← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13246

الروايتين والوجهين - المسائل الفقهية منه

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 069 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

اليمين كانت يمينًا كذلك في العهد والميثاق ويخرج أن يكون يمينًا وإن لم ينو بها كما قلنا في: أقسم وأشهد هل يكون يمينًا وإن لم ينو اليمين؟ على روايتين، كذلك ها هنا. فالدلالة على أنه يمين إذا وصله بذكر الله وإن لم ينو اليمين أن العهد قد ثبت له عرف الشرع والاستعمال، فروي أن عائشة ﵂ حلفت بالعهد أن لا تكلم ابن الزبير فلما كلمته أعتقت أربعين رقبة، وكانت تقول بعد ذلك واعهداه (١) ولأنه لفظ موضوع لليمين بدليل أنه إذا نوى به اليمين كان يمينًا وإذا أخرجه مخرج التأكيد للخبر وجب أن يكون يمينًا كقوله: والله ولأن الأمانة إذا أضيفت إلى الله صارت من صفات ذاته ألا ترى أنه لا يصح أن يوصف بضدها فيجب أن يكون يمينًا كقوله: وقدرة الله، وجلاله، وعظمته. وأما إذا أطلقت الأمانة والعهد والميثاق، فإن قلنا يكون يمينًا فوجهه أنه يحتمل اليمين بدليل أنه إذا نوى به اليمين كان يمينًا، فإذا أخرجه مخرج التأكيد للخبر كان يمينًا كما لو قال والله لأفعلن كذا وكذا، وإذا قلنا لا يكون يمينًا فوجهه أن الأمانة، والعهد والميثاق، هي الفرائض فيحتمل قوله على العهد بمعنى على فرائضه، وكذلك قوله: والأمانة لا فعلت يحتمل وحقوقه علي لا فعلت هذا ويبين صحة هذا قوله تعالى: "إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال .. (٢) ". وأراد الإيمان والشرائع وكذلك قال سعيد بن المسيب: "الأمانة في هذا الموضع الفرائض" وإذا كانت تحتمل لم يحكم بصحة اليمين بأمر محتمل. من قال أعزم بالله وايم الله ولم ينو يمينًا: ٧ - المسألة: فإن قال: لعمري أو أعزم لم يكن يمينًا نوى اليمين أو لم ينوه رواية واحدة، لأن هذا اللفظ لم يثبت له عرف الشرع، ولا عرف استعمال فإن قال: أعزم بالله ولعمرو الله، وايم الله، ونوى به اليمين كان يمينًا وإن لم ينو به اليمين فهل يكون يمينًا أم لا؟

стр. 842

نقل حرب فيمن قال: لعمرو الله، فإن أراد اليمين فعليه الكفارة، فظاهر هذا أنه إذا لم يرد اليمين لم يكن يمينًا، وبه قال أبو بكر. وقال شيخنا أبو عبد الله: يكون يمينًا، كما لو قال: أشهد بالله، وأقسم بالله أنه يمينًا، وإن لم ينو اليمين، وهو قول الخرقي، لأنه قال: ولو قال أعزم بالله فهو يمين، ولم تعتبر النية. وجه من قال لا يكون يمينًا لعدم النية قال لم يثبت له عرف الشرع فلم يكن بمطلقه يمينًا كقوله لعمري وأعزم وقد قال أحمد ﵁ في رواية أبي طالب أشهد يمين ولعمري ليس بشيء ولأن قوله لعمرو الله يحتمل بقاء الله ويحتمل حق الله وعبادة الله. ووجه من قال: يكون يمينًا بعدم النية، قال: قد ثبت لذلك عرف الشرع واللغة، قال تعالى: "لعمرك إنهم لغي سكرتهم يعمهون" (١) قيل: إنه أقسم الله به. وقال الشاعر: لعمري وما عمر عليّ بهيّن … عمرك الله كيف يلتقيان؟ وقال آخر: لعمري ما يدري الفتى كيف يقضي … نوائب هذا الدهر أم كيف يحذر ولأن العمر هو البقاء قال الشاعر: أيها المنكح الثريا سهيلًا … عمرك الله كيف يلتقيان؟ وقال رجل للنبي ﷺ : من أنت عمرك الله؟ قال: امرؤ من قريش (٢). وإذا كان معناه البقاء فكأنه قال: وبقاء الله، ولو قال ذلك كان يمينًا، كذلك إذا قال: لعمرو الله، ولأن قوله: أعزم بالله، يحتمل اليمين، فإذا أخرجه مخرج التأكيد للخبر كان يمينًا كقوله: والله، يبين صحة هذا قول عمر لعلي ﵉ في الدية: عزمت عليك لا تبرح حتى تقسمها على قومك.

стр. 843

سقوط الكفارة بالدين: ٨ - مسألة: إذا كان في يده قدر الكفارة وعليه دين بقدر ذلك فهل ينتقل إلى الصيام أم لا؟ ونقل عبد الله فيمن حلف بصدقه ما يملك وعليه دين أكثر مما يملك أعليه كفارة قال نعم يكفر عن يمينه إذا كان في يديه ما يفضل عن عياله يومه، فظاهر هذا أن الدين لا يسقطها ونقل الحسن بن محمد بن الحارث فيمن له مائة درهم وعليه مائة درهم دين يكفر قال: أحب إلي أن يكفر، فظاهر هذا أن ذلك مستحب وليس بواجب. وجه الأولى: أن الكفارة لا يعتبر فيها قدر من المال فلم تسقط بالدين دليله صدقة الفطر، وقد نص على أن صدقة الفطر لا تسقط بالدين لأنه لا يعتبر فيها قدر من المال كذلك الكفارة. ووجه الثانية: أن صدقة المال تسقط بالدين فيجب أيضًا أن تسقط الكفارة بالدين لأن كل واحد منهما حق الله تعالى. تكفير العبد عن يمينه بإذن سيده: ٩ - مسألة: إذا حنث العبد في يمينه فأذن له سيده في أن يكفر بالمال فهل يجزيه ذلك أم لا؟ فذلك مبني على الروايتين في العبد: هل يملك إذا ملك؟ فإن قلنا: يملك، صح ذلك وأجزأ عنه، وإن قلنا لا يملك لم يصح ذلك ولم يجز عنه، وكان فرضه الصوم، فإن أذن له سيده أن يعتق عن كفارته رقبة، فإن قلنا لا يملك إذا ملك لم يصح عنقه، وإن قلنا: يملك فهل يجزيه أن يعتق؟ على روايتين: نقل أبو طالب: ليس له أن يعتق وإن أذن له سيده لأنه ملك لمولاه. ونقل حنبل: يعتق إذا أذن له سيده في العتق وهو اختيار أبي بكر. وجه الأولى: أن العتق يقتضي الولاء، والولاء يقتضي الولاية والإرث، وليس العبد من أهل الولاية ولا من أهل الإرث فبطل أن يصح له العتق.

стр. 844

ووجه الثانية: قول النبي ﷺ الولاء لحمة كلحمة النسب (١) وأجراها مجرى واحدًا ثم ثبت أن العبد يثبت له النسب وإن كان لا ولاية به ولا إرث، كذلك في الولاء مثله، ولأنه تكفير بمال بإذنه فأجزأ عنه دليله التكفير والإطعام والكسوة، ولأن من جاز له أن يكفر عنه بالإطعام جاز أن يكفر عنه بالعتق، كالحر، ولأن العتق قد يصح منه وإن لم يثبت له به ولاية كالسائبة وكما قالوا في الكافر: يعتق عبدًا مسلمًا والمسلم يعتق عبدًا كافرًا يصح وإن لم يكن ولاية ولا إرث. فإذا قلنا: يصح أن يعتق بإذن السيد فأذن له سيده بالعتق عن كفارته فأعتق نفسه هل يجزي عتق العبد لنفسه عن كفارته؟ فقال أبو بكر: يتخرج على قولين أحدهما يجزيه لأن الإذن مطلق فهو عام فيه وفي غيره. والثاني: لا يجزيه لأن المأمور لا يدخل تحت الأمر. ألا ترى أنه لو أذن لعبده في لعبده في بيع عبيده لم يدخل هو تحت هذا الإذن فلا يجوز بيع نفسه، وكذلك الوكيل مأذون في البيع من غيره ولا يدخل هو تحت هذا الإذن فلا يجوز أن يبتاع لنفسه. فإن حنث وهو عبد فلم يكفر حتى عتق. فقال الخرقي فرضه الصوم لا يجزيه غيره فإن كفر بغير الصوم بالعتق أو بالإطعام لم يجزه ولم أجد هذه اللفظة عن أحمد أنه لا يجزيه وإنما المنصوص عنه أنه يصوم لأنه هو الواجب عليه، ومعناه أنه لا يلزمه التكفير بالمال اعتبارًا

стр. 845

بحالة الوجوب، ولم يقل: إنه إن أطعم لم يجزه ويجب أن يعتبر فيه ما يعتبر في الحد الأصلى فإن قلنا: الاعتبار في الكفارة بحالة الوجوب وحالة الوجوب كان فقيرًا فيجزيه الصيام، وإن كفر بالعتاق والإطعام أجزأه كالحر الفقير، إذا حنت ثم أيسر فكفر بالإطعام يجزيه. وإن قلنا: يعتبر بأغلظ الأحوال اعتبر من حين العتق إلى حين الأداء فيلزمه الأغلظ فيه، ولا يعتبر من حين الوجوب إلى حين العتق، لأنه قبل العتق لا يملك، ولا يقال فيه بأغلظ الأحوال وأخفها. فعل بعض المحلوف على تركه أو كله داخلًا في غيره: ١٠ - مسألة: إذا حلف لا لبست ثوبا من غزل امرأتي فلبس ثوبًا فيه من غزلها ومن غزل غيرها فهل يحنث أم لا؟ نقل مهنى: إذا قال لامرأته: أنت طالق إن لبست ثوبًا من غزلك فلبس ثوبًا فيه من غزلها أقل من الثلث، أخشى أن يكون قد حنث. فظاهر هذا أنه يحنث. ونقل أبو الحارث فيمن حلف لا يلبس من غزل إمرأته فنسج ثوبًا من غزلها وفيه من غزل غيرها لم يحنث فظاهر هذا أنه لا يحنث. وكذلك الخلاف إذا حلف لا يأكل هذا الرغيف فأكل بعضه، أو لا يشرب ماء هذا الإناء فشرب بعضه هل يحنث؟ على روايتين: واختار الخرقي الحنث لأنه قال: ولو حلف لا يشرب ماء هذا الإناء فشرب بعضه حنث إلا أن يكون أراد أن لا يشربه كله وكذلك الخلاف فيه إذا حلف لا يدخل الدار فأدخل يده أو رجله أو رأسه فهل يحنث أم لا؟ على روايتين: نقل أبو طالب إذا حلف لا يدخل الدار أو البيت فأدخل يده أو رجله أو رأسه فقد دخل، فظاهر هذا أنه يحنث وهو اختيار الخرقي. ونقل حنبل وصالح فيمن حلف على امرأته لا تدخل بيت أخيها لم تطلق حتى تدخل كلها، الكل لا يكون بعضًا والبعض لا يكون كلا، فظاهر هذا أنه لا يحنث.

стр. 846

وجه من قال لا يحنث قال: لأن الأصول موضوعة على أن الحنث يتعلق بما يتعلق به البر وقد ثبت أنه لو حلف ليدخل هذه الدار وليأكلن هذا الرغيف وليشربن هذا الماء فأدخل بعضه أو أكل أو شرب بعضه لم يبر. كذلك في الحنث يجب أن لا يحنث إلا بوجود جميع ذلك ولأنه منع نفسه من شيء بيمينه فيجب أن لا يحنث ما لم يفعله، وإذا فعل بعضه فما فعله. ووجه من قال يحنث أن اليمين إذا كانت على النفي فهي على حظر ومنع وإذا كانت على إثبات فهي إباحة والإباحة تفتقر إلى شرطين كما لو طلقها ثلاثا لم تحل له إلا بعد زوج والدخول بها، والحظر يتعلق بفعل واحد وهو تحريم أمهات النساء يتعلق بعقد النكاح، كذلك ها هنا وجب أن تتعلق الإباحة بأمرين والحظر بأحدهما ولأن اليمين إذا كانت على النفي فهي على الحظر والمنع، والحظر والمنع يتناول العين وكل جزء من أجزائها فإذا قال: لا دخلت هذه الدار فقد منع نفسه وكل جزء منه من الدخول، وكذلك إذا قال: لا أكلت هذا الرغيف فقد منع نفسه منه ومن كل جزء منه، فإذا تناول البعض فقد تناول ما توجهت اليمين إليه فيجب أن يحنث والذي يبين صحة هذا قوله تعالى: "إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام (١)، وقوله "لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم … (٢) ". وقوله "لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم … (٣) " وقوله: "ولا جنبا إلا عابري سبيل … (٤) ". هذه الألفاظ كلها اقتضت المنع للجملة والبعض كذلك ها هنا. اقتضاء اليمين استمرار الترك للمحلوف على تركه: ١١ - مسألة: إذا حلف بالطلاق ليخرجن من بغداد فخرج ثم عاد فهل تسقط يمينه أم لا؟ فنقل إسماعيل بن سعيد لا شيء عليه، فظاهر هذا أنها قد سقطت بالخروج

стр. 847

الأول ونقل مثنى بن جامع في رجل قال لامرأته: أنت طالق إن لم نرحل عن الدار ولم ينو شيئًا هل يجوز له أن يرحل عنها ويعود بعد ذلك بيوم أو شهر فلم ير أن يرجع. فظاهر هذا أنه لم تسقط اليمين بخروجه مرة ويمكن أن يحمل هذا على أنه حلف أن يرحل عنها أبدًا لسبب يصبح يمينه وكان ذلك السبب موجودًا فإن يمينه لا تسقط لوجود السبب فأما إن لم يكن هناك سبب فإن يمينه تسقط لأنه علق اليمين بشرط وهو الخروج وقد وجد الشرط فلم يعتبر فيه التكرار والدوام كما لو قال: إن خرجت من الدار فلك درهم أو إن كلمتك غدا فلك درهم، فإنه لا يقتضي التكرار وكذلك ها هنا. الوقوع في الممنوع باليمين بلا اختيار: ١٢ - مسألة: إذا قال لا فارقتك حتى أستوفي حقي منك فهرب منه الذي عليه الحق، فهل يحنث أم لا؟. نقل جعفر بن محمد بن شاكر في رجل حلف على غريم له أن لا يفارقه حتى يستوفي منه ماله فهرب منه خلته يحنث فقد نص على أنه يحنث. وقال الخرقي ولو قال والله لا فارقتك حتى أستوفي حقي منك فهرب لم يحنث، ولو قال: لا افترقتنا فهرب منه حنث، فظاهر كلام الخرقي أنه لا يحنث، وقد أومأ إليه أحمد في رواية مهنى في رجل قال لامرأته: إن تركت هذا الصبي يخرج من باب البيت فأنت علي كظهر أمي فانفلت الصبي فخرج أو قامت تصلي فخرج فإن كان نوى أن لا يخرج الباب فخرج حنث وإن نوى أن لا تدعه فهي لم تدعه فلا يحنث ولا يختلف المذهب أنه إذا قال: والله لا افترقنا فهرب منه يحنث فعلى رواية جعفر بن محمد: اليمين تعلقت بفعل الحالف والمحلوف عليه وعلى قول الخرقي اليمين تعلقت بفعل الحالف وحده، فإذا فر المحلوف عليه لم يحنث لأن اليمين لم تتوجه عليه. وجه ما نقله جعفر بن محمد أن معنى اليمين لا حصل بيننا فرقه أو أستوفى حقي، وقد وجد ذلك، فهو كما لو قال: لا، افترقنا، فإنه إذا هرب منه حنث. كذلك إذا قال: لا فارقتك.

стр. 848

ووجه ما نقله الخرقي أن اليمين تعلقت بفعل الحالف وحده، والحالف ما فارقه وإنما فارقه المحلوف عليه فلم يحنث، لأن الصفة ما وجدت، ويفارق هذا إذا قال لا افترقنا، لأن اليمين تعلقت بفعلها جميعًا، فلهذا حنث. فعل الممنوع باليمين على صفة غير الممنوعة: ١٣ - مسألة: إذا حلف لا يأكل سويقا بعينه فشربه أو لا يشربه فأكله فهل يحنت أم لا؟ نقل مهني فيمن حلف: لا يشرب هذا النبيذ، فترد فيه وأكله: لا يحنث فظاهر هذا أنه لا يحنث إذا أكل موضع الشرب أو شرب موضع الأكل. وقال الخرقي إذا حلف لا يأكل سويقا فشربه أو لا يشربه فأكله حنث إلا أن يكون له نية. فظاهر هذا أنه يحنث وإن خالف الفعل اللفظ. ولا يختلف المذهب أنه لو حلف لا يشرب سويقا لا يعينه فأكل سويقا أو حلف لا يأكل سويقا فشربه: إنه لا يحنث. وقد قال أحمد في رواية إبراهيم الحربي فيمن حلف: لا شرب شيئًا فمص قصب سكر ليس عليه شيء، وكذلك لو حلف: لا يأكل شيئًا، فمص قصب سكر لم يكن عليه شيء على ما يتعارف الناس أن الرجل لا يقول: أكلت قصب السكر. وجه ما نقله مهنى في أنه لا يحنث أن الأفعال أجناس وأنواع كالأعيان يقال أكل وشرب وقعد وقام وذهب كل واحد من هذا نوع غير الآخر، وكذلك الأعيان تمر وطعام وأنواع معقلى وبرني، ثم ثبت أن الأعيان إذا تعلقت الأيمان بجنس أو بنوع لا يتعلق بغيره كذلك في الأفعال مثله. ووجدنا أن الأكل جنس والشرب جنس، فإذا تعلقت اليمين بجنس لم تتعلق بغيره. ويبين صحة هذا لو كانت اليمين مطلقة لا على شيء بعينه، فقال: لا شربت سويقا فأكل سويقا لا يحنث لعدم الجنس المحلوف عليه كذلك إذا كانت معينة. ووجه ما نقله الخرقي أن اليمين إذا تناولت شيئًا على صفة بعينها لم يعتبر وجود الصفة فيها حال تناولها. ألا ترى أنه لو حلف: أكلت هذا التمر فعمل

стр. 849

منه خلًا أو دبسًا فإنه يحنث بأكله وإن لم يكن على الصفة المحلوف عليها؟ فكان المعنى في ذلك أنه يتناول العين المحلوف عليها فهو كما لو تناولها على صفتها ويبين صحة هذا أنه لو حلف لا أكلت هذا الحمل فصار كبشا أو لا كلمت هذا الصبي فصار شيخا ثم كلمه أو أكل ذلك الكبش فإنه يحنث كذلك ها هنا. ويفارق هذا إذا كانت اليمين لا على شيء بعينه أنه لا يحنث بمخالفة الصفة ألا ترى أنه لو حلف لأكلمت صبيًا فكلم شيخًا، أو لا أكلت لحم حمل فأكل لحم كبش فإنه لا يحنث لعدم التعيين، كذلك ها هنا. السلام على جماعة فيهم المحلوف على ترك تكليمه: ١٤ - مسألة: إذا حلف لا كلمت فلانًا فسلم على جماعة وفلان فيهم ولم يقصده بالكلام ولا عزله بنيته عن غيره بل أطلق السلام من غير نية فهل يحنث أم لا؟ على روايتين: نقل أبو طالب وابن منصور فيمن حلف لا يكلم رجلا فمر به في جماعة فسلم عليهم فنواه بالسلام حنث وإن لم ينوه لم يحنث، فظاهر هذا أنه لم يحنث إذ لم يقصده بالنية ولا استثناه بالنية. ونقل مهنا في رجل حلف أن لا يكلم فلانًا فدخل المسجد وفيه جماعة فقال سلام عليكم فأخرج رأسه في باب المسجد كان قد استتر به فقال وعليكم السلام حنث الحالف، فظاهر هذا أنه حنثه وإن لم يقصده بالنية لأن الظاهر أنه إذا لم يشاهده مع الجماعة فلم يقصده بالسلام. وجه الأولى: أنه يحتمل دخوله في القوم ويحتمل غيره فلا يحنث بالشك. ووجه الثانية: أنه يحتمل إذا أطلق السلام على الجماعة فقد سلم عليهم وعلى كل واحد منهم فحنث ولا يختلف المذهب أنه إذا قصده حنث لأنه قد كلم كل واحد منهم وهو أحدهم ولا يختلف أيضًا أنه إذا عزله بالنية ونوى غيره لم يحنث لأن النية معنى والقياس معنى فكما صح تخصيص العموم بالقياس صح تخصيصه بالنية.

стр. 850

إيقاع الضربات الواجبة باليمين مرة واحدة بآلة متعددة الأجزاء: ١٥ - مسألة: إذا حلف ليضربن عبده عشرة فأخذ ضغثا فيه عشرة شماريخ فضربه بها دفعة واحدة فهل يبرأ أم لا؟ قال الخرقي لا يبرأ ولا يعتد له إلا بواحدة. وقال شيخنا أبو عبد الله يبرأ لأن أحمد قال في المريض إذا وجب عليه حد فضربه به بعثكال المنخل سقط الحد عنه. وجه ما ذكره الخرقي أنه لو حلف ليضربه مائة أو مائة ضربة لم يبر، فكذلك إذا قال مائة سوط يجب ألا يبر، ولأن القصد تكرر الألم وهذا لا يحصل إذا ضربه دفعة واحدة فلا يوجد المقصود. ووجه ما ذكره شيخنا قوله تعالى: "وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث … (١) وهذه قصة أيوب ﵇ كان قد حلف أن يضرب زوجته مائة فعلمه الله تعالى كيف البر فيه فقال: اضربها بالضغث ولأنه إنما حلف أن يوصل إلى بدنه ضربًا هو مائة وقد أوصل ما حلف عليه، فيجب أن يبر. ثبوت حكم اليمين على من قال حلفت ولم يكن قد حلف: ١٦ - مسألة: إذا قال قد حلفت بالله يمينًا وحنثت فيها ولم يكن قد حلف لم يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى شيء وهل يلزمه في الحكم إخراج الكفارة؟ على روايتين: نقل الميموني فيمن حلف قال حلفت يمينًا ولم يكن حلف عليه كفارة يمين وإن قال حلفت بالطلاق ولم يكن حلف يلزمه فظاهر هذا أنه ألزمه الكفارة في الحكم. ونقل بكر بن محمد عن أبيه عنه في الرجل يقول حلفت ولم يكن حلف ليس عليه يمين وهي كذبة، فظاهر هذا أنه لا يلزمه شيء. قال أبو بكر إذا قال حلفت بالله ولم يكن حلف لا يلزمه حكم اليمين ولو قال حلفت بالطلاق طلقت.

стр. 851

وجه الأولى: أن اليمين بالله يتعلق بها حق لآدمي وهم الفقراء فيجب أن لا يصدق في الحكم كما لو قال حلفت بالطلاق ولم يكن حلف لم يصدق في الحكم لتعلقه بحق آدمي. ووجه الثانية: أن يتصدق لأن الكفارة ليست لإنسان بعينه وإنما هي حق الله فيجب أن يدين فيها. والطلاق يتعلق بحق آدمي معين فلم يصدق عليه في الحكم، ومحصول المذهب في الطلاق إذا قال حلفت ولم يكن حلف أنه يلزمه حكم الطلاق في ظاهر الحكم، لأنه مقر بذلك ويدين فيما بينه وبين الله تعالى، كما يفعل ذلك إذا نوى خلاف الظاهر، فإنه لا يصدق في الحكم ويدين، كذلك ها هنا. الفصل بين اليمين والاستثناء منه: ١٧ - مسألة: إذا فصل بين الاستثناء وبين اليمين بالله تعالى هل يصح الاستثناء أم لا؟ نقل أبو طالب عنه: إذا حلف يمينًا تكفر ثم استثنى بعد فهو جائز، قيل له: إذا قال: والله، وسكت قليلًا، ثم قال: إن شاء الله، فله استثناؤه، لا يكفر. فظاهر هذا جواز الفصل بزمان يسير. وكذلك نقل المروذي عنه: إذا كان بالقرب ولم يختلط كلامه بغيره. ونقل أبو النضر وأبو طالب أيضًا ما يدل على أنه لا يصح إذا انفصل، وهو اختيار الخرقي، لأنه قال: إذا لم يكن بين اليمين والاستثناء فصل. وجه الأولى: ما روى ابن عمر عن النبي ﷺ قال: والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا، ثم سكت ساعة، ثم قال: إن شاء الله (١) " فلولا صحة الاستثناء لم

стр. 852

يذكره، ولأنه يرفع اليمين، فجاز أن يقع منفصلا كالكفارة. ووجه الثانية: أن الإستثناء إذا لم يتصل بالكلام سقط كقوله عشرة ثم قال بعد ساعة إلا خمسة أو قال أنت طالق ثم قال بعد ساعة إن دخلت الدار أو قال لا إله ثم قال بعد ساعة إلا الله فإنه لا يتصل بالأول. ما يجب على من نذر أن يمشي إلى بيت الله الحرام فركب مع القدرة: ١٨ - مسألة: إذا أنذر أن يمشي إلى بيت الله الحرام فركب مع القدرة على المشي، فقد أساء، وعليه الكفارة، وفي مقدارها روايتان: نقل المروذي: عليه كفارة يمين واحتج بحديث أخت عقبة. ونقل الأثرم فيمن نذر أن يمشي إلى أن يصيبه ما أصاب أخت عقبة فيركب ويهدي فظاهر هذا أن عليه دمًا. وجه الأولى: وهي أصح ما روى عقبة بن عامر الجهني قال قلت يا رسول الله، إن أختي نذرت أن تمشي حافية غير مختمرة قال مرها فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام (١) وفي حديث آخر "ولتكفر عن يمينها" (٢) وروى عتبة بن

стр. 853

عامر أن النبي ﷺ قال كفارة النذر كفارة يمين (١) ولأنه خالف نذره فكان عليه كفارة يمين دليله لو أنذر أن يصوم يومًا يعينه فلم يصمه. ووجه الثانية: ما روى في حديث أخت عقبة أنه أمرها أن تركب وتهدي هديًا (٢) ولأنه إذا ترك فقد ترفه ومن ترفه فعليه الفدية كاللباس والطيب. التتابع في صوم النذر المطلق: ١٩ - مسألة: إذا نذر صيام شهر وأطلق فهل يجب عليه صومه متتابعا أما لا؟ على روايتين: نقل مهنا في رجل نذر أن يصوم شهرًا ولم يقل متتابعا ولا متفرقًا فالمتتابع أعجب إلى فظاهر هذا أنه مستحب فيه التتابع ولا يجب وهو اختيار أبي بكر. ونقل محمد بن الحكم في رجل قال الله على أن أصوم عشرة أيام يصومها متتابعة وإذا قال شهرًا فهو متتابع وإذا قال ثلاثين يوما فله أن يفرق إذا قال ثلاثين يوما، فظاهر هذا أنه أوجب التتابع إذا نذر شهرًا أو أيامًا دون الشهر. وإن كان ذكر ثلاثين لم يجب التتابع. وجه الأولى: أن إطلاق العقد يفيد إيجاد العدد على أي وجه كان لأنه يقال لمن صام شهرًا متتابعًا وشهرًا متفرقًا قد صام شهرًا، فإذا كان الاسم ينطلق عليه يجب أن يجزيه.

стр. 854

ووجه الثانية: أنه لزمه صيام شهر بالنذر فإذا لم يشترط فيه التفريق وجب فيه التتابع كما لو نذر شهرًا بعينه ولأن النذر محمول على الفرض وصوم رمضان وكفارة القتل والظهار والوطء يجب متتابعًا كذلك ها هنا. فأما قوله إذا نذر صوم ثلاثين يومًا لم يجب التتابع ففيه نظر فإنه لا فرق بين (أن) ينذر ثلاثين يومًا وبين أن ينذر عشرة أيام، وقد نص في صيام العشرة أن تكون متتابعة. كذلك في صيام الثلاثين وعلى أنه قد قيل إن إطلاق الشهر يقتضي ما بين الهلالين وليس كذلك الأيام، لأن إطلاقها لا يقتضي الموالاة. ألا ترى أنه لو قال جئتك أسبوعًا لم يعقل منه إلا التتابع، ولو قال: جئتك سبعة أيام لم يعقل منه التتابع؟ كذلك في الشهر مثله، وهذا التعليل يقتضي إسقاط التتابع في الأيام في الثلاثين وفيما دونها. الإفطار أثناء صيام الشهر المنذور: ٢٠ - مسألة: فإن نذر صيام شهر بعينه فأفطر بغير عذر، فهل يبني أم يبتدئ شهرًا؟ فنقل صالح فيمن نذر صوم شهر بعينه فأفطر عامدًا: أتم الشهر وقضى الذي أفطر وكفر كفارة يمين. فظاهر هذا أنه يبني. ونقل محمد بن يحيى المتطبب فيمن نذر أن يصوم رجب فصام بعضه ثم أفطر يكفر ويأتي بشهر غيره، وظاهر هذا أنه يبتدئ، وهو اختيار الخرقي. وجه الأولى: أن متابعة العبادة إذا كان من ناحية الوقت لم يجب الاستئناف بالإفساد كصيام رمضان. ووجه الثانية: أنه صوم يجب بشرط التتابع، فإذا تركه بغير عذر بطل، دليله إذا كانت المتابعة من ناحية الشرط، فقال: لله علي أن أصوم شهرًا متتابعًا، فإنه يبطل بالفطر فيه، كذلك ها هنا. انعقاد النذر المعلق على قدوم شخص: ٢١ - مسألة: إذا نذر أن يصوم يوم يقدم فلان انعقد نذره. ذكر أبو بكر في كتاب الاعتكاف من كتاب الخلاف، وحكى صحته عن أحمد ﵁ في مواضع، لأنه علق النذر فيه صوم التطوع فانعقد نذره فيه كما لو أصبح صائمًا متطوعًا، ثم قال: إن قدم علي فلان اليوم فلله علي

стр. 855

أن أصوم بقية يومي فإنه يلزمه كذلك ها هنا. فإن قدم أول من رمضان فهل عليه القضاء أم لا .... ؟ موافقة نذر الصوم المعلق بشرط لصوم واجب: نقل جعفر بن محمد في النذر إذا وافق رمضان: يصوم رمضان ثم يقضي النذر، فظاهر هذا أنه عليه القضاء، وهو اختيار أبي بكر. وقال الخرقي: إذا نذر صيام شهر من يوم يقدم فلان فقدم أول يوم من شهر رمضان: أجزأه صيامه لرمضان ونذره، فظاهر هذا هذا أنه لا يلزمه القضاء وما وجدنا ما قاله عن أحمد وفيه ضعف، فوجهه مع ضعفه أنه وافق نذره زمانًا يستحق صومه فلم يلزمه القضاء. دليله لو نذر أن يصوم شهر رمضان أو نذر أن يصوم يوم يقدم فلان أبدًا فقدم يوم اثنين فإن الأثانين التي توافق شهر رمضان لا تدخل تحت نذره. رواية واحدة - نص عليه أحمد ﵁ في رواية المروذي فقال إذا نذر أن يصوم كل اثنين وخميس فوافق رمضان يجزيه لصومه ونذره كذلك ها هنا. ووجه الأولى: وأنه يلزمه القضاء أن رمضان يتكرر على مر السنين فلا يكاد يتفق رمضان يوم قدومه فإذا كان مما يمكنه الوفاء به غالبًا أنه قد نذره. ويفارق هذا إذا نذر أن يصوم يوم يقدم فلان أبدًا فقدم يوم الاثنين، أن نذره لا ينعقد في أثانين شهر رمضان لأن رمضان لا ينفك عن الأثانين فيه فلهذا لم ينعقد نذره فيه. موافقة نذر الصوم ليوم لا يصح صومه. فإن قدم يوم فطر أو أضحى انعقد نذره وعليه القضاء في قول الخرقي وغيره من أصحابنا. قال الخرقي: فإن قدم يوم فطر أو أضحى لم يصمه وصام يومًا مكانه وكفر كفارة يمين ويلزمه على هذا القول أن يقول إذا وافق رمضان أن ينعقد نذره ويلزمه القضاء أيضًا.

стр. 856

وقد أومأ أحمد إلى هذا أيضًا في رواية أحمد بن سعيد فيمن نذر أن يصوم شهرًا فوافق يوم عيد منه، قال: يفطر ويكفر كفارة يمين، فقيل له: فنذر أن يصوم أيامًا مسماة فوافق يوم عيد، فقال: يكفر ويعيد صيامه. فقد حكم بصحة النذر، وأوجب عليه القضاء لموافقة يوم العيد، ومعنى قوله: نذر أن يصوم شهرًا فوافق يوم عيد وأن ينذر أن يصوم شهرًا عند قدوم زيد أو عند قدوم ماله أو عند شفاء مريضه فوافق ذلك الشهر يومًا من أيام العيد، وكذلك قوله إذا نذر صيام أيام مسماة، فوافق يوم عيد. معنى قوله: مسماة، يعني مسماة العدد، وكان قد علق نذره بشرط فوجد في أيام فيها يوم عيد فإنه ينعقد ويكون عليه القضاء. والوجه فيه ما ذكرنا أن يوم العيد يتكرر على مر السنين، فلا يكاد يتفق يوم العيد يوم قدومه، فإذا كان مما يمكنه الوفاء به غالبًا انعقد نذره. وجود شرط صوم النذر أثناء النهار: فإن قدم فلان في يوم قد أكل فيه فهل يلزمه القضاء أم لا؟ على روايتين: إحداهما: لا يلزمه، نص عليه في روايه محمد بن يحيى المتطبب فيمن نذر إن قدم فلان أن يصوم ذلك اليوم لقدم فلان وقد أكل: ليس عليه شيء، لأنه اليوم معدوم. الثانية: عليه القضاء، نص عليها فيه إذا قدم في يوم فطر أو أضحى أنه يقضي. وجه الأولى: أن الناذر عند وجود الشرط يصير كالمتكلم بالجواب عند وجود الشرط، ألا ترى أنه لو قال: إن ملكت هذا الثوب فلله علي أن أتصدق به فملكه صار عند وجود الملك كأنه قال: الله على أن أصوم هذا اليوم وقد كان أكل فيه فلا يلزمه. ووجه الثانية: أنه لو علق الإيجاب بوقت بعينه، فقال: لله علي أن أصوم يوم الخميس فأفطر في ذلك اليوم لزمه ذلك اليوم لزمه القضاء، كذلك إذا علقه بشرط، لأن كل واحد منهما متعلق بزمان مستقبل.

стр. 857

الكفارة على من صادف صيام نذره صيامًا واجبًا أو محرمًا: فإذا ثبت أن نذره ينعقد في رمضان وفي يوم العيد وأنه يلزمه القضاء فهل يلزمه مع القضاء كفارة يمين؟ فالحكم فيه وفيمن نذر أن يصوم كل اثنين وخميس فوافق ذلك اليوم فطرًا أو أضحى فإن النذر ينعقد ويلزمه القضاء لأن يوم العيد يتكرر على مر السنين فلا يكاد يتفق يوم الاثنين والخميس وهل عليه الكفارة مع القضاء. على روايتين: نقل حنبل قال: حدثنا أبو عبد الله عن روح قال: حدثنا أشعث عن الحسن في رجل جعل على نفسه صوم الاثنين والخميس، فوافق ذلك يوم الفطر أو يوم أضحى، قال: يفطر ويصوم يومًا مكانه، ولا شيء عليه. قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: أذهب إلى قول الحسن يفطر يوم العيدين ولا يصومها، ويقض مكانه ولا شيء عليه، فظاهر هذا لا كفارة عليه. قال أبو حفص بن المسلم في هذا روايتان إحداهما: ما روى حنبل لا يصوم يوم العيد العيد ويصوم يومًا مكانه ولا كفارة عليه. وروى أبو طالب والأثرم وصالح والمروذي: القضاء والكفارة، وهو اختيار الخرقي، لأنه قال فإن وافق قدومه يوم فطر أو أضحى لم يصمه وصام يومًا مكانه وكفر كفارة يمين وكذلك قال في رواية أحمد بن سعيد إذا نذر صيام شهر أو صيام أيام معلومة فوافق يوم العيد يصوم يكفر. وجه الأولى: في إسقاط الكفارة أنه إذا صام في غير اليوم الذي عينه فقد أخر الصوم عن وقت أدائه، وهذا لا يوجب الكفارة، دليله صوم رمضان إذا أخره عن وقت أدائه فإنه لا كفارة عليه. ويفارق هذا إذا أخر القضاء حتى دخل رمضان آخر أنه يجب الكفارة لأن الكفارة هناك وجبت لتأخير القضاء لأن وقته مخصوص بزمان وهو ما بين رمضانين، وقضاء النذر وقته غير محصور بوقت فلم يجب بتأخره كفارة. ووجه الثانية: في إيجاب الكفارة ما روى عن النبي ﷺ قال: "النذر

стр. 858

حلف وكفارته كفارة يمين" (١) وقوله كفارة النذر كفارة يمين (٢) فقد شبهه باليمين وحكم اليمين في مسألتنا الكفارة. وروى عقبة بن عامر قال يا رسول الله، إن أختي نذرت أن تمشي حافية غير مختمرة. قال: مرها فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام. وروي: ولتكفر عن يمينها (٣)، ولأنه صوم واجب فجاز أن يجب بجنسه القضاء والكفارة، دليله صوم رمضان يجب فيه القضاء والكفارة إذا أخره حتى دخل رمضان آخر كذلك النذر. وهكذا الحكم فيه إذا نذر صيام شهر متتابع بعينه فأفطر فيه لغير عذر فإنه يقضي، وهل يكفر أم لا؟ يتخرج على الروايتين: وكذلك لو نذر صيام شهر متتابع ولم يسمه فمرض في بعضه فإذا عوفي أتمه، وهل يكفر؟ يتخرج على الروايتين. واختار الخرقي في ذلك: القضاء والكفارة، والوجه ما تقدم صوم يوم العيد بالنذر: ٢٢ - مسألة: إذا نذر أن يصوم يوم العيد هل ينعقد نذره أم لا؟ نقل حنبل عنه فيمن نذر أن يصوم يوم النحر لا يصوم ويكفر عن يمينه فظاهر هذا أنه لم يحكم بصحة النذر وجعل موجبه كفارة. ونقل أبو طالب فيمن نذر أن يصوم شوال فصام إلا يوم الفطر: يصوم يومًا مكان يوم الفطر ويكفر كفارة يمين، فظاهر هذا أنه حكم بصحة النذر لأنه ألزمه القضاء. وجه الأولى: وهي أصح، أنه زمان يستحق الفطر، فلم ينعقد فيه النذر كزمان الليل أو زمان الحيض.

стр. 859

ووجه الثانية: أنه يوم من جنس الأيام فلا ينافي صحة النذر كسائر الأيام، ولا يلزم عليه الليل، لقولنا جنس الأيام، ولا الحيض لأن فيه نظرًا. من نذر أن يحج ولم يكن حج الفرض: ٢٣ - مسألة: فإن نذر أن يحج في هذا العام وعليه حجة الفرض في ذمته، ووجدت فيه شرائط الوجوب، فهل ينعقد نذره أم لا؟ نقل ابن منصور فيمن نذر أن يحج ولم يحج حجة الفرض: يبدأ بفرض الله ثم يقضي ما أوجب على نفسه، فظاهر هذا أنه انعقد نذره وألزمه الحجة المنذورة بعد المفروضة. ونقل أبو طالب: إذا نذر أن يحج ولم يكن حج حجة الإسلام فيحج ويجزيه عنها، فظاهر هذا أنه لم ينعقد نذره لأنه لم يلزمه القضاء. وجه الأولى: أن العبادتين إذا اجتمعنا بسببين مختلفين لم تسقط إحداهما بالأخرى كما لو نذر أن يصلي وعليه صلاة مفروضة، ولأنه لو نذر أن يحج حجتين فإن ذلك لا يوجب إسقاط إحداهما للأخرى، كذلك ها هنا. ووجه الثانية: أنه إذا قال الله علي أن أحج وعليه حجة الفرض، فإنه يحتمل أن يكون قصد الإخبار بأن عليه حجة مفروضة، فيجب أن يحمل على ذلك كما لو مات وعليه حجة الفرض ووصى أن يخرج من ماله حجة فإنه تحمل وصيته على الحجة المفروضة. وهذا التعليل إنما يختص إذا قال الله عليّ أن أحج، ولم يصرح بذكر النذر فأما إن قال: لله على نذر لم يجيء هذا التعليل ولكن يكون وجهه أن هذا زمان مستحق متعين لحجة الفرض فوجب أن يمنع من صحة النذر بحجة أخرى كما لو نذر صوم رمضان فإنه لا يصح لاستحقاقه، ولأن الحجة المفروضة قد تمنع من حجة أخرى وجبت بسبب آخر. ألا ترى أن الصبي والعبد إذا أحرما بالحج وأفسدا قبل الوقوف ثم أعتق العبد وبلغ الصبي فإنهما يمضيان في حجها الفاسد وعليهما الحج المفروض ولا قضاء عليها للحجة التي أفسداها، ولو لم يبلغ الصبي ولم يعتق العبد كان عليها

стр. 860

القضاء، ولأنه لم يتوجه عليها فرض الحج، فلما توجه الفرض سقط القضاء كذلك ها هنا لما توجه الفرض جاز أن يمنع وجوب الفرض. القدر المجزئ في نذر الصلاة المطلق: ٢٤ - مسألة: إذا نذر أن يصلي فهل يجزيه ركعة؟ نقل إسماعيل بن سعيد: يجزيه ركعة، واحتج بأن الوتر ركعة. وقال الخرقي: ومن نذر أن يصلي فأقل الصلاة ركعتان. وجه الأولى: أن الركعة شرعية، وهي الوتر، فجاز أن يحمل النذر عليه. ووجه الثانية: أن النذور محمولة على أصولها، ولم يفرض في الفرض صلاة أقل من ركعتين، ولأنها عبادة تلزم بالنذر فوجب أن يلزم بالإيجاب حسب ما ثبت في الفرض كالحج، ويفارق هذا الوتر لأنها نافلة والنذر واجب فكان حمله على أصله في الفرض أولى. كفارة نذر قتل المعصوم: ٢٥ - مسألة: إذا نذر ذبح ولده أو ذبح نفسه أي شيء يجب في ذلك؟ نقل أبو منصور فيمن نذر أن ينحر نفسه: يفدي بنفسه إذا حنث بذبح شاة. ونقل حنبل: إذا نذر ذبح أولاده وله ثلاثة يذبح عن كل واحد منهم كبشًا، فظاهر هذا أنه يلزمه بموجب النذر ذبح كبش، وكذلك إذا نذر ذبح أجنبي فإنه موجبه ذبح كبش. قال أبو طالب: قرأت على أحمد: حدثنا ابن نمير عن حجاج عن عطاء عن ابن عباس في الذي يقول: أنا أنحر فلانًا، فقال عليه كبش، ذبح إبراهيم كبشًا (١). فظاهر هذا أنه أخذ بالحديث فتخرج من هذا أنه إذا نذر ذبح آدمي أن موجبه كبش.

стр. 861

وينقل المروذي كلامًا يقتضي أن موجبه كفارة يمين، فقال في امرأة حلفت بنحر ولدها: اختلفوا فيها، فقال قوم تهريق دمًا، فقيل له: ليس شيء أكثر من هذا، تطعم عشرة مساكين، فإن لم تقدر تطعم صامت ثلاثة أيام متتابعة يجزى عنها. فظاهر هذا أنه جعل موجبه كفارة يمين، وقد ذكر الخرقي في ذلك روايتين: وجه الأولى: في أن موجبه كبش، وهي أصح، أن إبراهيم ﵇ لزمه ذبح ولده ثم كان موجبه كبشًا (١) وشرائع من قبل نبينا هو لنا ما لم يثبت نسخها. وقد ذكر صاحب التاريخ وغيره أنه نذر أنه ينحر أول ولد يولد له، فأمره الله تعالى بأن يعزم على الوفاء بنذره ثم فداه بذبح عظيم. والفداء ما قام مقام الشيء. وعن ابن عباس أن من نذر أن ينحر ولده فعليه شاة (٢). والصحابي إذا قال قولًا مخالفًا للقياس فإنه يحمل على أنه قال توفيقًا، وكل ما كان موجبه في شريعة من كان قبل نبينا شاة كان موجبه في شريعة نبينا، دليله إذا قال الله أن أذبح شاة. ووجه الثانية: قول النبي ﷺ : لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين (٣)، فجعل موجب نذر المعصية كفارة يمين، ومن قال: موجبه كبش فلم

стр. 862

يجعل موجبه كفارة يمين، ولأنه نذر معصية فكان كفارته كفارة يمين، دليله لو قال: لله علي أن أشرب الخمر أو أقتل النفس، فإن موجب ذلك كفارة يمين لا يختلف المذهب فيه كذلك ها هنا. نذر الصوم لمن لا يقدر عليه: ٢ - مسألة: فإن نذر أن يصوم وهو شيخ كبير لا يطيق الصيام أي شيء يلزمه؟ نقل الفضل بن زياد: يطعم ويكفر، فظاهر هذا أنه يجتمع عليه الإطعام عن كل يوم مد وكفارة يمين. ونقل المروذي في الشيخ الكبير إذا لم يطق صوم النذر: يكفر ويعود إلى نذره، فظاهر هذا أنه لم يوجب الإطعام. قال أبو بكر: قوله: يعود إلى نذره، يعني إذا أطلق. وجه الأولى: وهي أصح، أنه صوم واجب عجز عنه لكبر، فكان عليه عن كل يوم إطعام مسكين دليله صوم رمضان إذا عجز عنه لكبر، والدلالة على وجوب الكفارة ما تقدم من حديث أخت عقبة (١) وقوله ﵇ "كفارة النذر كفارة يمين" (٢). ووجه الثانية: وأنه يجزى فيه الكفارة أن الكفارة إنما وجبت لتركه

стр. 863

الفعل، فلو قلنا: يجب المد عن كل يوم مع الكفارة أوجبنا في ذلك كفارتين، وهذا لا يجوز. صيام الأشهر المنذورة متتابعة: ١ - مسألة: إذا نذر أو حلف أن يصوم ثلاثة أشهر متتابعة، فتلبس بالصوم مع رؤية الهلال، فإنه يصوم ذلك بالأهلة، فإن تلبس به في بعض الشهر فإنه يكمل الشهر الأول بالعدد وما بعده من الشهور، على روايتين: إحداها: يصومها بالأهلة. والأخرى: يصومها بالعدد أيضًا، أومأ إليه في رواية صالح: إذا قال: لله أن أصوم شهرين متتابعين، فإن اعترض الأيام صام ستين يومًا، وإن ابتدأ الشهر فصام شهرين متتابعين فكان تسعة وخمسين أجزأه. فقد نص على أنه إذا ابتدأ في أثناء الشهر أكمل الشهرين بالعدد ولم يعتبر الثاني بالهلال. الرواية الثانية: يعتبر ما بعد الأول بالهلال، قال في رواية أبي طالب فيمن كان عليه صيام سنة أو أقل: فإن كان صام في النصف من الشهر صام بقية الشهر والشهر الذي بعده على التمام والنقصان وتم أيامه الأولى ثلاثين يومًا، فقد نص عليه أنه يعمل على الأهلة فيما بعده، وكذلك الحكم في مدة العدد والأجل في الإيلاء والإجارات. وجه الرواية الأولى: في اعتبار سائر الشهور بالأيام إذا كان الدخول في الصيام في بعض الشهر، أنه لما لم يكن ابتداء المدة بالهلال وجب استيفاء الشهر الأول بالأيام ثلاثين يومًا، فيكون انقضاؤه في بعض الشهر الذي يليه ثم كذلك حكم سائر الشهور، ولا يجوز أن يجبر هذا الشهر من آخر الشهور ويجعل ما بينهما من الشهور بالأهلة، لأن الشهور سبيلها أن تكون أيامها متصلة متوالية فوجب استيفاء شهر كامل ثلاثين يومًا من أول المدة أيامًا متوالية متصلة. ووجه الرواية الثانية: في اعتبار ما بعد الشهر الأول بالأهلة وهو الصحيح وهو قول مالك والشافعي وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة قوله ﷺ : صوموا

стр. 864

لرؤيته وأفطروا لرؤيته … فإن غم عليكم فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين (١). فأمر بالاعتبار بالهلال في الصوم مع وجوده، ونقلنا إلى الأيام عند عدمه فدل على أن الاعتبار بالهلال ولأنه قد استقبل الشهر الذي يليه بالهلال فوجب أن يكون انتهاؤه بالهلال كما لو ابتدأ العدة بالهلال ولأن الله تعالى قال: "فسيحوا في الأرض أربعة أشهر (٢) … " واتفق أهل النقل انها كانت عشرا من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشرين من شهر ربيع الآخر فاعتبر الهلال فيما يأتي من الشهور دون العدد، فوجب مثله في نظائره. نذر الصدقة فيما لا يملك: ٢٨ - مسألة: إذا نذر أن يتصدق بمال غيره هل ينعقد نذره أم لا؟ نقل عبد الله ومحمد بن الحكم لا نذر فيما لا يملك ابن آدم، على حديث أبي المهلب عن عمران بن حصين قال النبي ﷺ : "لا نذر فيما لا يملك ابن آدم (٣) " فظاهر هذا أن نذره غير منعقد.

стр. 865

ونقل حنبل فيمن قال: غلام فلان حر، ومال فلان في المساكين عليه كفارة يمين. قال أبو بكر: مسألة تخرج على اليمين. وجه الأولى: وهي أصح، ما احتج به أحمد ﵀ من حديث عمران قال النبي ﷺ : لا نذر فيما لا يملك ابن آدم (١) فنفى صحة النذر على الإطلاق ولأنه عقد في ملك الغير إذن فلم يصح، كما لو باع ملك غيره بغير إذنه. ووجه الثانية: قول النبي ﷺ : كفارة النذر كفارة يمين (٢)، ولو حلف أن يتصدق بمال غيره منع منه وكان عليه الكفارة، كذلك إذا نذر أن يتصدق به ولأن أكثر ما فيه أنه معصية لا يمكنه الوفاء بما نذر وهذا لا يمنع من انعقاده وإيجاب الكفارة كما لو نذر فعل معصية.

стр. 866

كتاب آداب القاضي والشهادات والدعاوي والبينات ويشمل الموضوعات التالية: (١) بحث الحاكم عن عدالة الشهود. (٢) رد الشهادة بفعل صغيرة. (٣) إحضار المدعي عليه بمجرد الدعوى. (٤) القضاء على الغائب. (٥) ما تدخله شهادة النساء. (٦) شهادة المميز. (٧) من لا تقبل شهادتهم لأجل التهمة. (٨) شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض. (٩) شهادة المختبئ. (١٠) الشهادة على الشهادة. (١١) تعارض البينتين.

стр. 867

(كتاب أدب القضاء) والشهادات والدعاوي والبينات بحث الحاكم عن عدالة الشهود: ١ - مسألة: إذا عرف الحاكم إسلام الشهود ولم يعلم عدالتها ولا فسقها فهل يبحث عن عدالتهما في الباطن أم لا؟ فنقل عبد الله وحنبل عن أحمد يروي عن إبراهيم: العدل من لم تظهر منه ريبة، وما يعجبني هذا حتى يستخبر فظاهر هذا أنه لا يحكم بشهادتهما حتى يبحث عن عدالتهما، سواء كان ذلك في حد أو قصاص أو غير ذلك من الحقوق. ونقل ابن منصور وجدت العدل في المسلمين من لم تظهر منه ريبة في المسلمين. فظاهر هذا أن البحث ليس بشرط في قبول الشهادة، سواء كان ذلك في حد أو قصاص أو مال، وهو اختيار أبي بكر والخرقي. قال الخرقي: والعدل من لم تظهر منه ريبة. وجه الأولى: وهي أصح، ما روي أن رجلًا ادعى عند عمر بن الخطاب على رجل حقًّا، فأنكر المدعى عليه، فأتى المدعي بشاهدين، فقال لها عمر: لست أعرفكما ولا يضركما أن لم أعرفكما، جيئاني بمن يعرفكما، فأتياه برجل، فقال له عمر: تعرفهما؟ فقال: نعم. قال عمر: صحبتهما في السفر الذي يبين فيه جواهر الناس

стр. 868

قال: لا. قال: هل كنت جارهما؟ تعرف صباحهما ومساهما؟ قال: لا. قال: عاملتهما بالدنانير والدراهم الذي يقطع بها الرحم؟ قال: لا. قال عمر: يا ابن أخي لا تعرفها جيئاني بمن يعرفكما (١) فلم يقبل عمر ﵁ عدالتهما في الظاهر حتى بحث عنهما، ولم ينكر أحد عليه ذلك. ولأن العدالة شرط في الشهادة للحكم فيها فلم يجب الاقتصار في معرفته على الظاهر قياسًا على الإسلام، ولأنه لم يعرف عدالتهما في الباطن فلم يجز الحكم بشهادتهما كما لو جرحهما الخصم. ووجه الثانية: ما روي أن أعرابيًا جاء إلى النبي ﷺ قال: إني رأيت الهلال قال له: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم. قال: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم. قال: يا بلال، أذن في الناس أن صوموا. (٢)

стр. 869

فقبل شهادته ولم يسأل عن عدالته. ولأن الأصل في الإنسان العدالة، والفسق طارئ على الأصل، فيجب أن يحكم بالأصل. يدل عليه قوله تعالى: "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس. . ." (١). وقوله وسطًا، يعني عدولًا. قال الشاعر: هم وسط يرضى الأنام بحكمهم. وروي عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودًا في قذف (٢). وكتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري أن المسلمين عدول بعضهم على بعض إلا مجلودًا أو محدودًا (٣). وكل ما جاز أن يقبل فيه قول النساء لم تجب المسألة عدالة من يوجد منه القول ما لم يطعن فيه، دليله أخبار الديانات (٤). رد الشهادة بالصغيرة: ٢ - مسألة: هل ترد شهادته بفعل صغيرة من الصغائر وإن لم يتكرر منه مثل أن يكذب كذبة واحدة ونحو ذلك أم لا؟ فنقل أحمد بن أبي عبدة في الرجل يكذب، فقال: إن كثر كذبه لم يصل خلفه. وكذلك نقل أبو الصقر عنه في الصلاة خلف آكل الربا، فقال: إن كان أكثر طعامه الربا لم يصل خلفه.

стр. 870

فظاهر هذا أنه لا تزول عدالته بفعل صغيرة، بل يعتبر غالب أمره، فإن كان غالب أمره الطاعات والمروءة قبلت شهادته وإن زل في صغيرة، وإن كان الغالب من أمره ارتكاب الصغائر وترك المروءة ردت شهادته. ونقل علي بن سعيد في الرجل يكذب بكذبة واحدة: لا يكون في موضع العدالة، الكذب شديد، وكذلك نقل ابن منصور أنه قال لأبي عبد الله: متى تترك الحديث؟ فقال: إذا كان الغالب عليه الخطأ. قلت: الكذب من قليل أو كثير؟ قال: نعم. فظاهر هذا أنه ترد شهادته بفعل صغيرة، وإن لم تتكرر منه، وهو اختيار الخرقي، لأنه قال: والعدل من لم تظهر منه ريبة. وجه الأولى: وهي أصح، أن أحدًا لا يمحص الطاعات، حتى لا يشوبها المعصية. يدل عليه قوله تعالى: "وعصى آدم ربه فغوى … (١) " ولم يرد بقوله: "غوى" من الغيّ، وإنما أراد وضع الشيء في غير موضعه، وقال في قصة داود: "إنما فتناه فاستغفر ربه وخرّ راكعًا وأناب .... (٢) "فأخطأ وتاب الله عليه. قال النبي ﷺ : ما أحد إلا عصى أو هم بمعصية إلا يحيى بن زكريا (٣) فثبت أن ما سلمت الأنبياء من الخطأ أو المعاصي. وإذا ثبت أن أحدًا لا يتمحض له الطاعات ولا يسلم من الصغائر، فلو قلنا: لا يقبل إلا بشهادة من يمحض الطاعات ويترك المعصية أفضى أن لا تقبل شهادة أحد، فلهذا اعتبر في أمره الغالب. ووجه الثانية: ما روى أبو بكر بن جعفر بإسناده عن يونس بن شيبة أن

стр. 871

النبي ﷺ رد شهادة رجل في كذبه (١)، ولأنه لما ردت شهادته بفعل كبيرة وإن لم يتكرر منه كذلك الصغائر وكلما لو تكرر منه أوجب رد شهادته أوجب أن تكون رد شهادته بفعل مرة، دليله الكبائر. إحضار الحاكم المدعى عليه بمجرد الدعوى: ٣ - مسألة: إذا استعدى رجل عند الحاكم على رجل لا يعلم بينهما معاملة فهل يحضره أم لا؟ نقل الأثرم عنه: أهل المدينة يقولون: لا يحلف إلا أن يعلم أنه كان بينهما معاملة، فقيل لأحمد: ظاهر الحديث أنه يحضره، وهو اختيار أبي بكر. ونقل عبد الله في الرجل يجيء إلى القاضي فيقول: أعد علي فلان. فقال: إن استعدى على رجل يبيع ويشتري مثله يعديه عليه، وإن كان رجلًا لا يبايع الناس فلا يعدى عليه. وجه الأولى: قول النبي ﷺ : البينة على المدعي واليمين على من أنكر (٢).

стр. 872

ولم يفصل، ولأنه لم يثبت كذبه فيما يدعيه فوجب أن يعدي عليه، كما لو كان بينهما معاملة، ولأنه لو لم يحضره إلا بعد أن يعلم بينها معاملة أفضى إلى إسقاط أكثر الحقوق، فإن أكثرها تجب بغير بينة، كالغصوب والجنايات، والسرقة والودائع. ووجه الثانية: ما روى عن جماعة من السلف فروى حسين بن عبد الله بن ضمرة عن أبيه أن علي بن أبي طالب ﵁ كان إذا جاءه الخصمان نظر، فإن كان بينهما مخالطة أو ملابسة استحلف المدعى عليه. وإن لم يكن بينهما خلطة ولا ملابسة لم يستحلف (١). وروى مالك عن حميد بن عبد الرحمن المؤذن، عن عمر بن عبد العزيز وهو (٢) قول السبعة الفقهاء من أهل المدينة، ولأن من أدعى على خليفة أو قاضي من قضاة المسلمين أنه يشتري منه بنفسه باقة بقل أو جبنًا بدانق ونحوه، وحمله بيده بحضرة الناس، فإن العرف والظاهر يمنع من صحة دعواه، لأن فيها إضافة لسقوط المروءة إليه، وذلك مما يقدح في العدالة، وإذا كان ذلك وجب أن يعتبر بالعرف في ذلك، لأنه أصل يرجع إليه في الإحراز، والقبوض، والأثمان ونحو ذلك ما روي عن علي ﵇ أنه قال: لا يعدى الحاكم على خصم إلا أن يعلم بينهما معاملة (٣).

стр. 873

ولأن فيه استبذالًا لأهل المروءات والصيانات، ولأنه لا يشاء شاء أن يبتذل ذا صيانة إلا استعدى عليه وأحضر وإذا أفضى إلى هذا سقط في نفسه القضاء على الغائب: ٤ - مسألة: هل يجوز القضاء على الغائب، أم لا؟ نقل أبو طالب، وابن منصور: جواز ذلك، وهو اختيار الخرقي. ونقل مهنى في رجل بيده عبد ذكر أنه وديعة عنده استودعه رجل، وأقام على ذلك البينة، فجاء رجل فزعم عبده أبق منه،، وأقام البينة، فقال أحمد: واختلفوا في هذا، أهل المدينة يقولون: ينظر ولا يقضى على الغائب. وشريح يقول: يقضى على الغائب، فقيل له: ما تقول أنت؟ قال: ينتظر به. فظاهر هذا أنه لا يقضى على الغائب حتى يحضر، قال أبو بكر الخلال: قول أبي عبد الله ينتظر به، أحسبه قولًا أولًا. قال: والذي أذهب إليه جواز القضاء على الغائب. ووجه الأولى: ما روى أبو موسى الأشعري قال: كان إذا حضر عند رسول الله ﷺ خصمان، فتواعدا الموعد فوفى أحدهما، ولم يف الآخر. قضى للذي وفى، على الذي لم يفِ (١) ومعلوم أنه لم يكن يقضي عليه بدعواه، فثبت أنه قضى ببينة وأيضًا حديث هند إمرأة أبي سفيان، أتت النبي ﷺ فقالت يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح وأنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما آخذ منه أفيجوز لي ذلك؟. قال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف (٢) فقضى على أبي سفيان وهو غائب.

стр. 874

وروي أن عمر ﵇ صعد المنبر فقال: ألا إن الأسيفع أسيفع جهينة قد رضي من دينه وأمانته أن يقال: سائق الحجاج أو سابق الحاج وادان معرضًا، فأصبح وقد دين به، فمن كان له عليه دين فليأت غدًا فليقسم ماله بينهم بالحصص (١). فالظاهر أنه قضى بذلك عليه وقسم عليه ماله بين غرمائه، وهو غائب، لأنه كان معرضًا ولم يخالف أحد من الصحابة. ولأن تعذر الوصول إلى إقرار الخصم سبب في جواز إقامة البينة عليه لفصل القضاء. قياسًا عليه إذا حضر مجلس الحكم، فادعى عليه الحق وسكت المدعى عليه فلم يجب. ووجه الثانية: ما روى عن النبي ﷺ أنه قال لعلي ﵇ حين وجهه إلى اليمن: لا تقض لأحد الخصمين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول (٢)، ولأنه قضاء بالبينة قبل سؤال الخصم عن الدعوى فلم يجر، دليله إذا

стр. 875

كان الخصم حاضرًا في البلد، ولأن البينة حجة من جهة أحد الخصمين فوجب أن لا يقضي بها الحاكم مع غيبة خصمه، كاليمين لا تسمع من المدعى عليه مع غيبة المدعي. الحقوق التي تثبت بشاهد وامرأتين أو يمين: ٥ - مسألة: فما يثبت بشاهد وامرأتين وشاهد ويمين، روايتان: إحداهما: كل ما لم يسقط بالشبهة، فعلى هذا النكاح ينعقد بشاهد وامرأتين، وما يتعلق به يثبت بشاهد وامرأتين كالطلاق والرجعة والعنة والفيئة وكذلك الرق وما يتعلق به من العتق، والولاء، وكذلك التوكيل، والوصية إليه، وقد نص على هذا في مواضع فقال في رواية حرب: إذا تزوج بشهادة نسوة لم يجز، فإن كان معهن رجل فهو أهون فظاهر هذا أنه ينعقد. قال في رواية مهنا في عبد شهد له رجل واحد أن مولاه أعتقه: يعتق العبد بشاهد واحد، ويستحلف العبد أن مولاه أعتقه، فقد ثبت العتق بشاهد ويمين. ونقل البرزاطي: الرجل يوكل وكيلًا على نفسه يشهد لا رجلًا وامرأتين، فقال: إن كانت الوكالة مطالبة بدين، فأما غير ذلك فلا. فقد حكم بثبوت عقد الوكالة بشاهد وامرأتين، ونقل بكر بن محمد عنه في الوصية: لا تثبت حتى يشهد الوصي رجلين أو رجلًا، فظاهر هذا أنه أثبتها بشاهد واحد. ونقل أحمد بن إبراهيم السكوني، عنه في الرجل يوصي بوصايا ولا يحضره إلا النساء: تجوز شهادة النساء، فظاهر هذا أنه أثبتها بشهادة النساء على الانفراد. والرواية الثانية: أن الذي يثبت بشاهد وامرأتين وشاهد ويمين ما كان مالًا كالقرض، والغصب، أو كان المقصود منه المال كالبيع والصرف، والسلم والصلح، والإجارة، والرهن، والجناية التي توجب المال، فعلى هذا ما لم يكن مالًا ولا المقصود منه المال ويطلع عليه الرجال فلا يثبت بشاهد وامرأتين،

стр. 876

وشاهد ويمين كالنكاح والطلاق، والخلع، والرجعة، والتوكيل، والوصية، والعتق والنسب، والكتابة. نص عليه في مواضع فقال في رواية جنبل وقيل له: قال مالك: وإنما يكون اليمين في الأموال خاصة لا يقع في شيء من الحدود والنكاح والطلاق، والعتاق. قال: وأنا أرى ذلك. ونقل المروذي وصالح لا تجوز شهادة رجل ويمين الطالب في نكاح ولا طلاق ولا حد إنما ذلك في الحقوق. ونقل حنبل: لا تجوز شهادة النساء في الطلاق والحدود، ولا تجوز شهادتهن إلا فيما لا يراه الرجال. ونقل حنبل أيضًا إذا تزوج بشهادة النساء استأنف النكاح. وجه الرواية الأولى: في أنه ثبت النكاح وحقوقه والملك وحقوقه وعقد الوكالة، والوصية، بشهادة رجل وامرأتين، وشاهد ويمين، أن هذه الأشياء لا تسقط بالشبهة فتثبت بالشاهد والمرأتين والشاهد واليمين كالأموال، وما يقصد منه المال. ووجه الثانية: وهي اختيار الخرقي وأبي بكر، وهي أصح، أن هذه الأشياء ليست بمال ولا يقصد منها المال، ويطلع عليها الرجال فلم يثبت بشاهد وامرأتين وشاهد ويمين، دليله الحدود والقصاص. ما يثبت بشهادة امرأة واحدة: ٦ - مسألة: ما يثبت بشهادة النساء على الانفراد كالرضاع والولادة. والعيوب تحت الثياب كالرتق والقرن والرص ونحو ذلك وفي الاستهلال لأجل الإرث وفي زوال البكارة في المغيبة، إذا أدعى الزوج وطأها، وفي العدة إذا ادعت انقضاءها لأقل الإمكان، هل يثبت بامرأة واحد أم لا؟ قال أبو بكر: على روايتين: إحداهما: لا يقبل في ذلك إلا امرأتان فصاعدًا، قال في رواية مهنا وقد

стр. 877

سُئل عن شهادة القابلة وحدها في استهلال الصبي، فقال: لا يجوز شهادتها وحدها. ونقل كذلك حرب فقال: لا يجوز شهادة القابلة وحدها، إلا أن تكون امرأتين وكذلك ما لا يطلع عليه الرجال. ونقل أبو طالب، وابن منصور، وإسماعيل بن سعيد: تثبت بشهادة واحدة في جميع ما تقبل فيه النسا بانفرادهن، وهو اختيار الخرقي وأبي بكر، وهو الصحيح. وجه الأولى: أن هذه شهادة وكان من شرطها العدد كسائر الشهادات، وهذا تدخل عليه الشهادة على رؤية الهلال، ولأنه تثبت ولادة بشهادة فوجب أن يشترط فيه العدد كإثبات ولادة المطلقة البائن، إذا ادعت الولادة، ويجب أن يقال: إن شهادتها في إثبات الولادة مقبولة، وإنما تبطل في نسب الولد من الرجل لأن الأنساب لا تثبت بشهادة النساء وحدهن، وإذا كانت الشهادة بالولادة مع بقاء النكاح فالنسب لم يثبت بشهادتها، وإنما يثبت بالفراش. ووجه الرواية الثانية: ما أسنده أبو بكر في كتاب الشافي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : يجري في الرضاعة شهادة امرأة واحدة (١). وروى عن عقبة أن النبي ﷺ أجاز شهادة القابلة (٢)، ولأن المرأة بها

стр. 878

ضرورة إلى امرأة واحدة لقبول الولد، وليس بها ضرورة إلى ما زاد عليها، كما لا ضرورة بها إلى الرجل، فكما لم تكن شهادة الرجل شرطًا في ثبوت الولادة، كذلك شهادة الثانية، والثالثة والرابعة، ولأن الولادة معنى تثبت بقول النساء، وحدهن، فجاز أن يثبت بقول امرأة واحدة كإخبار الديانات. شهادة المميز: ٧ - مسألة: في الصبي إذا كان مميزًا تقبل شهادته أم لا؟ نقل حرب والميموني وابن منصور: لا تجوز شهادته حتى يحتلم أو يتم له خمس عشرة سنة، أو ينبت. فظاهر هذا أنه منع على الإطلاق. ونقل ابن إبراهيم: تجوز شهادة الصبي إذا كان ابن عشر سنين أو اثني عشرة سنة - فظاهر هذا جوازها على الإطلاق. ونقل حنبل يجوز شهادة الصبيان فيما بينهم في الجراح، فإذا كان في المال يستأنى بهم إذا عقلوا. فظاهر هذا أنَّما شهادتهم في الجراح إذا كانوا مجتمعين ولا يقبل في المال، وظاهر كلامه أنها تقبل سواء كانوا مجتمعين على الحالة التي كانوا تجارحوا عليها أو جاءوا بعد ما تفرقوا. وجه الأولى: وهي صحيحة، قوله تعالى: "واستشهدوا شهيدين من رجالكم (١) " والصبيان ليسوا برجال. وقال تعالى: "ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه (٢) " فتوعد على كتمانها، والصبي لا يلحقه التوعد، ولأنها شهادة من غير مكلف فلا يصح كالمجنون.

стр. 879

ووجه الثانية: ما روى ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه كان يجيز شهادة الصبيان (١). وروى الشعبي قال كان صبيان يتعاومون السباحة في الفرات إذ غرق واحد منهم، فادعى أولياؤه على الأحياء من الصبيان، واختصموا إلى علي ﵇ وهو أمير المؤمنين إذ ذاك، فشهد اثنان من الخمسة على الثلاثة منهم أنهم أغرقوه، وشهد اثنان من الخمسة على الاثنين أنها أغرقاه، فحكم علي في ذلك بالدية أخماسًا على الثلاثة ثلاثة أخماس الدية، وعلى الاثنين خمسا الدية (٢). ولأنه ممن يقبل خبره فقبلت شهادته كالبالغ، أو لأنه يعقل الشهادة فهو كالبالغ. ووجه الثاني: أن حفظ الدماء مندوب إليه، والصبيان يخلون في الأهواء فيخرج (٣) بعضهم بعضًا، فلو لم يقبل شهاده بعضهم على بعض لأهدرنا دماءهم، فدعت الحاجة إلى قبول ذلك، كما دعت الحاجة إلى قبول شهادة النساء، منفردات في الولادة لأنهن يخلون بها.

стр. 880

ويبين صحة هذا الاعتبار ما نقل بكر بن محمد عن أبيه عن أحمد ﵁ في امرأة تشهد على ما لا يحضره الرجال من إثبات إهلال الصبي، وفي الحمام يدخله النساء فيكون بينهن جراحات، فقد قبل شهادة بعضهن على بعض في الجراحات في الحمام، لأنه موضع لا يحضره الرجال. شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض: ٨ - مسألة: هل يجوز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض أم لا؟ نقل الميموني، وأبو داود، والمرذوي، وحرب: لا يقبل. ونقل حنبل: يقبل. وقال أبو بكر الخلال وصاحبه: غلط حنبل فيما نقل، والمذهب أنها لا تقبل. وقال شيخنا أبو عبد الله المسألة على روايتين: وحكي عن أبي حفص البرمكي، أنه قال: يجوز شهادة بعضهم على بعض في الصبي إذا سبى المسلمون رجلين فادعيا أن كل واحد منها أخ للآخر، فإن شهد لهما نفسان ممن يخرج معهما تقبل، وإن كانا ذميين. ووجه الأولى: وهي الصحيحة قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة (١) ". فأمر بالتبين في إنباء الفاسق، والكافر من أفسق الفساق فوجب التوقف فيه وروي معاذ بن جبل قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا يقبل شهادة أهل دين على غير أهل دينهم إلا المسلمين فإنهم عدول على أنفسهم وعلى غيرهم (٢) " ولأنها شهادة من كافر فلا يقبل دليله إذا شهد على المسلمين في غير الوصية.
следующие страницы →