← Тараджим

Тараджим · id 13250

مناقب الإمام أحمد

ابن الجوزي

Полный текст (708 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

أحمد بن حنبل؟ فقيل له: هذا, فقال للجمَّال: على رِسْلِك, ثم قال: يا هذا, ما عليكَ أن تُقتل ها هنا, وتَدخل الجنة ها هنا, ثم قال: أستودعك الله, ومَضى. قال أبى: فسألتُ عنه, فقيل لى: هذا رَجل من العرب من رَبيعة, يَعمل الِّعر فى البادية, يُقال له: جابر بن عامر, يُذْكَر بخير. أخبرنا ابن ناصر, قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار, قال: أخبرنا محمد بن عبد الواحد بن جعفر, قال: أخبرنا أبو عُمر بن حَيّويه, قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق المُّروذى, قال: حدثنا عبد الله بن سعيد المروّزى عن صالح بن أحمد فى حديث المحنة, قال: لما رّحلنا إلى طَرسوس للمحنة, قال أبى: لما نزلنا الرَّحبة ورحلنا منها فى جوف الليل, عَرض لى رجل, فقال: أيّكم أحمد بن حنبل؟ فقيل له: هذا, فسلَّم على, ثم قال: يا هذا, ما عليكَ أن تُقتل ها هنا وتَدخل الجنة, ثم سلّم وانصرف. فقلت: من هذا؟ فقيل لى: رجلٌ من العرب من رَبيعة, يقول الشِّعر بالبادية, يُقال له: جابر بن عامر. قال المروزى: وحدثنا المَعْمَرى, عن أحمد بن أبى الحَوارى, قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله, قال: قال أحمدُ بن حنبل: ما سمعتُ كلمة منذ وَقعتُ فى الأمر الذى وقعتُ فيه, أقوى من كلمةِ أعرابى كلَّمنى بها فى رَحبة طَوق, قال لى: يا أحمد, إن يَقتلك الحقُّ متَّ شهيدًا, وإن عشتَ عشتَ حميدًا, قال: فَقّوى قلبى.

стр. 422

أخبرنا محمد بن أبى منصور, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أخبرنا إبراهيم بن عُمر, قال: أخبرنا على بن عبد العزيز, قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبى حاتم, قال: حدثنا أبى, قال: أحدثنا أحمد بن أبى الحَوارى عن بعض أصحابه. قال: قال أحمد بن حنبل: ما سمعتُ كلمةً كانت أوقعَ فى قلبى من كلمةٍ سمعتها من أعرابى فى رَحبةِ طَوق, قال لى: يا أحمد, إن قَتلك الحقُّ متَّ شهيدًا, وإن عشتَ عشتَ حميدًا. قال ابن أبى حاتم: قال أبى: فكانَ كما قال؛ لقد رَفع الله شأن أحمد بن حنبل بعد ما امتُحِن, وعَظُم عند الناس وارتَفع أمره جدَّا. قلتُ: وقد بلغنا عن الشافعى - رضى الله عنه - أنه رأى رسولَ الله ﷺ , فى المنام يُخبره بما سَيلقى أحمد من الامتحان فى خَلق القرآن, ويأمره أن يُعلم أحمد بذلك, وسيأتى هذا مُسندًا فى باب المنامات التى رئيت لأحمد بن حنبل. أخبرنا محمد بن ناصر, قال: أنبأنا أحمد بن أبى سَعد النَّيسابورى, قال: سمعتُ عبد الله بن يوسف, يقول: سمعتُ أبا العباس الأصم, يقول: سمعتُ العباس بن مُحمد الدُّورى, يقول: سمعتُ أبا جعفر الأنبارى, يقول: لما حُمِل أحمد بن حنبل المأمون أخبِرت, فعبرتُ الفراتَ فإذا هو جالسٌ فى الخان, فسلمتُ عليه, فقال: يا أبا جَعفر, تعنَّيت. فقلتُ: ليسَ هذا عناء, وقلتُ له: أنت اليومَ رأسٌ والناسُ يقتدون بك, فوالله لَئِن أجيتَ إلى خلق القرآن, ليُجِبَينَّ بإجابتك خلقٌ كثير من خلق الله, وإن

стр. 423

أنتَ لم تُجِب؛ لَيمتنعنَّ خلق من الناس كثير, ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فإنك تموت, ولابد من الموت, فاتَّق الله ولا تُجبهم إلى شىءٍ, فَجعل أحمدُ يبكى ويقول: ما شاء الله, ما شاءَ الله, ثم قال لى أحمدُ: يا أبا جَعفر, أعِد علىَّ ما قلتَ. فأعدتُ عليه, فجعلَ يقول: ما شاءَ الله, ما شاءَ الله. أخبرنا المُحمدان: ابن أبى منصور, وابن أبى القاسم, قالا: أخبرنا أبو الفضل حَمد بن أحمد, قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله, قال: حدثنا محمد بن جَعفر, وعلى بن أحمد, قالا: حدثنا محمد بن إسماعيل بن أحمد. (ح) وأخبرنا هِبة الله بن الحسين بن الحاسب, قال: أخبرنا الحسن بن أحمد بن البَنّا, قال: أخبرنا أبو الفَتح بن أبى الفَوارس, قال: حدثنا أحمد بن جَعفر بن سَلْم, قال: حدثنا عمر بن عيسى الجَوهرى, قالا: حدثنا صالح بن أحمد, قال: قال أبى: لما صِرنا إلى أَذَنَة ورحلنا منها - وذلك فى جوف الليل - وفُتح لنا بابها, فإذا رجل قد دخل, وقال: البُشرى! قد ماتَ الرجل. قال أبى: وكنتُ أدعو الله أن لا أراه. أخبرنا عبد الملك الكَرُخى, قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصارى, قال: أخبرنا أبو يعقوب, قال: حدثنا أبو على بن أبى بكر المروزى, قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن الحسن بن على البُخارى, قال: سمعت محمد بن إبراهيم البُوشَنْجى, يقول: سمعتُ أحمد بن حنبل, يقول: دعوتُ ربى ثَلاث

стр. 424

دَعوات, فتبيَّنتُ الإجابة فى ثِنتين؛ دَعوته أن لا يجمع بينى وبين المأمون, ودَعوته أن لا أرى المتوكّل, فلم أر المأمون, مات بالبَذَنْدُون - وهو نهر الروم - وأحمد مَحبوس بالرَّقَّة, حتى بويع المعتصم بالروم ورجع, فرَّد أحمد إلى بغداد فى سَنة ثمان عشرة ومئتين, والمعتصم امتَحنه, فأما المتوكل, فإنه لما أحضر أحمد دارَ الخلافة ليحدّث ولدَه, قَعد له المتوكل فى خَوخة, حتى نَظر إلى أحمد ولم يَره أحمد. أخبرنا محمد بن أبى منصور, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر, قال: أخبرنا على بن عبد العزيز, قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبى حاتم, قال: حدثنا صالح بن أحمد, قال: لما صار أبى ومحمد بن نوح إلى طَرسوس, رُدَّا فى أقيادِهما, فلما صارا إلى الرقّة حُمِلا فى سَفينة, فلما وَصلا إلى عانات توفى مُحمد بن نوح؛ فأُطلق عنه قيدُه, وصَلّى عليه أبى. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز, قال: أخبرنا أحمد بن على بن ثابت, قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق, قال: حدثنا عثمان بن أحمد الدقّاق, قال: حدثنا حنبل بن إسحاق, قال: سمعتُ أبا عبد الله أحمد بن حنبل

стр. 425

يقول: ما رأيتُ أحدًا على حَداثةِ سنِّه, وقلّة عِلمه, أقومَ بأمر الله من مُحمد بن نوح, وإنى لأرجو أن يكون الله قد خَتم له بخير, قال لى ذات يوم وأنا مَعه خِلوَين: يا أبا عبد الله, الله الله, إنَّك لستَ مثلى, أنتَ رجلٌ يُقتَدَى بك, وقد مَدّ الخلقُ أعناقهم إليك لما يكون منك, فاتَّق الله واثُبت لأمر الله - أو نحو هذا من الكلام - فعجبتُ من تَقويته لى؛ ومَوعظته إياى؛ فانظر بما خُتم له, مَرض وصار إلى بعض الطريق فَمات, فصليتُ عليه ودَفنته - أظنه قال: بعانة - قال أحمد بن على بن ثابت: وكانت وفاته سَنة ثمان عشرة ومئتين.

стр. 426

الباب الثامِن والسّتون فى ذكر ما جرى له بعد موت المأمون قد ذكرنا أنه لما جاءَ الخبر بموت المأون, رُدَّ أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح فى أقيادهما, فماتَ محمد بن نوح فى الطريق, ورُدَّ أحمد إلى بغداد مقيدًا. أخبرنا عبد الملك بن أبى القاسم الكَرُوخى, قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصارى, قال: أخبرنا أبو يعقوب, قال: أخبرنى جدى, قال: أخبرنا محمد بن أبى جَعفر المنذرى, وأبو أحمد بن أبى أسامة, قالا: سمعنا محمد ابن إبراهيم البُوشَنْجى, يقول: أُخذ أحمد أيام المأمون ليُحمل إلى المأمون ببلاد الروم, فبلغ أحمد الرقَّة, ومات المأمون بالبَذَنْدون قبل أن يَلقاه أحمد, وذلك فى سنة ثمان عشرة ومئتين. فأخبرنى أبو العباس الرقى - وكان من حُفاظ أهل الحديث - أنهم دخلوا على أحمد بالرقة وهو مَحبوس, فجعلوا يذاكرونه ما يُروى فى التَّقِية من الأحاديث, فقال أحمد: وكَيف تصنعون بحديث خَبّاب: (إِنَّ مَنْ كانَ قَبْلكُم كانَ يُنْشَر أحدُهم بالمِنشارِ ثُمّ لا يَصده ذلكَ عن دينِه) قال: فيئسنا منه. فقال أحمد: لستُ أُبالى بالحَبس, ما هو ومنزلى إلا واحد, ولا قتلًا بالسيف, إنما

стр. 427

أخاف فِتنةً بالسوط, وأخاف أن لا أصبر. فسمعه بعض أهل الحبس وهو يقول ذلك, لا عليكَ يا أبا عبد الله, فما هو إلا سَوطان ثم لا تدرى أين يَقع الباقى, فكأنه سُرِّى عنه, ورُدّ من الرَّقة وحُبس. أخبرنا هِبة الله بن الحسين بن الحاسب, قال: أخبرنا الحسن بن أحمد بن البَنّا, قال: أخبرنا الفَتح بن أبى الفَوارس, قال: حدثنا أحمد بن جعفر بن سَلْم, قال: حدثنا عمر بن محمد بن عيسى الجَوهرى, قال: حدثنا صالح بن أحمد, قال: لما جاءَ نَعِىُّ المأمون رُدّ أبى ومُحمد بن نوح فى أقيادهما إلى الرَّقة, وأخرجنا فى سفينة مع قوم مُحبسين, فلما صارا بعانات توفى محمد بن نوح ودُفن بها, ثم صارَ أبى إلى بغداد وهو مُقيد, فمَكث بالياسرية أيامًا, ثم صار إلى الحَبس فى دارٍ اكتُريت له عند دار عُمارة, ثم نُقل بعد ذلك إلى حَبس العامة فى دَرب الموصلى, وفى رواية فى دَرب يُعرف بالموصلية. أخبرنا محمد بن أبى منصور, قال: أخبرنا أبو الفضل الحداد, قال: حدثنا أبو نُعَيم الحافظ, قال: حدثنا محمد بن جَعفر, قال: حدثنا محمد بن إسماعيل ابن أحمد, قال: حدثنا صالح بن أحمد, قال: قال أبى: كنتُ أُصلى بأَهلِ السجن وأنا مُقيد. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القَزاز, قال: أخبرنا أحمد بن على بن ثابت, قال: أخبرنى الحسن بن على التَّميمى, قال: حدثنا عمر بن أحمد الواعظ, قال:

стр. 428

حدثنا أحمد بن محمد بن مَسْعَدة الأصبهانى, قال: حدثنا أبو يحيى مَكى بن عبد الله بن يوسف الثَّقفى, قال: حدثنا أبو بكر الأعين, قال: قلتُ لآدم العَسقلانى: إنى أُريد أن أخرج إلى بغداد, أفلكَ حاجة؟ قال: نعم, إذا أتيتَ بغداد فأتِ أحمد بن حنبل فَأقرِئه مِنى السلامَ, وقل له: يا هذا, اتَّقِ الله وتقرب إليه بما أنت فيه, ولا يستفزنَّك أحد, فإنك إن شاء الله مُشرف على الجَنة, وقل له: حَدَّثنا الليثُ بن سَعد, عن مُحمد بن عَجلان, عن أبى الزِّناد, عن الأعرج, عن أبى هُريرة, قال: قال رسولُ الله ﷺ : (مَنْ أرادَكُم عَلى مَعصِيةِ الله فَلا تُطيعوه). فأتيتُ أحمد بن حنبل فى السِّجن فدخلتُ عليه, فسلَّمتُ عليه وأقْرَأته السلامَ, وقلتُ له هذا الكلامَ والحديث, فأطرقَ أحمد إطراقةً ثم رفع رأسه فَقال: ﵀ حيًا وميتًا, فلقد أحسنَ النصيحة. أخبرنا عبد الملك بن أبى القاسم, قال: أخبرنا عبد الله بن محمد

стр. 429

الأنصارى, قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم السَّرخسى, قال: أخبرنا محمد بن عُبيد الله الَّلأَّل, حدثنا محمد بن إبراهيم الصرّام, قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق الغَسيلى, قال: حدثنا أبو بكر محمد بن طَريف الأعين, قال: أتيتُ آدم بن أبى إياس, فقلت له: إن عبد الله بن صالح يُقرِئُك السلامَ, قال: لا تُقرِئْنى منه السلام, ولا تُقرِئه منى السلام. فقلت: ولِم. قال: لأنه قالَ: القرآن مخلوق, فقلت له: إنه قد اعتذر اليومَ وأخبر الناسَ برجوعه عن ذلك, إن كان كذلك فَأقرِئه منى السلام. فلما فرغتُ قلت له: إنى أُريد الخُروج إلى بغداد, فهل لك من حاجة؟ قال: نعم, ائتِ أحمدض بن حنبل فاقرأ عليه منى السلام, وقل له: يا هذا, اتق الله وتقرب إلى الله بما أنتَ عليه, ولا يستفزنَّك أحد عن دينك, فإنك إن شاء الله مشرفٌ على الجَنة. وقل له: حدَّثنا الليث بن سعد عن ابن عَجلان عن أبى الزَّناد عن الأعرج عن أبى هُريرة قال: قالَ رسول الله ﷺ : (مَن أرادكم على مَعصية الله فلا تُطيعوه). فأتيته وهو فى السِّجن فأقرأته السلام وأخبرته بالكلام والحَديث, فأطرق مليًّا, ثم قال: يَرحمه الله حيًا وميتًا قد أحسن النصيحة.

стр. 430

الباب التاسع وَالسّتون فى ذكر قِصته مع المعتصم لما مَات المأمون رَدَّ أحمد إلى بغداد, فسُجن إلى أن امتَحنه المعتصم, وكان أحمد بن أبى دُؤاد على قَضاءِ القُضاة, فحَمله على امتحان الناس بخَلق القرآن. قال أبو بكر المُّروذى: لما سُجن أحمد بن حنبل, جاءَ السجُان, فقال له: يا أبا عبد الله, الحديثُ الذى رُوى فى الظَّلَمة وأعوانهم صَحيحٌ؟ قال: نعم, قال السُجان: فأنا من أعوانِ الظَّلَمة؟ قال أحمد: فأعوان الظَّلَمة من يأخذ شَعرك, ويغسل ثَوبك, ويُصلح طعامك, ويَبيع ويشترى منك, فأما أنتَ فمِن أنفُسِهم.

стр. 431

أخبرنا محمد بن أبى منصور, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أخبرنا غبراهيم بن عمر, قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبى حاتم, قال: حدثنا صالح بن أحمد, قال: قال أبى: لما كان فى شَهر رمضان سنة تسع عَشرة, حُوِّلتُ إلى دار إسحاق بن إبراهيم, يُوجّه إلىّ فى كل يومٍ برجلين؛ أحدهما يقال له: أحمد بن رَبَاح, والآخر: أبو شُعيب الحَجّام, فلا يَزالان يُناظرانى, حتى إذا أرادا الانصراف دُعى بقيد فزيد فى قيودى, فصار فى رجله أربعة أقياد, قال أبى: فلما كان فى اليوم الثالث دّخل علىّ أحد الرجلين فناظرنى, فقلت له: ما تَقول فى عِلم الله؟ قال: علم الله مَخلوق, فقلتُ له: كفرتَ, فقال الرسول الذى كانَ يَحضر من قِبل إسحاق بن إبراهيم: إن هذا رَسول أمير المؤمنين! فقلتُ له: إن هذا قد كفر, فلما كان فى الليلة الرابعة وَجّه - يعنى المعتصم - ببُغَا الذى كان يُقال له: الكبير, إلى إسحاق فأمره بحَملى إليه, فأدخلت إلى إسحاق, فقال: يا احمد, إنها والله نفسك, إنه لا يقتُلك بالسيف, إنه قد آلى إن لم تُجبه أن يَضربك ضَربًا بعد ضربٍ, وأن يُلقيك فى موضع لا تَرى فيه الشمس, أليس قد قال الله : (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) أفيكون مجعولًا إلا مخلوقًا؟ فقلت له: قَد قال الله : (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَاكُولٍ) أفَخَلَقهم؟ قال: فسكت, ثم قال: اذهبوا به. قال أبى: فلما صِرنا إلى الموضع المعروف بباب البُستان أُخرجت, وجئ بدابة فحُمِلت عليها وعلىَّ

стр. 432

الأقياد, ما معى أحد يُمسكنى, فكِدت غير مرة أن أخِرَّ على وجهى لثِقل القيود, فجىءَ بى - يعنى إلى دار المعتصم - فأُدخلت حُجرة وأُدخلت إلى بَيت, وأُقْفل الباب علىَّ, وذلك فى جوف الليل, وليسَ فى البيت سِراج, فأردتُ أن أتمسَّحَ للصلاة, فمَددت يدى, فإذا أنا بإناءٍ فيه ماء وطَسْتٌ موضوع, فَتوضأت للصلاة وصَليت, فلما كان من الغد أخرجت تِكتى من سَراويلى, وشدَدْتُ بها الأقياد أحملها, وعَطفت سَراويلى, فجاءَ رسول المعتصم, فقال: أجب, فأخذَ بيدى, فأدخلنى عليه والتكّةُ بيدى أحمل بها الأقياد, وإذا هو جالس وابنُ أبى دُؤادٍ حاضر, وقد جَمع خلقًا كثيرًا من أصحابه. أخبرنا إسماعيل بن أحمد, ومحمد بن أبى القاسم, قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد, قال: حدثنا أحمد بن عبد الله الحافظ, قال: حدثنا الحسين بن محمد, قال: حدثنا عبد الرحمن بن الفيض, قال: سمعت إبراهيم بن محمد بن الحسن, يقول: أُدخل أحمد بن حنبل على الخَليفة وعنده ابن أبى دُؤاد وأبو عَبد الرحمن الشافعى, فأُجلس بين يدى الخليفة, وكانوا هوَّلوا عليه, وقد كانوا ضَربوا عُنق رجلين؛ فَنظر أحمد إلى أبى عبد الرحمن الشافعى, فقال: أىّ شىءٍ تَحفظ عن الشافعى فى المسح؟ فقال ابن أبى دُؤاد: انظروا رجلًا هو ذا يُقدم به لضربِ العنق يُناظر فى الفِقه!

стр. 433

أخبرنا ابن ناصر, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أخبرنا البَرْمَكى, قال: أخبرنا ابن مَرْدَك, قال: حدثنا ابن أبى حاتم, قال: حدثنا صالح بن أحمد, قال: قال أبى: لما دخلتُ عليه قال لى - يعنى المعتصم -: ادْنُهْ, ادْنُهْ, فلم يَزل يُدنينى حتى قَربت منه. ثم قال: اجلس, فجلست وقد أتقلتنى الأقياد, فمكثتُ قليلًا ثم قلتُ: تَأذن فى الكَلام؟ فقال: تَكلّم. فقلتُ: إلى ما دعا الله ورسوله؟ فسكتَ هُنيهةً, ثم قال: إلى شَهادة أن لا إله إلا الله. فقلتُ: فأنا أشهد أن لا إله إلا الله, ثم قلتُ: إن جدكَ ابنَ عباس يقول: لما قَدِم وفدُ عبدِ القَيْس على النبى ﷺ سألوه عن الإيمان, فقال: (أتدرونَ ما الإيمان؟) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ مُحمدّا رَسولُ الله, وإقامُ الصَّلاةِ, وإيتاءُ الزَّكاةِ, وأن تُعطُوا الخُمُسّ مِنَ المَغْنَم). فقال أبى: فقال - يعنى المعتصم -: لولا أنّى وجَدتك فى يَد مَن كانَ قبلى ما عَرضتُ لك.

стр. 434

ثم قال: يا عبد الرحمن بن إسحاق, ألم آمُرْك أن تَرفع المحنة؟ قال أبى: فقلتُ الله أكبر, إنَّ فى هذا لَفَرجًا للمسلمين, ثم قال لهم - يعنى المعتصم -: ناظروه, كَلّموه, ثم قال: يا عبد الرحمن, كلَّمه. فقال لى عبدُ الرحمن: ما تقولُ فى القُرآن؟ قلت له: ما تقولُ فى عِلم الله ؟ فسكتَ, فقال لى بعضهم: أليسَ قال الله : (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) والقرآن أليسَ هو شيئًا؟ قال أبى: فقلتُ: قال الله : (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا) فدَّمرت إلا ما أراد الله ؟ وقال بعضهم: قال الله : (مَا يَاتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ) أفيكونُ محدثٌ إلا مخلوقًا؟ قال أبى: فقلت له: قال الله : (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) والذِّكر هو القُرآن, وَتِلكَ ليس فيها ألفٌ ولا لام. قال أبى: وذُكر بعضهم حديث عِمران بن حُصين: إن الله خَلقَ الذِّكر, فقلتُ: هذا خَطأ؛ حدَّثنا غيرُ واحد: (إن الله كَتبَ الذَّكر) , واحتجوا علىَّ بحديث ابن مسعود: (ما خَلق الله من جَنةٍ

стр. 435

ولا نارٍ ولا سماءٍ ولا أرض أعظمَ من آيةِ الكُرسى). قال أبى: فقلتُ: إنما يوقع الخلق على الجنة, والنار والسماءِ والأرض, ولم يقع على القرآن. قال: فقال بعضهم: حَدثنا حديث خَبَّاب: (يا هَنَتَاه, تَقَّربْ إلى الله بما استطعتَ, فإنك لن تَتَقّرب إليه بشىءٍ أحبَّ إليه من كّلامه). قال أبى: هذا كذا هو, فجعل ابن أبى دُؤاد ينظر إليه كالمغضب قال: وكانَ يتكلم هذا فأردّ عليه, ويتكلم هذا فأردّ عليه, فإذا انقطعَ الرجل منهم اعترضَ ابن أبى دُؤاد, فيقول: يا أمير المؤمنين, هو والله ضالٌ مُضلٌ مُبتدع! قال أبى: فيقول: كَلِّموه, ناظروه, فَيكلمنى هذا فأرد عليه, ويُكلمنى هذا, فأرد عليه, فإذا انقَطعوا يقول لى: - يعنى المعتصم - وَيحك يا أحمد! ما تَقول؟ فأقول: يا أمير المؤمنين, أعطونى شَيئًا من كتاب الله , أو سُنة رسولِ الله ﷺ حتى أولَ به, فيقول ابن أبى دُؤاد: وأنتَ لا تقول إلا ما فى كتاب الله, أو سُنة

стр. 436

رسول الله؟ فقلت له: تَأوَّلتَ تَأويلًا, فأنت أعلم, وما تأولتُ ما يُحبس عليه ويُقَيَّد عليه. أخبرنا عبد الملك بن أبى القاسم, قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصارى, قال: أخبرنا أبو يعقوب, قال: أخبرنى جَدى, قال: أخبرنا محمد بن أبى جَعفر المنذرى, وأبو أحمد بن أبى أُسامة, قالا: سمعنا محمد بن إبراهيم البُو شَنْجى, قال: حَدثنى بعض أصحابنا, أن ابن أبى دُؤاد أقبل على أحمد يُكلمه, فلم يلتفت إليه أحمد, حتى قال المعتصم لأحمد: ألا تُكلم أبا عبد الله؟ فقال أحمد: لستُ أعرفه من أهل العلم فأُكلمه!. أخبرنا ابن ناصر, قال: أخبرنا ابن يوسف, قال: أخبرنا البَرْمَكى, قال: حدثنا ابن مَرْدَك, قال: حدثنا ابن أبى حاتم, قال: حدثنا صالح بن أحمد قال: جَعل ابنُ أبى دُؤاد يقول: يا أمير المؤمنين, والله لئن أجابك لهو أحبُّ إلىَّ من مئة ألف دينار, ومئة ألف دينار - فيعدُّ من ذلك ما شاءَ الله - قال: فقال - يعنى المعتصم -: والله لئن أجابنى لأُطلقنَّ عنه بيدى, ولأركبنَّ إليه بجُندى, ولأطأن عَقِبَه. ثم قال: يا أحمد, والله إنى عليكَ لشفيق, وإنى لأشفق عليكَ كشفقتى على هارون ابنى, ما تقول؟ فأقول: أعطونى شيئًا من كتاب الله , أو سُنة رسوله.

стр. 437

فلما طال المجلس ضَجِر, وقال: قوموا, وحبسنى, وعبد الرحمن بن إسحاق يُكلّمنى, وقال: وَيحك! أجبنى, وقال لى: ما أعرفك, ألم تكن تأتينا؟ فقال: له عبد الرحمن بن إسحاق: يا أمير المؤمنين, أعرفه منذ ثلاثين سنة يَرى طاعتك والجهاد والحَج معكم, قال: فيقول: واللهِ إنه لعالم, وإنه لفقيه. وما يَسوؤنى أن يكون مثله معى يردُّ عنى أهلَ المِلَلِ. ثم قال لى: مَا كنت تعرف صالحًا الرشيدى؟ قال: قلت: قد سمعت باسمه. قال: كان مؤدَّبى, وكان فى ذلك الموضع جالسًا - وأشار إلى ناحية من الدار - فسألتُه عن القرآن, فخالفنى, فأمرت به فوُطئ وسُحِب. ثم قال لى: يا أحمد, أجبنى إلى شىءٍ لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدى. قال: قلت: أعطونى شيئًا من كتاب الله , أو سُنة رسوله, فطال المجلس, فقام فدخل, ورددت إلى الموضع الذى كنت فيه. فلما كانَ بعد المغرب وَجَّه إلىّ برجلين من أصحاب ابن أبى دُؤاد, يَبيتان عندى, ويناظرانى, ويقيمان معى, حتى إذا كان وقتُ الإفطار جىءَ بالطعام, ويَجتهدان بى أن أفطر فلا أفعل, قال أبى: ووجه إلىّ - يعنى المعتصم - ابنَ أبى دُؤاد فى بَعض الليل, فقال: يقول لك أمير المؤمنين: ما تقول؟ فأرد عليه نحوًا مما كنت أرد. فقال ابن أبى دُؤاد: والله لقد كتبَ اسمك فى السَّبعة, يحيى ابن مَعِين وغيره, فمحوته.

стр. 438

قلت: السبعة: يَحيى بن مَعِين, وأبو خَيْثمة, وأحمد الَّورقى, والقَواريرى وسَعدويه, وسَجادة, وأحمد بن حَنبل, وقيل: خَلَف المخزومى. ولقد ساءَنى أخذهم إياك, ثم يقول: إن أمير المؤمنين قد حلف أن يضربك ضربًا بعد ضرب, وأن يُلقيك فى موضع لا تَرى فيه الشمس, ويقول: إن أجابنى جئتُ إليه حتى أُطلق عنه بيدى, ثم انصرف. فلما أصبح - وذلك فى اليوم الثانى - جاءَ رسوله فأخذ بيدى حتى ذهب بى إليه, فقال لهم: ناظروه, كلموه. فجعلوا يناظرونى, ويتكلم هذا من ها هنا فأردّ عليه, ويَتكلم هذا من ها هنا فأردّ عليه, فإذا جاؤوا بشىءٍ من الكلام مما ليسَ فى كتاب الله , ولا سُنة رسوله, ولا فيه خَبر. قلت: ما أدرى ما هذا؟ قال: يقولون: يا أمير المؤمنين, إذا توجَّهَتْ له الحُجة عَلينا ثبتَ, وإذا كلَّمناه بشىءٍ يقول: لا أدرى ما هذا, فيقول: ناظروه, فقال رجل: يا أحمد, أراك تذكُر الحديثَ وتَنْتَحِله. قلت: ما تقول فى (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ)؟ فقال: خَصَّ الله بها المؤمنين. فقلتُ: ما تقولُ إن كان قاتِلًا أو عَبدًا أو يَهوديًا؟ قال: فسكتَ, وإنما احتججتُ عليهم بهذا, لأنهم كانوا يَحتجّون بظاهر القرآن, وحيث قال

стр. 439

لى: أراكَ تنتَحِل الحديث. فلم يَزالوا كذلك إلى أن قَرُب الزوال, فلما ضَجر, قال لهم: قوموا, وخَلا بى وبعبد الرحمن بن إسحاق, فلم يزل يُكلمنى, ثم قامَ فدخل, ورُدَدْتُ إلى الموضع. أخبرنا المحمدان ابن ناصر, وابن عبد الباقى, قالا: أخبرنا حَمْد, قال: حدثنا أبو نُعَيم الحافظ, قال: حدثنا سليمان بن أحمد, قال: حدثنا عبد الله ابن أحمد بن حنبل, قال: كتب إلىّ الفَتح بن شُخْرُف بخَط يده قال: قال ابنُ حُطيط - رجل قد سماه من أهل الفَضل, من أهل خُراسان - حُبس أحمد بن حنبل وبَعض أصحابه فى المِحنة فى دارٍ قبل أن يُضرب. قال أحمد بن حنبل: فَلما كان الليلُ نامَ من كان معى من أصحابى, وأنا مُتفكر فى أمرى, قال: فإذا أنا برجل طويل يَتخطى الناس حتى دنا مِنى. فقال: أنتَ أحمدُ بن حنبل؟ فسكتُ, فقالها ثانية, فسكتُ, فقالها ثالثة: أنتَ أبو عبد الله أحمد بن حنبل؟ قلتُ: نعم, قال: اصبِر ولكَ الجنّة. قال أحمد: فلمّا مَسّنى حرُّ السَّوط ذكرتُ قولَ الرجُل. أخبرنا ابن ناصر, قال: أخبرنا ابن يوسف, قال: أخبرنا البَرْمَكى, قال: حدثنا ابن مَرْدَك, قال: حدثنا ابن أبى حاتم, قال: حدثنا صالح بن أحمد, قال: قال أبى: فلما كانت الليلةُ الثالثةُ, قلت: خليق أن يحدث غدًا من أمرى شىء, فقلتُ لبعض من كان معى, الموكّل بى: ارتَدْ لى خيطًا,

стр. 440

فجاءنى بخيطٍ فشددتُ به الأقياد, ورددتُ التَّكةَ إلى سَراويلى, مخافَة أن يحدثَ من أمرى شىء فَأتعّرى, فلما كان من الغد فى اليوم الثالث وَجّه إلىّ, فأُدخلتُ, فإن الدار غاصَّة, فجعلت أدخل من مَوضع إلى موضع, وقومٌ معهم السيوف, وقومٌ معهم السِّياط, وغير ذلك. ولم يكن فى اليومين الماضيين كثير أحد من هؤلاء. فلما انتهيتُ إليه, قال: اقعُد. ثم قال: ناظروه, كلَّموه. قال: فَجعلوا يُناظرونى, ويَتكلم هذا فأردُّ عليه, ويتكلم هذا فأردُّ عليه, وجعل صوتى يعلو أصواتهم, فجعل بعض من على رأسه قائم يُومىْ إلىَّ بيده. فلما طال المجلس نَحانى ثم خلا بهم, ثم نَحّاهم ورَدّنى إليه, وقال: وَيحك يا أحمد! أجبنى حتى أطلق عنك بيدى, فرددت عليه نَحوًا مما كنتُ أردّ, فقال لى: عليكَ - وذكر اللَّعن - ثم قال: خُذوه واسحَبوه وخَلِّعوه. قال: فسُحبت, ثم خُلِعت. قال: وقد كان صار إلىَّ شَعرٌ من شَعر النبى ﷺ , فَصررتُه فى كُم قَميصى, فوجَّه إلىَّ إسحاق بن إبراهيم: ما هذا المصرور فى كم قَميصك؟ فقلت: شعرٌ من شَعر النبى ﷺ . قال: وسَعى بعضُ القوم إلى القميص ليَخرقه عَلىّض, فقال لهم: - يعنى المعتصم -: لا تخرقوه. فنُزع القميص عنى. قال: فظننتُ أنه إنما دُرى عن القميص الخَرق بسبب الشعر الذى كان فيه. قال أبى: وجلس على كُرسى - يعنى المعتصم - ثم قال: العُقابين والسِّياط, فجىء بالعُقابين, فمُدت يَداى, فقال بعض من حَضر خَلفى:

стр. 441

خُذ ناتئ الخشبتين بيديك وشُدَّ عليهما, فلم أفهم ما قال؛ فَتخلَّعت يَداى. أخبرنا عبد الملك بن أبى القاسم, قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصارى, قال: أخبرنا أبو يَعقوب, قال: أخبرنا جدى, قال: أخبرنا محمد بن أبى جعفر المنذرى, وأبو أحمد بن أبى أُسامة, قالا: سَمعنا محمد بن إبراهيم البُوشَنْجى, يقول: ذَكروا أن المعتصم لانَ فى أمر أحمد لما عُلِّق فى العُقابين, ورأى ثبوته وتصميمه وصَلابته فى أمره, حتى أغراه ابنُ أبى دُؤاد, وقال له: إن تركته, قيل: إنك تركتَ مذهب المأمون وسَخِطتَ قوله, فهاجَه ذلك على ضربه. أخبرنا ابن ناصر, قال: أخبرنا ابن يوسف, قال: أخبرنا البَرْمَكى, قال أخبرنا ابن مَرْدَك, قال: حدثنا ابن أبى حاتم, قال: حدثنا صالح, قال: قال أبى: لما جىءَ بالسياط نَظر إليها المعتصم, فقال: ائتونى بغيرها, فأتى بغيرها, ثم قال للجلادين: تقدموا. قال: فجعل يتقدم إلىَّ الرجلُ منهم فَيضربنى سَوطين, فيقول له: - يعنى المعتصم - شُدّ, قَطع الله يدك ثم يَتنحَّى, ثم يتقدم الآخر فيضربنى سوطين, وهو فى كل ذلك يقول لهم: شُدوا قَطع الله أيديكم. فلما ضُربت تِسعة عشر سوطا, قام إلىَّ - يعنى المعتصم - فقال: يا أحمد, علامَ تقتل نفسك؟ إنى والله عليك شفيق. قال:

стр. 442

فجعل عُجيْف يَنخسنى بقائم سيفه. وقال: تريد أن تغلبَ هؤلاء كلهم؟ وجعل بعضهم يقول: وَيلك! الخليفة على رأسك قائم! وقال بعضهم: يا أمير المؤمنين, دمهُ فى عنقى, اقتله. وجعلوا يقولون له: يا أمير المؤمنين, أنت صائم, وأنت فى الشمس قائم! فقال لي: وَيحك يا أحمد! ما تقول؟ فأقول: أعطونى شيئًا من كتاب الله أو سُنة رسوله ﷺ , أقول به. قال: ثم رجع فجلس, ثم قال للجلاد: تَقدم, أوجع قَطع الله يدَك ثم قام الثانية, فجعل يقول: ويحك يا أحمد! أجبنى, فجعلوا يُقبلون علىّ ويقولون: ويلك يا أحمد! إمامك على رأسك قائم! وجعل عبد الرحمن يقول: من صَنع من أصحابك فى هذا الأمر ما تَصنع؟ قال: وجَعل يقول - يعنى المعتصم -: وَيحك! أجبنى إلى شىء لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي. قال: فقلت: يا أمير المؤمنين, أعطونى شيئًا من كتاب الله أو سُنة رسوله حتى أقول به. قال: فرجع فَجلس, فقال للجلادين: تَقدموا, فجعل الجلاد يتقدَّم ويَضربني سوطين ويتنحى, وهو في خلال ذلك يقول: شُدَّ قطع الله يدك! قال أبي: فذهبَ عقلي, فأفقتُ بعد ذلك, فإذا الأقيادُ قد أُطلقت عني, فقال لي رجل ممن حضر: إنا كبَبْناك على وَجهك, وطَرحنا على ظهرك باريّةً ودُسْناكَ. قال أبي: فما شعرتُ بذلك, وأتونى بسَويق. فقالوا لى: اشرب وَتقيأ, فقلت: لست أفطر. ثم جيء بى إلى دار

стр. 443

إسحاق بن إبراهيم, فحضرت صَلاة الظهر, فتقدم ابنُ سَمَاعةَ فصَلّى, فلما انفتل من الصلاة, قال لى: صَليتَ والدمُ يسيل فى ثوبك؟! فقلت: قد صَلّى عُمر وجرحه يثعب دمًا. قال أبو الفضل: ثم خُلّي عنه, فصار إلى منزله, فمكث فى السَّجن منذ أُخذ وحُمل إلى أن ضُرب وخُلى عنه ثمانيةٌ وعِشرين شهرًا. قال صالح: ولقد أخبرنى أحدُ الرجلين اللَّذين كانا مع أبى - يعنى فى الحبس - وكانَ هذا الرجل قد سَمع ونَظر, ثم [جاءنى] بعد ذلك فقال لى: يا ابن أخى, رَحمة الله على أبى عبد الله, والله مارأيتُ أحًا يُشبهه, ولقد جعلتُ أقول له فى وقتِ ما يُوجَّهُ إلينا بالطعام: يا أبا عبد الله, أنْتَ صائم, وأنتَ فى موضع تَقِيَّةٍ, ولقد عطش فقال لصاحب الشراب: ناولنى, فناوله قَدحًا فيه ماء وثلج, فأخذه ونظر إليه هُنيّةً ثم ردَّه عليه ولم يشرب, فجعلتُ أعجب من صَبره على الجوع والعطش, وهو فيما هو فيه من الهول! قال صالح: وقد كنتُ ألتمسُ وأحتال أن أوصِل إليه طعامًا أو رغيفًا أو رغيفين فى تلك الأيام, فلم أقدر على ذلك. وأخبرنى رَجل حضره: أنه تَفقده فى هذه

стр. 444

الثلاثة الأيام وهم يُناظرونه ويُكلمونه, فما لَحن فى كلمة, قال: وما ظننتُ أن أحدًا يكونُ فى مثل شَجاعته وشِدَّة قَلبه. أخبرنا عبد الملك بن أبى القاسم, قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصارى, قال: أخبرنا أبو يعقوب, قال: أخبرنى جَدى, قال: أخبرنا محمد بن أبى جعفر المنذرى, وأبو أحمد بن أبى أُسامة, قالا: سَمعنا محمد بن إبراهيم البُوشَنْجى, قال: قَدم المعتصم من بلادِ الروم بَغداد فى شهر رَمضان سنة ثمان عشرة, فامتحن فيها أحمد, وضُرب بين يديه. فحدثنى من أثق به من أصحابنا عن محمد بن إبراهيم بن مُصعب - وهو يَومئذ على الشُّرط للمعتصم, خليفة إسحاق بن إبراهيم _ أنه قال: ما رأيتُ أحدًا لم يُداخل السلطان ولا خالَط الملوك أثبت قلبًا من أحمد يومئذ؛ ما نحنُ فى عينه إلا كأمثال الذُباب. أخبرنا ابن ناصر, قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار, قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد الخّلال, قال: حدثنا أبو الفضل عُبيد الله بن عبد الرحمن الزُّهرى, قال: قرأتُ فى كتابى: قال المُّروذى فى مِحنة أحمد بن حنبل وهو بَين الهُنْبَازَيْن: يا أستاذ, قال الله تعالى: (وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) , فقال أحمد: يا مَروذى, اخرج انظر, أى شىءٍ تَرى. قال: فخرجتُ إلى رَحبة دار الخليفة, فرأيتُ خَلقًا من الناس لا يُحصى عَددهم إلا الله, والصحفُ فى أيديهم, والأقلام والمحابر فى أذرعتهم, فقال لهم

стр. 445

المُّروذى: أى شىءٍ تَعلمون؟ فقالوا: ننتظر أحمد فنكبته, فقال المروذى: مكانكم, فدخل إلى أحمد بن حنبل وهو قائم بين الهُنْبَازَين, فقال له: رأيتُ قومًا بأيديهم الصحف والأقلام يَنتظرون ما تقول فَيكتبونه. فقال: يا مروذى, أُضلُّ هؤلاء كلَّهم, أقتل نَفسى, ولا أضل هؤلاء كلهم. قلت: هذا رجلٌ هانَت عليه نفسه فى الله تعالى فَبذلها, كما هانت على بلال نفسه. وقد رَوينا عن سعيد بن المسَيّب: أنه كانت نفسه عليه فى الله تعالى, أهون من نَفس ذُباب. وإنما تهون أنفسهم عليهم لتلمّحهم العَواقب, فعيون البَصائر ناظرة إلى المال لا إلى الحال, وشدة ابتِلاء أحمد دليلٌ على قُوة دينه, لأنه صَحَّ عن النبى ﷺ أنه قال: (يُبْتَلَى الرّجلُ على حَسَبِ دَيِنه) فَسبحان من أيّده وبَصَّره, وقَوّاه ونَصَره.

стр. 446

أخبرنا محمد بن ناصر, قال: أنبأنا الحسن بن أحمد الفقيه, قال: أخبرنا عُبيد الله بن أحمد, قال: حدثنا أبو بكر محمد بن عبيد الله الكاتب, قال: حدثنا أبو على الحَسن بن مَحمد بن عثمان الفَسَوى, قال: حدثنى داود بن عَرفة, قال: حدثنا مَيمون بن الأصبغ, قال: كنتُ ببغداد, فسمعتُ ضَجّة, فقلتُ: ما هذا؟ فقالوا: أحمدُ بن حنبل يُمتَحن. فأتيتُ منزلى, فأخذتُ مالًا له خَطر, فذهبتُ به إلى من يُدخلنى إلى المجلس, فأدخلونى, فإذا بالسيوف قد جُرِّدت, وبالرّماح قد رُكزت, وبالتِّراس قد نُصبت, وبالسياط قد طُرحت, فألبسونى قَباءٍ أسود, ومِنْطَقَة وسَيفًا, ووقفونى حيثُ أسمع الكلام, فأتى أمير المؤمنين, فجلس على كرسى, وأتى بأحمد بن حنبل, فقال له: وقرابتى من رسول الله ﷺ , لأضربتّك بالسياط, أو تقولَ كما أقولُ, ثم التفت إلى جلاد, فقال: خُذه إليك, فأخذه. فلما ضُرب سوطًا قال: بسم الله, فلما ضُرب الثانى قال: لا حَول ولا قُوة إلا بالله, فلما ضُرب الثالث قال: القرآن كلامُ الله غير مَخلوق, فلما ضُرب الرابع قال: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا). فضربه تسعةَ وعشرين سوطًا, وكانت تِكّة أحمد حاشِية ثوب, فانقطعت, فَنزل السراويل إلى عانَته, فقلتُ: الساعةَ ينهتِك, فرمى أحمدُ طَرفه نَحو السماءِ وحرَّك شَفتيه, فما كان بأسرع من أن بَقى السراويل لم ينزل. قال ميمون: فَدخلت إليه بعد سَبعة أيام, فقلت: يا أبا عبد الله, رأيتُك يوم ضَربوك قد انحلَّ سراويلك, فرفعتَ طرفك نحو السماءِ,

стр. 447

ورأيتُك تُحرك شفَتيك, فأى شىءٍ قُلتَ؟ قال: قلتُ: اللهُم إنى أسألك باسمك الذى ملأتَ به العرشَ, إن كنتَ تعلمُ أ، ى على الصواب فلا تهتك لى سِتْرًا. أخبرنا المحمدان: ابن ناصر, وابن عبد الباقى؛ قالا: أخبرنا حَمْد قال: أخبرنا أبو نُعَيم الحافظ, قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر, قال: حدثنا أبى, قال: حدثنا أحمد بن أبى عُبيد الله, قال: قال أحمد بن الفَرج: حضرتُ أحمد لما ضُرب, فتقدّم أبو الدَّنّ فَضربه بضعةَ عشر سوطًا, فأقبل الدمُ من أكتافِه, وكان عليه سَراويل فانقطع خَيطه, فنزل السراويل, فلحظتى وقد حَرّك شَفتيه, فعادَ السراويل كما كان, فسألتُه عن ذلك, فقال: قلتُ: إلهى وسَيدى, وقَفتنى هذا الموقف, فَتهتكنى على رؤوس الخَلائق, فعادَ السراويل كما كان. أخبرنا المحمدان: ابن ناصر, وابن عبد الباقى, قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد, قال: حدثنا أبو نُعَيم الحافظ, قال: حدثنا الحسين بن محمد, قال: حدثنا إبراهيم بن محمد القاضى, قال: حدثنى أبو عبد الله الجَوهرى, قال: حدثنى يوسف بن يَعقوب بن الفَرج, قال: سمعت على بن محمد القُرشى, قال: لما قُدّم أحمد بن حنبل ليضرب وجُرّد, وبقى فى سَراويله, فبينا هو يُضرب انحلَّ السراويل, فجعلَ يُحرك شَفتيه بشىءٍ, فرأيتُ يَدين خَرجتا من تَحته وهو

стр. 448

يُضرب, فشدَّتا السراويل, فلما فَرغوا من الضَّرب, قلنا له: ما كنتَ تقول حيثُ انحلَّ السراويل؟ قال: قلتُ يا من لا يعلمُ العرشُ منه أينَ هو إلا هو, إن كنتُ على الحقُّ فلا تُبْدِ عَورتى, فهذا الذى قلتُ. أخبرنا ابن ناصر, قال: أخبرنا أبو على الحسن بن أحمد, قال: حدثنى القاضى أبو يَعلى محمد بن الحسين, قال: حدثنا أبو الحسن على بن محمد الحِنّائى, قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن إسماعيل الطَّرسوسى, قال: حدثنا أبو بكر محمد بن عيسى, قال: حدثنا أحمد بن طاهر, قال: حدثنا العباس بن عبد الله, قال: سمعتُ جعفرًا الرازى يقول: كانَ إسحاق بن إبراهيم يقول: أنا والله! رأيتُ يوم ضرب أحمد سراويله وقد ارتَفع من بعد انخفاضه, وانعقدَ من بعد انحِلاله, ولم يفطن بذلك لذهول عقل من حَضره, وما رأيتُ يومًا كان أعظم على المعتصم من ذلك اليوم, والله لو لم يَرفع عنه الضرب لم يَبرح من مكانه إلا ميتًا. أخبرنا عبد الملك بن أبى القاسم, قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصارى, قال: أخبرنا محمد بن المنتصر, قال: أخبرنا أبو بكر بن أبى الفَضل, قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الصّرام, قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق الأنصارى, قال: سمعتُ بعضَ الجلادين, يقول: لقد بَطل أحمدُ بن حنبل الشُطّار, والله لقد ضَربتُه ضَربًا لو أبرك لى بعيرٌ فضربته ذلك الضرب, لنقبتُ عن جَوفه.

стр. 449

أخبرنا عبد الملك, قال: أخبرنا عبد الله بن محمد, قال: أخبرنى أبو يعقوب إجازة, قال: حدثنا أبو على منصور بن عبد الله, قال: حدثنا بكر بن محمد بن حَمدان, قال: حدثنا جعفر بن كزال, قال: سمعتُ مُحمد بن إسماعيل بن أبى سَمينة, قال: سمعتُ شاباص التائب يقول: لقد ضربتُ أحمد بن حنبل ثمانين سوطًا, لو ضربتُه فيلًا لهدَّتْه. أنبأنا أبو عبد الله بن البَنّا, عن القاضى أبى يَعلى, قال: اخبرنى محمد بن جَعفر الراشدى, قال: حدثنى بعض أصحابنا, قال: لما أخذت أبا عبد الله السياط, قال: بكَ أستغيثُ يا جبارَ السماءِ ويا جبارَ الأرض. أخبرنا عبد الملك بن أبى القاسم, قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصارى, قال: أخبرنا أبو يعقوب, قال: سمعتُ إبراهيم بن إسماعيل الخَلّالى, قال: سمعتُ محمد بن عبد الله بن شاذان, يقول: سمعتُ أحمد بن الحسن بن عَبْدُوَيه, يقول: سمعتُ عبدالله بن أحمد بن حنبل, يقول: كنتُ كثيرًا أسمع والدى يقول: رحمَ الله أبا الهيثَم, عفا الله عن أبى الهيثم الحَداد, اليوم الذى أخرجتُ فيه للسياط, ومُدت يَداى للعُقابين, إذا أنا بإنسان يَجذب ثَوبى من وَرائى, ويقول لى: تَعرفنى. قلتُ: لا, قال: أنا أبو الهيثم العَيّار, اللِّصُّ الطَّرار, مكتوب فى ديوان أمير المؤمنين أنى ضُربت ثمانيةَ عشر ألف سوط بالتفاريق, وصَبرتُ فى ذلك على طاعة الشيطان لأجل الدنيا, فاصبر أنتَ فى طاعة الرحمن لأجل الدين. قال: فضُربت ثمانية عَشر سوطًا

стр. 450

بدل ما ضُرب ثمانية عشر ألفاً، وخرج الخادم، فقال: عَفا عنه أميرُ المؤمنين. وقد ذكر إبراهيم بن مُحمد بن عَرفة في "تاريخه" أن أحمد ضرب ستةُ وثلاثينَ سوطاً. أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو محمد الخَلال، قال: أخبرنا عمر بن شاهين، قال: حدثنا شُعيب ابن محمد الذارع، قال: حدثنا يحيى بن نُعيم، قال: لما أخرج أحمد بن حنبل إلى المعتصم يوم ضُرب، قال له العون الموكّل به: ادعُ على ظالمك. فقال: ليسَ بصابرٍ من دَعا على ظالمه. أخبرنا أبو المعمَّر الأنصاري، قال: أخبرنا محفوظ بن أحمد، قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن غالب، قال: سمعتُ أبا الفَضل التميمي، يقول: قال أبو القاسم البَغَوي: رأيتُ أحمد بن حنبل داخلاً إلى جامع المدينة، وعليه كِساء أخضر، وبيده نَعلاه حاسر الرأس، فرأيتُ شَيخاً آدم طُوالاً أبيضً اللحية؛ وكان

стр. 451

على دَكّة المنارة قوم من أصحاب السلطان، فَنزلوا واستقبلوه وقَبلوا رأسه ويده، وقالوا له: ادعُ على من ظلمك. فقال: ليسَ بصابر من دَعا على ظالم. أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرني أبو الحُسين بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن علي، قال: أخبرنا محمد بن أبي الفَوارس، قال: أخبرنا أحمد ابن جعفر بن سَلْم، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الخالق، قال: حدثنا أبو بكر المرُّوذي، قال: سمعتُ أبا عبدالله يقول: لما حُملتُ إلى الدار مَكثت يومين لم أطعم، فلما ضُربت جاؤوني بسَويق، فلم أشرب وأتممتُ صومي. أخبرنا ابن ناصر: قال: أنبأنا أبو علي الحسن بن أحمد، قال: أخبرنا أبو القاسم الأزهري، قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس، قال: حدثني جعفر ابن أبي عمِران، قال: حدثنا صدقة، قال: حدثني أبو عُمر المَخْزومي، قال: كنتُ بمكة أطوفُ بالبيت مع سَعيد بن مَنصور، فإذا صوتٌ من ورائي: ضُرب أحمد بن حنبل اليوم. قال: فجاء الخبر أنه ضُرب في ذلك اليوم. وفي رواية أخرى: فقال لي سَعيد بن منصور: أتسمع ما أسمع؟ قلت: نعم، قال: فاعْرِفْ ذلك اليوم، قال: فجاءَ الخبر أنه ضُرِب في ذلك اليوم. أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي ثابت،

стр. 452

قال: أخبرنا الأزهري، قال: أخبرنا علي بن محمد بن لولو، قال: حدثنا هيثم الدوري، قال: حدثنا محمد بن سُويد الطحان، قال: كنا عند عاصم ابن عَلي، ومعنا أبو عُبيد القاسم بن سَلام وإبراهيم بن أبي اللَّيث - وذكر جماعة - وأحمد بن حنبل يُضرب ذلكَ اليوم، فجعل عاصم يقول ألا رجل يقوم معي فتأتي هذا الرجل فَنكلمه؟ قال: فما يُجيبه أحد، فقال إبراهيم بن أبي الليث: يا أبا الحسين، أنا أبا الحسين، أنا أقومُ معك. فصاحَ: يا غُلام، خُفّي، فقالَ له إبراهيم: يا أبا الحسين، أبلغُ إلى بَناتي، فأوصيهن وأجدد بهن عهداً، قال: فظننا أنه هب يتكفن ويتحنَّط، ثم جاء فقال عاصم: يا غُلام، خُفّي، فقال: يا أبا الحُسين إني ذهبتُ إلى بَناتي فَبكين، قال: وجاء كِتاب ابنتَي عاصم من واسط: يا أبانا، إنه بلغنا أن هذا الرجل أخذ أحمد بن حنبل فضربه بالسوط على أن يَقول: القُرآن مخلوق، فاتَّقِ الله ولا تُجبه إن سَألك، فوالله لأن يأتينا نعِيُّكَ، أحبّ إلينا من أن يأتينا أنكَ قُلتَ. أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا محمد بنعلي الخياط، قال: أخبرنا أمد بن عبد اله بن الخضر، قال: حدثنا أبو جَعفر أحمدبن يعقوب الأصفهاني قال: حدثنا عمر بن الحسن الشيباني، قال: أخبرني أبو شُعيب الحَرّاني قال: كنا مع أبي عُبيد القاسم بن سَلام بباب المعتصم وأحمد بن حنبل يُضرب، قال: فجعل أبو عُبيد يقول: أيُضرَب سَيدنا؟ لا صبرَ، أيضرب سَيدنا لا صبرَ، قال أبو شُعيب: فقلت أنا:

стр. 453

ضَرَبوا ابن حنبلَ بالسِّياطِ بظُلْمِهِمْ ... بَغيّاً فثَّبَّتَ بالثباتِ الأنوَرِ قالَ الموفَّقُ حينَ مُدَّدَ بَينَهُم ... مَدَّ الأديمِ على الصَّعيد القَرْقَرِ إني أموتُ ولا أبوءُ بفَجْرَةٍ ... تُصلي بَوائقَها مَحَلَّ المُفْتَري أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أنبأنا أبو علي بن البَنّا، قال: أخبرنا الحسن ابن أحمد، قال: أخبرنا ابن السمّاك في الإجازة، قال: حدثنا أبو جعفر محمد ابن أحمد، قال: سمعتُ أبا حاتم قول: لما كان اليومُ الذي ضُرب فيه أحمد، قلتُ: أمرُّ اليومَ فأعرف خَبر أحمد، فبَكَّرتُ فإذا أنا بشيخ قائم، وهو يضقول: اللهمَّ ثبته، اللهمَّ أعنه، ثم لم يَزل كالحَيران، ويقول: إن كان أجابَ حتى أدخل فأقوم مقامه، فخرج رجلٌ، فقال: لم يُجبهم، فقال: الحمدُ لله. فقلتُ: منهذا فقالوا: بِشر بن الحارث. قلت: وقد نُقِل إلينا حكايات في قصة ضرَبه لم يثبت عندنا صحتها فتنكبناها.

стр. 454

سياق بَيان فَضله في صَبره وما تَمَّ له أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم الكَرُوخي، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن حَسان، قال: أخبرنا أحمد ابن محمد بن شَارَك، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن السامي، قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثنا عمر بن شاكر، قال: حدثنا أنس بن مالك، قال: قالَ رسول الله صلى لله عليه وسلم:"يَأتي عَلى الناسِ زَمانٌ الصابرُ منهم على دينه لَه أجرُ خَمسينَ مِنْكُم".قالوا: منّا؟ قال: "منكم"، حتى أعادَها ثلاثَ مرات. أخبرنا يَحيى بن علي المُدِير، قال: أخبرنا أبو بكر الخَياط، قال: حدثنا أبو علي بن حَمَكان، قال: حدثنا أبو بَكر النَّقاش، قال: حدثنا أبو نُعيم الإستراباذي، قال: حدثنا الربيع بن سُليمان، قال: سمعتُ الشافعي

стр. 455

يقول: أَشَدُّ الأعمال ثلاثة، الجودُ من قِلَّة، والوَرع في خَلوة، وكَلمة الحَقّ عند من يُرجى ويُخاف. أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا أبو محمدبن أبي حاتم، قال: سمعتُ أبا زُرْعة يقول: لم أزل أسمع الناسَ يذكرون أحمد بن حنبل بخير ويُقدّمونه على يحيى بن مَعين، وأبي خَيثمة، غير أنه لم يكن من ذكره ما صار بعد أن امتُحن، فلما متحن، ارتَفع ذِكره في الآفاق. قال ابن أبي حاتم: وحدثنا عبد الملك بن أبي عبدالرحمن، قال: سمعتُ أحمد بن يونس، روى الحديث: "في الجَنة قُصورٌ لا يَدخُلها إلا نبي، أو صِدّيق، أو مُحَكَّم في نفسه". فقيل لأحمد بن يونس: من المحكم في نفسه؟ قال: أحمدُ بن حنبل المحكَّم في نفسه. قلت: هذا الحديثُ مروي عن كَعب الأحبار: أخبرنا محمد بن عبد الباقي ابن أحمد بن سلمان، قال: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الأصبهاني، قال: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن سَلْم، قال: حدثنا هَنّاد بن السَّرِي، قال: حدثنا محمد ابن عُبيد، عن سلمة بن نُبيْط، عن عبد الله بن أبي الجَعْد، عن كَعب الأحبارن قال:"إن لله داراً دُرّة فوق دُرّة، أو لُؤلؤة فوق لُؤلؤة؛

стр. 456

فيها سبعون ألفَ قَصر، في كلِّ قَصر سَبعون ألفَ دار، في كلِّ دارٍ سَبعون ألفَ بيت، لا يسكنها إلا نَبِيٌّ أو صِديقٌ أو شهيدٌ أو إمامٌ عادِلٌ أو مُحَكّمٌ في نَفسِه". وقد روا المحدّثون بكسر الكاف ونصبها، فمن فتح الكاف أراد به: الرجل يُخير بين الكُفر والقَتل، ذكره أبو عُبيد الهروي، ومن كسر فالمرادُ به: المنتصف من نَفسه، قاله وكيع. أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو محمد الخَلال، قال: حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن الزُّهري- من ولد عبد الرحمن بن عَوف -قال: سمعتُ أبين يقول: سمعتُ عبد الله بن أحمد بن حنبل، يقول: قاللي أبي: يا بُني لقد أعطيتُ المجهودَ من نفسي - يعني في المحنة-. قال: وكتب أهلُ المطامير إلى أحمد بن حنبل: إن رجعتَ عن مقالتك أرتَددنا عن الإسلام!! أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا علي بن أحمد بن عمر المقرئ، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي، قال: حدثنا أبو غالب ابن بنت معاوية قال: ضُرب أحمد ابن حنبل بالسيّاط في اله، فقامَ مقام الصديقين، في العشر الأواخر من

стр. 457

رَمضان سنة عشرين ومئتين. أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا عبد الملك بن محمد البُزُوغائي، قال: أخبرنا علي بن عمر القَزويني، قال: أخبرنا يوسف بن عمر القَوّاس، قال: حدثنا محمد بن القاسم ابن بنت كعب، قال: حدثنا جعفر بن أبي هاشم، قال: مكثَ أحمد بن حنبل في السن سنة سبع عشرة وثماني عشرة وتسع عشرة، وأخرج في رَمضان.

стр. 458

سياق كيفية خروجه من دار المعتصم أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكي، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز بن مَرْدَك، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا أبي، قال: قالَ إبراهيم بن الحارث - مِن ولد عُبادة بن الصّامِت- قال: قال أبو محمد الطُّفاوي لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، أخبرني عما صنعوا بك؟ قال: لما ضُربت بالسياط جاءَ ذاك الطويلُ اللّحية - يعني عُجيفاً - فضربني بقائم السيف، فقلتُ: جاءَ الفرج، تُضرب عنقي وأستريح. فقال له ابن سَمَاعة: يا أميرَ المؤمنين، اضرب عُنقه ودَمه في رَقبتي. فقال له ابن أبي دُؤاد: لا يا أمير المؤمنين، لا تَفعل، فإنه إن قُتل أو ماتَ في دارك، قال الناسُ: صبر حتى قُتل، فاتَّخذه الناس إماماً وثبتوا على ما هُم عليه، لا ولن أطلقه الساعة، فن ماتَ خارجاً من منزلك شكَّ الناس في أمره [وقال بعضهم: أجاب]، وقال بعضُهم: لم يجبه، فيكونُ أناس في شك من أمره. وقال ابن أبي حاتم: وسمعت أبا زُرْعة، يقول: دعا المعتصم بعَمِّ أحمد بن حنبل، ثم قال للناس: تَعرفونه؟ قالوا: نعم، هو أحمد بن حنبل. قال: فانظروا إليه، أليسَ هو صحيح البدن؟ قالوا: نعم، ولولا أنه فعل ذلك لكنت أخافُ أن يقع شر لا يقامُ له، فلما قال: قد سلمته إليكم صحيح البدن، هدأ الناسُ وسكنوا.

стр. 459

أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أنبأنا الحسن بن أحمد الفقيه، قال: حدثنا عبيد الله بن أحمد، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن عبيد الله الكاتب، قال: حدثنا أبو علي الحسن بن محمد بن عثمان، قال: حدثني داود بن عَرفة، قال: حدثنا ميمون بن الأصبغ، قال: أخرج أحمد بن حنبل بعد أن اجتمع الناس على الباب وضَجّوا، حتى خاف السلطان فخرج.

стр. 460

الباب السَبعُون في ذكر تلقّى المشايخ إياه بعد انقضاء المحنة ودُعائهم له أخبرنا إسماعيل بن أحمد السَّمَرْقَنْدي، ومحمد بن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: حدثنا أبو نُعَيْم الحافظ، قال: حدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا الحسين بن محمد، قال: حدثنا مُهَنَّاً بن يحيى قال: رأيتُ يعقوبَ بن إبراهيم بن سَعد الزهري حينَ أخرج أحمدُ من الحبس، وهو يقبل جبهة أحمد وَوَجهه، ورأيتُ سليمان بن داود الهاشمي يُقبل جبهة أحمد ورأسه. أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: حدثنا أبو يعقوب الحافظ، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي الفضل، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الصرّام، قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق، قال: حدثني الحسن بن عبد العزيز الجَروي. قال: قلت للحارث ابن مسكين: إن هذا الرجل- أعني أحمد بن حنبل - قد ضُرب، فاذهب بنا إليه، فذهبتُ أنا وهو، فدخلنا عليه حِدْثان ضربه. فقال لنا: ضُربت
следующие страницы →