← Тараджим

Тараджим · id 13250

مناقب الإمام أحمد

ابن الجوزي

Полный текст (708 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الباب الثاني والعشرون في ذكر تعظيمه لأهل السنة والنَّقل أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا عبد الواحد بن أحمد، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله، قال: سمعت أبا الحسين أحمد بن محمد الحَنظلي، قال: سمعت أبا إسماعيل محمد بن إسماعيل يقول: كنتُ أنا وأحمد بن الحسن الترمذي عند أحمد ابن حنبل؛ فقال له أحمد بن الحسن: يا أبا عبد الله، ذكرُوا لابن أبي قُتَيْلة بمكة أصحابَ الحديثِ فقال: قومُ سوء. فقام أحمد وهو ينفض ثوبه فقال: زنديق، زنديق، زنديق. ودَخل بيته. سمعت المبارك بن علي، يقول: سمعت سعد الله بن علي بن أيوب يقول: سمعت هناد بن إبراهيم يقول: سمعت رضوان بن محمد، يقول: سمعتُ عبد الواحد بن عبد الله بن الحارث يقول: سمعت أبا الحسين بن مَخزوم يقول: سمعتُ زهير بن صالح يقول: سمعت صالح بن أحمد بن حنبل يقول: سمعتُ أبي يقول: مَن عَظّم أصحاب الحديث، تعظم في عين رسول الله، ومن حقرهم، سقط من عين رسول الله، لان أصحابَ الحديث أحبارُ رسول الله ﷺ . أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن علي الخياط، قال: أخبرنا محمد بن أبي الفَوارس،

стр. 247

قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن سَلْم قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الخالق، قال: حدثنا أبو بكر المَرُّوذِي، قال: قلت لأبي عبد الله: من ماتَ على الإسلام والسُّنَّة مات على خير؟ فقال لي: اسكت، من مات على الإسلام والسُّنَّة قد مات على الخير كلّه. أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أنبانا أحمد بن علي بن خلف، قال: أنبأنا الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن محمد السيَّاري، يقول: حدثنا موسى بن هارون البزَّاز، قال: سُئل أحمد بن حنبل فقيل له: يا أبا عبدالله، أين نطلب البُدَلاء؟ قال: فسكت ساعة حتى ظَننا أنه لا يثجيب؛ ثم قال: إن لم يكن في أصحاب الحديث فلا أدري. أخبرنا المبارك بن أحمد الأنصاري، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد السَّمَرْقَنْدي، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا أحمد بن أبي جعفر القَطيعي، قال: سمعتُ محمد بن عبد الله بن المطلب، يقول: سمعت الفضل بن أحمد الزبيدي، يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول- وقد أقبل أصحاب الحديث بأيديهم المحابر فأومأ إليها وقال -: هذه سُرج الإسلام. أنبأنا محمد بن عبد الملك، قال: أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: حدثني عُبيد الله بن أبي الفتح، قال: حدثنا محمد بن يزد بن مروان الكوفي، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي دارم، قال: حدثني محمد بن الحسن بن محمد بن الصباح، قال: حدثني أبو عمران المكي قال: رأى أحمد بن حنبل أصحابَ الحديث وقد خرجوا من عند محدث والمحابر بأيديهم، فقال أحمد: إن لم يكونوا هؤلاء الناس، فلاَ أدري من الناس!.

стр. 248

أنبأنا محمد بن عبد الملك، قالك أنبأنا أحمد بن علي، قال: أخبرنا محمد ابن عيسى بن عبد العزيز، قال: حدثنا صالح بن أحمد الحافظ قال: حدثنا محمد بن معاذ، قال: حدثنا أبو الحسن علي بن إبراهيم، قال: سمعتُ عمر بن بَكار القافلاني يقول: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: إن لم يكن أصحاب الحديث الأبدال فمن يكون؟ أنبأنا محمد بن عبد الملك، قال: أنبأنا أحمد بن علي، قال: أخبرني عبد الغفار بن أبي الطَّيب المؤدب، قال: أخبرنا عمر بن أحمد بن عثمان، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن أبي الثلج، قال: حدثني جدي، قال: سألتُ أحمد ابن حنبل قلتُ له: يا أبا عبد الله، أيهما أحب إليك، الرجل يكتب الحديث، أو يصوم ويصلي؟ قال: يكتب الحديث. قلت: فمِن أينَ فضَّلت كتاب الحديث على الصوم والصلاة؟ قال: لئلا يقول قائل: إني رأيتُ قوماً على شيءٍ فتبعتهم. أخبرنا عبد الحق بن عبد الخالق، أخبرنا محمد بن مرزوق، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا عبد العزيز بن علي الوراق، قال: أخبرنا عمر بن أحمد الواعظ، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا الفضل بن زياد، قال: سمعتُ أبا عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل يقول: مَن رَدَّ حديثَ رسول الله فهو على شَفا هَلَكة.

стр. 249

الباب الثالث والعشرون في ذكر إعراضه عن أهل البِدع ونهيه عن كلامهم وقَدحه فيهم أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرني محمد بن المنتصر، قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي الفضل، قال: حدثنا أبو إسحاق الأنصاري، قال: حدثنا صالح بن أحمد قال: جاءَ الحِزامي إلى أبي وقد كانَ ذهب إلى ابن أبي دؤاد، فلما خَرج إليه ورآه، أغلقَ الباب في وَجهه ودخل. أخبرنا محمد بن عمر الفقيه، والحسين بن علي الخياط، قالا: أخبرنا عبد الصمد بن المأمون، قال: أخبرنا علي بن عمر الدَّارَقُطْني، قال: حدثنا عثمان ابن إسماعيل بن بكر السكري، قال: سمعت أبا داود السّجستاني يقول: قلتُ لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: أرى رجلاً من أهل السنة مع رجل من أهل البدع، أتركُ كلامه؟ قال: لا، أو تُعْلِمه أن الذي رأيته معه صاحب بدعة، فإن ترك كلامه وألا فألحِقه به، قال ابنُ مسعود: المرءُ بخِدْنِه.

стр. 250

أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا أبو سهل بن سعدويه، قال: أخبرنا أبو الفضل محمد بن الفضل القرشي، قال: أخبرنا أبو بكر بن مردويه، قال: حدثنا عثمان بن محمد البصري، قال: حدثنا أحمد بن محمد الجواربي، قال: حدثنا الحسن بن ثواب، قال: قال لي أحمد بن حنبل: ما أعلمُ الناسَ في زمانٍ أحوج منهم إلى طلبِ الحديث من هذا الزمان، قلتُ: ولم؟ قال: ظَهرت بدع، فمن لم يكن عنده حديث وَقع فيها. أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو طالب محمد بن علي البيضاوي، قال: أخبرنا أبو عُمر بن حيّويه، قال: حدثنا أبو مُزَاحِم موسى بن عُبيد الله بن يحيى بن خاقان، قال: قال لي عمي أبو علي عبَد الرحمن بن يُحيى بن خاقان: أمر المتوكل بمسألة أحمد بن حنبل عمن يتقلّد القضاء؟ فسألته. قال أبو مزاحم: فسالت عمي أن يُخرج إليَّ جوابَه، فوجّه إليَّ بنسخة فكتبتها، ثم عدت إلى عمي فأقرّ لي بصحة ما بعث به. وهذا نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم، نسخة الرقعة التي عرضتها على أحمد بن محمد بن حنبل بعد أن سألته عما فيها فأجابني عن ذلك بما قد كتبتُه، وأمر ابنَه عبد الله أن يوقع بأسفلها بأمره، ما سألته أن يوقع فيها، سألت أحمد بن حنبل، عن أحمد بن رباح، فقال فيه: إنه جَهمي معروف بذلك، وإنه إن قُلّد شيئاً من

стр. 251

أُمور المسلمين كان فيه ضَرر على المسلمين لما هو عليه من مذهبه وبدعته. وسألته عن ابن الخلَنْجي، فقال فيه أيضاً مثل ما قال في أحمد بن رباح، وذكر أنه جَهمي معروف بذلك، وأنه كان من شرهم وأعظمهم ضرراً على الناس، وسألته عن شُعيب بن سهل فقال فيه: جَهمي معروف بذلك. وسألته عن عُبيد الله بن أحمد فقال: جهمي معروف بذلك، وسألته عن المعروف بأبي شُعيب فقال فيه: إنه جهمي معروف بذلك. وسألته عن محمد ابن مَنصور قاضي الأهواز، فقال فيه: إنه كان مع أبي دُؤاد وفي ناحيته وأعماله، إلا أنه كان من أمثلهم، ولا أعرف رأيه، وسألته عن ابن علي بن الجعد فقال: كان معروفاً عند الناس بأنه جَهمي مشهور بذلك، ثم بلغني عنه الآن أنه رجع عن ذلك. وسألته عن الفَتح بن سَهل صاحب مظالم محمد بن عبد الله ببغداد، فقال: جَهمي معروف بذلك، من أصحاب بشر المريسي، وليس ينبغي أن يقلّد مثله شيئاً من أمور المسلمين لما في ذلك من الضرر. وسألته عن ابن الثَّلجي، فقال: مبتدع صاحب هوى. وسألته عن إبراهيم بن عَتاب فقال: لا أعرفه، إلا أنه كان من أصحاب بشر المريسي، فينبغي أن يحذر ولا يقرب، ولا يقلّد شيئاً من أمور الناس. وفي الجملة: إن أهل البدع والأهواء لا ينبغي ان يُستعان بهم في شيءٍ من أمور المسلمين، فإن في ذلك أعظم الضرر على الدين، مع ما عليه رأي أمير المؤمنين أطال الله بقاءه من التمسك بالسنة والمخالفة لأهل البدع. ويقول أحمد بن محمد بن حنبل: وقد سألني عبد الرحمن بن يحيى بن خاقان عن جميع ما في هذا القرطاس وأجبته بما كتب به، وكنت عليلَ العين ضعيفاً في بدني، فلم أقدر أن أكتب بخطي، فوقع هذا التوقيع في أسفل هذا القرطاس عبد الله ابني بأمري وبين يدي، وأسأل الله أن يطيل بقاءَ أمير المؤمنين، وان يديم عافيته، ويحسن له المعونة والتوفيق بمنِّه وقُدرته.

стр. 252

أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر البَرمكي، عن أبي بكر أحمد بن جعفر الفَقيه، قال: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد سِبط أبي إبراهيم المُذَكِّر يقول: سمعتُ الطبراني يقول: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثنا أبي قال: قُبور أهل السنة من الفُساق روضة من رياض الجنة، وقبور أهل البدع من الزهاد حفرة من حُفر النَّار. فصل وقد كان الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل لشدة تَمسكه بالسنة ونَهيه عن البدعة يتكلم في جَماعةٍ من الأخيار إذا صَدر منهم ما يخالف السنة، وكلامه ذلك محمول على النصيحة للدين. أخبرنا أبو مَنصور القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب، قال: أخبرنا محمد بن نعيم الضَّبي، قال: سمعتُ أبا بكر أحمد بن إسحاق الصبغِي يقول: سمعت إسماعيل بن إسحاق السّراج يقول: قال لي أحمد بن حنبل يوماً: بلغني أن الحارث هذا - يعني المحاسبي - يكثر الكون عندك؛ فلو أحضرتَه منزلك وأجلستني من حيثُ لا يراني فأسمع كلامه؟ فقلت: السمع والطاعة لك يا أبا عبد الله، وسَرَّني هذا الابتداء من أبي عبد الله، فقصدت الحارث وسألته أن يَحضُرنا تلك الليلة، فقلت: وتسأل أصحابك أن يحضروا معك، فقال: يا إسماعيل، فيهم كَثْرة فلا تَزِدْهم على الكُسْب والتمر وأكثر منهما ما استطعت، ففعلتُ ما أمرني به،

стр. 253

وانصرفت إلى أبي عبد الله وأخبرته، فحضر بعد المغرب وصَعِدَ غُرْفَةً في الدار، واجتهد في وِرْدِه إلى أن فرغ، وحضر الحارث وأصحابه فأكلوا، ثم قاموا لصلاة العتمة ولم يصلوا بعدها، وقعدوا بين يدي الحارث وهم سكوت لا ينطق واحد منهم إلى قريب من نصف الليل، وابتدأ واحد منهم وسأل الحارث عن مسألة فأخذ في الكلام وأصحابه يستمعون كأن على رءوسهم الطير، فمنهم من يبكي، ومنهم من يحن، ومنهم من يزعق، وهو في كلامه، فصعدت الغرفة لأتَعرَّف حال أبي عبد الله، فوجدته قد بكى حتى غُشي عليه، فانصرفت إليهم، ولم تزل تلك حالهم حتى أصبحوا، فقاموا، وتفرقوا، فصعدت إلى أبي عبد الله، وهو متغير الحال، فقلت: كيف رأيتَ هؤلاءِ يا أبا عبد الله؟ فقال: ما أعلم أني رأيت مثل هؤلاءِ القوم، ولا سمعت في علم الحقائق مثل كلام هذا الرجل، وعلى ما وصفت من أحوالهم فلا أرى لك صحبتهم. ثم قام وخرج. أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: أخبرنا إسماعيل بن أحمد الحيري، قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلَمي، قال: سمعتُ أبا القاسم النَّصْراباذي، يقول: بلغني أن الحارث المحاسبي تكلم في شيءٍ من الكلام، فهجَره أحمد بن حنبل فاختفى في دار ببغداد ومات فيها، ولم يُصَلّ عليه إلا أربعة نفر.

стр. 254

الباب الرابع والعشرون في ذكر تبركه واستشفائه بالقرآن وماء زَمزم وشعَر الرسول ﷺ وقصعته أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكي قال: حدثنا ابن مردك قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح قال: كنتُ ربما اعتللتُ فيأخذ أبي قدحاً فيه ماء فيقرأ فيه ثم يقول: اشرب منه واغسِل وجهك ويَديك. أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا أبي قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عمر، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: رأيتُ أبي يأخذ شَعرة من شَعر النبي ﷺ فيضعها على فيه ويُقبلها، وأحسب أني رأيتُه يضعها على عينه، ويغمِسها في الماء، ثم يشربه يَستشفي به، ورأيته قد أخذ قَصْعة النبي صلى الله علي وسلم فغسلها في حُبِّ الماءِ، ثم شرب فيها. ورأيته غير مرة يشرب ماءَ زَمزم يستشفي به، ويمسحُ به يديه ووجهه.

стр. 255

الباب الخامِس والعشرون في ذكر الوقت الذي ابتدأ فيه بالتَّحديث والفَتوى اعلم أن أحمد ﵁ كان يفتي في شَبابه في بعض الأوقات؛ ويحدث إذا سُئل، ولا يعتبر سن نفسه كما أخبرنا إسماعيل بن أحمد ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا نوح بن حبيب القومسي، قال: رأيتُ أبا عبد الله أحمد بن حنبل في مَسجد الخَيْف في سنة ثمانٍ وتسعين ومئة مستنداً إلى المنارة، وجاءَه أصحابُ الحديث، فجعل يُعلمهم الفقه والحديث، ويُفتي الناس في المناسك. وأخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبانا إبراهيم بن عمر، قال: أنبانا عبد العزيز بن جعفر، قال: أخبرنا أحمد بن محمد الخلال، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد، قال: سمعت نوح بن حبيب القومسي يقول: رأيت أحمد بن حنبل في مسجد الخَيْف سنة ثمان وتسعين وابن عُيَينة حي وهو يفتي فتيا واسعة، فوقفت عليه ولم أكن عَرفته قبل ذلك، فقلت لرجل: من هذا؟ قال: أنت غريب؟ قلت: نعم، قال: هذا أحمد بن

стр. 256

حنبل. فانتظرته حتى تفرَّق الناس، ثم أخذتُ بيده فسلمت عليه؛ فجرت بيني وبينه المعرفة من ذلك الوقت. قلتُ: إلا أن الإمام أحمد ﵁ لم يتصدر للحديث والفتوى؛ ولم ينصب نفسه لهما حتى ثمَّ له أربعون سنة. فأنبأنا محمد بن أبي منصور، عن الحسن بن أحمد الفقيه، عن أبي الفتح محمد بن أحمد بن أبي الفَوارس، قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حَيّويه، قال: حدثنا موسى بن عبيد الله الخاقاني، قال: حدثني أبو بكر المطوّعي، قال: سمعتُ حجاجاً - يعني ابن الشاعر - يقول: جئتُ إلى أحمد ابن حنبل فسألتُه أن يحدثني- في سنة ثلاث ومئتين- فأبي أن يحدثني؛ فخرجت إلى عبد الرزاق ثم رجعت في سنة أربع وقد حدث أحمد واستوى الناس عليه، وكان لأحمد في هذا اليوم أربعون سنة. قال الخاقاني: وأخبرني جعفر الرازي، قال: حدثنا ابن صَدقة، قال: سمعتُ محمد بن عبد الرحمن الصيرفي، يقول: كنت مع أحمد بن حنبل على بابه فذكر حديثاً لعبد الرزاق فقلت: يا أبا عبد الله، أمِلَّه علي، فقال لي: يا أبا جعفر، أيّ شيءٍ تصنع به؟ عبد الرزاق حي. فقلت: أتصدقني؟ قال: نعم، فقلت: أنا أحلف لك مع قولي إن حدثتني به، ثم خرجتُ من بابك، فرأيت عبد الرزاق على باب زُقاقك لم أسأله عنه. قلتُ: وقد كان أحمد مع تحديثه يحثّ على من بقي من المشايخ؛ فأخبرنا المبارك بن أحمد الأنصاري، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد السَّمَرْقَنْدِي، قال:

стр. 257

أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سليمان المؤدّب، قال: أخبرنا أبو بكر بن المقرئ، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن التمار، قال: حدثنا حمدان بن علي الوراق قال: ذَهبنا إلى أحمد بن حنبل سنة ثلاث عشرة فسألناه أن يحدثنا فقال: تَسمعون مني ومثل أبي عاصم في الحَياة! أخرجوا إليه.

стр. 258

الباب السّادِس والعشرون في ذكر بذله للعلم واحتسابه في ذلك أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: حدثنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: حدثنا أبو يعقوب الحافظ، قال: حدثنا أبو علي بن أبي بكر المروذي، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن الحسن بن علي البخاري، قال: سمعتُ محمد بن إبراهيم البُوشَنْجي، قال: رأيتُ أحمد بن حنبل وهو يملي علينا، فسأله رجل من أهل مَرْوَ - يكنى أبا يعقوب - عن حديث، فأمر ابنه عبد الله وقال له: أخرج إليّ كتاب الفوائد، فأخرجه؛ فجعل يطلبه فلم يجد الحديث؛ فقام بنفسه ونزل عن ظهر مسجده، ودخل منزله فلم يلبث كثير لبث حتى عاد إلينا وعلى يده عدد أجزاء من الكتب، فقعد يطلب فيها الحديث فطال عليه، فقال له السائل: قد تعبت يا أبا عبد الله، فدعه، فقال: لا، الحاجة لنا. فرأينا أنه دخل البيت فنظر إلى كل جزءٍ يتوهم ذلك الحديث فيه، فأخرج تلك الأجزاء لئلا يرى أنه قد استثقله وكره أن يحتبس في المنزل لطلب ذلك الحديث. وبِحَسبك هذا كَرم مُجالسة. أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد بن يوسف، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكي، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز بن مَرْدَك، قال: حدثنا أبو محمد بن أبي حاتم الرازي، قال: سمعتُ أبي يقول: أتيتُ أحمد بن حنبل في أول ما التقيت به في سنة ثلاث عشرة ومئتين، وإذا قد أخرج معه إلى الصلاة كتاب "الأشربة" وكتاب "الإيمان" فصلى فلم يسأله أحد، فرده إلى بيته، واتيته يوماً آخر فإذا قد أخرج الكتأبين، فظننت

стр. 259

أنه يَحتَسب في إخراج ذلك، لأن كتاب "الإيمان" أصل الدين، وكتاب "الأشربة" صرف الناس عن الشر، فإن أصل كل شرَ من المُسْكِر. قرأت على أبي الفضل بن أبي منصور، عن أبي القاسم بن البُسْري، عن أبي عبد الله بن بطة، قال: أخبرنا أبو بكر الآجري قال: أخبرنا محمد بن كردي، قال: حدثنا أبو بكر المَرُّوذِي قال: رأيتُ أبا العلاء الخادم قد جاءَ إلى أبي عبد الله، وكان شيخاً مُشمّراً يشبه القراء متواضعاً، فاستأذن علي أبي عبد الله، فخرج إليه وإذا في المسجد رجلٌ غريب عليه أطمار ومعه محبرَة، فلما قَعد أبو عبد الله حانت منه التفاتة فرأى الرجل، فقال لأبي العلاء: لا يشتد عليكَ الحر، فقام. ثم جعل أبو عبد الله يلاحظ الرجل، فلما لم يسأله قال له أبو عبد الله: ألك حاجة؟ فقال: تعُلمني مما عَلّمك الله، فقال فدخل إلى منزله فأخرج كتباً وقال له: ادنُه، فَجعل يُملى عليه ثم يقول للرجل: اقرأ ما كتبتَ.

стр. 260

الباب السّابع وَالعشرون في ذكر مُصنفاته كان الإمام أحمد ﵁ لا يرى وضع الكتاب، وينهي أن يُكتب عنه كلامه ومسائله، ولو رأى ذلك لكانت له تصانيف كثيرة ولنقلت عنه كتب، فكانت تصانيفه المنقولات؛ فصنف "المسنَد" وهو ثلاثون ألف حديث، وكان يقول لابنه عبد الله: احتفظ بهذا المسند فإنه سَيكون للناس إماماً، و"التفسير" وهو مئة ألف وعشرون ألفاً، و"الناسخ والمنسوخ"، و"التاريخ"، و"حديث شعبة"، و"المقدَّم والمؤخَّر في القُرآن"، و"جَوابات القرآن"، و"المناسِك الكبير"، و"الصغير"، وأشياءَ أخر. وكان ينهي الناس عن كتابة كلامه، فنظر الله تعالى إلى حسن قصده فنقلت ألفاظه وحفظت، فقل أن تقع مسألة إلا وله فيها نص من الفروع والأصول، وربما عدمت في تلك المسألة نصوص الفقهاء الذين صنفوا وجمعوا. أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أنبأنا الحسن بن أحمد الفقيه، قال:

стр. 261

أخبرنا هلال بن محمد، قال: أخبرنا ابن السّماك، قال: حدثنا حنبل بن إسحاق قال: جَمعنا أحمد بن حنبل أنا وصالح وعبد الله وقرا علينا "المسند" وما سمعه منه غيرنا، وقال لنا: هذا كتاب قد جَمعته وانتقيته من أكثر من سبع مئة ألف وخمسين ألفاً. فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله فارجعوا إليه، فإن وجدتموه فيه وإلا فليس بحجة.

стр. 262

الباب الثامِن وَالعشرون في ذكر كراهيته وضع الكتب المشتملة على الرأي ليتوافر الالتفات إلى النَّقل كان ﵁ يكره وَضع الكتب التي تشتمل على التفريع والرأي ويُحب التمسك بالأثر. أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرني أحمد بن محمد بن سليمان العَبدُوسي، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن عبدوس، قال: حدثنا عمي إبراهيم بن عبدوس، قال: سمعتُ عثمان بن سعيد، يقول: قال لي أحمد بن حنبل: لا تنظر في كتب أبي عُبيد، ولا فيما وَضع إسحاق، ولا سُفيان، ولا الشافعي، ولا مالِك، وعَليك بالأصل. أخبرنا عبد الملك، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن العباس، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن نعيم، قال: سمعت أبا الطيب محمد بن أحمد بن حمدون قال: سمعت إبراهيم بن أبي طالب، قال: سمعت سَلَمة بن شَبيب سأل أحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، إن أصحاب الحديث يكتبون كتب الشافعي؟ قال: لا أرى لهم ذلك. أخبرنا عبد الملك، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا إسماعيل

стр. 263

ابن إبراهيم، قال: حدثنا أبو عبد الله البَيّع، قال: حدثنا الحسن بن محمد بن إسحاق الإسْفَرَاييني، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن هانئ، قال: سألتُ أحمد بن حنبل عن كتبِ أبي ثور، فقال: كتاب ابتدع فهو بدعة. ولم يُعجبه وضع الكتب، وقال: عليكم بالحديث. أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا المبارك بن عبدالجبار، قال: أخبرنا أبو طالب محمد بن علي بن البيضاوي، قال: أخبرنا أبو عمر بن حَيّويه، قال: حدثنا أبو مُزاحم الخاقاني، قال: حدثني عمي أبو علي عبد الرحمن بن يحيى بن خاقان أنه بلغه عن أحمد بن حنبل أنه يأمر بكتاب الموطأ - موطأ مالك - ويرخص فيه، أو نحو هذا، وينهي عن "جامع سفيان"، فذكر لي عمي أنه سأل أحمد بن حنبل عنهما أيهما أحب إليه؟ فقال: لا ذا ولا ذا، عليكَ بالأثر. وفي رواية أخرى أن رجلاً سال أحمد بن حنبل: أكتب كتب الرأي؟ قال: لا. قال: فابنُ المبارك قد كتبها! قال: ابن المبارك لم ينزل من السماءِ، إنما امرنا أن نأخذ العلم من فوق.

стр. 264

الباب التاسِع وَالعشرون في ذكر نَهيه أن يُكتب كلامه أو يُروى وكراهته لذلك أخبرنا إسماعيل بن أحمد السَّمَرْقَنْدِي، قال: أخبرنا عمر بن عبيد الله البقال، قال: أخبرنا أبو الحسين بن بِشْران، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق، قال: حدثنا حنبل بن إسحاق، قال: رأيتُ أَبا عبد الله يكره أن يُكتب شيءٌ من رَأيه فتواه. أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي ابن ثابت، قال: أخبرنا القاضي أبو محمد الحسن بن الحسين بن رامين الإستراباذي، قال: حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن جعفر الجْرجاني، قال: حدثنا عبد الملك بن محمد، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: سمعتُ أحمد بن الربيع بن دينار قال: قال أحمد بن حنبل: بلغني أن إسحاق الكَوْسَج يَروي عني مسائل بخُراسان، اشهدوا أني قد رَجعت عن ذلك كلّه. أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أنبانا علي بن أحمد البسري، عن أبي عبد الله بن بَطّة، قال: أخبرنا أبو بكر الآجري، قال: أخبرنا أبو نصر بن كُردي، قال: حدثنا أبو بكر المَرُّوذِي، قال: رأيتُ رجلاً خرسانيًّا قد جاءَ إلى أبي عبد الله فأعطاه جزءاً، فنظر فيه أبو عبد الله، فإذا فيه كلام لأبي

стр. 265

عبد الله، فغَضب فرمى الكتابَ من يده. أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا أحمد بن الحسن أبو الأشعث، قال: سمعتُ نصر بن أبي نصر العطار، يقول: سمعتُ أبا محمد البُرْجِي بالإسكندرية يقول: قال أحمد ابن حنبل: القَلانس من السماءِ تنزِل على رؤوس قَوم يقولون برؤوسهم هكذا وهكذا- المعنى: لا يريدها - وقوله: هكذا وهكذا، أي: يميلون رؤوسهم عن أن تتمكن منها، ومعنى الكلام، أنهم لا يريدون الرئاسة وهي تقع عليهم، ويحتمل أنه يريد أنهم يُطأطِئون رؤوسهم تَواضعاً. وكذلك كان أحمد ﵁، ينهى عن كتب كلامه تواضعاً، وقدَّر الله أن دُوِّن ورُتِّب وشاع.

стр. 266

الباب الثلاثون في ذكر كلامه في الإخلاص والرياء وسَتر التعبد أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري قال: أخبرنا محمد بن محمد بن عبد الله، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد قال: حدثنا علي بن الحسن بن أحْيد البلخي، قال: سمعت علي بن الفَضل يقول: سمعت أبا سعيد البَردعي، يقول: سمعتُ ابن السماك، يقول: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: إظهار المِحْبَرة من الرياء. قال الأنصاري: ابن السماك هذا هو عندي محمد بن بُندار السماك الجَرْجائي، صحب أحمد. أنبأنا محمد بن أبي منصور، أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، أخبرنا عبد الله ابن عمر بن شاهين، حدثني أبي، حدثنا أحمد بن زكريا بن يحيى، قال: سمعت أبا بكر المروذي يقول: سمعت أحمد بن حنبل -وسُئل: بمَ بلغ القوم حتى مُدحوا؟ - قال: بالصدق. قرأتُ على أبي الفضل بن أبي منصور، عن أبي القاسم بن البُسْري، عن أبي عبد الله بن بَطّة، قال: أخبرنا أبو بكر الآجري، قال: أخبرنا أبو نصر بن كردي، قال: حدثنا أبو بكر المرُّوذي، قال: سمعتُ رجلاً يقول لأبي عبد الله -وذكر له الصدق والإخلاص - فقال أبو عبدالله: بهذا ارتفع القوم.

стр. 267

أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا أحمد بن محمد الخَلاّل، قال: أخبرنا أبو بكر المرُّوذي، قال: كنتُ مع أبي عبد الله نَحواً من أربعة أشهر بالعَسكر، ولا يَدع قِيام الليل وقراءة النهار، فما علمتُ بختمةٍ خَتمها، وكان يُسِرُّ ذلك. أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد بن عبد الواحد الحَريري، قال: أخبرنا أبو عُمر بن حَيّويه، قال: أخبرنا أبو مُزاحم الخاقاني، قال: حدثني أبو محمد القاسم بن محمد، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن الحجاج قال: سمعت أبا عبد الله - ولقيه رَجلٍ كان داهنه في شيءٍ - فقال له أبو عبد الله: لو صَححتَ ما خفت أحداً. قال: وسمعتُ أبا عبد الله وسُئِل عن الحب في الله فقال: أن لا تحبه لطمع دنيا.

стр. 268

البابُ الحادِي وَالثلاثون في ذكر كلامه في الزُّهد والرقائق أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا أبو عمر الحسن بن عثمان الواعظ، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن حَمدان، قال: حدثنا العباس بن يوسف الشِّكْلِي قال: حدثني محمد بن نَصر العابد، قال: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: كل شيءٍ من الخَير بادر فيه. قال: وشاورته في الخروج إلى الثَّغر، فقال لي: بادِر بادِر. أخبرنا إسماعيل بن أحمد ومحمد بن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نُعَيْم الحافظ، قال: حدثنا أبي. وأخبرنا بد الملك بن أبي القاسم قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الواحد الشيرازي، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب المقرئ، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عمر، قال: حدثنا أبو حَفص عُمر بن صالح الطَّرسوسي، قال: ذهبتُ أنا ويَحيى الجَلاَّء - وكان يقال: إنه من الأبدال - إلى أبي عبد الله بن حنبل، فسألته وكان إلى جنبه فُوران وزُهير وهارون الحَمّال، فقلت: رَحمك الله يا أبا عبد الله، بمَ تَلين القلوب؟ فنظر إلى أصحابه فغمزهم بعينه، ثم اطرق ساعة ثم رفع رأسه، فقال: يا بُني، بأكل الحلال. فمررتُ كما أنا إلى أبي نَصر بشر بن الحارث فقلت له: يا أبا

стр. 269

نصر، بمَ تَلينُ القلوب؟ فقال: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ فقلت: إني جئتُ من عند أبي عبد الله، فقال: هيه أي شيءٍ قال لك أبو عبد الله؟ قلت: قال: باكلِ الحَلال. قال: جاءَ بالأصل، جاءَ بالأصل. فمررتُ إلى عبد الوهاب الورّاق، فقلت: يا أبا الحسن، بمَ تلين القلوب؟ قال: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ قلتُ: فإني جئتُ من عند أبي عبد الله، فاحمرّت وجنتاه من الفَرح وقال لي: أيّ شيءٍ قال أبو عبد الله؟ فقلت: قال: بأكلِ الحلال. فقال: جاءَك بالجَوهر، جاءَك بالجوهر، الأصل كما قال، الأصل كما قال. أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عُمر، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا أبو بكر الخَلال، قال: قرات على الحسين بن عبد الله النعيمي، عن الحسين بن الحسن، قال: حدثنا أبو بكر المرّوذي، أنه سمع أبا عبد الله يقول: يا نَفسُ انْصَبي وإلا فَستَحزَني. أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن عُمر البَرْمَكي، قال: حدثنا ابن مَرْدَك، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل فيما كتبَ إليّ قال: سمعتُ أبي يقول - وذكر الدنيا - فقال: قَليلها يُجزي، وكثيرها لا يجزي. وذُكر عنده الفقر، فقال: الفَقر مع الخير.

стр. 270

أنبأنا أبو بكر بن عبد الباقي، قال: أخبرنا هَنَاد بن إبراهيم، قال: سمعت الحسن بن شهاب يقول: سمعتُ أبا محمد بن أبي سمرة، يقول: سمعتُ محمد بن الحسن بن بَدينا، يقول: سمعتُ أبا بكر المرُّوذي يقول: سمعتُ أبا عبد الله أحمد ابن حنبل، يقول: ما أعِدل بفضل الفَقر شيئاً، تدري إذا سألك أهلك حاجة لا تَقدر عليها أي شيءٍ لك من الأجر؟ أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا أبو إسحاق قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا أحمد بن محمد الخَلال، قال: أخبرني عبد الملك بن عبد الحميد أن أبا عبد الله قال له: يا أبا الحَسن، كم يعيش أحدنا؟ خمسينَ سنة، ستينَ سنة؛ كأنك بنا. قال الخلال: وأخبرنا أحمد بن محمد بن يزيد الوراق، قال: سمعتُ أحمد ابن حنبل، يقول: ما شَبَّهتُ الشبابَ إلا بشيءٍ. كانَ في كُمّي فسقط. قال الخلال: وأخبرنا المرّوذي، قال: سمعتُ أبا عبد الله يقول: ما قلَّ من الدنيا كانَ أقلّ للحساب. أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا غالب بن علي، قال: أخبرنا محمد بن الحُسين، قال: سمعتُ أبا العباس محمد بن الحسن البغدادي، قال: حدثني القاسم بن موسى، قال: حدثنا محمد بن أحمد قال: حدثنا أبو يوسف يعقوب بن إسحاق قال: سمعت أحمد بن حنبل - وسُئل عن التَّوكل - فقال: قَطعُ الاستشرافِ باليأسِ من الناس. قيل له: ما الحُجَّة فيه؟ قال: قول إبراهيم حين وُضع في المِنْجَنيق.

стр. 271

أخبرنا أبو بكر بن حبيب، قال: أخبرنا أبو سعد بن أبي صادق قال: أخبرنا أبو عبد الله بن باكويه، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن الحسن الخَشّاب، قال: حدثنا أبو القاسم بن موسى، قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق، قال: سمعتُ أحمد بن حنبل- وسُئِل عن التوكل - فقال: هو قَطع الاستشرافِ باليأس من الخلق. قيل له: فما الحُجة فيه؟ قال: قصة الخَليل لما وضع في المِنْجنيق مع جبريل حين قال له: أمّا إليك فلا. فقال له: فَسَل من لكَ إليه الحاجة. قال: أحب الأمرين إليّ أحبهما إليه. أخبرنا عبد الملك الكَرُوخي، قال: أخبرنا بعد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد المروزي، قال: أخبرنا محمد بن الحسين قال: سمعتُ على بن عمر الدَّارَقُطْني، قال: سمعت أبا سهل بن زياد، قال: سمعتُ عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: سُئل أحمد عن الفُتوّة فقال: تَركُ ما تَهوى لما تخشى. أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أنبأنا أبو علي الحسن بن أحمد، قال: أخبرنا هلال بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن مالك القَطِيعي، قال: حدثنا العباس ابن يوسف الشِّكْلِي، قال: حدثني محمد بن نصر قال: سمعتُ أحمد بن حنبل

стр. 272

يقول: كل شيءٍ من الخير تَهمّ به، فبادِرْ به قبل أن يُحَال بينك وبينه. أخبرنا محمد، قال: أنبانا أبو علي، قال: أخبرنا عبد الملك بن محمد، قال: أخبرنا دَعْلَج بن أحمد، قال: حدثنا محمد بن نُعيم النيسابوري، قال: حدثنا عبد الصمد بن سليمان بن أبي مطر، قال: بِتُّ عند أحمد بن حنبل فوضع لي ماء، فلما أصبح وجدني لم أستعمله، فقال: صاحب حديث لا يكون له وِرْدٌ في الليل؟! قال: قلت: أنا مسافر. قال: وإن كنتَ مسافراً!! حَجَّ مسروق فما نام إلا ساجداً. أخبرنا المبارك بن أحمد الأنصاري، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد السَّمَرْقَنْدِي، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن يعقوب، قال: أخبرنا محمد بن نُعيم، قال: سمعتُ أبا سَعيد أحمد بن محمد بن إبراهيم الفَقيه، يقول: سمعتُ إبراهيم بن محمد بن سفيان، يقول: سَمعت أبا عصمة بن عصام البيهقي، يقول: بتُّ ليلة عند أحمد بن حنبل فجاء بالماء فوضعه، فلما أصبح نظر إلى الماء فإذا هو كما كان، فقال: سُبحان الله!! رجلٌ يطلب العلم لا يكون له وِرْدٌ من الليل! أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أنبأنا أبو علي الحسن بن أحمد، قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد الخَلال، قال: حدثنا علي بن محمد بن عَلّويَه، قال: حدثنا محمد بن الحسن بن الفَرج، قال: حدثنا محمد بن يونس، قال: حدثنا سليمان بن داود، قال: حدثني علي بن المَدِيني قال: وَدَّعت أحمد بن حنبل فقلتُ له: توصيني بشيءٍ؟ قال: نَعم، اجعل التقوى زَادك،

стр. 273

وانصُب الآخِرة أمامَك. أخبرنا عمر بن ظَفر، قال: أخبرنا جعفر بن أحمد، قال: أخبرنا عبد العزيز ابن علي، قال: أخبرنا علي بن عبد الله بن جَهضم، قال: حدثنا محمد بن سعيد بن جرير، قال: حدثنا عيسى الوراق، قال: سمعتُ يَحيى الجَلاَّء يقول: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: عَزيز عليّ أن تُذِيب الدنيا أكبادَ رجالٍ وَعت صُدورُهم القُرآن. أخبرنا عمر بن ظفر، قال: أخبرنا جعفر بن أحمد، قال: أخبرنا عبدالعزيز بن علي، قال: أخبرنا ابن جَهْضم، قال: حدثنا أبو بكر النَّقاش، قال: حدثنا عبدالله بن أحمد، قال: قلتُ لأبي يوماً: أوصني يا أية، فقال: يا بني، انْوِ الخَير، فإنك لا تزال بخيرٍ ما نَويتَ الخير. أخبرنا المبارك بن أحمد الأنصاري، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد السَّمَرْقَنْدي قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرني عبد الغفار بن محمد المؤدب، قال: حدثنا عمر بن أحمد الواعظ، قال: حدثنا أحمد بن زكريا ابن يَحيى الرَّءَّاس، قال: سمعتُ أبا بكر المرُّوذي، يقول: سمعتُ أحمد بن حنبل - وسُئل: بمَ بلغ القوم حتى مُدحوا؟ - قال: بالصدق. أخبرنا المبارك بن أحمد، قال: أخبرنا السمرقندي، قال: أخبرنا أحمد بن علي، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن القاسم بن الحسن الشاهد بالبصرة،

стр. 274

قال: حدثنا أبو الحسن المَادَرَائي، قال: حدثنا عبد الله بن أحمدبن حنبل قال: سمعتُ أبي يقول: ليسَ يَتَّقي مَنْ لا يَدري ما يَتَّقي.

стр. 275

البابُ الثاني وَالثلاثون في ذكر كلامه في فنون مختلفة أخبرنا المُحَمدان: ابن عبد الملك، وابن ناصر، قالا: أخبرنا أحمد بن الحسن المعدّل، قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن الحسن الأهوازي، قال: سمعتُ علي بن محمد البصري. وأخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا المبارك بن عبدالجبار، قال: أخبرنا إبراهيم ابن عمر، قال: حدثنا أبو عبدالله بن بطَّة، قال: حدثني عبدالله بن جعفر، قالا: سمعنا أبا يوسف يعقوب بن إسحاق، يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: يُؤكل الطعام بثلاث: مع الإخوان بالسرور، ومع الفُقراءِ بالإيثار، ومع أبناءِ الدنيا بالمروءَة. أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا الحسن بن أحمد إذناً، قال: حدثنا محمد ابن أحمد، قال: حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا محمد بن حَفص، قال: حدثنا أبو بكر المرُّوذي، قال: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: إنَّ لكل شيءٍ كرماً، وكرم القلب الرضا عن الله . أخبرنا ابن ناصر، قال: سمعتُ أبا محمد التميمي، يقول: سمعتُ عمي أبا الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز، يقول: سمعت المطيع لله يقول - وهو على المنبر، وقد أحدق به كثير من الحنابلة حزروا ثلاثين ألف رجل، فأراد أن يتقرب

стр. 276

إليهم، فقال- سمعت شيخي ابن بنت ابن مَنيع يقول: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: إذا ماتَ أصدقاء الرجل ذلّ. أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أنبأنا أبو علي الحسن بن أحمد، قال: أخبرنا هلال بن محمد الحفار، قال: حدثنا الخلدي. وأنبانا هبة الله بن أحمد الحريري، قال: أنبأنا محمد بن علي بن الفتح، قال: قُرئ على أبي الحسن الدارقطني: حدثنا جعفر بن نصير، حدثنا أبو الفضل بن العباس بن يوسف السائح، قال: حدثني عمي محمد بن إسماعيل ابن العلاء قال: حدثني أبي، قال: دعاني رزق الله الكَلْوَاذي، فقدّم إلينا طعاماً كثيراً، وكان في القوم أحمد بن حنبل، ويحيى بن مَعِين، وأبو خيثمة وجماعة، فقدَّم لَوْزِنَجَّا أنفق عليه ثمانين درهماً، فقال أبو خَيثمة: هذا إسراف. فقال: أحمد بن حنبل: لا، لو أن الدنيا [جُمعَت] حتى تكون في مقدار لُقمة، ثم أخذها امرؤ مسلمٍ، فَوضعها في فَم أخيه المسلم؛ لما كان مُسرفاً. فقال له يحيى: صَدقتَ يا أبا عبد الله. أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار وأبو طالب بن يوسف، قالا: أنبأنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكي، قال: أخبرنا أبو عبد الله بن بطَّة، قال: حدثني أبو بكر الآجري، قال: سمعتُ ابن أبي الطيب يقول: حدثنا جعفر الصايغ، قال: كان في جيران أبي عبد الله أحمد بن حنبل رَجل، وكانَ ممن يمارس المعاصي والقاذورات، جاءَ يوماً إلى مجلس أحمد بن حنبل

стр. 277

فسلّم عليه، فكأن أحمد لم يرد عليه ردًّا تاماًّ، وانقبض منه، فقال له: يا أبا عبد الله، لم تنقبض مني؟ فإن قد انتقلتُ عما كنتَ تعهده مني برؤيا رأيتُها، قال: وأيّ شيءٍ رأيتَ؟ تقدم، قال: رأيتُ النبي ﷺ في النوم كأنه على علو من الأرض، وناسٌ كثير أسفل جلوسٌ، قال: فيقوم رجلٌ رجلٌ منهم إليه، فيقول له: ادعُ لي. فيدعو له حتى لم يبقَ من القوم غيري، قال: فأردتُ أن أقوم فاستحييتُ من قبيح ما كنتُ عليه؛ فقال: يا فلان، لم لا تقوم إليّ تسألني أدعو لك؟ قال: قلتُ: يا رسولَ الله، يقطعني الحياء لقبيحٍ ما أنا عليه، فقال: إن كانَ يقطعك الحياء، فقم فسلني أَدعُ لك، فإنك لا تسبُ أحداً من أصحأبي. قال: فقمتُ فدعا لي. قال: فانتبهت وقد بَغَّض الله إليَّ ما كنتُ عليه، قال: فقال لنا أبو عبد الله: يا جَعفر، يا فلان، يا فلان، حدَّثوا بهذا واحفظوه فإنه ينفع. أخبرنا المبارك بن أحمد الأنصاري، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد السَّمَرْقَنْدي، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: حدثني عُبيد الله بن أبي الفتح، قال: سمعتُ عبدالرحمن بن محمد الإدريسي، يقول: سمعتُ أبا أحمد بن عَدي، يقول: حدثنا عبد المؤمن بن أحمد الجُرجاني، قال: سمعتُ عمار بن رَجاء يقول: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: طلبُ إسناد العلو من السُّنَّة. قلتُ: وقد روى أبو بكر الخَلال، عن حرب بن إسماعيل، قال: سُئل أحمد عن الرجل يَطلب الإسناد العالي، فقال: طلبُ الإسناد العالي سُنة عَمَّن

стр. 278

سَلف، لأن أصحاب عَبدالله كانوا يَرحلون من الكوفة إلى المدينة فيتعلمون من عُمر ويَسمعون منه. أخبرنا المبارك بن أحمدن قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد ابن علي، قال: أخبرني علي بن أحمد بن أبي حامد الأصبهاني في كتابه إليّ، قال: حدثنا محمد بن الحسين الآجري، قال: حدثنا محمد بن مخلد، قال: سمعتُ حنبل بن إسحاق يقول: رآني أحمد بن حنبل وأنا أكتب خطًّا دقيقاً فقال: لا تفعل، أحوج ما تكون إليه يخونك. أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أنبأنا عبد الرحمن بن حَمد الدُّوني، قال: أنبأنا أبو نَصر أحمد بن الحسين الكسّار، قال: أخبرنا الحسين بن محمد ابن حبش، قال: أخبرنا موسى بن جرير الرقي، قال: حدثني عبد الملك بن عبد الحميد الميموني، قال: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: أي القراءات تختار لي فأقرأ بها؟ فقال: قراءَة أبي عمرو بن العلاء، لغة قريش والفُصحاء من الصحابة. وقال إسحاق بن حسان: كتبتُ إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل أشاوره في التزويج، فكتب إليّك تزوج ببكر واحرص أن لا يكون لها أم. وذكر أبو بكر عبد العزيز بن جعفر، أن أحمد بن حنبل قال لولديه: اكتبا مَنْ سَلّم علينا ممن حَج، فإذا قدم سَلمنا عليه. قال ابن عقيل: هذا محمول منه على صيانةِ العلم لا على الكِبر.

стр. 279

الباب الثالث وَالثلاثون في ذكر ما أنشده من الشعر أو نُسب إليه أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا أبو نُعَيم الحافظ، قال: حدثنا أبو علي عيسى بن محمد الجُرَيْجِي، قال: حدثنا أحمد بن يحيى ثعلب، قال: كنت أحب أن أرى أحمد بن حنبل، فصرتُ إليه، فلما دخلتُ عليه، قال لي: فيمَ تنظر؟ فقلت: في النحو والعربية، فأنشدني أحمد بن حنبل: إذا ما خلوتَ الدهَر يوماً فلا تَقل: خَلَوْتُ، ولكن قل: عَلَّي رقيبُ ولا تَحْسنَّ الله يَغفلُ ساعةً ولا أنَّ ما نُخفي عليه يَغيبُ لَهَوْنَا عن الأيامِ حتى تَتَابعتْ ذُنوبٌ على آثارِهنَّ ذُنوبٌ فياليتَ أنَّ الله يَغْفِر ما مَضى ويَأذنُ في تَوباتِنا فَنتوبُ أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم بن منصور الشيرازي، قال: سمعتُ صالح بن أحمد بن مكرم، قال: حدثنا أبو الحسين أحمد بن الوليد التميمي، قال: سمعتُ ثعلباً

стр. 280

يقول: دخلتُ على أحمد بن حنبل فرأيتُ رجلاً كأنَّ النار توقد بين عينيه، فسلمتُ عليه فردّ وقال: من الرجل؟ فقلت: ثَعلب، فقال: ما الذي تطلب من العلم؟ قلت: القَوافي والشعر- ووددت أني قلت له غير ذلك - فقال: اكتب، ثم أملى عليَّ: إذا ما خلوتَ الدهَر يوماً فلا تَقل: خَلَوْتُ، ولكن قل: عَلَّي رقيبُ ولا تَحْسنَّ الله يَغفلُ ساعةً ولا أنَّ ما نُخفي عليه يَغيبُ لَهَوْنَا عن الأيامِ حتى تَتَابعتْ ذُنوبٌ على آثارِهنَّ ذُنوبٌ فياليتَ أنَّ الله يَغْفِر ما مَضى ويَأذنُ في تَوباتِنا فَنتوبُ إذا ما مَضَى القَرْنُ الذي أنتم فيه وخُلِّقْتَ في قرنٍ فانت غريبُ وبلغني عن علي بن خَشْرَم أنه سمع أحمد بن حنبل يقول: تَفْنَى اللَّذَاذَةُ ممن نالَ صَفْوَتَهَا مِن الحرامِ، ويَبْقَى الإثمُ والعارُ تَبقى عَواقِبُ سوءٍ من مَغَبَّتِهَا لاَ خَيْرَ في لَذَّةٍ من بَعدِها النَّارُ أخبرنا ابن ناصر، قال: أنبأنا أبو علي الحسن بن أحمد، قال: أنشدنا أبو الحسن بن محمد بن الحب، قال: أنشدني أبو عبد الله الخَياط، قال: أنشدتُ لأحمد بن حنبل من قوله في علي بن المديني: يا ابْنَ المدينيِّ الذي عَرَضَتْ له دُنْيَا، فجادَ بدينهِ لينالَهَا مَاذَا دَعَاكَ إلى انتِحالِ مَقالة قَدْ كُنتَ تَزْعُمُ كافراً مَنْ قَالَهَا؟

стр. 281

أمْرٌ بَدَا رُشْدهُ فَتبعتَهُ أمْ زَهرةُ الدُّنيا أَردْتَ نَوالَهَا؟ ولقد عَهِدتُكَ مَرَّةً مُتَشدِّداً صَعْبَ المقالة للتي تُدْعَى لها إن المرزَّأ مَنْ يُصاب بدينِه لا مَنْ يُرزَّأ ناقَةً وفِصَالَهَا

стр. 282

البابُ الرابع وَالثلاثون في ذِكر مُكاتباته أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا علي بن محمد المُعَدَّل، قال: أخبرنا دَعْلَج قال: حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد بن الحسين، قال: سمعتُ أبا جعفر أحمد بن سَعيد الدارمي، يقول: كتب إليَّ أبو عبد الله أحمد بن حنبل: لأبي جعفر، أكرمه الله من أحمد ابن حنبل. أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أنبأنا أبو القاسم بن البُسري، عن أبي عبد الله بن بَطَّة، قال: أخبرنا أبو بكر الآجُري، قال: أخبرنا أبو نَصر بن كردي، قال: أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: كان أبو عبد الله يكتب عنوان الكِتاب: إلى أبي فُلان، وقال: هو أصوب من أن يكتب: لأبي فلان. أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا محمد بن أحمد الحافظ، قال: حدثنا القاسم بن محمد ابن محمود، قال: حدثنا أبو غياث الطالقاني، قال: سمعتُ سعيد بن يعقوب، يقول: كتبَ إليَّ أحمد بن حنبل: بسم الله الرحمن الرحيم، من أحمد ابن محمد، إلى سَعيد بن يَعقوب، أما بعد: فإنّ الدنيا داءٌ، والسلطان داءٌ، والعالم طَبيبٌ؛ فإذا رأيتَ الطبيبَ يَجُرُّ الداء إلى نفسه فاحذَره، والسلامُ عليك.

стр. 283

أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أخبرنا عمر بن عُبيد الله البقال، قال: أخبرنا أبو الحسين بن بِشْران، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق، قال: حدثنا حنبل، قال: كانت كتب أبي عبد الله أحمد بن حنبل التي يكتب بها: إلى فُلان من فلان، فسألته عن ذلك فقال: النبي ﷺ كتبَ إلى كِسرى وقَيصر، وكتب كلَّ ما كتب على ذلك، وأصحاب النبي ﷺ ، وعُمر ﵁ كتبَ إلى عُتبة بن فَرقَد، وهذا الذي يكتب اليوم لفلان مُحدث لا أعرفه، قلت: فالرجل يبدأ بنفسه؟ قال: أما الأب، فلا أحبُّ إلا أن نُقدمه باسمه، ولا يَبدأ ولد باسمه على والد، والكبير السن كَذلك نُوفره به، وغير ذلك فلا بأس. أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا محمد بن عبد الملك الأسدي، قال: أنبأنا عُبيد الله بن أحمد بن عثمان، قال: أخبرنا محمد بن أحمد. وأخبرنا المبارك بن أحمد الأنصاري، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد

стр. 284

السمرقَنْدِي، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أنبأنا محمد بن أحمد - وهو ابن رزق - قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن يوسف الهمداني، قال: سمعتُ أبا القاسم بن مَنيع يقول: أَردتُ الخروج إلى سُويد بن سَعيد، فقلتُ لأحمد بن حنبل: تَكتب لي إليه؟ فكتبَ: وهذا رجلُ يكتبُ الحديث. فقلتُ: يا أبا عبد الله، خِدمتي لكَ ولزومي، لو كتبتَ: هذا رجلٌ من أصحاب الحديث؟ فقال: صاحبُ الحديث عِندنا من يَستعمل الحديث.

стр. 285

البابُ الخامِس والثلاثون في ذكر صفته وهَيئته وسَمْته أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرني عبد الغفار بن محمد المؤدّب، قال: حدثنا عمر بن أحمد الواعظ، قال: سمعتُ أحمد بن العباس بن الوليد النحوي، يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ أحمد بن حنبل رَجلاً حسن الوجه؛ ربعةً من الرجال، يخضِب بالحناءِ خضاباً ليس بالقاني، في لحيته شَعرات سود، ورأيتُ ثيابه غِلاظاً إلا أنها بيض، ورأيته مُعتماًّ وعليه إزار. أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نُعَيْم أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا سليمان بن أحمد، قال: سمعتُ عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: خَضَب أبي رأسه ولحيته بالحِناءِ وهو ابن ثلاث وستين سنة. قال سليمان: وحدثنا أحمد بن محمد القاضي، قال: سمعتُ أبا داود السِّجستاني، يقول: لم يكن أحمد بن حنبل يَخوض في شيءٍ مما يَخوض فيه الناس من أمر الدنيا، فإذا ذُكر العلم تَكلّم. أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حَمْد،
следующие страницы →