Полный текст (708 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
قفوا هاهنا، ثم وجَّه إلى المتوكل يُعلمه بمصيرنا، فدخلنا العَسكر وأبي مُنكَّسُ الرأس، ثم جاءَ وَصيفٌ يُريدُ الدار، فلما نظر إلى الناس وجمعهم، قال: ما هؤلاء؟ قالوا: هذا أحمد بن حنبل، فوجه إليه بعد ما جاز بيَحيى بن هَرْثَمة، فقال: يُقرئك الأميرُ السلام، وقول: الحمدُ لله الذي لم يشمّتْ بكَ أهلَ البدع، قد علمتَ ما كان حال ابن أبي دُؤاد، فينبغي أن تتكلّم بما يحب الله ، ثم أنزل دار إيتاخ، فجاءَ علي بن الجَهم، فقال: قد أمر لكم أمير المؤمنين بعشرة آلافٍ مكانَ التي فرقها، وأمر أن لا يُعلم بذلك فَيغتمّ، ثم جاءَه أحمد بن مُعاوية، فقال: إن أمير المؤمنين يُكثر ذكرك، ويَشتهي قُربك، وتُقيم هاهنا تُحدِّث. فقال: أنا ضَعيف، ثم وضع أصبعه على بَعض أسنانه، فقال: إن بَعض أسناني يَتحرك، وما أخبرت بذلك ولدى، ثم وجَّه إليه: ما تَقول في بَهيمتين انتَطحتا فعقَرت أحداهما الأخرى، فسقطت فذُبحت؟ فقال: إن كانَ طرف بَعينه، ومَصع بذَنبه، وسال دمه؛ يؤكل.
ثم صار إليه يحيى بن خاقان، فقال: يا أبا عبد الله، قد أمرني أمير المؤمنين أن أصير إليك لتركبَ إلى أبي عبد الله وَلده، وأمرني أن أقطع لكَ سواداً
стр. 492
وطَيلساناً وقَلَنْسوةً، فأي قَلَنسوةٍ تَلبس؟ فقلت: ما رأيته لبس قَلَنسوة قط، وقال: إن أمير المؤمنين قد أمر أن يصير لكَ مَرتبة في أعلى المراتب، ويصير أبوعبد الله في حجرك، ثم قال لي: قد أمر أمير المؤمنين أن يُجري عليكم وعلى قراباته أربعة آلاف درهم، ثم عادَ يحيى من الغد، فقال: يا أبا عبد الله تركب؟ قال: ذاك إليك، فقال: استَخر الله ، فلبس إزاره وخُفية، وقد كان خُفّه قد أتى عليه نحو من خَمس عشرة سنة مَرقوعاً برقاع عِدّة، فأشار يحيى إلى أن يَلبس قَلنسوة. فقلت مالَه قَلنسُوة، ولا رأيته يَلبس قَلنسوة، فقال: كيفَ يدخل حاسراً! وطلبنا له دابة يركبها، فقال يحيى: مُصَلِّي، فجلس على التراب، وقال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ ثم ركب بَغل بعض التجار. فمضينا معه حتى إذا دخل دار أبي عبدالله أجلس في بيتٍ في الدّهليز، ثم جاءَ يحيى فأخذ بيده حتى أدخله ورُفع لنا الستر ونحن نَنظره، فَقعد، فقال له: يا أبا عبد الله في حجرك، قال صالح: فأخبرني بعض الخدم، أن المتوكل كان قاعِداً وراءَ سِتْر، فلما دخل أبي الدارَ، قال لأمه: يا أماه، قد أنارت الدار، ثم جاءَ خادم بمنديل، فأخذ يحيى المنديل، وأخرج مُبطَّنة فيها قميص، فأدخل يَده في جيب القَميص والمُبَطنة، ثم أخذ بيده فأقامه حتى أدخل جيبَ
стр. 493
القميص والمبطنة في رَأسه، ثم أدخل يده فأخرج يده اليمنى، وكذلك اليسرى، وهو لا يُحرك يَده. ثم أخذ قلنسوة فوضعها على رأسه، وألبسه طيلساناً، ولم يَجيئوا بخُف فبقي الخف عليه، ثم انصرف فلما صار إلى الدار نَزع الثياب عنه، ثم جعل يبكي، ثم قال: سَلمتُ من هؤلاءِ منذ ستين سَنة، حتى إذا كان في آخر عُمري بُليت بهم! ما أحسبني سلمتُ من دخولي على هذا الغلام، فكيف بمن يجب عليَّ نصحُه من وقت أن تَقع عيني عليه إلى أن أخرج من عنده؟ ثم قال: يا صالح، وجّه هذه الثياب إلى بغداد تُباع ويُتصدق بثمنها، ولا يشتري منكم أحد شيئاً، فوجهت بها فبيعت وفرق ثمنها.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أنبأنا ابن البُسْري، عن أبي عبد الله ابن بَطَّة، قال: أخبرنا الآجُرّي، قال: أخبرنا أبو نصر بن كُردي، قال: حدثنا المُّروذي، قال: سمعتُ زُهير بن محمد، يقول: أنا أول من تَلقى أبا عبد الله قبل أن يَخرج من الحَرّاقة، قال: فخرج وعليه الكساء الذي خُلع عليه، قال: فسقط فَجعل يجره وما سَوّاه عليه.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن يوسف، قال: أخبرنا أبو إسحاق البَرْمَكي، قال: أخبرنا ابن مَرْدَك، قال: حدثنا ابن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد، قال: ثم أخبرناه أن الدار التي هو فيها لإيتاخ. فقال: اكتب رُقعةً إلى محمد بن الجَراح، استعِف لي من هذه الدار، فكتبنا
стр. 494
رُقعة، فأمر المتوكل أن يُعفى منها، ووجه إلى قوم يخرجوا عن منازلهم، فسأل أن يعُفي من ذلك، فاكتُرَيت لنا دارٌ بمئتي درهم فصار إليها، وأجري لنا مائدةٌ وثَلجٌ، وضُرب الخَيش وفُرِش الطَّبري، واشتكت عينه ثم بَرئت، فقال لي: ألا تعجب؟ كانت عيني تشتكي فتمكث حيناً حتى تبرأ، ثم قد بَرئت في سُرعة.
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي الفضل، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الصرّام، قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق الغَسِيلي، قال: حدثني أبو بَكر المرُّوذي، قال: قال لي أحمد بن حنبل ونحن بالعَسكر: لي اليوم ثمان منذ لم آكل شيئاً، ولم أشرب إلا أقلّ من ربع سَويق. وكان يمكث ثلاثاً لا يطعم، فإذا كانت ليلة الرابعة أضعُ بين يَديه قدر نِصف ربع سَويق، فربما شربه، وربما ترك بَعضه، وكان إذا ورد عليه أمر يَغمّه لم يَطعم ولم يُفطر إلا على شَربِةِ ماء.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن يوسف، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر قال: أخبرنا ابن مَرْدَك، قال: حدثنا ابن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد، قال: جَعل أبي يُواصل في العسكر يُفطر في كل
стр. 495
ثلاث على تمرٍ شُهريز، فمكث بذلك خمسةَ عشر يوماً، يُفطر في كل ثلاث، ثم جعل بعد ذلك يُفطر ليلةً وليلة، لا يفطر إلا على رغيفٍ وكان إذا جيءَ بالمائدة تُوضع في الدهليز لكي لايراها، فيأكل مَن حَضر، وكان إذا أجهده الحرّ تُلقى له خِرقة فيضعها على صَدره، وفي كل يوم يوجه المتوكل بابن ماسَويه ينظر غليه ويقول: يا أبا عبد الله، أنا أميلُ إليك وإلى أصحابك، وما بكمن علة إلا الضَّعف وقلة الرِّزّ، وإن عبادنا ربما أمرناهم بأكل دُهن الخَلِّ فنه يلين، وجعل يَجيئه بالشيءِ ليشربه فيصبه، وجَعل يعقوب وعَتّاب يصيران إليه، فيقولان له: يقول ل أمير المؤمنين: ما تقول في ابن أبي دُؤاد، وفي ماله؟ فلا يُجيب في ذلك شيئاً، وجعلا يُخبرانه بما يحدث من أمر ابن أبي دؤاد في كل يوم، ثم أحدر ابنُ أبي دؤاد إلى بَغداد بعد ما أشهد عليه ببيع ضِيَاعه، وكان ربما صار إليه يَحيى وهو يُصلي، فيجلس في الدّهليز حتى يَفرغ، ويجيء علي بن الجَهم، فينزع سيفه وقلنسوته ويدخل عليه.
وأمر المتوكل أن يُشترى لنا دار، فقال لي: يا صالح، قلت: لبيك، قال: لئن قررتَ لهم بشراءِ دار لتكونَنَّ القطيعةُ بيني وبينك، إنما يريدون أن يُصيّروا هذا البلدَ لي مأوى ومسكناً، فلم يزل يدفع شراء الدار حتى اندفع، وصار إليَّ صاحب النُّزل، فقال: أعطيك كل شهر ثلاثة آلاف درهم مكان المائدة؟ قلت: لا. وجَعلت رسُل المتوكل تأتيه يسألونه عن خبره، فيصيرون إليه،
стр. 496
فيقولون له: هو ضعيف، وفي خلال ذلك يقولون: يا أبا عبد الله، لابدّ له من أن يراك فيسكت، فإذا خرجوا، قال: أما تعجب من قولهم: لابدّ أن يراك، وما علمهم من أنه لابد أن راني؟ وجاءَ يعقوب، فقال: يا أبا عبد الله، أميرُ المؤمنين مُشتاق إليك، ويقول: انظر اليوم الذي تَصير إليه فيه أي يوم هو حتى أعرفه؟ فقال: ذاكَ إليكم، فقال: يوم الأربعاء يوم خالٍ، ثم خرج يعقوب، فلما كان من الغد جاء فقال: البشرى يا أبا عبدالله، أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام، ويقول لك: قد أعفيتُك عن لبس السَّواد والركوب إلى وُلاة العهد وإلى الدار، فإن شئتَ فالبس القُطن، وإن شئتَ فالبس الصوف، فجعل يَحمد الله على ذلك. ثم قال له يعقوب: إن لي ابناً وأنا به مُعْجَب، وله من قَلبي موقع، فأحب أن تُحدّثه بأحاديثَ، فسكت، فلما خَرج، قال: أتُراه ما يرى ما أنا فيه؟!
أخبرنا ابن ناصر، قال: أنبأنا أبو القاسم بن البُسْري، عن أبي عبد الله بن بَطة، قال: أخبرنا الآجرِّي، قال: أخبرنا أبو نَصر بن كردي، قال: حدثنا المرُّوذي، قال: سمعتُ يعقوب- رسول الخَليفة - يقول لأبي عبد الله يَجيئك ابني بَين المغرب والعشاءِ، فتحدثه بحديث واحد أو حديثين؟ فقال: لا، لا يجيء، فلما خرج سمعته يقول: ترى لو بلغ أنفه طرف السماءِ حدثته؟ أنا أحدث حتى يوضع الحبل في عنقي؟!
стр. 497
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا البَرْمَكي، قال: حدثنا ابن مَرْدَك، قال: حدثنا ابن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد، قال: كانَ أبي يَختم من جُمعة إلى جُمعة، فإذا خَتم يدعو ونؤمّن، فلما فرغ جعل يقول: أستخيرُ الله . مِراراً، فجعلتُ أقول: ما تريد؟ فقال: أعطي الله عهداً إنّ عهده كان مسؤولاً وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، أني لا أحدّث حديثاً تامًّا أبداً حتى ألقى الله ، ولا أستثني منكم أحداً، وجاءَ علي بن الجهم، فقلنا له، فقال: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ وأخبر المتوكل بذلك. وقال أبي: يُريدون أن أحدّث فيكون هذا البلد حَبْسي، وإنما كان سبب الذين أقاموا بهذا البلد أنهم أعطوا فَقبلوا، وأمروا فحدَّثوا. وكان يدخل عليه يَحيى ويعقوب وعَتّاب وغيرهم فيتكلمون وهو مغمض العَين يتعلل، وضعَف ضعفاً شديداً، فكانوا يُخبرون المتوكل بضعَفه فيتوجع لذلك، ويوجِّه غليه في كل وقت يسأله عن حاله، وكان في خلال ذلك يأمر لنا بالمال، فيقول: يُوصَل غليهم ولا يُعلم شَيخهم. ويقول: ما يُريد منهم؟ إن كان هو لا يريد الدُّنيا فلِمَ يمنعهم؟
وقالوا المتوكل: إنه لا يأكُل من طَعامك، ولا يجلس على فِراشك، ويُحرم هذا الشراب الذي تَشرب. فقال: لو نُشِر المعتصم، وقال لي فيه شيئاً لم أقبله.
قرأتُ على أبي الفَضل بن أبي منصور، عن أبي القاسم بن البُسْري، عن
стр. 498
أبي عَبد الله بن بَطة، قال: أخبرنا أبو بكر الآجُرّي، قال: حدثنا محمد بن كُردين قال: حدثنا أبو بكر المرُّوذي، قال: سمعتُ أبا عبد الله يقول: أنا مُنذ كذا وكذا أستخيرُ الله في أن أحلِفَ أن لا أحدّث، وقال: قد تركنا الحديث وليسَ يتركونا.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا ابن يوسف، قال: أخبرنا البَرْمَكي، قال: حدثنا ابن مَرْدَك، قال: حدثنا ابن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح قال: ثم انحدرتُ إلى بغداد وخلَّفت عبد الله عنده، فإذا عبد الله قد قَدم، وجاءَ بثيابي التي كانت عنده. فقلت: ما حالك فقال: قال لي: انحدر وقل لصالح لا يخرج، فأنتم كُنتم آفتي، والله لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ، ما أخرجتُ واحداً منكم معي، ولولا مكانكم لم كانت تُوضع هذه المائدة؟ ولمن كان يُفرش هذا الفرش، ويُجري هذا الشيء فكتبتُ أعلمه بما قال عبد الله، فكتب بخَطه: بسم الله الرحمن الرحيم، أحسن الله عاقبتك، ودفع عنك كل مَكروه ومحذور، الذي حَملني على الكتابة إليك، والذي قلتُ لعبد الله: لا يأتيني منكم أحد، رجاء أن ينقطع ذكري ويَخْمُد، فإنكم إذا كُنتم هاهنا فَشا ذكري، وكان يجتمع الناس إليكَ، قوم ينقلون أخبارنا، ولم يكن إلا خير، واعلم يا بني، أنك إن أقمتَ فلم تأتني أنتَ ولا أخوك فهو رضائي، فلا تَجعل في نَفسك إلا خيراً، والسلامُ عليك ورحمة الله وبركاته.
قال أبو الفضل: ثم وَرد كتابٌ آخر بطه إليّ يذكر فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، أحسنَ الله عاقبتك، ودفع عنك السّوء برحمته، كتابي إليك، وأنا
стр. 499
بأنعُم من الله مُتظاهرة، أسأله تمامها والعون على أداءِ شُكرها، قد انفكَّت عنا عقد، إنما كان حبس من كان هاهنا لما أعطوا فَقبلوا، وأُجري عليهم فصاروا في الحَدّ الذي صاروا إليه، وحدَّثوا ودخلوا عليهم. فنسأل الله أن يُعيذنا من شَرّهم وأن يُخلّصنا، فقد كان ينبغي لكم لو فديتموني بأموالكم وأهاليكم لهان ذلك عليكم للذي أنا فيه، ولايكبر عليكم ما أكتب به إليكم، فالزموا بُيوتكم لعل الله أن يُخلّصنا، والسلام عليكم ورَحمة الله.
ثم ورد عليّ غير كتاب بخطه بنحو من هذا. فلما خرجنا رُفِعَت المائدة والفُرش، وكلُّ ما كان أقيم لنا، وأوصى وصِيّة: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به أحمد بن محمد بن حنبل؛ أوصى أنه يَشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحقِّ ليُظهره على الدين كله ولو كَره المشركون، وأوصى من أطاعه من أهله وقَرابته أن يعبدوا الله في العابدين، وأن يَحمدوه في الحامدين، وأن ينصحوا لجماعة المسلمين، وأوصى أني رضيتُ بالله ربًّا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبيًّا، وأوصي أن لعبد الله بن محمد المعروف بفُوران عليَّ نحواً من خمسين ديناراً، وهو مصدَّق فيما قال، فيُقْضَى مالَه عليَّ من غلة الدار إن شاءَ الله، فإذا استوفى أعطى ولدُ صالحٍ [وعبد الله ابني أحمد بن محمد بن حنبل] كلّ ذكر وأنثى عشرة
стр. 500
دراهم، عشرة دراهم، بعد وفاء مال أبي محمد. شَهد أبو يوسف وصالح وعبد الله ابنا أحمد بن محمد بن حنبل.
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا محمد بن المنتصر الباهِلي، قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي الفضل، قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق الأنصاري، قال: حدثني أبو بكر المرُّوذي، قال: أنبَهني أبو عبد الله ذات ليلة، وقد كان واصَلَ، فإذا هو قاعد، فقال: هو ذا يُدَارُ بي من الجوع، فأطعِمْني شيئاً، فجئته بأقلَّ من رَغيف، فأكل، ثم قال: لولا أني أخاف العون على نفسي ما أكلتُ، وكان يقوم من فراشه إلى الخروج، فيقعد يَستريح من الضعف من الجوع، حتى إن كنت لأبلُّ له الخِرقة فيلقيها على وجهه ترجع إليه نَفسه، حتى أوصى وأشهدَ على وصيته من الضعف من غير مرض. فسمعته يقول عند وصيته ونحن بالعَسكر: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به أحمدُ بن محمد؛ أوصى: أنه يَشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شَريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كله، ولوكَره المشركون، وأوصَى من أطاعه من أهلهِ وقرابته أن يحمدوا الله في الحامِدين وأن يَنصحوا لجماعة المسلمين، وأوصى: إني رَضيتُ بالله ربًّا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبيًّا، وأوصى أن عليه خمسينَ ديناراً تُؤدّى من الغَلة حتى تُستَوفي.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حَمْد بن
стр. 501
أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبي، والحسين بن محمد، قالا: حدثنا أحمد بن محمد بن عُمر، قال: سمعتُ عبد الله بن أحمد ابن حَنبل يقول: مكث أبي بالعَسكر عند الخليفة ستة عشر يوماً، ما ذاق شيئاً إلا مقدار رُبع سَويق، في كل ليلة يشرب شَربة ماء، وفي كل ثلاث ليال يستفُّ حَفنةً من السَّويق، فرجع إلى البيت ولم تَرجع إليه نفسه إلا بعد ستة أشهر، ورأيتُ ماقضيّه قد دخلا في حَدَقتيه.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر قال: حدثنا أحمد بن محمد الخلال، أخبرني محمد بن الحسين، أن أبا بكر المرُّوذي حدثهم، قال: كان أبو عبد الله بالعَسكر، يقول: انظر هل تَجدي ماء الباقلاء؟ فكنت ربما بللتُ خُبزه بالماء فيأكله بالملح، ومنذ دخلنا العسكر إلى أن خرجنا ما ذاق طَبيخاً ولا دَسماً.
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن علي الخَياط، قال: أخبرنا ابن أبي الفوارس، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن محمد بن سَلْم، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الخالق، قال: حدثنا أبو بكر المرُّوذي، قال: قال أبو عبدالله أحمد بن حنبل: إني لأتمنى الموتَ صباحاً ومساءً أخاف أن أُفتنَ بالدنيا، لقد تفكرتُ البارحة، فقلت: هذه مِحنتان، امتحنتُ بالدين، وهذه محنة بالدنيا. وقال لي ونحن بالعسكر: ألا تَعجب! كان قُوتي فيما مَضى أرغفة؛ وقد ذهبت عني
стр. 502
شَهوة الطعام فما أشتهيه، قد كنت في السجن آكل وذلك عندي زيادة في إيماني وهذا نُقصان، وقال لنا يوماً ونحن بالعسكر: لي اليومَ ثمان لم آكل شيئاً ولم أشرب إلا أقل من ربع سَويق. وكان يمكث ثَلاثاً لايطعم، وأنا معه، فإذا كان الليلة الرابعة أضعُ بين يديه قَدر نصفِ رُبعِ سَويق، فربما شَربه وربما تَرك بعضه، فمكث نحواً من خَمسة عشر يوماً، أو أربعة عشر يوماً لم يطعم إلا أقل من ربُعين سَويقاً، وكان إذا ورد عليه أمر يَغمه لم يَطعم ولم يفطر، وواصل لا شربة ماء، وكُلّم في أمره وفي الحمل على نفسه، فقيل له: لو أمرت بقِدر تُطبخ لك لترجع إليك نفسك؟ فقال: الطبيخُ طعام المطمئنين، مَكث أبو ر ثلاثين يوماً مالهُ طعام إلا ماء زَمزم؛ وهذا إبراهيم التَّيمي كان يَمكث في السِّجن كذا وكذا لا يأكل، وهذا ابنُ الزُّبيرا، يمكث سَبعاً.
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرني عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر، قال: حدثنا علي بن عَبد العزيز، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد: أن المتوكل كان قد اكترى لهم داراً قال: فسأل أبي أن يُحَوَّل من الدار التي اكتُريت له، فاكترى هو داراً وتحوَّل
стр. 503
إليها، فسأل عنه المتوكل فقيل له: إنه عَليل. فقال: كنتُ أحب أن يكون في قُربى وقد أذِنت له، يا عُبيد الله، احمل إليه ألف دينار يَقسمها، وقل لسعيد يُهييء له حَرّاقة يَنحدر فيها. فجاءَه عليّ بن الجَهم في جوف الليل، ثم جاءَ عُبيدالله ومعه ألف دينار. فقال: إن أمير المؤمنين قد أذن لكَ، وقد أمر بهذه الألف دينار. فقال: قد أعفاني أمير المؤمنين مما أكره فردّها، وقال: أنا رقيقٌ على البَرد؛ والبَرُّ أرفق بي فكُتب له جواز، وكتب إلى محمد بن عبد الله في برّه وتَعاهده؛ فقدم علينا بين الظهر والعَصر.
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا أبو يعقوب، قال: اخبرنا أحمد بن حَسْنُويَه، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن السامي، قال: سمعتُ سُليمان بن الأشعث يقول: كتبَ المتوكل على خَليفته أن يحمل أحمد إليه؛ فحُمل إليه، فلما قدم أحمد أمر أن يُفرغ له قصر ويُبسط له فيه، ويُجرى على مائدته كل يوم كذا وكذا، وأراد أن يُسمع ولده الحديثَ فأبى أحمد ولم يجلس على بساطه، ولم يَنظر إلى مائدته وكان صائماً، فإذا كان عند الإفطار أمرَ رفيقه الذي معه أن يَشتري له ماءَ الباقلاء فيُفطر عليه، فبقي أياماً على هذه الحال، وكان علي بن الجَهم من أهل السنّة حسنَ الرأي في أحمد، فكلّم أميرَ المؤمنين فيه، وقال: هذا رجلٌ زاهدٌ لا يُنتفع به؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذنَ له. ففعل، ورَجع أحمد إلى مَنزله.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أنبأنا علي بن البُسْري، عن أبي عبد الله
стр. 504
ابن بَطَّة، قال: حدثني أبو بكر الآجُرِّي، قال: حدثنا أبو نَصر بن كُردي، قال: حدثنا أبو بكر المرُّوذي، قال: سمعتُ إسحاق بن حنبل ونحن بالعسكر يُناشد أبا عبد الله ويسأله الدخول على الخَليفة ليأمره ويَنهاه. وقال: إنه يَقبل منك، هذا إسحاق بن رَاهويه يدخل على ابن طاهر فيأمره وَينهاه، فقال أبو عبد الله: تَحتجُّ عليّ بإسحاق! فانا غير راضٍ بفعله، ما له في رُؤيتي خير، ولا لي في رُؤيته خير؛ يجب عليّ إذا رايتُه أن آمره وأنهاه، الدُنُو منهم فِتنة، والجُلوس معهم فتنة، ونَحن متباعدون منهم ما أرانا نَسْلَم، فكيف لو قربنا منهم؟ قال المرُّوذي: وسمعتُ إسماعيل ابن أخت ابن المبارك يُناظر أبا عبد الله ويُكلمه في الدخول على الخَليفة، فقال له أبو عبدالله: قد قال خالَكَ يعني ابن المبارك- لا تأتهم فإن أتينَهم فاصدُقهم، وأنا أخاف أن لا أصدُقهم. وسمعت أبا عبد الله، يقول: لو دخلتُ عليه ما ابتدأته إلا بأبناءِ المهاجرين والأنصار. وفي رواية أن عم أحمد قال له: لو دخلتَ على الخليفة فإنك تَكْرُم عليه، فقال: إنما غَمّي من كَرامتي عليه.
وبلغني عن أبي الحُسين بن المُنادي، أنه قال: امتنع أحمد من الحديث قبل أن يموت بثمان سنين أقل أو أكثر، وذلك أن المتوكل وجَه إليه فيما بَلغنا يقرأ ﵇، ويسأله أن يجع المعتز ي حجره ويُعلمه العِلم، فقال للرسول: اقرأ على أمير المؤمنين السلام، وأعلمه أن عليَّ يميناً مُقفلة أني لا أتم حَديثاً حتى أموت. وقد كان أمير المؤمنين أعفاني مما أكره. فقامَ الرسول من عنده.
стр. 505
سياق ما جَرى بينه وبَين المتوكل بعد عَوده من العَسْكر
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكي، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا أبو محمد بن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد، قال: كان يأتيه رسول المتوكل يُبلغه السلام، ويسأله عن حاله فَنُسرُّ نحن بذلك، وتَأخذه نَفضةٌ حتى نُدثِّره، ثم يقول: والله لو أن نَفسي في يدي لأرسلتها، ويَضم أصابعه ثم يَفتحها.
وقَدم المتوكل فنزل الشمّاسية يُريد المدائِن، فقال: يا صالحَ، أحب أن لا تذهب إليهم ولا تُنبههم. قلت: نعم. فلما أن بعد يوم وأنا قاعد خارجاً، وكان يوماً مطيراً، إذا يَحيى بن خاقان قد جاء والمطر عليه في مَوكب عظيم، فقال سُبحان الله! لم تَصر إلينا حتى تُبلغ أمير المؤمنين [السلام] عن شيخك حتى وجَّه بي. ثم نزل خارج الزقاق، فجهدت به أن يدخل على الدابة فلم يَفعل، فجعل يَخوض الطين. فلما صار إلى الباب نَزع جُرموقاً كان على خُفه، ودَخل البيت، وأبي في الزاوية قاعد عليه كِساء مُرقعٌ وعِمامة، والسِّتر الذي على باب البيت قِطعة خَيش، فسلّم عليه وقبَّل جبهته وسأله عن
стр. 506
حاله، وقال: أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام، ويقول: كيفَ أنت في نفسك؟ وكيف حالك قد أنستُ بقربك، ويَسألك أن تدعو الله له. فقال: ما يأتي عليَّ يوم إلا وأنا أدعو الله له. ثم قال له: قد وَجَّه معي ألف دينار تُفرقها على أهل الحاجة، فقال: يا أبا زكريا، أنا في البيت مُنقطع عن الناس، وقد أعفاني مما أكره وهذا مما أكره، فقال: يا أبا عبد الله الخُلفاء لا يَحتملون هذا كله. فقال: يا أبا زكريا، تلطَّف في ذلك، فدعا له ثم قام، فلما صار إلى الدار رَجع، وقال: هكذا لو وجه إليك بعض إخوان كنتَ تفعل؟ قال: نعم. قال صالح: فلما صرنا إلى الدّهليز، قال: قَد أمرني أمير المؤمنين أن أدفعها إليكَ تفرقها في أهل بيتكم. فقلت: تكونُ عندك حتى تَمضي هذه الأيام. وقلَّ يومٌ يمضي إلا رسول المتوكل يأتيه.
قال ابن أبي حاتم وأخبرنا عبد الله بن أحمد فيما كتب إليّ، قال: سمعتُ أبي يقول: لقد تمنيتُ الموتَ وهذا أمر أشدّ علي من ذلك، ذاك فِتنة الدين، الضَّرب والحَبس كنتُ أحتمله في نفسي، وهذه فتنة الدنيا. أو كما قال.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: حدثنا أبو نُعَيْم الحافظ، قال حدثنا أبي، قال: حدثنا أحمد ابن محمد بن عمر، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: سمعتُ أبي يقول: هذا أمر أشد عليَّ من ذلك ذاك فتنة الدين، الضرب والحبس كنتُ احتمله في نفسي، وهذا فِتنة الدنيا.
стр. 507
أخبرنا ابن ناصر، قال: أنبانا ابن البُسْري، عن أبي عبد الله بن بَطَّة قال: حدثنا الآجُرِّي، قال: حدثنا أبو نَصر بن كُردي، قال: حدثنا المرُّوذي، قال: قال لي أبو عبد الله: قد جاءَ يحيى بن خاقان ومعه شَوى، فجعل يقلله أبو عبد الله. قلت له: قالوا: إنها ألف دينار، قال: هكذا. قال: فَرددتُها عليه فبلغ الباب ثم رجع، فقال: إن جاءَك أحدٌ من أصحابك بشيءٍ تقبله؟ قلت: لا. قال: إنما أُريد أن أخبر الخَليفة بهذا. قلت لأبي عبد الله: أي شيءٍ كان عليكَ لو أخذتها فقَسمتَها؟ فكلَح وجهه، وقال: إذا أنا قسمتها أي شيءٍ كنتُ أريد؟ أكون له قَهْرَماناً؟!
أخبرنا المحمدان: ابن ناصر، وابن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نُعَيْم أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا سليمان ابن أحمد، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد. قال أبو نعيم: وحدثنا محمد وعلي والحُسين، قالوا: حَدثنا مُحمد بن إسماعيل، قال: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل، قال: كَتب عُبيد الله بن يحيى إلى أبي يُخبره: إن أمير المؤمنين أمرني أن أكتب إليك أسألك عن أمر القرآن، لا مسألة امتحان، ولكن مسألة معرفة وبَصيرة. فأملي عليَّ أبي إلى عُبيد الله بن يحيى: بسم الله الرحمن الرحيم، أحسنَ الله عاقبت يا أبا الحسن في الأمور كُلها، ودَفع عنكَ مَكارِه الدنيا
стр. 508
والآخرة برحمته، قد كتبتُ إليكَ - رضي الله عنك- بالذي سأل عنه أمير المؤمنين بما حضرني، وإني أسأل الله أن يُديم توفيق أمير المؤمنين، فَقد كان الناس في خَوضٍ من الباطل واختلاف شَديد يَغتمِسون فيه، حتى أفضَت الخلافة إلى أمير المؤمنين، فنفى الله بأمير المؤمنين كُلّ بِدعة وانجلى عن الناس ما كانوا فيه من الذلّ وضيق المحابِس، فصرف الله ل كله وذهب به بأمر المؤمنين، وقع ذلك من المسلمين موقعاً عظيماً، ودعوا الله لأمير المؤمنين، فأسأل الله أن يَستجيب في أمير المؤمنين صالحَ الدعاءِ، وأن يتمّ ذلك لأمير المؤمنين، وأن يزيد في نيته، ويُعينه على ما هو فيه، فقد ذُكر عن ابن عباس أنه قال: لا تَضرِبوا كتابَ الله بعضَه ببعضٍ، فإن ذلك يُوقع الشكَّ في قلوبكم. وذُكر عن عَبد الله بن عمرو، أن نفراً كانوا جُلوساً بباب النبي ﷺ ، فقال بعضهم: ألم يَقل الله كذا؟ وقال بعضهم: ألم يَقل الله كذا؟ فسمع رسولُ الله ﷺ فَخرج كأنما فقئ في وجهه حبُّ الرمان، فقال: "أبهذا أمِرتُم، أن تَضربوا كتابَ الله بعضَه ببعضٍ، إنما ضَلَّت الأمَم قَبلَكُم في مِثل هذا، إنكم لَستُم مما هاهُنا في شَيءٍ انظُروا الذي أُمِرتم بهِ فاعملوا به، وانظُروا الذي نُهيتُم عَنه فانتَهوا عَنه". وذكر أحاديث ثم قال: وقد قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾. وقال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾. فأخبر
стр. 509
أن الأمر غير الخلق - وذكر آيات - وقال: لستُ بصاحب كلام، ولا أرى الكلامَ في شيءٍ من هذا إلا ما كان في كتابِ الله، أو في حديث عن النبي ﷺ ، أو عن أصحابه، أو عن التابعين.
стр. 510
الباب الرابع والسَّبعُون
في ذكر ما جَرى له مع ابن طاهر
من طَلب استزِارَته وامتناعه عليه
أخبرنا عبد الله بن علي المقرئ، قال: أخبرنا عبد الملك بن أحمد السُّيوري، قال: أخبرنا عبد العزيز بن علي بن أحمد بن الفَضل، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز البَرْدَعي، قال: حدثنا أبو محمد بن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح ابن أحمد، قال: قَدم مُحمد بن عبد الله بن طاهر، فوجَّه إلى أبي: أحبُّ أن تَصير إليَّ، وتُعلمني اليوم الذي تَعزم عليه حتى لا يكون عندي أحد، فوجَّه إليه: أنا رجلٌ لم أخالط السلطان، وقد أعفاني أميرُ المؤمنين مما أكره؛ وها مما أكره، فجهد أن يصير إليه فأبى، فكتب إليَّ إسحاق بن راهويه: غني دخلتُ على طاهر بن عبد الله فقال: يا أبا يَعقوب، كتبَ إليَّ محمد أنه وجّه إلى أحمد ليَصير إليه فلم يأتِه، فقلتُ: أصلحَ الله الأمير، إنَّ أحمد قد حَلف أن لا يحدث، فلعله كَره أن يضير إليه فيَسأله أن يُحدثه، فقال: ما تقول؟ قال: فقلتُ: نعم. قال صالح: فأخبرتُ أبي بذلك فَسكت.
قلتُ: وإنما امتنع أحمد من زيارة ابن طاهر لأنه كان سُلطاناً، وألا فقد كان يَزور أهلَ الدين والعِلم.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال:
стр. 511
أخبرنا أبو القاسم عُبيد الله بن محمد بن الحسين بن الفَرّاء، قال: أخبرنا القاضي أبو محمد هُمام بن محمد بن الحَسن الأيْلي، قال: حدثنا أبو بَكر أحمد ابن علي بن الحُسين بن قسانية الخَطيب، قال: حدثنا أبو عبد اله الحُسين ابن بَكر الوَرّاق، قال: حدثنا أبو الطَّيب مُحمد بن جعفر، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حَنبل، قال: لما أطلق أبي من المِحنة خَشي أن يَجيءَ إليه إسحاقُ بن راهَويه، فرحل أبي غليه، فلما بَلغ الرَّيّ، دخل إلى مَسجد فجاءَه مَطر أفواه القِرَب، فلما كانت العَتمة، قالوا له: اخرج من المسجد فإنا نُريد أن نُغلقه، فقال لهم: هذا مَسجد الله وأنا عَبد الله. فقيل له: أيما أحبّ غليك أن تخرج أو تُجرَّ برجْلك؟ قال أحمد: فقلت: سَلاماً. فخرجتُ من المسجد والمطر والرَّعد والبرق، فلا أدري أين أضع رجلي ولا أينَ أتوجه، فإذا رجلٌ قد خَرج من دارهن فقال لي: يا هذا، أينَ تمرُّ في هذا الوقت؟ فقلت: لا أدري أينَ أمر؟ فقال لي: داخل. فأدخلني داراً ونزع ثيابي وأعطوني ثياباً جافة وتَطهرت للصلاة، فدخلتُ إلى بيت فيه كانون فَحم ولبّود ومائِدة منصوبة، فقيل لي: كُل. فأكلتُ معهم، فقال لي: من أينَ أنت؟ قلتُ: أنا من بغداد، فقال لي: تَعرفُ رجلاً يقال له: أحمد بن حنبل؟ فقلتُ: أنا أحمدُ بن حنبل، فقال لي: وأنا إسحاق بن رَاهويه.
стр. 512
الباب الخامس والسَّبعُون
في ذكر ما جرى له مع وَلديه وعَمه
حين قَبلوا صِلة السُّلطان
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد بن يوسف، قال: أخبرنا إبراهيم بن عُمر البَرْمَكي.
وأخبرنا عبد الله بن علي المقرئ، قال: أخبرنا عبد الملك بن أحمد السُّيُوري، قال: أخبرنا عبد العزيز بن أحمد بن الفَضل، قالا: أخبرنا علي ابن عبد العزيز، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد، قال: لما قَدم أبي من عند المتوكل مَكثَ قليلاً ثم قال: يا صالح، قلتُ: لَبَّيك، قال: أُحب أن تَدع هذا الرزق فلا تَأخذه ولا توكل فيه أحداً، قد علمتُ أنكم إنما تأخذون هذا بسببي، فإذا أنا متُّ فأنتم تعلمون. فسكتُّ، فقال: مالَك؟ فقلت: أكره أن أعطيك شَيئاً بلساني وأخالف إلى غَيره فأكون قد كذبتُكَ ونافَقتكَ، وليس في القَوم أكثر عِيالاً مني ولا أعذر، وقد كنتُ أشكو إليك، فتقول: أمرك مُنعقد بأمري، ولعل الله أن يحلّ عني هذه العُقدة، ثم قلتُ: وقد كنتَ تدعو لي وأرجو أن يكون الله قد استجابَ لك: فقال لا تفعل فقلت: لا. فقال: قُم فَعل الله بك وفَعل، ثم أمرَ بسدِّ الباب بَيني وبينه، فتلقّاني عبد الله وسألني فأخبرتُه، فقال: ما أقول؟ فقلت: ذاك إليك، فقال له مثل ما قال لي، لا أفعل، فكان منه نحو مما كان
стр. 513
منه إليَّ، ولقينا عمّه، فقال: لِمَ أردتُم أن تقولوا له؟ وما كان علمه إذا أخذتم شيئاً؟ فدخل عليه، فقال: يا أبا عبد الله، لستُ آخذ شيئاً من هذا، فقال: الحمدُ لله، فهجَرنا وسدَّ الأبواب بيننا، وتحامى منازلنا أن يدخل منها إلى منزله شيءٌ، وقد كان قديماً قبل أن نأخذ من السلطان يأكل عندنا، وربما وَجَّهنا بالشيءِ فيأكل منه، فلما مَضى نحو من شَهرين، كتب لنا بشيء فجيء به إلينا، فأول من جاء عَمه فأخذ، فأخبر فجاء إلى الباب الذي كانَ سدَّه بيني وبينه وقد فَتح الصبيان كُوة، فقال: ادعوا إليَّ صالحاً، فجاءَني الرسولُ، فقلت له: لستُ أجيء، فوجَّه إليّ: لم لا تجيء؟ فقلتُ له: هذا ارزق يَرتزقه جماعة كثيرة، وإنما أنا واحد منهم، وليس فيهم أعذر مني، فإذا كان توبيخٌ خُصِصْتُ به أنا، فمضى، فلما نادى عَمّه بالأذان خَرج، فلما خرج، قيل له: إنه قد خَرج إلى المسجد، فجئتُ حتى صرت في الموضع الذي أسمع له: إنه قد خَرج إلى المسجد، فجئت حتى صرت في الموضع الذي أسمع كلامه، فلما فَرغ من الصلاة التفتَ إلى عمه، ثم قال له: يا عدو الله، نافَقتني وكَذبتني وان غيُرك أعذر مِنك! زعمتَ أنك لا تأخذ من هذا شيئاً ثم أخذتَ، فأنت تستغل مئتي درهم، وعمدتَ إلى طريق المسلمين تَستغله، إنما أشفق أن تُطوق يوم القيامة بسَبع أرضين. ثم هَجره وتركَ الصلاةَ في المسجد، وخَرج إلى مسجدٍ آخر يُصلي فيه.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو بَكر بن مالك، قال: حدثنا أبو جَعفر بن ريح العُكْبَري، قال: طلبتُ أحمد بن حنبل
стр. 514
في سَنة ست وثَلاثين ومئتين لأسأله عن مسألة، فَسألتُ عنه فقالوا: إنّه خَرج يُصلي خارجاً، فجلستُ له على باب الدَّرب حتى جاء، فقمتُ فسلّمتُ عليه فردَّ عليَّ السلام، فدخل الزُّقاق وأنا أماشيهن فلما بلغنا آخر الدَّرب، إذا باب يُفرج، فَدفعه وصار خَلفه، وقال: اذهب عافاك الله، فالتفتُّ فإذا مَسجد على الباب وشَيخٌ مخضوب قائم يُصلي بالناس، فجلستُ حتى سَلَّم الإمام، فخرجَ رجلٌ، فقتل: هذا الشيخ مَن هو؟ قال: إسحاق عمّ أحمد ابن حنبل، قلتُ: فلما له لا يُصلي خَلفه؟ فقال: ليسَ يُكلِّم ذا ولا ابنيهِ لأنهم أخذوا جائِزة السلطان.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر، قال: أخبرنا علي بن مَرْدَك، قال: حدثنا أبو محمد بن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد، قال: بَلغ أبي في زمان هَجرهِ لنا أنه قد كتبَ لنا بشيءٍ [فبلغه]؛ فجاءَ إلى الكُوّة التي في الباب، فقال: يا صالح، انظر ما كان للحَسن وأم علي، فاذهب به إلى فُوران حتى يَتصدَّق به في الموضع الذي أخذ منه. فقلت له: ما علم فوران من أي موضع أخذ، فقال: افعل ما أقول لكَ، فوجَّهت ما كان أضيف إليهما إلى فوران، وكان إذا بلغه أنا قد قَبلنا طَوى تلكَ اللَّيلة فلم يُفطر، ثم مَكث شهراً لا أدخل عليه، ثم فَتح الصبيان الباب، ودخلوا غير أنه لا يُدخل إليه شيء من مَنزلي. ثم وجَّهت
стр. 515
إليه: يا أبَة، قد طالَ هذا الأمر، وقد اشتقتُ إليك فدخلتُ عليه، فستَ، فأكببتُ عليه وقلتُ: يا أبَة، تُدخل على نفسك هذا الغَمّ؟ قال: يا بُني، مالا أملكه. ثم مكثنا مدة لم نَأخذ شيئاً، ثم كُتب لنا بشيءٍ فَقبضناه، فلما بَلغه هَجرنا أشهراً، فكلَّمه فُوران، ووجَّه إليَّ فوران فدخلت، فقال له: يا أبا عبد الله، صالح وحُبّكَ له، فقال: يا أبا محمد، لقد كان أعز الخَلق عليَّ، وأيّ شيءٍ أردته له إلا ما أردتُه لنفسي؟ فقلت له: يا أبَه، ومن رأيتَ أنت ممن قويتَ قويَ على ما قويتَ عليه أنت؟ قال: وتحتجُّ عليَّ؟ ثم كتبَ إلى يَحيى بن خاقان يَسأله ويعزم عليه أن لا يُعيننا على شيءٍ من أرزاقنا ولا يتكلّم فيها، فلم وصل رسوله بالكتاب إلى يحيى، أخذه صاحب الخبر، فأخذ نُسخته ووصلت إلى المتوكل. فقال لعُبيد الله: كم من شَهر لولد أحمد بن حنبل فقال: عَشرة أشهر. فقال: تحمل إليهم الساعة أربعينَ ألف درهم من بيتِ المال صِحاح ولا يُعلم بها، فقال يَحيى للقيّم: أنا أكتُب إلى صالح أُعلِمُهُ. فورد عليَّ كتابه، فوجهتُ إلى أبي أعلمته، فقال الذي أخبره: سكتَ قليلاً وضربَ بذقنه صَدره ثم رَفع رأسه، وقال: ما حيلتي إذا أردتُ أمراً، وأرادَ الله أمراً.
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا أبو يَعقوب الحافظ، قال: أخبرنا أبو علي بن أبي بكر المرْوَزي، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن الحَسن بن علي البخاري، قال:
стр. 516
سمعتُ محمد بن إبراهيم البُوشَنْجي، يقول: حُكى لنا عن المتوكل، أنه قال: إن أحمد ليَمنعنا من برِّ وَلده. وذلك أنه كانَ وجه إلى ولده وإلى وَلد ولده وإلى عمّه بمال عظيم، فأخذوه دونَ علم أحمد، فلما بلغه ذلك، أنكر عليهم وتقدّم إليهم بردِّه، وقال لهم: لِمَ تأخذوه والثُّغور مُعطَّلة غير مَشحونة، والفَيءُ غير مَقسوم بينَ أهله؟ فاعتلّوا بخروج ذلك المال من أيديهم في ديونهم وما كانَ عليهم، ثم وجَّه المتوكل مالاّ آخر، وقال: لِيُعْط ولده من غَير علم أحمد، فأخذوه، فبلغ ذلك أحمد فجمعهم وقال لهم: احتجَجتم في المال الأول بذهابه عَنكم وبديونكم، فردوه، فأنا شهدت وقد سد باباً كان بينه وبين صالح ابنه، وترك مسجده ومُؤذنه عمّه وإمامه ابن عمير، وداره لَزيقة المسجد، وهَجرهم من أجل ذلك المال، وأنا رَأيتُه يَخرج من زقاقه ومن دربه إلى الشارع، ويدخل درباً آخر فيه مَسجد يقال له: مسجد سِدرة، يُصلي فيه الجماعة، ثم لما شخص إلى العَسكر والمؤيَّد، وهم وُلاة العهود، فجعل يَتمارض، وإذا سُئل قال: لا أحفظ، وكُتبي عني غائبة، حتى أعفي، ووقَّع المتوكل في بعض ما وقَّع: أعفَينا أحمد مما يَكره. ولقد جاءَته تُحفة رُطَب من قِبل المتوكل مَختومة فما طَعم منها، وبَلغني أنه احتج في ذلك اليوم فقال: إنَّ أمير المؤمنين قد أعفاني مما أكره، فإذا جاءَه شيء، قال: هذا مما أكره، فَيُعفى، فكانَت هذه حاله.
أخبرنا هِبة الله بن أحمد الحَريري، قال: أنبأنا مُحمد بن علي بن الفَتح، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن الصَّباح الكوفي، قال: حدثنا جَعفر بن محمد ابن نُصير، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن مَسروق، قال: قال لي عبد الله بن
стр. 517
أحمد بن حنبل: دَخل عليَّ أبي ﵀ في مَرضي يَعودُني، فقلتُ: يا أبَة، عندنا شيء قد بَقى مما كان يَبرّنا به المتوكّل، أفأحجُّ منه؟ قال: نعم. قلتُ: فإذا كانَ هذا عندك هكذا فلم لم تأخُذ قال: يا بُني، ليسَ هو عندي بحَرام ولكني تَنزَّهتُ عَنه.
стр. 518
الباب السادس والسبعُون
في ذكر جماعة من كبار الذين أجابوا في المحنة
أجاب من كبار العلماءِ: علي بن الجَعد، وإسماعيل بن إبراهيم ابن عُلَيّة، وسَعيد بن سُليمان الواسطي المعروف بسَعدويه، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وأبو حَسان الزيادي، وبِشر بن الوليد، وعبيد الله بن عمر القَواريري، وعلي بن أبي مُقاتل، والفَضل بن غانم، والحسن بن حَمّاد سَجّادة، وإسماعيل بن أبي مسعود، ومُحمد بن سعد كاتب الواقدي، وأحمد بن إبراهيم الدَّورقي، وإسماعيل ابن داود الجَوْزي ويحيى بن مَعين، وعلي بن المدِيني، وأبو خَيثمة زُهير بن حَرب، وأبو نَصر التَّمار، وأبو كُريب في آخرين. وما صَعبت إجابة أحد من هؤلاءِ على أحمد بن حنبل، كما شقَّت إجابة أبي نَصر التمار، ويحيى بن معين، وأبي خَيثمة، لأنهم كانوا عِنده في أعلى مَرتبة، ما ظنَّ بهم الإسراع في الإجابة، فأما أبو نَصر التَّمار، فإنه كان من العباد، وسَمع الحديث من مالك والحَمّادين وخَلقٍ كثير، إلا أنه لم يَصبر على الامتحان فأجابَ، فكان أحمد لا يرى الكتابة عنه، ولما ماتَ لم يصلِّ عليه. وقد أخبرنا علي بن عبد الواحد، قال: أخبرنا
стр. 519
علي بن عمر القزويني، قال: قرأتُ على يوسف بن عمر، قلت له: حدثكم أبو الحسن علي بن محمد بن سعيد الموصلي؟ قال: حدثني محمد بن حرب، قال: سمعتُ عبد الصمد بن محمد بن مقاتل، يقول سمعت أبا حفص ابن أخت بشر بن الحارث، يقول قال لي بشر في اليوم الذي أحضر فيه أبو نصر التَّمار إلى دار إسحاق بن إبراهيم: تَعرَّف لي خبر أبي نَصر، قال: فقلت له إنَّه قد أجاب، فاسترجع مراراً، ثم قال: ما كانَ أحسن تلك اللِّحية لو كانت خُضِبت - يعني بالدَّم - ولم يُجب حتى يُقتل.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: حدثني عُبيد الله بن أبي الفَتح، قال: حدثنا عمر بن إبراهيم المقرئ، قال: سمعتُ أحمد بن علي الديباجي، يقول: سمعت عبيد الله بن شريك، يقول كان أبو مَعمر القَطيعي من شِدَّة إذلاَله بالسُّنّة، يقول: لو تكلَّمت بَغلتي، لقالت: إنها سُنّية، قال: فأخذ في المِحنة فأجاب، فلما خرج، قال: كفرنا وخَرجنا.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي، قال: قرأتُ على البرقاني، عن أبي إسحاق المُزَكّي، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق السرّاج، قال: سمعتُ ابن عَسكر، يقول: لما دُعي سَعدويه للمحنة رأيتُه حين خَرج من دار الأمير فقال: يا غُلام، قَدِّم الحمار، فإن مَولاك قد كَفر.
стр. 520
قلت: سَعدويه، هو سعيد بن سُليمان أبو عُثمان الواسطي، يُعرف بسَعدويه، وقد حدَّث عن الليث بن سَعد وغيره، وحجَّ ستين حجة.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي، قال: أخبرنا محمد بن عبد الواحد، قال: أخبرنا الوليد بن بَكر، قال: حدثنا علي بن أحمد ابن زكريا، قال: حدثنا صالح بن أحمد العِجْلي، قال: حدثني أبي، قال: قيل لسَعدويه بعد ما انصرف من المحنة: ما فَعلتم؟ قال: كَفرنا ورَجعنا.
стр. 521
الباب السّابع والسّبعُون
في ذكر كلامه فيمن أجابَ في المِحنة
أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا البَرْقاني، قال: أخبرنا يعقوب بن موسى الأرْدُبيلي، قال: حدثنا أحمد بن طاهر بن النَّجم، قال: حدثنا سَعيد بن عمرو البَرْدعي، قال: سمعتُ أبا زُرْعة - وهو الرازي -يقول: كان أحمد بن حنبل لا يَرى الكِتابة عن أبي نَصر التَّمار، ولا يَحيى بن مَعين، ولا أحد ممن امتُحِن فأجاب، قال البَرْقاني: وأخبرنا الحُسين بن علي التميمي، قال: حدثنا أبوعَوَانة يعقوب بن إسحاق الإسفراييني، قال: سمعتُ الميموني، يقول: صَحَّ عندي أنه لم يَحضر أبا نَصر التمار حين ماتَ - يعني أحمد بن حنبل- فحسبتُ أن ذلك لما كان أجابَ في المِحنة.
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: أخبرني محمد بن محمد بن محمود، قال: أخبرنا أحمد بن محمد الغُنْجاري، قال: أخبرنا محمد بن العباس العُصْمِي، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن ياسين، قال: أخبرنا أحمد بن محمود بن مُقاتل، قال: سمعت زكريا بن يحيى اسِّجْزي، يقول: سمعتُ حَجّاج بن الشاعر، يقول: سمعتُ أحمد بن حنبل،
стр. 522
يقول: لو حَدَّثت عن أحد ممن أجابَ لحدثتُ عن اثنين: أبي مَعْمَر وأبي كُرَيْب.
قلت: أبو مَعمر اسمه إسماعيل بن إبراهيم الهُذَلي أجاب كرهاً. ثم نَدم وأخذ يذمّ نفسه على إجابته، ويمدح من لم يُجب ويَغبِطهم، وأما أبو كريب فاسمه محمد بن العلاء، وكانوا قد أجروا له بعد أن أجاب دينارين، فعلم أنهم إنما أجروها لإجابته، فتركهما وهو مُحتاج إليهما.
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: أخبرني محمد بن المنتصر، قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي الفَضل، قال: حدثنا أبو إسحاق الأنصاري، قال: حدثنا صالح بن أحمد، قال: جاءَ الحِزامي إلى أبي - وقد كان ذهب إلى ابن أبي دُؤاد - فلما خرج إليه ورآه، أغلق الباب في وَجهه ودخل.
قلت: وكذلك فَعل بأبي خَيْثمة، فإنه جاءَ فَطرق عليه الباب، فلما خرج فرآه، أغلق الباب، ورجع مغضباً يتكلم هو ونفسه بكلمات سمعها أبو خَيثمة فلم يعد إليه، وعاد يَحيى بن مَعين في مرضه، فولاّه هره، وأمسكَ عن كلامه حتى قامَ عنه وهو يتأفف، ويقول: بعد الصُّحبة الطويلة لا أكَلَّم.
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أنبأنا أبو علي الحسن بن أحمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكي، قال: وجدتُ بخط أبي: أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن أحمد بن يعقوب الحربي، قال: سمعت أبا الفَرج الهندبائي، يقول: سمعتُ أبا بكر المرُّوذي، يقول: جاءَ يَحيى بن مَعِين، فدخل على أحمد ابن حنبل وهو مَريض، فسلّم فلم يرد ﵇، وكان أحمد قد حَلف بالعهد
стр. 523
لا يكلّم أحداً ممن أجاب حتى يلقى الله ، فما زال يَحيى يعتذر، ويقول: حديث عمّار، وقال الله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾، فقلب أحمد وجهه إلى الجانب الآخر، فقال يحيى: أُف، وقام وقال: لايقبل لنا عذراً، فخرجتُ بعده وهو جالس على الباب، فقال: أيّ شيءٍ قال أحمدُ بعدي؟ قلتُ: يحتجُّ بحديث عمار! وحديث عمار: "مَررتُ وهم يَسبّونَك فَنهَيتُهم فَضَربوني" وأنتم قيلَ لكم: نُريد أن نَضربكم. فسمعت يحيى يقول: مُر يا أحمد، غَفر الله لكَ، فما رأيِتُ والله تحت أديم سماءِ الله أفقه في دين الله مِنك.
стр. 524
فصل
فإن قال قائل: إذا ثبتَ أن القوم أجابوا مُكرهين فقد استعملوا الجائز، فلمَ هَجرهم أحمد؟ فالجوابُ من ثلاثة أوجه
أحدها: أنَّ القوم تُوعِّدوا ولم يُضربوا فأجابوا، والتواعد ليس بإكراه، وقد بان هذا بما ذكرناه من حديث يَحيى بن مَعِين.
والثاني: أنه هجرهم على وجه التأديب، ليعلم العوام تعظيم القول الذي أجابوا عليه، فيكون ذل حفظاً لهم من الزَّيغ.
والثالث: أن مُعظم القوم لما أجابوا قَبلوا الأموال وترددوا إلى القوم وتقربوا إليهم، فَفعلوا ما لا يجوز، فلهذا استحقوا الذمَّ والهجر.
أخبرنا محمدبن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا أبو بَكر أحمد بن محمد الخلاّل، قال: أخبرني محمد بن الحُسين، أن أبا بكر المرُّوذي حدثهم، قال: دخلنا العسكر إلى أن خرجنا ما ذاقَ أبو عبدالله طَبيخاً ولا دسماً، وقال: كم تَمتَّع أولئك - يعني ابن أبي شَيْبَة وابن المَدِيني وعَبد الأعلى - إني لأعجب من حِرصهم على الدنيا، فكيفَ يطوفون على أبوابهم؟
ومن أقبح ما نُقل عن ابن المديني، أنه روى لابن أبي دُؤاد حديثاً عن الوَليد ابن مسلم كان الوليد أخطأ في لفظةٍ منه، فذكره لهم على الخطأِ ليَقوى به احتجاجهم، فكان ذلك مما أنكره عليه أحمد.
стр. 525
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا أبو طالب عمر بن إبراهيم الفقيه، قال: أخبرنا عيسى بن حامد القاضي، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد الصَّيْدلاني، قال: حدثنا أبو بكر المرُّوذي، قال: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل، إن علي بن المَدِيني يُحدث عن الوَليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزُّهري، عن أنس عن عُمر: كِلُوه إلى خَالِقهِ. فقال أبو عبد الله: كذب. حدَّثنا الوليد بن مسلم ما هو هكذا، إنما هو: كِلُوهُ إلى عَالِمه. وقال أحمد: قد عَلم علي بن المديني أن الوليد أخطأَ فيه، فَلِمَ أراد أن يُحدثهم به يُعطيهم الخَطأَ؟ فكذَّبه أبو عبدالله.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القَزاز قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرني الحُسين بن علي الصَّيْمَري، قال: حدثنا محمد بن عمران المَرْزُبَاني، قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا الحُسين بن قَهْم، قال: حدثنا أبي، قال: قال ابنُ أبي دُؤاد للمعتصم: يا أمير المؤمنين، هذا يَزعم - يعني أحمد بن حنبل- أن الله تعالى يُرى في الآخرة، والعَين لا تَقع إلا على محدود. فقال ل المعتصم: ما عندك في هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، عندي ما قاله رسول الله ﷺ ، قال: وما قال ﵇؟ قال: حدثنا محمد
стр. 526
ابن جَعفر غُنْدَر، قال: حدثنا شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قَيس بن أبي حازم، عن جَرير بن عبد الله البَجَلي، قال: كُنا مع النبي ﷺ في ليلة أربع عشرة من الشهر؛ فنظر إلى البدر فقال: "أما إنّكُم سَتَرونَ ربّكُم ما تَرَونَ هذا البَدْرَ لا تُضامونَ في رُؤيتِه". فقال لأحمد بن أبي دؤاد: ما عندك في هذا؟ فقال: أنظُر في إسناد هذا الحديث. وكان هذا في أول يوم، ثم انصرف فوجه ابنُ أبي دؤاد إلى علي بن المديني وهو ببغداد مُملِقٌ لا يقدر على درهم، فأحضره فما كلَّمه بشيءٍ حتى وصله بعشرة آلاف درهم، وقال له: هذه وَصَلك بها أمير المؤمنين، وأمر أن يدفع إليه جميع ما استحق من أرزاقه، وكان له رزق سنتين، ثم قال له: يا أبا الحسن، حديث جَرير بن عبد الله في الرّؤية ما هو؟ قال: صَحيح، قال: فهل عندك فيه شيء؟ قال: يُعفيني القاضي من هذا، فقال: يا أبا الحسن، هو حاجة الدَّهر، ثم أمر له بثياب وطيب ومَركب بسَرجه ولِجامه، ولم يَزل حتى قال له: في هذا الإسناد من لا يُعتمد عليه، ولا على ما يَرويه، وهو قَيسُ بن أبي حازم، إنما كان أعرابيًّا، بَوّالاً على عَقبيه، فقام ابنُ أبي دُؤاد إلى علي بن المديني فاعتَنقه، فلما كان من الغد وحَضروا، قال ابنُ أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين، يَحتج في الرؤية بحديث جَرير، وإنما رواه عنه قيس ابن أبي حازم وهو أعرابي بَوّال على عَقبيه. قال: فقال أحمد بن حنبل: فعلمت أنه من عمل علي بن المديني.
стр. 527
قلت: وهذا إن صحَّ عن ابن المديني فهو أمر عظيم، لأنه إقدام منه على ما يعلم خلافه، فإن قَيس بن أبي حازم من كبار التابعين كلّهم من أدرك العشرة المقدمين وروى عنهم غيره، كذلك يقول أكثر أهل العلم، وقال أبوداود سُليمان بن الأشعث: رَوى عن تسعة من العَشرة ولم يَرو عن عبد الرحمن ابن عوف، وقد روى عن خَلق كثير من الصحابة، ولم يَعِبه أحدٌ بشيءٍ، ومَن فَعل مثل هذا يَستحق الهَجر.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا أحمد بن علي الرزاز، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الشافعي، قال: قيل لإبراهيم الحربي: لم لا تُحدث عن علي بن المديني؟ فقال: لقيته يَوماً وبيده نَعله، وثيابه في فمه، فقلتُ: إلى أين؟ فقال: ألحقُ الصلاة خَلف أبي عبدالله، فظننتُ أنه يَعني أحمد بن حنبل، فقلت: من أبو عبد الله؟ فقال: أبو عبد الله بن أبي دُؤاد. فقلتُ: والله لا حدَّثتُ عنكَ بحرف.
أخبرنا عبد الرحمن، قال: أخبرنا أحمد بن علي، قال: أخبرنا العَتيقي، قال: حدثنا محمد بن العباس، قال: حدثنا سليمان بن إسحاق الجلاب،
стр. 528
قال: قال إبراهيم الحربي: كانَ علي بن المديني إذا رأى في كتاب حديثاً عن أحمد، قال: اضرب على ذا ليرضى به ابن أبي دُؤاد.
أخبرنا المحمدان: ابن أبي منصور وابن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أحمد بن جعفر ابن سَلْم قال: حدثنا أحمد بن علي الأبار، قال: حدثنا يحيى بن عثمان الحَربي، قال: سمعتُ بشر بن الحارث، يقول: وَددت أنّ رؤوسهم خُضبت بدِمائهم وأنهم لم يُجيبوا.
стр. 529
الباب الثامِن والسبعُون
في ذكر جَماعة ممن لم يُجب في المحنة
أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا محمد بن علي بن يَعقوب، قال: أخبرنا محمد بن نعيم الضَّبي، قال: سمعتُ أبا العباس السَّيَاري يقول: سمعت أبا العباس بن سعيد المرْوَزي يقول: لم يَصبر في المِحنة إلا أربعة، كلّهم من مَرو: أحمد بن حنبل، وأحمد ابن نَصر، ومُحمد بن نوح، ونُعَيم بن حَمّاد.
قال أبو الحُسين بن المنادي: وممن لم يُجب: أبو نُعيم الفَضل بن دُكَيْن، وعَفّان، والبُوَيْطي، وإسماعيل بن أبي أويس، وأبو مُصعب المدنيان، ويَحيى الحِمّاني.
سياق أخبار المشتَهرين بالذكر منهم
عَفّان بن مُسلم
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدقّاق،
стр. 530
قال: حدثنا حنبل بن إسحاق، قال: حضرتُ عند عَفان بعد ما دعاه إسحاق بن إبراهيم للمِحنة - وكان أول من امتُحن من الناس عَفّان - فسأله يَحيى بن مَعِين من الغد - بعد ما امتُحن - وأبو عبدالله أحمد بن حنبل حاضر ونحن مَعه، فقال له يحيى: يا أبا عُثمان، أخبرنا بما قال لك إسحاق بن إبراهيم، وما رددتَ عليه؟ فقال عفّان ليحيى: يا أبا زكريا، لم أسوّد وجهك ولا وجوه أصحابك - يعني بذلك: أني لم أجب - فقال له: فكيفَ كان؟ قال: دعاني إسحاق بن إبراهيم، فلما دخلت عليه، قرأ علي الكتاب الذي كتب به المأمون من أرض الجزيرة إلى الرقّة، فإذا فيه: امتَحِنْ عفان، وادعه إلى أن يقول: القرآن كذا وكذا، فإن قال ذلك فأقره على أمره، وإن لم يُجبك إلى ما كتبتُ به إليك فاقطع عنه الذي يجري عليه. وكان المأمون يُجري على عفّان خمس مئة درهم كل شهر، قال عفان: فلما قرأ على الكتاب، قال لي إسحاق بن إبراهيم: ما تقول؟ فقرأتُ عليه ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ حتى ختمتُها، فقلت: أمخلوق هذا؟ فقال لي إسحاق: يا شيخ، إن أمير المؤمنين يقول: إن لم تُجبه إلى الذي يدعوك إليه يَقطع عنك ما يجري عليك، وإن قطع عنك أمير المؤمنين قطعنا عنك نحن أيضاً، فقلت له: يقول الله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾، فسكت عني إسحاق وانصرفت، فَسُرَّ بذلك أبو عبد الله ومن حَضر من أصحابنا.
следующие страницы →