانية: أن الزجر لم يتقدمه إرسال، فوجب أن يتعلق الحكم بالزجر كما لو كان في يده فزجره، ويبين صحة هذا أن الزجر إذا لم يتقدمه إرسال تعلق الحكم، به، ألا ترى أن الكلب لو انفلت على دابة إنسان فزجره صاحبه فعقر دابة الإنسان، ضمن، فلو لم يزجره لم يضمن، ولأنه قد حصل سببان أحدهما بغير فعل الآدمي، وهو انفلات الكلب من غير إرسال صاحبه وذهابه، والآخر بفعل الآدمي، فيجب أن يتعلق الحكم بفعل الآدمي. ألا ترى أن رجلًا لو حفر بئرًا في طريق المسلمين، أو وضع فيها حجرًا فعثر إنسان بدركه ووقع في البئر، أو على الحجر، تعلق الضمان على الحافر، وواضع الحجر، ولأنه لو صاح به فوقف ثم صاح به فاسترسل وقتل أبيح الأكل كذلك إذا لم يقف. أكل صيد المجوسي من من البحر: ٧ - مسألة: هل يباح أكل صيد المجوسي من البحر أم لا؟

стр. 809

فنقل حنبل عنه: لا يعجبني أن يؤكل من صيد المجوسي في بر ولا بحر، فظاهر هذا المنع. ونقل ابن منصور في المجوسي يصيد السمك في البحر والجراد: لا بأس به. ووجه الأولى: أنه صيد مجوسي فلا يباح دليله صيد البر. ووجه الثانية: أن هذه الأشياء لا تفتقر في إباحتها إلى الذكاة. والمجوسي فيها كالآلة ولو كانت الآلة التي يذبح بها السمك أو الجراد يقتل بها المجوسي لم يمنع. إباحة الطريدة. (١) ٨ - مسألة: إذا رمى صيدًا فأبان بعضه وفيه حياة غير مستقرة فذكاه أو تركه حتى مات أبيح أكله كله، وأما أكل ما بان منه ففيه روايتان: إحداهما: يحل أكله أيضًا. قال في رواية الميموني في المناجل إذا قطعت بعض الصيد: إنه مباح، وكذلك نقل أحمد بن الحسين المروزي إذا رمى صيدًا فأبان منه شيئًا فإنه يأكل ما بان منه، فظاهر هذا الإباحة، وهو اختيار أبي بكر. والثانية: لا يباح أكل ما بان منه قال في رواية حنبل: لا يأكل البائن وكذلك نقل الأثرم. وقد نقل الخرقي الروايتين جميعا، وذلك محمول على أنه إذا لم يكن فيه حياة مستقرة بعد الإبانة، فأما إذا كان فيه حياة مستقرة لم يبح أكل ما بان منه رواية واحدة. وجه الأولى: أن كل عقر كان ذكاة لما بقي كان ذكاة لما بان منه، أصله إذا كان قد قطعه نصفين ولأن العقر في الممتنع يحل محل الذبح في غير الممتنع، ثم ثبت أن الذبح في غير الممتنع يبيح سواء حصل بذلك إبانة الرأس أو لم يحصل كذلك العقر في الممتنع.

стр. 810

ووجه الثانية: قول النبي ﷺ ما أبين من حي فهو ميت (١)، وهذا بان من حي، ولأنه أبان منه ما لا يمنع بقاء الحياة فيما بقي فوجب أن لا يحل أكل ما بان منه، كما لو أدركه الصياد وفيه حياة مستقرة فذبحه أو لم يذبحه حتى مات إنه لا يباح. اجتماع المبيح والحاظر في الذكاة: ٩ - مسألة: إذا ذبح الشاة أو غيرها من الحيوان فأتى على المقاتل فحمل نفسه فوقع في ماء أو كان على رأس جبل فتردى فهل يباح أكله أم لا؟ على روايتين: قال في رواية الأثرم: في الرجل يذبح الذبيحة فتقع بعد ذبحه فقال: (لا تؤكل)، لحديث عاصم: إذا وقعت رميتك في ماء فلا تأكل (٢)، وكذلك نقل حنبل فظاهر هذا المنع، وهو اختيار الخرقي. ونقل أبو الحارث في الصيد إذا تردى ولحقه وبه رمق: يذكيه ويأكله، إلا أن يكون قد خرجت أمعاؤه ويكون مثله لا يعيش، وهكذا الحكم في الصيد إذا

стр. 811

رماه رمية موحية لا يعيش بعدها فتردى من جبل أو سقط في ماء هل يباح أكله؟ على روايتين: وجه الأولى: وهي اختيار الخرقي، ما روى عدي بن حاتم أن رسول الله ﷺ قال له: "إذا وقعت رميتك في ماء فغرقت فلا تأكل (١)، وفي حديث آخر: إذا رميت سهمك فاذكر اسم الله، فإن وجدته قتل فكل إلا أن تجده قد وقع في ماء لأنك لا تدري الماء قتله أو سهمك (٢) ولأنه مذبوح وقع في ماء قبل خروج روحه فلم يبح كما لو لم تستوف الذبح. ووجه الثانية: وهي أقيس، أنه قد صار مذبوحًا فلا يؤثر فيه ما وراء ذلك كما قلنا فيمن ذبح رجلًا فقطع المريء والودجين ثم جاء آخر فأجاز عليه أو شق بطنه فقطع حشوته ثم جاء آخر فضرب عنقه فالقاتل هو الأول كذلك ها هنا يبين صحة هذا أن سبعًا لو جرح حيوانًا جرحًا يموت منه لا محالة، فذكاها صاحبها بعد ذلك لم يبح، نص عليه في رواية الأثرم فقال لا يحل إن كان يعلم أنها تموت من عقر السبع وإن ذكاها، وكذلك نقل مهنا، فاعتبر أن يكون العقر موحيًا فلا تثبت الذكاة حكمًا فيما بعد، كذلك ها هنا إذا كانت الذكاة موحية لم يثبت حكم بعد ذلك.

стр. 812

تذكية غير السمك من صيد البحر: ١٠ - مسألة: ما يباح أكله من البحر من غير السمك، هل تقف إباحته على ذكاته أم لا؟ وذلك مثل خنزير الماء والسرطان والسلحفاة ونحو ذلك. فنقل عبد الله: لا بأس بأكل السرطان، قيل له: يذبح؟ قال: لا. فظاهر هذا أنه يباح من غير ذكاة. ونقل أبو الحارث وعبد الله، في كلب الماء والسلحفاة: لا بأس به إذا ذبح فقيل له: فإن رمي به في النار من غير أن يذبح.؟ قال: لا إلا أن يذبح فظاهر هذا أن الذكاة شرط. وجه الأولى: أنه لا يعيش إلا في الماء فكان موته ذكاته كالسمك. ووجه الثانية: قول النبي ﷺ أحل لنا ميتتان ودمان: السمك الجراد والكبد والطحال (١). ومن قال: يحل ميتة غير هذا، فقد ترك الخبر، ولأنها دابة لها مثل في البر فإذا كانت تأوي (إلى) البحر لم تبح بغير ذكاة، دليله ما يعيش في البر والبحر جميعًا مثل البط والوز وطير الماء، ولأن اعتبار الذكاة في هذه الأشياء تمكن لأنه لا يؤدي إلى تحريمه مع عدم الذكاة، لأن له نفسًا يطول ويبقى يعد خروجه من الماء ويفارق السمك لأن اعتبار الذكاة فيه يؤدي إلى تحريمه لأنه نفسه تضيق ولا تمتد بعد خروجه من الماء فيموت قبل ذكاته فلو كانت معتبرة فيه أدى ذلك إلى تحريم أكثره، ولأن اعتبار خل الذكاة فيه لا يمكن ويتعذر في السمك ذلك غالبًا لا سيما في صغاره. ما يوجد من السمك ميتا في بطن سمكة أخرى: ١١ - مسألة: إذا شق جوف سمكة فوجد فيه سمكة أخرى ميتة، هل تباح

стр. 813

السمكة التي وجدها في جوفها أولا؟ على روايتين: نقل أبو الصقر عنه في رجل اشترى سمكة فوجد في بطنها سمكة أخرى هل تؤكل السمكة التي في بطنها؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأس، الطافي أشد من هذا. ونقل مهنا عنه فيمن اشترى سمكة فشق بطنها فوجد في بطنها سمكة أخرى، فقال: كل شيء أكل مرة فلا يؤكل ثانية، فظاهر هذا أنه لا يباح. وجه الأولى، وهي اختيار أبي بكر، أن أكثر ما فيه أنها ماتت بغير فعل آدمي، فهو كما لو ماتت حتف أنفها، فهو كالسمك الطافي، ولأن أكثر ما فيها أنها روى حيوان يؤكل لحمه وذلك طاهر. ووجه الثانية: أنها محمولة على كراهة تنزيه، لأن من الفقهاء من منع أكل السمك الطافي، وهذا في معناه فلهذا كره أكلها. الجراد الميت حتف أنفه: ١٢ - مسألة: في الجراد إذا مات حتف أنفه هل يباح أكله أم لا؟ نقل المروذي عنه في الرجل يجد جرادًا ميتًا: فلم يكره، فظاهر هذا الإباحة، وهو اختيار أبي بكر. ونقل إسحاق بن إبراهيم وأبو طالب في الجراد يوجد في الصحراء قال: كله إلا أن تعلم أن البرد أو الحر، يعني الريح، قتله فلا تأكله. فظاهر المنع. وجه الأولى: حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال (١) وكل حيوان لو مات بسبب حل أكله فإذا مات حتف أنفه أبيح كالسمك ولأنه لو اعتبر السبب اعتبر صفة المذكى كالنعم فلما لم يعتبر صفة المذكى ثبت أنه لا يعتبر السبب. ووجه الثانية: قوله تعالى: "حرمت عليكم الميتة" (٢) ولأنه حيوان يعيش في البر فإذا مات حتف أنفه لم يبح، دليله الشاة الميتة وغيرها.

стр. 814

طرح السمك أو الجراد في النار حيًا: ١٣ - مسألة: هل يكره طرح السمك في النار وهو حي أو ماء حار أم لا؟ نقل عبد الله في الجراد يطبخ وهو حي بالماء والملح حتى يموت، فقال: هذا ذكاته وكذلك إن ألقي في النار وهو حي يشوى فلا بأس. وكذلك صالح وأبو الحارث وابن القاسم في حيتان شويت وهن أحياء أتؤكل؟ قال: نعم. وكذلك الجراد فظاهر هذا أنه غير مكروه. ونقل أبو داود عنه في السمكة تلقى في النار وهي حية، قال: لا، فظاهر هذا المنع. وجه الأولى: أن إلقاءه في النار ليس بأكثر من إمساكنا له حتى يموت بل طرحه في النار أسرع لخروج روحه وأسهل عليه وذلك الفعل مما يحصل به الذكاة فيجب أن لا يكره ذلك. ووجه الثانية: أن في ذلك تعذيبًا للحيوان وقد نهى النبي ﷺ عن تعذيب الحيوان وعن إيلامه (١). تنجس ما سوى الماء من المائعات بوقوع النجاسة: ١٤ - مسألة: إذا وقعت النجاسة في مائع غير الماء كالخل والزيت واللبن وغير ذلك من المائعات وكان كثيرًا هل ينجس أم لا؟ فنقل يعقوب بن بختان، وقد سئل عن الزيت يقوم مقام الماء في النجاسات فقال: لا، كل ما تحول عنه اسم الماء فلا، فظاهر هذا جميع المائعات تنجس الخل وغيره، وكذلك قال في رواية أبي الحارث، وقد سئل عن الفأرة تقع في

стр. 815

الزيت، وهو أكثر من خمس قرب، فقال: الزيت لا يقوم مقاء الماء، إنما جاء الخبر في الماء، والماء طهور لكل شيء. ووجه هذا ما روى عن النبي ﷺ أنه قال في الفأرة تقع في السمن: إن كان جامدًا فخذوها وما حولها، وإن كان مائعًا فلا تأكلوه ولا تقربوه (١). ولم يعتبر مقدارًا ولأن هذه الأشياء لا تدفع النجاسة عن غيرها فلا تدفعها عن نفسها ولأنه يمكن حفظها في العادة عن النجاسة، والماء بخلاف ذلك. ونقل حرب عنه في كلب ولغ في سمن أو زيت، فإن كان في إناء كبير مثل (٢) أو نحو ذلك: رجوت أن لا يكون به بأس يؤكل، وإن كان في إناء صغير فلا يعجبني أن يؤكل، فظاهر هذا أنه إذا كان كثيرًا لا ينجس في جميع المائعات. ووجهه أن كل مائع ينجس قليله لم ينجس كثيره، دليله الماء. ونقل المروذي عنه في النجاسة تقع في خل أو دبس فقال: أما الخل فأصله ماء يعود إلى أن يكون ماء إذا حمل عليه، ونقل أيضًا في خل أكثر من قلتين وقع فيه كلب فخرج منه حي، فقال: هذا أسهل منه لو مات. ونقل الحسن بن محمد بن الحارث عنه، وقد سئل عن الزيت والسمن والخل مثل الماء إذا كان كثيرًا لم ينجس قال: لا أقول هذا لا يطهر، فقيل له: فالخل؟ فقال: كان الخل أقرب، ثم كأنه جعله مثل الزيت.

стр. 816

قال: أبو بكر الخلال: قول الحسن بن محمد: جعله مثل الزيت وهم (١) منه والذي يعرف من مذهب أبي عبد الله التسهيل في الخل على ما حكى المروذي. قال: وبه أقول. فظاهر هذا أنه فرق بين الخل وبين غيره من المائعات، لأن الأصل في هذا الماء وإنما تغيرت صفاته، ويفارق هذا الزيت لأنه ليس أصله الماء. الانتفاع بالزيت المتنجس ونحوه فيما سوى الأكل: ١٥ - مسألة: في الزيت النجس هل يجوز أن يستصبح به؟ فنقل عبد الله الحارث وأبو طالب وابن منصور عنه: يستصبح به ويطلي به سفينته ولا يبيعه. ونقل العباس بن محمد بن موسى الخلال عنه، وقد سئل عن السمن أو الزيت إذا مات فيه شيء من الحيوان هل يستصبح به.؟ قال: لا يباح، ولا يستصبح به ولا يمس. قال: وسمعته يقول في الاستصباح: ومن يسلم من هذا؟ فظاهر هذا المنع. وجه الأولى: وهي اختيار أصحابنا، ما روي عن صفية بنت أبي عبيد أن جرة لعبد الله بن عمر وقعت فيها فأرة فماتت فأمرهم ابن عمر يصطبحوا به ويدهنوا به الأدم (٢) ولأن الاستصباح به إتلاف له. ووجه الثانية: ما روى عن النبي ﷺ أنه قال في السمن تقع فيه الفأرة فإن كان جامدًا فألقوها وما حولها وإن كان مائعًا فلا تقربوه (٣) ولأنه نوع استعمال فأشبه لو أراد أن يدهن الجلود به. وقت ذبح الأضحية: ١٦ - مسألة: في وقت ذبح الأضحية.

стр. 817

نقل حنبل وحرب: لا يضحى حتى يصلي الإمام في المصر، وينحر لوقت صلاة العيد إذا كانوا في قرية لا يعيد فيها ولا يجزي الذبح قبل الصلاة. فظاهر هذا أن وقت الذبح يدخل بفعل صلاة العيد في الموضع الذي يقام فيه الصلاة، أو يمضي وقت صلاة العيد في الموضع الذي لا يقام فيه الصلاة. وقال الخرقي: وإذا مضى من نهار يوم الأضحى مقدار صلاة الإمام للعيد وخطبته فقد حل الذبح. فظاهر هذا أن وقت الذبح يدخل بدخول وقت الصلاة لا بفعل الصلاة. وجه ما نقله حنبل وحرب وهو المذهب ما روي في حديث البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: "إن أول نسكنا في يومنا هذا الصلاة ثم الذبح فمن ذبح قبل الصلاة فليعد أضحيته فإنما هي شاة لحم عجلها لأهله وفي بعضها: ومن كان ذبح قبل أن يصلي فليعد الأخرى مكانها ومن لم يكن قد ذبح فليذبح (١) ". ووجه ما قاله الخرقي أنها قربة تختص بيوم العيد فلا تتعلق بصلاة الإمام قياسًا على زكاة الفطر، ولأنه أحد طرفي وقت الذبح فوجب أن يكون متعلقًا بالوقت لا بالفعل كالطرف الأخير. عيوب الأضحية: ١٧ - مسألة: لا تجوز الأضحية بعضباء الأذن، والقرن، واختلفت الرواية في صفة ذلك.

стр. 818

فنقل حنبل العضب ما كان أكثر من النصف من الأذن أو القرن فإذا انقطع أكثر من نصف الأذن والقرن لم يضح به، فظاهر هذا أن العضب المانع ذهاب أكثر من النصف فأما النصف فما دون فلا يمنع، وهو اختيار الخرقي. ونقل المروذي عنه: لا يضحى بالمكسورة القرن إذا كان فيما بينها وبين الثلث. فظاهر هذا أن المانع ذهاب أكثر من الثلث وهو اختيار أبي بكر. ووجه هذه الرواية أن الثلث في حد القلة، وما زاد عليه في حد الكثرة ولهذا المعنى جاز للمريض التصرف في الثلث، ولم يجز الزيادة عليه وتعاقل المرأة الرجل في الثلث فما دون وما زاد عليه على النصف لأنه يحصل في حد الكثرة والجد يقاسم الأخوة ما لم ينقصه من الثلث، فإذا أنقصه فرض له الثلث لأن ما نقص في حد القلة. ووجه من اعتبر الزيادة على النصف ما روي عن سعيد بن المسيب أنه قال: العضب ذهاب النصف (١) فما فوق ولا يقول مثل هذا إلا توقيفًا ولأن أطراف الأذن غير مستطاب وإنما يستطاب أصولها وإذا قطع الأقل لم يؤثر فإذا قطع زيادة على النصف فقد ذهب بجزء مما هو مستطاب فجاز أن يؤثر ولأن الأكثر قد جعل في الأصول قائمًا مقام الكل فجاز أن يقوم الأكثر ها هنا مقام ذهاب جميع الأذن وذهاب الجميع يمنع ولم يقم الأقل مقام الكل فجاز أن لا يمنع كاليسير. القدر المجزئ في الذكاة: ١٨ - مسألة: في قدر الإجزاء في الذكاة. فنقل حنبل والفضل بن زياد في الذكاة في الحلق واللبة: ينبغي أن يقطع الحلق واللبة، فظاهر هذا أنه يجزئ في ذلك قطع الحلقوم والمريء، وهو اختيار الخرقي لأنه قال: وذكاة المقدور عليه من الأنعام في الحلق واللبة.

стр. 819

ونقل عبد الله: لا تؤكل حتى يذبحها على الحلقوم والأوداج وكذلك نقل ابن إبراهيم: إذا فرى الأوداج فلا بأس، فظاهر هذا أن الإجزاء يحصل بقطع أربع: الحلقوم والمريء والودجين والحلقوم، مجرى النفس والمريء تحت الحلقوم: وهو مجرى الطعام والشراب، والودجان عرقان يحيطان بالحلقوم. وجه الأولى: أنه ذبح يوصل به إلى خروج الروح من غير تعذيب، فوجب أن يقع به جزاء كالقطع للأربعة يبين هذا أن القصد إخراج الروح من غير تعذيب، وهذا موجود بقطع الحلقوم والمريء لأنه لا يعيش بعده ويموت في الحال بلا تعذيب فهو كما لو قطع الودجين. ووجه الثانية: قول النبي: ﷺ : "ما أنهر الدم، وفرى الأوداج، فكل (١) ". وقال: "أفر الأوداج وكل (٢) "، فعلق الإباحة بفري الأوداج ولأنهم لا يختلفون أن قطع هذه الأربعة جائز له فلولا أن قطعها مشروط لم يجز قطعها لأن فيه زيادة تعذيب ليس هو شرط ولأنه لم يفر الأوداج أشبه ما ذكرنا.

стр. 820

ذبح الكتابي لأضحية المسلم: ١٩ - مسألة: إذا ذبح الأضحية كتابي، فهل تقع الأضحية موقعها أم لا؟ نقل حنبل عنه: لا بأس أن يذبح اليهودي والنصراني نسك المسلم والمسلم أحب إلي. فظاهر هذا أنها واقعة موقعها. ونقل ابن منصور هل يذبح أهل الكتاب للمسلمين؟ أما النسك فلا، فظاهر هذا أنها لا تقع موقعها. وجه الأولى: أنه من أهل الذكاة فصح أن يذبح الأضحية كالمسلم، ولأن المقصود حصول الذكاة وإن لم يقع على وجه القربة، بدليل أنه لو أوجب أضحية فذبحها مالكها يعتقدها شاة لحم وقعت الأضحية موقعها، فإذا لم يراع أن يقع على وجه القربة صح من الذمي. ووجه الثانية: قول النبي ﷺ : "لا يذبح ضحاياكم إلا طاهر (١) "، ولأنه كافر أشبه المجوسي ولأن ما لا يتقرب به الكافر عن نفسه لا ينوب عن المسلم فيه كالحج. أكل الثعلب: ٢٠ - مسألة: في الثعلب هل يباح أكله أم لا؟ نقل حنبل عنه: كل ما يودي إذا أصابه المحرم يؤكل، فظاهر هذا أن كل ما ضمن المحرم بالجزاء يباح أكله، وقد نص في رواية أبي الحارث في الثعلب شاة فهذا يدل على إباحته. ونقل عبد الله عنه: لا يعجبني أكل الثعلب، نهى النبي ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع". (٢)

стр. 821

وجه الأول: وهي أصح قوله تعالى: "قل لا أجد فيما أوحى إلي محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير" (١). فدل على أن ما عدا ذلك غير محرم، ولأنه حيوان لم يمتزج بغير جنسه يجب بقتله الجزاء فكان مأكولًا كالغزال، والضبع، والضب، فإن المذهب لا يختلف في إباحتها ولا عليه السمع لأنه يمتزج بغير جنسه لأنه متولد من الذئب والضبع، أو نقول: هو ذو ناب ضعيف غير مستكره، فحل أكله كالضبع. ووجه الثانية: نهى رسول الله ﷺ "عن أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير"، رواه عاصم بن ضمرة (٢). وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: أكل كل ذي ناب من السباع

стр. 822

حرام (١)، ولأنه سبع لا يستطاب في العادة فهو كالذئب ولأنه يعتاد أكل الجيف فهو كالذئب، والكلب، والخنزير، ويفارق الضبع والضب فإنه يستطاب، ولا يأكل الجيفة، فأما السنور البري فهل يباح أكله أم لا؟ فنقل عبد الله، وقد سئل عن السنور، فقال: لا يعجبني أكله، يشبه السبع فظاهر هذا المنع على الإطلاق. وقال في رواية حنبل: ما يودي إذا أصابه المحرم يؤكل. وقد قال في رواية الكوسج: في السنور الأهلي وغير الأهلي حكومة. فظاهر هذا إباحتها. وجه الأولى: وهي أصح ما روى جابر أن النبي ﷺ نهى عن أكل السنور وعن أكل ثمنها (٢) ولأنها تأكل حشرات الأرض فهي مستخبئة ووجه الثانية: أن ما كان إنسيا ووحشيًا فإذا لم يؤكل الإنسي منه أكل الوحشي كالحمير. أما الذباب والبق، فهل يحرم أكله أم لا؟ نقل ابن إبراهيم وابن منصور في الذباب: ما أراه حرامًا فظاهر هذا إباحته. ونقل الميموني عنه وقد سئل عن الذباب والبق فقال: إذا وقع الذباب في الطعام فانقلوه فإن أحد جناحيه فيه سم يعني فاغسوه، فظاهر هذا يقتضي تحريمه لأنه قد منع من أكل الحية والعقرب لأن فيها سما. وهذا المعنى موجود في الذباب.

стр. 823

وجه من قال بإباحته عموم قوله تعالى "قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس (١) " وهذا خارج من ذلك. ووجه الثانية: وهي أشبه قوله تعالى: "ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث" (٢) والعرب تستخبث هذه الأشياء ولا تأكلها فيجب أن يحرم أكلها ولأنه في معنى البراغيث والقمل والنمل، وذلك غير مستطاب. أنفحة الميتة: ٢١ - مسألة: في أنفحة الميتة ولبنها هل هي طاهرة أم نجسة؟ نقل حنبل عنه: أنفحة الميتة طاهرة لأن اللبن لا يموت، فظاهر طهارتها وهو قول أبي حنيفة والوجه فيه عموم: "نسقيكم مما في بطونه (٣) " وذلك في: حال الحياة وبعد الموت. وروى ابن عباس قال: أتى النبي ﷺ في غزاة الطائف بجبنة فقال: أين يصنع هذا؟ قالوا: بأرض فارس قال: "اذكروا اسم الله عليه وكلوا (٤) ". ومعلوم أن ذبائح المجوس ميتة وقد أباح أكلها مع العلم أنها من صنعتهم. وقد روي عن عمر وسلمان وعائشة وطلحة إباحة أكل الجبن الذي فيه أنفحة الميتة (٥). ونقل الميموني في الدجاجة إذا ماتت وأُخذ منها البيض: جائز، وقال: ليس البيض منزلة اللبن هذا سائل يختلط والبيض جامد، فظاهر هذا نجاسته وهو قول مالك والشافعي، ولأن موضع الحلقة لا ينجس ما جاوره مما حدث فيه

стр. 824

خلقة بدليل جواز أكل اللحم بما فيه من العروق مع العلم بمجاورة الدم له وأحلها من غير تطهير ولا غسل، ويبين صحة هذا قوله تعالى: "نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنًا خالصًا سائغًا" (١). ولم يوجب يوجب نجاسته لأنه موضع الحلقة. ووجه الثانية: أنه مائعٌ جاور محلًا نجسًا فنجسه دليله لو حصل اللبن في ظرف نجس. القدر المباح من الميتة لمن أضطر إلى أكلها: ٢٢ - مسألة: اختلفت الرواية في جواز الشبع من الميتة. فنقل أبو طالب وحنبل، إنما تحل الميتة إذا خاف على نفسه الموت، فيأكل منها بقدر ما يقيمة عن الموت فإذا أقامة عن الموت أمسك عنها ولا يتزود. فظاهر هذا أنه لا يجوز له الشبع منها، وهو اختيار الخرقي. ونقل ابن منصور والفضل يأكل بقدر ما يستغني فإن خاف أن يحتاج إليه تزود منه، فظاهر هذا جواز الشبع منها، وهو اختيار أبي بكر. وجه الأولى: وهي الصحيحة أن الإباحة معلقة بشرط الضرورة، بدليل قوله تعالى: "إلا ما اضطررتم إليه (٢) "، فإذا أكل منها ما يمسك رمقه زالت الضرورة فوجب أن تزول الإباحة لعدم الشرط ولأن خوف التلف على نفسه معدوم في هذه الحال فلا يجوز أن يأكل منها أصله لو عدم الخوف حال الابتداء ولأنه لو عدمت الضرورة إليها في الابتداء لم يجز تناولها، فإذا عدمت في الثاني يجب أن لا يجوز كما لو وجد طعامًا مباحًا بعد ما تناول منها لقمة أو لقمتين. ووجه الثانية: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: الميتة حلال لكم ما لم تصطبحوا أو تغتبقوا" (٣) فأباحها على الإطلاق إذا لم يجد صبوحًا أو غبوقًا وكل ما جاز أكل ما يسد به الرمق جاز الشبع منه كالطعام المباح.

стр. 825

الأكل من ثمر البستان لمن مر به: ٢٢ - مسألة: إذا مر الإنسان ببستان غيره وفيه ثمرة معلقة وهو في الحضر ولا ضرورة به وليس عليه حائط فهل يجوز له أن يأكل من تلك الثمرة من غير إذن ولا ضمان أم لا؟ نقل صالح عنه أنه قال: أرجو أن لا يكون به بأس إذا كان مسافرًا إنما الرخصة للمسافر، فظاهر هذا أنه ممنوع منه في الحضر. كذلك نقل أبو طالب وحنبل، وقد سئل: إذا لم يكن تحت الثمرة شيء يصعد فقال: لم أسمع يصعد، فإن اضطر أرجو أن لا يكون به بأس. فظاهر هذا أنه مباح عند الضرورة. ونقل حرب: إذا كان عليه حائط فلا يأكل، وإن لم يكن عليه حائط وكان في فضاء من الأرض فلا بأس أن يأكل، وهذا يقتضي الإباحة على الإطلاق. وكذلك نقل الأثرم وقيل له: يأكل على الضرورة أو غير ضرورة؟ فقال: ليس في الأحاديث ضرورة فقد اعتبر ظاهر الخبر وليس فيه حضر ولا سفر، ولا ضرورة. وجه الأولى: ما روي عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ سئل عن الثمر المعلق؟ فقال: من أصاب منه بقية من ذي الحاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج منه بشيء فعليه غرامة مثله والعقوبة، ومن سرق منه شيئًا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ قيمة الجن فعليه القطع (١).

стр. 826

فوجه الدلالة أنه قال: من أصاب بغية من في الحاجة فلا شيء عليه فأباح ذلك عند (١) الحاجة وذلك إنما يوجد غالبًا في السفر فدل على أنه لا يباح عند عدم ذلك. ووجه الثانية: ما روى نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: إذا مرَّ أحدكم بحائط غيره فليدخل فيأكل، ولا يتخذ خبنة (٢) وفي بعضها فليناد ثلاثًا فإن أجابوه وإلا فليدخل ولا يتخذ خبنة (٣). يعني: لا يحمل معه، فظاهر هذا الإباحة على الإطلاق من غير حاجة ولا سفر. وكذلك روى أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: إذا أتيت على بستان فناد صاحب البستان ثلاثًا فإن أجابك وإلا فكل من غير أن تفسد (٤). وهذا أيضًا إباحة على الإطلاق. فإن اجتاز ببستان غيره وفيه زرع فهل يباح له الأكل من ذلك كما يباح له الأكل من الثمار أم لا؟ نقل أبو طالب عنه فإن كان زرع حنطة فلا يأكل إنما رخص في الثمار ليس في الزرع. فظاهر هذا المنع. ونقل بكر بن محمد عن أبيه عنه فإذا كان ثمرًا في نخل أو بستان أو إبل في صحراء على حديث أبي سعيد أو سنبل قائم أكل منه، وإن كان ثمرًا قد أخزن في البيوت أو حنطة قد أحرزت في بيت أو إبل أو غنم قد أويت إلى المراح فلا يأكل منه، ويأكل الميتة، فظاهر هذا الإباحة وهو اختيار أبي بكر. وجه الأولى: أن القياس يقتضي المنع لأنه تصرف في مال الغير بغير إذنه،

стр. 827

من غير ضرورة إلا أنا أطرحنا القياس في الثمار للخبر، والخبر وارد في الثمار، وهو حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ سئل عن الثمر المعلق فقال: من أصاب بغية من ذي الحاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه (١) فأباح الثمرة والزروع لا يقع عليها اسم الثمار على الإطلاق فيجب أن يبقى ما عداه على موجب القياس. ووجه الثانية: أن في حديث ابن عمر وأبي سعيد إذا أتيت على حائط إنسان أو مر أحدكم بحائط غيره فليأكل (٢) وهذا عام في الثمار وغيرها إلا ما خصه الدليل كل بستان أبيح له أكل الثمار منه أبيح له أكل الزرع منه دليله ملك نفسه. الشرب من ألبان الماشية لمن مر بها: ٢٤ - مسألة: فإن مر على ماشية غيره فهل له أن يحلب ويشرب من لبنها أم لا؟ على روايتين: نقلها بكر بن محمد عن أبيه عنه فسئل عن الرجل يمر بالغنم والإبل يشرب من ألبانها من غير أمر صاحبها؟ قال: لا، أذهب إلى حديث ابن عمر، هو أجود إسنادًا قيل: فيمر البساتين، قال: يأكل هذا فعله غير واحد من أصحاب النبي ﷺ (٣) فظاهر هذا أنه منع من شرب اللبن ففرق بينه وبين الثمار، وقال في موضع آخر وإذا

стр. 828

مررت بإبل أو غنم فناد ثلاثًا، فإن أجابك وإلا فاشرب، فإنه لا بأس. فظاهر هذا الإباحة. ووجه الأولى: ما روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: لا تحتلب مواشي القوم إلا بإذنهم (١) وهذا نهي فاقتضى التحريم. ووجه الثانية: ما روى الحريري عن أبي نضرة، عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: "إذا أتيت على راع فناده ثلاثا فإن أجابك وإلا فاشرب من غير أن تفسد وإذا أتيت على حائط إنسان فناد صاحب البستان ثلاثا فإن أجابك وإلا فكل من غير أن تفسد" (٢).

стр. 829

ولأن المنع من اللبن ليس بآكد من الثمار وقد جاز له الأكل منه من غير إذن ولا ضمان كذلك اللبن. شحوم ذبائح أهل الكتاب: ٢٥ - مسألة: في الشحوم المحرمة على أهل الكتاب إذا تولى ذكاتها هل هي محرمة على المسلمين أم لا؟ اختلف أصحابنا في ذلك فكان أبو الحسن التميمي يقول: هي محرمة إذا كان الذابح كتابيًا، وأفرد لهذه المسألة جزءًا وتكلم فيها على من خالفه من أصحابه وقد أومأ إليه أحمد ﵀ في رواية صالح قال: كان أبي يكره شحوم ذبائح اليهود. فظاهر هذا المنع. وقال شيخنا أبو عبد الله: هي مباحة وقال: كان الخرقي يقول: هي مباحة وجعلها مسألة منفردة ونصرها بالإباحة، وقد أومأ أحمد إلى ذلك في رواية مهنا وقيل له الزبيري عن مالك في اليهودي يذبح الشاة لا يأكل من شحمها. قال أحمد: مذهب دقيق، فظاهر هذا أنه يعجب من قوله ولم يأخذ به. ولا يختلف أصحابنا أنه إذا كان الذابح مسلمًا أن تلك الشحوم مباحة في حقه، وكذلك لا يختلفون أن تحريم ذلك باقٍ في حق أهل الكتاب لم ينسخ نص عليه في رواية عبد الله. وجه من حرمها أنها شحوم محرمة على ذابحها فكان محرمًا على غيره دليله لو كان المذبوحة خنزيرًا وذكاه مجوسي أو محرم وذلك أن هذا الشحم محرم على

стр. 830

ذابحه وهو الكتابي، بدليل قوله تعالى: "وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومها" (١). ولم يثبت نسخه، ولأنه علل فقال: "ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون (٢) وهذا المعنى موجود في وقتنا فيجب أن يكون محرمًا على غير الذابح كما قلنا في ذكاة المجوس والمحرم. ووجه من قال بالإباحة احتج بأن ما كان مباحًا إذا تولى ذبحه المسلم كان مباحًا إذا تولى ذبحه اليهودي دليله اللحم، وكل شاة أبيح للمسلم أكل لحمها أبيح له أكل شحمها دليله التي ذبحا المسلم، ومن قال بالأول أجاب عن هذا وقال: إذا تولى المسلم ذبحها فقد قصد إلى ذكاة الشحم، وإذا تولى الكتابي فهو غير قاصد إلى ذكاة الشحم والقصد معتبر في الذكاة لأنه لو لم يكن معتبرًا لم يختلف باختلاف المذكين كما أن النجاسة لما لم يعتبر القصد في إزالتها لم يعتبر فيها المزيل وها هنا قد اعتبر فيها المذكي أن يكون من أهل الكتاب فإن كان مجوسيًا أو وثنيًا، لم يصح ذكاته فدل على أن القصد معتبر في ذلك. إطعام الميتة والطعام النجس لما لا يؤكل من البهائم: ٢٦ - مسألة: هل يكره أن تطعم البهائم التي لا تؤكل الميتة والطعام النجس أم لا؟ نقل مهنى عنه في الرجل يموت عنده الطير يطعمه طيرًا آخر فكرهه. ونقل حنبل في الرجل يطعم كلبه المعلم الميتة: فلا حرج على صاحبه أما كراهية ذلك في الطير لأنه يؤدي إلى تنجيسه وتحريم أكله فلهذا كره له ذلك، وأما جواز ذلك في كلبه فلأن الكلب نجس العين فلا يؤثر فيه إطعامه النجاسة وقد نص في مواضع منها (ما نقله) بكر بن محمد ومحمد بن الحسن في الخبز إذا عجن بما نجس يطعمه البهائم التي لا يؤكل لحمها، واحتج أحمد في ذلك بما روى نافع عن ابن عمر أن قومًا اختبزوا من آبار الذين مسخوا فقال النبي ﷺ : أعلفوه

стр. 831

النواضح (١) واحتج أيضًا بقول النبي ﷺ في كسب الحجام: أعلفه ناضحك (٢).

стр. 832

الأيمان والنذور والكفارات ويشمل الموضوعات التالية: الأول: الأيمان المكفرة وغير المكفرة. الثاني: لغو اليمين. الثالث: تداخل الكفارات. الرابع: الألفاظ التي ينعقد بها اليمين. الخامس: الحلف بغير الله السادس: سقوط الكفارة بالدية. السابع: تكفير العبد من مال سيده. الثامن: الحنث في اليمين. التاسع: الفصل بين اليمين والاستثناء. العاشر: في النذور. الحادي عشر: نذر المشقة. الثاني عشر: المتتابع في يوم النذر. الثالث عشر: النذر المعلق على مجهول. الرابع عشر: القدر المجزئ في النذر المطلق. الخامس عشر: نذر المعصية. السادس عشر: النذر غير المقدور عليه.

стр. 833

كتاب الأيمان والنذور والكفارات الكفارة بالحنث على من قال: هو كافر أو فاسق إن فعل كذا أو ترك كذا: ١ - مسألة: إذا قال: هو يهودي إن فعل كذا أو كافر أو بريء من الإسلام أو من الرسول إن فعل كذا، ففعل فحنث فهل يجب عليه الكفارة أم لا؟ نقل صالح وأبو طالب: عليه كفارة يمين. ونقل حنبل عن مالك: أنه يقول في الرجل يقول: اكفر بالله أو أشرك بالله ثم يحنث: عليه كفارة ويستغفر الله. قال أحمد: أحب إلي أن يكفر ويستغفر الله، فظاهر هذا أنه استحب الكفارة ولم يرها واجبة. وجه الأولى: وهي المذهب ما روى أبو بكر بإسناده عن الزهري عن خارجه بن زيد عن زيد عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن الرجل يقول: هو يهودي، هو نصراني، أو هو مجوسي، أو بريء من الإسلام في اليمين يحلف عليها فيحنث في هذه الأشياء، قال: عليه كفارة يمين (١) لأن البراءة من الله أو الرسول توجب الكفر فجاز أن يصير به حالفًا وتجب الكفارة إذا حنثت دليله اسم الله تعالى ثم جاز أن يكون حالفًا باسم من أسمائه كذلك ها هنا.

стр. 834

ووجه الثانية: أنه وصف نفسه بالمعصية بفعله فلم يلزمه كفارة يمين كما لو قال: إن فعلت كذا فأنا زان، أو شارب خمر وفعله. الكفارة باليمين الغموس: ٢ - مسألة: يمين الغموس هل يجب فيها الكفارة أم لا؟ نقل حرب وابن منصور وأبو طالب: لا كفارة فيها وهو أعظم من أن يكون فيه كفارة. ونقل أبو العباس "أحمد بن سعيد اللحياني" عنه: إنما الكفارة فيمن يتعمد الحلف على الكذب أنه قال يكفرها. قال: ولا أعلمه إلا وقد سمعته يقول أيضا وقد روى في الذي يتعمد الحلف على الكذب أنه قال: يكفرها فظاهر هذا الكفارة فيها. وجه الأولى: وهي المذهب أن يمين الغموس غير معقودة لأن الحنث يقارنها فمنع انعقادها وتقع مفحله وإنما المعقودة هي التي يترقب فيها البراء والحنث ألا ترى أن قول الرجل لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق، وقوله لعبده: إن كلمت زيدا أنت حر ليس بيمين معقودة لأن الحنث غير مترقب بل هو واقع في الحال، ويبين صحة هذا أن ما يطرأ على العقد لما يحله إذا قارنه منع انعقاده كالرضاع والردة في النكاح، وهلاك المبيع، وإذا لم تكن منعقدة لم تجب الكفارة لقوله تعالى: "ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين." (١) الآية فأوجب الكفارة في يمين منعقدة. ولأنها يمين على الماضي فلم تتعلق بها كفارة دليله يمين اللغو وهو إذا قال: والله إن هذا زيد فبان له أنه عدو كان يظن أنه زيد فإنه لا كفارة عليه كذلك ها هنا. ووجه الثانية: أنه خالف بين قوله وفعله في يمين مقصودة أشبه اليمين غير الغموس وكل معنى إذا طرأ على عقد صحيح أوجب الكفارة فإنه إذا قارنه أوجب الكفارة قياسًا على الوطء في الحج ولأن أكثر ما فيه أنه معصية وهذا لا يمنع الكفارة كالظهار.

стр. 835

لغو اليمين: ٣ - مسألة: في صفة يمين اللغو التي لا كفارة فيها. نقل عبد الله: اللغو عندي أن يحلف على اليمين يرى أنها كذلك فلا كفارة والرجل يحلف ولا يعقد قلبه على شيء فلا كفارة، فظاهر هذا أن لها صفتين إحداهما أن يقصد باليمين فعلًا ماضيًا فبان بخلافه مثل أن يرى رجلًا يظنه زيدًا فقال: والله إن هذا زيد فبان أنه عمرو أو رأى كوكبًا فظنه الهلال فقال: والله لقد أهل الهلال فإذا هو كوكب فلا كفارة فيه. والثاني: أن يسبق على لسانه ولا يعتقدها بقلبه كأنه أراد أن يقول بلى والله فسبق على لسانه: لا والله، أو أراد أن يقول: لا والله فسبق على لسانه بلى والله ونحو ذلك، فهذا لغو اليمين ولا كفارة فيها. ونقل حنبل أنه سئل عن اللغو في اليمين فقال: هو الرجل يحلف على الشيء فيقول: لا والله وبلى والله لا يريد عقد اليمين في كلام أو مراجعة كلام. فإذا عقد على اليمين لزمته الكفارة، فظاهر هذا أنه إذا قصد على شيء ماضٍ باليمين يظن أنه كما حلف فبان بخلافه أنها يمين مكفرة وإنما اللغو ما لا يقصد اليمين فيه. وجه الأولى: وهو اختيار الخرقي أنها يمين على ماض فأشبه قوله: والله، وبلى والله. ووجه الثانية: أنه خالف بين قوله وفعله في يمين مقصودة فوجب أن لا تكون لغوا وتجب الكفارة، دليله اليمين المعقودة على المستقبل. وروى عطاء قال دخلت أنا وعبيد الله بن عمير على عائشة ﵂ وهي معتكفة فسألناها عن لغو اليمين قالت: قول الرجل لا والله، وبلى والله، ولا يقصد بقلبه" (١) ولأن اللغو في اللغة ما يلغى من الكلام ويكون

стр. 836

حشوًا غير مقصود وإذا قصد اليمين على الماضي فهي يمين مقصودة، فلم تكن لغوًا ومن نصر الأولى أجاب عن قول عائشة بما روى أبو صالح عن ابن عباس قال: اللغو في اليمين: قول القائل هذا والله فلان وليس بفلان (١) وقوله يعارض قولها وقوله: إن اللغو ما يلغي ويكون حشوًا ليس كذلك لأنه قد يكون عبارة عما لا يعتد به من الكلام ولا يتعلق به حكم قال الله تعالى "وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه (٢) وقال تعالى: "لا يسمعون فيها لغوا" (٣) ومعناه: لا يسمعون كلاما هزلا لا يعتد به. تداخل الكفارات: ٤ - مسألة: إذا كرر اليمين على فعل شيء واحد وحنث فيه أو على أشياء مختلفة وحنث في جميعها، هل يجب كفارة واحدة أم لكل يمين كفارة؟ نقل ابن منصور فيمن قال: والله لا آكل هذا الطعام ولا ألبس هذا الثوب ولا أدخل هذه الدار، فكفارة واحدة في كل هذا، ونقل في الرجل أيضًا يحلف على أمور شتى مرارًا في مجلس أو مجالس ما لم يكفر كفارة واحدة، فظاهر هذا أنه إن حنث في بعضها ثم كفر ثم حنث في الثاني فكفارة ثانية. ونقل المروذي في امرأة قالت لزوجها: بوجه الله لا أعطيه كذا، ثم حلفت بوجه الله إن هي تركتك تدخل الدار وهي تريد إعطاءه قال أحمد تكفر كفارتين. فظاهر هذا أن عليه في كل يمين كفارة سواء كفر عن بعضها أو لم يكفر. وكذلك نقل إسحاق بن إبراهيم في الرجل يقول: مالي في المساكين وعلى المشي قال: إذا عقد بها اليمين فعليه كفارتان، يروي فيه عن ابن عمر وزينب وحفصة (٤). قال أبو بكر: ما نقل المروذي قول أول لأحمد، والقول في ذلك أن كل

стр. 837

حالف لو حلف بالله أو بحقه من صفاته أو باسم من أسمائه أو بوجهه، أو بعمله، أو قدرته، وعزته، وكلامه، وأسمائه الحسنى فعليه كفارة يمين إذا حنث فيها. وقال الخرقي: اليمين المكفرة أن يحلف بالله أو باسم من أسمائه أو بآية من القرآن أو بصدقة ماله أو بالحج أو بالعهد أو بالخروج عن الإسلام، وذكر القصد بطوله ثم قال بعد ذلك: ولو حلف بهذه الأيمان كلها على شيء واحد فحنث لزمه كفارة واحدة. فظاهر هذا أنه إذا حلف بها على أشياء مختلفة أن في كل واحد منها كفارة ولا تتداخل. وجه الأولى: وهي الصحيحة، أن الكفارات تجري مجرى الحدود قال: ﷺ الحدود كفارات لأهلها (١) ثم ثبت أنه لو زنى أو سرق ثم سرق ولما يحد فحد واحد كذلك في باب الكفارات يجب أن تتداخل. ووجه الثانية: أنها أيمان حنث فيها فلم تتداخل كفاراتها، دليله إذا اختلفت كفاراتها مثل أن يحلف بالله وبالظهار وينحر ولده، ويعتق عبده، فإنها لا تتداخل، وكذلك ها هنا، ولأنه حق في مال وحقوق الأموال لا تتداخل، والذي يدل على أنها أيمان أن الحنث يتكرر فيها فيجب أن تتكرر الكفارة. ووجه ما قاله الخرقي: إذا كانت على شيء واحد فهي يمين واحدة وإنما عطف بعضها على بعض تأكيدًا بدليل أن موجبها حنث واحد فهو كقوله: والله، الطالب الغالب والضار النافع، فإن في ذلك كفارة واحدة، ويفارق هذا إذا كانت على أشياء لأنها أيمان بدليل أن الحنث يتكرر فيها فلهذا أوجب لكل يمين كفارة.

стр. 838

الألفاظ التي ينعقد بها اليمين: ٥ - مسألة: إذا قال: أقسمت، أو قال: أقسم لا فعلت كذا وكذا، ونوى به اليمين، كان يمينًا، وإن لم ينو به اليمين، فعلى روايتين. نقل أبو طالب: القسم يمين، فإذا قال: أقسمت عليك فهو يمين إذا حنث وإن لم يقل بالله. فظاهر هذا أنها يمين، فإن لم ينو بها اليمين، وهو اختيار الخرقي وأبي بكر. ونقل حنبل: إذا قال: أقسم، ونيته اليمين، فكفارة يمين. وإن قال: أقسم، ولم يكن له نية، فلا شيء عليه. فظاهر هذا أنه إن نوى به اليمين كان يمينًا وإن لم ينو به اليمين لم يكن يمينًا. ونقل المروذي: في القسم يمين، وفرق بين قوله قسمت عليك، وبين: أقسمت عليك. فظاهر هذا أنه فرق بين قوله: قسمت عليك، وبين: أقسمت، أو لم يصرح بالحكم في ذلك، ويجب أن يكون قوله: قسمت ليس بيمين، وأقسمت يمينًا. ولا تختلف الرواية إذا قال: أقسم بالله، أو أقسمت بالله، فهو يمين نوى اليمين أو لم ينو به اليمين. وجه الأولى: في أنه يمين وإن لم ينو به اليمين ما روى أن أبا بكر الصديق ﵁ عبر رؤيا فقال له النبي ﷺ أصبت بعضًا، وأخطأت صلى الله بعضًا، فقال له أبو بكر: أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني فقال النبي ﷺ لا تقسم يا أبا بكر (١).

стр. 839

فوجه الدلالة أنه قال: أقسمت ولم يقل: أقسمت بالله وجعله النبي يمينا ونهاه عنه، وكذلك روى أن صفوان بن عبد الرحمن جاء بأبيه إلى النبي ﷺ يوم الفتح فقال: يا رسول الله بايعه على الإسلام والهجرة، فقال النبي ﵇: لا هجرة، فقال العباس: أقسمت عليك يا رسول الله لتبايعنه، فبايعه النبي ﷺ وقال: بررت عمي ولا هجرة (١). فجعل قوله: أقسمت عليك يمينا وأخير أنه بر فيه فدل على أنه بمجرد يمين. ولأن القسم لا يقع بغير الله وقوله أقسم كقوله: أقسم بالله، كالحج لما لم يقع لغير الله كان قوله: "علي حجة" كقوله لله علي حجة، ولأن قوله: أقسمت يقتضي مقسمًا به وهو منهي عن القسم بغير الله وإن أطلق، فالظاهر أنه أراد به القسم بالله، فصار كما لو قال: أقسمت بالله. ووجه الثانية: أنه لفظ عري عن ذكر الله واسمه وصفاته فلم يكن يمينًا يكفر، كما لو قال: وحق أبي وحق الكعبة، ولأن الأيمان تتعلق بصريح اللفظة ولا تتعلق بالكتابة، وألا ترى أن الرجل إذا قال: والله لا كلمت زيدًا، فقال الآخر: يميني في يمينك، لم ينعقد يمين الثاني لأنه كناية؟ كذلك ها هنا. ووجه ما نقله المروذي أنه قال: أقسمت فقد أتى بحرف القسم وهو الألف قال الله تعالى: "إذ أقسموا ليصر منها مصبحين" (٢)، "يعني حلفوا، وليس كذلك إذا قال: قسمت لأنه لم يأت بحرف القسم. وقال تعالى: "نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا .. " (٣) .. يعني قسمة المال دون اليمين، وفارق هذا أقسمت فإن قال: أشهد لا فعلت كذا ولم ينو به اليمين فهل يكون يمينًا؟ فنقل أبو طالب إذا قال: أشهد هو يمين ولعمري ليس بشيء، فظاهر هذا أنها يمين نوى بها اليمين أو لم ينو بها ويجب أن تخرج على روايتين مثل قوله أقسم لا فعلت كذا هل يكون يمينًا بغير نية؟

стр. 840

على روايتين. ولا تختلف الرواية أنه إذا قال: أشهد بالله أنه يمين نوى اليمين أو لم ينو. فوجه من قال: أشهد يمينًا وإن لم ينو به اليمين أنه قد ثبت له عرف الشرع يدل عليه قوله تعالى: "إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون اتخذوا أيمانهم جنة" (١) .... فأخبر أنهم اتخذوا أقوالهم تشهد إنك لرسول الله جنة، وسماه يمينًا، ولأنه من ألفاظ اليمين، ألا ترى أنه لو قال: أشهد، وأراد به اليمين، كان يمينًا، فإذا أدرجه مخرج التأكيد للخبر كان يمينًا، كقوله: "أشهد بالله". ووجه من قال: لا يكون يمينًا: أن اللعان يمين، وقد ثبت أن ذكر الله شرط فيه حتى إذا تركه لم يحتسب به كذلك هاهنا ولأن قوله أشهد يحتمل أشهد بأمر الله، ويحتمل الوعد، ويحتمل غيره فلا يكون يمينًا. الحلف بالأمانة والعهد والميثاق: ٦ - مسألة: فإن قال: والعهد والميثاق والأمانة لا فعلت كذا، ولم ينو به اليمين فهل يكون يمينًا؟ فنقل حرب عنه: إذا حلف بالأمانة فإن أراد أن يعقد اليمين فهو يمين، فإن قال: لا وأمانة الله فهو يمين قيل له: وإن لم يرد في الثاني فكأنه ذهب إلى أنه يمين إذا سمى الله تعالى، فظاهر هذا أنه إذا قال: وأمانة الله فهو يمين، نوى اليمين أو لم ينوه، وهذا لا يختلف المذهب فيه كما لو قال: أقسم بالله وأشهد بالله أنه يمين وإن لم ينو اليمين، وكذلك قوله وعهد الله، وميثاق الله، أنه يمين نوى اليمين أو لم ينوه. قال في رواية أبي طالب إذا قال: علي عهد الله إن فعلت كذا وكذا، فقال: العهد شديد في عشر مواضع من كتاب الله يتقرب إلى الله بكل ما استطاع عائشة ﵍ أعتقت أربعين رقبة، فظاهر هذا أنها يمين مغلظة، وإن لم ينو بها اليمين وكذلك قوله: ميثاق الله. فأما إن قال: والعهد والميثاق والأمانة، فقد نص في الأمانة إن نوى بها

стр. 841

اليمين كانت يمينًا كذلك في العهد والميثاق ويخرج أن يكون يمينًا وإن لم ينو بها كما قلنا في: أقسم وأشهد هل يكون يمينًا وإن لم ينو اليمين؟ على روايتين، كذلك ها هنا. فالدلالة على أنه يمين إذا وصله بذكر الله وإن لم ينو اليمين أن العهد قد ثبت له عرف الشرع والاستعمال، فروي أن عائشة ﵂ حلفت بالعهد أن لا تكلم ابن الزبير فلما كلمته أعتقت أربعين رقبة، وكانت تقول بعد ذلك واعهداه (١) ولأنه لفظ موضوع لليمين بدليل أنه إذا نوى به اليمين كان يمينًا وإذا أخرجه مخرج التأكيد للخبر وجب أن يكون يمينًا كقوله: والله ولأن الأمانة إذا أضيفت إلى الله صارت من صفات ذاته ألا ترى أنه لا يصح أن يوصف بضدها فيجب أن يكون يمينًا كقوله: وقدرة الله، وجلاله، وعظمته. وأما إذا أطلقت الأمانة والعهد والميثاق، فإن قلنا يكون يمينًا فوجهه أنه يحتمل اليمين بدليل أنه إذا نوى به اليمين كان يمينًا، فإذا أخرجه مخرج التأكيد للخبر كان يمينًا كما لو قال والله لأفعلن كذا وكذا، وإذا قلنا لا يكون يمينًا فوجهه أن الأمانة، والعهد والميثاق، هي الفرائض فيحتمل قوله على العهد بمعنى على فرائضه، وكذلك قوله: والأمانة لا فعلت يحتمل وحقوقه علي لا فعلت هذا ويبين صحة هذا قوله تعالى: "إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال .. (٢) ". وأراد الإيمان والشرائع وكذلك قال سعيد بن المسيب: "الأمانة في هذا الموضع الفرائض" وإذا كانت تحتمل لم يحكم بصحة اليمين بأمر محتمل. من قال أعزم بالله وايم الله ولم ينو يمينًا: ٧ - المسألة: فإن قال: لعمري أو أعزم لم يكن يمينًا نوى اليمين أو لم ينوه رواية واحدة، لأن هذا اللفظ لم يثبت له عرف الشرع، ولا عرف استعمال فإن قال: أعزم بالله ولعمرو الله، وايم الله، ونوى به اليمين كان يمينًا وإن لم ينو به اليمين فهل يكون يمينًا أم لا؟

стр. 842

نقل حرب فيمن قال: لعمرو الله، فإن أراد اليمين فعليه الكفارة، فظاهر هذا أنه إذا لم يرد اليمين لم يكن يمينًا، وبه قال أبو بكر. وقال شيخنا أبو عبد الله: يكون يمينًا، كما لو قال: أشهد بالله، وأقسم بالله أنه يمينًا، وإن لم ينو اليمين، وهو قول الخرقي، لأنه قال: ولو قال أعزم بالله فهو يمين، ولم تعتبر النية. وجه من قال لا يكون يمينًا لعدم النية قال لم يثبت له عرف الشرع فلم يكن بمطلقه يمينًا كقوله لعمري وأعزم وقد قال أحمد ﵁ في رواية أبي طالب أشهد يمين ولعمري ليس بشيء ولأن قوله لعمرو الله يحتمل بقاء الله ويحتمل حق الله وعبادة الله. ووجه من قال: يكون يمينًا بعدم النية، قال: قد ثبت لذلك عرف الشرع واللغة، قال تعالى: "لعمرك إنهم لغي سكرتهم يعمهون" (١) قيل: إنه أقسم الله به. وقال الشاعر: لعمري وما عمر عليّ بهيّن … عمرك الله كيف يلتقيان؟ وقال آخر: لعمري ما يدري الفتى كيف يقضي … نوائب هذا الدهر أم كيف يحذر ولأن العمر هو البقاء قال الشاعر: أيها المنكح الثريا سهيلًا … عمرك الله كيف يلتقيان؟ وقال رجل للنبي ﷺ : من أنت عمرك الله؟ قال: امرؤ من قريش (٢). وإذا كان معناه البقاء فكأنه قال: وبقاء الله، ولو قال ذلك كان يمينًا، كذلك إذا قال: لعمرو الله، ولأن قوله: أعزم بالله، يحتمل اليمين، فإذا أخرجه مخرج التأكيد للخبر كان يمينًا كقوله: والله، يبين صحة هذا قول عمر لعلي ﵉ في الدية: عزمت عليك لا تبرح حتى تقسمها على قومك.

стр. 843

سقوط الكفارة بالدين: ٨ - مسألة: إذا كان في يده قدر الكفارة وعليه دين بقدر ذلك فهل ينتقل إلى الصيام أم لا؟ ونقل عبد الله فيمن حلف بصدقه ما يملك وعليه دين أكثر مما يملك أعليه كفارة قال نعم يكفر عن يمينه إذا كان في يديه ما يفضل عن عياله يومه، فظاهر هذا أن الدين لا يسقطها ونقل الحسن بن محمد بن الحارث فيمن له مائة درهم وعليه مائة درهم دين يكفر قال: أحب إلي أن يكفر، فظاهر هذا أن ذلك مستحب وليس بواجب. وجه الأولى: أن الكفارة لا يعتبر فيها قدر من المال فلم تسقط بالدين دليله صدقة الفطر، وقد نص على أن صدقة الفطر لا تسقط بالدين لأنه لا يعتبر فيها قدر من المال كذلك الكفارة. ووجه الثانية: أن صدقة المال تسقط بالدين فيجب أيضًا أن تسقط الكفارة بالدين لأن كل واحد منهما حق الله تعالى. تكفير العبد عن يمينه بإذن سيده: ٩ - مسألة: إذا حنث العبد في يمينه فأذن له سيده في أن يكفر بالمال فهل يجزيه ذلك أم لا؟ فذلك مبني على الروايتين في العبد: هل يملك إذا ملك؟ فإن قلنا: يملك، صح ذلك وأجزأ عنه، وإن قلنا لا يملك لم يصح ذلك ولم يجز عنه، وكان فرضه الصوم، فإن أذن له سيده أن يعتق عن كفارته رقبة، فإن قلنا لا يملك إذا ملك لم يصح عنقه، وإن قلنا: يملك فهل يجزيه أن يعتق؟ على روايتين: نقل أبو طالب: ليس له أن يعتق وإن أذن له سيده لأنه ملك لمولاه. ونقل حنبل: يعتق إذا أذن له سيده في العتق وهو اختيار أبي بكر. وجه الأولى: أن العتق يقتضي الولاء، والولاء يقتضي الولاية والإرث، وليس العبد من أهل الولاية ولا من أهل الإرث فبطل أن يصح له العتق.

стр. 844

ووجه الثانية: قول النبي ﷺ الولاء لحمة كلحمة النسب (١) وأجراها مجرى واحدًا ثم ثبت أن العبد يثبت له النسب وإن كان لا ولاية به ولا إرث، كذلك في الولاء مثله، ولأنه تكفير بمال بإذنه فأجزأ عنه دليله التكفير والإطعام والكسوة، ولأن من جاز له أن يكفر عنه بالإطعام جاز أن يكفر عنه بالعتق، كالحر، ولأن العتق قد يصح منه وإن لم يثبت له به ولاية كالسائبة وكما قالوا في الكافر: يعتق عبدًا مسلمًا والمسلم يعتق عبدًا كافرًا يصح وإن لم يكن ولاية ولا إرث. فإذا قلنا: يصح أن يعتق بإذن السيد فأذن له سيده بالعتق عن كفارته فأعتق نفسه هل يجزي عتق العبد لنفسه عن كفارته؟ فقال أبو بكر: يتخرج على قولين أحدهما يجزيه لأن الإذن مطلق فهو عام فيه وفي غيره. والثاني: لا يجزيه لأن المأمور لا يدخل تحت الأمر. ألا ترى أنه لو أذن لعبده في لعبده في بيع عبيده لم يدخل هو تحت هذا الإذن فلا يجوز بيع نفسه، وكذلك الوكيل مأذون في البيع من غيره ولا يدخل هو تحت هذا الإذن فلا يجوز أن يبتاع لنفسه. فإن حنث وهو عبد فلم يكفر حتى عتق. فقال الخرقي فرضه الصوم لا يجزيه غيره فإن كفر بغير الصوم بالعتق أو بالإطعام لم يجزه ولم أجد هذه اللفظة عن أحمد أنه لا يجزيه وإنما المنصوص عنه أنه يصوم لأنه هو الواجب عليه، ومعناه أنه لا يلزمه التكفير بالمال اعتبارًا

стр. 845

بحالة الوجوب، ولم يقل: إنه إن أطعم لم يجزه ويجب أن يعتبر فيه ما يعتبر في الحد الأصلى فإن قلنا: الاعتبار في الكفارة بحالة الوجوب وحالة الوجوب كان فقيرًا فيجزيه الصيام، وإن كفر بالعتاق والإطعام أجزأه كالحر الفقير، إذا حنت ثم أيسر فكفر بالإطعام يجزيه. وإن قلنا: يعتبر بأغلظ الأحوال اعتبر من حين العتق إلى حين الأداء فيلزمه الأغلظ فيه، ولا يعتبر من حين الوجوب إلى حين العتق، لأنه قبل العتق لا يملك، ولا يقال فيه بأغلظ الأحوال وأخفها. فعل بعض المحلوف على تركه أو كله داخلًا في غيره: ١٠ - مسألة: إذا حلف لا لبست ثوبا من غزل امرأتي فلبس ثوبًا فيه من غزلها ومن غزل غيرها فهل يحنث أم لا؟ نقل مهنى: إذا قال لامرأته: أنت طالق إن لبست ثوبًا من غزلك فلبس ثوبًا فيه من غزلها أقل من الثلث، أخشى أن يكون قد حنث. فظاهر هذا أنه يحنث. ونقل أبو الحارث فيمن حلف لا يلبس من غزل إمرأته فنسج ثوبًا من غزلها وفيه من غزل غيرها لم يحنث فظاهر هذا أنه لا يحنث. وكذلك الخلاف إذا حلف لا يأكل هذا الرغيف فأكل بعضه، أو لا يشرب ماء هذا الإناء فشرب بعضه هل يحنث؟ على روايتين: واختار الخرقي الحنث لأنه قال: ولو حلف لا يشرب ماء هذا الإناء فشرب بعضه حنث إلا أن يكون أراد أن لا يشربه كله وكذلك الخلاف فيه إذا حلف لا يدخل الدار فأدخل يده أو رجله أو رأسه فهل يحنث أم لا؟ على روايتين: نقل أبو طالب إذا حلف لا يدخل الدار أو البيت فأدخل يده أو رجله أو رأسه فقد دخل، فظاهر هذا أنه يحنث وهو اختيار الخرقي. ونقل حنبل وصالح فيمن حلف على امرأته لا تدخل بيت أخيها لم تطلق حتى تدخل كلها، الكل لا يكون بعضًا والبعض لا يكون كلا، فظاهر هذا أنه لا يحنث.
следующие страницы →