Полный текст (708 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
أمْرٌ بَدَا رُشْدهُ فَتبعتَهُ أمْ زَهرةُ الدُّنيا أَردْتَ نَوالَهَا؟
ولقد عَهِدتُكَ مَرَّةً مُتَشدِّداً صَعْبَ المقالة للتي تُدْعَى لها
إن المرزَّأ مَنْ يُصاب بدينِه لا مَنْ يُرزَّأ ناقَةً وفِصَالَهَا
стр. 282
البابُ الرابع وَالثلاثون
في ذِكر مُكاتباته
أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا علي بن محمد المُعَدَّل، قال: أخبرنا دَعْلَج قال: حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد بن الحسين، قال: سمعتُ أبا جعفر أحمد بن سَعيد الدارمي، يقول: كتب إليَّ أبو عبد الله أحمد بن حنبل: لأبي جعفر، أكرمه الله من أحمد ابن حنبل.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أنبأنا أبو القاسم بن البُسري، عن أبي عبد الله بن بَطَّة، قال: أخبرنا أبو بكر الآجُري، قال: أخبرنا أبو نَصر بن كردي، قال: أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: كان أبو عبد الله يكتب عنوان الكِتاب: إلى أبي فُلان، وقال: هو أصوب من أن يكتب: لأبي فلان.
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا محمد بن أحمد الحافظ، قال: حدثنا القاسم بن محمد ابن محمود، قال: حدثنا أبو غياث الطالقاني، قال: سمعتُ سعيد بن يعقوب، يقول: كتبَ إليَّ أحمد بن حنبل: بسم الله الرحمن الرحيم، من أحمد ابن محمد، إلى سَعيد بن يَعقوب، أما بعد: فإنّ الدنيا داءٌ، والسلطان داءٌ، والعالم طَبيبٌ؛ فإذا رأيتَ الطبيبَ يَجُرُّ الداء إلى نفسه فاحذَره، والسلامُ عليك.
стр. 283
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أخبرنا عمر بن عُبيد الله البقال، قال: أخبرنا أبو الحسين بن بِشْران، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق، قال: حدثنا حنبل، قال: كانت كتب أبي عبد الله أحمد بن حنبل التي يكتب بها: إلى فُلان من فلان، فسألته عن ذلك فقال: النبي ﷺ كتبَ إلى كِسرى وقَيصر، وكتب كلَّ ما كتب على ذلك، وأصحاب النبي ﷺ ، وعُمر ﵁ كتبَ إلى عُتبة بن فَرقَد، وهذا الذي يكتب اليوم لفلان مُحدث لا أعرفه، قلت: فالرجل يبدأ بنفسه؟ قال: أما الأب، فلا أحبُّ إلا أن نُقدمه باسمه، ولا يَبدأ ولد باسمه على والد، والكبير السن كَذلك نُوفره به، وغير ذلك فلا بأس.
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا محمد بن عبد الملك الأسدي، قال: أنبأنا عُبيد الله بن أحمد بن عثمان، قال: أخبرنا محمد بن أحمد.
وأخبرنا المبارك بن أحمد الأنصاري، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد
стр. 284
السمرقَنْدِي، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أنبأنا محمد بن أحمد - وهو ابن رزق - قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن يوسف الهمداني، قال: سمعتُ أبا القاسم بن مَنيع يقول: أَردتُ الخروج إلى سُويد بن سَعيد، فقلتُ لأحمد بن حنبل: تَكتب لي إليه؟ فكتبَ: وهذا رجلُ يكتبُ الحديث. فقلتُ: يا أبا عبد الله، خِدمتي لكَ ولزومي، لو كتبتَ: هذا رجلٌ من أصحاب الحديث؟ فقال: صاحبُ الحديث عِندنا من يَستعمل الحديث.
стр. 285
البابُ الخامِس والثلاثون
في ذكر صفته وهَيئته وسَمْته
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرني عبد الغفار بن محمد المؤدّب، قال: حدثنا عمر بن أحمد الواعظ، قال: سمعتُ أحمد بن العباس بن الوليد النحوي، يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ أحمد بن حنبل رَجلاً حسن الوجه؛ ربعةً من الرجال، يخضِب بالحناءِ خضاباً ليس بالقاني، في لحيته شَعرات سود، ورأيتُ ثيابه غِلاظاً إلا أنها بيض، ورأيته مُعتماًّ وعليه إزار.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نُعَيْم أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا سليمان بن أحمد، قال: سمعتُ عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: خَضَب أبي رأسه ولحيته بالحِناءِ وهو ابن ثلاث وستين سنة.
قال سليمان: وحدثنا أحمد بن محمد القاضي، قال: سمعتُ أبا داود السِّجستاني، يقول: لم يكن أحمد بن حنبل يَخوض في شيءٍ مما يَخوض فيه الناس من أمر الدنيا، فإذا ذُكر العلم تَكلّم.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حَمْد،
стр. 286
قال: أخبرنا أبو نُعَيْم، قال: حدثنا أبو بكر بن مالك، قال: حدثنا أبو جعفر بن ذَرِيح العُكْبَري، قال: رأيتُ أحمد بن حنبل وكان شيخاً مخضوباً طُوالاً أسمر شديد السُّمرة.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبانا إبراهيم بن عمر، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: أخبرنا أحمد بن محمد الخلال، قال: أخبرنا أبو بكر المَرُّوذي، قال: رأيت أبا عبد الله إذا كان في البيت كان عامة جلوسه متربعاً خاشعاً، فإذا كان بَرّا لم يكن يتبين منه شدة خشوع كما كان داخلاً، وكنت أدخل عليه والجزءُ في يده يقرأ، فإذا قعدت، أطبقه ووضعه بين يديه.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا علي بن عُمر القزويني، قال: أخبرنا أبو عُمر بن حَيّويه، قال: حدثنا أبو الفضل جَعفر بن محمد الصَّندلي، قال: حدثنا خطاب بن بشر، قال: كنتُ قاعداً في مسجد أبي عبد الله مع أبي بكر المَرُّوذِي نتذاكر، فسمع أبو بكر صوتَ الباب قد فُتح، فوثب فإذا أبو عبد الله قد فَتح الباب وأخرج رأسه، فقال لأبي بكر: أنظر حسناً إلى أين دخل؟ - بُني له صغير - فقلت في نفسي: أقلق الشيخ حتى أزعجه، وذلك نصف النهار في الصيف، فدخل أبو بكر في بعض دور الحاكة، فأخرجه، وأخبره بمكاني فقال لي: ادخل، فدخلت إلى الدّهليز، وهو جالس على التراب وخضابه قد نصل، وأصول الشعر تبين بياضه، وعليه إزار كرأبيس صَغير وسخ، وقميص غليظ قد أصاب عاتقه التراب، والعرق قد بان على مُستدير عاتقه، فسألته عن الوَرع والاكتساب، فرأيته قد أظهر الاغتمام وبانَ عليه في وجهه حينَ سألته عن ذلك، إزراء على نفسه،
стр. 287
واغتماماً بأمره، حتى شق عليَّ، فقلت لرجل كان معي حين خرجنا: ما أراه ينتفع بنفسه أياماً.
أنبأنا يحيى بن الحسن بن البنّا، قال: أنبأنا أبو يعلي محمد بن الحسين، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد الحِنّائي، قال: أخبرنا أبو محمد الطرسوسي، قال: حدثنا أبو العباس البَردعي، قال: سمعتُ الحسن بن إسماعيل، يقول: سمعتُ أبي يقول: كان يجتمع في مجلس أحمد زُهاء خمسة آلاف أو يزيدون، أقل من خمس مئة يكتبون، والباقون يتعلمون منه حُسن الأدب وحُسن السَّمْت.
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار، وأبو طالب بن يوسف، قالا: أخبرنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكي، قال: أخبرنا أبو عبد الله بن بَطَّة، قال: سمعتُ أبا بكر أحمد بن سليمنا النجّاد، يقول: سَمعت أبا بكر بن المطَّوعي، يقول: اختلفتُ إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل، ثِنتي عَشرة سنة وهو يَقرأ "المسند" على أولاده، ما كتبتُ منه حديثاً واحداً؛ إنما كنتُ أنظر إلى هَديه؛ وأخلاقِه، وآدابه.
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا أبو علي بن أبي بكر المروذي، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن الحسن بن علي البخاري، قال: سمعتُ محمد بن إبراهيم البُوشَنْجِي، يقول: ما رأيتُ أحمد بن حنبل جالساً إلا القُرْفُصاء إلا أن يكون في الصلاة، وهذه الجِلْسَة التي تحَكيها قَيْلَةُ في
стр. 288
حديثها: إني رأيت رسولَ الله ﷺ جالساً جِلْسة المُتَخشِّع القُرْفُصاء. فكانَ أحمد يتيمم في جلوسه هذه الجِلْسة وهي أولى الجِلسات بالخُشوع، والقرفصاء أن يجلس الرجل على أليَتيه رافعاً رُكبتيه إلى صَدره مُفْضياً بأخْمَص قدميه إلى الأرض - وربما احْتَبى بيده - ولا جِلسة أخشع منها.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد بن يوسف، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد الخلال، قال: حدثنا أبو سليمان الكَلْوَاذي، قال: حدثنا محمد بن يونس الحمّال، قال: حدثنا حُميد بن عبد الرحمن الرُّوَّاسِي، قال: كان يقال: لم يكن من أصحابِ رسول الله ﷺ أشبه هَدْياً، ولا سمتاً ودَلاَّ من عبد الله بن مسعود، وكان أشبه الناس بعبد الله ابن مسعود عَلقمة بن قيس، وكان أشبه الناس بعلقمة إبراهيم النَّخَعِي، وكان أشبه الناس بإبراهيم النخعي منصور بن المعتمر، وكان أشبه الناس بمنصور بن
стр. 289
المعتمر سفيان الثوري، وكان أشبه الناس بسفيان الثوري وَكيع بن الجَرّاح. قال محمد بن يونس: وكان أشبه الناس بوكيع بن الجراح أحمد بن حنبل.
قال الخلاّل: وحدثنا محمد بن يحيى بن خالد، قال: حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي، قال: سمعتُ الحسن بن الربيع يقول: ما شَبَّهت أحمد بن حنبل غلا بابن المبارك في سمَته وهَديه.
стр. 290
الباب السَّادس والثلاثون
في ذكر هَيبته
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكي، قال: حدثنا علي بن مَرْدَك، قال: حدثنا أبو محمد بن أبي حاتم، قال: سمعتُ محمد بن مُسلم، يقول: كنا نهاب أن نُرادَّ أحمد بن حنبل في الشيءِ أو نُحاجَه في شيءٍ من الأشياءِ. يعني لجلالته ولهيبةِ الإسلام الذي رُزقه.
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا أبو إسحاق البَرْمَكي، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد الخَلال، قال: أخبرني محمد بن الحُسين، قال: حدثنا أبو بكر المرُّوذي، قال: قال الحسن بن أحمد - والي الجسر، وكان في جوارنا -: دخلتُ على إسحاق بن إبراهيم وفُلان وفلانَ - ذَكر السلاطين - ما رأيتُ أهيبَ من أحمد بن حنبل، صرت إليه أكلمه في شيءٍ فوقعت عَلَّي الرّعدة حينَ رأيته من هيبته.
قال المروذي: ولقد طَرقه الكَلْبي صاحب خبر السِّرْ ليلاً فمن هَيبته لم يَقرعوا عليه بابه وَدقّوا عَمه. قال أبو عبد الله: سمعتُ الدقَّ فخرجتُ إليهم.
قال الخلال: وأخبرني محمد بن موسى، قال: قال جعفر الوراق: قال لي عبدوس: رآني أبو عبد الله يوماً وأنا أضحك، فأنا أستحييه إلى اليوم.
стр. 291
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن علي الخياط، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن الخضر، قال: حدثنا أبو جعفر أحمد بن يعقوب الأصفهاني، قال: حدثنا أبو مُزَاحِم موسى بن يَحيى بن عُبيد الله بن خاقان، قال: حدثني ابن مكرم الصّفّار، قال: سمعتُ أبا عُبيد القاسم بن سَلام يقول: جالستُ أبا يوسف، ومُحمد بن الحسن، ويَحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مَهدي، فما هبتُ أحداً منهم ما هبتُ أحمد بن حنبل، ولقد دخلتُ عليه في السجن لأسلّم عليه، فسألني رجل عن مَسألة، فلم اجبه هيبةً له. قال ابن مكرم: فحدثتُ بهذا الحديث يَعقوب بن شيبة، فقال لي: لعله فَرِقَ أن يغلطَ بحضرته.
стр. 292
الباب السّابع وَالثلاثون
في ذكر نظافته وطهارته
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن عُمر، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز بن مَرْدَك، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: ذكر عبد الله بن أبي عمر البكري، قال: سمعتُ عبد الملك بن عَبد الحميد الميموني قال: ما أعلم أني رأيتُ أحداً أنظفَ ثوباً ولا أشدَّ تَعاهداً لنفسه في شاربه وشَعر رأسه وشَعر بدنه، ولا أنفي ثَوباً وشِدةَ بياضِ، من أحمد بن حنبل.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا البَرْمَكي، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا أحمد بن محمد الخَلال، قال: أخبرني محمد بن الجُنيد، أن أبا بكر المرُّوذي حدثهم، قال: كان أبو عبد الله لا يدخل الحمام، وكان إذا احتاج إلى النّورة تَنوَّر في البيت، وأصلحتُ له غيرَ مرةٍ النّورة، واشتريتُ له جلداً ليده، فكان يُدخل يده فيه ويُنوِّر نَفسه.
قال الخلال: وأخبرني محمد بن أحمد الصايغ، قال: سمعتُ أبا العباس يقول: ضربت لأبي عبد الله نورةً ونَوَّرته، فلما بلغ عانته وليها هو.
الباب الثامن والثلاثون
في ذكر سُهولة اخلاقه وحُسن معاشرته
стр. 293
الباب الثامن والثلاثون
في ذكر سُهولة اخلاقه وحُسن معاشرته
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا أبو يعقوب الحافظ، قال: أخبرنا أبو علي بن أبي بكر المروذي، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن الحسن بن علي البخاري، قال: سمعتُ محمد بن إبراهيم البُوشَنْجِي، قال: ما رأيتُ أحداً في عصر أحمد ممن رأيت أجمع منه ديانةً وصيانةً وملكاً لنفسه، وطلقاً لها، وفقهاً وعلماً، وأدب نفس، وكَرم خُلق، وثبات قلب، وكرم مجالسة، وأبعد من التَّماوت.
أخبرنا إسماعيل بن أحمدن ومحمد بن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد الحَداد، قال: أخبرنا أبو نُعَيْم أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا أبو بكر ابن مالك، قال: حدثنا محمد بن يونس الكُدَيْمي. وأخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا أحمد بن الحسن أبو الأشعث، قال: حدثنا القاسم بن نَصر بن حسان، قال: حدثنا أبو داود سليمان بن يزيد الفامي، قال: حدثنا محمد بن موسى البصري، قال: حدثنا علي بن المَدِيني، قال: قال لي أحمد بن حنبل. إني لأحب أن أصحبك إلى مكة، وما يمنعني من ذاك إلا أني أخاف أن أمَلَّك أو تَملَّني. قال: فلما وَدّعته قلت له: يا أبا عبد الله، توصيني بشيءٍ؟ قال: نعمن الْزِمِ التقوى قلبكَن وانصب الآخرة أمامك.
стр. 294
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أخبرنا عمر بن عُبيد الله البقال، قال: أخبرنا أبو الحسين بن بِشران، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد، قال: حدثنا حنبل قال: رأيتُ أبا بن حنبل إذا أراد القيام، قال لجلسائه: إذا شئتم.
أخبرنا محمد بن عبد الباقي، قال: أنبأنا محمد بن أبي نصر، قال: أخبرنا أبو علي إسماعيل بن أحمد البيهقي، قال: حدثني أبي، قال: سمعت محمد بن العباس الشهيد، يقول: سمعتُ الحسن بن علي الأصبهاني يقول: سمعتُ أبا داود السِّجِسْتاني، يقول: كانت مُجالسة أحمد بن حنبل مجالسة أحمد بن حنبل مجالسة الآخرة، لا يُذكر فيها شيءٌ من أمر الدنيا، ما رأيتُ أحمد بن حنبل يَذكر الدنيا قط.
بلغني عن أبي الحُسين بن المنادي، قال: سمعتُ جدي يقول: كان أحمد من أحيا الناس، وأكرمِهم نَفساً وأحسنِهم منه إلا المذاكرة بالحديث، وذِكر الصالحين والزُّهاد في وَقار وسكون ولفظٍ حسن؛ وإذا لقيه إنسان بَشَّ به وأقبل عليه، وكانَ يتواضع للشيوخ تَواضعاً شديداً، وكانوا يُكرمونه ويعظمونه، وكان يفعل بيَحيى بن مَعين ما لم أره يفعل بغيره من التواضع والتبجيل، وكان يَحيى أكبر منه بنحو من سبع سنين.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أنبأنا الحسن بن أحمد، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد المقرئ، قال: أخبرنا الخُطَبِي، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: كان أبي إذا دخل من المسجد إلى البيت، يضرب برجله قبل أن يدخل الدار، حتى يُسمع ضرب نعله لدخوله إلى الدار، وربما تَنحنح ليَعلم من في الدار بدُخوله.
стр. 295
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا أحمد بن محمد الخَلال، قال: حدثنا محمد بن علي، قال: حدثني مُهَناً، قال: رأيتُ أبا عبد الله غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع ولا خمس؛ رأيتُه كثيراً يُقَبل وجهُه ورأسُه وخَدُّه ولا يقول شيئاً، ولا يمتنع من ذلك، ورأيتُ سليمان بن داود الهاشِمي يُقبل جَبهته ورأسَه؛ ورأيته لا يمتنع من ذلك ولا يكرهه، ورأيتُ يعقوب بن إبراهيم بن سَعد يُقبل جَبهته ووَجهه.
قال الخَلاّل: وقلتُ لزُهير بن صالح بن أحمد: هل رأيتَ جدك؟ قال: نعم؛ وكنا لي نحواً من ثمان سنين؛ وماتَ وقد دخلتُ في عشر سنين. فقلتُ له: تَذكر من أخلاقه شيئاً؟ قال كُنا ندخل إليه في كل يوم جُمعة أنا وإخواني، وكان بيننا وبينه بابٌ مفتوح، فكان يكتبُ لكل واحد مِنَّا حَبَّتين حَبَّتين من فِضة في رُقعة إلى فَامِيّ يعامله، فنأخذ منه الحبتين وَنأخذ للأخوات، وكان ربما مررتُ به وهو قاعدٌ في الشمس وظهره مكشوف وأثر الضرب بَيِّنٌ في ظهره، وكان لي أخٌ أصغر مني اسمه عليّ ويُكنى أبا حَفص، فأراد أبي أن يختِنَه، فاتَّخذ له طعاماً كثيراً ودعا قوماً، فلما أراد أن يختنِه وجَّه إلى جدي فدعاه؛ قال أبي: قال لي: بلغني ما قد أحدثته لهذا الأمر، وقد بلغني أنك قد أسرفتَن فابدأ قال لي: بلغني ما قد أحدثته لهذا الأمر، وقد بلغني أنك قد أسرفتَ، فابدأ بالفقراءِ والضعفاءِ فأطعمهم؛ فلما أن كان من العدِ وحضَر الحجام وحضر أهلنا، دخل أبي على جدي فأعمله أن الحجام قد جاء، فجاء جدي معه حتى جلس في الموضع الذي فيه الصبين وخُتِن وهو جالس فأخرج صُرَيَرةً فدَفعها إلى
стр. 296
الحَجّام، وصُرَيْرَة إلى الصبي، وقام فدخل منزله، فنظر الحجامُ إلى الصريرة فإذا فيها درهم واحد، ونظرنا إلى صُرة الصبي فإذا فيها درهم، وكنا قد رفعنا كثيراً مما قد افتُرِش، وكان الصبي على منصة مرتَفعة على شيءٍ من الثياب المُصبَّغة، فلم يُنكر من ذلك شيئاً، قال: فقدم علينا من خُراسان ابنُ خالةِ جدّي، فنزل على أبي، وكانَ يُكنى بأبي أحمد، فلما كان يوم من الأيام وقد صلينا المغرب، قال لي أبي: خُذ بيد أبي أحمد فامضِ به إلى جدك، فدخلتُ على جدي وهو قائم يُصلي بعد المغرب فجلستن فلما فرغ من ركوعه قال لي: جاءَ أبو أحمد؟ قلت: نعم. قال: قل له يَدخل. فقمت إلى أبي أحمد فدخل معي فجلس، فصاح بامرأةٍ كانت تَخدمه مُسِنَّة من سَكَانه؛ فجاءَت بطبق خِلافٍ وعليه خُبز وبَقلٌ وخَلّ ومِلح، ثم جاءَت بغَضَارة من هذه الغِلاظ فوضعتها بين أيدينا، وإذا فيها مَصليَّة فيها لَحم وسِلقٌ كثير، فجعلنا نأكل وهو يأكل معنا، ويسأل أبا أحمد عَمّن بقي من أهلهم بخُراسان في خلال ما يأكل، وكان ربما استَعجم الشيء على أبي أحمد بالعَربية فيكلّمه جدي بالفارسية، وكان في خلال ذلك - ونحن نأكل - يضع القِطعة اللحم بين يدي أبي أحمد وبين يَدي، ثم رَفَع الغَضارة بيده فوضعها ناحية، ثم أخذ طبقاً إلى جنبه فوضعه بين أيدينا على الطبق، فإذا فيه تَمر بَرْني وجَوز مُكسَّر؛ وجعل يأكل ونأكل، وفي خلال ذلك يُناول أبا أحمد؛ ثم غَسلنا أَيدينا كلُّ واحد منا يغسل يَده لنفسه.
قال الخلال: وحدثني محمد بن موسى، قال: حدثنا إبراهيم - يَعني الزُّهري- قال: حدثني عبدوس العَطار، قال: وجهتُ بابني مع الجارية يُسلم
стр. 297
علي أبي عبد الله، فرحَّب به وأجلسه في حجره وساءَله، وأرسل فاتخذ له خَبيصاً فجاءَ به فوضعه بين يديه وجعل يبسطه، وقال للجارية: كُلي معه. ثم قام إلى بعض الفامِيِّين فجاءَ وفي ثوبه لوز وسكر، وأخرج منديلاً فشدّه فيه، ثم دَفعه إلى الخادم، وقال للصبي: اقرأ على أبي مُحمد السلام.
قال الخلال: وأخبرنا أبو بكر المَرُّوذي، قال: رأيتُ أبا عبد الله قد ألقى لخَتَّانٍ درهمين في الطَّسْت.
قال الخلال: وأخبرني عبد الملك الميموني، قال: كثيراً ما كنت أسأل أبا عبد الله عن الشيءِ فيقول: لبيك.
قال الخلال: وأخبرني محمد بن الحسين، أن أبا بكر المرُّوذي حدثهم قال: كان أبو عبد الله لا يجهل، وإن جُهِل عليه احتمل وحَلم، ويقول: يكفي الله. ولم يكن بالحَقود ولا العَجول، ولقد وقع بين عمه وجيرانه مُنازعة؛ فكانوا يَجيئون إلى أبي عبد الله، فلا يُظهر لهم ميله مع عمه، ولا يَغضب لعمه، ويتلقاهم بما يعرفون من الكَرامة، وكان كثير التواضع يُحب الفقراء، لم أر الفقير في مجلس أعزّ منه في مجلسه، مائلاً إليهم مُقصراً عن أهل الدنيا، تعلوه السكينة والوقار، إذا جلس في مجلسه بعد العصر للفتيا لا يتكلّم حتى يُسأَل، وإذا خرج إلى مسجده لم يتصدّر يقعد حيث انتهى به المجلس، وكان لا يمد قدمه في المجلس ويُكرم جليسه؛ وكان حسن الخلق دائم البشر ليّن الجانب ليس بفظ ولا غليظ؛ وكان يُحب في الله ويُبغض في الله، وكان إذا أحب رجلاً أحب له ما يحب لنفسه، وكره له ما يكره لنفسه، ولم يمنعه حبه إياه أن يأخذ على يديه ويكفه عن ظُلم أو إثم أو مكروه إن كان منه، وكان إذا بلغه عن رجل صلاحٌ أو زهد أو قيامٌ بحق
стр. 298
أو اتباع للأمر سأل عنه وأحبَّ أن يجري بينه وبينه معرفة، وأحب أن يعرف أحواله، وكان رَجلاً فطِناً إذا كان شيء لا يرضاه اضطرب لذلك، يغضب لله ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها؛ فإذا كان في أمر من الدين اشتد له غضبه حتى كأنه ليس هو، لا تأخذه في الله لومة لائم، وكان حَسن الجوار يُؤذي فَيصبر ويحتمل الأذى من الجار؛ ولقد أخبرني بعض جيرانه، ممن بينه وبينه حائط قال: كان لي برج فيه حَمام، وكان يُشرف على أبي عبد الله، فكنت أصعد وأنا غُلام أشرف عليه، فمكث على ذلك صابراً لا ينهاني، فبينا أنا يوماً إذ صعد عمي فنظر إلى البُرج مُشرفاً على أبي عبد الله فقال: وَيحك، أما تَستحي تؤذي أبا عبد الله؟! قلت له: فإنه لم يَقل لي شيئاً. قال: فلستُ أبرحُ حتى تهب لي هذه الطيور، فما بَرح حتى وهبتُها له فذبَحها وهَدم البُرج.
قال الخلال: وحدثنا إبراهيم بن جعفر بن جابر، قال: حدثنا محمد بن الحسن بن الجُنيد، عن هارون بن سُفيان المُسْتملي، قال: جئتُ إلى أحمد بن حنبل حين أراد أن يُفرق الدراهم التي جاءَته من المتوكِّل، قال: فأعطاني مئتي درهم؛ فقلت: لا تكفيني، قال: ليس هاهنا شيء غيرها، ولكني أعمل بك شيئاً، أعطيك ثلاثمئة درهم تُفرقها، قال: فلما أخذتُها قلت: يا أبا عبد الله، ليسَ والله اعطي أحداً منها شيئاً، فتبسم.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: حدثني الحسن بن أبي طالبن قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن المطلب، قال: حدثنا الحسن بن محمد بن سعيد، قال: حدثني محمد بن إبراهيم الأنماطي، قال: كنتُ عند أحمد بن حنبل وبين يَديه مِحبرة، فذكر أبو
стр. 299
عبد الله حَديثاً، فاستأذنته في أن أكتب من مِحبرته، فقال لي: اكتُب يا هذا، فهذا وَرع مُظلم.
أنبأنا أبو القاسم الحريري، قال: أنبأنا أبو طالب العُشَارِي قال: سمعت أبا الحسين بن الجندي، يقول: سمعت علوان بن الحسين، يقول: سمعتُ عبد الله ابن أحمد بن حنبل، يقول: سُئل أبي: لمَ لا تصحب الناس؟ قال: لوَحشة الفِراق.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا إبراهيم ابن عمر، قال: أخبرنا أبو عبد الله بن حَمدان، قال: أخبرنا محمد بن أيوب، قال: حدثنا إبراهيم الحَربي قال: كان أحمد يأتي العُرسَ والإملاك والخِتان، يُجيب ويَأكل.
قال إبراهيم: وسمعت أحمد بن حنبل، يقول لأحمد بن جَعفر الوكيعي: يا أبا عبد الرحمن، إني لأحبك؛ حدثنا يحيى، عن ثَوْر، عن خبيب بن عبيد، عن المقدام، قال: قال النبي ﷺ :"إذا أحبَّ أحدُكم أخاهُ فَلْيُعلِمْه".
أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي، قال: أخبرني عبد الغفار بن محمد بن جعفر المؤدّب، قال: حدثنا عمر بن أحمد الواعظ، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن الفضل أبو العباس المؤذن،
стр. 300
قال: سمعت هارون بن عبد الله الحمال يقول: جاءَني أحمد بن حنبل بالليل، فدقَّ الباب عليَّ، فقلتُ: من هذا؟ فقال: أنا أحمد، فبادرت إليه فمسّاني ومسَّيته، قلت: حاجةً يا أبا عبد الله؟ قال: نعم، شَغلتَ اليومَ قلبي، قلت: بماذا يا أبا عبد الله؟ قال: جزتُ عليك اليوم وأنت قاعدٌ تُحدث الناس في الفيء والناس في الشمس بأيديهم الأقلام والدفاتر، لا تفعل مَرة أخرى، إذا قَعدت فاقعد مع الناس.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو الفتح عبد الكريم بن محمد المحاملي، وأبو الحُسين بن محمد بن أحمد الآبنُوسي، قالا: أخبرنا أبو الحسن الدَّارقُطْنِي قال: حدثنا دَعْلَج بن أحمد، قال: حدثنا عبد الله بن علي بن الجارود، قال: حدثني أبو عامر النسائي، قال: سمعتُ محمد بن داود المِصيِّصي، يقول: كنا عند أحمد بن حنبل وهم يذكرون الحديث، فذكر محمد بن يحيى النَّيسابوري حديثاً فيه ضعف، فقال له أحمد ابن حنبل: لا تذكر مثل هذا الحديث. فكأن محمد بن يحيى دخَله خَجْلَة، فقال له أحمد: إنما قلتُ هذا إجلالاً لك يا أبا عبد الله.
أنبأنا المبارك بن الحسن الشَّهْرُزُوري، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن علي ابن محمد الخياط عن أبي الحسين أحمد بن عبد الله بن الخضر قال: حدث
стр. 301
أبو طالب علي بن محمد بن أحمد بن الجهم الكاتب قال: حدثني أحمد بن هارون الدقاق، قال: حدثني أحمد بن الحكم قال: وافى أحمد بن حنبل الكوفة لطلب الحديث، فلَزمَ وكيع بن الجراح وسمع منه سماعاً كثيراً.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد بن يوسف، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر، قال: أنبأنا ابن بطة، قال: حدثنا جعفر بن محمد القَافْلانِي، قال: حخدثنا إسحاق بن هانئ قال: كنا عند أبي عبد الله أحمد بن حنبل في منزله ومعنا المرُّوذي، ومُهنَّأ بن يَحيى الشامي، فدق داقُّ الباب وقال: المرُّوذي هاهنا؟ وكان المرُّوذي كره أن يعلم موضعه؛ فوضع مُهَنَّأ بن يحيى أصبعه في راحته وقال: ليس المرُّوذي هاهنا، وما يَصنع المرُّوذي هاهنا؟ فضحك أحمد ولم يُنكر ذلك.
стр. 302
الباب التاسِع والثلاثون
في ذكر حِلمه وعَفوه
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: حدثنا محمد بن أحمد الجارودي، قال: حدثنا الحسين بن علي بن جعفر، قال: حدثني أبين قال: حدثنا أبو علي الحسين بن عبد الله الخِرَقي، قال: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: أحللتُ المعتصم من ضَربي.
أخبرنا عبد الملك، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: أخبرنا أبو يعقوب، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله اللآل، قال: أخبرنا محمد ابن إبراهيم الصرّام، قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق، أن المتوكل أخذ العَلوي الذي سَعى بأبي عبد الله إلى السلطان، وأرسله إلى أبي عبد الله ليقول فيه مَقالةً للسلطان، فعفا عنه، وقال: لعله يكون له صبيان يُحزِنهم قَتلُه، هذا معنى الحكاية.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا الحسين بن محمد، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن زياد، قال: حدثنا ابن هانئ، قال: كنتُ عند أحمد بن حنبل، فقال له رجل: يا أبا عبد الله، قد اعتبتُك فاجعلني في حِل،
стр. 303
قال: أنتَ في حل إن لم تَعُد. فقلتُ له: تَجعله في حل وقد اغتابك؟ قال: الم ترني اشترطتُ عليه؟!
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: أخبرنا أحمد بن محمد الخَلال، قال: حدثنا عِصْمة بن عِصام، قال: حدثنا حنبل، قال: صليتُ بأبي عبد الله العَصر، فصلى معنا رجل يُقال له: محمد بن سَعيد الخُتَّلي؛ فقال أبو عبد الله: يا أبا عبد الله، نهيتَ عن زيد بن خلف أن يُكلَّم؟ فقال أبو عبد الله: كتب إليّ أهلُ الثغر يَسألوني عن أمره، فأخبرتُهم بمذهبه وبما أحدث، وأمرتهم أن لا يُجالسوه؛ فاندفع الخُتَّلى على أبي عبد الله فقال: والله لأرُدَنَّك إلى مَحبسك؛ ولأَدُقَّنَّ أضلاعَك ضِلعاً ضِلعاً - في كلامٍ كثير - فقال لي أبو عبد الله: لا تكلمه ولا تُجبه بشيءٍ، فما ردَّ عليه أحدٌ منا كلمة، فأخذ أبو عبد الله نَعليه وقام، فدخل، وقال: مر السكان أن لا يكلّموه ولا يردوا عليه شيئاً، فما زال يصيح، ثم خَرج فصار على حِسْبَة العسكر وماتَ بالعسكر.
قال الخلال: وحدثني محمد بن الحُسين، قال: حدثنا أبو بكر المرُّوذي، قال: سمعتُ أبا بكر بن حَماد المقرئ، قال: حدثني أبو ثابت الخَطاب، قال: حدثني بلال الآجري، قال: صحبت أبا عبد الله ونَحن راجعون من الجامع، فذكرتُ أبا حنيفة، فقال بيده: هكذا، ونفضها؛ فقلت: كان بول أبي حنيفة أكثر من ملء الأرض مثلك؛ فنظر إليّ ثم قال: سلامٌ عليكم، فلما كان في السحر بكَّرتُ إليه فقلتُ: يا أبا عبد الله، إن الذي كان مني كان علي
стр. 304
غير تعمّد، فأنا أحب أن تجعلني في حل. فقال: ما زالت قدماي من مكانهما حتى جعلتك في حل.
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد بن يوسف، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكي، قال: أخبرنا أبو عبد الله بن بَطَّة، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن أيوب العُكْبَرِي، قال: سمعتُ إبراهيم الحربي يقول: كان أحمد بن حنبل كأنه رجل قد وفِّق للأدب، وسُدِّد بالحلم، ومُلِيءَ بالعلم، أتاه رجل يوماً فقال له: عندك كتاب زندقة، فسكت ساعة ثم قال له: إنما يحرز المؤمن قبره.
وقال له رجل: يقولون: إنك لم تسمع من إبراهيم بن سعد، فسكت.
قال إبراهيم: وكنا يَوماً عند داود بن عمر، فقال له داود: يا أبا عبد الله كيف أكلُكَ؟ كيف نومُكَ؟ كيف جِماعُك؟ فقال له أحمد: ليسَ أنا بحَصورٍ ولا روحاني، ولم يزده على هذا.
стр. 305
الباب الأربعون
في ذكر ماله ومَعاشه
كان أحمد ﵁ قد خَلَّف له أبوه طُرُزاً وداراً يسكنها، وكان يَكْري تلك الطرز ويتعفف بكِرائها عن الناس.
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري، قال: أخبرنا محمد بن العباس، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن المنادى، قال: حدثني جدي محمد بن عُبيد الله، قال: قال لي أحمد بن حنبل: أنا أَذْرَعُ هذه الدار التي أسكنها وأخرج الزكاة عنها في كل سنة، أذهب في ذلك إلى قول عمر بن الخطاب في أرض السَّواد.
قال أحمد بن جعفر: وسأل رجل أحمد بن حنبل عن العَقار الذي كان يستغله ويسكن في دار فيه كيف سبيله عنده؟ فقال له: هذا شيء قد وَرثته عن
стр. 306
أبي، فإن جاءَني أحد، فصحح أنه له، خرجتُ عنه ودفعته إليه.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد بن يوسف، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن علي الخياط، قال: أخبرنا محمد بن أبي الفوارس، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن سَلْم، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الخالق، قال: حدثنا أبو بكر المرُّوذي، قال: سمعتُ أبا عبد الله يقول: هذه الغَلّة ما تكون قوتنا، وإنما أذهب فيه إلى أن لنا فيه شيئاً. فقلت له: إن رجلاً قال: لوترك أبو عبد الله الغَلّة، وكان يبضع له صديق له، كان أعجب إليَّ، فقال أبو عبد الله: هذه طُعمة سوء. أو قال: رديئة، من تعوّد هذا لم يصبر عنه، ثم قال: هذا أعجب إليّ من غيره - يعني الغَلّة - ثم قال لي: أنت تعلم أن هذه الغَلة لا تُقيمنا، وإنما آخذها على الاضطرار.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا أبو إسحاق البَرْمَكي، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا الخلال، قال: حدثنا محمد بن ياسين البلدي، قال: كنت جالساً مع أبي عبد الله فجاءَه بعض سُكانه بِدرهم ونصف، فلما وَقع في يده تركني وقام فدخل إلى منزله؛ ورأيتُ السرور في وجهه، فظننتُ أنه كان قد أعده لحاجة مهمة.
فصل
وكان أحمد ربما احتاج فخرج إلى اللِّقاط
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال:
стр. 307
أنبأنا إبراهيم بن عمر، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا أحمد بن محمد الخَلاّل، قال: أخبرني محمد بن الحسين، أن أبا بكر المرُّوذي حدثهم، قال: حدثني أبو جعفر الطَّرسُوسي، قال: حدثني الذي نزل عليه أبو عبد الله، قال: لما نزل عليَّ خرج في اللِّقاط، فجاءَ وقد لقط شيئاً يسيراً، فقلت له: قد أكلتَ أكثر مما قد لقطتَ! فقال: رأيتُ أمراً استحييتُ منه، رأيتهم يلقطون فيقوم الرجل على أربع، وكنت أزحف إذا لقطت.
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن علي الخياط، قال: أخبرنا محمد بن أبي الفوارس، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن سَلْم، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الخالق، قال: أخبرنا أبو بكر المرّوذي، قال: قال لي أبو عبد الله: خرجتُ إلى الثَّغر على قَدمي فالتقطنا، وقد رأيتُ قوماً يُفسدون مزارع الناس، لا ينبغي لأحد أن يدخل مَزرعة رجل إلا بإذنه.
وقال لي أبو عبد الله: قد خرجتُ إلى طَرسوس على قَدمي وقد كنا نخرج في اللِّقاط.
فصل
وكان أحمد ربما احتاج فنسخ بأجرة.
وأعوزته النفقة في سفره فأكرى نفسه من الجمّالين وسيأتي هذا مشروحاً في الباب الذي يلي هذا إن شاء الله تعالى.
стр. 308
الباب الحادي والأربعون
في ذكر تَعففه عن أموال الناس وظَلْفِ
نفسه عنها وقَطع طمعه منها
أخبرنا إسماعيل بن أحمد السَّمرْقَنْدي، ومحمد بن أبي القاسم البغدادي، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد الأصبهاني، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا موسى بن هارون، قال: سمعتُ إسحاق بن راهويه يقول: لما خرج أحمد بن حنبل إلى عبد الرزاق انقطعت به النفقة؛ فأكرى نفسه من بعض الجَمّالين إلى أن وافى صَنعاءَ، وقد كان أصحابه عرضوا عليه المواساة، فلم يَقبل من أحد شيئاً.
قال سليمان بن أحمد: وحدثنا عبد الله بن أحمدن قال: كتب إليّ الفتح ابن شُخْرُف بخط يده؛ أنه سمع عَبدَ بن حُميد يقول: سمعت عبد الرزاق يقول: قدم علينا أحمد بن حنبل هاهنا، فأقام سنتين إلا شيئاً، فقلت له: يا أبا عبد الله، خُذ هذا الشيء فانتفع به، فإن أرضنا ليست بأرض مَتجر ولا مكسب - وأرانا عبد الرزاق كفَّهُ ومَدَّها فيها دنانير - فقال أحمد: أنا بخير. ولم يَقبل مني شيئاً.
стр. 309
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نُعَيم الحافظ، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن عبد الله القايني، قال: سمعتُ أبا عبد الله الحسين بن محمد الجُنَابَذي، قال: سمعتُ عبد الرحمن بن محمد بن إدريس، يقول: سمعتُ أحمد بن سِنان الواسطي، يقول: بَلغني أن أحمد بن حنبل رَهن نعله عند خَباز على طعام أخذه منه عند خروجه من اليمن، وأكرى نفسه من ناس من الجمالين عند خروجه، وعَرض عليه عبد الرزاق دراهم صالحة فلم يَقبلها.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قال: أخبرنا محمد بن عبدالواحد الحريري، قال: أخبرنا أبو عمر بن حَيّويه، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق المرّوذي، قال: سمعت أحمد بن منصور الرَّمَادِي، يقول: سمعتُ بحراً البقال يقول- وكان عندنا في قرية عبد الرزاق - وذُكر أحمد بن حنبل، فقال: ما فعل؟ فقلت له: وما يُدريك مَن أحمد؟ فقال: كان عندنا هاهنا، فلما خرج أصحابه تَخلّف من بَعدهم فمرّ بي، فقال: يا بَحر، لك عندي درهم، خذ هذه النعل، فإن بعثتُ إليك من صنعاء بالدرهم، وألا فالنعل بالدرهم، أرضيت؟ قلت: نعم، ومَضى، فأخبرتُ همام ابن أخت عبد الرزاق، فقال: ويَحك! لأي شيء أخذتَ النعل منه؟
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم الكَرُوخي، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد
стр. 310
الأنصاري، قال: أخبرنا أبو يعقوب، قال: أخبرنا زاهر بن أحمد، قال: أخبرنا علي بن عبد الله بن مبشر.
وأخبرنا ابن ناصر، قال: المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا محمد ابن عبدالواحد الحريري، قال: أخبرنا أبو عمر بن حَيّويه، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق المرّوذي، قالا: سمعنا الرَّمَادِيّ، يقول: سمعت عبد الرزاق- وذكر أحمد بن حنبل - فَدمعت عيناه وقال: قدم وبلغني أن نفقته نفدت، فأخذت عَشرة دنانير وأقمته خلف الباب وما معي ومعه أحد، وقلت: إنه لا يجتمع عندنا الدنانير، وقد وجدت عند النساءِ عَشرة دنانير فَخذها، فأرجو أن لا تُنفقها حتى يتهيأ عندنا شيء. فتبسم وقال لي: يا أبا بكر، لو قَبلت شيئاً من الناس، قبلتُ منك. ولم يَقبل. معنى الروايتين مُتقارب.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا أبين قال: حدثنا أبو الحسن بن أبان، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي، قال: عَرض عَلَّي يزيدُ بن هارون خمس مئة درهم - أو أكثر أو أقل - فلم أقبل منه، وأعطى يَحيى بن مَعين وأبا مُسلم المستَملي، فأخذا منه.
أخبرنا إسماعيل ومحمد، قالا: أخبرنا حَمْد قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا الحسين بن محمد، قال: حدثنا عمر بن الحسن القاضي، قال: حدثنا محمد بن حاتم بن أبي قماش، قال: قال حمدان بن سِنان الواسطي: قدم علينا أحمد بن حنبل معه جماعة، فَنِفدَت نفقاتهم فبررتهم فأخذوا،
стр. 311
وجاءَني أحمد بن حنبل بفَروةٍ فقال: قل لمن يبيع هذه ويجيئني بثمنها فأتسع به، قال: فأخذت صرة دراهم فمضيت بها إليه فَردها، فقالت امرأتي: هذا رجلٌ صالح لعله لم يرضها فأضعفها، فأضعفتها فلم يقبل، وأخذ الفروة مني وخرج.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد الخلال، قال: أخبرني أحمد بن محمد البَراثي، قال: حدثني أبو محمد إسحاق بن إبراهيم بن حسان الفقيه، قال: حدثني رجل كان رفيقاً لأبي عبد الله أحمد بن حنبل بواسِط على باب يزيد بن هارون، فجاءه أبو عبد الله بجُبة يبيعها في شِدّة البرد، قال: فلم أزل به حتى صَرفتُه عن بيعها، ثم صرتُ إلى يزيد بن هارون فقلتُ: يا أبا خالد، إن أحمد بن حنبل جاءَني بجُبته لأبيعها له في هذا البرد، فقال لجاريته: زني مئة درهم وهاتيها، فدفعها إليّ وقال: ادفَعها إليه، فجئت بها إليه فقلت: هذه بعثها أبو خالد. فقال: إني لمحتاج إليها، وإني لابن سبيل، ولكن لا أحب أن أعود نفسي هذا؛ رُدّها عليه. فرددتها إليه، فدفع إليَّ جُبته، فبعتُها له.
قال الخلال: وأخبرني أبو غالب علي بن أحمد، قال: حدثني صالح بن أحمد، قال: جاءَتني حُسن، فقالت: يا مولاي، قد جاءَ رجل بتِلِّيسَةٍ فيها فاكهة يابسة وهذا الكتاب؛ قال صالح: فقمت فقرأت الكتاب فإذا فيه: يا أبا عبدالله، أبضعتُ لك بضاعةً إلى سَمرقند فوقع فيها كذا وكذا، ورددتها فوقع فيها كذا وكذا، وقد بعثتُ بها إليك أربعة آلاف درهمن وفاكهة أنا لقطتها من
стр. 312
بستاني، ورثته عن أبي وأبي عن أبيه، قال: فجمعت الصبيان، فلما دخل دخلنا عليه، وقلت له: يا أبَة، ما ترِقُّ لي من أكل الزكاة؟ ثم كشفت عن رأس الصبية وبكيت فقال: من أين علمتَ؟ دعني حتى أستخير الله الليلة، قال: فلما كان من الغد، قال: يا صالح، صُنّي، فإني قد استخرت الله الليلة، فعزم لي أن لا آخذها، قال: وفتح التِّلِّيسة وفرقها على الصبيان؛ وكان عنده ثوب عُشاري فبعث به إليه ورد المال. قال صالح: فبلغني أن الرجل اتخذه كفناً.
أخبرنا إسماعيل بن أبي بكر، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: حدثنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا سليمان بن أحمد.
وأخبرنا ابن ناصر، قال: أنبأنا أبو علي الحسن بن أحمد، قال: أخبرنا أبو القاسم الأزهري، قال: أخبرنا القَطِيعي، قالا: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني علي بن الجَهم بن بدر، قال: كان لنا جار، فأخرج لنا كتاباً، فقال: أتعرفون هذا الخط؟ قلنا: نعم، هذا خط أحمد بن حنبل، كيف كتب لك؟ قال: كنا بمكة مقيمين عند سفيان بن عُيَينة، فَفقدنا أحمد ابن حنبل أياماً لم نره، ثم جئنا إليه لنسأل عنه، فقال لنا أهل الدار التي هو فيها: هو في ذلك البيت، فجئنا إليه والباب مَردود عليه وإذا عليه خُلْقان؛ فقلنا له: يا أبا عبد الله، ما خبرك؟ لم نَرك منذ أيام؟ فقال: سُرقت ثيأبي. فقلت له: معي دنانير، فإن شئتَ خذ قرضاً وإن شئتَ صِلة، فأبي أن يفعل، فقلت: تكتب لي بأجرة؟ قال: نعم، فأخرجت ديناراً فأبى أن يأخذه وقال:
стр. 313
اشتر لي ثوباً واقطعه نصفين، فأومأ إلى أنه يأتزر بنصف ويرتدي بالنصف الآخر، وقال: جئني ببقيته، ففعلتُ وجئت بورق فكتب لي فهذا خطه.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكي، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: أخبرنا أحمد بن محمد الخَلال، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن شاهين، قال: سمعتُ أبا الحسن أحمد بن محمد بن حماد المقرئ يذكر عن علي بن الجهم أنه رأى بيد رجل من أهل الرَّبض كتاباً بخط أبي عبد الله، قال: فقلت له: من أين لك دفتر أحمد بن حنبل؟ فقال لي: يا أبا الحسن، وتَعرف خطه؟ قلت: نعم. فقال: ليس هذا دفتر أحمد بن حنبل ولكنه دفتري بخطه. فقلت له: وكيف صار هذا هكذا؟ فقال لي: كنا عند ابن عُيينة سنةً من السنين، ولم يكن من أهل الربض تلك السنة مُقيماً على ابن عُيينة غيري وغيره، ففقدته أياماً فسألت عنه، فذُللت على موضعه، فجئت فإذا هو في شبيه بكهف في جياد على بابه قفص، فقلت: سلام عليكم. فقال لي: وعليكم السلام. فقلت: أدخل؟ فقال: لا. ثم قال: ادخل، فدخلت وإذا عليه قطعة لِبدٍ خَلق، فقلت: لم حَجبتني؟ قال لي: حتى استترتُ، فقلت له: ما شَأنك؟ فقال: سُرقَتْ ثيأبي، فبادرت إلى منزلي فجئتُ بصرّة فيها مئة درهم، فعرضتها عليه فامتنع، وسألته أن يقبلها قرضاً فأبى عليّ، حتى بلغت عشرين درهماً، كل ذلك يأبى عليّ، فقمت مولياً وقلت: ما يحل لك أن تقتل نفسك وأنا اعرض عليك فلا تقبل! فقال لي: ارجع، فرجعت، فقال لي: أليس قد سمعتَ معي من ابن
стр. 314
عُيينة سَماعاً كثيراً؟ فقلت: بلى، فقال: تُحب أن أنسخه لك؟ قلت: نعم؛ فقال لي: اشتر ورقاً وجئني به، فكتب بدراهم ذكر مبلغها، فاكتسى منها ثوبين باثني عشر درهماً، وأخذ الباقي نَفقة.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمدبن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا عبد الله بن أحمدم بن حنبل، قال: حدثني إسماعيل بن أبي الحارث، قال: كان عندنا شَيخ مَرْوزي، فجاءَ إليه أحمد بن حنبل ثم خرج، فقلت له: في أي شيءٍ جاءَك أبو عبد الله؟ فقال: هو لي صديق وبيني وبينه أنس، وتلكأ أن يُخبرنا فألححنا عليه فقال: كان استقرضَ مني مئتي درهم أو ثلاث مئة درهم، فجاءَني بها، فقلت: يا أبا عبد الله، ما دفعتها وأنا أنوي أن آخذها منك، فقال: وأنا ما أخذتها إلاَّ وأنا أنوي أن أردها إليك.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حَمْد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا محمد بن جعفر بن يوسف، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن أحمد، قال: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل، قال: دخلتُ على أبي في أيام الواثق- والله يعلم في أي حالة نحن - وقد خرج لصلاة العصر، وكان له لبد يجلس عليه قد أتت عليه سنون كثيرة حتى قد بَلي، فإذا تحته كتاب كاغد، وإذا فيه: بلغني يا أبا عبد الله ما أنت فيه من الضيق، وما عليك من الدين، وقد وجهتُ إليك بأربعة آلاف درهم على يدي فُلان لتقضي بها دينك، وتوسع بها على عيالك، وما هي من صدقة ولا زكاة، وإنما هو شيء ورثته من أبي. فقرأت الكتاب، ووضعته، فلما
стр. 315
دخل قلت: يا أبَة، ما هذا الكتاب؟ فاحمرَّ وجهه وقال: رَفَعْتُهُ منكَ. ثم قال: تذهب بجوابه، فكتب إلى الرجل: وصلَ كتابك إليّ ونحن في عافية، فأما الدَّيْنُ فإنه لرجل لا يُرهقنا، وأما عيالنا فهم في نعمة الله والحمد لله. فذهبتُ بالكتاب إلى الرجل الذي كان أوصل كتاب الرجل، فقال: وَيحك، لو أن أبا عبد الله قبل هذا الشيء، ورمى به مثلاً في دجلة كان مأجوراً، لأن هذا الرجل لا يعرف له معروف، فلما كان بعد حين ورد كتاب الرجل بمثل ذلك، فردَّ عليه الجواب بمثل ما ردن فلما مضت سنة أو أقل أو أكثر ذكرناها، فقال: لو كنا قبلناها كانت قد ذَهبت.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد بن يوسف، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكي، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز بن مَرْدَك، قال: حدثنا عبدالرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد، فذكر مثله سواء، إلا أنه لم يذكر: فقال: لو أن أبا عبد الله قبل هذا ورمى به في دجلة.
وقد روى هذه الحكاية أبو بكر الخلال وذكر فيها أن الموجِّه إليه الحسن بن عيسى بن ماسَرْجِس مول ابن المبارك.
أخبرنا عبد الوهاب الحافظ، قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو إسحاق البَرْمَكي، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن إسماعيل بن العباس الوراق، قال: حدثني أبو بكر محمد بن يعقوب المُقْرئ، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن داود المصري، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن
стр. 316
الحجاج، قال: حدثني محمد بن سعيد الترمذي، قال: قدم صديق لنا من خُراسان فقال: إني أبضعتُ بضاعة ونَويت أن اجعل ربحها لأحمد بن حنبل، والربح عشرة ىلاف درهم، فاحملها إليه، قال: قلت: حتى أذهب إليه فانظر كيف الأمر عنده؛ فذهبت إليه فسلمت عليه وقلت له: فلان، فإذا هو عارف به؛ فقلت له: إنه أبضع بضاعة وجعل ربحها لك وهي عشرة آلاف درهم، فقال: جزاه الله عن العناءِ خيراً، نحن في غِنَّى وسعة. فأبى أن يأخذها ﵀.
وقد حدثنا بهذه الحكاية من طريق أبي بكر الخلال عن المرُّوذي فسمى الرجل محمد بن سليمان السَّرخسي، وقال فيها: فراجعه فقال: دعنا نكن أعزاءَ.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نُعَيم الحافظ، قال: حدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا محمدبن موسى بن حماد البَربري، قال: حُمل إلى الحسن بن عبد العزيز الجَرَوي ميراثه من مصر مئة ألف دينار، فحَمل إلى أحمد بن حنبل ثلاثة أكياس، في كل كيس ألف دينار، فقال: يا أبا عبد الله، هذه من ميراثٍ حلال، خذها فاستعن بها على عائلتك، قال: لا حاجةَ لي فيها، أنا في كِفاية. فردها ولم يقبل منه شيئاً.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نُعَيم الحافظ، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل. (ح) وأخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكي، قال: أخبرنا علي
стр. 317
ابن مَرْدَك، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قالا: حدثنا صالح بن أحمد، قال: شهدتُ ابن الجروي أخا الحسن وقد جاء إليه بعد المغرب فقال: أنا رجل مشهور، وقد أتيتك في هذا الوقت وعندي شيء قد أعددته لك، فأحب أن تقبله وهو ميراث، فلم يَزل به، فلما أكثر عليه قام ودخل. قال صالح: فأخبرت عن الحسن قال: قال لي أخي: لما رأيته كلما ألححتُ عليه ازداد بعداً، قلت: أخبره كم هي، قلت: يا أبا عبد الله، هي ثلاثة آلاف دينار. فقام وتركني، زاد أبو نعيم: قال صالح: وقال لي يوماً: أنَّا إذا لم يكن عندي قطعة أفرح.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا أبو إسحاق البَرْمَكي، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: أخبرنا أحمد بن محمد الخَلال، قال: أخبرنا أبو بكر المَرُّوزذي، قال: سمعت أبا بكر ابن حماد المُقرئ، يقول: سمعت أبا ثابت الخطاب يقول: قال ابن الجَرَوي: ذهبتُ إلى أحمد بن حنبل فقلت: هذه ألف دينار اشترِ بها غَلّة للصبيان، فأبَى أن يقبلها، قال: وكان يُكرمني. فلما قلتُ له ذلك قال: أحب إذا كان لكَ حاجة لا تجيء، فإن أردت أن تسألني عن شيءٍ فأرسل إليّ. فحرمتُ نفسي.
قال الخلال: وأخبرنا محمد بن الحسن بن هارون، قال: سمعت الفضل بن محمد، يقول: حدثنا إسماعيل بن حرب، قال: أحصي ماردَّ أبو عبد الله أحمد ابن حنبل حين جيءَ به إلى العسكر فإذا هو سبعون ألفاً.
стр. 318
قال الخلال: وأخبرني الحسن بن الهيثم، قال: سمعت أبا سعيد الأذْرمي. يقول: سمعتُ صالح بن أحمد يقول: كنتُ عند أبي يوماً فدعاني النساء، فقلن: قل لأبيك ليس عندنا دقيق - أو قال: خبز - فقلت له، فقال: الساعة، ثم أبطأ عليهن فعاودنني، فقلت له، فقال: الساعة، فبينا نحن كذلك إذا برجل يدق الباب، فخرجتُ إليه، فإذا رجل خُراساني يشبه الفَيْج على كتفه عصا فيها جراب؛ فقلت له: ما حاجتك؟ فقال: حاجتي إلى أحمد بن حنبل، فدخلت فأخبرته، فقال: عُدْ إليه فقل له: فيمَ قصدتَ؟ في مسألةٍ؟ في حديث؟ فقال: ما قصدتُ في مسألة ولا حديث. فقلت له؛ فقال: أدخله، فدخَل الرجل فَوضع العصا والجراب ثم قال له: أنت أحمد بن محمد بن حنبل؟ قال: نعم؛ قال: أنا رجل من أهل خُراسان، مرض جارٌ لي فعدتهن فقلت له: هل لك من حاجة؟ فقال: هذه خمسة آلاف درهم تأخذها وتوصلها إلى أحمد بن حنبل بعد وفاتي، فقد قصدتك بها من خُراسان. فقال له: بيننا وبين هذا الرجل قَرابة؟ قال: لا. قال: فبيننا وبينه رَحِم؟ قال: لا؛ قال: فبيننا وبينه نعمة يَرُبُّها؟ قال: لا؛ قال: ضُمَّها رَحمك الله. فرادَّه فَخَشَّنَ له أبي، فحمل المالَ وانصرف. فلما كان بعد مدة كان جالساً بين الكتب، فنظر فيها فرفع رأسه فقال: تَدري يا صالح مُنذ كم كان الخراساني عندنا؟ قلت: لا، قال: له اليوم احد وستون يوماً، هل جُعتم فيها أو فَقدتم شيئاً؟
стр. 319
قال الخلال: وحدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبلن قال: سمعت فُوران يقول: مرض أبو عبد الله فعاده الناس - يعني قبل المئتين - وعاده علي بن الجعد فجعل عند راس أبي عبد الله صُرّة. فقلت له: إن عليًّا قد جَعل عند رأسك هذه الصرّة، فقال: كما رأيتَه فاذهب فردها إليه. قال: فذهبتُ فرددتها.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكي، قال: أخبرنا علي بن مَرْدَك، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل، قال: قال فُوران أبو محمد لأبي: عندي خُف سأبعث به إليك. فسكت؛ فلما عاد إليه أبو محمد قال: يا أبا محمد، لا تبعث بالخف، فقد شغل قلبي عليّ.
قال صالح: ووجه رجل من الصين بكاغد صيني إلى جماعة من المحدثين فيهم يحيى وغيرهن ووجه بقِمطَر إلى أبي فردَّه.
قال صالح: وقال لي أبي: جاءَني ابن يَحيى بن يحيي؛ وما خرج من خُراسان بعد ابن المبارك رجل يُشبه يحيى بن يحيى؛ فجاءَني ابنه فقال: إن أبي أوصى بمبطنة لك وقال: يذكرني بها. فقلت: جئني بها. فجاءَ برزمة ثياب، فقلت له: اذهب رَحمك الله، يعني ولم يَقبلها.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا أبو بكر
стр. 320
الخلال، قال: أخبرني محمد بن موسى، قال: سمعت ابن نَيْزَك يقول: كنت أتبع أحمد ويحيى يمضون إلى سَعدويه- أو قال غيره - فاتخذ لهم - أراه قال: سعدويه - قِدر طعام، فلما فطن أحمد لذلك قال: قد قَرُب وقت الصلاة، وخرج فما اجترأ واحد منهم أن يكلمه، فجاءَ إلى سقاية فيها حب ماء، فأخرج فتيتاً معه في خرقة، وأخذ كوزاً من الحب وجَعل يستفه ويشرب عليه الماء، وصلى الظهر، ثم جاءَ فاستأذن ودخل، وقد طَعموا وصلوا، فقعد يكتب.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا أبو إسحاق إبراهيم بن عمر، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد الخلال، قال: أخبرني محمد بن الحسين، قال: حدثني المرُّوذي، قال: سمعتُ حُميد بن الربيع الكوفي، يقول: قال أبو عبد الله يوماً لأصحاب الحديث: من منكم منزله في الكَرخ؟ فقال له فتى: أنا يا أبا عبد الله، فقال له: تلبث فإن لنا حاجة؛ فأخرج أبو عبد الله دراهم وقال: اشترِ بهذه ورقاً حتى تَجيءَ به مَعك إذا جئت. قال: فاشترى الفتى ورقاً، وحشى في دُسوت الورق دنانير. وجاءَ به إلى أبي عبد الله فأعطاه، وانقطع الفتى من المجيء، ففتح أبو عبد الله الوَرق فجعلت الدنانير تتناثر، فجمعها وجعل يقول لأصحاب الحديث: من منكم يعرف الفتى الذي اشترى لي ورقاً؟ فقال له رجل: أنا أعرف منزله، قال: فتلبث هاهنا، فإن لي حاجةً، وحمل أبو عبد الله الدنانير ومضى معه، فلما صار إلى قطيعة الربيع إذا الفتى قاعدٌ، فقال له الرجل: هذا صاحبك يا أبا عبد الله؟ فقال له أبو عبد الله: انصرف أنتَ. ثم جاء فسلم ووضع الدنانير في حجره وانصرف.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حمْدُ بن
следующие страницы →