← Тараджим

Тараджим · id 13250

مناقب الإمام أحمد

ابن الجوزي

Полный текст (708 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

أثر الزيت, فقال لى: ما هذا؟ فقلت: فَضَل من قطع الصبيان حبة فصببت لك بها زيتاٍ, فقال: ارفع يا أحمق, ومن أمرك بهذا؟ متى تعقل؟ ولم يأكله. قال الخلال: وأخبرنا محمد بن على السِّمسار, قال: سمعت أبا عبد الله يقول لإسحاق بن إبراهيم النَّيسابورى: خُذ من أُم عَلى - يعنى ابنة أبى عبد الله - ما تُعطيك, فدخل وخرج ومعه دجاجة؛ فخرجنا جميعاً فقلت لإسحاق: ما قالت لك؟ قال: قالت: أَبى يريد أن يحتجم وليس معه شىء؛ فقال لى: أعطِ إسحاق الدَّجاجة يبيعها, فإنى محتاج إلى الحَجامة, فصرنا بها إلى السوق فأعطى بها درهماً ودانقين, فلم يبعها وردّها؛ فلما صرنا إلى القنطرة فإذا عبد الله جالس فى دكان ابن بُختان, فعا إسحاق وقال: أى شىء هذه؟ لمن هذه؟ فقلت: أعطتنى أُم على أبيعها. فقال: كم أُعطيت بها؟ قال: درهماً ودِانقين. فقال: بِعنيها بدرهم ونصف. فأعطاه درهماً ونصفاً وأَخذها منه, فلما صار إلى عبد الله, قالت أُم على: بكم بعتها؟ قال: بدرهم ونصف, فقالت: بَس؟! فقال لها: أعطونى فى السوق درهماً ودانقين؛ فقال أبو عبد الله: يا إسحاق, ممن بعتَها؟ قلت له: من عبد الله. فأخذ الثمن من أُم على وصاح علىَّ وقال: مُر, رُدَّها. فخرج إسحاق يعدو حتى جاء إلى عبدالله فقال له: رُدّها, فقد صاح علىَّ أبوك. قال: ولم قلت له؟ فردَّها. قال إسحاق: فقال لى أبو عبد الله: مُر بها إلى السوق ولا تَمُر على عبد الله, فبعتها من غريب بدرهم وثلث ثم جئت إلى أبى عبد الله, فقال: لعلك دفعتها إلى عبدالله؟ قلت: لا بعتُها إلى رجل غريب. قال الخلال: وأخبرنى محمد بن على السّمسار, قال: كانت لأُم عبد الله بن

стр. 352

أحمد دار معنا فى الدَّرب يأخذ منها درهماً بحق ميراثه, فاحتاجت إلى نَفقة فأصلحها عبد الله, فترك أَبو عبد الله الدرهم الذى كان يأخذه وقال: قد أفسده على. قال الخلال: وأخبرنى محمد بن على, قال: حدثنا صالح أن أَباه مرض, فوصف له عبد الرحمن المتطبب قرعة تُشْوَى ويُسقى ماءَها فقال لى: يا صالح, لا تُشوَ فى منزلك ولا منزل عبد الله, فسمعت أَبا بكر المُّروذى يقول: فمضيت بها وشويتها وجِئت بها إليه. قال الخلال: وأَخبرنى أَبو الحسن بن عبد الوهاب, قال: حدثنا محمد بن عَياش, قال: أَرسلنى أَبو عبد الله فاشتريتُ له سَمناً بقطعة؛ فجئتُ به على ورقة بَقل, فأخذ السمن وأعطانى الورقة وقال: رُدَّها. قال الخلال: وأخبرنى محمد بن عُبيد الله المنادى, قال: حدثنى الصحنائى, قال: أعطانى أحمد بن حنبل قطعة اشترى له بها باقلاء على خُبز مَثرود, فجئته بباقلاء كثيرة, فقال لى: هذا كثير؟ فقلت له: كان باقلانيان يَبيعان مُضارَّة رخيصاً, فقال لى: رُدَّه عليه, وادفع إليه الخُبز والاقلاء, ودّع القطعة عليه وتعال, ففعلت. قال الخلال: وحدثنا عبد الله بن إسماعيل, قال: حدثنى محمد بن أحمد السمسار, قال: سمعت عبد الله بن أيوب المُخّرمى, يقول: نَزل عندنا رَوحُ بن عُبادة, فجاء أحمد بن حنبل إليه وباتَ هاهنا, وخُبزه فى كُمه,

стр. 353

ويَشرب من ماءِ النهر, وينتظر رَوحاً حتى خرج, فجاء يحيى بن أكثم فى ضُبنةٍ فجلس بين يدى أحمد وجعل يُسائله, وأحمدُ مُطرِق, فلما رآه لا يُقبِل عليه قامَ وتركه. أخبرنا إسماعيل بن أحمد, ومحمد بن عبد الله, قال: حدثنا الحسين بن محمد, قال: سمعتُ شاكر بن جعفر, قال: سمعتُ جعفر بن محمد بن يعقوب, يقول: جاءَ رسولٌ من دار أحمد بن حنبل إليه يذكر له أَن أَبا عبد الرحمن عليلٌ واشتهى الزُّبد, فناول رجلاً من أصحابه قطعة وقال: اشترِ له بها زُبداً, فجاءَ به على ورق سلقٍ, فلما أن نظر إليه قال: من أَين هذا الوَرق؟ فقال: أخذتُه من عند البقّال, فقال: استأذنته فى ذلك؟ قال: لا, قال: رُدَّه. أخبرنا محمد بن أبى منصور, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد بن يوسف, قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البَرمَكى, قال: أخبرنا ابن مَرْدَك, قال: حدثنا ابن أبى حاتم, قال: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل, قال: وُلد لى مولود, فأهدى لى صديقٌ شَيئاً, ثم أتى على ذلك أشهر وأراد الخروج إلى البصرة, فقال لى: تُكلّم أَبا عبد الله يكتب لى إلى مشايخ بالبصرة؟ فكلمته, فقال: لولا أنه أَهدى إليك كنتُ أكتب له. أخبرنا المبارك بن أحمد الأنصارى, قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد

стр. 354

السَّمَرقندى, قال: أخبرنا أحمد بن على بن ثابت, قال: أخبرنا الحسن بن على التَّميمى, قال أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان, قال: حدثنا عبد الله ابن أحمد بن جنبل, قال: كان هاهنا شيخ, قال: رأَيتُ على أَبى عبد الله جَرَباً, فجئتُ بدواءٍ فقلت: ضَع هذا عليه, فأخذه ثم رَدّضه, فقلت له: لم ردَدته؟ فقال: أَنتم تسمعون منى. أخبرنا محمد بن أبى منصور, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر, قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر, قال: حدثنا ابو بكر الخلال, قال: حدثنا على بن سَهل بن المغيرة البزاز, قال: سمعت غبراهيم الهَرَوى, قال: كُنا على باب هُشيم, فأتاه رجل بكتاب شَفاعة, فأذن له فدخلنا مع صاحب الشفاعة, وأحمد بن حنبل على الباب؛ وهو حَدثٌ له أَقلّ من عشرين سنة, فقلنا له: يا أبا عبد الله ادخل. قال: لم يُؤْذَن لى. أنبأنا على بن عبيد الله عن أَبى القاسم بن البصرى, قال: أنبأنا أبو عبد الله ابن بَطة, قال: سُقِف لأبى عبد الله سَطح الحاكة, وجُعل مَسيل الماء إلى الطريق, فباتَ تلك الليلة, فلما أصبح قال: ادعو لى النَّجار يُحول الميزاب إلى الدار, فدعوته له فَحوَّله. أخبرنا محمد بن ناصر, قال: أخبرنا أَبو طالب بن يوسف, وأبو الحسين ابن عبد الجبار, قالا: أخبرنا إبراهيم بن عمر, قال: أخبرنا عبيد الله بن محمد ابن حمدان, قال: حدثنا محمد بن أَيوب العُكْبّرى, قال: حدثنا إبراهيم الحَربى, قال: لزمتُ أحمد بن حنبل سنتين, فكان إذا خرج ليُحدّثنا يُخرج

стр. 355

معه مِحبرة مُجلدة بجلدٍ وقلماً, فإذا مرَّ به سَقط أو خَطأ فى كتابه أَصلحه بقلمه من مِحبرته, يتورَّع أن يأخذ من مِحبرة أحدنا شيئاً, وكنا نقول لأحمد فى الشىءِ: تحفظه؟ فيقول: لا, إلا من كتاب. أخبرنا محمد بن ناصر, قال: أخبرنا أَبو الحسين بن عبد الجبار, قال: أخبرنا على بن عمر القزوينى, قال: أخبرنا أَبو عُمر بن حَيوُّيه, قال: أخبرنا أبو محمد الزهرى, قال: حدثنا إبراهيم الحربى, قال: ما خرج إلينا أحمد بن حنبل ﵀ قط إلا ومعه مَحبرة مجلدة وقلم, يتوّرع أَن مُدَّة فيُصلح بها سيناً أو شكله. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز, قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر بن دَرسْنتَويه قال: أخبرنا يعقوب بن سفيان, قال: حدثنا سلمة - يعنى ابن شبيب - قال: سألتُ أحمد بن حنبل عن محمد بم معاوية النَّيسابورى, فقال لى: نِعم الرجل يحيى بن يحيى. قلت: إنما ورّى عن ذكر هذا المذموم بذاك الممدوح, فإن محمد بن معاوية معدود فى الكذابين, وقد قدح فيه فى رواية أُخرى عنه, لكنه كان يَجتنب القدح فى أوقات. أخبرنا المبارك بن أحمد الأنصارى, قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد السمرقندى, قال: أخبرنا أحمد بن على بن ثابت, قال: أنبأنا أبو سعد المالِينى: قال: أخبرنا إسماعيل بن عمر بن الحسن المقرئ, قال: حدثنا محمد بن صالح بن محمد الخولانى, قال: سمعتُ عبد الله بن أحمد بن حنبل, يقول:

стр. 356

سمعت أبى يقول ليحيى بن مَعين: يا أبا زكريا, بلغنى أَنك تقول: حدثنا إسماعيل ابن عُلضيّة, فقال يحيى: نعم, أقول هكذا, قال أحمد: فلا تقله, قُل: إسماعيل بن إبراهيم, فإنه بَلغنى أَنه يكره أَن يُنسب إلى أُمه. قال يحيى لأبى: قد قبلنا منك يا مُعلم الخير. قلت: وقد نُسب إلى أُمهاتهم, وغلب ذلك عليهم, كبلال ابن حَمامة, ومعاذ ابن عَفراء, وبشير ابن الخَصاصية, وابن بُحَينة, ويَعلى ابن مُنَّية؛ فى خلق كثير قد ذكرته فى كتاب "التلقيح" والورع ترك ما يكرهه المنسوب. أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك الأنماطى, ومحمد أَبو منصور, قالا: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار, قال: أخبرنا أبو منصور أحمد بن الحسين بن على البَيِّع, قال: حدثنا أَبو بكر محمد بن إسماعيل بن العباس الوراق إملاءه, قال: حدثنا يحيى بن صاعد, قال: حدثنى أَبو فَروة يزيد بن محمد الرُّهاور - أملاه علىَّ بالرُّها - قال: لقيتُ أَبا عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ببغداد, فقال لى فيما يقول: ما فَعل الرجل الذى عندكم بَحرّان

стр. 357

الجوهرى عنده علم؟ فقلت له: ما أعرف بَحرّان جَوهريَّا يُكتب عنه, فقال: بَلى صاحب أبى مَعبد حَفص بن غّيْلان. قلت: ما أعرفه. قال: يَغفر الله لك, له بنون. قلت: لعلك تريد البومّة؟ قال: إياه أَعنى, اكتُب عنه فإنه ثِقة. قُلتُ: هذا الرجل اسمه محمد بن سُليمان بن أَبى داود ولُقّبَ بالبومة, فتورّع الإمام أحمد عن ذكر لقبه. أخبرنا عبد الملك الكَرُوخى, قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصارى, قال: أخبرنى يَحيى بن عَمّار - إجازة - قال: أخبرنا أبو أحمد بن جناح, قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم, قال: سمعتُ أَبا داود السَّجستانى, يقول: سأَلتُ أحمد بن حنبل عن طَلاق السَّكران, فقال: سل غَيْرى. أخبرنا محمد بن ناصر, قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار, قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكى, قال: أخبرنا أبو عبد الله بن بَطَّة, قال: حدثنا محمد بن أيوب العابد, قال سمعتُ إبراهيم الحَرى, يقول: أوصى أحمد أن يُكفَّر عنه يمين واحدة, وقال: أظن أنى حَنثْتُ فيها. أخبرنا محمد بن أبى منصور, قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار, قال: أخبرنا محمد بن عبد الواحد الحَريرى, قال: أخبرنا أبو عُمر بن حَيَّويه, قال: أخبرنا أبو مُزاحم الخاقانى, قال: حدثنى القاسم بن أحمد الصايغ, قال: حدثنا أحمد بن محمد المُّروذى, قال: سأَلتُ أحمد بن حنبل مالا أحصى عن أشياء, فيقول فيها: لا أدرى.

стр. 358

قال الخاقانى: وحدثنا ابن المُطَّوعى, قال: سمعتُ محمد بن عُبيد اليمامى, يقول: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: رُبما مكثتُ فى المسألة ثلاث سنين قبل أن أعتقد منها شَيئاً. أخبرنا عبد الحق, قال: أخبرنا محمد بن مرزوق, قال: أخبرنا أحمد بن بُخيت, قال: حدثنا عمر بن محمد الجَوْهرى, قال: حدثنا أبو بكر الأثرم, قال: سمعت أحمد بن حنبل يُستفتى, فيكثر أن يقول لا أدرى, وذلك فيما قد عرف الأقاويل فيه, وذلك أنه يُسأل عن اختياره فيذكر الاختلاف, ومعنى قوله: لا أدرى, أى: ما أختارُ من ذلك, وربما سمعته يقول فى المسألة: لا أدرى, ثم يَذكر فيها أقاويل. أخبرنا محمد بن أبى منصور, قال: أنبأنا على بن أحمد البُسرى, عن أبى عبد الله بن بَطة, قال أخبرنا أبو بكر الآجُرِّى, قال: أخبرنا محمد بن كُردى, قال: أخبرنا أبو بكر المُّروذى, قال: كُنتُ مع أبى عبد الله بالعسكر فى قصر إيناخ, فأشرتُ إلى شَىءٍ على الجِدار قد نُصِب, فقال لى: لا تَنظر إليه. قلت: فقد نظرتُ إليه. قال: فلا تفعل, لا تَنظر إليه.

стр. 359

الباب الخمسُون فى ذكر إعراضه عن الولايات أخبرنا محمد بن عبد الباقى, قال: أنبأنا محمد بن أبى نَصر, قال: أخبرنا أبو على إسماعيل بن أحمد بن الحُسين, قال: حدثنا أبى, قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ, قال: أخبرنى نَصر بن محمد بن أحمد, قال: أخبرنى محمد بن عَمرو الَبصرى, قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن عاصم, قال: أخبرنى أبو بَكر محمد بن يحيى - خادم المُزَنى - قال: (حدثنا أبو إبراهيم المُزَنى) قال: قال الشافعى: لما دخلتُ على هارون الرشيد قلتُ بعد المُخاطبة: إنى خَلَّفت اليَمن ضائعةً تحتاج إلى حاكم, فقال: انظر رَجلاً ممن يجلس إليكَ حتى نولّيه قَضاءَها, فلما رَجع الشافعى إلى مجلسه, ورأى أحمد بن حنبل من أَمثّلهم أَقبل عليه فَقال: إنى كلَّمتُ أميرَ المؤمنين أن يُلى قاضياً باليمن, وإنه أمرنى أن اختارَ رجلاً ممن يَختلف إلىَّ, وإنى قد اخترتُك, فتهيَّأ حتى أُدخلك على أمير المؤمنين يُوليك قضاء اليمن, فاقبل عليه أحمد وقال: إنما جئتُ إليكَ لأقتبسَ منكَ العلم, تَأمرنى أن أدخلَ لهم فى القضاءِ!! ووبَّخه, فاستحيا الشافعى.

стр. 360

قلتُ: وقد رُوي لنا أنَّ هذا كان في زمان الأمين. وأخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عُمر، قال: أَنبأَنا عبد العزيز بن جعفر، قال: أخبرنا أحمد بن محمد الخَلال، قال: أخبرني محمد بن أبي هارون، قال: حدثنا أبو بكر الأثرم، قال: أخبرتُ أن الشافعي قال لأبي عبد الله: يا أبا عبد الله، إن أمير المؤمنين - يعني محمداً - سألني أن ألتمس له قاضياً لليمن، وأنت تحب الخُروج إلى عَبد الرزاق، فقد نِلتَ حاجتك؛ تقضي بالحق، وتنالُ من عبد الرزاق ما تُريد، فقال أبو عبد الله للشافعي: يا أبا عبد الله، إن سمعتُ منك هذا ثانية لم تَرني عندك. فظننتُ أنه كان لأبي عبد الله في ذلك الوقتِ ثلاثونَ - أو سبع وعِشرون - سَنة. أخبرنا ابن ناصر، قال: أنبأنا أبو علي الحسن بن أحمد، قال: أخبرنا محمد ابن أحمد الحافظ، قال: أخبرنا محمد بن العباس، قال: حدثنا الصَّندلي، قال: سمعتُ أَبا جعفر الترمذي، يقول: أخبرنا عبد الله بن محمد البلخي، أن الشافعي ﵀ كان كبيراً عند محمد بن زبيدة، فذكر له محمد يوماً اغتمامه برجل كامل أمين يصلح للقضاءِ، صاحب سُنة، فقال: قد وجدت رجلاً من حاله كذا وكذا صاحب سُنة، كامل، فقيه، صاحب

стр. 361

حَديث, فقال: من هو هذا؟ فذكر أحمد بن حنبل؛ قال: فَلقيه أحمد وبلغه ما قال, فقال للشافعى: (أخمِل هذا) واعفِنى, وإِلا خَرجتُ من البلد فذهبت. أخبرنا محمد بن ناصر, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر, قال: أخبرنا على بن عبد العزيز, قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبى حاتم, قال: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل قال: كتَب إلىَّ إسحاق بن راهويه: إنَّ الأمير عبد الله بن طاهر وَجَّه إلىَّ, فدخلتُ إليه وفى يدى كتاب أبى عبد الله, فقال: ما هذا الكتاب؟ فقلتُ: كتابُ أحمد بن حنبل, فأخذه وقرأه وقال: إنى أُحبه وأُحبُّ حَمزة بن الهَيضَم البُشَنْجى, لأنهما لم يختلطا بأمر السلطان. قال صالح: وأمسَك أبى عن مُكاتبة إسحاق بن راهوية لما أدخل كَتابه إلى عبد الله بن طاهر وقرأه. أخبرنا أبو منصور القزاز, قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب, قال أخبرنى محمد بن أحمد بن يعقوب, قال: أخبرنا محمد بن عبد الله النَّيْسابورى, قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ قال: سمعتُ إبراهيم بن أبى طالب, يقول: سمعتُ أحمد بن سَعيد الرِّباطى, يقول: قدمتُ على احمد بن حنبل؛ فجعلَ لا يرفعُ رأسَه إلىَّ,

стр. 362

فقلتُ: يا أبا عَبد الله, إنه يُكتب عنى بخُرسان, وإن عامَلتنى بهذه المعاملة رَمَوا حَديثى. فقال لى: يا أحمد, هل بُدٌّ يوم القِيامة أن يُقال: أينَ عبد الله ابن طاهر وأتباعه؟ فانظر أين تكون أنتَ منه.

стр. 363

الباب الحادِي وَالخمسون فى ذكر حبه للفقر والفقراء أخبرنا محمد بن أبى منصور, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أنبأنا إبراهيم بن عُمر, قال: أنبأنا عبد العزيز بن جَعفر, قال: أخبرنا أحمد بن محمد الخَلال, قال: أخبرنى محمد بن الحسين, أن أبا بكر المُّروذى حَدثهم, قال: كان أبو عبد الله يُحب الفُقراء, لم أَر الفَقير فى مجلس أحدٍ أعزَّ منه فى مجلسه. قال الخّلال: وأخبرنا أبو بكر المُّروذى, قال: قال لى أبو عبد الله - وذكر رجلاً فقيراً مَريضاً - فقال لى: اذهب إليه, وقل له: أى شىءٍ تَشتهى حتى نَعمل لك؟ ودفع إلىَّ طِيباً, وقال لى: طَيِّبه. أخبرنا محمد بن أبى منصور, قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار, قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن على الخياط, قال: أنبأنا أبن أبى الفَوارس, قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن سّلْم, قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الخالق, قال: أخبرنا أبو بكر المُّروذى, قال: قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: ما أعدِل بالفَقر شيئاً, ما أعدلُ بالفَقر شيئاً, أنا أفرح إذا لم يكن عندى شَىء.

стр. 364

وذكرتُ له رجلاً صبوراً على الفقر فى أطمارٍ, فكان يَسألنى عنه ويقول: اذهب حتى تأتينى بخبره, سُبحان الله, الصبر على الفَقر؛ الصبر على الفَقر, ما أعدِل بالصبر على الفَقر شيئاٍ, تَدرى الصبر على الفقر أى شىءٍ هو؟ وقال: كَم بينَ من يُعطى من الدنيا ليفْتَتِن؛ إلى آخر تَزْوى عنه. وذكرتُلأبى عبد الله, الفُضيلَ وعُرْيَه, وفَتحا الموصلى وعُرْيه وصَبره؛ فتغَرْغرت عينه, وقال: ﵏, كانَ يُقال: عند ذكر الصالحين تَنزِل الرَّحمة. وقال لى أبو عبد الله يوماً: إنى لأفرحُ إذا لم يكن عندى شىء, فجاءَه ابنه الصغير بعَقب هذا الكلام فَطلب منه, فقال: ليسَ عند أبيك قِطعة, ولا عِندى شىء.

стр. 365

الباب الثانى والخمسُون فى ذكر تَواضُعه أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد, قال: أخبرنا أحمد بن على بن ثابت, قال: أخبرنى محمد بن أَحمد بن يَعقوب, قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن حَمْدُويَه, قال: قرأتُ بخَط أبى عَمرو المُسْتَملى, سمعتُ عبد الله بن بَشر الطّالْقانى, يقول: سمعتُ محمد بن طارق البغدادى, يقول: كنتُ جالسْاً إلى جَنب أحمد بن حنبل, فقلتُ: يا أبا عبد الله, أستمدُّ من مِحبرتك؟ فنظر إلىَّ وقال: لم يَبلغ وَرعى وورعك هذا. وتَبسَّم. أخبرنا إسماعيل بن أحمد, ومحمد بن عبد الباقى, قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد, قال: حدثنا أحمد بن عَبد الله, قال: حدثنا سليمان بن أحمد, قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حَنبل, قال: سمعتُ عباس بن محمد الدُّورى, يقول: سمعتُ يَحيى بن مَعِين, يقول: ما رأيتُ مثل أحمد بن حنبل؛ صَحِبناه خَمسين سَنة ما افْتَخر علينا بشىءٍ مما كان فيه من الصَّلاح والخَير. أخبرنا محمد بن أبى منصور, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد بن

стр. 366

يوسف, قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكى, قال: أخبرنا على بن مَرْدَك قال: حدثنا أبو محمد بن أبى حاتم, قال: حدثنا صالح, قال: كان أبى ربما أخذ القَدومَ وخرج إلى دار السكّان يَعمل الشىءَ بيده, وربما خَرج إلى البَقّال فيَشترى الجُرْزَة من الحطب, والشىء فيحمله بيده. أخبرنا محمد بن أبى منصور, قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار, قال: أخبرنا محمد بن عبد الواحد بن جَعفر الحريرى, قال: أخبرنا أبو عُمر بن حيّويه, قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق المَرْوزى, قال: حدثنا العباس بن محمد الدُّروى, قال: حدثنا عارِم بن الفَضل, قال: كان أحمد بن حنبل هاهنا عِندنا بالبَصرة فجاءنى بمعضدة له - أو قال: صرة فيها دراهم - فكان كلّ قليل يَجئُ فيأخذ منها, فقلت له: يا أبا عبد الله بَلغنى أنك رجلٌ من العرب, فمِن أىّ العرب أنتَ؟ فقال لى: يا أبا النُّعمان, نحنُ قوم مَساكين. فكانَ كلّما جاءَ أعدتُ عليه فيقول لى هذا الكلام؛ ولا يُخبرنى حتى خَرج من البصرة. قال الخلال: وأخبرنى إسماعيل بن إسحاق الثقفى, قال: قلتُ لأبى عبد الله أول ما رَأيتُه, يا أبا عبد الله, ائذَن لى أُقَبل رأسك؛ فقال: لم أبلغ أنا ذلك. قال الخلال: وأخبرنى أبو بكر المُّروذى, قال: قلتُ لأبى عبد الله: الرجل

стр. 367

يُقال له فى وجهه: أحيَيْت السُّنَّة؟ قال: هذا فسادٌ لقلب الرجل. قال الخلال: وأخبرنى مُحمد بن موسى بن أبى موسى, قال: رأيتُ أبا عبد الله وقد قال له خُراسانى: الحمدُلله الذى رأيْتُك. فقال له: اقعد, أى شىءٍ ذا؟ مَن أنا؟ قال الخلال: وأخبرنى أحمد بن الحُسين بن حَسان, قال: دخلنا على أبى عبد الله, فقال له شيخ من أهل خُراسان: يا أبا عبد الله, الله الله! فإن الناسَ يحتاجون إليك, قد ذَهب الناس, فإن كان الحديث لا يُمكن فمَسائل, فإن الناس مُضطرون إليكَ. فقال أبو عبد الله: إلىَّ أنا؟ واغتمَّ من قَوله وتنفَّس صُعداء, فرأيتُ فى وَجهه أثر الغَمّ. وقيل لأبى عبد الله: جزاك الله عن الإسلام خيرًا, فقال: لا, بل جزى الله الإسلامَ عنى خَيرًا. ثم قال: ومَن أنا؟ وما أنا؟ ودُفع إلى أبى عبد الله كتابٌ من رَجل يسأله أن يَدعو الله له, فقال: فإذا دعّونا لهذا؛ نحن مَن يدعو لنا؟ قال الخلال: وأخبرنى محمد بن أحمد بن واصل, قال: سمعتُ أبا عبد الله غير مرة يقول: مَن أنا حتى تَجيئون إلىَّ؟ من أنا حتى تجيئوا إلىَّ؟ اذهبوا اطلبوا الحَديث. قال الخلال: وأخبرنا على بن عبد الصمد الطَّيالسى, قال: مَسحتُ يدى على أحمد بن حنبل؛ ثم مسحتُ يدى على بَدنى وهو ينظر, فغضب غضبًا

стр. 368

شديدًا؛ وجعل يَنفُض يَده, ويقول: عَمَّن أخذتم هذا؟ وأنكره إنكارا شديدًا. أخبرنا محمد بن أبى منصور, قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار, قال: أخبرنا على بن عُمر القَزوينى, قال: أخبرنا محمد بن العباس بن حَيّويه, قال: حَدثنا جعفر بن محمد الصَّنْدلى, قال: أخبرنى خَطّاب بن بِشر, قال: قال أبو عثمان الشافعى لأبى عبد الله أحمد بن حنبل: لا يزالُ الناس بخير ما منَّ الله عليهم ببقائك, وكلام من هذا النحو كثير. فقال: لا تَقُل هذا يا أبا عثمان؛ لا تَقُل هذا يا أبا عثمان, ومَن أنا فى الناس؟ قال خَطّاب: وسألتُه عن شىءٍ من الوَرع, فرأيتُه قد أظهر الاغتمام, وتَبين عليه فى وجهه, إزراءٌ على نفسه, واغتمامًا بأمره, حتى شَقَّ علىَّ, فقلت لرجل كان مَعى حين خرجنا: ما أراه يَنتفع بنَفسه أيامًا, جددنا عليه غمًا. أخبرنا محمد بن ناصر, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, والمبارك بن عبد الجبار, قالا: أخبرنا أبو بكر محمد بن على الخَياط, قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن أبى الفَوارس, قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن سَلْم, قال حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الخالق, قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد المُّروذى قال: سمعتُ أبا عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل - وذكر أخلاق الوَرعين - فقال: أسأل الله أن لا يَمقُتنا, أينَ نحنُ مِن هؤلاءِ؟ وقلت لأبى عبد الله: ما أكثر الداعينَ لك؟ فتَغرغَرت عينه, وقال: أخافُ

стр. 369

أن يكون هذا استدراجًا, أسأل الله أن يَجعلنا خيرًا مما يظّنون, ويَغفر لنا ما لا يعلمون. قلت لأبى عبد الله: إن بعضّ المحدثين قال لى: أبو عبد الله لم يَزْهد فى الدراهم وَحدها؛ قد زَهِد فى الناس, فقال أبو عبد الله: ومَن أنا حتى أزهد فى الناس؟ الناسُ يريدون يَزهدون فىَّ. أخبرنا المبارك بن أحمد الأنصارى, قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد السَّمرْقَندى, قال: أخبرنا أحمد بن على بن ثابت, قال: أخبرنا على بن أحمد ابن عمر المُقرىء, قال: أخبرنا إسماعيل بن على الخُطَبِى, قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: رأيت أبى إذا جاءَه الشيخُ والحَدث من قُريش, أو غيرهم من الأَشراف, لا يَخرج من باب المسجد حتى يُخرجَهم, فيكونوا هم يَتقدمونَه, ثم يَخْرج بَعدهم. وقد روى احمد بن على الأبار, قال: سمعتُ أبا عبد الله أحمد بن حنبل - وسأله رجل - حَلفتُ بيمين ما أدرى أىّ شىءٍ هى؟ فقال: ليتَ انك إذا دَريتَ دريتُ أنا.

стр. 370

الباب الثالث وَالخمسون فى إجابته الدَّعوة وخُروجه لرؤية المنكر أخبرنا محمد بن ناصر , قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار, قال: أخبرنا إبراهيم بن عُمر البَرْمَكى, قال: أخبرنا أبو عبد الله بن بَطَّة, قال: حدثنا محمد بن أيوب, قال: حدثنا إبراهيم الحَربى, قال: كان أحمد بن حَنبل يأتى العُرس, والإملاك, والخَتان يُجيب ويأكل. أخبرنا ابن ناصر, قال: أنبأنا أبو على الحسن بن أحمد, قال: أخبرنا أبو الفَتح بن أبى الفَوارس, قال: أخبرنا عثمان بن أحمد, قال: حدثنا أبو شُعيب صالح بن عِمْران الدَّعّاء, قال: دَعا رجلٌ أحمد بن حنبل, فقال له: ترى أن تُعفينى بعدَ الإجابة؟ فقال: لا, فذهبَ الرجل, فأقعدَ مع أحمد من لم يَشْتَهِ أحمدُ أن يقعد معه, فقال أحمد عند ذلك: رَحم الله ابنَ سيرين, فإنه قال: لا تُكرم أخاك بما يشُقُّ عليه, ولكن أخى هذا أكرمنى بما يشقّ علىَّ.

стр. 371

أخبرنا إسماعيل بن أحمد بن أبي القاسم, قالا: أخبرنا حمد بن أحمد, قال: حدثنا أحمد بن عبد الله الحافظ, قال: حدثنا محمد بن جعفر, قال: حدثنا محمد بن إسماعيل, قال: حدثنا صالح بن أحمد, قال: كان رجلٌ يختلفُ إلى عفان, يقال له: أحمد بن الحكم العطار, فختن بعض ولده, فدعا يحيى, وأبا خثيمة وجماعةً من أصحاب الحديث, وطلب إلى أبي يحضر, فمضوا, ومضى أبي بعدهم وأنا معه, فلما دخل أجلس في بيت, ومعه جماعة من أصحاب الحديث فقال له رجل: يا أبا عبد الله, هاهنا آنية من فضّة, فالتفت فإذا كُرسي, فقام فخرج, وتبعه من كان في البيت, وأخبر الرجل فخرج فلحق أبي, وحلف أنه ما علم بذلك ولا أمر به, وجعل يطلب إليه فأبى, وجاء عفّان, فقال له الرجل: يا أبا عثمان, اطلب إلى أبي عبد الله يرجع؛ فكلّمه عفّان فأبى أن يرجع, ونزل بالرجل أمرٌ عظيم. أخبرنا محمد بن ناصر, قال: أخبرنا الحسين بن عبد الجبار, قال: أخبرنا محمد بن عبد الواحد الحريري, قال: أخبرنا أبو عمر بن حيّويه, أن أبا مُزاحم الخاقاني, أخبرهم, قال: حدثني أبو بكر بن مكرم الصفّار, قال: حدثني علي بن أبي صالح السّواق, قال: كنا في وليمة باب المقير قال: فجاء أحمد بن حنبل. فلما دخل نظر إلى كُرسي في الدار عليه فضة, فخرج, فلحقه صاحب المنزل, فنفض يده في وجهه, وقال: زيُّ المجوس, زيُّ المجوس, وخرج.

стр. 372

الباب الرابع والخمسون في ذكر إيثاره العزلة والوحدة أخبرنا إسماعيل بن أحمد, ومحمد بن أبي القاسم, قالا: أخبرنا حمد بن أحمد, قال: حدثنا أبو نعيم الحافظ, قال: حدثنا أبي, قال: حدثنا أحمد ابن محمد بن عُمر, قال: حدثنا عيد الله بن أحمد بن حنبل قال: كان أبي أصبر الناس على الوحدة, وبشر ﵀ فيما كان فيه لم يكن يصبر على الوحدة, فكان يخرج إلى ذا ساعةً, وإلى ذا ساعةً. قال أبو نعيم: وحدثنا سُليمان بن أحمد, قال: قال عبد الله: لم ير أحدٌ أبي إلا في مسجد, أو حضور جنازة, أو عيادة مريض, وكان يكره المشي في الأسواق. أخبرنا ابن ناصر, قال أنبأنا الحسن بن أحمد الفقيه, قال: أخبرنا أبو القاسم الأزهري, قال: أخبرنا القطيعي, قال: حدثنا عبد الله بن أحمد, قال: كان أبي أصبر الناس على الوحدة, لم ير أحدٌ إلا في مسجد, أو حضور جنازة, أو عيادة مريض, وكان يكره المشي في الأسواق.

стр. 373

أخبرنا محمد بن عبد الباقي, قال: أنبأنا محمد بن أبي نصر, قال: أخبرنا أبو علي إسماعيل بن أحمد بن الحُسين, قال: أخبرنا أبي, قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ, قال سمعت أبا الطيب محمد بن أحمد الذُهلي قال: سمعت أبا العباس محمد بن إسحاق, يقول: سمعت فتح بن نوح, يقول: سمعت أحمد بن حنبل, يقول: أشتهي ما لا يكون, أشتهي مكانًا لا يكون فيه أحدٌ من الناس. أخبرنا محمد بن أبي منصور, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أنبأنا إبراهيم بن عُمر البرمكي, قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر, قال: أخبرنا أحمد بن محمد الخلّال, قال: أخبرنا أبو بكر المرّوذي قال: قال لي أبو عبد الله: ما أبالي أن لا يراني أحدٌ ولا أراه, وإن كنتُ لأشتهي أن أرى عبد الوهاب. قال الخلّال: وأخبرني عبد الملك بن عبد الحميد الميموني, قال: قال ابن حنبل: رأيت الخلوة أروح لقلبي. قال الخلّال: وأخبرني عبد الرحمن بن داود الفارسي, أن الفضل بن عبد الصمد الأصبهاني حدّثهم, قال: حضرتُ باب أبي عبد الله, فاستأذنت عليه, فجاء ابنه عبد الله فدخل, فقال له رجل: تُعلم أبا عبد الله أن فلانًا

стр. 374

مات وجنازته تُحمل بعد العصر؟ فأخبره عبد الله, ثم خرج فقال الرجل: أخبرته وترحَّم عليه ودعا له, إنه يكره أن يعلم الناس بخروجه فيكثروا عليه. قال الخلّال: وأخبرنا أبو عبد الله أحمد بن محمد المُسيّبي, قال: قلت لأبي عبد الله: إني أحب أن آتيك فأسلم عليك, ولكني أخاف أن تكره الرجل, فقال: إنا لنكره ذلك. قال الخلّال: وأخبرنا أبو بكر المرُّوذي, قال: ذكرت لأبي عبد الله عبد الوهاب على أن يلتقيا, فقال: أليس قد كره بعضهم اللقاء؟ وقال: يَتزيّن لي وأتزين له, كفى بالعزلة علمًا, والفقيه هو الذي يخاف الله. وسمعت أبا عبد الله يقول: أريدُ النزول بمكة, أُلقي نفسي في شعبٍ من تلك الشعاب حتى لا أُعرَف.

стр. 375

الباب الخامس والخمسون في ذكر إيثاره خُمول الذّكر واجتهاده في ستر الحال أخبرنا محمد بن أبي منصور, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي, قال: أخبرنا علي بن مردك, قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم, قال: حدثنا أبي, قال: حدثنا أحمد بن أبي الحواري, قال: حدثني عُبيد القارئ, قال: دخل عَمُّ أحمد بن حنبل على أحمد بن حنبل ويده تحت خده, فقال له: با ابن أخي, أيّ شيءٍ هذا الغم؟ أيّ شيءٍ هذا الحزن؟ فرفع أحمد رأسه, فقال: يا عم, طُوبى لمن أخمل الله ذِكره. قال ابن أبي حاتم, وسمعت أبي, يقول: كان أحمد بن حنبل إذا رأيته تعلم أنه لا يُظهر النسك, رأيت عليه نعلًا لا يشبه نعل القرّاء, له رأسٌ كبير مُعقفٌ, وشراكه مُسبل, كأنه اشترى له من السوق, ورأيتُ عليه إزارًا, وجُبة بُردٍ مُخطّطة أسمان جون, قال عبد الرحمن: أراد بهذا - والله أعلم - ترك التزّيي بزِيّ القرّاء, وإزالته عن نفسه ما يشتهر به.

стр. 376

أخبرنا محمد بن أبي منصور, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر, قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر, قال: حدثنا أبو بكر الخلّال, قال: قال أبو بكر المروذي: قال لي أبو عبد الله: قل لعبد الوهاب أخمل ذكرك, فإني أنا قد بليت بالشهرة. وسمعته يقول: والله لو وجدت السبيل إلى الخروج لم أقم في هذه المدينة, ولخرجت منها, حتى لا أذكر عند هؤلاء, ولا يَذكروني. قال الخلّال: وأخبرنا محمد بن العباس بن إبراهيم, قال: حدثنا الحسن بن عبد الوهاب, قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم بن يونس, قال: رأيت أحمد ابن حنبل وقد صَلّى الغَداة, فدخل منزله, وقال: لا تتبعوني مرةً أخرى. قال الخلّال: وأخبرني محمد بن الحسن بن هارون, قال: رأيت أبا عبد الله إذا مَشى في الطريق يَكره أن يتبعه أحد. أخبرنا ابن ناصر, قال: أنبأنا الحسن بن أحمد, قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد المقرئ, قال: أخبرنا الخُطبي, قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد, قال: كان أبي إذا خرج في يوم الجمعة لا يدع أحدًا يتبعه, وربما وَقف حتى ينصرف الذي يتبعه. أخبرنا محمد بن أبي منصور, قال: أخبرنا محمد بن عبد الملك بن عبد القاهر, قال: أنبأنا عُبيد الله بن أحمد بن عثمان, قال: حدثنا عبيد الله بن أحمد بن عثمان, قال: حدثنا عبيد الله بن عثمان, قال: حدثنا علي بن محمد المصري, قال: أخبرني أبو يعقوب إسحاق ابن إبراهيم قال: رأيتُ أحمد بن حنبل يمشي وحده متواضعًا.

стр. 377

الباب السادس والخمسون في ذكر خوفه من الله أخبرنا إسماعيل بن أحمد السَّمرقندي, ومحمد بن عبد الباقي, قالا: أخبرنا حمد بن أحمد, قال: أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله, قال: حدثنا محمد ابن جعفر, قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن أحمد, قال: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل, قال: كان أبي إذا دعا له رجل, يقول: الأعمال بخواتيمها. وكنت أسمعه كثيرًا يقول: اللهم سلّم سلّم. وحدثني, قال: حدثنا يونس بن محمد, قال: حدثنا حمّاد بن زيد, قال: زعم يحيى بن سعيد, أن سعيد بن المسيّب كان يقول: اللهمّ سَلّم سلّم. وحدثني أيضَا, قال: حدثنا زيد بن الحُباب, قال: حدثني عيّاش بن عُقبة, قال: بَلغني أن عُمر بن عبد العزيز كان يُكثر أن يقول: اللهم سَلّم سلّم. أخبرنا إسماعيل, ومحمد, قالا: أخبرنا حمْد بن أحمد, قال: حدثنا أبو نُعيم قال: حدثنا أَبي, قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عُمر, قال: حدثنا

стр. 378

عبدُ الله بن أحمد بن حنبل, قال: سمعتُ أبي يقول: وَددت أني نجوتُ من هذا الأمر كَفافًا لا عليّ ولا لي. أخبرنا محمد بن أبي منصور, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر, قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر, قال: أخبرنا أحمد بن محمد الخَلّال, قال: حدثنا محمد بن الحسين, أن أبا بكر المروذي حدّثهم, قال: أدخلت إبراهيم الحُصري على أبي عبد الله - وكان رَجلًا صالحًا - فقال: إن أمي رأتْ لك كذا وكذا, وذكرت الجنة, فقال: يا أخي, إن سَهل بن سَلامة كان الناس يخبرونه بمثل هذا, وخرج سَهل إلى سَفك الدماءِ, وقال: الرؤيا تَسُرُّ المؤمن ولا تغرّه. قال المروذي: وسمعت محمد بن حازم يقول: كنتُ عند أبي عبد الله, فأتاه رجل شيخ, فقال: يا أبا عبد الله, مررت بقومٍ فذكروك, فقالوا: أحمدُ ابن حنبل من خير الناس. فما اكترثَ لذلك. قال المروذي: وسمعت أبا عبد الله يقول: الخوفُ يمنعني من أكل الطعام والشراب فما أشتَهيه. قال المروذي: وأراد أبو عبد الله أن يبول في مرضه الذي ماتَ فيه, فدعا

стр. 379

بطَسْتٍ فجئتُ به, فبالَ دمًا عَبيطًا, فأريتُه عبد الرحمن المتطبّب, فقال: هذا رجلٌ قد فَتَّتَ الغمُّ - أو قال: الحزن - جَوفه. وبلغنا عن أبي بكر المرُّوذي, قال: دخلتُ على أحمد يومًا, فقلتُ: كيف أصبحت؟ فقال: كيف أصبح من رَبه يُطالبه بأداء الفرض, ونبيه يطالبه بأداء السنة, والملكان يُطالبانه بتصحيح العمل؛ ونفسه تُطالبه بهواها, وإبليس يُطالبه بالفحشاء, وملك الموتِ يُطالبه بقبض روحه, وعياله يطالبونه بالنَّفقة؟

стр. 380

الباب السابع والخمسون في ذكر غلبة الفكر والهم على قلبه أخبرنا محمد بن أبي منصور أخبرنا عبد القادر بن محمد قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر, قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر, قال: حدثنا أحمد بن محمد الخلّال, قال: حدثنا أبو بكر المروذي, قال: دخلتُ موضعًا وأبو عبد الله مُتوكئ علي يدي, فاستقبلنا امرأة بيدها طُنبور مكشوف, فتناولته منها, فكسرته, وجعلت أدوسه, وأبو عبد الله واقفٌ مُنكس الرأس إلى الأرض؛ فلم يقُل شيئًا؛ وانتشر أمر الطُّنبور, فقال أبو عبد الله: ما علمت بهذا, ولا علمتُ أنك كسرت طُنبورًا بحضرتي إلى الساعة.

стр. 381

الباب الثامن والخمسون في ذكر تعبده أخبرنا المحمدان: ابن عبد الملك, وابن ناصر, قالا: أخبرنا أحمد بن الحسن المعدّل, قال: أنبانا ابن شاذان, قال: أخبرنا ابن علم, قال: سمعتُ صالح بن أحمد, يقول: كان أبي لا يدع أحدًا يستقي له الماء لوضوئه إلا هو, وكان إذا خَرجت الدّلو ملأى, قال: الحمدُ لله. قلت: يا أبة, أيّ شيءٍ الفائدة في هذا؟ فقال: يا بُني, أما سمعت الله يقول: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَاتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ). أخبرنا إسماعيل بن أحمد, ومحمد بن عبد الباقي, قالا: أخبرنا حمد, قال: حدثنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله, قال: حدثنا سُليمان بن أحمد, قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: كان أبي يُصلي في كلّ يوم وليلة ثلاث مئة رَكعة, فلما مَرض من تلك الأسواط أضعفته, فكان يُصلي كل يوم وليلة مئة وخمسين ركعة, وقد كان قُرب من الثمانين, وكان يقرأ في كلّ يوم سُبْعًا؛ يَختم في كل سبعة أيام, وكانت له ختمة في كلّ سبعَ ليالٍ سوى صلاة النهار, وكان ساعَة يصلي عشاء الآخرة ينام نومةً خفيفةً, ثم يقوم إلى الصباح يُصلي ويدعو.

стр. 382

أخبرنا محمد بن ناصر, قال: أنبأنا أبو علي الحسن بن أحمد, قال: حدثنا أبو القاسم الأزهري, قال: حدثنا علي بن عُمر الدّارقُطني, قال: حدثنا أبو بكر النيسابوري, قال: حدثنا عبد الملك الميموني, قال: قال لي القاضي محمد بن محمد بن إدريس الشافعي: قال لي أحمد بن حنبل: أبوك أحد الستّة الذين أَدعو لهم سَحَرًا. أخبرنا محمد بن أبي القاسم, قال: أخبرنا حَمد بن أحمد, قال: حدثنا أبو نُعيم الحافظ, قال: حدثنا عثمان بن محمد, قال: حدثنا أبو الحسين مُحمد ابن عبد الله الرازي, قال: حدثني يوسف بن الحُسين, قال: سألني أحمد ابن حنبل عن شيوخ الرّي, وقال: أيّ شيءٍ خبرُ أبي زرعة حفظه الله؟ فقلت: خَير, فقال: خمسة أدعو لهم في دُبُر كل صلاة, أبواي, والشافعي, وأبو زرعة, وآخر ذَهب عني اسمه. أخبرنا ابن ناصر, قال: أنبأنا الحسن بن أحمد الفقيه, قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد, قال: حدثنا يوسف بن عمر, قال: حدثنا أحمد بن جعفر, قال: حدثنا أبو محمد بن يونس بن عبد السميع, قال: سمعتُ هِلال ابن العلاء, يقول: خَرج الشافعي ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل إلى مكة؛ فلما أن صاروا بمكة نزلوا في موضع, فأما الشافعي, فإنه استلقى, ويحيى بن مَعين أيضًا استلقى, وأحمد بن حنبل قائم يُصلي, فلما أصبحوا قال

стр. 383

الشافعي: لقد عملتُ للمسلمين مئتي مسألة. وقيل ليحيى بن معين: أي شيءٍ عملت؟ قال: نَفيتُ عن النبي ﷺ مِئتي كذاب. وقيل لأحمد بن حنبل: فأنت؟ قال: صليتُ ركعات ختمتُ فيها القُرآن. أخبرنا ابن ناصر, قال: أخبرنا عبد الملك بن محمد البزوغائي, قال: أخبرنا علي بن عمر القزويني, قال: حدثنا يوسف بن عمر القوّاس, قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن القاسم, ابن بنت كَعب, قال: حدثنا جعفر بن أبي هاشم, قال: سمعتُ أحمد بن حنبل, يقول: ختمت القرآن في يوم؛ فعددت موضع الصبر؛ فإذا هو نيفٌ وتسعون. أخبرنا محمد بن أبي منصور, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد بن يوسف, قال: أخبرنا إبراهيم بن عُمر البرمكي, قال: حدثنا علي بن عبد العزيز بن مردك, قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم, قال: حدثنا صالح, قال: كانت لأبي قلنسوة قد خاطها بيده فيها قُطن؛ فإذا قام من الليل لبسها, وكنت أسمع أبي كثيرًا يتلو سورة الكهف. أخبرنا ابن ناصر, قال: أخبرنا أبو سعد محمد بن أحمد الأصبهاني, قال: وجدتُ بخط أبي بكر محمد بن عبيد الله, حدثنا محمد بن القاسم بن حسنويه, قال: قُرئ على أبي الحسن علي بن عُمر بن عبد العزيز, وأنا حاضر أسمع: حدثكم أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن عمر البَزّاز, قال: حدثنا أحمد بن كثير, قال: حدثنا أبو بكر بن أبي عبد الله, قال: حدثنا إبراهيم بن هانئ - وكان أبو عبد الله حيث تَوارى من السلطان توارى

стр. 384

عنده - فَحَكى أنه لم يرَ أحدًا أقوى على الزهد, والعبادة, وجهد النفس, من أبي عبد الله أحمد بن حنبل, قال: كان يصوم النهار ويُعجل الإفطار, ثم يصلي بعدد العشاءِ الآخرة رَكعات, ثم ينام نومةً خفيفةً ثم يقوم فيتطهر ولا يزال يُصلي حتى يطلع الفجر, ثم يوتر بركعة. فكان هذا دأبه طول مقامه عندي, ما رأيته فَتَرَ ليلةً واحدة, وكنت لا أقوى معه على العبادة, وما رأيته مفطرًا إلا يومًا واحدًا أفطر واحتجم. أخبرنا محمد بن أب منصور, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أنبأنا أبو إسحاق البَرمكي, قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر, قال: حدثنا أحمد بن محمد الخلّال, قال: حدثنا محمد بن علي, قال: حدثنا العباس بن أبي طالب, قال: سمعتُ إبراهيم بن شماس, قال: كنتُ أعرف أحمد بن حنبل وهو غلام, وهو يُحيى اللّيل. قال الخلّال: وأخبرنا عبد الله بن أحمد, قال: رأيتُ أبي لما كبر وأسنَّ اجتهد في قراءة القرآن, وكثرة الصلاة بين الظهر والعصر, فإذا دخلتُ عليه انفتل من الصلاة, وربما تكلّم وربما سَكت, فإذا رأيتُ ذلك خرجتُ, فيعود لصلاته, ورأيته وهو مُختفٍ أَكثر يقرأ القرآن. قال الخلّال: وأخبرني أبو النّضر إسماعيل بن عبد الله العِجلي, قال: أتيتُ أبا عبد الله آخر ما رأيته, فخرج فقعد في دهليز, فقلتُ: يا أبا عبد الله, كنتُ أراك تقف عن أشياء في الفقه بانَ لك فيها قولٌ؟ فقال: يا أبا النّضر, هذا زمان مُبادرة, هذا زمان عَمَل, وأخذ في نَحو هذا من الكلام إلى أن قُمنا.

стр. 385

أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك, قال: أخبرنا عاصم بن الحسن, قال: حدثنا أبو عُمر بن مهدي, قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدقّاق, قال: حدثنا جَعفر بن أحمد المؤدّب, قال: رأيتُ بشر بن الحارث يُصلي بعدد الجمعة أربعًا, لا يفصل بينهنَّ بسلامٍ, ورأيتُ أحمد بن حنبل يُصلي بعدَ الجمعة ستّ ركعات, ويفصل في كل ركعتين. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز, قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت, قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن عبد الواحد, قال: حدثنا عُمر بن محمد بن علي الناقد, قال: حدثنا الحسن بن إبراهيم بن تَوبة الخلّال, قال: سمعتُ أبا بكر بن عَنبر الخُراساني, قال: تبعتُ أحمد بن حنبل يوم الجمعة إلى مسجدِ الجامع, فقامَ عند قُبة الشعراء يَركع, وكان يتطوع ركعتين ركعتين, فمرَّ بين يديه سائلٌ فمنعه منعًا شديدًا, فأراد السائل أن يمر بين يديه فقُمنا إلى السائل فَنَحيناه. أخبرنا ابن ناصر, قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار, قال: أخبرنا إبراهيم ابن عُمر البرمكي, قال: أخبرنا ابن بَطّة, قال: حدثنا عمر بن محمد بن رجاء, قال: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل, يقول: لما قَدم أبو زوعة نزل عند أبي, فكان كثير المذاكرة له, فسمعتُ أبي يومًا يقول: ما صلّيتُ اليوم غير الفرض, استأثرت بمذاكرة أبي زوعة على نوافلي.

стр. 386

وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ: خرجتُ مع أبي عبد الله إلى الجامع, فسمعته يَقرأ سورة الكهف,

стр. 387

الباب التاسع والخمسون في ذكر عدد حجاته أخبرنا إسماعيل بن أحمد, ومحمد بن أبي القاسم, قالا: أخبرنا حَمد بن أحمد, قال: حدثنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله, قال: حدثنا سليمان بن أحمد, قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل, قال: حجّ أبي خمس حَجات؛ ثلاث حِجج ماشيًا, اثنتين راكبًا, وأنفق في بعض حجاته عشرين درهمًا. أخبرنا محمد بن أبي منصور, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد بن يوسف, قال: أخبرنا أبو إسحاق بن عُمر البرمكي. وأخبرنا عبد الله بن علي المُقرئ, قال: أخبرنا عبد الملك بن أحمد السيوري, قال: حدثنا عبد العزيز بن علي بن الفضل, قالا: حدثنا علي بن عبد العزيز بن مردك, قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم, قال: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل, قال: سمعتُ أبي, يقول: حَججت خَمس حِجَج منها ثلاث راجلًا, أنفقت في إحدى هذه الحِجج ثلاثين درهمًا. أخبرنا ابن ناصر, قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار, قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن علي الخياط, قال: أخبرنا محمد بن أبي الفوارس, قال: أخبرنا

стр. 388

أحمد بن جعفر بن سَلْم, قال: أخبرنا أَحمد بن محمد بن عبد الخالق, قال: حدثنا أبو بكر المُّروذي, قال: قال لي أبو عبد الله: قد كفى بعض الناس من مكة إلى هاهنا أربعة عشر درهمًا. قلت: من يا أبا عبد الله؟ قال: أنا. أنبأنا يحيى بن الحسن, قال: أنبأنا القاضي أبو يَعلى محمد بن الحسين, قال: نقلتُ من خط أبي إسحاق بن شاقلا, أخبرني أبو حفص عُمر بن علي ابن جعفر الرزّاز - جارنا - قال: سمعتُ أبا جعفر محمد بن المولى, يقول: سمعتُ عبد الله بن أحمد بن حنبل, يقول: كان في دِهْليزنا دُكان, وكان إذا جاءنا إنسان يريد أبي أن يخلو معه أجلسه على الدكان, وإذا لم يُرد أن يخلو معه أخذ بعضَادتي الباب وكلّمه, فلما كان ذات يوم جاءنا إنسان, فقال لي: قُل له: أبو إبراهيم السائح [فخرج إليه أبي] , فجلسا على الدكان, فقال لي أبي: سَلّم عليه فإنه من كبار المسلمين - أو من خيار المسلمين - فسلمت عليه, فقال له أبي: حدثني يا أبا إبراهيم, فقال: خرجتُ إلى الموضع الفُلاني بقُرب الدّير الفُلاني, فأصابتني عِلّة منعتني من الحركة, فقلتُ في نفسي: لو كنتُ بقرب الدّير لعل من فيه من الرُّهبان يُداويني, فإذا أنا بسَبع عَظيم يقصد نحوي, حتى جاءني, فاحتملني على ظهره حَملًا رفيقًا, حتى

стр. 389

ألقاني عند الدَّير, فنظر الرهبان إلى حالي مع السبع, فأسلموا كلُهم, وهم أربع مئة راهب, ثم قال أبو إبراهيم لأبي: حدّثني يا أبا عبد الله, فقال له: إني كنتُ قبل الحج بخَمس ليال - أو أربع ليال - فبينما أنا نائم, إذ رأيت النبي ﷺ , فقال لي: يا أحمد, حُجّ, فانتبهتُ, وكان من شأني إذا أردتُ سفرًا جعلتُ في مِزْوَدٍ لي فتيتًا, ففعلت ذلك, فلما أصبحتُ قصدت نحو الكوفة, فلما تَقضّى بعض النهار, إذا أنا بالكوفة, فدخلتُ مسجد الجامع, فإذا أنا بشاب حَسن الوجه, طيب الريح, فقلتُ: سلامٌ عليكم, ثم كبَّرت أُصلي, فلما فَرغتُ من صَلاتي قلت له: رحمك الله. هل بَقي أَحدٌ يخرج إلى الحج؟ فقال: انتظر حتى يَجيئ أخ من إخواننا, فإذا أنا برجل في مثل حالي, فلم نَزل نسير, فقال له الذي معي: رحمك الله, إن رأيت أَن ترفق بنا؟ فقال له الشاب: إن كان معنا أحمد بن حنبل فسوف يُرفق بنا, قال أبو عبد الله: فَوقع في نفسي أنه الخَضر, فقلت للذي معي: هل لكَ في الطعام؟ فقال لي: كُل مما تَعرف, وآكل مما أعرف. وإذا أصبنا من الطعام غابَ الشاب من بين أيدينا, ثم يَرجع بعد فَراغنا, فلما كان بعد ثلاث إذا نحن بمكة.

стр. 390

...................................................................................................
следующие страницы →