← Тараджим

Тараджим · id 13250

مناقب الإمام أحمد

ابن الجوزي

Полный текст (708 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ: خرجتُ مع أبي عبد الله إلى الجامع, فسمعته يَقرأ سورة الكهف,

стр. 387

الباب التاسع والخمسون في ذكر عدد حجاته أخبرنا إسماعيل بن أحمد, ومحمد بن أبي القاسم, قالا: أخبرنا حَمد بن أحمد, قال: حدثنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله, قال: حدثنا سليمان بن أحمد, قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل, قال: حجّ أبي خمس حَجات؛ ثلاث حِجج ماشيًا, اثنتين راكبًا, وأنفق في بعض حجاته عشرين درهمًا. أخبرنا محمد بن أبي منصور, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد بن يوسف, قال: أخبرنا أبو إسحاق بن عُمر البرمكي. وأخبرنا عبد الله بن علي المُقرئ, قال: أخبرنا عبد الملك بن أحمد السيوري, قال: حدثنا عبد العزيز بن علي بن الفضل, قالا: حدثنا علي بن عبد العزيز بن مردك, قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم, قال: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل, قال: سمعتُ أبي, يقول: حَججت خَمس حِجَج منها ثلاث راجلًا, أنفقت في إحدى هذه الحِجج ثلاثين درهمًا. أخبرنا ابن ناصر, قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار, قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن علي الخياط, قال: أخبرنا محمد بن أبي الفوارس, قال: أخبرنا

стр. 388

أحمد بن جعفر بن سَلْم, قال: أخبرنا أَحمد بن محمد بن عبد الخالق, قال: حدثنا أبو بكر المُّروذي, قال: قال لي أبو عبد الله: قد كفى بعض الناس من مكة إلى هاهنا أربعة عشر درهمًا. قلت: من يا أبا عبد الله؟ قال: أنا. أنبأنا يحيى بن الحسن, قال: أنبأنا القاضي أبو يَعلى محمد بن الحسين, قال: نقلتُ من خط أبي إسحاق بن شاقلا, أخبرني أبو حفص عُمر بن علي ابن جعفر الرزّاز - جارنا - قال: سمعتُ أبا جعفر محمد بن المولى, يقول: سمعتُ عبد الله بن أحمد بن حنبل, يقول: كان في دِهْليزنا دُكان, وكان إذا جاءنا إنسان يريد أبي أن يخلو معه أجلسه على الدكان, وإذا لم يُرد أن يخلو معه أخذ بعضَادتي الباب وكلّمه, فلما كان ذات يوم جاءنا إنسان, فقال لي: قُل له: أبو إبراهيم السائح [فخرج إليه أبي] , فجلسا على الدكان, فقال لي أبي: سَلّم عليه فإنه من كبار المسلمين - أو من خيار المسلمين - فسلمت عليه, فقال له أبي: حدثني يا أبا إبراهيم, فقال: خرجتُ إلى الموضع الفُلاني بقُرب الدّير الفُلاني, فأصابتني عِلّة منعتني من الحركة, فقلتُ في نفسي: لو كنتُ بقرب الدّير لعل من فيه من الرُّهبان يُداويني, فإذا أنا بسَبع عَظيم يقصد نحوي, حتى جاءني, فاحتملني على ظهره حَملًا رفيقًا, حتى

стр. 389

ألقاني عند الدَّير, فنظر الرهبان إلى حالي مع السبع, فأسلموا كلُهم, وهم أربع مئة راهب, ثم قال أبو إبراهيم لأبي: حدّثني يا أبا عبد الله, فقال له: إني كنتُ قبل الحج بخَمس ليال - أو أربع ليال - فبينما أنا نائم, إذ رأيت النبي ﷺ , فقال لي: يا أحمد, حُجّ, فانتبهتُ, وكان من شأني إذا أردتُ سفرًا جعلتُ في مِزْوَدٍ لي فتيتًا, ففعلت ذلك, فلما أصبحتُ قصدت نحو الكوفة, فلما تَقضّى بعض النهار, إذا أنا بالكوفة, فدخلتُ مسجد الجامع, فإذا أنا بشاب حَسن الوجه, طيب الريح, فقلتُ: سلامٌ عليكم, ثم كبَّرت أُصلي, فلما فَرغتُ من صَلاتي قلت له: رحمك الله. هل بَقي أَحدٌ يخرج إلى الحج؟ فقال: انتظر حتى يَجيئ أخ من إخواننا, فإذا أنا برجل في مثل حالي, فلم نَزل نسير, فقال له الذي معي: رحمك الله, إن رأيت أَن ترفق بنا؟ فقال له الشاب: إن كان معنا أحمد بن حنبل فسوف يُرفق بنا, قال أبو عبد الله: فَوقع في نفسي أنه الخَضر, فقلت للذي معي: هل لكَ في الطعام؟ فقال لي: كُل مما تَعرف, وآكل مما أعرف. وإذا أصبنا من الطعام غابَ الشاب من بين أيدينا, ثم يَرجع بعد فَراغنا, فلما كان بعد ثلاث إذا نحن بمكة.

стр. 390

...................................................................................................

стр. 391

الباب الستون في ذكر دعائه ومُناجاته أخبرنا المحمدان: ابن ناصر, وابن عبد الباقي, قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد, قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ, قال: حدثنا أبو علي عيسى بن محمد الجُريجي, قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل, قال: كنتُ أسمع أبي كثيرًا يقول في دبر صلاته: اللهمَّ كما صنتَ وجهي عن السجود لغيرك, فصن وَجهي عن المسألة لغيرك. فقلتُ له: أسمعك تُكثر من هذا الدعاء, فعندك فيه أثر؟ قال: فقال لي: نَعم, كنتُ أسمع وَكيع بن الجراح كثيرًا يقول هذا في سُجوده, فسألته كما سألتني, فقال: كنتُ أسمع سفيان الثوري, يقول هذا كثيرًا في سجوده, فسألته, فقال: كنتُ أسمع منصور بن المُعتمِر يقوله. أخبرنا عبد الحمن بن محمد القزاز, قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت, قال: أخبرني الأزهري, قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان, قال: حدثنا أبو عيسى عبد الرحمن بن زاذان الرزّاز, قال: صلّينا وأبو عبد الله أحمد بن حنبل حاضرٌ, فسمعته يقول: اللهمَّ من كان على هوًى أو على رأيٍ وهو يَظنُّ

стр. 392

أنه على الحقّ, وهو ليس على الحق, فرده إلى الحق, حتى لا يضلّ من هذه الأمة أحد, اللهمَّ لا تشغل قلوبنا بما تكفّلت لنا به, ولا تجعلنا في رزقك خوَلًا لغيرك, ولا تمنعنا خيرَ ما عندك بشرٍّ ما عندنا, ولا ترانا حيثُ نهيتنا, ولا تفقدنا من حيُ أمرتنا, أعزّنا ولا تُذلنا, أعزنا بالطاعة ولا تُذلنا بالمعاصي. وجاء إليه رجل فقال له شيئًا لم أفهمه, فقال له: اصبر فإن النَّصر مع الصبر. ثم قال: سمعتُ عَفّان بن مُسلم يقول: أخبرنا هَمام, عن ثابت, عن أنس, عن النبي ﷺ أنه قال: "النّصر مع الصبر, والفرج مع الكرب, وإن مع العسر يسرًا, إن مع العسرِ يسرًا". أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك, قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار,

стр. 393

قال: أخبرنا إبراهيم بن عُمر البرمكي, قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن إسماعيل الورّاق, قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن إسحاق البَغوي, قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن يَعقوب الصفَّار, قال: كُنا عند أبي عبد الله أحمد بن حَنبل, فقلتُ: ادع الله لنا, فقال: اللهمَّ إنك تعلم أنا نعلم أنك لنا على أكثر مما نحبُّ, فاجعلنا لكَ على ما تحب. قال: ثم سكتَ ساعةً, فقيل: يا أبا عبد الله, زدنا. فقال: اللهمَّ إنا نسألك بالقدرة التي قُلت للسماوات والأرض: (اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) , اللهمَّ وفقنا لمرضاتكَ, اللهمَّ إنا نعوذ بك من الفقر إلّا إليك, ونعوذ بك من الذلّ إلا لك, اللهم لا تُكثر علينا فنطغى, ولا تُقلل علينا فننسى؛ وهب لنا من رحمتك وسعة من رزقك ما يكون بَلاغًا لنا, وغنى من فضلك. أنبأنا علي بن عبيد الله, قال: أنبأنا علي بن أحمد البُندار, عن أبي عبد الله بن بَطّة, قال: حدثنا أبو صالح محمد بن أحمد بن ثابت, قال: حدثني أبو نصر عِصمة بن أبي عِصمة, قال: سمعتُ سِندي الخواتيمي, يقول: خلتُ على أحمد بعد أن ضُرب وقد أُخرج من دار الخليفة, فرأيته مكبوبًا على وجهه في منزله وهو يدعو, فسمعته, يقول: يا شاكر ما يُصنع, اصنَع بي ما تَشكرني عليه.

стр. 394

وبلغني عن المروذي أنه قال: اجتمع جَماعة إلى أحمد, فقالوا ادعُ, فقال: اللهمَّ لا تطالبنا بوفاء الشكر فيما أنعمت به علينا. وبلغني عن محمد بن يعقوب الصفّار, قال: كان أحمد يدعو في دُبُر كل صلاة: اللهمَّ إني أسألك موجبات رحمتك, وعزائم مغفرتك, والغنيمة من كُل برٍّ, والسلامة من كُل إثمٍ, والفوز بالجنة, والنجاة من النار, ولا تدع لنا ذنبًا إلا غفرته, ولا همًّا إلا فرجته, ولا حاجةً إلا قضيتها. أخبرنا محمد بن أبي منصور, قال: أنبأنا أبو علي الحسن بن أحمد, قال: أخبرنا هلال بن محمد الحفّار, قال: حدثني أبو عمرو عثمان بن أحمد السمّاك, قال: حدثني أبو أحمد القزويني, قال: سمعتُ القاسم بن الحسين الورّاق, يقول: أراد رجلٌ الخروج إلى طَرسوس, فقال لأحمد: زوّدني دَعوةً فإني أريد الخروج, فقال له: قل: يا دليل الحَيارى, دُلني على طريق الصادقين, واجعلني من عبادك الصالحين. قال: فخرج الرجل, فأصابته شدة وانقطع عن أَصحابه, فدعا بهذا الدعاءِ فلحق أَصحابه, فجاء إلى أحمد

стр. 395

فأخبره بذلك, فقال له أحمد: اكتُمها علي. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد, قال: أخبرنا أحمد بن علي الأصبهاني, قال: حدثنا أبو بكر محمد ابن إبراهيم بن يعقوب البُخاري, قال: حدثنا أبو النّضر محمد بن إسحاق الرّشادي, قال: سمعتُ سعد بن مسعدة, يقول: سمعتُ طَلحة بن عُبيد الله البغدادي - وكان يسكن مصر - يقول: وافق رُكوبي أحمد بن حنبل في السفينة, فكان يُطيل السكوت, فإذا تكلم, قال: اللهمَّ أمِتنا على الإسلام والسُّنة.

стр. 396

الباب الحادي والستون في ذكر كراماته وإجابة سُؤاله أخبرنا إسماعيل بن أحمد, ومحمد بن ابي القاسم, قالا: أخبرنا حمد بن احمد, قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله, قال: حدثنا أبي, قال: حدثنا أحمد ابن محمد الخلّال, قال: حدثنا محمد بن علي السّمسار, قال: رأيت أبا عبد الله بالليل قد جاء إلى منزل صالح, وابن صالح تسيل الدماء من منخريه, وقد جُمع له الطب وهم يعالجونه بالفتل وغيرها والدم يغلبهم, فقال له أبو عبد الله: أيّ شيءٍ حالك بني؟ فقال: يا جدي هو ذا أموت, ادعُ الله لي, فقال له: ليس عليك بأس, ثم جعل يحرك يده كأنه يدعو له, فانقطع الدم وقد كانوا يئسوا منه, لأنه كان يَرْعف دائمًا. قال الخلال: وحدثنا أبو طالب علي بن أحمد, قال: دخلتُ يومًا على أبي عبد الله وهو يملي عليَّ, وأنا أكتب, فاندقّ قلمي, فأخذ قلمًا فأعطانيه, فجئت بالقلم إلى أبي علي الجعفري, فقلت: هذا قلم أبي عبد الله أعطانيه,

стр. 397

فقال لغلامه: خُذ القلم فَضعه فى النَّخلة عسى تَحمل, فوضعه فى النَّخلة فحملت النَّخلة. أخبرنا إسماعيل بن أحمد, ومحمد بن أبى القاسم قالا: أخبرنا حَمد بن أحمد, قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ, قال: حدثنا سُليمان بن أحمد, قال: حدثنا الهيثم بن خلف الدورى قال: حدثنا العباس بن محمد الدورى, قال: حدثنى على بن أبى حرارة - جار لنا - كانت أمى مُقعدةٌ نحو عشرين سَنة, فقالت لى يومًا: اذهب إلى أحمد بن حنبل فَسلهُ أن يَدعو الله لى, فَسرت إليه فدققتُ عليه البابَ وهو فى دِهليزه, فلم يَفتح لى, وقال: مَن هذا؟ فقلت: أنا رجلٌ من أهل ذاك الجانب, سَألتنى أُمى - وهى زَمِنة مُقعَدة - أن أسألك أن تدعو الله لنا, فسمعتُ كلامه كلامَ رجلٍ مُغْضب. فقال: نحن أحوجُ إلى أن تدعو الله لنا, فوليت منصرفًا؛ فَخرجت عجوزٌ من داره, فقالت: أنتَ الذى كلَّمت أبا عبد الله؟ قلتُ: نعم, قالت: قَد تركتُه يدعو الله لها, قال: فجئت من فَورى إلى البيت,

стр. 398

فَدققتُ الباب, فَخرجت على رجليها تمشى, حتى فتحت الباب, فقالت: قد وهبَ الله لى العافية. أخبرنا محمد بن أبى منصور, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر, قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر, قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد الخلال, قال: حدثنا محمد بن هارون بن مكرم الصفّار, قال: حدثنى إبراهيم بن هانئ, قال: حدثنى فلان النسَّاج - ساكنٌ لأبى عبد الله - قال: كنتُ اشتكى, فكنتُ أئنُّ بالليل, فخرج أبو عبد الله فى جوفِ الليل, فقال: مَن هذا عندكم يَشتكى؟ فقيل له: فُلان, فدعا له, وقال: اللهم اشفِه, ودَخل, فكأنه كان نارًا صُبَّ عليه ماءٌ. أخبرنا محمد بن أبى منصور, قال: أنبأنا الحسن بن أحمد الفَقيه, قال: أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن محمد, قال: حدثنا أبو بكر بن شاذان, قال: حدثنا أبو عيسى أحمد بن يعقوب, قال: حدثتنى فاطمة بنتُ أحمد بن حَنبل, قالت: وَقع الحريقُ فى بيت أخى صالح؛ وكان قد تزوَّج إلى قومٍ مياسير, فحملوا إليه جهازًا شَبيهًا بأربعة آلاف دينار, فأكلتهُ النار, فجعل صالح يَقول: ما غَمَّنى ما ذهبَ منى إلا ثوبٌ لأبى كان يُصلى فيه, أتبرّك

стр. 399

به وأصلى فيه, قالت: فَطفئ الحريق ودَخلوا, فوجدوا الثوبَ على سريرٍ قد أكلت النار ما حواليه والثوب سَليم. قلت: وهكذا بَلغني عن قاضى القُضاة على بن الحُسين الزَّينبي, أنه حكى أن الحريق وَقع فى دراهم, فاحترق ما فيها إلا كتابٌ كانَ فيه شيء بخطِّ أحمد. قلتُ: ولما وَقع الغَرق, ببَغداد في سنة أربعٍ وخَمسين وخمس مئة, وغرقت كتبى, سلم لى مُجلد فيه وَرقتان بخطِّ الإمام أحمد. أنبأنا يحيى بن الحسن, قال: أنبأنا محمد بن الحسين, قال أخبرنا أبو الحسن على بن محمد الحِنائى, قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد, قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عيسى, قال: حدثنا العباس, قال: وحدثنى اللَّكّاف, قال: حدثني عبد الله بن موسى - وكان من أهل السنة - قال: خرجتُ أنا وأبى فى لَيلة مُظلمة نزور أحمد, فاشتدَّت الظلمة, فقال أبى يا بُنى, تعال حتى نتوسَّل إلى الله تعالى بهذا العبد الصالح حَتى يُضئ لنا الطريق, فإنى مُنذ ثلاثين سَنة ما توسَّلتُ به إلا قُضيت حاجَتي, فدعا أبى وأمَّنْتُ أنا

стр. 400

على دُعائه, فأضاءّت السماء كأنها ليلة مُقمرة حتى وَصلنا إليه. أخبرنا محمد بن ناصر, قال: أنبأنا يحيى بن عبد الوهاب بن مَنْدَه, قال: أخبرنا محمد بن الخَطاب, قال: أخبرنا محمد بن على بن عمرو الحَمّامى, قال: أخبرنا أحمد بن بُنْدار بن إسحاق الرازى, قال: سمعتُ على بن سَعيد الرازى, قال: صِرنا مع أحمد بن حنبل إلى باب المتوكل, فلما أدخلوه من باب الخاصّة قال لنا أحمد: انصرفوا عافاكم الله, فَما مرض منا أحدٌ منذ ذلك اليوم.

стр. 401

الباب الثانى والسّتون فى ذكر عَدد زَوجاته أخبرنا محمد بن أبى منصور, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر, قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر, قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون, قال: سمعتُ أبا بكر المُّروذى, يقول سمعتُ أحمد ابن حنبل, يقول: ما تَزوجت إلا بَعد الأربعين. قلتُ: وأول زَوجاته عَباسة بنت الفَضل, أُمُّ صالح. أخبرنا محمد بن ناصر, قال: أخبرنا عبد القادر, قال: أنبأنا أبو إسحاق البَرْمَكى, قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر, قال: حدثنا أبو بكر الخلّال, قال: أملى عَلينا زُهير بن صالح بن أحمد بن حنبل, قال: تَزوج جَدى ﵀ أم أبى عباسة بنت الفَضْل من العَرب من الرَّبَض, ولم يولد له منها غير أبى, ثم توفيت. أخبرنا أبو منصور القزاز, قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن على بن ثابت, قال: حدثنى الأزهرى, قال: حدثنا عُبيد الله بن محمد بن حمدان, قال: حدثنا ابن مخلد, قال: حدثنا المُّروذى, قال: سمعتُ أبا عبد الله أحمد بن

стр. 402

حنبل, يقول: أقامَت معى أم صالح ثلاثين سنة فما اختلفتُ أنا وهى فى كلمةٍ. الزوجة الثانية رَيحانة أُم عبد الله: أخبرنا ابن ناصر, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أنبأنا البَرْمَكى, قال: أنبأنا عبد العزيز بن جَعفر, قال: حدثنا أحمد بن محمد الخَلال, قال: حدثنا زُهير, قال: لما ماتَت عباسة أم صالح, تَزوج جدى بَعدها امرأة من العَرب يُقال لها: رَيحانة, فَوَلدت له عمى عَبدَ الله, لم يولد له منها غيره. قال الخلّال: وَحدثنى محمد بن العباس, قال: حدثنى محمد بن بَحر, قال: حدثنى عمى, قال: لما اجتمعنا لتزويج أبى عبد الله بأُخت مُحمد بن رَيحان, قال له أبوها: يا أبا عبد الله, إنها - ووَضع أصبعه على عَينه يعنى أنها بفَرد عين - فقال له أبو عبد الله: قد عَلمتُ. قال الخلال: وحدثنا أحمد بن محمد بن خالد البَرَاثى, قال: أخبرنى أحمد ابن عَبْثَر, قال: لما ماتت أُم صالح, قال أحمد لامرأةٍ عندهم: اذهبى إلى فُلانة ابنة عمى, فاخطبيها لى من نفسها, قالت: فأتيتُها فأجابته, فلما رجعت إليه قال: كانت أُختها تسمع كلامك؟ - قال: وكانت بَعين واحدة - فقالت له: نعم. قال: فاذهبى فاخطُبى تلكَ التى بعَين واحدة,

стр. 403

فأتتها فأجابته, وهى أُم عبد الله ابنه, فأقام معها سَبعًا, ثم قالت له: كيف رأيت يا ابن عمى؟ أنكرتَ شيئًا؟ قال: لا, إلا أن نَعلك هذه تَصِرُّ. قال الخلال: وأحفظ أن خَطاب بن بشر, قال: قالت امرأة لأحمد بعد ما دخلت عليه بأيام: هل تُنكر منى شيئًا؟ قال: لا, إلا هذه النَّعل التى تَلبسينها ولم تكن على عهد رَسول الله ﷺ . قال: فباعتها واشتَرت مَقطوعًا, فكانت تَلبسه. قال الخلال: وهى هذه المرأة. يعنى أُم عبد الله. قال الخلّال: وسمعتُ أبا بكر المُّروذى, يقول سمعتُ أبا عبد الله - وذكر أهله فترحَّم عليها - وقال: مَكثنا عِشرين سَنة ما اختَلفنا فى كلمة. قال الخلال: وهى هذه المرأة. يعنى: أُ/ عبد الله. قلت: قَد ذكرنا عنه أنه قال: أقامت مَعى أُم صالح ثلاثين سنة, وفى هذه الرواية: مكثنا عشرين سنة, وكلتا الروايتين عن المُّروذى, وإحدى الرِّوايتين غَلط بلا شك, لأن أحمد لم يتزوَّج إلا بعد الأربعين, ولم يتزوج بَعد أُم صالح حتى ماتَت, فلو أقام مَعها ثلاثين ومَع الأُخرى عِشرين, تَمَّ له تسعون سنة, وكلُّ ما عاشَ سَبعًا وسبعين, ثمّ كانَ يكون قد تزوَّج أُم عبد الله بعد السبعين, ومعلوم أنه لم يمت إلا وعبد الله يَروى عنه ويُسافر معه, وكان يقول:

стр. 404

ابنى عبد الله محظوظ من حفظ الحديث, وقد طَلب الحديث وسمع من العلماءِ فى حياة أبيه الكثير, والذى أراه أن الإشارة بقوله: مكثنا عِشرين سَنة, إلى أُم صالح, والله أعلم, وهاتان زوجتان وما عرفنا أنه تَزوج ثالثة.

стр. 405

الباب الثالِث والسّتون فى ذكر سَراريه كان رضى الله عنه قد اشترى جاريةٌ اسمها حُسْن. أخبرنا محمد بن أبى منصور, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أنبأنا البَرْمَكى, قال: أنبأنا عبد العزيز, قال: أنبأنا أبو بكر الخلّال, قال: حدثنى محمد بن العباس, حدثنا محمد بن على, حدثنى أبو بكر بن يحيى, قال: قال لى أبو يوسف بن بُختان: لما أمرنا أبو عبد الله أن نَشترى له الجارية, مضيتُ أنا وفُوران, فَتبعنى أبو عبد الله, فقال لى: يا أبا يوسف, يكون لها لَحم. قال الخلال: وحدثنا زُهير بن صالح, قال: لما توفيت أُم عبد الله اشترى حُسْن, فولدت منه أم على - واسمها زينب - ثم وَلدت الحسنَ والحُسينَ توأمًا, وماتا بالقُرب من ولادتهما, ثم ولدت الحَسن ومُحمدًا فعاشا حتى صارا من السنِّ إلى نحو الأربعين سَنة, ثم ولدت بَعدهما سعيدًا. قال الخلال: وحدثنا محمد بن على بن بَحر, قال: سمعتُ حُسْن أُم وَلد أبى عبد الله تقول: قلتُ لمولاى: يا مولاى, أصرفُ فرد خلخالى؟ قال:

стр. 406

وتَطيب نفسكِ؟ قلت: نَعم, قال: الحمدُلله الذى وَفقك لهذا. قالت: فأعطيته أبا الحسن بن صالح, فباعه بثمانية دنانير ونِصف, وفَّرقها وقتَ حملى, فلما ولدتُ حَسنًا أعطى مولاىَ كَرَّامة درهمًا - وهى امرأةٌ كبيرةٌ كانت تخدمهم - وقال: اذهبى إلى ابن شُجاع - جار لنا قصاب - يَشترى لك بهذا رَأسًا, فاشترى لنا رأسًا وجاءَت به فأكلنا, فقال لى: يا حُسْنُ, ما أملكُ غيرَ هذا الدرهم, وما لك عندى غير هذا اليوم. قالت: وكان إذا لم يكن عند مولاى شَىءٍ فَرحٍ يومَه ذلك. قالت: ودخل مَولاى يومًا, فقال لى: أُريد أحتجم اليوم, وليسِ معى شىء, فجئتُ إلى جَرَّة لى فيها قَريبٌ من نصف منٍّ غَزل, فأخرجته فبعثت به إلى بعض الحاكة, فباعه بأربعة دراهم, فاشتريتُ لحمًا بنصف درهم, وأعطى الحجام درهمًا, واشتريتُ طيبًا بدرهم. ولما خرج مَولاى إلى سُرَّ مَنْ رأى كنتُ قد غزلتُ غزلًا لينًا, وعملتُ ثوبًا حسنًا, فلما قدم أخرجتُ إليه ذلك الثوب الحسن, وكنت قد أعطيتُ كِراه خمسة عَشر درهمًا من الغلّة, فلما نظر إليه, قال: ما أُريده, قلت: يا مولاى, عندى غير هذا من قطن غيره, فدفعت الثوب إلى فُوران فَباعه باثنين وأربعين درهمًا, واشتريتُ منه قطنًا فغزلته ثوبًا كبيرًا, فلما أعلمته, قال: لا تَقطعيه دَعيه. فكان كفنَه, كُفِّن فيه, وأخرجتُ الغليظ فقطَعه. قالت: وخبزتُ يومًا لمولاى وهو فى مرضه الذى تُوفى فيه, فقال: أينَ

стр. 407

خَبزتيه؟ قلت: فى بيت عبد الله, قال: ارفَعيه. ولم يأكل منه. قلتُ ما عرفنا أن أحمد - رضى الله عنه - تَزوج سوى المرأتين اللتين ذَكرناهما: أُم صالح وأُم عبد الله, ولا تَسرى إلا بهذه الجارية التى ذكرنا أخبارها, واسمها حُسْن, وإلا أن أبا الحُسين أحمد بن جعفر بن المنادى ذكر فى كتاب (فضائل أحمد) أن أحمد استأذن أهله أن يتسرى طلبا للاتباع, فأذنت له, فاشترى جارية بثمن يسير وسمّاها رَيحانة استنانًا برسول الله ﷺ . فعلى هذا يكونُ قد اشتَرى جاريتين, وتكون إحداهما فى حياة زَوجته, والله أعلم.

стр. 408

الباب الرابع وَالسّتون فى ذكر عَدد أولاده قد ذكرنا أن صالحًا من أُم, وعبد الله من أُم, وأن حُسْنًا الجارية وَلدت له الحَسْنَ والحُسين, ثم وَلدت ثالثًا يسمى بالحَسن أيضًا, ثم ولدت مُحمدًا, ووَلدَت سعيدًا, وزَينب - وتُكنى: أُم على -. أخبرنا ابن أبى منصور, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أنبأنا أبو إسحاق البَرْمَكى, قال: أنبأنا عبد العزيز بن جَعفر, قال: حدثنا أحمد بن محمد الخلّال, قال: أخبرنى أبو غالب على بن أحمد, قال: قال لى صالح: جَعل أبى يعتذر إلىَّ من حُسن وسعيدٍ, ويقول: كلُّ ما أخذ الله تعالى ميثاقه فلابد أن يخرج إلى الدنيا. قال الخلال: وأخبرنى ألخَضر بن أحمد بن المثنى الكِندى, قال: حدثنا عبد الله بن أحمد, قال: وُلد لأبى مَولود فأعطانى عَبدُ الأَعلى رُقعة يُهنّيه, فرمى بالرقعة أبى, وقال: ليسَ هذا كتاب عالم ولا مُحدِّث, هذا كتابُ كاتبِ. أنبأنا محمد بن أبى منصور, قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار, قال: أخبرنا عبيد الله بن عمر بن شاهين, قال: حَدثنى أبى, قال: حدثنا أحمد بن

стр. 409

محمد بن الفَضل, قال: سمعتُ أبا محمد فُوران, يقول: كنتُ أصحبُ أحمد ابن حنبل ويَأنس إلى, ومنى يَستقرِض, فإذا جاءَ مولود بالليل وأنا لا أعلم يَجىءُ فى السحر, فيقعُد على باب دارى لا يدق البابَ, وأنا لا أعلم به حتى أخرج إلى الصلاة, فيقوم إلىَّ فيصحبنى, فأقول له: فى أىّ شىءٍ جئتَ يا أبا عبد الله الساعة؟ فيقول: قد جاءَنا مَولود, فيمضى هو, وأصلى أنا الغَداة وأخرج إلى القنطرة, أو باب التَّبن, فآخذ ما يَصلح للنساءِ وأبعث به إليه.

стр. 410

الباب الخامِس وَالسّتون فى ذكر أخبار أولاده وعَقِبه ذكر صالح بن أحمد بن حنبل وَأولاده وعَقبه: كان صالح يُكنى أبا الفَضل, وهو أكبر أولاد أحمد, وُلد سَنة ثلاثٍ ومئتين, وكان أحمد يُحبه ويُكرمه, وابتلى بالعِيال على حَداثة سَنِّه, فقلَّت روايته عن أبيه, على أنه قد رَوى عنه كثيرًا, وَروى عن أبى الوليد الطَّيالسى, وإبراهيم بن الفَضل الذراع, وعلى بن المَدينى, وروى عنه ابنُه زُهير, والبَغَوِى, ومحمد ابن مَخْلد فى آخرين. وولى قَضاءَ أصفهان, فخرج إليها فَمات بها. وأخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز, قال: أخبرنا أحمد بن على بن ثابت, قال: حُدِّثت عن عبد العزيز بن جعفر, قال: حدثنا أبو بكر الخلّال, قال: كان صالح بن أحمد بن حنبل سَخيًّا جدًّا, أخبرنى الحَسن بن على الفَقيه بالمصَّيصة, قال: كان صالح قد افتصدَ, فدعا إخوانه, وأنفق فى ذلك اليوم نَحوًا من عشرين دينارًا فى طيبٍ وغيره, وأحسبُ أنه قال: كان فى الدعوة ابنُ أبى مَريم, وإذا أبو عبد الله قد دَقَّ الباب, فقال له ابنُ أبى مريم: أسبِل علينا

стр. 411

السِّتر لا نَفْتضِح ولا يَشمَ أبو عبد الله رائحةَ الطيب, فدخل أبو عبد الله, فقعد فى الدار, وسأله عن حاله, وقال له: خُذ هذين الدرهمين وأنفقهما اليوم, وقام فخرج, فقال ابنُ أبى مريم لصالح: فَعل الله بكَ وفَعل, لمَ أردتَ أن تأخذَ الدراهم منه؟! أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز, قال: أخبرنا أحمد بن على بن ثابت, قال: حدثنى محمد بن الحُسين بن محمد, قال: ذكر أبو بكر الخَلال, قال: أخبرنى محمد بن العباس, قال: حَدثنى محمد بن على, قال: لما صارَ صالح إلى أصفهان وكنتُ معه, بَدأ بمسجد الجامع فدخله وصلى رَكعتين, واجتَمع الناسُ والشيوخُ وجلس وقُرئ عهدُه الذى كتبَ له الخليفة, فجعل يَبكى بُكاءً شديدًا حتى غلبه, فبكى الشيوخ الذين قربوا منه, فلما فُرغ من قِراءة العهد جَعل المشايخ يدعون له ويقولون: ما ببلدنا أحدٌ إلا ويُحب أبا عبد الله ويميلُ إليك. فقال لهم: تَدرون ما أبكانى؟ ذكرتُ أبى أن يَرانى فى مثل هذا الحال, وكان عليه السَّواد, وكانَ أبى يَبعث خَلفى إذا جاءَه رجلٌ زاهد, أو مُتقشف لأنظر إليه, يُحب أن أكون مثله, أو يَرانى مثله. ولكنَّ الله يعلم ما دخلتُ فى هذا الأمر إلا لدَين قد غَلبنى, وكثرة عيال, أحمدُ الله. وكان صالح غيرَ مرةٍ إذا انصرفَ من مجلس الحُكم ينزع سَواده ويقول لى: ترانى أموت وأنا على هذا؟

стр. 412

توفى صالح فى رَمضان سنة خمس وستين ومئتين بأصفهان. فأما زُهير بن صالح, فإنه حَدَّث عن أبيه, وروى عنه ابنُ أخيه محمد بن أحمد بن صالح, وأحمدُ بن سليمان النَّجاد. وقال الدارقطنى: زُهير ثِقة. قال أحمد بن كامل القاضى: تُوفى زُهير بن صالح فى رَبيع الأول سنة ثلاث وثلاث مئة. محمد بن أحمد بن صالح بن أحمد بن حنبل يُكنى أبا جعفر, روى عن أبيه, وعن عَمه زُهير, وإبراهيم بن خالد الهِسِنْجَانِى فى جماعة, وروى عنه الدَّارَقُطْنى, وتُوفى سنة ثلاثين وثلاث مئة. ذكر عبد الله بن أحمد بن حنبل كان يُكنى أبا عبد الرحمن, وكان أروى الناس عن أبيه, وسَمع مُعظم تصانيفه وحديثه, وسَمع من عبد الأعلى بن حماد, وكامل بن طَلحة, ويحيى بن مَعيِن, وأبى بكر وعُثمان ابنى أبى شَيْبة, وشَيبان بن فَرّوخ فى خَلق كثير. وكان له جحظٌّ وافر من الحِفظ, وكان أحمد يقول: ابنى عبد الله مَحظوظ من علم الحديث - أو من حفظ الحديث -. ولما مرض قيل له: أينَ تحب أن تُدفن؟ فقال: صح عندى أن بالقَطيعة نبيًا مدفونًا, ولأن أكون فى جِوار نَبى أحب إلىَّ من أن أكون فى جِوار أبى.

стр. 413

وتوفى يوم الأحد لتسع بقين من جمادى الآخرة سنة تسعين ومئتين, ودُفن فى آخر النهار فى مقابر باب التِّبن, وصَلى عليه زُهير ابن أخيه, وكان له جَمع عظيم. ذكر سَعيد بن أحمد بن حنبل قال حنبل بن إسحاق: وُلد سعيد قبل موت أحمد بنحو خَمسين يومًا. وقال غيره: ولى سَعيد قضاءَ الكوفة وتوفى سنة ثلاث وثلاث مئة. قلتُ: وهذا لا يصح, فإن أبا منصور القزاز أخبرنا, قال: أخبرنا أحمد ابن على بن ثابت, قال: سعيدُ بن أحمد بن حنبل حَكى عن أبى حَكى عن أبى مُجالد أحمد ابن الحسين الضرير, رَوى عنه القاضى أبو عمران موسى بن القاسم الأشْيَب, ومات سعيد قَبل وفاة أخيه عبد الله بدهر طويل. قلت: وقد ذكرنا فى باب ثَناء العلماءِ على الإمام أحمد, أن إبراهيم الحَربى جاءَ إلى عبد الله يُعزيه بأخيه سَعيد. قلت: فأما الحَسن ومحمد, فلا نَعرف من أخبارهما شيئًا, وأما زَينب, فقد ذكرنا لها حديثًا فى باب وَرَعه, وأنها قالت لإسحاق بن إبراهيم: خُذ هذه الدجاجة فبعها, فإن أبى يَحتاج أن يَحتجم, وما عنده شىء. وقد قال إسحاق: رأيتُ أبا عبد الله يَضرب ابنَته على اللَّحن وَينتهرها.

стр. 414

وأخبرنا محمد بن أبى منصور, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن على الخياط, قال: أخبرنا أبو الفتح بن أبى الفَوارس, قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن محمد بن سَلْم الخُتَّلى, قال: حدثنا أبو بكر المُّروذى, قال: دخلتُ على أبى عبد الله فرأيتُ امرأةً تمشط صبيةً له, فقلتُ للماشِطة بعد: وصلتِ رأسَها بقَرامِل؟ فقالت: لم تَتركنى الصَّبية, قالت: إن أبى نَهانى. وقالت: يَغضبُ. وقد رُوى لنا أنه كانت له بنتٌ اسمُها فاطمة, والظاهر أنها غير زينب. إلا أنا قد ذكرنا عن زُهير عدد أولاده, ولم يذكرها فيهم, فيحتمل أن تكونَ هى زينب, لأن المرأة قد تسمى باسمين, ويحتمل أن تكون غيرها. وقد ذكرنا لفاطمة حديثًا فى باب كَراماته, وقد أنبأنا أبو بكر بن عبد الباقى, قال: أنبأنا أبو إسحاق البَرْمَكى, قال: وجدتُ فى كتاب أبى: حدثنا أبو بكر بن شاذان, قال: حدثنا أبو عيسى أحمد بن يعقوب, قال: حدثتنى فاطمة بنت أحمد بن حنبل, قالت: وَقع الحريقُ فى بيت أخى صالح, فَدخلوا فإذا ثوبٌ كان لأبى قد أكلت النار ما حوله وهو سَليم.

стр. 415

الباب السّادس وَالستون في ذكر ابتداء المحنة وسبَبها لم يزل الناس على قانون السلف وقولهم: إن القرآن كلام الله غير مَخلوق, حتى نَبغت المعتزلة فقالت بخلق القرآن, وكانت تَستر ذلك, وكان القانون مَحفوظًا في زمن الرشيد, فأخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز, قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت, قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن أبي طاهر الدّقّاق, قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن سُليمان النجّاد, قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل, قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم الدَّورقي, قال: حدثني محمد بن نوح, قال: سمعت هارون أمير المؤمنين يقول: بَلغني أن بشرًا المريسي زعم أن القرآن مخلوق, ولله عليّ إن أظفرني به لأقلنّه قِتلةً ما قتلتُها أحدًا قطّ. أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم, قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري, قال: حدثنا يحيى بن عمّار بن يحيى, قال: حدثنا محمد بن إبراهيم ابن جناح الأصمّ, قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سهل, قال: حدثنا إبراهيم

стр. 416

ابن إسحاق الأنصارى, قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم الدَّورقى قال: سمعتُ محمد بن نوح يُحدِّث عن المسعودى قاضى بَغداد, قال: سمعتُ هارون الرشيد, يقول: بَلغنى أن بشر بن غِياث يقول: القُرآن مخلوق, وللهِ علىّ لئن أظفرنى به لأقتلنه قِتلة ما قَتلتُها أحدًا. قال أحمد: فكان بشرٌ متواريًا أيامَ هارون نحوًا من عِشرين سَنة حتى ماتَ هارون, فظهر ودَعا إلى الضَّلالة, وكانَ من المِحنة ما كان. قلت: فلما تُوفى الرشيدُ كان الأمر كذلك فى زمن الأمين, فلما ولى المأمون خالَطه قومٌ من المعتزلة فحسَّنوا له القولَ بخلق القرآن, وكان يتردّد فى حمل الناسِ على ذلك, ويراقب بقايا الأشياخ, ثم قَوى عزمه على ذلك فحَمل الناس عليه. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز, قال: أخبرنا أحمد بن على بن ثابت, قال: أخبرنا القاضى أبو بكر أحمد بن الحسن الحِيرى, وأبو سَعيد محمد بن موسى الصَّيرفى, قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يَعقوب الأصم, قال: حدثنا يحيى بن أبى طالب, قال: أخبرنى الحسن بن شاذان الواسطى, قال: حدثنى ابن عَرْعَرة, قال: حدثنى ابن أكثم, قال: قال لنا المأمون: لولا مَكان يَزيد بن هارون, لأظهرتُ أن القرآن مَخلوق. فقال بعضُ جُلساته: يا أمير المؤمنين, ومَن يَزيد حتى يكون يُتَّقى؟ قال: فقال: وَيحك! إنى أخاف إن أظهرته فيردّ علىّ, فيختلف الناس وتَكون فِتنة, وأنا أكره الفِتنة, قال: فقال الرجل: فأنا أخبُرُ ذلك منه, فقال له: نعم. فخرج إلى واسط, فجاء إلى يزيد, فدخل عليه المسجد وجلس إليه, فقال له: يا أبا خالد, إن أمير

стр. 417

المؤمنين يُقرئك السلام, ويقول لك: إنى أُريدُ أن أظهر أن القرآن مخلوق, قال: فقال: كذبتَ على أمير المؤمنين, أمير المؤمنين لا يَحمل الناس على ما لا يعرفونه, فإن كنتُ صادقًا فاقعُد إلى المجلس, فإذا اجتَمع الناس فقُل. قال: فلما أن كان الغَد اجتمع الناس, فقام فقال: يا أبا خالد - رضى الله عنك - إن أمير المؤمنين يُقرئك السلام, ويقول لك: إنى أردتُ أن أظهر أن القرآن مخلوق, فما عندك فى ذلك؟ قال: كذبتَ على أمير المؤمنين, أمير المؤمنين لا يحمل الناس على ما لا يعرفونه, وما لم يَقل به أحد. قال: فقدم, فقال: يا أمير المؤمنين كُنتَ أعلم, كان من القِصة كيتَ وكيتَ, فقال له: وَيحكَ تَلعَّبَ بك!

стр. 418

الباب السّابع والسّتون فى ذكر قِصته مع المأمون قال العُلماء بالسِّير: كَتب المأمون وهو بالرَّقة إلى إسحاق بن إبراهيم - وهو صاحب الشرطة ببغداد - بامتحانِ الناس فامتَحنَهم. أخبرنا المحمَّدان: ابن ناصر, وابن عبد الباقى, قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد, قال: أخبرنا أبو نُعَيم أحمد بن عبد الله, قال: حدثنا محمد بن جَعفر, وعلى بن أحمد, قالا: حدثنا محمد بن إسماعيل بن أحمد. وأخبرنا هِبة الله بن الحسين بن الحاسب, قال: أخبرنا الحسن بن أحمد بن البَنّا, قال: أخبرنا أبو الفتح بن أبى الفَوارس, قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن سَلْم, قال: حدثنا عمر بن محمد بن عيسى الجَوهرى, قالا: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل, قال: سمعتُ أبى, يقول: لما أُدخلنا على إسحاق بن إبراهيم للمِحنة, قُرئ علينا كتابُ الذى صار إلى طَرَسوس - يعنى المأمون - فكانَ فيما قُرئ علينا: (ليسَ كمِثلهِ شَىء) , وهو خالق كل

стр. 419

شىء, فقلت: (وهو السميعُ البَصير). قال صالح: ثم امتحن القوم, فوجه بمن امتنع إلى الحبس, فأجاب القومُ جميعًا غير أربعة: أبى, ومحمد بن نوح, وعُبيد الله بن عمر القَواريرى, والحَسن بن حماد, سَجّادة. ثم أجاب عُبيد الله بن عمر, والحَسن بن حماد, وبَقى أبى ومُحمد بن نوح فى الحبس, فمَكثا أيامًا فى الحَبس, ثم ورد الكتاب من طَرسوس بحملهما, فحُملا مُقيدين زَميلين. أخبرنا المحمدان: ابن ناصر, وابن عبد الباقى, قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد, قال: أخبرنا أبو نُعَيم الحافظ, قال: حدثنا سليمان بن أحمد. وأخبرنا ابن ناصر, قال: أنبأنا أبو على الحسن بن أحمد, قال: أخبرنا على بن أحمد بن عمر الحَمّامى قال: أخبرنا ابن الصواف, قالا: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل, قال: حدثنى أبو مَعْمَر القَطيعى, قال: لما حَضرنا فى دار السلطان أيامَ المحنة, وكان أبو عبد الله أحمد بن حنبل قد أُحضِر, وكان رجلًا لَيّنًا, فلما رأى الناسَ يُجيبون انتفَخت أوداجُه, واحمَّرت عَيناه, وذهبَ ذلك اللِّينُ الذى كان فيه, فقلتُ: إنه قَد غضب لله. قال أبو مَعْمَر: فلما رأيتُ ما به, قلتُ: يا أبا عبد الله, أبشر؛ حدثنا محمد بن

стр. 420

فُضيل بن غزوان, عن الوليد بن عبد الله بن جُمَيع, عن أبى سَلَمَةَ بن عبد الرحمن بن عوف, قال: كان من أصحاب النبى ﷺ : مَن إذا أريد على شىءٍ من دينهِ رأيتَ حَماليق عَينيه فى رأسه تَدور كأنه مَجنون. أخبرنا عبد الملك بن أبى القاسم, قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصارى, قال: أخبرنا أبو يعقوب, قال: أخبرنا الحسين بن محمد بن سعيد الخَفّاف, قال: سمعتُ ابن أبى أسامة, يقول: حُكى لنا: أن أحمد بن حنبل قيل له أيام المحنة: يا أبا عبد الله, ألا ترى الحقَّ كيف ظَهر عليه الباطل؟ فقال: كَلّا, إن ظهور الباطل على الحق أن تَنتقل القلوب من الهُدى إلى الضَّلالة, وقلوبنا بَعد لازمةٌ للحق. أخبرنا هِبة الله بن الحُسين بن الحاسب, قال: أخبرنا الحسن بن أحمد بن البَنّا, قال: أخبرنا أبو الفتح بن أبى الفَوارس, قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن جَعفر بن سَلْم, قال: حدثنا عمر بن محمد بن عيسى الجَوهرى. وأخبرنا ابن ناصر, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أخبرنا أبو إسحاق البَرْمَكى, قال: أخبرنا على بن مَرْدَك, قال: حدثنا ابن أبى حاتم قالا: حدثنا صالح ابن أحمد, قال: حُمِل أبى ومُحمد بن نوح مقَيَّدين, فصِرنا مَعهما إلى الأنبار, فسأل أبو بكر الأولُ أبى, فقال: يا أبا عبد الله, إن عُرضتَ على السيف تُجيب؟ قال: لا. ثم سُيِّرا, قال: فسمعتُ أبى يقول: لما صرنا إلى الرَّحبة ورحلنا منها - وذلك فى جَوف الليل - عَرض لنا رجل, فقال: أيَكم

стр. 421

أحمد بن حنبل؟ فقيل له: هذا, فقال للجمَّال: على رِسْلِك, ثم قال: يا هذا, ما عليكَ أن تُقتل ها هنا, وتَدخل الجنة ها هنا, ثم قال: أستودعك الله, ومَضى. قال أبى: فسألتُ عنه, فقيل لى: هذا رَجل من العرب من رَبيعة, يَعمل الِّعر فى البادية, يُقال له: جابر بن عامر, يُذْكَر بخير. أخبرنا ابن ناصر, قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار, قال: أخبرنا محمد بن عبد الواحد بن جعفر, قال: أخبرنا أبو عُمر بن حَيّويه, قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق المُّروذى, قال: حدثنا عبد الله بن سعيد المروّزى عن صالح بن أحمد فى حديث المحنة, قال: لما رّحلنا إلى طَرسوس للمحنة, قال أبى: لما نزلنا الرَّحبة ورحلنا منها فى جوف الليل, عَرض لى رجل, فقال: أيّكم أحمد بن حنبل؟ فقيل له: هذا, فسلَّم على, ثم قال: يا هذا, ما عليكَ أن تُقتل ها هنا وتَدخل الجنة, ثم سلّم وانصرف. فقلت: من هذا؟ فقيل لى: رجلٌ من العرب من رَبيعة, يقول الشِّعر بالبادية, يُقال له: جابر بن عامر. قال المروزى: وحدثنا المَعْمَرى, عن أحمد بن أبى الحَوارى, قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله, قال: قال أحمدُ بن حنبل: ما سمعتُ كلمة منذ وَقعتُ فى الأمر الذى وقعتُ فيه, أقوى من كلمةِ أعرابى كلَّمنى بها فى رَحبة طَوق, قال لى: يا أحمد, إن يَقتلك الحقُّ متَّ شهيدًا, وإن عشتَ عشتَ حميدًا, قال: فَقّوى قلبى.

стр. 422

أخبرنا محمد بن أبى منصور, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أخبرنا إبراهيم بن عُمر, قال: أخبرنا على بن عبد العزيز, قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبى حاتم, قال: حدثنا أبى, قال: أحدثنا أحمد بن أبى الحَوارى عن بعض أصحابه. قال: قال أحمد بن حنبل: ما سمعتُ كلمةً كانت أوقعَ فى قلبى من كلمةٍ سمعتها من أعرابى فى رَحبةِ طَوق, قال لى: يا أحمد, إن قَتلك الحقُّ متَّ شهيدًا, وإن عشتَ عشتَ حميدًا. قال ابن أبى حاتم: قال أبى: فكانَ كما قال؛ لقد رَفع الله شأن أحمد بن حنبل بعد ما امتُحِن, وعَظُم عند الناس وارتَفع أمره جدَّا. قلتُ: وقد بلغنا عن الشافعى - رضى الله عنه - أنه رأى رسولَ الله ﷺ , فى المنام يُخبره بما سَيلقى أحمد من الامتحان فى خَلق القرآن, ويأمره أن يُعلم أحمد بذلك, وسيأتى هذا مُسندًا فى باب المنامات التى رئيت لأحمد بن حنبل. أخبرنا محمد بن ناصر, قال: أنبأنا أحمد بن أبى سَعد النَّيسابورى, قال: سمعتُ عبد الله بن يوسف, يقول: سمعتُ أبا العباس الأصم, يقول: سمعتُ العباس بن مُحمد الدُّورى, يقول: سمعتُ أبا جعفر الأنبارى, يقول: لما حُمِل أحمد بن حنبل المأمون أخبِرت, فعبرتُ الفراتَ فإذا هو جالسٌ فى الخان, فسلمتُ عليه, فقال: يا أبا جَعفر, تعنَّيت. فقلتُ: ليسَ هذا عناء, وقلتُ له: أنت اليومَ رأسٌ والناسُ يقتدون بك, فوالله لَئِن أجيتَ إلى خلق القرآن, ليُجِبَينَّ بإجابتك خلقٌ كثير من خلق الله, وإن

стр. 423

أنتَ لم تُجِب؛ لَيمتنعنَّ خلق من الناس كثير, ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فإنك تموت, ولابد من الموت, فاتَّق الله ولا تُجبهم إلى شىءٍ, فَجعل أحمدُ يبكى ويقول: ما شاء الله, ما شاءَ الله, ثم قال لى أحمدُ: يا أبا جَعفر, أعِد علىَّ ما قلتَ. فأعدتُ عليه, فجعلَ يقول: ما شاءَ الله, ما شاءَ الله. أخبرنا المُحمدان: ابن أبى منصور, وابن أبى القاسم, قالا: أخبرنا أبو الفضل حَمد بن أحمد, قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله, قال: حدثنا محمد بن جَعفر, وعلى بن أحمد, قالا: حدثنا محمد بن إسماعيل بن أحمد. (ح) وأخبرنا هِبة الله بن الحسين بن الحاسب, قال: أخبرنا الحسن بن أحمد بن البَنّا, قال: أخبرنا أبو الفَتح بن أبى الفَوارس, قال: حدثنا أحمد بن جَعفر بن سَلْم, قال: حدثنا عمر بن عيسى الجَوهرى, قالا: حدثنا صالح بن أحمد, قال: قال أبى: لما صِرنا إلى أَذَنَة ورحلنا منها - وذلك فى جوف الليل - وفُتح لنا بابها, فإذا رجل قد دخل, وقال: البُشرى! قد ماتَ الرجل. قال أبى: وكنتُ أدعو الله أن لا أراه. أخبرنا عبد الملك الكَرُخى, قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصارى, قال: أخبرنا أبو يعقوب, قال: حدثنا أبو على بن أبى بكر المروزى, قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن الحسن بن على البُخارى, قال: سمعت محمد بن إبراهيم البُوشَنْجى, يقول: سمعتُ أحمد بن حنبل, يقول: دعوتُ ربى ثَلاث

стр. 424

دَعوات, فتبيَّنتُ الإجابة فى ثِنتين؛ دَعوته أن لا يجمع بينى وبين المأمون, ودَعوته أن لا أرى المتوكّل, فلم أر المأمون, مات بالبَذَنْدُون - وهو نهر الروم - وأحمد مَحبوس بالرَّقَّة, حتى بويع المعتصم بالروم ورجع, فرَّد أحمد إلى بغداد فى سَنة ثمان عشرة ومئتين, والمعتصم امتَحنه, فأما المتوكل, فإنه لما أحضر أحمد دارَ الخلافة ليحدّث ولدَه, قَعد له المتوكل فى خَوخة, حتى نَظر إلى أحمد ولم يَره أحمد. أخبرنا محمد بن أبى منصور, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر, قال: أخبرنا على بن عبد العزيز, قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبى حاتم, قال: حدثنا صالح بن أحمد, قال: لما صار أبى ومحمد بن نوح إلى طَرسوس, رُدَّا فى أقيادِهما, فلما صارا إلى الرقّة حُمِلا فى سَفينة, فلما وَصلا إلى عانات توفى مُحمد بن نوح؛ فأُطلق عنه قيدُه, وصَلّى عليه أبى. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز, قال: أخبرنا أحمد بن على بن ثابت, قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق, قال: حدثنا عثمان بن أحمد الدقّاق, قال: حدثنا حنبل بن إسحاق, قال: سمعتُ أبا عبد الله أحمد بن حنبل

стр. 425

يقول: ما رأيتُ أحدًا على حَداثةِ سنِّه, وقلّة عِلمه, أقومَ بأمر الله من مُحمد بن نوح, وإنى لأرجو أن يكون الله قد خَتم له بخير, قال لى ذات يوم وأنا مَعه خِلوَين: يا أبا عبد الله, الله الله, إنَّك لستَ مثلى, أنتَ رجلٌ يُقتَدَى بك, وقد مَدّ الخلقُ أعناقهم إليك لما يكون منك, فاتَّق الله واثُبت لأمر الله - أو نحو هذا من الكلام - فعجبتُ من تَقويته لى؛ ومَوعظته إياى؛ فانظر بما خُتم له, مَرض وصار إلى بعض الطريق فَمات, فصليتُ عليه ودَفنته - أظنه قال: بعانة - قال أحمد بن على بن ثابت: وكانت وفاته سَنة ثمان عشرة ومئتين.
следующие страницы →