Полный текст (708 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
الحجاج، قال: حدثني محمد بن سعيد الترمذي، قال: قدم صديق لنا من خُراسان فقال: إني أبضعتُ بضاعة ونَويت أن اجعل ربحها لأحمد بن حنبل، والربح عشرة ىلاف درهم، فاحملها إليه، قال: قلت: حتى أذهب إليه فانظر كيف الأمر عنده؛ فذهبت إليه فسلمت عليه وقلت له: فلان، فإذا هو عارف به؛ فقلت له: إنه أبضع بضاعة وجعل ربحها لك وهي عشرة آلاف درهم، فقال: جزاه الله عن العناءِ خيراً، نحن في غِنَّى وسعة. فأبى أن يأخذها ﵀.
وقد حدثنا بهذه الحكاية من طريق أبي بكر الخلال عن المرُّوذي فسمى الرجل محمد بن سليمان السَّرخسي، وقال فيها: فراجعه فقال: دعنا نكن أعزاءَ.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نُعَيم الحافظ، قال: حدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا محمدبن موسى بن حماد البَربري، قال: حُمل إلى الحسن بن عبد العزيز الجَرَوي ميراثه من مصر مئة ألف دينار، فحَمل إلى أحمد بن حنبل ثلاثة أكياس، في كل كيس ألف دينار، فقال: يا أبا عبد الله، هذه من ميراثٍ حلال، خذها فاستعن بها على عائلتك، قال: لا حاجةَ لي فيها، أنا في كِفاية. فردها ولم يقبل منه شيئاً.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نُعَيم الحافظ، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل. (ح) وأخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكي، قال: أخبرنا علي
стр. 317
ابن مَرْدَك، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قالا: حدثنا صالح بن أحمد، قال: شهدتُ ابن الجروي أخا الحسن وقد جاء إليه بعد المغرب فقال: أنا رجل مشهور، وقد أتيتك في هذا الوقت وعندي شيء قد أعددته لك، فأحب أن تقبله وهو ميراث، فلم يَزل به، فلما أكثر عليه قام ودخل. قال صالح: فأخبرت عن الحسن قال: قال لي أخي: لما رأيته كلما ألححتُ عليه ازداد بعداً، قلت: أخبره كم هي، قلت: يا أبا عبد الله، هي ثلاثة آلاف دينار. فقام وتركني، زاد أبو نعيم: قال صالح: وقال لي يوماً: أنَّا إذا لم يكن عندي قطعة أفرح.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا أبو إسحاق البَرْمَكي، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: أخبرنا أحمد بن محمد الخَلال، قال: أخبرنا أبو بكر المَرُّوزذي، قال: سمعت أبا بكر ابن حماد المُقرئ، يقول: سمعت أبا ثابت الخطاب يقول: قال ابن الجَرَوي: ذهبتُ إلى أحمد بن حنبل فقلت: هذه ألف دينار اشترِ بها غَلّة للصبيان، فأبَى أن يقبلها، قال: وكان يُكرمني. فلما قلتُ له ذلك قال: أحب إذا كان لكَ حاجة لا تجيء، فإن أردت أن تسألني عن شيءٍ فأرسل إليّ. فحرمتُ نفسي.
قال الخلال: وأخبرنا محمد بن الحسن بن هارون، قال: سمعت الفضل بن محمد، يقول: حدثنا إسماعيل بن حرب، قال: أحصي ماردَّ أبو عبد الله أحمد ابن حنبل حين جيءَ به إلى العسكر فإذا هو سبعون ألفاً.
стр. 318
قال الخلال: وأخبرني الحسن بن الهيثم، قال: سمعت أبا سعيد الأذْرمي. يقول: سمعتُ صالح بن أحمد يقول: كنتُ عند أبي يوماً فدعاني النساء، فقلن: قل لأبيك ليس عندنا دقيق - أو قال: خبز - فقلت له، فقال: الساعة، ثم أبطأ عليهن فعاودنني، فقلت له، فقال: الساعة، فبينا نحن كذلك إذا برجل يدق الباب، فخرجتُ إليه، فإذا رجل خُراساني يشبه الفَيْج على كتفه عصا فيها جراب؛ فقلت له: ما حاجتك؟ فقال: حاجتي إلى أحمد بن حنبل، فدخلت فأخبرته، فقال: عُدْ إليه فقل له: فيمَ قصدتَ؟ في مسألةٍ؟ في حديث؟ فقال: ما قصدتُ في مسألة ولا حديث. فقلت له؛ فقال: أدخله، فدخَل الرجل فَوضع العصا والجراب ثم قال له: أنت أحمد بن محمد بن حنبل؟ قال: نعم؛ قال: أنا رجل من أهل خُراسان، مرض جارٌ لي فعدتهن فقلت له: هل لك من حاجة؟ فقال: هذه خمسة آلاف درهم تأخذها وتوصلها إلى أحمد بن حنبل بعد وفاتي، فقد قصدتك بها من خُراسان. فقال له: بيننا وبين هذا الرجل قَرابة؟ قال: لا. قال: فبيننا وبينه رَحِم؟ قال: لا؛ قال: فبيننا وبينه نعمة يَرُبُّها؟ قال: لا؛ قال: ضُمَّها رَحمك الله. فرادَّه فَخَشَّنَ له أبي، فحمل المالَ وانصرف. فلما كان بعد مدة كان جالساً بين الكتب، فنظر فيها فرفع رأسه فقال: تَدري يا صالح مُنذ كم كان الخراساني عندنا؟ قلت: لا، قال: له اليوم احد وستون يوماً، هل جُعتم فيها أو فَقدتم شيئاً؟
стр. 319
قال الخلال: وحدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبلن قال: سمعت فُوران يقول: مرض أبو عبد الله فعاده الناس - يعني قبل المئتين - وعاده علي بن الجعد فجعل عند راس أبي عبد الله صُرّة. فقلت له: إن عليًّا قد جَعل عند رأسك هذه الصرّة، فقال: كما رأيتَه فاذهب فردها إليه. قال: فذهبتُ فرددتها.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكي، قال: أخبرنا علي بن مَرْدَك، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل، قال: قال فُوران أبو محمد لأبي: عندي خُف سأبعث به إليك. فسكت؛ فلما عاد إليه أبو محمد قال: يا أبا محمد، لا تبعث بالخف، فقد شغل قلبي عليّ.
قال صالح: ووجه رجل من الصين بكاغد صيني إلى جماعة من المحدثين فيهم يحيى وغيرهن ووجه بقِمطَر إلى أبي فردَّه.
قال صالح: وقال لي أبي: جاءَني ابن يَحيى بن يحيي؛ وما خرج من خُراسان بعد ابن المبارك رجل يُشبه يحيى بن يحيى؛ فجاءَني ابنه فقال: إن أبي أوصى بمبطنة لك وقال: يذكرني بها. فقلت: جئني بها. فجاءَ برزمة ثياب، فقلت له: اذهب رَحمك الله، يعني ولم يَقبلها.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا أبو بكر
стр. 320
الخلال، قال: أخبرني محمد بن موسى، قال: سمعت ابن نَيْزَك يقول: كنت أتبع أحمد ويحيى يمضون إلى سَعدويه- أو قال غيره - فاتخذ لهم - أراه قال: سعدويه - قِدر طعام، فلما فطن أحمد لذلك قال: قد قَرُب وقت الصلاة، وخرج فما اجترأ واحد منهم أن يكلمه، فجاءَ إلى سقاية فيها حب ماء، فأخرج فتيتاً معه في خرقة، وأخذ كوزاً من الحب وجَعل يستفه ويشرب عليه الماء، وصلى الظهر، ثم جاءَ فاستأذن ودخل، وقد طَعموا وصلوا، فقعد يكتب.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا أبو إسحاق إبراهيم بن عمر، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد الخلال، قال: أخبرني محمد بن الحسين، قال: حدثني المرُّوذي، قال: سمعتُ حُميد بن الربيع الكوفي، يقول: قال أبو عبد الله يوماً لأصحاب الحديث: من منكم منزله في الكَرخ؟ فقال له فتى: أنا يا أبا عبد الله، فقال له: تلبث فإن لنا حاجة؛ فأخرج أبو عبد الله دراهم وقال: اشترِ بهذه ورقاً حتى تَجيءَ به مَعك إذا جئت. قال: فاشترى الفتى ورقاً، وحشى في دُسوت الورق دنانير. وجاءَ به إلى أبي عبد الله فأعطاه، وانقطع الفتى من المجيء، ففتح أبو عبد الله الوَرق فجعلت الدنانير تتناثر، فجمعها وجعل يقول لأصحاب الحديث: من منكم يعرف الفتى الذي اشترى لي ورقاً؟ فقال له رجل: أنا أعرف منزله، قال: فتلبث هاهنا، فإن لي حاجةً، وحمل أبو عبد الله الدنانير ومضى معه، فلما صار إلى قطيعة الربيع إذا الفتى قاعدٌ، فقال له الرجل: هذا صاحبك يا أبا عبد الله؟ فقال له أبو عبد الله: انصرف أنتَ. ثم جاء فسلم ووضع الدنانير في حجره وانصرف.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حمْدُ بن
стр. 321
أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا الحسين بن محمد، قال: سمعت شاكر بن جَعفر، يقول: سمعت أبا جعفر أحمد بن محمد التُّسْتَري، يقول: كانَ غلام يختلف إلى أحمد بن حنبل، فناوله يوماً درهمين، فقال: اشترِ به كاغَداً، فخرج الغلام فاشترى له وجَعل في جوف الكاغد خمس مئة دينار وشده وأوصله إلى بيت أحمد، فسأل أحمد أهل بيته: أحُمِل شيء من البياض؟ فقالوا: نعم، فَوُضع بين يديه، فلما أن فتحه تناثرت الدنانير، فردها في مكانها، وسأل عن الغلام حتى دُلَّ عليه، فوضعه بين يديه، فتبعه الغلام وهو يقول: الكاغد اشتريتُه بدراهمك خُذه، فأبى أن يأخذ الكاغَد أيضاً.
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبانا إبراهيم بن عمر، قال: أنبأنا عبد العزيز، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن هارون الخلال، قال: أخبرني محمد بن الحسين، قال: حدثنا المرُّوذي، قال: أخبرت أن أبا بكر المستملي لما قدم بأبي عبدالله من الثغر، خرج معه يخدمه، قال: فنزلنا في بعض المنازل، فإذا بعض إخوانه قد أرسل إليه بمئة دينار، وقال: تنفقها يا أبا عبد الله في سَفرك، فردها، فقال له: يا أبا عبد الله، أنا معيل ورجل من أهل الثغر، فدعني آخذها؛ قال: وَيحك؛ إن عطيتهم أول مرة ليست مثل الثانية، فدَعنا نكن في عِزٍّ. فردها ولم يقبلها.
قال الخلال: وأخبرني عبد الله بن أحمد، قال: دُقَّ علينا الباب ليلة دقاًّ خفيفاً، ففتحت فإذا إنسان قد وضع خِواناً كبيراً عليه منديل أبيض وقال: خُذ هذا. ومَرّ مبادراً؛ وكانت مائدة كبيرة، فأدخلتها فوضعتها قدام أبي
стр. 322
فقال: أيّ شيءٍ هذا؟ من منزل أبي محمد؟ ٠ يعني فُوران -، قلت: لا، قال: من أين؟ من جاءَ به؟ قلت: وضعه ومَرَّ، وإذا طعام سرى فيه جامات حلواء قد أنفق عليه دراهم كثيرة، فسكت ساعة يفكر ثم قال: ابعث منه إلى منزل عمكن وصبيان صالح - وأومأ إلى الجارية والصبيان - وخُذ أنت، قال: عبد الله: ثم علمتُ بعد من أين جاء.
وكان قوم يُهدون إليه فلا يصيب منه شيئاً، وكان عبدوس العطار ربما وجه إلينا بالشيءِ فلا يذوق منه.
стр. 323
الباب الثاني والأربعون
في ذكر كَرمه وجوده
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حَمْدُ بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أحمد ابن محمد، قال: حدثني أبو حَفص عمر بن صالح الطَّرَسوسي، قال: وقع من يد أبي عبد الله أحمد بن حنبل مِقراض في البئر، فجاءض ساكن له فأخرجه، فلما أن أخرجه ناوله أبو عبد الله مقدار نصف درهم أقلَّ أو أكثر، فقال: المِقراض يساوي قيراطاً، لا آخذ شيئاً فخرج، فلما أن كان بعد أيام قال له: كَم عليك من كِرى الحانوت؟ قال: كرى ثلاثة أشهر، وكراؤه في كل شهر ثلاثة دراهم، فضرب على حسابه وقال: أنت في حِل.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا أحمد بن محمد الخلال، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: قال أبو سَعيد ابن أبي حنيفة المؤدّب: كنت آتي أباك فربما أعطاني الشيء وقال: أعطيتك نصف ما عندنا؛ فجئت يوماً فأطلت القُعود؛ فخرج ومعه أربعة أرغفة فقال: يا أبا سعيد، هذا نصف ما عندنا. فقلت: يا أبا عبد الله، هذه الأربعة الأرغفة أحب إلى من أربعة آلاف من غيرك.
قال الخلال: وحدثنا محمد بن أبي هارون، قال: حدثني أبو بكر بن أبي
стр. 324
موسى، قال: حدثني يحيى بن هلال الوراق، قال: جئت إلى محمد بن عبدالله بن نُمير فشكوت إليه، فأخرج إليّ أربعة دراهم أو خمسة دراهم، وقال: هذا نصف ما أملك، قال: وجئت مرة إلى أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل فأخرج إلىَّ أربعة وقال: هذه جميع ما أملك.
قال الخلال: وأخبرني عبد الله بن إسماعيل، قال: حدثني علي بن عبد الصمد الطيالسي، قال: قال لي هارون المستملي: لقيتُ أحمد فقلت: ما عندنا شيء، فأعطاني خمسة دراهم، وقال: ما عندنا غيرها.
قال الخلال: وحدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثنا أبو بكر المرُّوذي، قال: كان أبو عبد الله ربما واسى من قوته، وجاءَه أبو سعيد الضرير فشكى إليه، فقال له: يا أبا سعيد، ما عِندنا إلا هذا الجذع، فَجِيء بحَمّال يحمله، قال: فأخذتُ الجِذع فبعته بتسعة دراهم ودانقين.
وكان أبو عبد الله شديد الحياءِ، كريم الأخلاق، يعجبه السخاء.
قال الخلال: وحدثنا أبو بكر المرُّوذي، قال: حدثني أبو محمد النّسائي جعفر بن محمد قال: قال لي أبو عبدالله يوم عيد: ادخل، فدخلت، فإذا مائدة وقَصْعة على الخِوان وعليها عُراق وقِدْرٌ إلى جانبه، فقال لي: كُل، فلما رأى ما بي قال: إن الحَسن كان يقول: والله لتأكلنّ، وكان ابن سيرين يقول: إنما وَضع الطعام ليؤكل، وكان إبراهيم بن ادهم يبيع ثيابه ويُنفقها على أصحابه، وكانت الدنيا أهون عليه من ذاك - وأومأ إلى جذع مطروح - فانبسطتُ وأكلتُ.
أنبانا يحيى بن الحسن، قال: أنبأنا محمد بن الحسين بن خلف، قال:
стр. 325
حدثنا عبيد الله بن أحمد الصيرفي، قال: حدثنا عيسى بن موسى بن خاقان، قال: سمعتُ أبا الموجّه محمد بن عمرو بن الموجّه، يقول: سمعتُ علي بن يحيى يقول: صليتُ الجمعة إلى جنب أحمد بن حنبل، فلما سلّم الإمام قام سائل يَسأل الناس، فأخرج أحمد قِطعة فدَفعها إليه، فقال له رجل: ناولني قِطعتك ولكَ بها درهم، فما زال يزيده حتى بلغ خمسين درهماً، فقال له السائل: لا أعطيك؛ إني لأرجو فيها ما ترجو.
قرأت على محمد بن أبي منصور، عن أبي القاسم بن اليسري، عن أبي عبد الله بن بَطة، قال: أخبرني محمد بن الحسين الآجري، قال: أخبرني محمد ابن كُردي، قال: حدثنا أبو بكر المرُّوذي، قال: كنتُ مع أبي عبد الله في طريق العَسكر، فنزلنا منزلاً، فأخرجتُ رغيفاً ووضعت بين يديه كوز ماء، فإذا بكلبٍ قد جاء فقام بحذائه، وجعل يُحرك ذنبه، فألقى إليه لقمة، وجعل يأكل ويلقي إليه لقمة، فخفت أن يضر بقوته فقمتُ فصحت به لأنحّيه من بين يديه، فنظرتُ إلى أبي عبد الله قد احمارًّ وتغير من الحياءِ وقال: دَعه، فإنَّ ابن عباس قال: لها أنفس سُوء.
стр. 326
الباب الثالث والأربعون
في ذكر قبوله الهدية ومكافأته عليها
أخبرنا محمد بن أبي منصور, قال: أنبأنا عبد القادر بن محمد, قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي, قال: حدثنا علي بن عبد العزيز, قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم, قال: حدثنا صالح, قال: أهدى إلى أبي رجلٌ ولد له مولود خوان فالوذج, مكافأه سكرًا بدراهم صالحة.
أخبرنا ابن ناصر, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أنبأنا أبو إسحاق البرمكي, قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر, قال: أخبرنا أحمد بن محمد الخلال, قال: أخبرني علي بن أحمد, قال: حدثني صالح بن أحمد: أن رجلًا أهدى إلى أبيه فاكهة, فبعث إليه ثوبًا.
قال الخلال: وحدثنا أبو بكر المُّروذي, قال: رأيت أبا عبد الله وقد أهدى إليه إنسان ماء زمزم, فأرسل إليه سويقًا وسُكرًا؛ وأمرني أن أشتري لإنسان هدية بقريب من خمسة دراهم, وقال: اذهب إلى صبيانه فإنه قد وهب لسعيد شيئًا.
قال الخلال: وأخبرني محمد بن علي, ومحمد بن أبي هارون, أن إسحاق بن إبراهيم حدثهم, قال: اهدى جوين - جار لأبي عبد الله - إلى أبي عبد الله شيئًا من جوز وزبيب وتين في قصعة ما يساوي ثلاثة دراهم أو أقل, فأعطاني
стр. 327
أبو عبد الله دينارًا وقال: اذهب فاشتر بعشرة دراهم سكرًا وبسبعة دراهم تمرًا, واذهب به إليه في الليل. ففعلت.
قال: وأخبرني محمد بن علي, قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن هانئ, قال: قال أبي: قدم رجل من سمرقند وكتب له عبد الله بن عبد الرحمن إلى أبي عبد الله فجعل له مجلسًا؛ فأهدى يومًا إلى أبي عبد الله ثوبًا, فأعطاه أبو عبد الله لأبي فقال: اذهب به إلى السوق فقوِّمه, قال أبي: فذهبت إلى قطيعة الربيع فقومته نيفًا وعشرين درهمًا, فرجعت فقلت له, فحجبه أبو عبد الله حتى اشترى ثوبين ومقنعتين - أو ثوبًا ومقنعة - وبعث به إليه, ثم أذن له فحدثه.
قال الخلال: وأخبرني عصمة بن عصام, قال: سمعت حنبل يقول: كان لأبي عبد الله صديق يقال له: محفوظ, خرج معه إلى عبد الرزاق, وكان بينهما مودة, فما شعرت يومًا إلا ورسوله قد جاء معه خلال برني, فدخلت إلى أبي عبد الله, فقلت له فقبله, وبعث إليه أبو عبد الله بثوب, فجاء فقال: يا أبا عبد الله, عممتني, فقال: وأنت عممتني أيضًا فيما بعثت به إلينا.
стр. 328
الباب الرابع والأربعون
في ذكر زهده
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم, قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري, قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم المعدّل, قال: أخبرنا علي بن محمد الرزيني, قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن ياسين, قال: حدثنا محمد بن أحمد ابن العلاء الصرَّام, قال: سمعت سليمان بن الأشعث, يقول: ما رأيت أحمد ابن حنبل ذكر الدنيا قط.
أخبرنا عبد الملك, قال: أخبرنا عبد الله بن محمد, قال: أخبرنا أبو القاسم بن سعيد, قال: حدثنا عثمان بن أحمد بن جعفر, قال: حدثنا محمد ابن مخلد, قال: حدثني أبو حفص عُمر بن سليمان المؤدب, قال: صليت مع أحمد بن حنبل التراويح وكان يصلي به ابن عمير, فلما أوتر رفع يديه إلى ثدييه, وما سمعنا من دعائه شيئًا ولا من كان في المسجد, وكان فيه سراج على الدرجة لم يكن فيه قنديل ولا حصير ولا خلوق.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد, ومحمد بن أبي القاسم, قالا: أخبرنا حمد بن أحمد, قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله, قال: حدثنا أبي, قال: حدثنا أبو الحسن بن أبان, قال: حدثنا محمد بن أحمد المروزي, قال: سمعت إبراهيم بن مته السمرقندي, يقول: سألت أبا محمد عبد الله بن عبد الرحمن عن أحمد بن
стр. 329
حنبل, قلت: هو إمام؟ قال: إي والله, إن أحمد صبر على الفقر سبعين سنة.
أخبرنا إسماعيل ومحمد, قالا: أخبرنا حمد, قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله, قال: حدثنا علي بن أحمد, والحسن بن محمد, قالا: حدثنا محمد ابن إسماعيل, قال: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل, قال: قلت لأبي: بلغني أن أحمد الدورقي أعطى ألف دينار, فقال: يا بني (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى). وذكرت له ابن أبي شيبة, وعبد الأعلى النرسي, ومن قدم به إلى العسكر من المحدثين, فقال: إنما كانت أيامًا قلائل, ثم تلاحقوا, وما نحلوا منها بكثير شيءٍ. وذُكر عنده يومًا رجل فقال: يا بني, الفائز من فاز غدًا ولم يكن لأحد عنده تبعة.
أخبرنا محمد بن أبي منصور, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر, قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر, قال: أخبرنا أحمد بن محمد الخلال, قال: أخبرني عبد الله بن أحمد بن حنبل, قال: حدثني أبو جعفر القطان - ويعرف بابن أبي القدور - قال: كان أيام الغلاء يجيئني أبو عبد الله بغزل ويستره أبيعه له, فكنت ربما بعته بدرهم ونصف, وربما بعته بدرهمين, فتخلف يومًا فلما جاء قلت: يا أبا عبد الله, لم تجئ الأمس, فقال: أم صالح اعتلّت. ودفع إليّ غزلًا بأربعة دراهم, فجئت بها, فأنكر ذلك, وقال: لعلك زدت فيه من عندك؟ قلت: لا, ما زدت فيه من عندي؛ كان غزلًا دقيقًا.
стр. 330
أخبرنا محمد بن أبي منصور, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد بن يوسف, قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي, قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز بن مردك, قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم, قال: حدثنا صالح بن أحمد قال: قال أبي: كانت والدتك في الغلاء تغزل غزلًا دقيقًا, فتبيع الإستار بدرهمين - أقل أو أكثر - فكان ذلك قوتنا.
قال صالح: ودخل أبي يومًا إلى منزلي, وقد غيرنا سقفًا لنا, فدعاني ثم أملى علي, فقال: حدثني سليمان بن حرب, قال: حدثنا حماد بن سلمة, عن يونس, عن الحسن, قال: قدم الأحنف بن قيس من سفر وقد غيروا سقف بيته, حمّروا شقاشق وخضّروها قال: فقالوا له: أما ترى إلى سقف بيتك؟ فقال: معذرة إليكم إني لم أره, لا أدخله حتى تغيروه.
قال صالح: واشتريت جارية, فشكت إليه أهلي, فقال: قد كنت أكره لهم الدنيا, وكان بلغني عنك الشيء, فقالت له: يا عم, ومن يكره الدنيا غيرك؟ قال لها: فشأنك إذن.
قال صالح: وكنا ربما اشترينا الشيء فنستره عنه كي لا يراه فيوبّخنا على ذلك.
أخبرنا محمد بن أبي منصور, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر, قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر, قال: حدثنا أحمد بن محمد الخلال, قال: أخبرني أبو بكر المروذي, قال: رأيت أحمد بن عيسى
стр. 331
المصري ومعه قوم من المحدّثين دخلوا على أبي عبد الله ونحن بالعسكر, فقال له أحمد بن عيسى: ما هذا الغم يا أبا عبد الله؟ الإسلام حنيفية سمحة, بيتٌ واسع. فنظر إليهم وكان مُضطجعًا, فلما خرجوا قال لي: انظر إلى هؤلاء, ما أريد أن يدخل عليّ منهم أحد.
قال الخلال: وأخبرنا محمد بن علي السمسار, قال: حدثني إسحاق بن هانئ النيسابوري, قال: قال لي أبو عبد الله: بكر يومًا حتى تعارضني بشيءٍ من "الزهد", فبكرت إليه, وقلت لأم ولده: أعطني حصيرًا ومخدة, فبسطته في الدهليز. فخرج أبو عبد الله ومعه الكتب والمحبرة, فنظر إلى الحصير والمخدة, فقال: ما هذا؟ فقلت: لتجلس عليه, فقال: ارفعه, الزهد لا يحسن إلا بالزهد, فرفعته وجلس على التراب.
قال الخلال: وأخبرنا محمد بن علي السمسار, قال: سمعت السري بن محمد - خال ولد صالح - قال: جاء أحمد بن صالح يوضئ أبا عبد الله يومًا, وقد بلّ أبو عبد الله خرقة فألقاها على رأسه, فقال له أحمد بن صالح: يا جدي, أنت محموم؟ قال أبو عبد الله: وأنّى لي بالحمى.
قال الخلال: وأخبرني يوسف بن الضحاك, قال: حدثني ابن جبلة, قال: كنت على باب أحمد بن حنبل والباب مجافٌ, وأم ولده تكلمه وتقول له: أنا معك في ضيق, منزل صالح يأكلون ويفعلون ويفعلون؛ وهو يقول: قولي خيرًا. وخرج الصبي معه فبكى, فقال له: أيّ شيء تريد؟ فقال: زبيب,
стр. 332
قال: اذهب فخذ من البقال بحبة.
قال الخلال: وأخبرني محمد بن علي الورّاق, قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم بن هانئ, قال: سمعت أبي يقول: قال لي أبو عبد الله عند رجوعه من العسكر: تذهب إلى صاحب الحمّام فتقول له حتى يُخلي الحمام, فصرت إلى الحمامي, فقلت له, فأخلاه له, فأتيت أبا عبد الله فأخبرته بأنه قد أخلى الحمام, فقال أبو عبد الله: هذه خمسون سنة لم أدخل الحمام؛ يجوز أيضًا أن لا أدخل الساعة؛ قل له يطلقه للناس؛ فأتيت الحمامي فأطلقه للناس.
أخبرنا محمد بن ناصر, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي, قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز بن مردك, قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم, قال: حدثنا صالح بن أحمد, قال: كان أبي يتنوّر في البيت, فقال لي في يوم شتوي: أريد أن أدخل الحمام بعد المغرب, فقل لصاحب الحمام, فلما كان المغرب, قال: ابعث إليه أني قد أضربت عن الدخول, وتنوّر في البيت.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد, ومحمد بن عبد الباقي, قالا: أخبرنا حمد بن أحمد, قال: أخبرنا أحمد بن عبد الحافظ, قال: حدثنا سليمان بن أحمد.
وأخبرنا ابن ناصر, قال: أنبأنا أبو علي بن البناء, قال: أخبرنا أبو القاسم الأزهري, قال: أخبرنا القطيعي, قالا: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل, قال: كنت جالسًا عند أبي يومًا, فنظر إلى رجليّ وهما لينتان ليس فيهما
стр. 333
شقاق, فقال لي: ما هذه الرجلان؟ لم لا تمشي حافيًا حتى تصير رجلاك خشنتين؟
أخبرنا محمد بن ناصر, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن علي الخياط, قال: أخبرنا محمد بن أبي الفوارس, قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن سلم, قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الخالق, قال: حدثنا أبو بكر المروذي, قال: سمعت أبا عبد الله يقول لشجاع ابن مخلد العطار: يا أبا الفضل, إنما هو طعامٌ دون طعام, ولباسٌ دون لباس, وإنها أيام قلائل.
أخبرنا عمر بن ظفر, قال: أخبرنا جعفر بن أحمد, قال: أخبرنا عبد العزيز بن علي الأزجي, قال: أخبرنا علي بن عبد الله بن جهضم, قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن عيسى, قال: حدثنا محمد بن الحسن, قال: حدثني أبو بكر المروذي, قال: سمعت أبا عبد الله يقول: أسرُّ أيامي إليَّ يوم أصبح وليس عندي شيء.
стр. 334
الباب الخامس والأربعون
في ذكر صفة بيته وآلاته
أخبرنا إسماعيل بن أحمد, ومحمد بن عبد الباقي, قالا: أخبرنا حمد بن أحمد, قال: حدثنا أحمد بن عبد الله, قال: حدثنا سليمان بن أحمد.
وأخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم, قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري, قال: أخبرنا محمد بن محمد بن محمود, قال: أخبرنا محمد بن أحمد الحافظ, قال: أخبرنا القطيعي, قالا: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أحمد بن محمد بن بلال, قال: سمعت علي بن المديني يقول: دخلت منزل أحمد بن حنبل, فما شبهت بيته إلا بما وُصف من بيت سويد بن غفلة, من زهده وتواضعه.
قلت: سويد بن غفلة من كبار التابعين, وفد إلى رسول الله ﷺ وقد قُبض, فصحب أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا, وكان من الزاهدين في الدنيا.
أخبرنا محمد بن عبد الباقي, قال: أخبرنا حمد بن أحمد, قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ, قال: أخبرنا محمد بن أحمد في كتابه, قال: حدثنا موسى بن إسحاق, قال: حدثنا عبد الرحمن بن صالح, قال: حدثنا عبد الله بن حماد الجُهني, عن محمد بن أبان, عن عمران بن مسلم, قال: كان سويد بن
стр. 335
غفلة إذا قيل له: أُعطي فلان, وولي فلان, قال: حسبي كسرتي وملحي.
أخبرنا محمد بن أبي منصور, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر, قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر, قال: حدثنا أحمد بن محمد الخلال, قال: أخبرني عبد الملك الميموني, قال: كان منزل أبي عبد الله منزلًا ضيقًا صغيرًا, وكان ينام في الحر في أسفله, وقال له عمه: ربما قلت له, فلا يفعل ولا ينام فوق. وقد رأيت موضع مضجعه وفيه شاذوكة وبردعة قد غلب عليها الوسخ.
قال الخلال: وحدثني محمد بن العباس, قال: حدثنا مظفر بن السري, قال: حدثني حسن بن سيار, قال: دخلت إلى أحمد بن حنبل وأنا صبي مع أستاذي نجصص له بيتًا, فقال له أحمد: جصصه باليد ولا تمسحه بالمالج؛ ثم فرشناه بالطوابيق, فلما فرغنا استحسنه وقال: هذا نظيف يصلي عليه الرجل, وليس فيه بارية ولا حصير, ودفع إليّ كفّ تمرٍ.
قال الخلال: وأخبرني حامد بن أحمد, أنه سمع الحسن بن محمد بن الحارث, يقول: دخلتُ دار أحمد فرأيت في بهوه حصيرًا خلقًا ومسورة, وكتبه مطروحة حواليه, وحُبّ خزف.
قال الخلال: وأخبرني عبد الملك بن عبد الحميد, قال: كان لأبي عبد الله طاقٌ في منزله, فرأيته قد علق عليه مسحًا.
стр. 336
قال الخلال: وقرأت على الحسين بن عبد الله النّعيمي, عن الحسين بن الحسن, قال: حدثنا أبو داود, قال: رأيت لباب دار أبي عبد الله سِترًا خلقًا مُلبدًا؛ ورأيت بقربه شيئًا نحوًا مما تعلق الأداوي في الأسفار, عليه عدة قلال.
قال الخلال: وأخبرني محمد بن أبي هارون, قال: سمعت محمد بن موسى, يقول: كان باب أبي عبد الله بابًا كبيرًا من لبن؛ ثم جئت بعد وعلى الباب سِتر شعر.
قال الخلال: وأخبرني محمد بن موسى, أنه سمع أبا إبراهيم الزُّهري يقول: إن أبا عبد الله قال له في كلام - قال: وجعل يعزيني, ويقول -: ترى بابنا هذا, إنما بنيته بالدين.
قال الخلال: وأخبرنا أحمد بن الحسن, قال: دخلت على أبي عبد الله غير مرة وهو متربع بين يديه كانون من طين, وله ثلاث قوائم فيه جمر, وتحته لبد له.
стр. 337
الباب السادس والأربعون
في ذكر مطعمه
أخبرنا محمد بن ناصر, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي, قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز, قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم, قال: حدثنا صالح بن أحمد, قال: ربما رأيت أبي يأخذ الكسر فينفض الغبار عنها ثم يُصيرها في قصعة, ويصب عليها ماء حتى تبتل, ثم يأكلها بالملح, وما رأيته قط اشترى رُمانًا ولا سفرجلًا ولا شيئًا من الفاكهة؛ إلا أن يكون يشتري بطيخة فيأكلها بخبز, أو عنبًا, أو تمرًا, فأما غير ذلك فما رأيته قط اشتراه, وربما خُبز له فيجعل في فخارة عدسًا وشحمًا وتمرات شهريز, فيخص الصبيان بقصعة, فيصوت ببعضهم, فيدفعه إليهم فيضحكون, ولا يأكلون؛ وكان كثيرًا ما يأتدم بالخلّ؛ وكان يُشترى له شحم بدرهم, فيأكل منه شهرًا, فلما قدم من عند المتوكل أدمن الصوم, وجعل لا يأكل الدسم؛ فتوهمت أنه كان جعل على نفسه إن سلم أن يفعل ذلك.
أخبرنا محمد بن أبي منصور, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر, قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر, قال: حدثنا أحمد بن محمد الخلال, قال: حدثنا أبو بكر المروذي, قال: قال لي النيسابوري
стр. 338
صاحب إسحاق بن إبراهيم: قال لي الأمير: إذا جاءوا بإفطاره فأرنيه, قال: فجاءوا برغيفين خبزًا وخيارة؛ فأريته الأمير فقال: هذا لا يُجيبنا إذا كان هذا يقنعه.
قال الخلال: وحدثنا أبو بكر المروذي, قال: سمعت أبا عبد الله, يقول في أيام العيد: اشتروا لنا أمس باقلّاء, فأي شيءٍ كان به من الجودة؟
قال الخلال: وحدثني محمد بن أبي هارون, قال: سمعت حمدان بن علي, قال: قال أبو السري: كنا يومًا مع أبي عبد الله عند أبي بكر الحول في ختان ابنه, وكنت مع أبي عبد الله على المائدة, فأكل حتى جاءوا بالفالوذج فامتنع, فقال له أبو بكر: يا أبا عبد الله - كأنه يسأله أن يأكل - فقال: هو أرفع الطعام. ثم أكل لقمة لم يزد عليها.
قال الخلال: وقرأت على الحسين بن عبد الله النعيمي, عن الحسين بن الحسن, قال: سمعت محمد بن داود, قال: كتب إليّ الحسن بن خلف الصايغ, قال: جاءني المروذي في علة أبي عبد الله, فقال: أبو عبد الله عليلٌ, فذهبت بالمتطبب فدخلنا عليه, فقال: ما حالك؟ قال: احتجمت أمس, قال: وما أكلت؟ قال: خبزًا وكامخًا, قال: يا أبا عبد الله, تحتجم وتأكل خبزًا وكامخًا؟! قال: فما آكل؟
قال الخلال: وقال حنبل بن إسحاق: لما مرض أبو عبد الله وصف له عبد الرحمن دُهن اللوز, فأبى أن يشربه, وقال: الشيرج. فلما اشتدت علته جُعل له اللوز, فلما علم به نحّاه ولم يشربه.
стр. 339
أخبرنا محمد بن ناصر, قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار, قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن علي الخياط, قال: أخبرنا محمد بن أبي الفوارس, قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن سلم, قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الخالق, قال: حدثنا أبو بكر المروذي, قال: سمعت أبا عبد الله يقول: قد وجدت البرد في أطرافي, ما أراه إلا من إدامي أكل الخل والملح. وقد روى إسحاق بن إبراهيم بن هانئ, قال: كان أبو عبد الله لا يطرح في قدر له فلفلًا ولا ثومًا.
قال: وتعشيت مرةً أنا وهو وقرابة له, فجعلنا نتكلم وهو يأكل ويمسح يده عند كل لقمة بالمنديل, وجعل يقول عند كل لقمة: الحمد لله. ثم قال لي: أكلٌ وحمدٌ خيرٌ من أكلٍ وصمت.
стр. 340
الباب السابع والأربعون
في ذكر رفقه بنفسه
أخبرنا محمد بن أبي منصور, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي, قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز بن مردك, قال: حدثنا أبو محمد بن أبي حاتم, قال: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل, قال: اعتل أبي فتعالج, وكان يُشترى له في الشتاء العروق - أصول الشوك - وتوقد له وتصير في كانون ضيق فيصطلي به.
أنبأنا محمد بن ناصر, قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قال: أخبرنا عبيد الله بن عمر بن شاهين, قال: حدثنا أبي, قال: حدثنا أحمد بن كامل القاضي, قال: حدثني يعقوب بن يوسف المطوعي, قال: كان أبو عبد الله أحمد بن حنبل لا يأكل الخبيص بمعلقة, كان يضع الخبيص في كفه ويستفه سفًا, وكان يأكل خبز الرقاق, فقلت: كيف علمت؟ قال: كنت على بابه وقد خبز صالح ابنه في بيته, فجاء سائل, فوقف على الباب يسأل, فأخرجوا إليه كسرة رقاق, فعلمت أن أحمد كان يأكل الرقاق, لأن النبي ﷺ قال: "لا تطعموهم مما لا تأكلون".
стр. 341
الباب الثامن والأربعون
في ذكر لباسه
أخبرنا محمد بن أبي منصور, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أخبرنا أبو إسحاق البرمكي, قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز, قال: أخبرنا ابن أبي حاتم, قال: ذكر عبد الله بن أبي عمر البكري, قال: سمعت عبد الملك بن عبد الحميد الميموني, قال: كانت ثياب أحمد بن حنبل بين الثوبين, تساوي ملحفته خمسة عشر درهمًا, وكان ثوب قميصه يؤخذ بالدينار ونحوه, لم تكن له رقّة تُنكر؛ ولا غلظ ينكر, وكانت ملحفته مهدّبة.
أخبرنا ابن ناصر, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أنبأنا إبراهيم ابن عمر, قال: أنبانا عبد العزيز بن جعفر, قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد الخلال, قال: حدثنا محمد بن موسى, أنه سمع حمدان بن علي يقول: إن أبا عبد الله لم يكن لباسه بذاك؛ إلا أنه قطن نظيف, وكان بأخرة في لباسه أجود لما كان يستعين بالغلة لما استغنى ولده عنها.
قال الخلال: وحدثنا محمد بن الحسين: أن الفضل بن زياد حدثهم قال: رأيت على أبي عبد الله في الشتاء قميصين وجُبة ملونة بينهما؛ وربما لبس قميصًا وفروًا ثقيلًا, وربما رأيت عليه في البرد الشديد الفرو فوق الجبة, ورأيت عليه
стр. 342
عمامةً فوق القلنسوة وكساءً ثقيلًا, فسمعت أبا عمران الوركاني يقول له يومًا: هذا اللباس كله؟ فضحك ثم قال: يا أبا عمران, أنا رقيقٌ في البرد. وربما لبس القلنسوة بغير عمامة.
قال الخلال: وأخبرني منصور بن الوليد, أن جعفر بن محمد حدثهم قال: رأيت على أبي عبد الله جبة برد معقدة, وقلنسوة وعمامة, وكان في الشتاء أحيانًا يلبس الفرو, وأحيانًا الجبة, وربما جمعهما.
قال الخلال: وأخبرني جعفر بن محمد بن مغيرة, قال: رأيت على أبي عبد الله في الصيف قميصًا وسراويل ورداءً, وربما لبس قميصًا ورداءً, واتشح بالرداء, وكان كثيرًا ما يتشح فوق القميص.
قال الخلال: وحدثنا موسى بن حمدون, أن حنبلًا حدّثهم قال: رأيت أبا عبد الله يلبس سراويل فيشده فوق السرة, ويرتدي بقميصه.
قال الخلال: وحدثنا عبد الملك الميموني, قال: رأيت أبا عبد الله عليه إزار متشح به, وعليه إزار آخر ارتدى به, وعنده جماعة من المحدّثين وغيرهم, وما رأيت أبا عبد الله عليه طيلسان قط, ولا رداء, وإنما هو إزار صغير ظننته سداسيًا, وسألت ابن عمه فقال: سُداسي.
قال الخلال: وأخبرني عبد الملك بن عبد الحميد, قال: رأيت أبا عبد الله يومًا صائفًا عليه قميص مشدود الإزار؛ وما رأيته مرخي الكُمين - يعني المشي -.
стр. 343
قال الخلال: وحدثنا سليمان بن الأشعث, قال: كنت أرى إزار أبي عبد الله محلولة.
قال الخلال: وحدثنا زُهير بن صالح, قال: سمعت أبي يقول: كانت لأبي قلنسوة, وقد خاطها بيده فيها قطن, فإذا قام بالليل لبسها.
قال الخلال: وأخبرنا أحمد بن الحسين بن حسان, قال: رأيت قلنسوة لأبي عبد الله مُرقعة فيها بُرد وبياض مروي.
قال الخلال: وقرأت على الحسين بن عبد الله النعيمي, عن الحسين بن الحسن, عن حميد بن زنجويه قال: رأيت على أحمد بن حنبل جُبة خضراء فيها رقعة بيضاء من صوف.
قال الخلال: وأخبرني محمد بن موسى, قال: سمعت حمدان بن علي, يقول: رأيت على أبي عبد الله جبة وعليها رقعة بغير لونها.
قال الخلال: وحدثنا المروذي, قال: أراد أبو عبد الله أن يرقع قميصه فلم يكن عنده رقعة, فقال: أرقعه من إزاري, فقطعنا من إزاره فرقعناه, ولقد احتاج غير مرة إلى خرق فكان يقطع من إزاره, وأعطاني خفًا له لأرُمّه قد لبسه سبع عشر ةسنة؛ فإذا فيه خمسة مواضع - أو ستة مواضع - الخرز فيه من برّا.
قال الخلال: وحدثني جعفر بن محمد بن معبد, قال: رأيت نعل أبي عبد الله صفراء.
стр. 344
أنبأنا ابن ناصر, قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار, قال: أخبرنا أبو بكر محمد علي الخياط, قال: أخبرنا محمد بن أبي الفوارس, قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن سلم, قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الخالق, قال: حدثنا أبو بكر المروذي, قال: استعمل لأبي عبد الله خُف, فجئته به, فبات عنده ليلة, فلما أصبح قال لي: تفكرت في أمر هذا الخف - أراه قال: عامة الليل - قد شغل عليّ قلبي قد عزم لي أن لا ألبسه, كم ترى بقي؟ الذي مضى أكثر مما بقى. فدفع إلي خفّا له خلقًا فقال: اضرب على هذا الموضع رقاعًا وسدّد خروقه. ثم قال: تدري منذ كم هذا الخف عندي؟ نحو من ستّ عشرة سنة, وإنما صار إليّ وهو لبيس, وهذا قد شغل عليّ قلبي - يعني الجديد -.
قرأت على ابن ناصر, عن أبي القاسم بن البسري, عن ابن بطة, قال: أخبرنا أبو طالب بن البهلول, قال: حدثنا أحمد بن أصرم المُزني قال: رأيت سراويل أبي عبد الله فوق كعبيه.
أخبرنا محمد بن أبي منصور, قال: أنبأنا أبو القاسم بن البُسري, عن أبي عبد الله بن بطة, قال: أخبرنا أبو بكر الآجرّي, قال: أخبرنا أبو نصر بن كردي, قال: أخبرنا أبو بكر المروذي, قال: رأيت على أبي عبد الله كساء مربعًا, فكان إذا أراد أن يصلي ربما وضع أطرافه تحت قدميه.
стр. 345
الباب التاسع والأربعون
في ذكر ورعه
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم الكروخي, قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري, قال: أخبرنا محمد بن أحمد الجارودي - أو محمد بن محمد عنه - قال: أخبرنا أبو زُرعة محمد بن محمد بن عبد الوهاب, قال: أخبرنا أبو ذر أحمد بن محمد الباغندي, قال: حدثنا الدّوري, قال: كتب لي أحمد بن حنبل إلى قوم من المحدثين بالبصرة, فكتب لي في كتابه: وهذا ممن يطلب الحديث.
أخبرنا عبد الملك, قال: أخبرنا عبد الله, قال: أخبرنا أبو يعقوب, قال: أخبرنا جدي, قال: أخبرنا أبو الفضل بن أبي جعفر المنذري, قال: سمعت محمد بن إبراهيم, يقول: بلغني أن أحمد بن حنبل حضره قوم من أهل الحديث من إخوانه, فاشترى لهم بما كان عنده, وأطعمهم, وأنه صبر على مقدار رُبع سويق - وهو الكيلجة - خمسة عشر يومًا بمعسكر المتوكل, يعتصم بذلك حتى أتته النفقة من بغداد, ولا يذوق من مائدة المتوكل.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد, ومحمد بن عبد الباقي, قالا: أخبرنا حمد بن أحمد, قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ, قال: حدثنا أبو أحمد الغطريفي, قال:
стр. 346
حدثني زكريا بن يحيى الساجي, قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن صالح الأزدي, قال: حدثني إسحاق بن موسى الأنصاري, قال: دفع المأمون إليّ مالًا, وقال: اقسمه على أصحاب الحديث, فإن فيهم ضعفاء, فما بقى منهم أحدٌ إلا أخذ, إلا أحمد بن حنبل, فإنه أبى.
أخبرنا محمد بن ناصر, قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار, قال: أخبرنا محمد بن عبد الواحد الحريري, قال: أخبرنا أبو عمر بن حيويه, قال: أخبرنا أبو مزاحم الخاقاني, قال: حدثنا ابن المطّوعي, قال: حدثني فوران, قال: كُنا عند أحمد بن حنبل قبل أن يموت بليلتين, وكان ثم غلام أسود لأبي يوسف - يعني عمه - اشتراه من هذا المال, فذهب يروّح أحمد فنهاه.
أخبرنا هبة الله بن أحمد الحريري, قال: أنبأنا محمد بن علي بن الفتح, قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن الصباح الكوفي, قال: حدثنا جعفر بن محمد ابن نصير, قال: حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق, قال: قال لي عبد الله بن أحمد بن حنبل: دخل عليّ أبي ﵀ في مرضي يعودني, فقلت: يا أبت, عندنا شيء قد بقى مما كان يبرّنا به المتوكل, أفأحج منه؟ قال: نعم, قلت: فإذا كان هذا عندك هكذا فلم لم تأخذ؟ قال: يا بني, ليس هو عندي حرام, ولكني تنزّهت عنه.
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد, قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت, قال: أخبرنا الجوهري, قال: أخبرنا محمد بن العباس, قال: أخبرنا
стр. 347
أحمد بن جعفر, قال: حدثني جدي محمد بن عبيد الله المنادي, قال: قال لي أحمد بن حنبل: أنا أذرع هذه الدار التي أسكنها وأخرج الزكاة عنها في كل سنة, أذهب في ذلك إلى قول عمر بن الخطاب في أرض السواد.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد, ومحمد بن أبي القاسم, قالا: أخبرنا حمد بن أحمد, قال: حدثنا أحمد بن عبد الله, قال: حدثنا أبو بكر بن مالك, قال: حدثنا محمد بن يونس, قال: حدثني سليمان بن داود الشاذكوني, قال: عليّ بن المديني يتشبه بأحمد بن حنبل! أيهات, ما أشبه السُّك باللك, لقد حضرت من ورعه شيئًا بمكة؛ أنه رهن سطلًا عند فاميّ فأخذ منه شيئًا يتقوته, فجاء فأعطاه فكاكه, فأخرج إليه سطلين فقال: انظر أيهما سطلك فخذه, فقال: لا أدري, أنت في حل منه ومما أعطيتك في حل, ولم يأخذه, قال الفامي: والله إنه لسطله, وإنما أردت أن أمتحنه فيه.
أخبرنا ابن ناصر, قال: أخبرنا ابن عبد الجبار, قال: أخبرنا محمد بن عبد الواحد الحريري, قال: أخبرنا أبو عمر بن حيويه, أن أبا مزاحم أخبرهم قال: أخبرني أبو بكر بن مكرم الصفّار, قال: حدثني محمد القاسم الثغري, قال: سمعت أحمد بن القاسم الطوسي, يقول: كان أحمد بن حنبل إذا نظر إلى نصراني غمض عينيه, فقيل له في ذلك, فقال: لا أقدر أنظر إلى من افترى على الله وكذب عليه.
стр. 348
أخبرنا إسماعيل بن أحمد, ومحمد بن أبي القاسم, قالا: أخبرنا حمد بن أحمد, قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله, قال: سمعت محمد بن أحمد بن الحسن الصواف, يقول: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل, يقول: ما رأيت أبي في حفظه حدّث من غير كتاب إلا بأقل من مئة حديث.
أخبرنا المبارك بن أحمد النصاري, قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد السمرقندي, قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت, قال: حدثني عبد العزيز ابن علي الورّاق, قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز البردعي, قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم, قال: حدثنا الحسين بن الحسن الرازي, قال: سمعت علي بن المديني, يقول: ليس في أصحابنا أحفظ من أبي عبد الله أحمد بن حنبل, وبلغني أنه لا يحدث إلا من كتاب, ولنا فيه أسوة حسنة.
أخبرنا المبارك, قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد, قال: أخبرنا أحمد بن علي, قال: حدثني أبو القاسم عبد الله بن أحمد السوذرجاني, قال: حدثنا علي بن محمد بن أحمد الفقيه, قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن أسد, قال: حدثنا علي بن روحان قال: حدثني إبراهيم بن جابر المروذي, قال: كنا نجالس أبا عبد الله أحمد بن حنبل فنذكر الحديث ونحفظه ونتقنه, فإذا أردنا أن نكتبه قال: الكتابُ أحفظ؛ قال: فيثب وثبةً ويجيء بالكتاب.
стр. 349
أخبرنا محمد بن ناصر, قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار, قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن على الخياط, قال: أخبرنا محمد بن أبى الفوارس, قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن سلم, قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الخالق قال: حدثنا أبو بكر المروذى, قال: سمعت أبا عبد الله - يعنى أحمد بن حنبل - يقول: قد أنفقت على هذا المخْرَج خمسة وستين درهماً بِدَين, وإنما لى فيه رُبع الكِراء. قلت: فلمَ لم تَدع عبد الله ينفق عليه؟ قال: كَرهت أن يُفسد علىَّ الدراهم.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد, ومحمد بن عبد الباقى, قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد, قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله, قال: حدثنا الحسين بن محمد, قال: سمعت شاكر بن جعفر, يقول: سمعت أحمد بن محمد التُّسْتَرى يقول: ذكروا أن أحمد بن حنبل أتى عليه ثلاثة أيام ما كان طَعِم فيها, فبعث إلى صديق له فاستقرضَ شيئاً من الدقيق, فعرفوا فى البيت شِدّة حاجته إلى الطعام, فخّبزوا بالعَجلة, فلما وُضع بين يديه قال: كيف خبزتم هذا بسرعة؟ فقيل له: كان التنور فى دار صالح مسجوراً, فخبزنا بالعجلة, فقال: ارفعوا, ولم يأكل, وأمر بسد بابه إلى دار صالح.
أخبرنا ابن ناصر, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن على الخياط, قال: أخبرنا محمد بن أبى الفوارس, قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن سَلم, قال أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الخالق, قال: حدثنا أبو بكر المُّروذى قال: سمعتُ أبا عبدالله يقول فى مرضه الذى
стр. 350
مات فيه لأُم وَلده: ومَن قال لك أن تخبزى ثَمّ شيئاً؟ وقد كانت خبزت مرة قبل تلك, فقال لها: ومن يأكله؟ فلم يأكل منه شيئاً - يعنى بيت صالح ولده -.
أخبرنا محمد بن أبى منصور, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر, قال: أنبأنا العزيز بن جعفر, قال: حدثنا أحمد بن محمد الخلال, قال: حدثنا أبو بكر المُّروذى, قال سمعتُ أبا عبدالله وقال لى ونحن فى مَوضع: (وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) , ثم قال: قد سكنّا, أو قال: نحن فيها.
قال الخلال: وأخبرنى محمد بن أبى هارون, قال: حدثنى إسحاق بن إبراهيم, قال: بَعثنى أبو عبد الله مرة بقطع ثلاثة, أو أربعة فقال: اشترِ بهذه أَبزاراً للقِدر؛ ودَفع إلى قطعة أُخرى على حِدَة فقال: اشترِ بهذه أبزاراً ولا تخلطه, فاختلط, فجئتُ به فأخبرته أنه اختلط, فقال لى: رُدّة وخُذ القِطع. فرددته وأخذتُ القطع, فطرحها فى دراهم الجارية لما اشتبه عليه.
قال الخلال: وأخبرنى محمد بن على السّمسار, قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم بن هانىء, يقول: أعطانى أبو عبد الله يوماً قطعة فقال: اشتر لى بهذه القطعة باقِلاء وماءَه. وأعطتنى أَيضاً حُسن - أُم ولده - قطعةً فقالت: اشترِ لى بهذه القطعة أيضاً باقِلاء, فقال: اشترِ للصبيان زَيتاً وباقِلاء, ففضل حبة أو حبتان من قطع الطبيان, فقلت لصاحب الباقلاء: أعطنى به زيتاً, فصببته على الباقلاء الذى أخذته لأبى عبد الله؛ فلما جئت به وضعته بين يديه, فنظر
стр. 351
أثر الزيت, فقال لى: ما هذا؟ فقلت: فَضَل من قطع الصبيان حبة فصببت لك بها زيتاٍ, فقال: ارفع يا أحمق, ومن أمرك بهذا؟ متى تعقل؟ ولم يأكله.
قال الخلال: وأخبرنا محمد بن على السِّمسار, قال: سمعت أبا عبد الله يقول لإسحاق بن إبراهيم النَّيسابورى: خُذ من أُم عَلى - يعنى ابنة أبى عبد الله - ما تُعطيك, فدخل وخرج ومعه دجاجة؛ فخرجنا جميعاً فقلت لإسحاق: ما قالت لك؟ قال: قالت: أَبى يريد أن يحتجم وليس معه شىء؛ فقال لى: أعطِ إسحاق الدَّجاجة يبيعها, فإنى محتاج إلى الحَجامة, فصرنا بها إلى السوق فأعطى بها درهماً ودانقين, فلم يبعها وردّها؛ فلما صرنا إلى القنطرة فإذا عبد الله جالس فى دكان ابن بُختان, فعا إسحاق وقال: أى شىء هذه؟ لمن هذه؟ فقلت: أعطتنى أُم على أبيعها. فقال: كم أُعطيت بها؟ قال: درهماً ودِانقين. فقال: بِعنيها بدرهم ونصف. فأعطاه درهماً ونصفاً وأَخذها منه, فلما صار إلى عبد الله, قالت أُم على: بكم بعتها؟ قال: بدرهم ونصف, فقالت: بَس؟! فقال لها: أعطونى فى السوق درهماً ودانقين؛ فقال أبو عبد الله: يا إسحاق, ممن بعتَها؟ قلت له: من عبد الله. فأخذ الثمن من أُم على وصاح علىَّ وقال: مُر, رُدَّها. فخرج إسحاق يعدو حتى جاء إلى عبدالله فقال له: رُدّها, فقد صاح علىَّ أبوك. قال: ولم قلت له؟ فردَّها. قال إسحاق: فقال لى أبو عبد الله: مُر بها إلى السوق ولا تَمُر على عبد الله, فبعتها من غريب بدرهم وثلث ثم جئت إلى أبى عبد الله, فقال: لعلك دفعتها إلى عبدالله؟ قلت: لا بعتُها إلى رجل غريب.
قال الخلال: وأخبرنى محمد بن على السّمسار, قال: كانت لأُم عبد الله بن
стр. 352
أحمد دار معنا فى الدَّرب يأخذ منها درهماً بحق ميراثه, فاحتاجت إلى نَفقة فأصلحها عبد الله, فترك أَبو عبد الله الدرهم الذى كان يأخذه وقال: قد أفسده على.
قال الخلال: وأخبرنى محمد بن على, قال: حدثنا صالح أن أَباه مرض, فوصف له عبد الرحمن المتطبب قرعة تُشْوَى ويُسقى ماءَها فقال لى: يا صالح, لا تُشوَ فى منزلك ولا منزل عبد الله, فسمعت أَبا بكر المُّروذى يقول: فمضيت بها وشويتها وجِئت بها إليه.
قال الخلال: وأَخبرنى أَبو الحسن بن عبد الوهاب, قال: حدثنا محمد بن عَياش, قال: أَرسلنى أَبو عبد الله فاشتريتُ له سَمناً بقطعة؛ فجئتُ به على ورقة بَقل, فأخذ السمن وأعطانى الورقة وقال: رُدَّها.
قال الخلال: وأخبرنى محمد بن عُبيد الله المنادى, قال: حدثنى الصحنائى, قال: أعطانى أحمد بن حنبل قطعة اشترى له بها باقلاء على خُبز مَثرود, فجئته بباقلاء كثيرة, فقال لى: هذا كثير؟ فقلت له: كان باقلانيان يَبيعان مُضارَّة رخيصاً, فقال لى: رُدَّه عليه, وادفع إليه الخُبز والاقلاء, ودّع القطعة عليه وتعال, ففعلت.
قال الخلال: وحدثنا عبد الله بن إسماعيل, قال: حدثنى محمد بن أحمد السمسار, قال: سمعت عبد الله بن أيوب المُخّرمى, يقول: نَزل عندنا رَوحُ بن عُبادة, فجاء أحمد بن حنبل إليه وباتَ هاهنا, وخُبزه فى كُمه,
стр. 353
ويَشرب من ماءِ النهر, وينتظر رَوحاً حتى خرج, فجاء يحيى بن أكثم فى ضُبنةٍ فجلس بين يدى أحمد وجعل يُسائله, وأحمدُ مُطرِق, فلما رآه لا يُقبِل عليه قامَ وتركه.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد, ومحمد بن عبد الله, قال: حدثنا الحسين بن محمد, قال: سمعتُ شاكر بن جعفر, قال: سمعتُ جعفر بن محمد بن يعقوب, يقول: جاءَ رسولٌ من دار أحمد بن حنبل إليه يذكر له أَن أَبا عبد الرحمن عليلٌ واشتهى الزُّبد, فناول رجلاً من أصحابه قطعة وقال: اشترِ له بها زُبداً, فجاءَ به على ورق سلقٍ, فلما أن نظر إليه قال: من أَين هذا الوَرق؟ فقال: أخذتُه من عند البقّال, فقال: استأذنته فى ذلك؟ قال: لا, قال: رُدَّه.
أخبرنا محمد بن أبى منصور, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد بن يوسف, قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البَرمَكى, قال: أخبرنا ابن مَرْدَك, قال: حدثنا ابن أبى حاتم, قال: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل, قال: وُلد لى مولود, فأهدى لى صديقٌ شَيئاً, ثم أتى على ذلك أشهر وأراد الخروج إلى البصرة, فقال لى: تُكلّم أَبا عبد الله يكتب لى إلى مشايخ بالبصرة؟ فكلمته, فقال: لولا أنه أَهدى إليك كنتُ أكتب له.
أخبرنا المبارك بن أحمد الأنصارى, قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد
стр. 354
السَّمَرقندى, قال: أخبرنا أحمد بن على بن ثابت, قال: أخبرنا الحسن بن على التَّميمى, قال أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان, قال: حدثنا عبد الله ابن أحمد بن جنبل, قال: كان هاهنا شيخ, قال: رأَيتُ على أَبى عبد الله جَرَباً, فجئتُ بدواءٍ فقلت: ضَع هذا عليه, فأخذه ثم رَدّضه, فقلت له: لم ردَدته؟ فقال: أَنتم تسمعون منى.
أخبرنا محمد بن أبى منصور, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر, قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر, قال: حدثنا ابو بكر الخلال, قال: حدثنا على بن سَهل بن المغيرة البزاز, قال: سمعت غبراهيم الهَرَوى, قال: كُنا على باب هُشيم, فأتاه رجل بكتاب شَفاعة, فأذن له فدخلنا مع صاحب الشفاعة, وأحمد بن حنبل على الباب؛ وهو حَدثٌ له أَقلّ من عشرين سنة, فقلنا له: يا أبا عبد الله ادخل. قال: لم يُؤْذَن لى.
أنبأنا على بن عبيد الله عن أَبى القاسم بن البصرى, قال: أنبأنا أبو عبد الله ابن بَطة, قال: سُقِف لأبى عبد الله سَطح الحاكة, وجُعل مَسيل الماء إلى الطريق, فباتَ تلك الليلة, فلما أصبح قال: ادعو لى النَّجار يُحول الميزاب إلى الدار, فدعوته له فَحوَّله.
أخبرنا محمد بن ناصر, قال: أخبرنا أَبو طالب بن يوسف, وأبو الحسين ابن عبد الجبار, قالا: أخبرنا إبراهيم بن عمر, قال: أخبرنا عبيد الله بن محمد ابن حمدان, قال: حدثنا محمد بن أَيوب العُكْبّرى, قال: حدثنا إبراهيم الحَربى, قال: لزمتُ أحمد بن حنبل سنتين, فكان إذا خرج ليُحدّثنا يُخرج
стр. 355
معه مِحبرة مُجلدة بجلدٍ وقلماً, فإذا مرَّ به سَقط أو خَطأ فى كتابه أَصلحه بقلمه من مِحبرته, يتورَّع أن يأخذ من مِحبرة أحدنا شيئاً, وكنا نقول لأحمد فى الشىءِ: تحفظه؟ فيقول: لا, إلا من كتاب.
أخبرنا محمد بن ناصر, قال: أخبرنا أَبو الحسين بن عبد الجبار, قال: أخبرنا على بن عمر القزوينى, قال: أخبرنا أَبو عُمر بن حَيوُّيه, قال: أخبرنا أبو محمد الزهرى, قال: حدثنا إبراهيم الحربى, قال: ما خرج إلينا أحمد بن حنبل ﵀ قط إلا ومعه مَحبرة مجلدة وقلم, يتوّرع أَن مُدَّة فيُصلح بها سيناً أو شكله.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز, قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر بن دَرسْنتَويه قال: أخبرنا يعقوب بن سفيان, قال: حدثنا سلمة - يعنى ابن شبيب - قال: سألتُ أحمد بن حنبل عن محمد بم معاوية النَّيسابورى, فقال لى: نِعم الرجل يحيى بن يحيى.
قلت: إنما ورّى عن ذكر هذا المذموم بذاك الممدوح, فإن محمد بن معاوية معدود فى الكذابين, وقد قدح فيه فى رواية أُخرى عنه, لكنه كان يَجتنب القدح فى أوقات.
أخبرنا المبارك بن أحمد الأنصارى, قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد السمرقندى, قال: أخبرنا أحمد بن على بن ثابت, قال: أنبأنا أبو سعد المالِينى: قال: أخبرنا إسماعيل بن عمر بن الحسن المقرئ, قال: حدثنا محمد بن صالح بن محمد الخولانى, قال: سمعتُ عبد الله بن أحمد بن حنبل, يقول:
следующие страницы →