Полный текст (708 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
ابن جَعفر غُنْدَر، قال: حدثنا شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قَيس بن أبي حازم، عن جَرير بن عبد الله البَجَلي، قال: كُنا مع النبي ﷺ في ليلة أربع عشرة من الشهر؛ فنظر إلى البدر فقال: "أما إنّكُم سَتَرونَ ربّكُم ما تَرَونَ هذا البَدْرَ لا تُضامونَ في رُؤيتِه". فقال لأحمد بن أبي دؤاد: ما عندك في هذا؟ فقال: أنظُر في إسناد هذا الحديث. وكان هذا في أول يوم، ثم انصرف فوجه ابنُ أبي دؤاد إلى علي بن المديني وهو ببغداد مُملِقٌ لا يقدر على درهم، فأحضره فما كلَّمه بشيءٍ حتى وصله بعشرة آلاف درهم، وقال له: هذه وَصَلك بها أمير المؤمنين، وأمر أن يدفع إليه جميع ما استحق من أرزاقه، وكان له رزق سنتين، ثم قال له: يا أبا الحسن، حديث جَرير بن عبد الله في الرّؤية ما هو؟ قال: صَحيح، قال: فهل عندك فيه شيء؟ قال: يُعفيني القاضي من هذا، فقال: يا أبا الحسن، هو حاجة الدَّهر، ثم أمر له بثياب وطيب ومَركب بسَرجه ولِجامه، ولم يَزل حتى قال له: في هذا الإسناد من لا يُعتمد عليه، ولا على ما يَرويه، وهو قَيسُ بن أبي حازم، إنما كان أعرابيًّا، بَوّالاً على عَقبيه، فقام ابنُ أبي دُؤاد إلى علي بن المديني فاعتَنقه، فلما كان من الغد وحَضروا، قال ابنُ أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين، يَحتج في الرؤية بحديث جَرير، وإنما رواه عنه قيس ابن أبي حازم وهو أعرابي بَوّال على عَقبيه. قال: فقال أحمد بن حنبل: فعلمت أنه من عمل علي بن المديني.
стр. 527
قلت: وهذا إن صحَّ عن ابن المديني فهو أمر عظيم، لأنه إقدام منه على ما يعلم خلافه، فإن قَيس بن أبي حازم من كبار التابعين كلّهم من أدرك العشرة المقدمين وروى عنهم غيره، كذلك يقول أكثر أهل العلم، وقال أبوداود سُليمان بن الأشعث: رَوى عن تسعة من العَشرة ولم يَرو عن عبد الرحمن ابن عوف، وقد روى عن خَلق كثير من الصحابة، ولم يَعِبه أحدٌ بشيءٍ، ومَن فَعل مثل هذا يَستحق الهَجر.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا أحمد بن علي الرزاز، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الشافعي، قال: قيل لإبراهيم الحربي: لم لا تُحدث عن علي بن المديني؟ فقال: لقيته يَوماً وبيده نَعله، وثيابه في فمه، فقلتُ: إلى أين؟ فقال: ألحقُ الصلاة خَلف أبي عبدالله، فظننتُ أنه يَعني أحمد بن حنبل، فقلت: من أبو عبد الله؟ فقال: أبو عبد الله بن أبي دُؤاد. فقلتُ: والله لا حدَّثتُ عنكَ بحرف.
أخبرنا عبد الرحمن، قال: أخبرنا أحمد بن علي، قال: أخبرنا العَتيقي، قال: حدثنا محمد بن العباس، قال: حدثنا سليمان بن إسحاق الجلاب،
стр. 528
قال: قال إبراهيم الحربي: كانَ علي بن المديني إذا رأى في كتاب حديثاً عن أحمد، قال: اضرب على ذا ليرضى به ابن أبي دُؤاد.
أخبرنا المحمدان: ابن أبي منصور وابن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أحمد بن جعفر ابن سَلْم قال: حدثنا أحمد بن علي الأبار، قال: حدثنا يحيى بن عثمان الحَربي، قال: سمعتُ بشر بن الحارث، يقول: وَددت أنّ رؤوسهم خُضبت بدِمائهم وأنهم لم يُجيبوا.
стр. 529
الباب الثامِن والسبعُون
في ذكر جَماعة ممن لم يُجب في المحنة
أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا محمد بن علي بن يَعقوب، قال: أخبرنا محمد بن نعيم الضَّبي، قال: سمعتُ أبا العباس السَّيَاري يقول: سمعت أبا العباس بن سعيد المرْوَزي يقول: لم يَصبر في المِحنة إلا أربعة، كلّهم من مَرو: أحمد بن حنبل، وأحمد ابن نَصر، ومُحمد بن نوح، ونُعَيم بن حَمّاد.
قال أبو الحُسين بن المنادي: وممن لم يُجب: أبو نُعيم الفَضل بن دُكَيْن، وعَفّان، والبُوَيْطي، وإسماعيل بن أبي أويس، وأبو مُصعب المدنيان، ويَحيى الحِمّاني.
سياق أخبار المشتَهرين بالذكر منهم
عَفّان بن مُسلم
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدقّاق،
стр. 530
قال: حدثنا حنبل بن إسحاق، قال: حضرتُ عند عَفان بعد ما دعاه إسحاق بن إبراهيم للمِحنة - وكان أول من امتُحن من الناس عَفّان - فسأله يَحيى بن مَعِين من الغد - بعد ما امتُحن - وأبو عبدالله أحمد بن حنبل حاضر ونحن مَعه، فقال له يحيى: يا أبا عُثمان، أخبرنا بما قال لك إسحاق بن إبراهيم، وما رددتَ عليه؟ فقال عفّان ليحيى: يا أبا زكريا، لم أسوّد وجهك ولا وجوه أصحابك - يعني بذلك: أني لم أجب - فقال له: فكيفَ كان؟ قال: دعاني إسحاق بن إبراهيم، فلما دخلت عليه، قرأ علي الكتاب الذي كتب به المأمون من أرض الجزيرة إلى الرقّة، فإذا فيه: امتَحِنْ عفان، وادعه إلى أن يقول: القرآن كذا وكذا، فإن قال ذلك فأقره على أمره، وإن لم يُجبك إلى ما كتبتُ به إليك فاقطع عنه الذي يجري عليه. وكان المأمون يُجري على عفّان خمس مئة درهم كل شهر، قال عفان: فلما قرأ على الكتاب، قال لي إسحاق بن إبراهيم: ما تقول؟ فقرأتُ عليه ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ حتى ختمتُها، فقلت: أمخلوق هذا؟ فقال لي إسحاق: يا شيخ، إن أمير المؤمنين يقول: إن لم تُجبه إلى الذي يدعوك إليه يَقطع عنك ما يجري عليك، وإن قطع عنك أمير المؤمنين قطعنا عنك نحن أيضاً، فقلت له: يقول الله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾، فسكت عني إسحاق وانصرفت، فَسُرَّ بذلك أبو عبد الله ومن حَضر من أصحابنا.
стр. 531
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا أبو منصور بن محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزاز، قال: حدثنا أبو الفضل صالح بن أحمد التميمي، قال: سمعتُ القاسم بن أبي صالح، قال: سمعت إبراهيم - يعني ابن الحسين بن دَيْزِيل - يقول لما دُعي عفان للمِحنة، كنت آخذ بلجان حماره، فلما حضر عرض عليه القَول، فامتنع أن يُجيب، فقيل له: يُحبس عطاؤك، قال: - وكان يُعطي في كل شهر ألف درهم - فقال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ قال: فلما رجع إلى داره عَذله نساؤه ومن في داره، قال: وكان في داره نحو أربعين إنساناً، قال: فدقَّ عليه داق البابَ، فدخل عليه رَجل شَبهتُه بسمّان أو زَيّات ومعه كيس فيه ألف درهم، فقال: يا أبا عثمان، ثَبَّتك الله ما ثبَّتَّ الدِّينَ، وهذا لك في كل شهر.
أبو نُعيم الفَضل بن دُكَين
أخبرنا أبو البَركات بن علي البزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي الطُّرْيثِيثي، قال: أخبرنا هِبَة الله بن الحسن الطبري، قال: ذكر عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن عمر بن عيسى، قال: سمعتُ أبي يقول: ما رأيتُ مَجلساً يجتمع فيه المشايخ أنبل من مشايخ اجتمعوا في مَسجد جامع الكوفة في وقت الامتحان، فقُرئ عليهم الكِتاب الذي فيه المحنة، فقال أبو نُعيم: أدركتُ ثمان مئة شَيخ ونيفاً وسبعين شيخاً، منهم الأعمش فمَن دونه، فما رأيتُ
стр. 532
خَلقاً يقول بهذه المقالة -يعني بخلق القرآن - ولا تكلم أحد بهذه المقالة إلا رُمي بالزَّندقة، فقام أحمد بن يونس فقبل رأسَ أبي نُعيم وقال: جزاكَ الله عن الإسلام خَيراً.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: قرأتُ على البَرْقاني، عن أبي إسحاق المُزَكّي، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي، قال: سمعتُ محمدبن يونس، قال لما أدخل أبو نعيم على الوالي ليَمتحنه، قال: أدركتُ الكوفة وبها أكثر من سبع مئة شيخ، الأعمش فمَن دونه؛ يقولون: القُرآن كلام الله، وعُنقي أهون عندي من زِرّي هذا. فقام إليه أحمد بن يونس فَقبل رأسه، وكان بينهما شحناء؛ وقال: جَزاك الله من شيخ خيراً.
أخبرنا عبدالرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن أبي طاهر، قال: أخبرنا أبو بَكر أحمد بن سليمان النَّجاد، قال: حدثنا محمدبن يونس الكُدَيْمي، قال: سمعت أبا بكر بن أبي شَيْبَة، يقول: لما أن جاءَت المِحنة إلى الكوفة، قال لي أحمد بن يونس: القَ أبا نعيم فقل له، فلقيتُ أبا نعيم، فقلت له، فقال: إنما هو ضَرب الأسياط، وأخذ زِرّه فقطعه، وقال: رأسي أهون عليَّ من زرّي.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي، قال: أخبرنا
стр. 533
ابن رزق، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد، قال: حدثنا حنبل بن إسحاق، قال: سمعتُ أبا عبد الله- يعني أحمد بن حنبل- يقول: شيخان قاما لله بأمر لم يقم به أحد - مثل ما قاما به: عَفان، وأبو نُعيم- يعني امتناعهما من الإجابة-
نُعيم بن حماد
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرني الأزهري، قال: حدثنا محمد بن العباس، قال: حدثنا أحمد بن معروف الخَشّاب، قال: حدثنا الحسين بن قَهم، قال: حدثنا محمد بن سَعد، قال: نُعيم بن حماد، كان من أهل مَرْوَ، طلبَ الحديث طلباً كثيراً بالعراق والحجاز، ثم نَزل مصر، فلم يزل بها حتى أشخص منها في خلافة أبي إسحاق بن هارون، وسُئل عن القرآن، فأبي أن يُجيب فيه بشيء مما أرادوه عليه، فحُبس بسامرّا، فلم يزل مَحبوساً بها حتى مات في السجن سنة ثمان وعشرين ومئتين.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرني الأزهري، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة، قال: سنة تسع وعشرين ومئتين، فيها مات نُعيم بن حَمّاد، وكان مُقيداً مَحبوساً لامتناعه من القول بخلق القرآن، فجُرّ بأقياده فأُلقي في
стр. 534
حُفرة، ولم يُكفّن ولم يُصلّ عليه، فعل لك به صاحب ابن أبي دُؤاد.
أبو يَعقوب يوسف بن يَحيى البُوَيْطي
حُمِل في أيام المحنة، وأُريد على القول بخلق القرآن فامتنع، فحُبس ببغداد ولم يزل في الحبس إلى أن مات فيه، وكان فقيهاً زاهداً.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي الحافظ، قال: أخبرنا أبو منصور محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزاز، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أحمد الأنماطي، قال: حدثنا محمد بن حَمدان الطَّرَائِفي، قال: حدثنا الربيع بن سُليمان، قال: رأيتُ البُوَيْط] على بَغل في عنقه غُلٌّ وفي رجليه قَيد، وبين الغُلّ والقَيد سلسلة حَديد فيها طوبَة زنها أربعون رطلاً وهو يقول: إنما خَلق اللهُ الخلقَ بكُنْ، فإذا كانت كُنْ مخلوقة، فكأنَّ مخلوقاً خَلق مَخلوقاً، والله لأموتنَّ في حديدي هذا حتى يأتي من بَعدي قوم يعلمون أنه قد ماتَ في هذا الشأن قوم في حَديدهم، وَلئن أُدخلتُ عليه لأصدُقنّه -يعني الواثق-.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أبو بَكر الخطيب، قال: أخبرنا العَتيِقي، قال: أخبرنا علي بن عبد الرحمن بن أحمد المصري، قال: حدثنا أبين قال: كان البُويْطِي، مُتقشفاً، حُمل من مصر أيام المحنة إلى العراق، وأرادوه على المِحنة فامتنع، فسُجن ببغداد وقُيّد، فتوفي في السجن والقيد سَنة اثنتين وثلاثين ومئتين.
стр. 535
أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخُزاعي، يُكنى أبا عبدالله
وسويقة نَصر ببغداد منسوبة إلى أبيه، ومالك بن الهيثم جده كان أحد نُقباء بني العباس في ابتداءِ الدولة، وكان أحمد من أهل الدين والصلاح والأمّارين بالمعروف، وسَمع الحديث من مالك بن أنس، وحماد بن زيد، وهُشيم في آخرين، وقد روى عنه يحيى بن مَعين وغيره، وكان قد اتُّهم بأنه يريد الخِلافة، فأخذ وحمل إلى الواثق، فقال له: دَعما أخذتَ له، ما تَقول في القرآن؟ قال: كلام الله، قال: أفمخلوق هو؟ قال: هو كلام الله، قال: أفترى ربك في القِيامة؟ قال: كذا جاءَت الرواية، فقال: وَيحك يرى كما يُرى المحدود المجسَّم؟! ودعا بالسيف وأمر بالنِّطع، فأُجلس عليه وهو مقيد، وأمر بشد رأسه بحبل، وأمرهم أن يمدوه، ومشى إليه حتى ضَرب عنقه، وأمر بحمل رأسه إلى بَغداد، فنُصِب في الجانب الشرقي أياماً، وفي الجانب الغَربي أياماً.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله الحَذّاء، قال: حدثنا أحمد بن جعفر بن سَلْم، قال: حدثنا أبو بَكر أحمد بن محمد بن عبد الخالق، قال: حدثنا أبو بَكر المرُّوذي، قال: سمعتُ أبا عبد الله أحمد بن حنبل - وذكر أحمد بن نَصر - فقال: ﵀ ما كان أسخاه، لقد جادَ بنفسه.
стр. 536
أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي الخطيب، قال: حدثنا أبو نَصر إبراهيم بن هِبة الله الجَرْبَاذْقَاني، قال: حدثنا مَعمر بن أحمد الأصبهاني، قال: أخبرني أبو عَمرو عثمان بن محمد العثماني إجازةً، قال: حدثني علي بن محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن خَلف، قال: كان أحمد بن نَصر خِلِّي، فلما قُتل في المِحنة وصُلب رأسه، أخْبرت أن الرأس يَقرأ القرآن، فمضيت فبتُّ بقربٍ من الرأس مُشرفاً عليه، وكانَ عنده رجالة وفُرسان يحفظونه، فلما هدأت العيون سمعتُ الرأس يقرأ: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾. فاقشعرَّ جلدي، ثم رأيتُه بعد ذلك في المنام وعليه السندس والإستبرق، وعلى رأسه تاج، فقلت: ما فعل الله بكَ يا أخي؟ قال: غَفر لي وأدخلني الجنة، إلا أني كنت مَغموماً ثلاثة أيام، قلتُ: ولِمَ قال: كان رسول الله ﷺ مَرَّ بي، فلما بَلغ خشبتي حوَّل، وجهه، فقلت له بعد ذلك: يا رسول الله، قُتلت على الحق أو على الباطل؟ فقال لي: أنتَ على الحق، ولكن قتلك رَجل من أهل بيتي، فإذا بلغتُ إليكَ أستحيي منك.
أخبرنا القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: قرأتُ على أبي بكر البرقاني عن أبي إسحاق إبراهيم بن مُحمد المُزَكِّي، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق السرّاجن قال: سمعتُ عبد الله بن محمد، يقول: حدثنا إبراهيم بن الحسن، قال: رأى بعضُ أصحابنا أحمدَ بن نصر في النوم بعد ما قُتل، فقال
стр. 537
له: ما فَعل بكَ ربك؟ قال: ما كانت إلا غَفوة حتى لقيتُ الله فضحك إلي.
قال الخطيب: لم يَزل رأسُ أحمد بن نصر منصوباً ببغداد، وجسده مصلوباً بسُرَّ مَنْ رَأي ست سنين على أن حُطَّ، وجُمع بين رأسه وبدنه ودُفن بالجانب الشرقي في المقبرة المعروفة بالمالِكية، ودفن في شوال سنة سبع وثلاثين.
وممن أخذ في المحنة الحارث بن مسكين أبو عَمرو المصري
وكان قد سمع من سُفْيان بن عُيَيْنَة وغيره، وكان فَقيهاً على مذهب مالك، ثَبتاً في الحديث، فحمله المأمون إلى بغداد في أيام المِحنة وسجنه لأنه لم يُجب على القَول بخلق القرآن، فلم يَزل محبوساً إلى أن ولي المتوكل فأطلقه، وأطلق جميع من كان في السجن.
وممن امتُحن عبد الأعلى بن مُسهِر أبو مُسهر الدمشقي الغَساني
أشخص إلى المأمون بالرّقّة، فأخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي، قال: أخبرني الأزهري، قال: حدثنا محمد بن العباس، قال: حدثنا أحمد بن معروف الخَشَاب، قال: حدثنا الحسين بن قهم، قال: حدثنا محمد بن سَعد، قال: أشخص أبو مُسهر الغساني من دمشق إلى عَبد الله بن هارون وهو بالرّقَة، فسأله عن القرآن، فقال: القُرآن كلام الله،
стр. 538
وأبى أن يقول: مَخلوق، فدعا له بالسيف والنّطع ليضرب عُنقه، فلما رأى ذلك، قال: مَخلوق. فتركه من القتل، وقال: أما إنك لو قلت ذلك قبل أن أدعو بالسيف لقبلتُ منك، ورددتك إلى بلادك وأهلك، ولكنك تَخرج الآن فتقول: قلتُ ذلك فَرقاً من القتل، أشخِصوه إلى بغداد فاحبسوه بها حتى يموت. فأشخص من الرّقَة إلى بغداد في شَهر ربيع الآخر من سنة ثمان عشرة ومئتين، فحُبس، فلم يلبث إلا يَسيراً حتى مات في الحبس في غُرة رجب سنة ثمان عشرة، فأخرج ليدفن فَشهده قوم كثير من أهل بغداد.
قلت: وعُموم هؤلاءِ الذين لم يُجيبوا أهمل منهم قوم، وحُبس منهم قوم، فلم يلتفت إليهم، وإنما كانَ المقصود أحمد بن حنبل لجلالة قَدره وعِظَم موقعه.
стр. 539
الباب التاسع والسّبعُون
في ذكر مَرضه
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا أبو يَعقوب، قال: أخبرنا الحسن بن محمد بن الحسن ابن نَصر، قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حَنبل، قال: سمعتُ أبي يقول استكملتُ سبعاً وسَبعين سنة، ودخلت في ثمان وسبعين، فحُمَّ من ليلِته ومات يَوم العاشر سنة إحدى وأربعين.
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر، قال: أنبأنا ابن بَطَّة، قال: أخبرنا ابن مخلد، قال: حدثنا محمد بن يوسف الجَوهري، قال: دختُ على أبي عبد الله أحمد بن حَنبل في الحَبس، وعنده أبو سَعيد الحَداد، فقال له: كيفَ تَجدك يا أبا عبد الله؟ فقال: بخَير في عافية والحمد لله. فقال له أبو سعيد: حُممتَ البارحة؟ قال: إذا قلتُ لك أنا في عافية فَحسبك. لا تخرجني إلى ما أكره.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد بن يوسف، قال: أخبرنا أبو إسحاق البَرْمَكي، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل، قال: لما كان
стр. 540
في أول يوم من شهر ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومئتين حُمَّ أبي ليلة الأربعاءِ، فدخلتُ عليه يوم الأربعاءِ وهو مَحموم يتنفَّس تَنفُّساً شديداً، وكنتُ قد عرفت عِلّته، وكنتُ أمَرّضه إذا اعتلَّ، فقلت له: يا أبَةِ، علامَ أفطرتَ البارحة؟ قال: على ماءِ باقِلاَّء، ثم أراد القيام، فقال: خُذ بيدين فأخذتُ بيده، فلما صار إلى الخلاءِ ضَعفت رجلاه حتى تَوكأَ عليَّ، وكان يختلف إليه غيرُ مُتطبّب، كلّهم مُسلمون، فوصف له مُتطبب - يقال له: عبد الرحمن - قَرعةً تُشوى ويُسقى ماءَها - وهذا يوم الثلاثاء وتُوفي يوم الجُمعة - فقال: يا صالح، قلتُ: لبيكَ، قال: لا تُشوى في مَنزلك ولا في منزل بعد الله أخيك، وصارَ الفتح بن سهل إلى الباب ليعوده، فحجبته، وأتى [ابن] علي بن الجَعد فحجبته، وكثُر الناس، فقلتُ: يا أبَة، قد كثُر الناس، قال: فأيّ شيءٍ ترى؟ قلتُ: تأذنُ لهم فيدعونَ لك، قال: أستخير الله، فجعلوا يدخلون عليه أفواجاً حتى تَمتلئ الدار، فيسألونه ويدعون له، ثم يَخرجون، ويدخل فَوج آخر، وكثر الناس، وامتلأ الشارع، وأغلقنا بابَ الزُّقاق، وجاءَ رجلُ من جيراننا قد خَضب، فدخل عليه، فقال: إني لأرى الرجل يُحيي شيئاً من السنّة فأَفْرَحُ به، فدخل فَجعل يدعو له، فجعل يقول: له ولجَميع المسلمين، وجاءَ رجل فقال: تَلطَّف لي بالإذن عليه، فإني قد حَضرتُ ضربه يوم الدار، وأريدُ أن أستحلَّه. فقلتُ له، فأمسكَ، فلم أزل به حتى قال: أدخِله، فأدخلته، فقام بين يَديه وجعل يبكي، وقال: يا أبا عبد الله، أنا كنتُ ممن حَضر ضربَك يوم الدار، وقد أتيتُك، فإن أحببتَ
стр. 541
القِصاص فأنا بينَ يديك، وإن رأيت أن تُحلّني فَعلتَ، فقال: على أن لا تعود لمثل ذلك. قال: نعم، قال: قَد جعلتك في حلٍّ، فخرج يبكي، وبَكى من حضر من الناس، وكانَ له في خُرَيقةٍ قَطيعاتٌ، فإذا أراد الشيء، أعطينا من يَشتري له، فقال لي يوم الثلاثاء وأنا عنده: انظر في خُرَيْقتي شيء؟ فنظرت فإذا فيها درهم، فقال: وجِّه فاقْتَضِ بعضَ السكان، فوجهتُ فأعطيت شيئاً. فقال: وجِّه فاشترِ تمراً وكفِّر عني كفارةَ يمين، فوجهتُ، فاشتريتُ وكفرتُ عنه كفارةَ يمين، وبقي ثلاثة دراهم، أو نَحو ذلك، فأخبرتُه، فقال: الحمدُ لله، وقال: اقرأ عليَّ الوصية، فقرأته عليه، فأقرَّها.
قلتُ: قد ذكرنا وصيته في قصة المحنة فغنينا عن الإعادة.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا أبو إسحاق البَرْمَكي، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا أحمد بن محمد الخلاّل، قال: حدثنا أبو بكر المرُّوذي. قال: مَرض أبو عبدالله ليلة الأربعاءِ لليلتين خَلتا من شهر ربيع الأول سَنة إحدى وأربعين ومئتين، ومَرض تسعة أيام، فلما اشتدت علته وتسامع الناس اقبلوا لعيادته، فكثروا، ولزموا الباب الليل والنهار يبيتون، وسمع السلطان بكثرة الناس، فوكّل السلطان ببابه وبباب الزُّقاق الرابطةَ وأصحاب الأحبار.
وكان أبوعبد الله ربما أذن للناس فيدخلون عليه أفواجاً أفواجاً يُسلمون
стр. 542
عليه، فيرد عليهم بيده. فلما جاءَت الرابطةُ مُنع الناس مِن ذل، وأغلق باب الزقاق، فكان الناس في الشوارع والمساجد، حتى تعطل بعض الباع، وحيل بينهم وبين البيع والشراءِ، وكان الرجل إذا أراد أن يدخل عليه ربما أدخل من بعض الدور وطرزِ الحاكة، وربما تسلَّق، وجاءَ أصحاب الأخبار فقَعدوا على الباب من قِبل إبراهيم بن عطاء وكان ابن عطاء يتعاهده بالغداة والشعي، وربما لم يجتمعا، وأصحاب الأخبار من قِبَل ابن طاهر يسألون عن خبره.
وقال أبوعبد الله: جاءَني حاجبُ ابن طاهر، فقال: إن الأمير يُقرئك السلام، وهو يشتهي أن يراك. قال: فقلتُ له: هذا مما أكرهُ، وأميرُ المؤمنين قد أعفاني مما أكره. وجاءَ حاجب ابن طاهر بالليل فسأل من يختلف إليه من المتطببين، وأصحاب الأخبار يكتبون بخبره على العسكر، والبُرُد تختلف كل يوم، وجاءَ بنو هاشم فدخلوا عليه، وجعلوا يبكون عليه، وجاءَ قوم من القُضاة وغيرهم فلم يؤذن لهم، وجاءَ غُلام لأبي يوسف عمه ليروحه فأشار إليه بيده أن لا يفعل لأنه كان اشتراه من الشيءِ الذي يكره، وقال: لا تبرح قد تغيرتُ. فقلت: لا أبرحن فكان إذا أراد الشيء مما يتعالج أخبرج خُريقة فيها قطيعات فيعطيني منها فأشتري له، وكان قد كَتب وصيته بالعسكر وأشهدَنا عليها، فبلغني أنه قال: اقرؤوها، فقُرئت عليه، ثم أمر بكفارة يمين، فاشترينا له تمراً، فبقي عليه منه دانق ونصف أو أرجح، فلما جئت، قال: ما صنَعتم؟ قلت:
стр. 543
أخذنا التمر وقد بَعثنا به، فأشار برأسه إلى السماءِ وجَعل يحمد الله.
وجاءَ عبد الوهاب، فلما استأذنوا له، قال أبو عبد الله: عزَّ عليَّ بمجيئه في الحرّ، فلما دخل عليه أكب عليه فأخذ بيده، فلم تزل يده في يده حتى قام.
ودخل عليه جماعة فيهم شيخٌ مخضوب، فنظر إليه، فقال: إني لأسر أن أرى الشيخ قد خَضب، أو نحو هذا من الكلام.
وقال له رجل ممن دخل عليه: أعطاكَ الله ما كنت تريده لأهل الإسلام.
فقال: استجابَ الله لك. وجعلوا يخصُّونه بالعداءِ فجعل يقول: قولوا: ولجميع المسلمين.
وربما دخل عليه الرجل الذي في قلبه عليه الشيء، فإذا رآه غمض عينه كالمعرض، وربما سلم عليه الرجل منهم، لايرد عليه.
ودخل عليه شيخ فكلَّمه، وقال: اذكر وقوفك بين يدي الله، فشهق أو عبد الله، وسالت الدموع على خَديه، فلما كان قبل وفاته بيوم أو يومين، قال: ادعوا الصبيان - بلسان ثقيل - يعني الصغار، فجعلوا ينضمون إليه، وجعل يشمهم ويَمسح بيده على رؤوسهم، وعينه تَدمع. فقال له رجل: لا تَغتَم لهم يا أبا عبد الله، فأشار بيده، فظننا أن معناه: إني لم أرد هذا المعنى، وكان يُصلي قاعداً، ويصلي وهو مُضطجع، ولا يكاد يفتر، ويرفع يديه في إيماء الركوع.
وأدخلت الطّست تَحته فرأيتُ بوله دماً عبيطاً ليس فيه بول، فقلتُ للطبيب، فقال: هذا الرجل قد فَتَّت الحزنُ والغمُّ جَوفه، واشتدت به العِلة يوم
стр. 544
الخَميس وَوضَّأته، فقال: خَلِّل الأصابع، فلما كانَت ليلة الجمعة ثَقُل، فظننتُ أنه قد قُبض، وأردنا أن نمدده، فجعل يَقبض قدميه وهو موجّه، وجعلنا نلقِّنه، فنقول: لا إله إلا الله ونردد ذلك عليه، وهو يُهلّل، وتَوجه إلى القِبلة واستَقبلها بقدميه، فلما كان يوم الجمعة، اجتَمع الناس حتى مَلؤوا السِّكَك والشوارع، فلما كان صدر النهار قُبض ﵀، فصاح الناس، وعَلت الأصوات بالبكاءِ، حتى كأنّ الدنيا قد ارتَجَّتْ، وقَعد الناس فخفنا أن ندع الجمعة، فأشرفتُ عليهم فأخبرتهم: إنا نُخرجه بعدَ صلاة الجُمعة.
أخبرا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا أبو الغنائم محمد بن محمد بن المهتدي، قال: أنبأنا عبدالعزيز بن علي الأرَجي، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد الخلاّل، قال: أخبرني عِصمة بن عِصام، قال: حدثنا حنبل، قال: أعطي بعض ولد الفَضل بن الربيع أبا عبد الله وهو في الحَبس ثلاث شَعرات، فقال: هذا من شَعر النبي ﷺ . فأوصى أبو عبد الله عند موته أن يُجعل على كل عَين شعرة، وشَعرة على لسانه، فَفُعل به ذلك عند موته.
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا أبو إسحاق البَرْمَكي، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز بن مَرْدَك، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد، قال: لم يزل أبي يُصلي في مَرضه قائماً أُمسكه فيركع ويَسجد، وأرفعه في ركوعه وسُجوده، ودخل عليه مُجاهد بن موسى، فقال: يا أبا عبد الله، قد جاءَتك البُشرى، هذا
стр. 545
الخَلق يَشهدون لك، ما تُبالي لو وردت على الله الساعة، وجعل يُقبل يده ويَبكي، وجعل يقول: أوصني يا أبا عبد الله، فأشار إلى لسانه. ودخل سَوّار القاضي، فجعل يبشره ويُخبره بالرُّخص وذكر له عن مُعتمر، أنه قال: قال لي أبي عند موته: حدثني بالرخص. اجتمعت عليه أوجاع الحصر غير ذلك ولم يزل عَقله ثابتاً، وهو في خلال ذلك يقول: كم اليوم في الشهر؟ فأخبره. وكنتُ أنام بالليل إلى جنبه، فإذا أراد حاجة حركني فأناولُه، وقال لي: جئني بالكتاب الذي فيه حديث ابن إدريس، عن لَيث عن طاووس، أنه كان يَكره الأنين، فقرأتُه عليه، فلم يَئن إلا في اللَّيلة التي تُوفي فيها.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: حدثنا أبو نُعَيْم الحافظ، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عُمر، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: قال لي أبي في مرضه الذي تُوفي فيه: أخرج كتاب عبد الله بن إدريس، فأخرجتُ الكتاب، فقال: أخرج أحاديث لَيث بن أبي سُليم، فأخرجتُ الكتاب، فقال: أخرج أحاديث لَيث بن أبي سُليم، فأخرجتُ أحاديث ليث، فقال: اقرأ عليَّ حديث لَيث، قال: قلت لطلحة: إن طاوساً كان يَكره الأنين في المرض، فما سُمع له أنين حتى ماتَ ﵀، فقرأتُ الحديث على أبي، فما سَمعتُ أبي يَئن في مرضه ذلك إلى أن توفى ﵀.
سياقُ ذكر حاله عند احتضاره
أخبرنا المحمدان: ابن عبد الملك، وابن ناصر، قالا: أخبرنا أحمد بن
стр. 546
الحسن المعدّل، قال: أخبرنا أبو علي بن شاذان.
وأخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نُعَيْم الحافظ، قال: حدثنا عمر بن أحمد بن عثمان، قالا: حدثنا محمد بن عبد الله بن عَمْرويه - ويُعرف بابن عَلَم -قال: سمعتُ عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: لما حضَرت أبي الوفَاةُ جلستُ عنده وبيدي الخِرْقَة لأشُدَّ بها لَحييه، فجعل يغرق ثم يُفيق ثم يَفتح عينيه ويقول بيده هكذا، لابَعْدُ، لابَعْدُ، لابَعْدُ، ثلاث مرات، ففعل هذا مرة وثانية، فلما كانَ في الثالثة، قلت له: يا أبة أيّ شيءٍ؟ هذا قَد لهجتَ به في هذا الوقت تغرق حتى نقول: قد قَضَيْتَ، ثم تعود فتقول: لا بَعْدُ، فقال لي: يا بني ما تَدري؟ فقلت: لا، فقال: إبليسُ لعنه الله قائم حِذائي عاضٌّ على أنامله، يقول لي: يا أحمد، فُتَّنين وأنا أقول له: لا بَعْدُ، حتى أموت.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عمر، قال: سُئِل عبد الله بن أحمد: هل عَقل أبوك عند المعاينة؟ قال: نعم، كنا نُوضّيه فَجعل يُشير بيده فقال لي صالح: أيّ شيءٍ يَقول؟ فقلتُ: هو ذا يقول: خَلِّلوا أصابعي. فَخللنا أصابعه فترك الإشارة، فمات من ساعته.
стр. 547
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم ابن عمر، قال: أخبرنا ابن مَرْدَك، قال: حدثنا ابن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد، قال: جَعل أبي يُحرك لسانه إلى أن تُوفي.
стр. 548
الباب الثّمانون
في تاريخ مَوته ومبلغ سِنّه
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا ابن رزق، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق، قال: حدثنا حنبل بن إسحاق، قال: ماتَ أبو عبد الله في يوم الجمعة في شَهر ربيع الأول سَنة إحدى وأربعين ومئتين، وهو ابنُ سبعٍ وسَبعينَ سنة.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أخبرنا عمر بن عبد الله ابَقّال، قال: أخبرنا أبو الحسين بن بِشْران، قال: حدثنا عثمان بن أحمد، قال: حدثنا حنبل، قال: ماتَ أبو عبد الله أحمد بن حنبل في سَنة إحدى وأربعين ومئتين في يوم الجمعة في ربيع الأول وهو ابنُ سبعٍ وسبعين سَنة.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن علي، قال: أخبرنا محمد بن الحُسين بن الفضل القطان، قال: أخبرنا جعفر بن محمد الخُلْدِي، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن سُليمان الحَضرمي، قال: ماتَ أحمد بن حنبل لاثنتي عشرة خلت من شَهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومئتين.
стр. 549
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا سليمان بن أحمد، قال: سمعتُ عبد الله بن أحمد يقول: توفي أبي في يوم الجمعة ضَحوة، ودفناه بعد العصر لاثنتي عشرة ليلة خَلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين.
أخبرنا ابن ناصر، أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا البَرْمَكي، قال: أخبرنا ابن مَرْدَك، قال: حدثنا ابن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد، قال: لما كان يَوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الأول لساعتين من النهار - أو أكثر أو أقل -توفي أبي ﵀.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا البَرْمَكي، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جَعفر، قال: حدثنا الخلال، قال حدثنا المرُّوذي، قال: تُوفي أبو عبد الله يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومئتين - وأخرجت جنازته بعد مُنصرَف الناس من جُمعَتهم.
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم المعَدلَّلن قال: أخبرنا العباس بن
стр. 550
محمد القُرشي، قال: حدثنا محمد بن أبي جَعفر المنذري، عن أحمد بن داود الأحْمَسِي، قال: ماتَ أحمد بن حنبل في سَنة إحدى وأربعين ومئتين يوم الجمعة مع طُلوع الشمس، ورفعنا جنازته مع العصر، ودَفناه مع غروب الشمس.
أخبرنا عبد الملك، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن إسماعيل السِّيرْجاني، قال: أخبرنا أحمد بن علي السليماني الحافظ، قال: سمعتُ الحسن بن إسماعيل الفارسي، قال: سمعت محمد بن إبراهيم البُوشَنْجي، يقول: ماتَ أحمد بن حنبل سنة إحدى وأربعين ومئتين.
أخبرنا عبد الملك، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: أخبرنا أبو يعقوب، ومحمد بن المنتصر، قالا: أخبرنا أبو بكر بن أبي الفضل، قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم الصرّام، قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق الأنصاري، قال: سمعتُ صالح بن أحمد بن حنبل يقول: توفي أبي وله سَبع وسبعون سنة.
فصل
ومن فَضل الإمام أحمد موته في يَوم الجمعة
فقد أخبرنا ابن الحُصين، قال: أخبرنا ابن المُذْهب، قال: أخبرنا أحمد ابن جعفر، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا أبو عامر، قال: حدثنا هشام - يعني ابن سعد- عن سعيد بن أبي هِلال، عن ربيعة بن سيف، عن عبد الله بن عَمرو، عن النبي ﷺ ، قال: "ما مِن مُسلم يموتُ يومَ الجُمعة إلا وَقاه الله فِتنة القَبر". وقد تُوفي يوم
стр. 551
الجمعة خَلقٌ كثير من السادات. فقُتل عثمان بن عَفان يوم الجمعة، وضُرب عَلي ﵇ يوم الجمعة، إلا أنه ماتَ ليلة الأحد، وقُتل الحُسين بن علي يوم الجمعة، وتوفي العَباس بن عبد المطلب يوم الجمعة، وتُوفي الحَسن البصري وابن سيرين في يوم الجمعة، وخَلق كثير يطول ذِكرهم.
стр. 552
الباب الحادي والثمانون
في ذكر غَسله وكَفَنه
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر، قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد، قال: لما توفي أبي واجتمع الناس في الشوارع، وَجَّهت إليهم أُعلمهم بوفاته، وأني أخرجه بعد العصر، ووجَّه ابن طاهر بحاجبه مُظفَّر معهم مَناديل فيه ثياب وطيب، فقالوا: الأمير يُقْرِئك السلام ويقول: قد فعلتُ ما لو كان أميرُ المؤمنين حاضرَه كان يفعل ذلك له، فقلت له: أقْرئِه السلام وقل له: إن أمير المؤمنين قد كان أعفاه في حياته مما كان يكره، ولا أحب أن أُتْبِعَه بعد موته بما أن يكرهه في حياته. فعاد وقال: يكون شِعارَه ولا يكون دِثاره، فأعدتُ عليه مثل ذلك، وقد كان غَزَلت له الجارية ثوباً عُشارياً قُوِّم بثمانية وعشرين درهماً ليَقْطع منه قميصين، فقطعنا له لُفافتين، وأخذنا من فوران لُفافة أخرى، فأدرجناه في ثلاث لَفائف، واشترينا له حَنُوطاً. وقد
стр. 553
كان بعض أصحابنا من العَطارين سألني أن يُوجه بِحَنوط فلم أفعل، وصُبَّ في حُبّ لنا ماء، فقلت: قولوا لأبي محمد يشتري راوية ويصب الماءَ في الحُبّ الذي كان يشرب منه، فإنه كان يكره أن يدخل من منازلنا إليه شيء، وفُرِغَ من غله، وكَفنَّاه، وحَضر نحو من مئة من بني هاشم ونحن نُكفّنه، وجعلوا يُقبلون جبهته حين رفعناه على السرير.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن يوسف، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال حدثنا أحمد بن محمد الخلاّل، قال: حدثنا أبو بكر المرُّوذي، قال: لما أردتُ غسله جاء بنو هاشم فاجتمعوا في الدار خلقاً كثيراً، فأدخلناه البيت، وأرخينا السِّتر، وجلَّلته بثوب حتى فَرغنا من أمره، ولم يحضره أحد من الغُرباء ونحن نغسله. فلما فَرغنا من غسله، وأردنا أننُكفنه، غلبنا عليه بنو هاشم، وجَعلوا يبكون عليه ويَاتون بأولادهم فيكبونهم عليه ويُقبلونه. فوضَعناه على سريره وشَدَدناه بالعمائم. وأرسل ابن طاهر بأكفان فردَدتها، وقال عمّه للرسول: هو لم يَدع غُلامي يُروِّحه. وقال له رجل: قد أوصى أن يُكفن في ثيابه، فكفّناه في ثوب كان له مَرَويّ، أراد أن يقطعه فزِدنا فيه، وصيَّرناه ثلاث لفائف.
стр. 554
الباب الثاني والثمانون
في ذِكر المتقدم للصلاةِ عليه
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن أبي القاسم، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نُعَيْم أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا سليمان بن أحمد، قال: سمعتُ عبد الله بن أحمد بن حنبل، يقول: تُوفي أبي يوم الجُمعة ضحوة. وصلى عليه مُحمّد بن عبد الله بن طاهر، غلبَنا على الصلاة عليه، وقد كنا صلينا عليه نحن والهاشميون داخل الدار، ودَفناه بعد العصر.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا أبو إسحاق البَرْمَكي، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا صالح بن أحمد، قال: لما توفي أبي، وجَّه إليَّ ابن طاهر: مَن يُصلي عليه؟ قلتُ: أنا. فلما صِرنا إلى الصحراءِ إذا ابنُ طاهر واقف. فخَطا إلينا خطوات، وعزَّانا، ووُضع السَّرير. فلما انتظرتُ هُنَيَّةٌ، تقدمتُ وجعلتُ أسوِّي الناس، فجاءَني ابن طالوت ومحمد بن نصر فقبض هذا على يَدي وهذا على يدي، وقالوا: الأمير! فمانعتهم، فنَحّياني، فصلّى. ولم يعلم الناسُ بذلك، فلما كانَ من الغد علم الناسُ، فجعلوا يجيؤون ويصلون عليه على القَبر، ومَكث الناس ما شاءَ الله يأتون فيصلون على
стр. 555
القبر.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار قال: أخبرنا محمد بن عبد الواحد الحريري، قال: أخبرنا أبو عُمر بن حَيّويه، قال: أخبرنا أبو مُزاحم الخَاقاني، قال: حدثني أبو يحيى بن أبي علي عمّي، قال سمعتُ أبي يقول: حدثني أخي عُبيد الله بن يحيى أبو الحسن، قال: سَمعتُ المتوكل يقول لمحمد بن عبد الله: طوبى لكَ يا مُحمد، صلَّيتَ على أحمد بن حنبل.
стр. 556
الباب الثالِث وَالثمانون
في ذكر كَثرة الجَمع الذين صلّوا عليه
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم الكَرُوخي، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا محمد بن أحمد الجارودي -أو محمد بن محمد عنه - قال: حدثنا محمد بن جعفر بن مَطر، قال: حدثنا الهيثم بن خَلَف، قال دفنّا أحمدَ بن حنبل يوم الجُمعة بعد العَصر سنة إحدى وأربعين، وما رأيتُ جمعاً قط أكثر من ذلك.
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا أحمد ابن محمد الخَلاّل، قال: سمعتُ ابن أبي صالح القَنْطري، يقول: شهدتُ الموسم أربعينَ عاماً. ما رأيت جمعاً قط مثل هذا.
قال الخلاّل: وسمعتُ عبد الوهاب الورّاق، يقول: ما بَلَغنا أن جمعاً كان في الجاهلية والإسلام مثله، حتى بلغنا أن الموضع مُسِح وحُزِر على التصحيح، فإذا هو نحو من ألف ألفٍ، وحزَرنا على السور نحواً من ستين ألف امرأة. وفَتح الناس أبوابَ المنازل في الشوارع والدروب، يُنادون من أرادَ الوضوء، وكثُر ما
стр. 557
اشترى الناس من الماءِ فَسقوه.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: أخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: ذكر عبد الله بن إسحاق البغوي، عن بُنّان بن أحمد القَصبَاني، اخبرهم: أنه حضر جنازة أحمد بن حَنبل مع من حضر. قال: فكانت الصفوف من الميدان إلى قَنطرة باب القَطيعة، وحُزِر من حَضرها من الرجال ثمان مئة ألف. ومن النساءِ ستون ألف امرأة.
أخبرنا عبد الملك، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: أخبرنا أبو يعقوب، قال أخبرنا جدين قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن ياسين، قال: سمعتُ موسى بن هارون، يقول: يقال: إن أحمد بن حنبل لما ماتَ مُسِحَت الأمكنة المبسوطة التي وقف الناس عليها للصلاة عليه، فحُزِر مقادير الناس بالمساحة على التقدير ستّ مئة ألف وأكثر، سوى ما كان في الأطراف والحَوالي والسطوح والمواضع المتفرقة، أكثر من ألف ألف.
أخبرنا أبو منصور القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي، قال: أخبرنا محمد بن عيسى بن عبد العزيز، وعلي بن أبي علي، قالا: أخبرنا أبو بكر محمد بن عُبيد الله بن الشِّخِّير، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن النَّحاس، قال: سمعتُ عبد الوهاب الورّاق، يقول: ما بلغنا أنه كان للمسلمين جَمع أكثر منهم على جنازة أحمد بن حنبل إلا جنازة كانت في بني إسرائيل.
стр. 558
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، ومحمد بن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: اخبرنا أبو نُعَيْم الحافظ، قال: سمعت ظَفر بن أحمد، يقول: حدثنا أبو سَهل بشر بن أحمد الإسْفَرَاييني، قال: سمعت محمد بن خُشْنَام بن سَعد، يقول: أخبرني الفتح بن الحجاج - أو غيره - قال: بعث أمير المؤمنين عشرين حازراً ليحزروا كَمْ صلى على أحمد بن حنبل، فحَزروا ألف ألف وثلاث مئة ألف سوى من كان في السفن.
أخبرنا ابن ناصر، قال: اخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أخبرنا البَرْمَي، قال: أخبرنا ابن مَرْدَك، قال: حدثنا ابن أبي حاتم، قال: سمعتُ أبا زُرْعَة يقول: بَلغني أن المتوكل أمر أن يُمْسَح الموضعُ الذي وقف عليه الناس، حيث صُلِّي على أحمد بن حنبل، فبلغ مقام ألفي ألف وخمس مئة ألف.
أنبأنا يحيى بن أبي علي بن البَنا، قال: أنبأنا محمد بن الحسين بن خَلف، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد الحِنّائي، قال: أخبرنا أبو محمد الطَّرَسُوسي، قال: حدثنا أبو العباس البَرْدَعي، قال: حدثني أحمد بن الحسن المَقَانِعي، قال: قال أبي: كنتُ ببغداد وأنا في بُستان لصديق لي - وأنا وَحدي- فإذا بشَيخ وشاب وعَليهما طِمْران من شَعر، فسلَّمت عليهما، وقلتُ لهما: أراكما من غير هذا البلد! قالا: نعم، نحن من جَبل اللّكام حَضرنا جِنازة
стр. 559
أحمد بن حنبل، وما بَقي أحد من الأولياء إلا شاهد هذا المكان.
أخبرنا محمد بن عبد الباقي، قال: أنبأنا رزق الله بن عبد الوهاب، قال: أنبأنا أبو عبد الرحمن السُّلَمي، قال: حضرتُ جِنازة أبي الفَتح القَوّاس الزاهد مع أبي الحَسن الدَّارَقُطْني، فلما نَظر إلى الجمع، قال: سمعتُ أبا سَهل بن زياد القطان، يقول: سمعتُ عبد الله بن أحمد بن حنبل، يقول: سمعتُ أبي يقول: قولوا لأهلِ البدع بيننا وبينكم يوم الجنائز.
стр. 560
الباب الرابع والثمانون
في ذكر ما جرى عند حمل جنازته من مدح
السنة وذمّ أهل البدعة
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن إسماعيل السِّيرجاني، قال: أخبرنا أحمد بن علي السليماني، قال: سمعتُ الحسن بن إسماعيل الفارسي، قال: سمعتُ محمد بن إبراهيم البُوشَنْجِي، يقول: صلّوا على أحمد بنحنبل في المصلى، وظهر اللَّعن على الكَرَابيسي، فأخبر بذلك المتوكل فقال: مَن الكَرابيسي؟ فقيل: إنه رجل أحدث قولاً لم يتقدَّمه أحد، فأمره بلزوم بَيته حتى مات.
أخبرنا عبد الملك، قال: أخبرنا الأنصاري، قال: أخبرنا أبو يعقوب، قال: أخبرنا جدي، قال: حدثنا يحيي بن عبد الله الهمذاني، قال: سمعتُ جعفر بن محمد النَّسَوي، يقول: شهدتُ جنازة أحمد بن حنبل وفيها بَشر كثير، والكرابيسي يُلعن لَعناً كثيراً بأصواتٍ عالية، والمريسي أيضاً.
стр. 561
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا أحمد بن محمد الخلال، قال: سمعتُ عبد الوهاب الورّاق، يقول: أظهرَ الناس في جِنازة أحمد بن حَنبل السنَّة والطَّعنَ على أهل البِدع، فَسرَّ الله المسلمين بذلك على ما عندهم من المصيبة، لما رأوا من العز وعُلوّ الإسلام، وكبَتَ الله أهلَ البِدع والزَّيغ والضَّلالة، ولزم بعض الناس القبر وباتوا عنده، وجعل النساء يأتين، فأرسل السلطان أصحاب المَسالح فلزموا ذلك الموضع حتى منعوهم مخافة الفتنة.
قال الخلال: وحدثني أبو بكر المرُّوذين قال: سمعتُ علي بن مَهرويه، يقول: سمعتُ خالتي - وهي امرأة حارث المُحَاسِبي - قالت: ما صلّوا ببغداد في مَسجد العصر يومَ مات أحمد بن حنبل إلا في مَسجد حارث.
стр. 562
الباب الخامس والثمانون
في ذكر ازدحام الناس على قَبره بعد دفنه
أنبأنا أحمد بن الحسن بن البَنّان قال: أخبرني أبي، قال: حدث أبو الحسن التممي، عن أبيه، عن جده، أنه حضر جنازة أحمد بن حنبل، قال: فمكثتُ طول الأسبوع رجاءَ أن أصلِ إلى قَبره فلم أصل من ازدِحام الناس عليه، فلما كان بعد أسبوع وصلتُ إلى القَبر.
стр. 563
الباب السادس والثمانون
في ذكر ما خَلَّف من التَّرِكة
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: أخبرنا أحمد بن محمد الخَلال، قال: أخبرني محمد بن أبي هارون، أن إسحاق حدَّثهم، قال: ماتَ أحمد بن حنبل ﵀ وما خلَّف إلا ستّ قِطع، أو سَبع قطع كانت في خِرقته، خِرقة كان يَمسح بها وَجهه قدر دانقين.
стр. 564
الباب السابع والثمانون
في ذكر تأثير موته عند جميع الناس
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن مُحمد القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد ابن علي بن ثابت الخَطِيب.
وأخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد بن يوسف، قالا: أخبرنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكي.
وأخبرنا عبد الله بن علي المقرئ، قال: أخبرنا عبد الملك بن أحمد السُّيْوري، قال: أخبرنا عبد العزيز بن علي بن أحمد بن الفضل، قالا: أخبرنا علي بن عبد العزيز بن مَرْدَك.
وأخبرنا إسماعيل بن أحمد ومحمد بن عبد الباقي، قالا: أخبرنا حَمْد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الحافظ أبو نُعَيْم، قال: سمعتُ ظفر بن أحمد يقول: حدثني الحسين بن علي، قال: حدثني أحمد الورّاق، قال: حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، قال: حدثني أبي، قال: حدثني أبو بكر محمد بن عياش، قال: سمعتُ الوَرْكاني -جار أحمد بن حنبل -يقول: يومَ مات أحمد بن حنبل وقع المتم والنَّوح في أربعة أصناف من الناس: المسلمين، واليَهود، والنَّصارى، والمجوس، وألم يومَ مات عِشرون ألفاً من اليَهود والنَّصارى والمجوس. وفي رواية أبي نُعَيْم عَشرة آلاف.
стр. 565
أخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر، قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر، قال: أخبرنا أحمد بن محمد الخلال، قال: حدثنا محمد بن حمدان القاضي، قال: سمعتُ هارون بن عبدالله، يقول سمعتُ علي بن حُريث، يقول: ما مِن أهلِ بيتٍ لم يَدخل عليهم الحُزن يومَ موت أحمد بن حنبل إلا بَيت سوء.
следующие страницы →