← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 13246

الروايتين والوجهين - المسائل الفقهية منه

القاضي أبو يعلى ابن الفراء

Полный текст (1 069 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

وشاهد ويمين كالنكاح والطلاق، والخلع، والرجعة، والتوكيل، والوصية، والعتق والنسب، والكتابة. نص عليه في مواضع فقال في رواية جنبل وقيل له: قال مالك: وإنما يكون اليمين في الأموال خاصة لا يقع في شيء من الحدود والنكاح والطلاق، والعتاق. قال: وأنا أرى ذلك. ونقل المروذي وصالح لا تجوز شهادة رجل ويمين الطالب في نكاح ولا طلاق ولا حد إنما ذلك في الحقوق. ونقل حنبل: لا تجوز شهادة النساء في الطلاق والحدود، ولا تجوز شهادتهن إلا فيما لا يراه الرجال. ونقل حنبل أيضًا إذا تزوج بشهادة النساء استأنف النكاح. وجه الرواية الأولى: في أنه ثبت النكاح وحقوقه والملك وحقوقه وعقد الوكالة، والوصية، بشهادة رجل وامرأتين، وشاهد ويمين، أن هذه الأشياء لا تسقط بالشبهة فتثبت بالشاهد والمرأتين والشاهد واليمين كالأموال، وما يقصد منه المال. ووجه الثانية: وهي اختيار الخرقي وأبي بكر، وهي أصح، أن هذه الأشياء ليست بمال ولا يقصد منها المال، ويطلع عليها الرجال فلم يثبت بشاهد وامرأتين وشاهد ويمين، دليله الحدود والقصاص. ما يثبت بشهادة امرأة واحدة: ٦ - مسألة: ما يثبت بشهادة النساء على الانفراد كالرضاع والولادة. والعيوب تحت الثياب كالرتق والقرن والرص ونحو ذلك وفي الاستهلال لأجل الإرث وفي زوال البكارة في المغيبة، إذا أدعى الزوج وطأها، وفي العدة إذا ادعت انقضاءها لأقل الإمكان، هل يثبت بامرأة واحد أم لا؟ قال أبو بكر: على روايتين: إحداهما: لا يقبل في ذلك إلا امرأتان فصاعدًا، قال في رواية مهنا وقد

стр. 877

سُئل عن شهادة القابلة وحدها في استهلال الصبي، فقال: لا يجوز شهادتها وحدها. ونقل كذلك حرب فقال: لا يجوز شهادة القابلة وحدها، إلا أن تكون امرأتين وكذلك ما لا يطلع عليه الرجال. ونقل أبو طالب، وابن منصور، وإسماعيل بن سعيد: تثبت بشهادة واحدة في جميع ما تقبل فيه النسا بانفرادهن، وهو اختيار الخرقي وأبي بكر، وهو الصحيح. وجه الأولى: أن هذه شهادة وكان من شرطها العدد كسائر الشهادات، وهذا تدخل عليه الشهادة على رؤية الهلال، ولأنه تثبت ولادة بشهادة فوجب أن يشترط فيه العدد كإثبات ولادة المطلقة البائن، إذا ادعت الولادة، ويجب أن يقال: إن شهادتها في إثبات الولادة مقبولة، وإنما تبطل في نسب الولد من الرجل لأن الأنساب لا تثبت بشهادة النساء وحدهن، وإذا كانت الشهادة بالولادة مع بقاء النكاح فالنسب لم يثبت بشهادتها، وإنما يثبت بالفراش. ووجه الرواية الثانية: ما أسنده أبو بكر في كتاب الشافي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : يجري في الرضاعة شهادة امرأة واحدة (١). وروى عن عقبة أن النبي ﷺ أجاز شهادة القابلة (٢)، ولأن المرأة بها

стр. 878

ضرورة إلى امرأة واحدة لقبول الولد، وليس بها ضرورة إلى ما زاد عليها، كما لا ضرورة بها إلى الرجل، فكما لم تكن شهادة الرجل شرطًا في ثبوت الولادة، كذلك شهادة الثانية، والثالثة والرابعة، ولأن الولادة معنى تثبت بقول النساء، وحدهن، فجاز أن يثبت بقول امرأة واحدة كإخبار الديانات. شهادة المميز: ٧ - مسألة: في الصبي إذا كان مميزًا تقبل شهادته أم لا؟ نقل حرب والميموني وابن منصور: لا تجوز شهادته حتى يحتلم أو يتم له خمس عشرة سنة، أو ينبت. فظاهر هذا أنه منع على الإطلاق. ونقل ابن إبراهيم: تجوز شهادة الصبي إذا كان ابن عشر سنين أو اثني عشرة سنة - فظاهر هذا جوازها على الإطلاق. ونقل حنبل يجوز شهادة الصبيان فيما بينهم في الجراح، فإذا كان في المال يستأنى بهم إذا عقلوا. فظاهر هذا أنَّما شهادتهم في الجراح إذا كانوا مجتمعين ولا يقبل في المال، وظاهر كلامه أنها تقبل سواء كانوا مجتمعين على الحالة التي كانوا تجارحوا عليها أو جاءوا بعد ما تفرقوا. وجه الأولى: وهي صحيحة، قوله تعالى: "واستشهدوا شهيدين من رجالكم (١) " والصبيان ليسوا برجال. وقال تعالى: "ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه (٢) " فتوعد على كتمانها، والصبي لا يلحقه التوعد، ولأنها شهادة من غير مكلف فلا يصح كالمجنون.

стр. 879

ووجه الثانية: ما روى ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه كان يجيز شهادة الصبيان (١). وروى الشعبي قال كان صبيان يتعاومون السباحة في الفرات إذ غرق واحد منهم، فادعى أولياؤه على الأحياء من الصبيان، واختصموا إلى علي ﵇ وهو أمير المؤمنين إذ ذاك، فشهد اثنان من الخمسة على الثلاثة منهم أنهم أغرقوه، وشهد اثنان من الخمسة على الاثنين أنها أغرقاه، فحكم علي في ذلك بالدية أخماسًا على الثلاثة ثلاثة أخماس الدية، وعلى الاثنين خمسا الدية (٢). ولأنه ممن يقبل خبره فقبلت شهادته كالبالغ، أو لأنه يعقل الشهادة فهو كالبالغ. ووجه الثاني: أن حفظ الدماء مندوب إليه، والصبيان يخلون في الأهواء فيخرج (٣) بعضهم بعضًا، فلو لم يقبل شهاده بعضهم على بعض لأهدرنا دماءهم، فدعت الحاجة إلى قبول ذلك، كما دعت الحاجة إلى قبول شهادة النساء، منفردات في الولادة لأنهن يخلون بها.

стр. 880

ويبين صحة هذا الاعتبار ما نقل بكر بن محمد عن أبيه عن أحمد ﵁ في امرأة تشهد على ما لا يحضره الرجال من إثبات إهلال الصبي، وفي الحمام يدخله النساء فيكون بينهن جراحات، فقد قبل شهادة بعضهن على بعض في الجراحات في الحمام، لأنه موضع لا يحضره الرجال. شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض: ٨ - مسألة: هل يجوز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض أم لا؟ نقل الميموني، وأبو داود، والمرذوي، وحرب: لا يقبل. ونقل حنبل: يقبل. وقال أبو بكر الخلال وصاحبه: غلط حنبل فيما نقل، والمذهب أنها لا تقبل. وقال شيخنا أبو عبد الله المسألة على روايتين: وحكي عن أبي حفص البرمكي، أنه قال: يجوز شهادة بعضهم على بعض في الصبي إذا سبى المسلمون رجلين فادعيا أن كل واحد منها أخ للآخر، فإن شهد لهما نفسان ممن يخرج معهما تقبل، وإن كانا ذميين. ووجه الأولى: وهي الصحيحة قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة (١) ". فأمر بالتبين في إنباء الفاسق، والكافر من أفسق الفساق فوجب التوقف فيه وروي معاذ بن جبل قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا يقبل شهادة أهل دين على غير أهل دينهم إلا المسلمين فإنهم عدول على أنفسهم وعلى غيرهم (٢) " ولأنها شهادة من كافر فلا يقبل دليله إذا شهد على المسلمين في غير الوصية.

стр. 881

ووجه الثانية: أن اليهود أتت النبي ﷺ ومعهم رجل وامرأة، فقالوا: إنها زنيا فرجمها النبي … رواه ابن عمر (١). وفي خبر آخر، فقال لها النبي ﷺ : إن شهد أربعة منكم رجمتهما (٢). وروى جابر أن النبي ﷺ أجاز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض (٣) ولأنه عدل عند أهل دينه فثبتت شهادته كالمسلمين. الاستحلاف على ما ليس بمال ولا يقصد منه المال من الحقوق: ٩ - مسألة: هل يستحلف في دعوى ما ليس بمال، ولا المقصود منه المال كالنكاح، وما يتعلق به من الطلاق والخلع والرجعة، والفيئة والإيلاء، ودعوى الرق وما يتعلق به من الاستيلاء، والولاء، والنسب، والعتق، والكتابة، والجناية الموجبة للقود، وحد القذف أم لا.

стр. 882

على روايتين: إحداهما: لا يستحلف في شيء من ذلك، قال في رواية ابن القاسم: لا أرى اليمين في النكاح، والطلاق، والحدود لازمة، لأنه إن نكل عن اليمين لم أقتله ولم أجده ولم أدفع المرأة إذا نكلت إلى الرجل، ولم أسمع عن مضي جواز الأيمان إلا في الأموال خاصة. وكذلك نقل أبو طالب في رجل قيل له: احلف أنك ما قتلت. قال: لا أحلف، وجب عليه (١). ونحو ذلك نقل الأثرم، وصالح، والمروذي، فظاهر هذا أنه لا يستحلف في شيء من ذلك. والرواية الثانية: يحلف في جميع ذلك، قال في رواية أبي طالب في الرجل يسر بطلاق امرأته وينكر في العلانية، استحلفه؟ قال: نعم. وكذلك نقل ابن منصور إذا ادعى عليه جرحًا حلف، وذكر حديث ابن عباس في امرأتين كانتا تخرزان، فطعنت إحداهما الأخرى بالإشفا، فاستحلف ابن عباس المدعي عليها (٢). ونقل ابن منصور في رجل ادعى قبل رجل أنه قذفه، ولم يكن له بينة، أيحلف؟ قال: أي والله، لمَ لا يحلف؟ أليس ابن عباس قال في الحد: استحلفوها؟ حديث ابن أبي ملكية في امرأتين كانتا في بيت (٣) فإن نكل أقيم عليه الحد إلا القتل، فظاهر هذا أنه يستحلف في جميع ذلك. قال أبو بكر: وعلى الروايتين جميعًا: لو نكل عن اليمين في هذه الأشياء لم يقض عليه بالنكول ولا رددنا اليمين، وإنما يقصد باليمين على إحدى الروايتين الردع، والزجر، عساه يخاف منها فيقر. قال أبو بكر وقوله: في رواية ابن منصور يقام عليه الحد إذا نكل قول قديم، لأن ابن منصور سماعه قديم عن أحمد.

стр. 883

وجه الأولى: في أنه لا يستحلف في ذلك أن بذل هذه الأشياء لا يصح فلم يجب فيها اليمين قياسًا على الحدود. أو نقول ما ليس بمال ولا المقصود منه المال لا يجب فيه اليمين كالحدود ولا يلزم عليه القرض والغصب، لأنه مال ولا البيع والصرف والسلم والصلح والإجارات، والجنايات التي توجب المال والرهن لأن المقصود من ذلك المال. ووجه الثانية: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "اليمين على من أنكر" (١). وهذا عام، وكل حق ادعى عليه لزم المدعى عليه الإجابة فيه، فإذا لم يكن مع المدعي بينة لزم المدعى عليه اليمين كالأموال. شهادة الوالد لولده والولد لوالده: ١٠ - مسألة: اختلفت الرواية عن أحمد ﵁ في شهادة الوالد لولده والولد لوالده. فنقل المروذي، ومهنا، وحنبل: لا تقبل شهادة الوالد لولده، وإن سفل وكذلك الوالدة، ولا الولد لوالده، وإن علا كالجد، ولا لوالدته وإن علت كالجدة. وروى عنه بكر بن محمد: تجوز شهادة الابن لأبيه ولا تجوز شهادة الأب لابنه، لأن مال الابن لأبيه، ومال الأب فإنه لا يضاف إلى ابنه. ونقل بكر بن محمد أيضًا: يجوز شهادة كل واحد منهما لصاحبه فيما لا يجر نفعًا إليه في الغالب، مثل أن يشهد له بعقد نكاح، فإن الشاهد لا يستفيد بهذا نفعًا إلى نفسه أو يشهد له بحق، ومثله في الظاهر لا يحتاج أن يأخذ من ماله شيئًا بأن يكون كل واحد منهما غني عن صاحبه، فإذا شهد له علمنا أنه لا يأخذ منه شيئًا فيسلم منه. وجه الأولى: ما روي عن الزهري عن عروة عن عائشة - رضي الله

стр. 884

عنها - أن النبي ﷺ . قال: لا تقبل شهادة الولد لوالده ولا شهادة الوالد لولده (١)، ذكره الساجي. وروى أبو الوليد في التخريج: حدثنا عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ قال: لا تقبل شهادة خائن، ولا خائنة، ولا ظنين، في ولاية ولا في قرابة (٢)، ولأن ولده جزء منه. قال تعالى: "خلق من ماء دافق، يخرج من بين الصلب الترائب" (٣). وقال: "وجعلوا له من عباده جزءًا (٤) " يعني ولدًا.

стр. 885

وقال النبي ﷺ في فاطمة ﵍: فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها. (١) وإذا كان بمنزلة نفسه لم تقبل شهادته له، كما لا تقبل شهادته لنفسه ومن أجاز شهادة الابن لأبيه قال: هذا المعنى معدوم في الابن، لأن الأب ليس ببعض من الابن، ولأن ماله لم يجعل كمال نفسه، وفي الأب ليس كذلك، لأن الولد بعضه وماله ينضاف إليه لقوله: ﷺ : أنت ومالك لأبيك (٢) ". فلهذا فرقنا بينها، ومن أجاز شهادته فيما لا يجر نفعًا، قال: لأن التهمة منتفية في ذلك، فلهذا قبلت. فأما شهادة كل واحد منهما على صاحبه هل تقبل أم لا؟ نقل بكر بن محمد: يجوز. ونقل مهنا: لا يجوز. وجه الأولى: وهو أصح أنه إنما لم تقبل شهادته لما يلحقه من التهمة في ذلك وهذا معدوم في الشهادة عليه، وهذا كما قلنا في شهادة العدو لعدوه: تقبل ولا تقبل شهادته عليه، لهذا المعنى. ووجه الثانية: أن من يجر شهادته عليه، دليله الفاسق إذا شهد على غيره ولغيره. تحريم الغناء: ١١ - مسألة: اختلف أصحابنا في الغناء.

стр. 886

فذهب أبو بكر الخلال، وأبو بكر صاحبه إلى أنه مباح، قال أبو بكر عبد العزيز: الغناء والنوح واحد ما لم يكن معه منكر، ولا فيه طعن، فهو مباح. قال: وكان أبو بكر الخلال يحمل كراهة أحمد - رحمة الله عليه - على الأفعال المذمومة لا على القول بعينه لأن صالح بن أحمد ﵀ قال: اقتصدت ودعوت جماعة من أصحابنا ودعوت قومًا يقولون، فلما صلى أبي العتمة دخل ليعرف خبري، وكان معه درهم فدفعه إليّ وخرج، فوقف بين الباب الذي بين الدارين وقال من كان عندي، فخرجت فإذا به، فقال من عندك؟ فقلت: فلان وفلان، فقال: ارجع. فقلت: أليس كنت تكره هذا؟ فقال: يا بني إنما قيل لي: إنهم يستعملون المنكر فكرهت ذلك فأما هذا فما أكرهه. وذهب جماعة من أصحابنا إلى كراهية ذلك، وقد نص عليه في رواية عبد الله، فقال: الغناء ينبت النفاق في القلب، فلا يعجبني. وجه قول أبي بكر، وصاحبه ما روى الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ قالت كان عندي جاريتان تُغنِّيان فدخل أبو بكر فقال أمزمور في بيت النبي ﷺ ؟! فقال النبي ﷺ دعهما فإنها أيام عيد (١) وقال عمر ﵇ الغناء زاد الراكب (٢). وكان لعثمان بن عفان جاريتان تغنيان من الليل، فإذا كان وقت السحر قال

стр. 887

أمسكا، فهذا وقت الاستغفار (١)، ولأنه صوت بغير آلة فوجب أن يكون مباحًا كالحداء ونشيد الأعراب، وقد قال أحمد ﵁ في رواية جعفر بن محمد، وقد سئل عن حديث عائشة ﵍: إن جواري يغنين، أيش هذا الغناء، قال: غناء الراكب، أتيناكم أتيناكم. ووجه من قال: إنه مكروه، وهو أصح، قوله تعالى: "فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور … (٢) ". قال محمد بن الحنفية: الزور: الغناء. قال تعالى: "ومن الناس من يشتري لهو الحديث" (٣). وقال ابن مسعود: لهو الحديث الغناء (٤). وقال ابن عباس: الغناء وشر المغنيات. (٥). فذم الله تعالى في الآيتين ذلك ثبت أنه ممنوع منه. وروى القاسم عن أبي أمامة الباهلي أن النبي ﷺ نهىي عن بيع المغنيات وشرائهن والتجارة فيهن وأكل أثمانهن وثمنهن حرام (٦) وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء

стр. 888

البقل (١)، ولأنه صوت يلذ ويطرب فكان ممنوعًا منه كالأوتار والزمر. شهادة المختبيء: ١٢ - مسألة: اختلف الرُّواة في شهادة المختبئ، وهو أن يكون له على رجل حق يقر له به سرًا ويجحده جهرًا، وليس له به شاهد فيخبئ له شاهدين بحيث يشاهدانه ويسمعان إقراره وهو لا يشاهدهما، ثم يجاريه الحديث ويسوق الكلام حتى يقر له به سرًا على عادته، ويسمع الشاهدان منه. فنقل ابن منصور: يجوز شهادة المختبئ إذا كان عدلًا. ونقل محمد بن الحكم: لا يجوز شهادة المختبئ. واختار أبو بكر أنها لا تجوز، واختار الخرقي الجواز، وهكذا الخلاف فيه إذا شاهدا رجلًا يقر بدين فسمعاه يقول لزيد علي ألف درهم أو هذه الدار لزيد أو قتلت فلانًا أو أتلفت ثوبًا فهل يصيرا شاهدين عليه بذلك وإن لم يقل لهما اشهدا على بذلك؟ فنقل أحمد بن سعيد في القوم يجتمعون بين يدي رجل، فيقر بعضهم لبعض بمعاملة كانت بينهم، ويقول بعضهم لبعض: قد دفعت إليك، ودار بينهم كلام وسمعه الرجل وسأل صاحبه الشهادة، فهل يجب عليه أن يشهد؟ قال: ما أراه واجبًا عليه أن يشهد. فظاهر هذا أنه لم يجعله شاهدًا لأنه لو جعله أوجب عليه الشهادة. ونقل أبو طالب تجوز شهادة السمع إذا قال إذا سمعه قال لفلان علي كذا وكذا فقد أقر عنده، فيقول: أقر عندي أن لفلان علي جملة، وإذا قال: استقرضت من، فلان فلا يشهد، قد يكون استقرض ويقضيه، فإن قال: لفلان علي وقد قضيته فلا تشهد لم يقر بشيء فظاهر هذا أنه جعله شاهدا لأنه قال: إذا سمعه يقول: لفلان علي كذا، فقد أقر، يشهد بذلك، ولم تجز الشهادة إذا سمعه يقول اقترضت من فلان. وفي هذا نظر لأنه لا فرق بين قوله لفلان علي، وبين قوله اقترضت من فلان

стр. 889

في أن كل واحد منهما إخبار عما في الذمة، وأما قوله: له علي وقضيته، فهذا لا يشهد به، لأنه ليس بإقرار صحيح، لأنه قرن به ما أسقط حكم الإقرار وهو القضاء، فهو كما لو سمعه يقول: له علي مائة إلا خمسين فإنه لا يشهد، لأنه وصل به ما دفع بعض ذلك. والوجه لمن منع شهادة المختبئ من الشهادة على من سمعه، يقر ولم يشهد على نفسه، ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: من حدث بحديث ثم التفت فهي أمانة (١). قيل معناها أنها أمانة أن تذكر عنه الإلتفاتة وحذر من قوله بها، ولأن شاهدي الفرع لو سمعا شاهدي الأصل يقولان: أشهدنا فلان على فلان بكذا، لم يصح لشاهدي الفرع أن يشهدا بذلك حتى يقول لها شاهدا الأصل: اشهدا على شهادتنا أن فلانًا أشهدنا، كذلك ها هنا. ووجه من قال: تجوز الشهادة احتج بما روي عن عمرو بن حريث أنه أجاز شهادة المختبئ، وقال: كذلك يفعل بالخائن أو الفاجر (٢)، ولأن الشاهد إنما يصير متحمِّلًا للشهادة بأن يقع له العلم بما يشهد به وقد وقع فإنه شاهد المقر وسمع إقراره، وكذلك العقود والأفعال وكل هذا قد حصل له فيجب أن تجوز شهادته، ومن قال بهذا فرق بين هذا وبين الشهادة على الشهادة بأن قول شاهد الأصل أشهد أن لفلان على فلان كذا تنقسم إلى حقيقة الشهادة على علم منه بذلك من غير شهادة، فلهذا لم يصر متحمِّلًا من غير أن يقول: اشهد على شهادتي وليس كذلك أصل الحق، لأن من عليه الحق متى قال لفلان كذا وكذا فهو إخبار عن واجب، لأن على من حروف الوجوب فلا يحتمل غير الواجب، فلهذا صار شاهدًا عليه به.

стр. 890

ما لا يثبت بالشهادة على الشهادة: ١٣ - مسألة: هل يثبت النكاح وما يتعلق به من الرجعة والفيئة في الإيلاء والطلاق والخلع ودعوى الرق وما يتعلق به من الاستيلاء والولاء، والنسب والعتق والكتابة والقصاص بالشهادة على الشهادة أم لا؟ فنقل ابن منصور، وقيل له: قال سفيان: شهادة رجل مكان رجل في الطلاق جائز، قال أحمد: ما أحسن ما قال. فظاهر هذا أنه يثبت بذلك وكذلك نقل المروذي قال: لا تجوز الشهادة على الشهادة في الحدود وتجوز في الحقوق فظاهر هذا جوازها في غير الحدود. وقال أبو بكر: في رواية ابن منصور نظر في الشهادة على الشهادة في الطلاق وظاهر هذا من قوله لا يجوز. وقال شيخنا أبو عبد الله: لا يجوز في النكاح، فعلى قولها ما لا يثبت بشاهد وامرأتين وشاهد ويمين لا تثبت بالشهادة على الشهادة. وقد نص أحمد في رواية حرب فقال تجوز شهادة رجل على شهادة في الحقوق فأما في الدماء والحدود فلا، فقد منع منها القصاص. وظاهر كلام أحمد ﵁ ما لا يسقط بالشبهة وهو الحدود والجنايات الموجبة للقصاص تثبت بالشهادة على الشهادة، ووجه قولها أن ما لا يثبت بشاهد وامرأتين لا يثبت بالشهادة على الشهادة، دليله الحدود والقصاص. ووجه قول أحمد: أن ما لا يسقط بالشبهة يثبت بالشهادة على الشهادة دليله الأموال. تعارض البينتين والعين بيد أحد الخصمين: ١ - مسألة: هل يقدم صاحب اليد في النتاج أم لا؟ نقل أبو داود: تقدم بينة المدعي وإن كان المدعى عليه يدعي النتاج. وكذلك نقل محمد بن الحكم عنه أنه ذكر مذهب أبي حنيفة في النتاج ولم يأخذ به. فظاهر هذا أنه لم يقدم صاحب النتاج في ذلك، وهو اختيار الخرقي، وهو أصح.

стр. 891

ونقل الحسن بن ثواب في رجل أقام البينة أن هذه الدار له، وأقام الآخر البينة أنها قطيعة وهي في يده، فهي للذي أقام البينة أنها قطيعة، هذا بمنزلة الناتج إذا أقام البينة أنه نتجها، وأقام هذا البينة أنه نتجها فالذي هو في يده هو أحق بها. فظاهر هذا أنه يقدم صاحب النتاج في ذلك. وهذا الحكم فيه إذا أضاف الدعوى إلى سبب لا يتكرر مثل أن يدعي أن هذه الدار له ورثها عن أبيه أو يدعي أن هذا الثوب له نسجه في ملكه، وكان ذلك لا يتكرر نسجه، كالقطن فإن القطن لا يتكرر نسجه، وإنما يتكرر نسج الخز والصوف ونحوه، فهل تقدم دعواه بهذا أم لا؟ على روايتين: إحداهما: لا يقدم في النتاج، وقد نص على ذلك في رواية ابن مشيش في رجل في يده دار أقام البينة أنها له ورثها من أبيه، وأقام آخر البينة أنها له بالبينة بينة المدعي وليس بينة التي في يده الدار بشيء. فظاهر هذا أنه لم يرجح بينته بهذا السبب. والثانية: أنه يقدم دعواه بذلك كما قال في النتاج على رواية الحسن بن ثواب. ولأنه ذكر فيها إذا أقام البينة أنها له قطيعة وهي في يده حكم له بها فقد قدم بينته بهذا السبب. وجه الأولى: وهي الصحيحة، أنها بينة تضاف إليها يد فلم تعارض بينة الخارج دليله إذا لم يدع النتاج، ولأن رجلين لو تداعيا طعامًا في يد أحدهما فأقام كل واحد منها البينة أنه له زرعه في ملكه، فإن بينة الداخل لا تسمع في هذا الموضع. وإن كان الزرع لا يتكرر وكذلك لو كانت بيد أحدهما سلعة أقام البينة له صنع فيها صنعة لا تتكرر فلا يقدم بها، كذلك ها هنا. ووجه الثانية: ما روى جابر أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ في دابة

стр. 892

أو بعير، فأقام كل واحد منها البينة أنها له نتجها، فقضى رسول الله ﷺ بها للذي هي في يديه (١). ولأن الخارج إنما قدم على صاحب اليد لأن صاحب البينة يقيم البينة على معنى يشهد له الظاهر، وهذا معدوم في النتاج، لأن الظاهر لا يشهد لمن في يده الدابة أنها نتجت عنده، فالبينة تشهد على معنى زائد. ولأن بينة صاحب اليد لا تفيد أكثر مما تفيده يده، وصاحب اليد في النتاج تفيد بينته أكثر من ذلك، لأنها تفيد وجود النتاج في يده ولا تفيد هذا المعنى فقبلت بينته، ومن قال بالأول أجاب عن الحديث بأن أحمد ﵁ قال في رواية محمد بن الحكم: أصحاب أبي حنيفة يروون في النتاج حديثًا ضعيفًا، وإذا كان الحديث ضعيفًا لم يجب الأخذ به. تعارض البينتين والعين بيد الخصمين: ١٥ - مسألة: إذا تعارضت البينتان وليس لأحدهما يد أولهما جميعًا يد مثل أن يشهد شاهدان أنه باع العبد من زيد بألف مع الزوال وشهد آخران أنه باعه من عمرو بألف في ذلك الوقت أو شهد شاهدان أن هذا العبد لزيد وشهد آخران أنه لعمرو فهل يسقطان أم يقرع بينها. نقل صالح إذا تداعيا كيسًا في يد غيرهما وأقاما البينة أسقطت البينتان جميعًا لأن كل واحدة منهما أكذبت صاحبتها ويستهمان على اليمين. فظاهر هذا أنها يسقطان، وإذا أسقطتا كان الحكم فيه كما لو تداعيا شيئًا ولا بينة لواحد منهما، فإن كان في أيديهما فهو بينهما نصفين وإن كان في يد أحدهما فهو له، وإن كان في يد غيرهما فادعاه لنفسه لم يحكم له ببينته لأنه داخل وبينه الخارج مقدمة إن اعترف به لأحدهما لم يحكم له أيضًا، لأنه قد

стр. 893

اجتمع له يد بينة، وإن قال هو لأحدهما لا أعرفه عينًا سقطت البينتان وقرعنا بينهما، فمن خرجت عليه القرعة حلف أنها له وأعطي، وإن اعترف بها ثالث غائب كان الحكم في الغائب كالحكم منه لو كان حاضرًا. نقل الميموني أنه قيل له حديث سعيد بن المسيب: اختصم رجلان إلى النبي ﷺ في أمر، فجاء كل واحد منها بشاهدين، قال: فأسهم رسول الله بينهما (١). فقال أبو عبد الله في هذا: يسهم بينها إذا كان الشهداء عدولًا، قيل له: إن جاء أحدهما بشاهدي عدل والآخر بأكثر يقرع بينها؟ قال نعم - لأن الشاهدين يقطع بهما. فظاهر هذا لم تسقط البينتان وأقرع بينهما فمن وقعت عليه القرعة حكم له سنته وكذلك نقل عبد الله إذا تداعيا ألفًا في يد رجل وأقاما البينة أرى أن يقرع بينهما، أيهما أصابته القرعة فهي له. فظاهر هذا الحكم بالقرعة بين البينتين، فعلى هذا إن كان في أيديها أو في يد غيرهما فإنه يقرع بينهما فمن أصابته القرعة حكم له ببينته. وجه الأولى: وهي أصح في المذهب أن هذه بينة لم تعين المشهود له بالملك فيجب أن يبطل كما لو شهد شاهدان أن هذه الدار لأحد هذين الرجلين لأنه لم يتعين بها المشهود له.

стр. 894

ولأن البينة حجة في الشرع، والبينتان إذا تعارضتا ولم يكن لأحدهما مزية على الآخر كان حظهما السقوط، كالنّصين والقياسين إذا تعارضا. ووجه الثانية: ما روى سعيد بن المسيب أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في أمر، وجاء كل واحد منها بشهود عدول على عدة واحدة، فأسهم رسول الله ﷺ بينها، وقال: اللهم أنت تقضي بينهما. (١). ولأن الحقوق إذا تساوت ولم يكن بعضها أولى من بعض قدمنا القرعة، كما لو أعتق عبيده في مرضه ولا مال له غيرهم، أو عدل القاسم السهام بين الشريكين، فإنه يقرع بينهما. وإذا حضر سفر فأراد السفر ببعض نسائه أقرع بينهن وغير ذلك من المواضع. ومن قال بالأول أجاب عن الحديث بأن المنقول أنهما اختصما في أمر، وهذا يحتمل أن يكون ذلك الأمر قسمة عقار أو قرعة بين العبيد، وأجاب أيضًا عن الإقراع بين العبيد والقسمة والنساء بأنه ما وجب الحق لواحد بعينه، بل يبين بالقرعة من هو أحق، وإذا بان كان الحق له ظاهرًا وباطنًا فلا يقضي إلى أن يعدل بالحق إلى غير مستحقه، وها هنا الحق واجب لأحدهما لا بعينه، وقد جهلنا عينه، فلو قرعنا فربما أفضى إلى أن يتحول الحق إلى غير مستحقه.

стр. 895

كتاب العتق، والمدبر، والمكاتب، وأم الولد ويشمل الموضوعات الآتية: … سراية العتق في مرض الموت بقدر الثلث. .. العتق في المرض. … تعليق العتق. … سراية العتق إلى ذي الرحم بإرث جزء منه. … قول السيد لعبده: لا سبيل لي عليك. … المدبر من الثلث. … بيع المدبر. … الرجوع في التدبير. … أولاد المدبرة. … تزوج المكاتب من غير إذن سيده. … ضمان مال الكتابة. … تعجيل مال الكتابة. … بيع المكاتب.

стр. 896

تعجيز المكاتب … الزكاة التي بيد المكاتب حين العجز. … هل تصير الأمة أم ولد بوضع ما فيه خلق إنسان. … نفقة أم ولد النصراني إذا أسلمت. … إستسعاء أم ولد الذمي إذا أسلمت. … حد قاذف أم الولد.

стр. 897

كتاب العتق والمدبر والمكاتب وأم الولد سراية العتق في مرض الموت بقدر الثلث: ١ - مسألة: إذا أعتق شقصًا من عبيد في مرض موته، وكان الشقص أقل من الثلث، فهل يقوم عليه تمام الثلث أم لا؟ على روايتين نقلهما الخرقي في مختصره: إحداهما: لا يقوم عليه، وقد نص على ذلك في رواية ابن منصور وبكر بن محمد. والثانية: يقوم عليه تمام الثلث. ووجه هذه الرواية أن تصرف المريض في ثلث ماله كتصرف الصحيح في كل ماله، بدليل أنه ينفذ عتقه وعطاياه وهباته من جميع الثلث، ثم الصحيح يقوم عليه نصيب شريكه، فإن كان يستغرق كل ماله كذلك المريض، ويجب أن يقوم عليه نصيب شريكه وإن كان يستغرق كل ثلثه، لأن العتق بالسراية كالعتق بالمباشرة، بدليل أنه لو أعتق بعض عبد عتق كله كما لو أعتق كل عبده، وإذا كان كذلك ثم ثبت أنه لو باشر العتق استوفى الثلث كذلك بالسراية. وجه الأولى: أن العطية في المرض تجري مجرى الوصية بدليل أنها معتبرة من الثلث، وقد ثبت على إحدى الروايتين أنه لو دبر شقصًا له في عبد وكان الشقص ينقص عن الثلث لم يقوم عليه، كذلك ها هنا. فإن وصى بعتق شقص له من عبد أو دبر شقصًا له من عبد ومات فهل يقوم عليه تمام الثلث أم لا؟

стр. 898

نقل الخرقي في ذلك روايتين. إحداهما: يقوم عليه كما لو كان العتق منجزًا في المرض للمعنى الذي ذكره، وهو أن ثلثه بعد موته أجرى مجرى جميع ماله حال حياته، ثم ثبت أنه لو أعتق في الصحة قوم عليه كذلك بعد الموت. والثانية: لا يقوم عليه كما لم يقوم عليه إذا كان العتق في المرض وجب أن يكون الصحيح من الروايتين أنه إذا أعتق في مرضه قوم، وإذا وصى لم يقوم لأنه إذا مات زال ملكه عن ماله إلا القدر الذي استثناه هذا الشقص بالوصية والقدر الذي استثناه هذا الشقص، فكأنه أعتقه قبل وفاته ولا ملك له سواه، ولأن ما يستثنيه بالوصية بمنزلة كل ثلثه في مرضه، ثم ثبت أن قدر الثلث ينفذ عتقه فيه في مرضه ولا يزيد عليه كذلك فيما لو استثناه بالوصية ولا يزيد عليه. سراية العتق إلى ذي الرحم بإرث جزء منه: ٢ - مسألة: إذا ملك سهمًا بالميراث ممن يعتق عليه، فهل يقوم عليه إذا كان موسرًا أم لا؟ نقل المروذي في رجل تزوج أمة فأولدها وله بنين من غيرها، ثم اشتراها بعد ومات عنها: عتقت في حصة أولادها، وأعطوا أولئك نصيبهم منها، فإن لم يدع شيئًا إلا هذه الأمة لزم هؤلاء سهمهم ويوفون أولئك، فظاهر هذا أنه يقوم عليه، لأنه قال: إذا ترك شيئًا غيرها عتق جميعها على أولادها ولزمهم قيمة حصة شركائهم، فإنما قال ذلك لأنه قد كمل عتقها على أولادها، وإن لم يكن له مال غيرها، ومعناه لم يكن لأولاده منها مال فإنها تباع ويوفون بقية الأولاد، ومعناه يباع منها قدر حصصهم، لأنه قد عتق منها قدر حصص أولادها. وقال الخرقي: لا يقوم عليه ذلك. وجه ما نقله المروذي أن الميراث أحد جهات الملك فيجب أن تقوم عليه به كما لو ملكه باختياره بالشراء والهبة. ووجه ما قاله الخرقي: أن القدر الذي عتق عليه لم يقصد به إدخال

стр. 899

الضرر على شريكه، ومتى عتق بعضه بغير قصد مالكه إلى الضرر لم يقوم عليه، كما لو أوصى بعتق بعض عبد فإنما يعتق بعضه بعد وفاته ولا يقوم على الوارث ما بقي منه من الرق لأنه لا صنع له في عتق قد عتق منه كذلك ها هنا. قول السيد لعبده: لا سبيل لي عليك: ٣ - مسألة: إذا قال لعبده: لا سبيل لي عليك، فهل ذلك كتابة في العتق يعتبر نيته فيه أم هو صريح؟ نقل مهنى عنه في رجل قال لعبده: لا ملك لي عليك، أو قال: لا رق لي عليك، أخاف أن يكون قد عتق، ولا يسأل عن نيته هذا قد تكلم، فإن قال: لا سبيل عليك فهو أهون. فظاهر هذا أنه لم يجعل ذلك صريحًا، لأنه فرق بينه وبين قوله: لا ملك ولا رق. ونقل أبو طالب في رجل كتب في وصيته فلانة خادمتي لا سبيل لكم عليها وليس لي فيها شيء، فقال: إذا ألم يكن له عليها سبيل فهي حرة وليس لهم عليها شيء. فظاهر هذا أنه جعله صريحًا، وهكذا الحكم فيه إذا قال: لا سلطان لي عليك. وجه الأولى: أن نفي السبيل والسلطان يتضمن خروجه عن ملكه، لأن بقاء الملك يثبت السبيل والسلطان، وإذا لم يوجد من جهته سبب يزيل الملك غير هذا اللفظ يجب أن يكون صريحًا، كما لو قال: لا ملك لي عليك ولا رق لي عليك فإنه صريح، رواية واحدة، لأن نفي الملك والرق يتضمن خروجه عن ملكه ورقه ولم يوجد من جهته سبب يزيل الملك غير هذا اللفظ فكان صريحًا كذلك ها هنا. ووجه الثانية: أن قوله: لا سبيل لي عليك، معناه: لا طاعة لي عليك، وأنت تعصيني وتخالفني فيما يجب لي عليك، فلم يكن صريحا، كما قلنا في الطلاق: إذا قال لها لا سبيل لي عليك ولا سلطان، فإنه كناية وليس بصريح، كذلك ها هنا.

стр. 900

تأخير الشرط والصفة المعلق عليه الطلاق أو العتق: ٤ - مسألة: إذا قدم لفظ الطلاق والعتاق على الشرط والصفة وقال: أنت حر، أو أنت طالق إن دخلت الدار، أو كلمت زيدًا، أو أكلت خبزًا ونحو ذلك. لم يعتق حتى توجد الصفة، في أصح الروايتين. نقلهما ابن منصور: من قال: أنت حر إلى أن يقدم فلان أو حتى يقدم فلان أو يجيء فلان، وإلى سنة وإلى رأس الشهر واحد، إنما يريد إذا جاء رأس الشهر وجاءت السنة. وإذا قال: أنت طالق إذا جاء الهلال إنما يطلق إذا جاء رأس الهلال. وفيه رواية أخرى: يقع العتق والطلاق، ولو قدم الصفة لم يقع إلا بوجودها. نقل ذلك إسحاق بن إبراهيم في مسائل العتق، إذا قال: إن برئت من مرضي هذا فغلامي حر، فإذا برئ فغلامه حر، وإذا قال: غلامي حر إن برئت من مرضي هذا، فالغلام حر برأ أو لم يبرأ. وجه الأولى: أنه عتق وطلاق حصل معه شرط فلم يقع قبل وجود شرطه كما لو أخره، ولأن الكلام متعلق بآخره يدل عليه الاستثناء، فإنه لو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة، أو قال له علي عشرة إلا درهم، فإنه يصح الاستثناء ولا يلزمه جميع ما لفظ به لتعلق الكلام بما بعده، كذلك ها هنا. ووجه الثانية: أن لفظ الطلاق يقضي الإيقاع إذا انفرد، وإذا عقبه بما يمنع الإيقاع لم يصح، كما لو عقبه باستثناء جملته بأن قال: أنت حر ولست بحر، أو أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا ومعلوم أنه لو أفرد اللفظ وقع، فإذا أعقبه بالشرط منع الإيقاع في الحال لينظر ما يكون في الثاني من إيقاع أو عدمه، وهذا القائل يلزمه على هذا إذا قال: أنت حر إن شئت أو شاء فلان، أنه يعتق، وإنما لا يقع إذا قدم المشيئة، ولأنه لا يمتنع أن لا يقع إذا تقدم الشرط ويقع إذا تأخر عنه، كما لو قال: له علي ألف من ثمن مبيع فأنكر المقر له البيع لزمته الألف، ولو قال ابتعت منه هذا الثوب بألف فأنكر المقر له لم تلزم الألف، والمذهب هو الأول، ويفارق هذا الاستثناء إذا رفع الجملة لأنه يؤدي إلى إزالة اللفظ والرجوع فيه.

стр. 901

تعليق العتق على عوض ورفض العبد لذلك: ٥ - مسألة: فإن قال أنت حر على ألف فلم يقبل العبد ذلك، لم يقع العتق في إحدى الروايتين. وهذا ظاهر ما نقله ابن منصور عنه إذا قال لعبده: أنت حر على أن تخدمني كذا وكذا فهو جائز، وللعبد أن يشتري خدمته من سيده بالدراهم، وفيه رواية أخرى: يقع العتق قبل العبد أو لم يقبل، نص عليه في رواية مهنا وحنبل إذا قال لعبده: قد أعتقتك على ألف، فقال العبد: لا أرضى، يعتق العبد ولا يكون عليه شيء، لأنه قد وجب عليه حين قال: قد أعتقتك، ولا تختلف الرواية إذا قال أنت حر وعليك ألف أنه يعتق ولا شيء عليه. وجه الأولى: أن علي للشرط، فإذا لم يوجد الشرط يجب أن لا يقع كما لو قال: إن أعطيتني ألفًا فأنت حر فإنه لا يعتق ما لم يعطه، نص عليه في رواية حنبل، كذلك ها هنا. ويفارق هذا قوله: وعليك ألف، لأن هذا كلام مستأنف عطفه عليه، فهو كقوله: أنت حر وأنت قائم. ووجه الثانية: ما تقدم، وأن هذا لفظ إيقاع، فإذا وصله بما يرفعه يجب أن لا يصح، كما لو عقبه باستثناء يرفع جملته، وهذا القائل يلزم على هذا الخلع، وهو إذا قال لها: خلعتك على ألف إنها تطلق وإن لم تقبل، وإنما يلزم العوض إذا تقدم منها بذل العرض كما إذا تقدمت الصفة على العتق أن يقول لها: إذا جئتيني بألف فأنت طالق، فيكون طلاقًا بعوض، والصحيح هو الأول. دخول الشقص من العبيد بلفظ عبيدي أو مماليكي أحرار: ٦ - مسألة: فإن قال: رقيقي أو مماليكي أحرار وله أشقاص في عبيد، مثل إن كان له نصف عشرة أعبد مشاعًا فهل يعتقون أم لا؟ نقل مهنا في رجل قال: كل مملوك لي حر، وله مماليك بينه وبين رجل فقال: إن كان نوى الذي بينه وبين الرجل، وإلا فلا. فظاهر هذا أنهم لا يعتقون بمطلق اللفظ.

стр. 902

وجه ما نقله مهنا أن الإطلاق ينصرف إلى رقبة كاملة، بدليل أنه لو قال والله لأعتقن مملوكًا، أو قال: الله على نذر أن أعتق مملوكًا، فأعتق شقصًا له في عبد لم يجزه ولم يبر حتى يعتق رقبة كاملة فيجب أن يحمل الإطلاق من مسألتنا على ذلك. وعلى ظاهر ما نقل مهنّا لا فرق بين أن يكون الأشقاص بمجموعها تكون رقبة أو أقل من رقبة أنه لا يعتق عليه لما ذكره من أن إطلاق الاسم ينصرف إلى رقبة كاملة، ويفارق هذا إذا أعتق نصفي عبدين في كفارته أنه يجزيه، لأن ذلك حق ثابت في الذمة، وهذا يتعلق بالاسم. وجه ما قاله الخرقي أن من كان له نصف عشرة أعبد فله خمسة في التحقيق فيجب أن يعتقوا كما لو كانوا خمسة أعبد كملًا. عتق المدبر من الثلث: ٧ - مسألة: هل يعتق المدبر بموت السيد من صلب المال أم من الثلث؟ نقل المروذي وصالح وحرب: من الثلث ونقل حنبل: يعتق من جميع المال ولا يورث ولا يباع. قال أبو بكر: ما رواه حنبل قول أول، ووجهها مع ضعفها أنه استحق العتاق بموت المولى فلم يجز بيعه كأم الولد. ووجه الثانية: ما روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: المدبر من الثلث (١) ولأنها عطية تتنجز بالموت فوجب أن يكون من الثلث كالوصية.

стр. 903

بيع المدبر: ٨ - مسألة: هل يجوز بيع المدبر على الإطلاق أم يجوز عند الحاجة إليه وهو إذا كان دين؟ فنقل الميموني قال: قلت له: من باعه من غير حاجة إليه على التأويل، فما رأيت أبا عبد الله ينكر ذلك ولا يدفعه. فظاهر هذا جواز بيعه على الإطلاق. وكذلك نقل أبو طالب: التدبير أصله الوصيد، والوصية من الثلث، فله أن يغير الوصية ما كان حيًا فظاهر هذا جواز التصرف على الإطلاق. ونقل عبد الله وحنبل: أرى بيع المدبر في الدين إذا كان فقيرًا لا يملك شيئًا، لأن النبي ﷺ باع المدير حين علم أن صاحبه لا يملك شيئًا غيره (١). فظاهر هذا أنه لا يجوز بيعه مع عدم الحاجة. وجه الأولى: وهي أصح، أنها عطية تتنجز بالموت معتبرة من الثلث، فكان له الرجوع مع الحاجة وغيرها كالوصية، ولأنه عتق بصفة صدر عن قول فلم يمنع البيع مع الحاجة وغيرها، كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت حر. ووجه الثانية: وهي ظاهر كلام الخرقي، أن القياس يمنع جواز بيع المدبر لأنه استحق العتاق بموت المولى فمنع من بيعه كأم الولد، ولكن تركنا القياس فيه عند الحاجة لما روى جابر بن عبد الله أن رجلًا من الأنصار يقال له: أبو مذكور، أعتق غلامًا له يقال له يعقوب عن دبر ولم يكن له مال غيره، فدعا به رسول الله ﷺ فقال: من يشتريه؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله النحام بثمانمائة درهم فدفعها إليه، وقال: إذا كان أحدكم فقيرًا فليبدأ بنفسه، فإن كان فيها فضل فعلى عياله، فإن كان فيها فضل فعلى ذي قرابته أو قال ذي رحمه، فإن الله كان فضلًا فههنا وههنا (٢) فأجاز النبي ﷺ بيعه في المدبر، فتركنا القياس

стр. 904

في ذلك الموضع للخبر، وبقي ما عداه على موجب القياس. فأما المدبرة فهل يجوز بيعها في الموضع الذي يجوز بيع المدبر أم لا؟ نقل أبو الحارث وعبد الله: ما أجترئ على بيع المدبرة، لأنه فرج يوطأ فظاهر هذا المنع. ونقل أبو طالب: المدبرة في كل حال أمة أفترى يطأها بلا ملك وقد باع النبي ﷺ مدبرًا (١)، وباعت عائشة ﵂ خادمتها حين سحرتها (٢). فظاهر هذا جواز بيعها، وقد صرح بهذا في رواية ابن منصور فقال: يبيع المدبرة من حاجة وغيرها. وجه الأولى: أن بيعها يتضمن إباحة فرجها، وقد اختلف الفقهاء في جواز بيع المدبرة، فلو أجزنا بيعها أبحنا فرجها بأمر مختلف فيه، فدخلته شبهة، فكان

стр. 905

الاحتياط منع البيع، ولهذا المعنى قال أحمد ﵀ يقع الطلاق في النكاح الفاسد لاختلاف الفقهاء في صحة العقد، فغلب الخطر فيه، كذلك ها هنا. ويفارق هذا المدبر، لأنه لا يتضمن إباحة الفرج. ووجه الثانية: وهي أصح ما روي أن عائشة ﵂ باعت مدبرة لها سحرتها (١) فدل على جواز ذلك، ولأن عتقها مستحق بالتدبير فلم يمنع البيع دليله المدبر وكما لم يمنع بيع الذكر منه لم يمنع بيع الأنثى منه، دليله بيع المعتق نصفه. الرجوع في التدبير: ٩ - مسألة: فإن أراد الرجوع في التدبير يقول: لا يزيل الملك، مثل أن يقول: رجعت في التدبير أو رفعته أو أزلته أو أبطلته، فهل له ذلك أم لا؟ على روايتين: نقلها الخرقي، أجودهما ليس له ذلك فعلى هذا يكون التدبير عتقًا بصفة. والثانية: له ذلك، فعلى هذا يكون وصية، وقد أومأ إليه في رواية ابن منصور. وجه الأولى: أنه عتق يقع بوجود صفة أن لا يكون له الرجوع فيه قولًا كقوله إذا دخلت الدار فأنت. ووجه الثانية: أنها عطية تتنجز بالموت، فكان له الرجوع فيها قولًا كالوصية ولأنه لو كان عتقًا بصفة لوجب أن يبطل بالموت، كقوله لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر، فلما لم يبطل علم أنه ليس بعتق بصفة. تعليق العتق بمدة الموت: ١٠ - مسألة: إذا قال لعبده: أنت حر بعد موتي بشهر، لم يكن مدبرًا لأن التدبير أن يعلق عتق عبده بوفاته، وها هنا علق عتق العبد بصفة زائدة بعد الوفاة، فإذا لم يكن مدبرًا فهل يعتق بالموت ومضي المدة أم لا؟.

стр. 906

نقل مهنى: إذا قال لعبده: أنت حر بعد موتي بشهر، لا يكون مدبرًا، وهو عبد للورثة. فظاهر هذا أنه حكم ببطلان الصفة، وهو اختيار أبي بكر. ونقل ابن منصور إذا قال لعبده: أنت حر بعد موتي بشهر يكون من الثلث. فظاهر هذا أنه لم يبطل الصفة، ويكون عتقه معلقًا بصفتين: الموت، ومضي المدة. وجه الأولى: وهو اختيار أبي بكر، أنه علق عتقه بالموت وبصفة توجد بعده فلم يصح، كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت حر بعد موتي، ومات السيد قبل دخولها ثم دخلها بعد موته فإنه لا يعتق ولا حكم لوجود الصفة، كذلك ها هنا. ووجه الثانية أن الصفة عقدت بعد الموت بشرط ذكره في حال حياته فوجب أن يصح، كما لو قال: إذا مت وزادت قيمتك على مؤونة دفني فأنت حر فإنه يصح، كذلك ههنا، ويفارق هذا إذا قال: إن دخلت الدار فأنت حر بعد موتي لأن الصفة عقدت في حال الحياة، فإذا مات العاقد لها بطلت الصفة فلم يقع العتق. ولد المدبرة من غير سيدها بعد التدبير: ١١ - مسألة: إذا دبر أمته وهي حامل فأتت بولد من زوج أو زنا فهو مملوك وهل يكون بمنزلتها يعتق بالموت أم لا؟ نقل حرب والميموني: أنه بمنزلتها، فقال في رواية الميموني: ما كان من ولد المدبرة قبل أن يدبرها لم يتبعها، إنما يتبعها ما كان بعد ما دبرت، أو كانت حاملا فوضعت يتبعها. فظاهر هذا أنه يتبعها ويعتق بالموت. ونقل حنبل: ولد المديرة إذا لم يشرط يكون للمولى عبدًا. فظاهر هذا أنه لا يتبعها ولا يعتق بالموت.

стр. 907

وجه الأولى: وهو المذهب ما روي عن عثمان وابن عمر وجابر أن ولدها بمنزلتها يعتق بعتقها (١) ولأن الأم تعتق بموت سيدها فوجب أن يتبعها ولدها في حكمها كأم الولد. ووجه الثانية: أن عتقها معلق بصفة، فوجب أن لا يعتق ولدها بعتقها دليله إذا قال لها: إن دخلت الدار فأنت حرة، فدخلتها أنها تعتق، ولا يعتق ولدها ولأنها عطية معتبرة من الثلث فلم يتبع الولد الأم كالوصية. عدم بطلان التدبير بقتل السيد: ١٢ - مسألة: المدبر إذا قتل سيده هل يبطل التدبير؟ فيه روايتان: نقل صالح قال: سئل الأوزاعي عن المدبر يكون مع سيده في السرية، يقتل سيده أو يموت، يعتق ويعطى سهمه. قال: إذا شهد الوقعة بعد موت سيده، وللسيد من المال بقدر ما يخرج من ثلثه فهو حر ويسهم له، وظاهر هذا أنه لا يبطل التدبير.

стр. 908

ونقل عنه أنه يبطل ولا يعتق، وهو اختيار الخرقي، وأصل الروايتين في الوصية للقاتل هل تصح؟. على روايتين. كذلك التدبير، لأنه وصية. تزوج المكاتب دون إذن سيده: ١٣ - مسألة: نقل أبو الحارث ويعقوب بن بختان ومهنى: لا يتزوج المكاتب إلا بإذن سيده. فظاهر هذا المنع. ونقل إبراهيم الحربي: لا بأس أن يتزوج إذا اشترى نفسه، بل المكاتبة لا تتزوج لأنه لا يؤمن أن ترجع إلى الرق وهي مشغولة الفرج. فظاهر هذا جواز ذلك للمكاتب لأنه علل في ذلك بأنه قد اشترى نفسه ومنع منه في الأمة ونظير ذلك اختلاف الرواية عنه في بيع المدبر أجاز ذلك في المدبر ومنع ذلك في المدبرة. وإذا قلنا: لا يجوز ذلك في حق المكاتب والمكاتبة، فوجهه ما روى عن النبي ﷺ قال: أيما عبد نكح بغير إذن مولاه فهو عاهر (١) والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم ولأن على السيد فيه ضررًا لأنه يصرف كسبه إلى نفقة زوجته، وإن عجز ورق عاد إليه قنا وله زوجة فتقل قيمته، والأمة ترجع إليه مشغولة الرحم فلا يمكنه وطؤها. وإذا قلنا بالرواية الثانية، وإنه يجوز ذلك للمكاتب، فوجهه أنه عقد معاوضة فملكه المكاتب، دليله البيع والإجارة، ولا يلزم عليه الهبة لأنه ليس بمعاوضة، وإنما هو تبرع وهذا القائل يجيب عن الخبر بأنه محمول على العبد القن ويجيب عن قوله على السيد ضرر، لأنه يصرف كسبه

стр. 909

نفقة زوجته فلا يصح، لأن العبد القن إذا طلب الزوجية أجبر سيده على تزويجه أو بيعه، وإن كان عليه فيه ضرر كذلك في المكاتب، وكذلك تزويجه يؤثر في قيمته، وقد أجبرنا السيد عليه، فأما الأمة فإنما منعت من ذلك لأن هذا العقد مختلف فيه فمنع منه احتياطًا، لأنه يتضمن إباحة فرجها. ضمان الحر لمال الكتابة: ١٤ - مسألة: هل يصح ضمان الحر مال الكتابة أم لا؟ فنقل حرب: أنه يصح. ونقل مهنى وابن منصور: لا يصح. وجه الأولى: أنه عوض في عقد معاوضة فصح ضمانه، دليله الثمن في البيع. ووجه الثانية: وهي أصح، أنه مال ليس بلازم ولا يفضي إلى اللزوم فلم يصح، كما لو قال لزوجته: إن أعطيتني ألفًا فأنت طالق فسدده عنها رجل لم يصح ولا يلزم عليه الدين المستتر وأرش الجنايات لأن ذلك لازم ولا يلزم عليه إذا ضمن الثمن في مدة الخيار لأنه يفضي إلى اللزوم، ولأن الضامن فرع للمضمون بدليل أن المضمون عنه إذا برئ عن الدين برئ هو والضامن ولو أبرئ الضامن وحده برئت ذمته وحده. فإذا لم يكن مال الأصل لازمًا فبأن لا يكون لازمًا للضامن أولى، فإن ضمن مكاتب آخر مال الكتابة فالمنصوص عنه أنه باطل ويجب أن يكون في المكاتب، رواية واحدة، أنه يبطل ضمانه، وفي الحر روايتان لأن الحر أوسع تصرفًا وأنفذ أمرًا من المكاتب، فجاز أن يضمن والمكاتب لا يتصرف في المال بالصدقة والقرض إلا بإذن، فلم يصح ضمانه. عتق المكاتب بملك مال الكتابة: ١٥ - مسألة: إذا حصل في يد المكاتب وفاء بمال الكتابة فهل يعتق بملك الوفاء أم لا؟ نقل الخرقي في ذلك روايتين: إحداهما: لا يعتق، وقد نص عليه أحمد في رواية الميموني فقال: المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، قيل: وإن كان موسرًا قال وإن كان موسرًا، والثانية: يعتق. وجه الأولى: وهي الصحيحة ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن

стр. 910

النبي ﷺ قال: المكاتب عبد ما بقي عليه درهم (١) ولأنه عتق بأداء مال فوجب أن لا يعتق بملك ذلك المال حتى يؤديه، دليله لو قال: إن أعطيتني ألفًا فأنت حر، فملك ألفًا فإنه لا يعتق، كذلك ها هنا. ووجه الثانية: حديث أم سلمة أن النبي ﷺ قال لها: إذا كان عند مكاتب إحداكن وفاء فلتحتجب منه (٢) وفي لفظ آخر فالقين الحجاب (٣).

стр. 911

فلولا أنه قد عتق بذلك لم يأمرهن بضرب من بضرب الحجاب، ولأنه مالك لوفاء مال الكتابة فوجب أن يعتق قياسًا عليه إذا أدى. فإذا قلنا: إنه لا يعتق بملك الوفاء حتى يؤدي فمات المكاتب وفي يده وفاءه فهل تبطل الكتابة أم لا؟ بطلان عقد الكتابة بموت العبد قبل الوفاء ولو كان يملك وفاء: نقل الخرقي روايتين: إحداهما: تبطل، نص عليه في رواية أبي الحارث وبكر بن محمد، وابن منصور، فقال: إذا مات المكاتب وترك الوفاء بمال الكتابة وله ورثة أحرار فماله لسيده، لأنه مات وهو عبد وماله لسيده. فعلى هذه الرواية يكون جميع المال لسيده. والثانية: لا يبطل، فعلى هذه الرواية يؤدى عنه بعد وفاته، ويعتق بآخر جزء من آخر حياته، وما فضل فهو لورثة المكاتب، فإن لم يكن مناسبًا كان السيده بالولاء. ولا تختلف الرواية أنه إذا لم يخلف وفاء أن الكتابة تبطل ويكون المال للسيد، وكذلك لا تختلف أنه إذا مات السيد لم تبطل الكتابة، ويكون العبد على كتابته. وجه الأولى: وهي الصحيحة، أنه عتق معلق بشرط مطلق، فوجب أن ينقطع بالموت كقوله: إذا أديت إلى ألفًا فأنت حر، وإن دخلت الدار فأنت حر، وقولنا مطلق احتراز منه إذا قال: إن دخلت الدار بعد موتي فأنت حر، ولأنه مات قبل أن يؤدي مال الكتابة فوجب أن ينفسخ بموته، كما لو لم يخلف وفاء، ولأن البدل في الكتابة في مقابلة رقبة المكاتب، بدليل أنه لو أعتق في كتابة فاسدة كان عليه قيمة الرقبة، فإذا كان البدل في مقابلة الرقبة كانت رقبته في يديه بمنزلة المبيع في يد البائع، والبيع يبطل بتلف المبيع في يد البائع كذلك ها هنا. ووجه الثانية: أنها معاوضة لا تنفسخ بموت أحد المتعاقدين وهو السيد فلم ينفسخ بموت الآخر كالبيع، ولأن مال الكتابة معلق بذمته فوجب أن يتعلق

стр. 912

بتركته كدين الحر، ولأنه موت أحد المكاتبين فلا تبطل الكتابة كما لو مات السيد. تقديم سداد الدين في ترك المكاتب على دين الكتابة: فإذا قلنا: إن الكتابة تبطل بموت المكاتب فإذا مات وعليه ديون وضاق المال عن مال الكتابة وقضاء الدين، فهل يقدم الدين أو يأخذ السيد بالحصة؟ على روايتين: نقل أحمد بن القاسم وحنبل والمروذي والأثرم: أن الدين مقدم. ونقل أبو الحارث: أن السيد كأحد الغرماء يأخذ بالحصص. وجه الأولى: أنه مكاتب ضاق ماله عن الكتابة والدين، فوجب أن يقدم الدين، دليله حال الحياة، فإنه يقدم في حال الحياة، رواية واحدة، كذلك بعد الموت، ولأن مال الكتابة جائز، بدليل أنه لا يجبر على أدائه، ولا يصح ضمانه والدين ثابت مستقر في ذمته، بدليل أنه يجبر على أدائه، ويصح ضمانه، وإذا كان الدين أثبت واكد قدمنا القوي على الضعيف. ووجه الثانية: أن السيد غريم بمال الكتابة، فيجب أن يحاص الغرماء في ديونهم قياسًا على غيره من الغرماء، ومن قال بهذا فرق بين حالة الحياة وحال الموت، فقال: في تقديم الدين في حال الحياة حفظ للدين ولحق السيد فأما إذا قدمنا الدين وفضل شيء كان للسيد، وإن لم يفضل رجع السيد عن مال الكتابة إلى رقبة العبد، وليس كذلك إذا مات المكاتب، لأن السيد، لا يرجع إلى مال الكتابة، ولا إلى رقبة العبد، فلهذا ضرب معهم بالحصص، فإن إجتمع عليه أرش الجناية ومال الكتابة، فهل يقدم صاحب الأرش أو يكون السيد بالحصص؟ قال أبو بكر: على قولين، ويجب أن يكون الحكم في الأرش كالحكم في الدين على ما ذكرنا. تعجيل مال الكتابة قبل محله: ١٦ - مسألة: إذا عجل المكاتب مال الكتابة قبل محله، وكان مما لا يخشى

стр. 913

فساده ولا موته في حفظه كالرصاص والحديد والنحاس والأثمان، وكان البلد مأمونًا حين التعجل، فهل عليه قبوله أم لا؟ فنقل حرب وابن منصور والأثرم: قد زاده خيرًا، وفيه حديث عثمان وضعها في بيت المال وخلى سبيله بأخذه ويعتق (١)، فظاهر هذا أن عليه قبوله، فإن فعل وإلا قبضه الإمام وجعله في بيت المال ويحكم بعتق العبد. قال أبو بكر: وفيه رواية أخرى: لا يلزمه قبوله ذلك إلا عند نجومه، نقلها بكر بن محمد وحنبل، قال أبو بكر: لأنه قد يعجز فيرد رقيقًا، ولأنه عجل مال الكتابة قبل محله فلا يلزمه قبوله، دليله لو كان مما يخاف عليه الفساد. ووجه الأولى: وهي أصح، ما روى سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه أن امرأة اشترته من سوق ذي المجاز، وقدمت به مكة، وكاتبته على أربعين ألفًا فأدى عامة المال، ثم أتاها فقالت: لا والله حتى يؤديه سنة بعد سنة وشهرًا بعد شهر، فخرج به - يعني بالمال - إلى عثمان ﵁ فأخبره بذلك، فقال له: ضعه في بيت المال، وقال لها: قد عتق أبو سعيد، فإن أخترت أخذه شهرًا بعد شهر أو سنة بعد سنة فافعلي، وإن شئت أخذت المال (٢). ولأن الأجل حق لمن عليه الدين على من له الدين، فإذا قدمه من غير ضرر يلحق من له الدين فقد رضي بإسقاط حقه من غير ضرر على غيره، فكان ذلك له. بيع المكاتب: ١٧ - مسألة: هل يجوز بيع رقبة المكاتب؟ نقل أبو داود والأثرم وإبراهيم بن الحارث وحنبل والميموني وابن مشيش

стр. 914

جواز ذلك، ويكون عند المشتري مكاتبًا، وإذا أدى إليه عتق. وقال في رواية أبي طالب وقد سئل هل يطأ مكاتبته؟ فقال: لا يطأها، لأنها ما اكتسبت كان لها، ولأنه لا يقدر أن يبيعها، ولا يهبها، فظاهر هذا أنه لا يصح بيعها ولا هبتها. وجه الأولى: وهي الصحيحة، ما روى أبو داود بإسناده أن بريرة جاءت عائشة ﵂ تستعينها في كتابتها، ولم تكن قضت من كتابتها شيئًا، فقالت لها عائشة: ارجعي إلى أهلك، فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك ويكون ولاؤك لي فعلت. فذكرت ذلك بريرة لأهلها فأبوا، وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل ويكون ولاؤك لنا. فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال لها رسول الله ﷺ : (ابتاعي واعتقي)، فإنّما الولاء لمن أعتق، ثم قام رسول الله ﷺ ، فقال: "ما بال أناس يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، فمن شرط شرطًا ليس في كتاب الله فليس له وإن شرط مائة شرط، شرط الله أحق" (١)، فقد أجاز النبي ﷺ بيع المكاتب. وفي الخبر ما يدل (على) أن عقد الكتابة كان باقيًا، وأنها لم تعجز، لأنه روى أنها جاءت تستعين بها في كتابتها، ولو كان عقد الكتابة قد انفسخ لم يكن للاستعانة فائدة، ولأن عائشة ﵂ قالت لها: ارجعي إلى أهلك، فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك ويكون ولاؤك لي، فأثبت أن الكتابة باقية، وأنها تقضي عنها مال الكتابة ولأنه عتق بصفة صدر عن قول، فلم يمنع البيع كالتدبير،

стр. 915

وكما لو قال: إن دخلت الدار فأنت حر، وإن أعطيتني ألفًا فأنت حر. ولأن أكثر ما في البيع أنه نقل الملك إلى مالك (آخر)، وهذا جائز في حق المكاتب، كالموت ينقل الملك في رقبة المكاتب عن السيد إلى ورثته، كذلك البيع. ووجه الثانية: أن الكتابة عقد يمنع من رجوع أرش الجناية عليه (١) إليه (٢)، فمنع من البيع كعقد البيع ولأن ملكه ناقص، بدليل أنه لا يملك التصرف في منفعته بالاستخدام والإجارة ونحو ذلك، والبيع إنما يصح ممن ملكه تام. تعجيز المكاتب: ١٨ - مسألة: هل يملك السيد تعجيز المكاتب بالعجز عن أول نجم أم لا؟ فنقل أبو طالب: إذا عجز عن نجم أو نجمين، وقال: عجزت، فهو عبد، فظاهر هذا أنه بالعجز عن نجم واحد يعجز. ونقل ابن منصور: من الناس من يقول: إذا جاء نجم فلم يؤد فهو عاجز، ومنهم من يقول: نجمان، ونجمان أحب إلي، فظاهر هذا أنه لم يعجزه بنجم واحد، وهو اختيار أبي بكر والخرقي. وجه الأولى: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (المكاتب عبد ما بقي عليه درهم (٣) ولأنه عاجز عن شيء من مال الكتابة عند محله فملك السيد تعجيزه، كما لو عجز عن نجمين. ووجه الثانية: ما روى الشعبي عن الحارث عن علي ﵇ أنه قال: إذا تتابع على المكاتب نجمان، فدخل في السنة الثانية، فلم يؤد نجومه رد في الرق (٤) وروي قتادة عن جلاس بن عمر أن علي بن أبي طالب قال: إذا
следующие страницы →