← Тараджим

Тараджим · id 13250

مناقب الإمام أحمد

ابن الجوزي

Полный текст (708 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

فيها سبعون ألفَ قَصر، في كلِّ قَصر سَبعون ألفَ دار، في كلِّ دارٍ سَبعون ألفَ بيت، لا يسكنها إلا نَبِيٌّ أو صِديقٌ أو شهيدٌ أو إمامٌ عادِلٌ أو مُحَكّمٌ في نَفسِه". وقد روا المحدّثون بكسر الكاف ونصبها، فمن فتح الكاف أراد به: الرجل يُخير بين الكُفر والقَتل، ذكره أبو عُبيد الهروي، ومن كسر فالمرادُ به: المنتصف من نَفسه، قاله وكيع. أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو محمد الخَلال، قال: حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن الزُّهري- من ولد عبد الرحمن بن عَوف -قال: سمعتُ أبين يقول: سمعتُ عبد الله بن أحمد بن حنبل، يقول: قاللي أبي: يا بُني لقد أعطيتُ المجهودَ من نفسي - يعني في المحنة-. قال: وكتب أهلُ المطامير إلى أحمد بن حنبل: إن رجعتَ عن مقالتك أرتَددنا عن الإسلام!! أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا علي بن أحمد بن عمر المقرئ، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي، قال: حدثنا أبو غالب ابن بنت معاوية قال: ضُرب أحمد ابن حنبل بالسيّاط في اله، فقامَ مقام الصديقين، في العشر الأواخر من

стр. 457

رَمضان سنة عشرين ومئتين. أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا عبد الملك بن محمد البُزُوغائي، قال: أخبرنا علي بن عمر القَزويني، قال: أخبرنا يوسف بن عمر القَوّاس، قال: حدثنا محمد بن القاسم ابن بنت كعب، قال: حدثنا جعفر بن أبي هاشم، قال: مكثَ أحمد بن حنبل في السن سنة سبع عشرة وثماني عشرة وتسع عشرة، وأخرج في رَمضان.

стр. 458

سياق كيفية خروجه من دار المعتصم أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكي، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز بن مَرْدَك، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا أبي، قال: قالَ إبراهيم بن الحارث - مِن ولد عُبادة بن الصّامِت- قال: قال أبو محمد الطُّفاوي لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، أخبرني عما صنعوا بك؟ قال: لما ضُربت بالسياط جاءَ ذاك الطويلُ اللّحية - يعني عُجيفاً - فضربني بقائم السيف، فقلتُ: جاءَ الفرج، تُضرب عنقي وأستريح. فقال له ابن سَمَاعة: يا أميرَ المؤمنين، اضرب عُنقه ودَمه في رَقبتي. فقال له ابن أبي دُؤاد: لا يا أمير المؤمنين، لا تَفعل، فإنه إن قُتل أو ماتَ في دارك، قال الناسُ: صبر حتى قُتل، فاتَّخذه الناس إماماً وثبتوا على ما هُم عليه، لا ولن أطلقه الساعة، فن ماتَ خارجاً من منزلك شكَّ الناس في أمره [وقال بعضهم: أجاب]، وقال بعضُهم: لم يجبه، فيكونُ أناس في شك من أمره. وقال ابن أبي حاتم: وسمعت أبا زُرْعة، يقول: دعا المعتصم بعَمِّ أحمد بن حنبل، ثم قال للناس: تَعرفونه؟ قالوا: نعم، هو أحمد بن حنبل. قال: فانظروا إليه، أليسَ هو صحيح البدن؟ قالوا: نعم، ولولا أنه فعل ذلك لكنت أخافُ أن يقع شر لا يقامُ له، فلما قال: قد سلمته إليكم صحيح البدن، هدأ الناسُ وسكنوا.

стр. 459

أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أنبأنا الحسن بن أحمد الفقيه، قال: حدثنا عبيد الله بن أحمد، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن عبيد الله الكاتب، قال: حدثنا أبو علي الحسن بن محمد بن عثمان، قال: حدثني داود بن عَرفة، قال: حدثنا ميمون بن الأصبغ، قال: أخرج أحمد بن حنبل بعد أن اجتمع الناس على الباب وضَجّوا، حتى خاف السلطان فخرج.

стр. 460

الباب السَبعُون في ذكر تلقّى المشايخ إياه بعد انقضاء المحنة ودُعائهم له أخبرنا إسماعيل بن أحمد السَّمَرْقَنْدي، ومحمد بن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: حدثنا أبو نُعَيْم الحافظ، قال: حدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا الحسين بن محمد، قال: حدثنا مُهَنَّاً بن يحيى قال: رأيتُ يعقوبَ بن إبراهيم بن سَعد الزهري حينَ أخرج أحمدُ من الحبس، وهو يقبل جبهة أحمد وَوَجهه، ورأيتُ سليمان بن داود الهاشمي يُقبل جبهة أحمد ورأسه. أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: حدثنا أبو يعقوب الحافظ، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي الفضل، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الصرّام، قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق، قال: حدثني الحسن بن عبد العزيز الجَروي. قال: قلت للحارث ابن مسكين: إن هذا الرجل- أعني أحمد بن حنبل - قد ضُرب، فاذهب بنا إليه، فذهبتُ أنا وهو، فدخلنا عليه حِدْثان ضربه. فقال لنا: ضُربت

стр. 461

فسقطتُ وسمعت ذاك - يعني ابن أبي دُؤاد - يقول يا أميرَ المؤمنين، هو والله ضالٌّ مضلٌّ. فقال له الحارث: أخبرني يوسف بن عمر بن يزيد، عن مالك ابن أنس: أن الزُّهري سُعيَ به حتى ضُرب بالسياط، فقيل لمالك بعد ذل: إنّ الزُّهري قد أقيم للناس وعُلّقت كتبه في عنقه، فقال مال: قد ضُرب سعيد ابن المسيّب بالسياط وحُلق رأسه ولحيته، وضُرب أبو الزِّناد بالسياط، وضرب محمد بن المنكدر وأصحاب له في حَمّام بالسياط، قال: وقال عُمر بن عبد العزيز: لا تَغبطوا أحداً لم يُصبه في هذا الأمر أذى، قال: وما كر مالك نفسه، قال: فأُعجب أحمدُ بقول الحارث. قلت: وما زال الناس يُبتَلون في الله تعالى ويَصبرون، وقد كانت الأنبياء تُقتل، وأهل الخير في الأمم السالفة يُتلون ويُحرقون، ويُنشر أحدهم بالمنشار وهو ثابتٌ على دينه، ولولا كراهية التطويل لذكرتُ من ذلك بأسانيده ما يطول، غير أني أوثر الاختصار. وقد سُمَّ نبينا ﷺ ، وسُمَّ أبو بكر، وقُتل عُمر وعثمان وعلي، وسُمَّ الحسن، وقُتل الحُسين، وابنُ الزبير، والضَّحاك بن قيس، والنُّعمان بن بشير، وصُلِب خُبَيب بن عَدي، وقَتل الحجاجُ عبدَ الرحمن بن أبي لَيلى، وعبدَ الله بن غالب الحُدّاني، وسَعيد بن جُبير، وأبا البَخْتَري الطائي، وكُمَيل بن زياد، وحُطَيْطاً الزيّات، وماهان الحَنَفي صَلبه، وصلب قبله ابنَ الزبير، وقَتل الواثقُ أحمدَ بن نصر الخُزاعي وصَلبه.

стр. 462

فأما من ضُرب من كِبار العلماءِ: فعبدُ الرحمن بن أبي ليلى، ضَربه الحجاج أربع مئة سَوط، ثم قتله. سَعيد بن المسيّب، ضربه عبد الملك بن مروان مئة سوط، لأنه بعث ببيعة الوليد إلى المدينة فلم يُبايع سعيد، فكَتب أن يُضرب مئة سوط ويصب عليه جرة ماء في يومٍ شاتٍ، ويُلبس جُبة صوف، فَفُعل به ذلك. خُبَيْب بن عبد الله بن الزبير، ضَربه عُمر بن عبد العزيز بأمر الوليد مئة سوط، ولك أنه حدث عن النبي ﷺ ، أنه قال: "إذا بَلغ بَنو أبي العاص ثَلاثين رَجُلاً اتخذوا عبادَ الله خَولاً، ومالَ الله دولاً". فكانَ عمر إذا قيل له: أبشر، قال: كيف بخبيب على الطريق؟ أبو الزِّناد، ضَربه بنو أمية. أبو عَمرو بن العَلاء، ضربه بنو أمية خمس مئة سوط. رَبيعة الرَّأي، ضربه بنو أمية. عَطية العَوْفي، ضَربه الححاج أربع مئة سوط. يزيد الضَّبّي، ضربه الحجاج أربع مئة سوط. ثابت البُنّاني، ضربه ابن الجارود خَليفة ابن زياد.

стр. 463

عبد الله بن عَون، ضربه بِلال بن أبي بُردة سبعين سوطاً. مالك بن أنس، ضربه المنصور سَبعين سوطاً في يَمين المكره، وكان مالك يقول: لا تُلزِمه اليَمين. أبو السوّار العَدَوي، وعُقبةُ بن عبد الغافر، ضُربا بالسياط. ولأحمد بن حنبل في هؤلاءِ الأئمة أسوة.

стр. 464

سياق ذكر جَعله المعتصم في حِلٍّ من ضَربه ومَن حَضر أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا أبو إسحاق البَرْمَكي، قال: أخبرنا علي بن مَرْدَك، قال: حدثنا ابن أبي حاتم، قال: قال صالح بن أحمد: سمعتُ أبي يقول: لقد جَعلتُ الميّتَ في حِلٌّ من ضَربه إياي، ثم قال: مررتُ بهذه الآية ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، فنظرت في تفسيرها فإذا هو ما أخبرنا هاشم بن القاسم، قال: أخبرنا المبارك بن فَضَالة، قال: أخبرني مَن سمع الحسن يقول إذا كانَ يوم القيامة جَثت الأمم كلّها بين يدي الله عزَّ وجلَّن ثم نُودي أن لا يقوم لا من أجره على الله ، قال: فَلا يقوم إلا من عَفا في الدنيا. قال أبي: فجعلتُ الميّتَ في حلٌّ من ضَربه إياي، وجَعل يقول: وما عَلى رجل أن لا يعذِّبَ اللهُ بسببه أحداً؟ قال ابن أبي حاتم: وحدثنا أحمد بن سنان، قال: بلغني أن أحمد بن حنبل جعل المعتصم في حل في يوم فَتح [عاصمة] بابك، أو في يوم

стр. 465

فتح عَموريّة، فقال: هو في حل من ضربي أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر، قال: أخبرنا عبيد الله بن عبد الرحمن، قال: حدثنا أبو عبد اله الحسن بن عبد الله بن سقلاب، قال: حدثني عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: قال لي أبي: وَجَّه إليّ الواثق أن أجعل المعتصم في حِل من ضَربه إياي، فقلت: ما خرجتُ من داره حتى جعلته في حل، وذكرتُ قول النبي ﷺ : "لا يَقومُ يَوم القيامةِ إلا مَنْ عَفا" فعفوتُ عنه. أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن علي الخياط، قال: أخبرنا محمد بن أبي الفوارس، قال: أخبرنا

стр. 466

أحمد بن جعفر بن سَلْم، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الخالق، حدثنا أبو بكر المرُّوذي، قال: قال لي أبو عبد الله: قد سألني إسحاق بن إبراهيم أن أجعلأبا إسحاق في حل، فقلت له: قد كنتُ جعلته في حل، ثم قال أبو عبد الله: تفكرتُ في الحديث: "إذا كان يوم القيامة نادى مُنادٍ: لا يقم إلا من عفا". وذكرتُ قول الشَّعْبي: إن تعف عنه مَرة يكن لك من الأجر مَرَّتين. أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: حدثنا محمد بن أحمد الجارودي، قال: حدثنا الحسين بن علي بن جعفر، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا أبو علي الحسين بن عبد الله الخِرَقِي- وقد رأى أحمد بن حنبل -قال: بت مع أحمد بن حنبل ليلةً؛ فلم أره ينام إلا يَبكي إلى أن أصبح، فقلت: أبا عبد الله، كثر بُكاؤك الليلة، فما السبب فقال لي: ذكرتُ ضرب المعتصم إياي ومرَّ بي في الدَّرس: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، فسجدت وأحللته من ضربي في السجود. أنبأنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا عُبيد الله بن عمر بن شاهين، قال: حدثني أبي، قال: سمعت عثمان بن عَبْدُويَه، يقول: سمعتُ إبراهيم الحربي، يقول: أحلَّ أحمد بن حنبل من حَضر ضربَه وكلَّ من شايع فيه والمعتصم، وقال: لولا أن ابن أبي دُؤاد داعية لأحللته. قال عمر بن شاهين: وحدثنا أحمد بن خالد المُكْتِب، قال: سمعت أبا

стр. 467

العباس بن واصل المقرئ يقول: قال لي فُوران: وجَّه إليّ أبو عبد الله أحمد بن حنبل في اللّيل فدعاني، فقال لي: كيف أخبرتني عن فَضْل الأنماطي قال: قلت: يا أبا عبد الله، قال لي فَضل: لا أجعل في حل من أمرَ بضربي حتى أقول: القرآن مخلوق، ولا من تولي الضرب، ولا من سَرَّه ممن حضر وغابَ من الجهميَّة، فقال لي أحمد بن حنبل: لكني جعلتُ المعتصم في حل ومن تَولّى ضربي ومن غابَ ومن حضر، وقلت: لا يُعذب فيَّ أحد. وذكرتُ حديثين يُرويان عن النبي ﷺ :"إن الله ينشئُ قصوراً، فيرفع الناسُ رءوسهم، فيقولون: لمن هذه القصور ما أحسنها؟ فيقال: لمن أعطى ثمنها، قيل: وما ثمنها؟ قال: من عَفا عن أخيه المسلم" و"يأمر الله بعقد لواءٍ فينادي منادٍ: ليقم تَحتَ هذا اللواء إلى الجَنة من له عند الله عَهد. فقال: بيِّن بيِّن من هو؟ قال: مَن عَفا عن أخيه المسلم". أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا محمد بن عبد الملك بن عبد القاهر، قال: أنبأنا عُبيد الله بن أحمد بن عثمان الصَّيرفي، قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد، أن أبا عَمرو بن السمّاك أخبرهم، قال: أخبرنا محمد بن سفيان بن هارون، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن صالح، قال: سمعتُ عمي عبد الله بن أحمد، يقول: قرأت على أبي روح عن أشعث عن الحسن: "إن لله باباً في الجنة لا يدخله إلا من عَفا عن مَظْلَمة". فقال لي: يا بُني، ما خرجتُ من دار أبي إسحاق حتى أحللته ومن معه إلا رجلين، ابن أبي دؤاد وعبد الرحمن بن إسحاق فإنهما طلبا دمي، وأنا أهونُ على الله من أن يعذب فيَّ أحداً، أشهدك أنهما في حِل.

стр. 468

سياق ذكر بقاء أثر الضرب عليه أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكي، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل، قال نظر إلى أبي رجلُ ممن يُبصر الضرب والعلاج. فقال: قد رأيتُ من ضُرب ألف سوط ما رأيتُ ضرباً مثل هذا، لقد جُرَّ عليه من خلفه ومن قُدّامه، ثم أخذ ميلاً فأدخله في بعض تلك الجراحات فنر إليه، فقال: لم تُنْقَبُ، وجعل يأتيه ويعالجه، وقد كان أصاب وجهه غيرُ ضربةٍ، ومكث مُتكئاً على وجهه ما شاءَ الله. ثم قال: إن هاهنا شيئاً أريد أن أقطعه، فجاءَ بجديدة فجعل يُعَلِّق اللحمَ بها ويقْطعه بسكين معه، وهو صابر لذلك يَحمد الله في ذلك، فبرأ منه. ولم يزل يتوجع من مواضع منه، وكان أثر الضرب بيِّناً في ظهره إلى أن توفي ﵀. فسمعتُ أبي يقول: والله لقد أعطيتُ المجهودَ من نفسي، ولَوددتُ أن أنجو من هذا الأمر الذي أخاف كِفافاً لا علىَّ ولا لي. قال ابن أبي حاتم: وسمعتُ أبي يقول: أتيتُ أحمد بن حنبل بعدما ضُرب بثلاث سنين أو نحوها. فقلت له: ذهبَ عنك أثر الضرب فأخَرج يده

стр. 469

اليُسري على كوعه اليُمنى، وقال: هذا، كأنه يقول: خُلع، وأنه يجد منها ألَم ذلك. وبلغني عن أبي الحُسين بن المنادي، قال: حدثني جدي، قال: لقيتُ أبا عبد الله بعد ما انكشف ذلك البلاءُ، فرأيتُ بين يديه مِجْمَرة فيها جَمر، يضع خرقة مَلفوفة في يده فَيُسخنها بالنار، ثم يجعلها على جنبه من الضرَّب الذي كان ضُرب، فالتفتَ إليّ، فقال: يا أبا جعفر، ما كان في القوم أرأف بي من المعتصم.

стр. 470

الباب الحادي والسّبعُون في ذكر تحديثه بعد موت المعتصم أخبرنا الكَرُوخي، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا أبو يعقوب، قال: أخبرنا جدي، قال: أخبرنا محمد بن أبي جعفر المنذري، قال: سمعتُ محمد بن إبراهيم البثوشَنْجي، يقول: في سنة سبع وعشرين حَدَّث أحمد بن حنبل ببغداد ظاهراً جهرة، وذلك حين ماتَ المعتصم، بلغنا انبساطه في الحديث ونحن بالكوفة، فرجعتُ إليه فأدركته في رَجب من هذه السنة وهو يُحدث، ثم قطع الحديث لثلاث بقين من شعبان من غير منع من السلطان، ولكن كتب الحسن بن علي بن الجَعد - وهو يومئذ قاضٍ ببغداد - إلى ابن أبي دُؤاد: إن أحمد قد انبسطَ في الحديث. فبلغ ذلك أحمد فأمسك عن الحديث من غير أن يُمنع، ولم يكن حَدَّث أيام المعتصم فيما بلغنا، وكانت ولايته ثمان سنين وثمانية أشهر، ثم لم يُحدث إلى أن توفي.

стр. 471

الباب الثاني والسّبعُون في ذكر قصته مع الواثق ولي الواثق أبو جعفر هارون بن المعتصم في ربيع الأول سنة سَبع وعشرين ومئتين، وحسَّن له ابنُ أبي دُؤاد امتحانَ الناس بخلق القرآن، ففعل ذلك ولم يَعرض لأحمد، ما لما علم من صَبره، أو لما خاف من تأثير عُقوبته، لكنه أرسل إلى أحمد بن حنبل: لا تُساكنّي بأرض. فاختفى أحمد بقية حياة الواثق، فما زال يتنقل في الأماكن، ثم عاد إلى منزله بعد أشهر، فاختفى فيه إلى أن مات الواثق. أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أقام أحمدُ بن حنبل مدة اختفائه عند إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النَّيسابوري. قلت: وقد روي: عند إبراهيم بن هانئ وبيتُ الوالِد والوَلد واحدٌ. أخبرنا موهوب بن أحمد، قال: أخبرنا علي بن أحمدبن البُسْري، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن المُخَلِّص، قال: حدثنا البَغَوي، قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل في سنة ثمان وعشرين في أولها، وقد حدث حديث معاوية عن النبي ﷺ ، أنه قال:"لم يَبقَ من الدنيا إلا بَلاءٌ وفِتنةٌ، فأعدّوا

стр. 472

للبلاءِ صبراً". فَجعل يقول: اللهمَّ رضينا! اللهمَّ رضينا! أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حَمد بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله، قال: أخبرني جعفر بن محمد الخُلْدِي في كتابه، قال: حدثني أبو حامد- قَرابة أسد المعلم - قال: قال إبراهيم ابن هانئ: اختفى عندي أحمد بن حنبل ثلاثة أيام. ثم قال: اطلبْ لي مَوضعاً حتى أتحول إليه. قلت: لا آمَنُ عليك يا أبا عبد الله. فقال: افعلْ؛ فإذا فعلتَ أفدتُك، فطلبتُ له موضعاً، فلما خرج قال لي: اختفى رسولُ الله ﷺ في الغارِ ثلاثةَ أيام ثم تحوَّل، وليسَ ينبغي أن يُتبع رسول الله في الرخاءِ ويُترك في الشدة. أخبرنا عبد الوهاب الحافظ، وعلي بن أبي عمر، قالا: أخبرنا رزق الله بن عبد الوهاب التميمي، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن يوسف، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن نُصير، قال: حدثنا أبو حامد أحمد بن مخلد بن ماهان الحَذّاء، قال حدثنا فَتْح بن شُخْرُف، قال: قال لي إبراهيم بن هانئ النَّيسابوري: اختفى عندي أحمد بن حنبل ثلاث ليال. ثم قال: اطلب لي

стр. 473

مَوضعاً حتى أدور إليه، فقلت: لا آمنُ عليكَ يا أبا عبد الله. فقال لي: النَّبي ﷺ اختفى في الغار ثلاثةَ أيام ثم دار، وليس يَنبغي أن تُتبع سنة رسول الله في الرخاءِ وتُترك في الشدة. قال فتح: حدثت به صالحاً وعبد الله فقالا: لم نسمع هذه الحكاية إلا منك، وحدثت بها إسحاق بن إبراهيم بن هانئ فقال: ما حدثني أبي بها. أخبرنا عبد الملك الكَرُوخِي، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم السرخسي، قال: أخبرنا أحمد بن أبي عمران، قال: أخبرنا أبو علي الحسين بن جعفر الخطيب، قال: سمعتُ هارون بن عبد الرحمن، يقول: سمعت تَميم بن بهلول الرازي، يقول: سمعتُ أبا زُرعة، يقول: قلت لأحمد بن حنبل: كيف تخلصتَ من سيفِ المعتصم وسَوطِ الواثق؟ فقال: لو وُضع الصدقُ على جُرح لَبرأ.

стр. 474

فصل وقد روي أن الواثق ترك امتحان الناس بسبب مُناظرة جرت بين يديه رأي بها أن الأولى ترك الامتحان. فأخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي ابن ثابت، قال: أخبرنا محمد بن الفرج بن علي البزّاز، قال: حدثنا عبد الله ابن إبراهيم بن ماسي، قال: حدثنا جعفر بن شُعيب الشاشي، قال: حدثني محمد بن يوسف الشاشي، قال: حدثني إبراهيم بن مَتَّةَ، قال: سمعتُ طاهر بن خَلف، يقول: سمعتُ محمد بن الواثق - الذي كان يُقال له المهتدي بالله - يقول: كان أبي إذا أرادَ أن يَقتل رجلاً أحضرنا ذلك المجلس، فأتي بشيخ مخضوبٍ مُقيَّد. فقال أبي: ائذنوا لأبي عبد الله وأصحابه - يعني ابن أبي دُؤاد - قال: فأدخل الشيخ. فقال: السلامُ عليك يا أمر المؤمنين، فقال: لا سلَّم الله عليك، فقال: يا أميرَ المؤمنين، بئسَ ما أدَّبك مؤدِّبك، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. والله ما حييتني بها، ولا بأحسن منها، فقال ابن أبي دُؤاد:

стр. 475

يا أمير المؤمنين، الرجل مُتكلم. فقال له: كَلَّمه، فقال: يا شَيخ، ما تَقول في القُرآن؟ قال الشيخ: لم تُنصِفني، وَلِّنِي السؤال، فقال له: سَل، فقال له الشيخ: ما تقول في القرآن؟ قال: مَخلوق، فقال: هذا شيء علمه النبي ﷺ وأبو بَكر وعُمر وعُثمان وعَلي والخلفاء الراشدون، أم شيء لم يعلموه؟ فقال: شيء لم يعلموه. فقال: سبحان الله! شيء لم يَعلمه النبي صلى الله عليه، ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا الخُلفاء الراشدون علمته أنت! قال: فَخجل، فقال: أقِلْني، قال: والمسألة بحالها، قال: نعم. قال ما تقول في القرآن؟ قال: مَخلوق، فقال: هذا شيء علمه النبي ﷺ وأبو بَكر وعُمر وعُثمان وعَلي والخُلفاء الراشدون أم لا يَعلموه فقال: عَلموه ولم يَدعوا الناسَ إليه، فقال: أفلا وَسِعكَ ما وَسعهم؟ قال: ثم قامَ أبي، فدخل مَجلس الخَلوة، واستلقى على قَفاه، ووضع إحدى رجليه على الأخرى، وهو يقول: هذا شيء لم يَعلمه النبي ﷺ ولا أبو بكر ولا عُمر وعُثمان وعلي والخُلفاء الراشدون، ولم يدعوا الناس إليه، أفلا وَسعك ما وَسعهم؟! ثم دعا عَمّاراً الحاجب، فأمر أن يرفع عنه القيود ويُعطيه أربع مئة دينار، ويأذن له في الروع، وسَقط من عينه ابنُ أبي دُؤاد، ولم يمتحن بعد ذلك أحداً. وقد رُويت لنا هذه القصة على صِفة أخرى: فأخبرنا أبو منصور

стр. 476

عبد الرحمن بن محمد القزاز، وأبو السعود أحمد بن عي بن المُجلي، قالا: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق قال: أخبرنا أحمد بن سِندي الحَدّاد، قال: قُرِئ على أحمد بن الممتَنع وأنا أسمع، قيل له: أخبركم صالح بن علي بن يعقوب الهاشمي، قال: حضرتُ المهتدي بالله أمير المؤمنين وقد جَلس للنظر في أمور المتظلّمين في دار العامة، فنظرتُ إلى قِصص الناس تُقرأ عليه من أولها إلى آخرها، فيأمر بالتوقيع فيها، ويُنشأ الكتابُ عليها، وتُحَرّر وتُختم وتُدفع إلى صاحبها بَين يديه، فَسرني ذلك واستحسنتُ ما رأيتُ، فجعلت أنظر إليه، ففطن ونظر إليَّ فَغضضتُ عنه، حتى كان ذلك منِّي، ومنه مِراراً ثلاثاً، إذا نَظَر غَضَتُ وإذا شُغل نظرتُ، فقال لي: يا صالح، قلتُ: لَبَّيك يا أمير المؤمنين، وقمت قائماً، فقال: في نَفسك منا شيء تُريد- أو قال: تحب - أن تَقوله؟ قلتُ: نَعم يا سيدي، فقال لي: عُد إلى مَوضعك، فعدت حتى إذا قام قال للحاجب: لا يبرح صالح، فانصرفَ الناس ثم أذن لي فَدخلت، فدعوتُ له، فقال لي: اجلس، فجلستُ، فقال: يا صالح، تقولُ لي ما دارً في نفسك أو أقول أنا ما دار في نفس أنه دار في نفسك؟ قلتُ: يا أمير المؤمنين، ما تعزم عليه وتَأمر به، فقال: أقولُ أنا إنه دار في نفسي أنك استحسنتَ ما رأيتَ منا، فقلتَ: أيّ خليفةٍ خَليفتنا إن لم يكن يقول: القرآن مخلوق. فورد على قلبي أمر عظيم، ثم قلت: يا نفسُ هل تموتينَ قبل أجلك؟ وهل تَموتين إلا مرة؟ وهل يجوزُ الكذب في جدّ أو هزل؟

стр. 477

فقلت: يا أمير المؤمنين، ما دار في نفسي إلا ما قلتَ، فأطرق مليًّا ثم قال: وَيحك! اسمع مني ما أقول، فوالله لتسمعنَّ الحق، فَسُرّي عني، فقلتُ: يا سيدي، ومن أولى بقول الحق منك وأنتَ خليفةُ رب العالمين، وابنُ عم سيد المرسَلين. فقال: ما زلتُ أَقول: إن القرآن مَخلوق صدراً من أيام الواثق، حتى أقدم أحمدُ بن أبي دُؤاد عَلينا شيخاً من أهلِ الشام من أهل أذَنه، فأُدخل الشيخ على الواثق مُقيداً، وهو جميل الوجه، تام القامة، حسن الشيبة، فرأيتُ الواثق قد استحيا منه ورقَّ له، فما زال يدنيه ويقربه حتى قرب منه، فسلم الشيخ فأحسن، ودعا فأبلغ، فقال له الواثق: اجلس، فَجلس. فقال له: يا شَيخ، ناِر ابنَ أبي دُؤاد على ما يُناظرك عليه، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، ابن أبي دُؤاد يصبو ويضعف عن المناظرة، فغضب الواثق وعاد مكان الرقّة له غَضباً عليه. وقال: أبو عبد الله بن أبي دؤاد يصبو ويضعف عن مناظرتك أنتّ؟ فقال الشيخ: هَوّن عليكَ يا أمير المؤمنين ما بك، فَائذَنْ في مُناظرته. فقال الواثق: ما دعوتُك إلا للمناظرة، فقال الشيخ: يا أميرَ المؤمنين، إن رأيتَ أن تحفظ عليَّ وعليه ما نقول، قال: أفعل، قال الشيخ: يا أحمد، أخبرني عن مقالتك هذه، هي مقالةٌ واجبة داخلة في عَقد الدين، فلا يكون الدين كاملاً حتى يقال فيه بما قلت؟ قال: نعم. قال الشيخ: يا أحمد، أخبرني عن رسول الله ﷺ حينَ بعثه الله تعالى إلى عباده هل سَترَ شيئاً مما أمره الله به في

стр. 478

أمر دينهم؟ قال: لا. فقال الشيخ: فدعا رسول الله ﷺ الأمة إلى مقالتك هذه؟ فسكت ابن أبي دؤاد، فقال الشيخ: تَكلم! فسكت، فالتفتَ الشيخ إلى الواثق فقال: يا أمير المؤمنين، واحدة. فقال الواثق: واحدة. فقال الشيخ: يا أحمد، أخبرني عن الله تعالى حين أنزل القرآن على رَسول الله، فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً﴾، هل كان الله تعالى الصادقُ في إكمال دينه، أو أنتَ الصادق في نُقصانه حتى يقال فيه بمقالتك هذه؟ فسكت ابن أبي دؤاد، فقال الشيخ: أجب يا أحمد، فلم يجب، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، اثنتان، فقال الواثق: اثنتان، فقال الشيخ: يا أحمد، أخبرني عن مقالتك هذه، عَلمها رسول الله أم جَهلها؟ قال ابن أبي دُؤاد: علمها، قال: فدعا الناسَ إليها؟ فسكتَ. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، ثلاث؛ فقال الواثق: ثلاث، فقال الشيخ: يا أحمد، فاتَّسع لرسول الله أنعَلمها وأمسكَ عنها كما زعمتَ ولم يُطالب أمته بها؟ قال: نعم. قال الشيخ: واتَّسع لأبي بَكر الصدّيق، وعُمر ابن الخطاب، وعُثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب ﵃؟ قال ابن أبي دُؤاد: نعم، فأعرض الشيخ عنه وأقبل على الواثق، فقال: يا أميرَ المؤمنين، قد قَدَّمت القول: إن أحمد يصبو ويضعف عن المنارة. يا أمير المؤمنين، إن لم يَتسع لنا من الإمساك عن هذه المقالة بما زعم هذا أنه اتسع لرسول الله ولأبي بَكر وعُمر وعُثمان وعَلي. فلا وَسَّعَ الله على مَن لم يتَّسع لهم. فقال

стр. 479

الواثق: نعم، إن لم يتَّسع لنا من الإمساك عن هذه المقالة ما اتسع لرسول الله ﷺ ، وأبي بَكر وعُمر وعُثمان وعَلي، فلا وَسَّعَ الله علينا، اقطَعوا قيدَ الشيخ، فلما قَطعوا القيدَ ضرب الشيخُ بيده إلى القَيد حتى يَأخذه فجاذَبه الحدادُ عليه، فقال الواثق: دَع الشيخَ يأخذه، فأخذه فَوضه في كُمه، فقال له الواثق: يا شَيخ، لم جاذبتَ الحداد عليه؟ قال: لأني نويتُ أن أتقدمَ إلى من أوصي إليه إذا أنا متْ أن يَجعله بيني وبينَ كفني، حتى أخاصم به هذا الظالم عند الله يوم القيامة، وأقول: يا ربّ، سَلْ عبدَك هذا لِمَ قيَّدني وروّع أهلي وَولدي وإخواني بلا حق أوجبَ ذلك عليَّ وبَكى الشيخ، وبَكى الواثق وبكينا، ثم سأله الواثق أن يجعله في حِل وسَعةٍ مما ناله، فقال له الشيخ والله يا أمير المؤمنين، لقد جعلتُك في حِل وسَعة من أول يوم إكراماً لرسول الله، إذ كنتَ رجلاً من أهله، فقال الواثق: لي إليك حاجة. فقال الشيخ: إن كانت مُمكنة فعلتُ، فقال له الواثق: تُقِيم قِبَلَنا، فَنَنتفع بك ويَنتفع بك فتياننا. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، إن ردَّك إياي إلى الموضع الذي أخرجني عنه هذا الظالم، أنفع لك من مقامي عليك، وأخبرك بما في ذلك؛ أصير إلى أهلي وولدي فأكفّ دعاءَهم عليك، فقد خَلّفتهم على ذلك، فقال له الواثق: فتقبل منَّاصِلة تَستعين بها عَلَى دهْرك، فقال: يا أمير المؤمنين، لاتحلّ لي، أنا عنها غَني وذو مِرَّةٍ سَوي، فقال: سل حاجةً. فقال: أو تقضيها يا أمير المؤمنين قال: نَعم. قال: تأذن أن يُخلي لي السبيل الساعة إلى الثَّغر. قال: قد أذنتُ لك، فسلَّم وخرج. قال المهتدي بالله: فرجعتُ عن هذه المقالة، وأظن أن الواثق رَجع عنها منذ ذلك الوقت.

стр. 480

أخبرنا القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: أخبرنا أبو بكر عبد الله بن علي بن حَمُّويَه، قال: سمعتُ أبا بكر أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي الحافظ، أخبرنا بحديث الشيخ الأذّني ومناظرته. فقال: الشيخُ هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمد بن إسحاق الأُذْرَمِي. قلت: وقد روي أن الواثق رَجع عن القول بخلق القرآن قبل مَوته. أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بَكر الخطيب، قال: أخبرني عُبيد الله بن أبي الفتح، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن الحسن، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عَرفة، قال: حدثني حامد بن العباس، عن رجل، عن المهتدي بالله، أن الواثق ماتَ وقد تابَ عن القولِ بخلق القرآن.

стр. 481

الباب الثالث والسّبعُون في ذكر قصته مع المتوكّل ولي المتوكل على الله بعد الواثق في يوم الأربعاءِ لستُّ بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومئتين، وسِنّه سنت وعشرون سنة يومئذ، فأظهر الله به السُّنَّة، وكشفَ تلك الغُمّة، فشكره الناس على ما فعل. أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا محمد بن علي بن إسحاق الخازن، قال: أخبرنا أحمد بن بشر بن سعيد الخِرقي، قال: حدثنا أبو رَوق الهِزَّانيّ، قال: سمعتُ محمد ابن خَلف يقول: كان إبراهيم بن محمد التَّيمي قاضي البصرة يقول: الخُلفاء ثَلاثة؛ أبو بكر الصديق قاتل أهلَ الردّة حتى استجابوا له، وعُمر بن عبد العزيز ردَّ مظالم بني أمية، والمتوكّل محا البِدع وأظهرَ السُّنَّة. أخبرنا عبد الرحمن، قال: أخبرنا أحمد بن علي، قال: أخبرني الحسن بن شهاب العُكْبَري في كتابه، قال: حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البُنْدار، قال: حدثنا مُعاوية بن عثمان، قال: حدثنا علي بن حاتم، حدثنا علي ابن الجهم، قال: وجَّه إليّ أمير المؤمنين المتوكّل، فأتيته فقال لي: يا عليّ،

стр. 482

رأيتُ النبي ﷺ في المنام فقُمت إليه، فقال لي: تَقوم إليّ وأنتَ خليفة! فقلت له: أبشر يا أمير المؤمنين، أمّا قيامك إليه فقيامك بالسنّة، وقَد عَدَّك من الخُلفاءِ، فَسُرَّ بذلك. أخبرنا عبد الرحمن، قال: أخبرنا أحمد بن علي، قال: حدثنا الأزهري قال: حدثنا عبيد الله بن محمد العُكْبَري، قال: حدثنا أبو الفضل محمد بن أحمد بن سَهل النَّيسابوري، قال: حدثنا سعيد بن عثمان الخياط، قال: حدثني علي بن إسماعيل، قال: رأيتُ جَعفراً المتوكل بطرسوس في النوم وهو في النّور جالس، قلتُ: المتوكل؟ قال: المتوكل، قلت: ما فَعل الله بك؟ قال: غَفر لي، قلتُ: بماذا؟ قال: بقليل من السنّة أحييتُها. قلت: أطفأ المتوكل نيران البدعة، وأوقد مَصابيح السنة. أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرني الأزهري، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عَرفة، قال: في سَنة أربع وثلاثين ومئتين أشخص المتوكل الفُقهاء والمحدّثين، وكان فيهم مُصعب الزُّبيري، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وإبراهيم بن عَبد الله الهَرَوين وعبد الله وعثمان ابنا أبي شَيبة، فَقُسمت بينهم الجوائز، وأجريت عليهم الأرزاق، وأمرهم المتوكل أن يَجلسوا للناس وأن يُحدثوا بالأحاديث التي فيها الردّ على المعتزلة والجَهمية، وأن يُحدثوا بالأحاديث في

стр. 483

الرّؤية، فجلس عُثمان بن أبي شَيبة في مَدينة المنصور، وَوُضع له مِنبر، واجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفاً من الناس، وجَلس أبو بَكر بن أبي شَيبة في مَسجد الرُّصافة واجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفاً. أنبأنا أبو القاسم الحَريري، عن أبي إسحاق البَرْمَكي، قال: أخبرنا أبو الحسن بن الفُرات، قال: أنشدنا القاضي أبو بَكر بن كامل، قال: أنشدني بَكر الخليلي الزاهد، قال: أنشدني أبو عَبد الله غُلام خليل، قال: أنشدني أبو جَعفر الخَوّاص بعَبّادان بعدَ زوال المِحنة: ذَهَبتْ دَولةُ أصحابِ البِدَعْ وَوَهَي حَبْلُهُم ثمّ انقَطعْ وتداعي بانصرافٍ جمعُهمْ حِزبُ إِبليسَ الذي كانَ جَمعْ هَل لهم ياقَوم في بِدعَتهِمْ مِنْ فَقيهٍ أو إمامٍ يُتَّبَعْ مثل سُفيان أخي الثَّور الذي عَلَّم الناسَ دقيقاتِ الوَرَع أو سُليمان أخي التَّيم الذي تَرك النَومَ لهولِ المطَّلع أو فَقيه الحَرمين مالك ذلك البَحر الغزير المُنْتَجَع أو فَتى الإسلام أعني أحمداً ذاكَ لو قارعه القُرّا قَرَع لم يَخَفْ سَوطَهمُ إِذ خَوّفوا لا وَلا سَيفَهمُ لَمّا لَمَعْ

стр. 484

فصل ثم بعث المتوكل بعد مُضي خمس سنين من ولايته بتَسيير أحمد بن حنبل إليه، فأخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكي، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل، قال: وجِّه المتوكل إلى إسحاق بن إبراهيم يأمره بحمل أبي إليه، فوجَّه إسحاق إلى أبي، فقال له: إن أمير المؤمنين كتبَ إليَّ يأمرني بإشخاصِك إليه، فتأهَّبْ لذلك. قال أبي: وقال لي: اجعلني في حلٍّ من حُضوري ضَربك. قلتُ: قد جعلتُ كلّ من حضر في حِل. قال أبي: وقالَ أسألك عن القرآن مسألة مُستَرشدٍ لا مسألة امتحان، وليكن ذلك عندك مَستوراً، ما تقول في القرآن؟ فقلت: القرآن كلامُ الله غير مَخلوق، قال لي من أين قلتَ: غير مخلوق؟ فقلت: قال الله : ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾، ففرق بين الخَلق والأمر، فقال إسحاق: الأمر مَخلوق، فقلت: يا سبحان الله أمخلوق يخلق مخلوقاً!! فقال: وعمن تحكي أنه ليس بمخلوق؟ فقلت: جعفر من محمد، قال: ليس بخالق ولا مَخلوق، قال: فسكت. فلما كان في الليلة الثانية وجّه

стр. 485

إليّ، فقال: ما تَقول في الخُروج. فقلت: ذاك إليكم، وجاءَ إلى أبي جماعة من الأنصار والهاشميين عندما وجّه المتوكل في حَمله فقالوا: تُكلّمه؟ فقال: قد نويت أن أكلمه في أهله وفي الأنصار والمهاجرين وما فيه مَصلحة للمسلمين، وكان حمله إلى المتوكل في سنة سبع وثلاثين ومئتين، فأخرج حتى إذا صرنا في موضع يقال له: بُصْرَى، باتَ أبي في المسجد ونحن معه، فلما كان في جوف الليل جاء النَّيسابوري. فقال: يَقول لك ارجع، فقلت: يا أية، أرجو أن يكون خِيَرة، فقال: لم أزل أدعو الله . سياق ما حدث بعد ذلك من تحريض الأعداءِ على أحمد أنه قد أخفى بعض العلويين عنده. لما أخرج أحمد ﵁ إلى المتوكل، رُدَّ من بعض الطريق، ثم توفي إسحاق بن إبراهيم، وولي مكانه ابنه عبد الله بن إسحاق، فرفع الأعداء إلى المتوكل أن عندَ أحمد علوياًّ. أخبرنا المحمّدان: ابن ناصر، وابن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا محمد بن جعفر، والحسين ابن محمد، وعلي بن أحمد، قالوا: حدثنا محمد بن إسماعيل بن أحمد، قال: حدثنا صالح بن أحمدن قال: لما ولي عبد الله بن إسحاق كتب المتوكل إليه: أن وجه إلى أحمد بن حنبل أنَّ عِندك طَلِبَة أمير المؤمنين، فوجَّه بحاجبه مُظَفر،

стр. 486

وحضر معه صاحب البَريد- وكان يُعرف بابن الكلبي - وكان قد كتب إليه أيضاً، فقال له مُظفر: يقول لك الأمير: قد كتبَ إليَّ أمير المؤمنين أن عندك طَلِبته؟ وقال له ابنُ الكلبي مثل ذلك، وكان قد نام الناس. أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل، قال: دقُوا الباب وأبي في إزاز فَفتح، فلما قُرئ عليه الكتاب وكأنهم أوَمؤوا إلى أن عنده عَلويًّا. قال لهم: ما أعرفُ من هذا شيئاً، وإني لأرى طاعَته في العُسْرِ واليُسرِ والمَنْشَط والمَكْرَه والأثَرة، وإني أتأسف على تَخلّفي عن الصلاة في جَماعة، وعن حُضور الجمعة ودعوة المسلمين، وقد كان إسحاق وَجّهَ إليه قبل موته: الزَم بيتَك ولا تخرج إلى جمعة ولا جَماعة، وألا نزل بك ما نزل بك في أيام أبي إسحاق. ثم قال له ابن الكَلبي: قد أمرني أمير المؤمنين أن أحلّفك أن ما عندك طَلِبَته فتحلف، قال: إن استَحلفتموني حلفتُ، فأحلَفَه بالله وبالطلاق، أن ما عنده طَلِبَة أمير المؤمنين، ثم قال له أريدُ أن أفتش منزلك، وكنت حاضراً، فقال ومنزل ابنك، فقام مُظفر وابن الكلبي وامرأتان معهما، فدخلا فَفتشا البيت، ثم فَتش الامرأتان النساءَ، ثم دخلوا منزلي ففتشوه، ودلّوا شمعة في البئر فنظروا، ووجهوا النِّسوة فَفتشوا الحرم ثم خرجوا، فلما كان بعد يومين، ورد تاب علي بن الجهم: إن أمير المؤمنين قد صَحَّ عنده براءَتك مما قُرفت به، وقد كان أهل البدع مَدوا أعينهم، فالحمدُ لله الذي لم يُشمتهم بك، قد وجه

стр. 487

إليك أمير المؤمنين يأمرك بالخروج، فالله الله أن تَستعفي أو تَرُدَّ المال. أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نُعَيْم الحافظ، قال: حدثنا أبو بكر بن مالك، قال: حدثنا أبو جعفر بن ذريح العُكْبَري، قال: طلبت أحمد بن حنبل في سَنة ست وثلاثين ومئتين لأسأله عن مَسألة، فَسأَلتُ عنه فَقالوا: خَرج يُصلي، فجلستُ حتى جاءَ، فسلَّمت عليه فرد عليّ السلام، فدخل الزُّقاق وأنا أماشيه، فلما بَلغنا آخر الدرب، إذا بابُ يفرج، فَدفعه وصار خَلفه، وقال: اذهَب عافاك الله. فثنيت عليه، فقال: اذهب عافاك الله، فَخرج رجل فسألته عن تَخلُّفه عن كلامي، فقال: ادُّعي عليه عند السلطان أن عِنده علويًّا، فجاءَ مُحمد بن نَصر، فأحاط بالمحلة فَفُتشت، فلم يوجد فيه شيء مما ذُكر، فَأحجم عن كَلام العامّة. أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا أبو الحُسين بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بنعلي الخياط، قال: أخبرنا محمد بن أبي الفَوارس، قال: أخبرنا أحمد بن جَعفر بن سَلْم، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الخالق، قال: حدثنا أبو بكر المرُّوذي، قال: سمعتُ أبا عبد الله يقول: قد جاءَني أبو علي يحيى بن خاقان، فقال لي: إن كتاباً جاءَه فيه: إن أمير المؤمنين يُقرِئك السلام، ويقول لك: لو سَلِمَ أحدٌ من الناس سَلمتَ أنت، هاهنا رجل قد رَفع عليك وهو في أيدينا محبوس، رَفع عليكَ أن عَلويًّا قد تَوجَّه

стр. 488

من قِبل خُراسان، وقد بعثتَ برجل من أصحابك يَتلقاه وهو ذا مُحبوس؛ فإن شئتَ ضربتُه، وإن شئت حبستُه، وإن شئتَ بعثتُ به إليك، قال: فقلت له: ما أعرف مما قال شيئاً، أرى أن تُطلقوه ولا تَعرضوا له، فقلت لأبي عبدالله: سفكَ الله دمه قَد أشاط بدمائكم، فقال: ما أراد إلا استئصالنا، ولكن قلتُ: لعلّ له والدة أو أخوات أو بنات، أرى أن تُخلوا سَبيله ولا تَعرضوا له. أخبرنا عبد الملك الكَرُوخي، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا أبو يعقوب، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله اللأَّل، قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم الصرّام، قال: أخبرنا إبراهيم بن إسحاق قال: إنَّ المتوكل أخذَ العلوي الذي سَعى بأبي عبد الله إلى السلطان، وأرسله إلى أبي عبد الله ليقولَ فيه مقالة للسلطان، فعفا عنه، وقال: لعلّه يكون له صِبيان يُحزِنهم قَتله.

стр. 489

سياق قصة خُروجه إلى العَسْكر بعد انقضاء أمر هذه التُّهمة أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرن إبراهيم بن عمر، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل، قال: وَرد كتابُ علي بن الجَهم: إنَّ أمير المؤمنين قد وجّه إليكَ يعقوب المعروف بقَوْصَرَّة ومعه جائزة ويأمرك بالخُروج، فالله الله أن تَستعفي أو تَردّ المال، فيتَّسع القول لمن يُبغضك، فلما كانَ الغد وَرد يعقوب فدخل إليه، فقال: يا أبا عبد الله، أميرُ المؤمنين يقرأ عليكَ السلام ويقول: قَد صحَّ عِندنا نقاءُ ساحَتك، وقد أحببتُ أن آنس بقُربك، وأن أتبرك بدُعائك، وقد وجَّهتُ إليك عشرة آلاف دِرهم مَعونةً على سفرك. وأخرج بَدْرةً فيها صُرّة نحو من مئتي دينار، والباقي دراهم صِحاح، فلم ينظر إليها، ثم شدّها يعقوب وقال له: أعودُ غداً حتى أنظر ما تَعزم عليه، وقال له: يا أبا عبد الله، الحمدُ لله الذي لم يُشمت بكَ أهل البِدع. وانصرف، فَجئتُ بإجَّانَة خَضراء فكَببتُها، على البَدرة، فلما كان عند المغرب، قال: يا صالح، خذ هذا صَيِّره عندك، فصيرتُها عند

стр. 490

رأسي فوق البيت، فلما كان السَّحر إذا ينادي: يا صالح، فقمتُ فصعدتُ إليه، فقال: ما نمتُ ليلتي هذه، فقلت: لمَ يا أبَة؟ فجعل يبكي، وقال: سلمتُ من هؤلاءِ حتى إذا اكن في آخر عُمري بُليتُ بهم، قد عزمتُ على أن أفرّق هذا الشيء إذا أصبحتُ، فقلت: ذلك إليكَ، فلما أصبحَ جاءَه الحسنُ البزّاز والمشايخ، فقال: جئني يا صالح بميزان؛ فقال: وجِّهوا إلى أبناءِ المهاجرين والأنصار، ثم قال: وَجِّه إلى فُلان حتى يُفرق في ناحيته، وإلى فلان. فلم يزل حتى فَرقها كلّها ونفضتُ الكيسَ، ونحنُ في حالة الله تعالى بها عليم. فجاءَ بُني لي فقال: أعطني يا أبة دِرهماً، فنظر إليَّ فأخرجتُ قِطعة أعطيته، وكتب صاحب البريد أنه قد تصدّق بالدراهم من يَومه حتى تَصدق بالكيس. قال علي بن الجَهم: فقلتُ له: يا أميرَ المؤمنين، قد [تصدق بها و] علم الناس أنه قد قبل منك، وما يَصنع أحمد بالمال؟ وإنما قُوته رغيفُ، قال: فقال لي: صَدقتَ يا علي. قال صالح: ثم أخرجنا ليلاً معنا حراس معهم النفَّاطات، فلما أضاءَ الفجر، قال لي: يا صالح، أمعك دراهم؟ قلت: نعم. قال: أعطهم، فأعطيتهم دِرهماً درهماً. فلما صرنا إلى الحنّاطين، قال يعَقوب:

стр. 491

قفوا هاهنا، ثم وجَّه إلى المتوكل يُعلمه بمصيرنا، فدخلنا العَسكر وأبي مُنكَّسُ الرأس، ثم جاءَ وَصيفٌ يُريدُ الدار، فلما نظر إلى الناس وجمعهم، قال: ما هؤلاء؟ قالوا: هذا أحمد بن حنبل، فوجه إليه بعد ما جاز بيَحيى بن هَرْثَمة، فقال: يُقرئك الأميرُ السلام، وقول: الحمدُ لله الذي لم يشمّتْ بكَ أهلَ البدع، قد علمتَ ما كان حال ابن أبي دُؤاد، فينبغي أن تتكلّم بما يحب الله ، ثم أنزل دار إيتاخ، فجاءَ علي بن الجَهم، فقال: قد أمر لكم أمير المؤمنين بعشرة آلافٍ مكانَ التي فرقها، وأمر أن لا يُعلم بذلك فَيغتمّ، ثم جاءَه أحمد بن مُعاوية، فقال: إن أمير المؤمنين يُكثر ذكرك، ويَشتهي قُربك، وتُقيم هاهنا تُحدِّث. فقال: أنا ضَعيف، ثم وضع أصبعه على بَعض أسنانه، فقال: إن بَعض أسناني يَتحرك، وما أخبرت بذلك ولدى، ثم وجَّه إليه: ما تَقول في بَهيمتين انتَطحتا فعقَرت أحداهما الأخرى، فسقطت فذُبحت؟ فقال: إن كانَ طرف بَعينه، ومَصع بذَنبه، وسال دمه؛ يؤكل. ثم صار إليه يحيى بن خاقان، فقال: يا أبا عبد الله، قد أمرني أمير المؤمنين أن أصير إليك لتركبَ إلى أبي عبد الله وَلده، وأمرني أن أقطع لكَ سواداً

стр. 492

وطَيلساناً وقَلَنْسوةً، فأي قَلَنسوةٍ تَلبس؟ فقلت: ما رأيته لبس قَلَنسوة قط، وقال: إن أمير المؤمنين قد أمر أن يصير لكَ مَرتبة في أعلى المراتب، ويصير أبوعبد الله في حجرك، ثم قال لي: قد أمر أمير المؤمنين أن يُجري عليكم وعلى قراباته أربعة آلاف درهم، ثم عادَ يحيى من الغد، فقال: يا أبا عبد الله تركب؟ قال: ذاك إليك، فقال: استَخر الله ، فلبس إزاره وخُفية، وقد كان خُفّه قد أتى عليه نحو من خَمس عشرة سنة مَرقوعاً برقاع عِدّة، فأشار يحيى إلى أن يَلبس قَلنسوة. فقلت مالَه قَلنسُوة، ولا رأيته يَلبس قَلنسوة، فقال: كيفَ يدخل حاسراً! وطلبنا له دابة يركبها، فقال يحيى: مُصَلِّي، فجلس على التراب، وقال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ ثم ركب بَغل بعض التجار. فمضينا معه حتى إذا دخل دار أبي عبدالله أجلس في بيتٍ في الدّهليز، ثم جاءَ يحيى فأخذ بيده حتى أدخله ورُفع لنا الستر ونحن نَنظره، فَقعد، فقال له: يا أبا عبد الله في حجرك، قال صالح: فأخبرني بعض الخدم، أن المتوكل كان قاعِداً وراءَ سِتْر، فلما دخل أبي الدارَ، قال لأمه: يا أماه، قد أنارت الدار، ثم جاءَ خادم بمنديل، فأخذ يحيى المنديل، وأخرج مُبطَّنة فيها قميص، فأدخل يَده في جيب القَميص والمُبَطنة، ثم أخذ بيده فأقامه حتى أدخل جيبَ

стр. 493

القميص والمبطنة في رَأسه، ثم أدخل يده فأخرج يده اليمنى، وكذلك اليسرى، وهو لا يُحرك يَده. ثم أخذ قلنسوة فوضعها على رأسه، وألبسه طيلساناً، ولم يَجيئوا بخُف فبقي الخف عليه، ثم انصرف فلما صار إلى الدار نَزع الثياب عنه، ثم جعل يبكي، ثم قال: سَلمتُ من هؤلاءِ منذ ستين سَنة، حتى إذا كان في آخر عُمري بُليت بهم! ما أحسبني سلمتُ من دخولي على هذا الغلام، فكيف بمن يجب عليَّ نصحُه من وقت أن تَقع عيني عليه إلى أن أخرج من عنده؟ ثم قال: يا صالح، وجّه هذه الثياب إلى بغداد تُباع ويُتصدق بثمنها، ولا يشتري منكم أحد شيئاً، فوجهت بها فبيعت وفرق ثمنها. أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أنبأنا ابن البُسْري، عن أبي عبد الله ابن بَطَّة، قال: أخبرنا الآجُرّي، قال: أخبرنا أبو نصر بن كُردي، قال: حدثنا المُّروذي، قال: سمعتُ زُهير بن محمد، يقول: أنا أول من تَلقى أبا عبد الله قبل أن يَخرج من الحَرّاقة، قال: فخرج وعليه الكساء الذي خُلع عليه، قال: فسقط فَجعل يجره وما سَوّاه عليه. أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن يوسف، قال: أخبرنا أبو إسحاق البَرْمَكي، قال: أخبرنا ابن مَرْدَك، قال: حدثنا ابن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد، قال: ثم أخبرناه أن الدار التي هو فيها لإيتاخ. فقال: اكتب رُقعةً إلى محمد بن الجَراح، استعِف لي من هذه الدار، فكتبنا

стр. 494

رُقعة، فأمر المتوكل أن يُعفى منها، ووجه إلى قوم يخرجوا عن منازلهم، فسأل أن يعُفي من ذلك، فاكتُرَيت لنا دارٌ بمئتي درهم فصار إليها، وأجري لنا مائدةٌ وثَلجٌ، وضُرب الخَيش وفُرِش الطَّبري، واشتكت عينه ثم بَرئت، فقال لي: ألا تعجب؟ كانت عيني تشتكي فتمكث حيناً حتى تبرأ، ثم قد بَرئت في سُرعة. أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي الفضل، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الصرّام، قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق الغَسِيلي، قال: حدثني أبو بَكر المرُّوذي، قال: قال لي أحمد بن حنبل ونحن بالعَسكر: لي اليوم ثمان منذ لم آكل شيئاً، ولم أشرب إلا أقلّ من ربع سَويق. وكان يمكث ثلاثاً لا يطعم، فإذا كانت ليلة الرابعة أضعُ بين يَديه قدر نِصف ربع سَويق، فربما شربه، وربما ترك بَعضه، وكان إذا ورد عليه أمر يَغمّه لم يَطعم ولم يُفطر إلا على شَربِةِ ماء. أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن يوسف، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر قال: أخبرنا ابن مَرْدَك، قال: حدثنا ابن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد، قال: جَعل أبي يُواصل في العسكر يُفطر في كل

стр. 495

ثلاث على تمرٍ شُهريز، فمكث بذلك خمسةَ عشر يوماً، يُفطر في كل ثلاث، ثم جعل بعد ذلك يُفطر ليلةً وليلة، لا يفطر إلا على رغيفٍ وكان إذا جيءَ بالمائدة تُوضع في الدهليز لكي لايراها، فيأكل مَن حَضر، وكان إذا أجهده الحرّ تُلقى له خِرقة فيضعها على صَدره، وفي كل يوم يوجه المتوكل بابن ماسَويه ينظر غليه ويقول: يا أبا عبد الله، أنا أميلُ إليك وإلى أصحابك، وما بكمن علة إلا الضَّعف وقلة الرِّزّ، وإن عبادنا ربما أمرناهم بأكل دُهن الخَلِّ فنه يلين، وجعل يَجيئه بالشيءِ ليشربه فيصبه، وجَعل يعقوب وعَتّاب يصيران إليه، فيقولان له: يقول ل أمير المؤمنين: ما تقول في ابن أبي دُؤاد، وفي ماله؟ فلا يُجيب في ذلك شيئاً، وجعلا يُخبرانه بما يحدث من أمر ابن أبي دؤاد في كل يوم، ثم أحدر ابنُ أبي دؤاد إلى بَغداد بعد ما أشهد عليه ببيع ضِيَاعه، وكان ربما صار إليه يَحيى وهو يُصلي، فيجلس في الدّهليز حتى يَفرغ، ويجيء علي بن الجَهم، فينزع سيفه وقلنسوته ويدخل عليه. وأمر المتوكل أن يُشترى لنا دار، فقال لي: يا صالح، قلت: لبيك، قال: لئن قررتَ لهم بشراءِ دار لتكونَنَّ القطيعةُ بيني وبينك، إنما يريدون أن يُصيّروا هذا البلدَ لي مأوى ومسكناً، فلم يزل يدفع شراء الدار حتى اندفع، وصار إليَّ صاحب النُّزل، فقال: أعطيك كل شهر ثلاثة آلاف درهم مكان المائدة؟ قلت: لا. وجَعلت رسُل المتوكل تأتيه يسألونه عن خبره، فيصيرون إليه،
следующие страницы →