← Тараджим

Тараджим · id 13250

مناقب الإمام أحمد

ابن الجوزي

Полный текст (708 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

من وجهين: أحدهما: أن الدارقطني قال: لم يلق أبو حنيفة أحداً من الصحابة، وقال أبو بكر الخطيب: رأى أنس بن مالك. والثاني: أنه لقي الصحابة سعيد بن المسيب وغيره ولم يقدموهم عليه. فإن قال أصحاب مالك: إنه لقى التابعين، بطل بالتابعين الذين لقيهم، فإنهم قد لقوا الصحابة وهو مقدم عليهم عندهم، فإن قالوا: هو عالم دار الهجرة فمسلم، إلا أن صاحبنا ضم علمه إلى غيره. فإن قال أصحاب الشافعي: له نسب يلاصق نسب النبي ﷺ ، وقد قال ﵇: "قدموا قريشاً ولا تقدموها، وتعلموا من قريش ولا تعالموها". قلنا: قرب نسبه لا يوجب تقديمه في العلم على غيره، فإن عموم علماء التابعين كانوا من الموالي، كالحسن، وابن سيرين، وعطاء، وطاوس، وعكرمة، ومكحول وغيرهم، وتقدموا على خلق كثير من أهل الشرف بالنسب، لأن تقدمهم كان بكثرة العلم لا بقرب النسب. وقد أخذ الناس بقول ابن مسعود وزيد ما لم يأخذوا بقول ابن عباس. فأما قوله: "قدموا قريشاً". فقال إبراهيم الحربي: سئل أحمد عن ذلك فقال: يعني في الخلافة، "ولا تعالموها": محمول على النبي ﷺ . فإن قالوا:

стр. 667

كان الشافعي فصيحًا فمسلم، وذلك لا يعطي التقدم على غيره، لأن التقدم بكثرة العلم. على أنه قد أخذ عليه كلمات، فقالوا: قد قال: ماء مالح. وإنما يقال: ملح، وقال: ﴿أَلّا تَعولوا﴾: يكثر عيالكم. ومعناه عند اللغويين: أن لا تميلوا. وقال: إذا أشلى كلباً- يريد: أغراه- وإنما الإشلاء عند العرب الاستدعاء. وقال: ثوب يسوى كذا، والعرب تقول: يساوي. وقال أبو بكر المروزي: كان أحمد بن حنبل لا يلحن في الكلام. فإن قالوا: فقد روى عنه، قلنا: لأنه كان أكبر سناً منه، وقد روى الشافعي عن مالك وهو مقدم عندكمعليه، على أنه قد روى الشافعي عن أحمد أيضاً على ما قد سبق بيانه. قال البويطي: سمعت الشافعي، يقول: كل شيء في كتبي [حدثني الثقة، فهو أحمد بن حنبل]. وقال بعض أهل العلم: فهو أحمد بن حنبل. هذا قدر الانتصار لاختيارنا ورحمة الله على الكل، وللناس فيما يعشقون مذاهب.

стр. 668

................................................................................................

стр. 669

الباب التاسع والتسعون في فضل أصحابه وأتباعه أخبرنا ابن ناصر، قال: أنبأنا أبو علي الحسن بن أحمد، قال: أخبرنا أبو الفتح بن أبي الفوارس، قال: أخبرنا عمر بن جعفر بن سلم قال: حدثنا أحمد ابن علي الأبار، قال: قال عبد الوهاب الوراق: إذا تكلم الرجل في أصحاب أحمد فاتهمه، فإن له خبيئة. ليس هو بصاحب سنة. أنبأنا أبو القاسم الحريري، عن أبي إسحاق البرمكي، عن عبد العزيز بن جعفر، قال: أخبرنا أبو بكر الخلال، قال: حدثنا محمد بن علي السمسار، قال: حدثنا أبو داود، قال: سمعت أبا بكر أحمد بن محمد الأثرم، يقول: ربما يترك أصحاب أحمد بن حنبل أشياء ليس لها تبعة عند الله، مخافة أن يعيروا بأحمد ابن حنبل. أخبرنا ابن ناصر، قال: أنبأنا أبو علي الحسن بن أحمد، قال: أخبرنا محمد ابن الحسين بن خلف، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد الحنائي، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله الطرسوسي، قال: حدثنا أبو العباس البردعي، قال: حدثنا أحمد بن طاهر، قال: حدثنا العباس، قال: سمعت أبا الفضل يقول: بلغني أنه ذكر عند المتوكل بعد موت أحمد أن أصحاب أحمد يكون بينهم وبين أهل البدع الشر، فقال المتوكل لصاحب الخبر: لا ترفع إلي من أخبارهم شيئاً،

стр. 670

وشدَّ على أيديهم, فإنهم وصاحبهم من سادَة أُمة محمد, وقد عرف الله لأحمد صبره وبلاءه, ورفع علمه أيام حياته وبعد موته, أصحابه أجلِّ الأصحاب, وأنا أظن أن الله تعالى يُعطى أحمد ثواب الصدّيقين. أخبرنا محمد بن أبى منصور, قال: أخبرنا عبد القادر بن محمد, قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر, قال: أنبأنا عبد العزيز بن جعفر, قال: حدثنا أبو بكر الخلال, قال: حدثنا المُّروذى, قال: قال لى ابن سُحت, خَتن ابن حباب الجوهرى: رأيتُ فى المنام جماعة ورجلًا عليه ثياب بيض يقول: غَفر الله لأحمد ابن حنبل ولكل من ذَبّ عنه. سمعت أبا بكر بن عبد الباقى البزاز, يقول: سمعتُ أبا المظفر هناد إبراهيم النسفى, يقول: سمعتُ أبا القاسم عبد الواحد بن عبد السلام بن الواثق, يقول: سمعتُ بعض الصالحين, يقول: رُئى بعض الصالحين فى النوم فقيل له: ما فَعل الله بك؟ فقال: غَفر لى. قيل: مَن وجدت أكثر أهل الجنة؟ قال: أصحاب الشافعى. قال: فأين أصحاب أحمد بن حنبل؟ قال: سألتنى عن أكثر أهل الجنة, ما سألتنى عن أعلى أهل الجنة, أصحاب أحمد أعلى أهل الجنة, وأصحاب الشافعى أكثر أهل الجنة. أنبأنا أحمد بن الحسن بن البَنّا, قال: أنبأنا أبى, قال: قال أبو حفص عمر ابن المسلم العُكْبَرى: حدثنا أبو محمد يحيى بن محمد بن سَهل الثقفى, قال: حدثنا أبو بكر, قال: حدثنا يحيى بن أحمد الخَواص, قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن إبراهيم, قال: حدثنا يزيد بن أبى يزيد, قال: حدثنا يحيى الحِمَّانى, قال: رأيتُ فى المنام كأنى فى صُفة لى, إذ جاءَ النبى ﷺ , فأخذَ

стр. 671

بعضادتي الباب. ثم أذَّن وأقام, وقال: نَجا الناجون وهلكَ الهالكون. فقلت: يا رسول الله, من الناجون؟ قال: أحمدُ بن حنبل وأصحابه. أنبأنا أحمد بن الحسن, قال: أخبرنا أبى, قال: حكى أبو الحسن على بن عبد الواحد, قال: حدثنى أبو عبد الله الحسين بن أحمد الحربى, قال: رأيتُ فى النوم كأنى فى جَماعة, وكأنا قد اعتُقلنا جماعتنا, وكأنى مكروب من الاعتقال, فإذا بقائل يقول: أى شىءٍ أنتم؟ فقلت: حَنابلة. فقال: قوموا فإن الحنابلة لا يعتقلون. وكأن قائلًا يقول: ما من أحد اشتَمل على هذا المذهب فحوسب. وكان ابن عقيل - رضى الله عنه - يقول: هذا المذهب إنما ظَلمه أصحابه, لأن أصحاب أبى حَنيفة والشافعى إذا بَرع أحد منهم فى العلم تَولى القَضاء وغيره من الولايات. فكانت الوِلاية سَبَبًا لتدريسه واشتِغاله بالعلم؛ فأما أصحاب أحمد, فإنه قَلَّ فيهم من تَعلَّق بطرف من العلم إلا ويخرجه ذلك إلى التَّعبد والتَّزهد لغلبة الخَير على القوم, فيَنقطعون عن التشاغل بالعلم.

стр. 672

الباب المِئة فى ذكر أعيان أصحابه وأتباعه من زمانه إلى زماننا أما مَن صحب أحمد وتَبع مذهبه من العلماءِ والأخيار فى زمانه, فخلقٌ كثير, وكذلك من تَبع مذهبه بعد وفاته إلى زماننا هذا عدد يَفوت الإحصاء, وإنما أذكر من كِبار الأعيان المشتَهرين بالذكر, وقد جعلتهم تسع طَبقات, والله الموفق. ذِكر المختارين من الطبقة الأولى: وهُم الذين صحبوا أحمد ونقلوا عنه أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقى , وقد سمع من إسماعيل بن عُلية, ويَزيد بن زُرَيع, وهُشَيم. أحمد بن أصرم بن خُزيمة المزنى , وقد سمع من عبد الأعلى بن حَمّاد, وغيره. أحمد بن جَعفر الوَكيعى , وقد سَمع من وكيع, وأبى معاوية. أحمد بن حُميد أبو طالب المُشكانِى , وكان فقيرًا صالحًا. أحمد بن أبى خَيثمة زُهير بن حرب , وقد سَمع من عفّان, وأبى نُعيم, وكان من كبار العلماءِ المصنفين.

стр. 673

أحمد بن سعيد الدَّارِمى . أحمد بن سَعيد بن إبراهيم الزُّهرى . أحمد بن صالح المصرى , وكان من كبار الحفاظ. أحمد بن الفُرات أبو مسعود الضُبِّى , وقد سمع من يزيد بن هارون. أحمد بن محمد بن الحجاج أبو بكر المَرُّوذى , كان وَرعًا صالحًا خَصيصًا بخدمة أحمد, كان يبعثه فى حوائجه ويقول: كُلِّ ما قلتَ فهو على لسانى وأنا قلتُه. وكان أحمد يقدمه ويأكل من تَحت يده, ولما قدم أحمد من العسكر, كان يقول: جزى الله أبا بكر المروذى خيرًا. وهو الذى تولى إغماض أحمد لما مات وغسله, وروى عنه أحاديث ومسائل كثيرة. أنبأنا هبة الله بن أحمد الحريرى, قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر البَرْمَكى, عن عبد العزيز بن جعفر, قال: سمعتُ أبا بكر الخلال, يقول: خرجَ أبو بكر المروذى إلى الغَزو, فشيعه الناس إلى سامرًا, فجعل يَردُّهم فلا يرجعون, قال: فحُزِروا فإذا هم بسامَرًا - سوى من رجع - نحو من خَمسين ألف إنسان. فقيل له: يا أبا بكر, احمِد الله فهذا علم قد نشر لك. قال: فَبكى, ثم قال: ليس هذا العلم لى, وإنما هذا علم أحمد بن حنبل. قال الخلال: وأخبرنا العباس بن نَصر, قال: مضيت أُصلى على قبر

стр. 674

المَرُّوذى, فرأيتُ مشايخ عند القبر وسمعتُ بعضهم يقول لبعض: كان فلان هاهنا أمس فنام وانتبه من نومه فزعًا. فقلت: أى شىء القصة؟ فقال: رأيتُ أحمد ابن حنبل راكبًا, فقلت: إلى أين يا أبا عبد الله؟ فقال: إلى شَجرة طوبى نَلحق أبا بكر المروذى. توفى المَرُّوذى لستٍ خلون من جمادى الأولى سنة خمس وسبعين ومئتين, ودفن فريبًا من قبر أحمد, وتولى الصلاة عليه هارون بن العباس الهاشمى. أحمد بن محمد بن خالد أبو العباس البَراثى , وقد سمع من على بن الجَعد. أحمد بن محمد بن هانئ أبو بكر الأثرم , وكان من حفاظ الحديث, قال فيه يحيى بن مَعين: كان أحد أبويه جنى وقد سمع من عفان, وأبى نُعيم, وتشاغل بمسائل أحمد, وصنفها. أحمد بن منصور الرَّمادِى , نقل عن أحمد, وقد روى عن عبد الرزاق. أحمد بن ملاعب بن حيان , وقد سمع من عَفان وأبى نُعيم. أحمد بن نصر الخزاعى , جالس أحمد واستفاد منه, وقد سمع من مالك وهُشيم. أحمد بن يحيى ثعلب , وكان يقال: ما يرد القيامة أعلم بالنحو من ثعلب,

стр. 675

وكان صدوقًا دَيّنًا, وكان له مال, خلف نحوًا من ثمانية آلاف دينار. إبراهيم بن إسحاق الحربى , ولد سنة ثمان وتسعين ومئة, وسمع أبا نُعيم الفَضل بن دُكَيْن, وعفان بن مسلم, وعبد الله بن صالح العِجلى, وموسى بن إسماعيل النَّبُوذَكى, ومُسَدَّدًا, وخلقًا كثيرًاا. وكان إمامًا فى جميع العلوم مُتقنًا, ومصنفًا مُحسنًا, وعابدًا زاهدًا, ونقل عن أحمد مسائل حسانًا. قال الدَّارَقُطْنى: كان إبراهيم الحربى, يقاس بأحمد بن حنبل فى زُهده وعلمه وورعه. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز, قال: أخبرنا أحمد بن على بن ثابت, قال: حدثنى الأزهرى, قال: سمعتُ أبا سعد عبد الرحمن بن محمد الإسْتِراباذى, يقول: سمعتُ أبا أحمد بن عُدى, يقول: سمعتُ أبا عِمران الأشيب, يقول: قال رجل لإبراهيم الحربى: كيفَ قويتَ على جَمْع هذه الكتب؟ فغضب, وقال: بلحمى ودمى, بلحمى ودمى. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد, قال: أخبرنا أحمد بن على, قال: حدثنى محمد بن على الصُّورى, قال: أخبرنا عبد الرحمن بن محمد التُّجِيبى, قال: حدثنا محمد بن إسحاق المُلْحَمى, قال: سمعتُ عبد الله بن أحمد يقول: كانَ أبى يقول لى: امض إلى إبراهيم الحربى حتى يُلقى عليك الفرائض.

стр. 676

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد, قال: أخبرنا أحمد بن على, قال: حدثنى عبد العزيز بن أبى طاهر الصوفى, حدثنى عبد الوهاب بن جعفر الميدانى, قال: حدثنا أبو سُليمان محمد بن عبد الله بن أحمد بن زيد, قال: حدثنى أبى, قال: قال أبو على الحُسين بن قهم - وذكر إبراهيم الحربى -: والله يا أبا مُحمد, لا ترى عيناك مثل أبى إسحاق أيام الدنيا, لقد رأيتُ وجالستُ الناس من صنوف أهل العلم والحذق من كل فن؛ فما رأيتُ رجلًا أكمل فى ذلك كله من أبى إسحاق. أخبرنا عبد الرحمن بن محمد, قال: أخبرنا أحمد بن على, قال: حدثنى الحَسن بن محمد الخَلّال, قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عِمران, قال: حدثنا عبد الله بن جعفر بن درسْتويه, قال: اجتمع إبراهيم الحربى وأحمد بن يَحيى ثعلب, فقال ثعلب لإبراهيم: متى يستغنى الرجل عن ملاقاة العلماء؟ فقال له إبراهيم: إذا علم ما قالوا, وإلى أى شىءٍ ذهبوا فيما قالوا. توفى إبراهيم الحربى ببغدا سَنة خمس وثمانين ومئتين, وصلى عليه يوسف بن يعقوب القاضى, وكان الجمع كثيرًا جدًا, ودفن فى بيته وقَبره اليوم ظاهر يُتَبرك به. إبراهيم بن إسحاق النيسابورى , وكان أحمد يَنبسط فى منزله ويُفطر

стр. 677

عنده. إبراهيم بن الحارث بن مصعب الطَّرَسُوسى , كان أحمد يعظمه ويبسطه, فربما توقف أحمد عن جواب المسألة, فيجيب هو, فيقول له أحمد: جزاك الله خيرًا يا أبا إسحاق. إبراهيم بن هانئ النيسابورى , وكان من العلماءِ العُباد, وفى بيته اختفى أحمد فى أيام الواثق. إسماعيل بن إسحاق السّراج , وقد سمع من يحيى بن يحيى, وإسحاق بن راهوية, ونقل عن أحمد. إسماعيل بن يوسف الدَّيُلَمى , جمع بين حفظ العلم والتعبد, وله كرامات قد ذكرناها فى كتاب (صفة الصفوة). إسحاق بن منصور الكَوْسَج , سمع سفيان بن عُيَيْنَة, ويحيى بن سعيد, وعبد الرحمن بن مَهدى, ووكيعًا فى آخرين, وروى عن أحمد, وأخرج عنه البخارى ومسلم. بشر بن موسى الأسدى , وقد سمع من رَوح بن عُبادة وغيره. بَدر بن أبى بدر أبو بكر المَغَازلى , واسمه أحمد, إنما لُقب ببدر فغلب عليه, واسم أبى بَدر المنذر, وكان الإمام أحمد يقدمه ويكرمه ويقول: من مثل

стр. 678

بدر قد مَلك لسانه, وكان صبورًا على الفقر والزهد. جعفر بن محمد النَّسائى , كان أحمد يكرمه ويأنس به. زكريا بن يحيى الناقد , يكنى أبا يحيى, كان عابدًا وكان أحمد يقول عنه: هذا رجل صالح, وكان يقول: اشتريتُ من الله تعالى حَوراء بأربعة آلاف خَتمة, فلما كان آخر ختمة سمعتُ الخطاب من الحَوراء, وهى تقول: وفيتَ بعهدك, أنا التى اشتَريتنى. فيقال: إنه مات عن قريب. عبد الله بن محمد بن أبى الدنيا , روى عن أحمد أنه سأله: متى يُصلى على السَّقط. فقال: إذا كان لأربعة أشهر. وقد روى عن رجل عن أحمد فى مواضع من تصانيفه. عبد الله بن محمد بن المهاجر, أبو محمد المعروف بفُوران , وقد حدث عن شُعيب بن حرب, ووكيع, وأبى معاوية, وغيرهم, وكان أحمد يُجله ويَأنس إليه, ويَستقرض منه. عبد الوهاب الورّاق , جَمع بين العلم والتقى, وقيل لأحمد: من نَسأل بعدك؟ فقال: سَلوا عبد الوهاب, فإنه رجل صالح مثله يوفق لإصابة الحق. وتوفى عبد الوهاب سنة إحدى وخمسين ومئتين. عبد الملك بن عبد الحميد الميمونى , وقد سمع من ابن عُليّة, ويزيد بن هارون, وكان أحمد يكرمه.

стр. 679

عباس بن محمد الدُّورى , وقد سمع من شَبَابَة بن سَوَّار, وهاشم بن القاسم, وعَفان. عبدوس بن مالك أبو مُحمد العَطار , حدَّث عن شَبابة, وأحمد, ويحيى ابن مَعين, وكانت له منزلة من أحمد. الفَضل بن زياد القطان , كان يصلى بأحمد وروى عنه كثيرًا. محمد بن موسى بن مُشيش, كان جار أحمد وصاحبه, وكان أحمد يقدمه. مُثنى بن جامع الأنبارى , ويقال: إنه كان مُجاب الدعوة. مُهنَّأ بن يَحيى الشامى , وقد روى عن يَزيد بن هارون وعبد الرزاق, وهو من كبار أصحاب أحمد, وكان أحمد يُكرمه ويَعرف له حق الصحبة, وكان يسأل أحمد حتى يضجره وهو يَحتمل. قال الدَّارَقُطْنى: مُهَنَّأ ثِقة نَبيل.

стр. 680

تسمية المختارين من الطبقة الثانية أحمد بن جعفر بن المنادى , سمع جده محمدًا, وعباسًا الدُّورى, وأبا داود السِّجستانى فى خلق كثير, وكان دَيّنًا راسخًا فى العلم حُجة, صَنّف نحوًا من أربع مئة مصنف, وتوفى فى مُحرم سنة ستٍ وثلاثين وثلاث مئة, ودُفن فى مقبرة الخَيزران. أحمد بن جَعفر بن حمدان القَطِيعى , سمع بشر بن موسى, والكُدّيْمى, وروى (المسند) عن عبد الله بن أحمد, وكان صاحب سنة, وتوفى فى ذى الحجةٍ سنة ثمان وستين وثلاث مئة, ودُفن بقرب الإمام أحمد. أحمد بن سُليمان أبو بَكر النَّجَاد , جمع العلم والزهد, وكانت له حلقة بجامع المنصور, يُفتى قبل الصلاة, ويُملى الحديث بعدها, وصنف كتاب (الخِلاف) نحو مئتى جزء, وقد سَمع من أبى داود السجستانى وغيره, وكان يصوم الدهر ويُفطر كل ليلة على رَغيف. وتُوفى فى ذى القعدة سنة ثمان وأربعين وثلاث مئة, ودُفن قريبًا من بشر الحافى. أحمد بن محمد بن هارون أبو بكر الخَلّال , صَرف عنايته إلى جمع علوم أحمد بن حنبل, وسافر لأجلها, وكتبها عاليةً ونازلةً, وصَنفها كتبًا, منها

стр. 681

كتاب (الجامع) نحو من مئتى جزء, ولم يقاربه أحد من أصحاب أحمد فى ذلك, وكانت حلقته بجامع المهدى. تُوفى يوم الجمعة قَبل الصلاة ليومين خَلون من ربيع الأول سنة إحدى عشرة وثلاث مئة, ودُفن يوم السبت إلى جانب المُّروذى. الحسن بن على بن خلف أبو محمد البَرْبَهارى , جَمع العلم والزهد وصحب المرُّوذى, وسهلًا التُّسْتُرى, وتنزه عن ميراث أبيه, لأمر كرهه عن سبعين ألف درهم, وكان البَرْبهارى شديدًا على أهل البدع, فما زالوا يُثقلون قلب السلطان عليه, وكان ينزل بباب محوَل, فانتقل إلى الجانب الشرقى, واستتر عند أخت توزون, فَبقى نحوًا من شهر, ثم أخذه قيام الدم فمات, فقالت المرأة لخادمها: انظر من يغسله وغلقت الأبواب حتى لا يعلم أحد, فجاءَ الغاسل, فغسله ووقف يصلى عليه وحده, فاطلعت فإذا الدار ممتلئة رجالًا بثياب بيض وخضر, فاستدعت الخادم, وقالت: ما الذى فعلت؟ فقال: يا سيدتى رأيت ما رأيتُ؟ قالت: نعم. قال: هذه مفاتيح الباب وهو مغلق فقالت: ادفنوه فى بيتى, وإذام متُ فادفنونى عنده, فدفنوه فى دارها وماتت بعده فدفنت هنالك, والمكان بقرب دار المملكة بقرب دار المملكة بالمخَرّم. وقرأت بخط شيخنا أبى الحسن, ابن الزَّاغُونى, قال: كشف قبر أبى مُحمد البَرْبهارى وهو صَحيح لم يَرم, وظهر من قبره روائح الطيب حتى ملأت مدينة السلام. الحسين بن عبد الله الخِرقى , أبو على والد أبى القاسم, كان يُدعى خليفة المرُّوذى, وكان أكثر صحبته له توفى فى شوال سَنة تسع وتسعين ومئتين.

стр. 682

سُليمان بن أحمد الطَّبرانى , كان من الحُفاظ والأشداء فى دين الله تعالى, وله التصانيف, وتوفى بأصبهان سنة ستين وثلاث مئة, ودفن بباب مَدينة أصبهان بجنب قبر حُممة الدَّوسى, صاحب رسول الله ﵌. عبد الله بن أبى داود السَّجستانى , طافَ به أبوه شرقًا وغربًا, وأسمعَه الحديث الكثير, وله الحفظ الوافر والتصانيف المشهورة, وحدَّث عن على بن خَشْرَم, وسَلَمة بن شَيب وغيرهما. وتوفى فى ذى الحجة سنة ستّ عشرة وثلاث مئة, وقيل: صلّى عليه أكثر من ثلاث مئة ألف, وصلّوا عليه ثمانين مرة. عبد الرحمن بن أبى حاتم الرازى , ذو علم غزير, وتَصنيف كثير, وروى عن أبيه, وصالح بن أحمد وغيرهما, وتوفى سنة سبع وعشرين وثلاث مئة. عمر بن محمد بن رجاء أبو حَفص العُكبرى , جمع العلم والزهد, حدَّث عن عبد الله بن أحمد, وروى عنه ابن بَطَّة, وكان ابن رَجاء إذا مات بُعكْبَرا

стр. 683

رافضي, فبلغه أن بَزازًا باع له كفنًا, أو غاسلاً غسله, أو حمالًا حمله, هجره على ذلك. عثمان بن أحمد الدقاق المعروف بابن السمّاك , سَمع محمد بن عُبيد الله المُنّادِى, وحنبل بن إسحاق, وكان ثقةّ ثبتًا صالحًا. وتوفى يوم الجمعة بعد الصلاة, ودُفن يوم السبت لثلاث ليال بَقين من ربيع الأول سَنة أربع وأربعين وثلاث مئة بمقبرة باب الدَّير. على بن محمد بن بشار, أبو الحسن العالم الزاهد , روى عن أبى بَكر المرُّوذى, وصالح بن أحمد, وكان المشايخ كالبَربَهاى والخَلّال يُعظمونه ويقصدونه, وكانت له كرامات. وكان يُذكر الناس فيفتح كلامه, فيقول: (وإنك لتعلم ما تُريد) فسأله رجل: ما الذى تريد؟ فقال: هو يَعلم أنى ما أريد من الدنيا والآخرة سواه. وكان يقول: من قال لكم من أهل الأرض إنه يعرف مَطعم ابن بشار منذ أربعين سَنة فقد كذب, ومن قال لكم: إن لابن بشار حاجة إلى مخلوق منذ أربعين سنة فقد كذب, أو إن ابن بشار سأل مخلوقًا حاجة منذ أربعين سنة فقد كذب. وكان يقول: أعرف رجلًا منذ ثلاثين سنة ما تكلم بكلمة يعتذر منها, وأعرف رجلًا منذ ثلاثين سنة, يشتهى أن يشتهى فما يجد شيئًا يشتهى.

стр. 684

توفى فى سنة ثلاث عشرة وثلاث مئة. محمد بن أحمد بن الحسن بن الصواف, أبو على , سمع عبد الله بن أحمد فى آخرين. قال الدَّارقُطْنى: ما رأت عيناى مثل أبى على بن الصواف. محمد بن الحُسين بن عبد الله, أبو بكر الآجرى , جمع العلم والزُّهد, وصنف تصانيف كثيرة, وسكن مكة حتى توفى بها. محمد بن عبد الواحد أبو عُمر اللغوى, الزاهد المعروف بغلام ثعلب , كان حافظًا للغة, مُتصونًا فى نفسه. توفى سنة خمس وأربعين وثلاث مئة. أخبرنا أبو منصور القزاز, قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن على, قال: أخبرنا على بن أبى على, قال: أخبرنا على بن أبى على, عن أبيه, قال: أملى أبو عُمر غُلام ثعلب من حفظه ثلاثين ألف وَرقة لغة فيما بلغنى. محمد بن القاسم بن محمد بن بشار, أبو بكر الأنبارى , كان من أعلم الناس بالنحو والأدب وأكثرهم حفظًا له, وسمع الحديث من إسماعيل بن إسحاق القاضى, والكُدَيمى, وثعلب وغيرهم, وصنف كتبًا كثيرة, كان يمليها من حفظه, وكان صدوقًا خيرًا من أهل السنة. أخبرنا القزاز, قال: أخبرنا الخطيب, قال: أخبرنا أبو العلاء الواسطى, قال: قال محمد بن جعفر التميمى: حدّثنى أبو الحسن العَرُضى: قلتُ لأبى بكر الأنبارى: كم تَحفظ؟ قال: أحفظ ثلاثة عشر صندوقًا. وتوفى ليلة النحر من ذ الحجة سنة ثمان وعشرين وثلاث مئة.

стр. 685

ذكر المختارين من الطبقة الثالثة أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل البَرْمَكى , صحب أصحاب أحمد, واختص بصُحبة أبى الحسن بن بشار. عمر بن الحُسين أبو القاسم الخِرقى , قرأ على أصحاب المُّروذى, وكانت له مصنفات لم تنتشر عنه, لأنه خرج من بغداد لما ظهر سَبٌ السلف, وأودع كتبه فى دار سليمان, فاحترقت الدار والكتب. وتوفى بدمشق سنة أربعين وثلاثين وثلاث مئة. عبد العزيز بن جعفر بن أحمد أبو بكر غُلام الخلّال , حدَّث عن محمد بن عثمان بن أبى شيبة, وموسى بن هارون, وقاسم المُطرِّز, وأبي القاسم البَغوى فى خلق كثير, وله المصنفات الحِسان الكبار. وتوفى فى شوال سنة ثلاث وستين وثلاث مئة. أنبأنا يحيى بن الحسن بن البنا, قال: أنبأنا أبو يَعلى محمد بن الحسين, قال: بَلغنى أن عد العزيز بن جعفر, قال فى عِلّته: أنا عندكم إلى يوم الجمعة. فقيل له: يُعافيك الله, فقال: سمعتُ أبا بكر الخلال, يقول: سمعتُ أبا بكر المرُّوذى, يقول: عاش أحمد بن حنبل ثمان وسَبعين ومات يوم الجمعة, ودُفن

стр. 686

بعد الصلاة, وعاش أبو بَكر المُّروذى ثمان وسبعين سنة ومات يوم الجمعة, ودفن بعد الصلاة, وعاش أبو بكر الخَلّال ثمان وسبعين سنة ومات يوم الجمعة, ودُفن بعد الصلاة, وأنا عندكم إلى يوم الجمعة, ولى ثمان وسبعون سنة. فلما كان يوم الجمعة ماتَ ودُفن بعد الصلاة. أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عمر بن شَاقلًا , كبير القَدر, سمع من أبى بكر الشافعى ودَعْلَج, وابن الصواف. عبد العزيز بن الحارث بن أسد أبو الحسن التميمى , حدث عن أبى بكر النيسابورى, ونفطويه, والقاضى المحاملى, وصَحب أبا القاسم الخِرقى, وأبا بكر عبد العزيز. إبراهيم بن محمد بن جَعفر أبو القاسم الساجى , سمع إسماعيل الصفار, وأبا عمرو بن السماك, وتخصص بصحبة عبد العزيز بن جعفر. الحسن بن عبد الله أبو على النجاد, كان إمامًا فى الفقه وصحب ابن بشار والبَرْبَهارى. يوسف بن عُمر بن مَسرور أبو الفَتح القواس , سمع البَغَوى, وابن صاعد, ويُقال: إنه كان من الأبدال. عُبيد الله بن محمد بن محمد بن حَمْدان أبو عبد الله بن بطَّة العُكْبَرى , سمع البغوى, وابن صاعد, وخلقًا كثيرًا, وسافر طويلًا فى طلب العلم, وكان له الحظ الوافر من العلم والعِبادة.

стр. 687

أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز, قال: أخبرنا احمد بن على ابن ثابت, قال: حدثنا القاضى أبو حامد أحمد بن محمد اللؤلؤى, قال: لما رجع أبو عبد الله بن بطة من الرحلة, لازم بيته أربعين سنة فلم يُرَ يومًا منها فى سوق, ولا رُئى مفطرًا إلا فى يوم الأضحى والفطر, وكان أمارًا بالمعروف, ولم يبلغه خبر منكر إلا غَيَّره. أو كما قال. أخبرنا عبد الرحمن قال: أخبرنا أحمد بن على, قال: أخبرنا العَتَيقة, قال: توفى أبو عبد الله بن بَطة فى المحرم سنة سبع وثمانين وثلاث مئة, وكان شيخًا صالحًا مستجاب الدعوة. أخبرنا عبد الرحمن, قال: أخبرنا أحمد بن على, قال: سألتُ عبد الواحد ابن على العكبرى عن وفاة ابن بطة, فقال: دفناه يو عاشوراء. عمر بن أحمد بن إبراهيم أبو حفص البَرْمَكى , كان فقيهًا مصنفًا. محمد بن أحمد ابو الحُسين بن سَمعون , كان واحد دهره فى الكلام بلسان التذكير, وله حظٌّ وافر من العلم والعمل والكرامات, وقد ذكرت من أخباره فى (صفة الصفوة) وأخبار جُمهور المذكورين فى هذا الباب, وأنا أكره الإعادة فى التصانيف, والمقصود هاهنا الإشارة لا البسط. محمد بن الحسن بن قُشيش , كان فقيهًا صدوقًا. محمد بن سيما بن الفتح أبو بكر الحنبلى , سمع البَغَوى, وابن صاعد, وكان صدوقًا.

стр. 688

عمر بن إبراهيم بن عبد الله أبو حفص العُكبرى , سمع من أبى على بن الصواف, وأبى بكر النَّجاد, ودَعْلَج, وصحب أبا بكر عبد العزيز, وله التصانيف الكثيرة. محمد بن إسحاق بن محمد بن مَنْدَة الأصفهانى , ومندة لقب, واسمه إبراهيم, سمع من أبى العباس الأصم وخلق كثير, وكان يقول: كتبت عن ألف وسبع مئة شيخ, وطُفت الشرق والغرب مرتين, ولم أسمع من مُبتدع شيئًا. أحمد بن عبد الله بن الخضر أبو الحُسين السُّوسَنْجِردى , سمع أبا عمرو السماك, والنَّجاد, فى خلق كثير وكان ثقة دَيِّنًا. عثمان بن عيسى أبو عمرو الباقلانى , كان أحد المتعبدين, ولما مات رُئى فى المنام بعض جيرانه من الموتى, فقيل له: كيف فرحكم بجوار عثمان؟ فقال: وأينَ عثمان؟ لما جئ به سَمعنا قائلًا يقول: الفِردوس, الفِردوس. الحسن بن حامد أبو عبد الله , انتهى إليه المذهب, وله التصانيف الواسعة الكثيرة, وتُوفى بطَريق مكة بقرب واقِصة بعد رجوعه من الحج سنة ثلاث وأربع مئة, وكان قد استند إلى حجر قبل موته فجاءَه رجل بقليل ماء, وقد أشفى على التلف, فقال: من أين هذا؟ فقال له: ما هذا وقته, فقال: بلى, هذا وقته عند لقاء الله تعالى.

стр. 689

الحسين بن أحمد بن جعفر أبو عبد الله البغدادى , كان عالمًا عابدًا, لا ينام إلا عن غلبة, ويأكل خُبز الشعير. عبد الواحد بن عبد العزيز بن الحارث أبو الفضل التميم ى, حدث عن أبى بكر النَّجاد, وأبى بكر الشافعى فى آخرين, وكانت له يد فى علوم كثيرة. وتوفى فى سنة عشر وأربع مئة ودُفن إلى جنب قبر أحمد. أحمد بن موسى بن عبد الله الروشنانى , سَمع أبا بكر القَطِيعى وغيره, وكان عالمًا عابدًا.

стр. 690

ذكر المختارين من الطبقة الرابعة عبد السلام بن الفَرج أبو القايم المَزْرَفي , صاحب ابن حامد له تصانيف. الحُسين بن محمد بن موسى أبو عبد الله الفُقَّاعي , فقيه مُناظر وكانت حلقته بجامع المدينة عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث أبو الفرج التيمي , سمع الحديث ورواه, وكانت له حلقة في جامع المنصور للفتوى والوعظ, وتوفى سنة خمس وعشرين وأربع مئة, ودُفن عند قبر أحمد. مُحمد بن أحمد بن أبي موسى أبو علي الهاشمي القاضي , سمع الحديث من محمد بن المُظفّر وغيره, وله التصانيف, وكانت له حلقة بجامع المنصور يُفتي ويشهد. الحسن بن شهاب بن الحسن أبو علي العُكْبري , لازم ابن بطّة, وله حظ وافرٌ من الفقه والحديث والفُتيا والأدب. أحمد بن عمر بن أحمد أبو العباس البَرْمكي , سمع أبا حفص بن شاهين, وأبا القاسم بن حبابة, وكانوا صدوقًا. أخوه إبراهيم بن عمر أبو إسحاق البَرْمَكي , قيل: إن سلفه كانوا يسكنون

стр. 691

قرية تسمى البرمكية فَنُسبوا إليها, صحب ابن بطة وسمع منه, وكانت له حَلقة بجامع المنصور. محمد بن علي بن الفتح أبو طالب العُشاري , له الرواية الواسعة والدين الغزير. سمعتُ شيخنا عبد الوهاب الحافظ يقول: خرجَ أبو طالب العُشاري في أيام فِتنةٍ وظلم, فلقيه تُركي, فقال: أي شيء معك؟ فقال: لا شيء, فذهب التركي, فصاح به أبو طالب, فعاد, فقال: اعلم أن رأسَ مالنا الصدق, ومعي درهمان فخُذهما. قال: فتَركه التركي وعرف منزله, فحمى بذلك الفعل محلته كلّها.

стр. 692

ومن الطبقة الخامسة القاضي أبو يَعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن الفَرّاء , سمع الحديث الكثير, ودَرَس الفقه على أبي عبد الله بن حامد, وانتهى إليه علم المذهب, وكانت له التصانيف الكثيرة في الأصول والفروع, وله الأصحاب المتوافرون, وكان فَقيهًا متعففًا, وولي القضاء, وأملى الحديث بجامع المنصور على كرسي عبد الله بن أحمد, فكان المبلغون عنه ثلاثة: أبو مُحمد بن جابر, وأبو مَنصور ابن الأنباري, وأبو عَلي البَرداني. وحَضر خلقٌ لا يحصى. وتوفى في ليلة الاثنين بين العشاءين, ودُفن يوم الاثنين التاسع عشر من رمضان سنة ثمان وخمسين وأربع مئة بمقبرة أحمد, وكان الجمع يزيد على الحد, وأفطر خلقٌ كثير من شدة ما لحقهم من الحَرِّ في الصوم.

стр. 693

ذكر المختارين من الطبقة السادسة أبو الغَنائم علي بن طالب المعروف بابن زبيبا , كان فقيهًا وله حلقة بجامع المهدي, وتوفي بعد القاضي أبي يعلى بنحو سنة, ودفن قريبًا منه. أبو طاهر عبد الباقي بن محمد البزاز, المعروف بصهر هبة [الله] المقرئ , كان صالحًا معدلًا. أبو بكر محمد بن علي بن محمد بن موسى بن جعفر الخياط المقرئ , ولد في سنة ست وسبعين وثلاث مئة, وقرأ القرآن على أبي الحين السُّسنجردي, وأبي الحسن الحَمّامي, وسمع الحديث الكثير. وتوفى في جمادي الأُولى من سنة سبع وستين وأربع مئة. أبو الحسن علي بن الحسين بن جَدَا العُكْبري , سمع من أبي علي بن شهاب, وأبي علي بن شاذان, وكان فقيهًا صالحًا فصيحًا. وتوفى فجأة في الصلاة في رمضان سنة ثمان وستين وأربع مئة, ودفن في مقبرة أحمد. أبو جعفر عبد الخالق بن عيسى الهاشمي , سمع الحديث الكثير من أبي

стр. 694

القاسم بن بشران, وأبي محمد الخَلّال, وأبي إسحاق البَرْمكي, والعشاري, وابن المُذهب, وغيرهم. وتفقه على القاضي أبي يعلى, وكان فَقيهًا مصنفًا ديّنًا عفيفًا, وكان أحد شهود أبي عبد الله الدّامغَاني, وتولّى تزكيته القاضي أبو يعلى, ثم ترك الشهادة قبل وفاته. ولم يزل يدرس في مَسجد بسكّة الخرقي من باب البَصرة, وبجامع المنصور, ثم انتقل إلى الجانب الشرقي يُدرس في مسجد مقابل لدار الخِلافة, ثم انتقل في سنة ست وستين لأجل ما لحق نهر المُعلّى من الغرق إلى باب الطّاق, وسكن في درب الديوان من الرُّصافة, ودَرَّس بجامع المهدي, وبالمسجد الذي بباب دَرب الديوان, وكان له مجلس نَظر. ولما احتضر القاضي أبو يعلى, أوصى أن يغسله الشريف أبو جعفر, فلما احتضر القائم بأمر الله, قال: يغسلني عبد الخالق فَفعل, ولم يأخذ مما هُناك شيئًا, فقيل له: قَد وصى لك أمير المؤمنين بأشياء كثيرة, فأبى أن يأخذ, فقيل له: فقميص أمير المؤمنين تتبرك به, فأخذ فوطة نفسه, فنشفه بها, وقال: قد لحق هذه الفوطة بَركة أمير المؤمنين, ثم استدعاه في مكانه المقتدي فبايعه منفردًا. فلما وصل إلى بَغداد ولدُ القُشيري, وظهرت الفتن, وكان هو شديدًا على

стр. 695

المبتدعة, فقمعهم, وكان النَّصر لطائفته, إلا أنه أُخذ وحُبس؛ فضج الناس من حَبسه, فأخرج إلى الحريم الطاهري بالجانب الغربي, فتوفى هناك في يوم الخميس للنصف من صَفر سنة سبعين وأربع مئة وكان يومًا مشهودًا, وحُفر له إلى جانب قبر أحمد, ولزم الناس قبره ليلًا ونهارًا, فيقال: إنه خُتم على قبره في مدة شهور أكثر من عشرة آلاف ختمة. ورآه بعضهم في المنام؟ فقال: ما فَعل الله بك؟ قال: لما وُضعت في قبري رأيتُ قبة من دُرة بيضاء لها ثلاثة أبواب, وقائل يقول: هذه لكَ ادخل من أي أبوابها شئت. ورآه آخر في المنام, فقال: ما فعل الله بك؟ قال: التقيتُ بأبي عبد الله أحمد بن حنبل, فقال لي: يا أبا جعفر, لقد جاهدتَ في الله حق جهاده؛ وقد أَعطاك الله الرضا. عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن مَنْدَة الأصبهاني أبو القاسم , له التصانيف, وكان من أهل السنّة الكبار, توفى سنة سبعين وأربع مئة. أبو بكر أحمد بن محمد الرازي المقرئ, المعروف بابن حَمدويه , سمع من أبي الحسين بن سَمعون وغيره, وتفقه على القاضي أبي يعلى, وتوفي في ذي الحجة سنة سبعين. أبو علي الحسن بن أحمد بن البنا , سمع الحديث الكثير وقرأ بالقراءات, وتفقه على القاضي أبي يعلى, ودرس التصانيف الكثيرة في فنون العلوم. وقال: صنفت خمس مئة مصنّف, وكانت له حلقة للفقه والحديث, وتوفي في رجب سنة إحدى وسبعين, ودفن بمقبرة أحمد.

стр. 696

أبو الوفاء طاهر بن الحسين بن القَّوّاس , كانت له حلقة بجامع المنصور يُفتي ويعظ, كان يُدرس الفقه ويُقرئ القُرآن, وكان زاهدًا أمَارًا بالمعروف, أقام في مسجده نحوًا من خمسين سنة, وأجهد نفسه في العبادة وخُشونة العيش, وتوفي في ليلة الجمعة سابع شَعبان من سنة ثلاث وسبعين, ودُفن إلى جانب الشريف أبي جعفر. علي بن أحمد بن الفَرج البزّاز المعروف بابن أخي نَصر العُكْبري , سمع من أبي علي بن شاذان, والحسن بن شهاب العُكبري, وكان له تقدُّم في القرآن والحديث والفقه والفرائض, وجمع إلى ذلك النُّسك والورع, وتوفي سنة ثلاث وسبعين. أبو الفتح عبد الوهاب بن أحمد الحَرّاني , سمع الحديث من أبي علي ابن شاذان, والبرقاني, وتفقه على القاضي أبي يعلى, وكان يُدرس ويُفتي ويَعظ؛ واستشهد في سنة ست وسبعين وأربع مئة. أبو علي يعقوب بن إبراهيم البرزبيني , - وبرزبين قرية بين بغداد وأوانا - سمع الحديث من أبي إسحاق البَرْمكي, وتفقه على القاضي أبي يعلى, وشَهد في اليوم الذي شهد فيه الشريف أبو جعفر, وزكّاهما القاضي أبو يعلى, ودَرّس أبو علي في حياة شيخه, وولّاه القاضي قضاء باب الأزج.

стр. 697

وتوفي في شوال سنة ثمان - وقيل: سنة ست - وثمانين وأربع مئة, ودُفن بباب الأَزج, إلى جانب عبد العزيز غُلام الخلال. أبو محمد شافع بن صالح بن حاتم الجيلي , سمع من أبي علي بن المُذهب, وتفقه على القاضي أبي يعلى, وكان مُتعففًا مُتقشفًا ذا صلاح, توفي في سنة ثمانين. أبو إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي الأنصاري الهَرَوي , كان يُدعى شيخ الإسلام, وكان شديدًا على المبتدعة عالمًا بالحديث, وكان يقول: مذهبُ أحمدَ, أحمدُ مذهبٍ. ومن شعره: أنا حَنبلي ما حييتُ فإن أمتْ ... فوصيتي ذاكُم إلى إخْواني إذ دينُه ديني وديني دينُه ... ما كنت إمَّعة له دينان وتوفي في سنة إِحدى وثمانين. أبو الفرج عبد الواحد بن محمد الشيرازي, تفقه على القاضي أبي يعلى, واجتمع له العلم والزهد, وله كرامات وتُوفي بدمشق سنة ست وثمانين. أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التيمي , تفقه على القاضي أبي علي بن أبي موسى. وكانت له المعرفة الحسنة بالقرآن والحديث والفقه والأُصول والتفسير واللّغة العربية والفَرائض, وكان حسن الأخلاق, وكان يَجلس في حلقة أبيه بجامع المنصور للوعظ والفتوى, ثم انقطع, فصار يَمضى في السنة أربع دفعات في رَجب وشعبان, فيعقد المجلس عند قَبر أحمد.

стр. 698

ومولده سنة أربع مئة, وتوفي سنة ثمان وثمانين وأربع مئة, ودُفن في داره بباب المراتب, ثم نُقل بعد ذلك إلى مَقبرة أحمد لما توفي ابنه أبو الفضل سنة إحدى وتسعين. أبو عبد الله محمد بن الحسن الراذاني , سمع من القاضي أبي يعلى, وكان كثير التهجد, ملازمًا للصيام وكانت له كرامات, وتوفي سنة أربع وتسعين, ودُفن بأوانا. أبو علي أحمد بن محمد البَرَداني, تفقه على القاضي أبي يعلى, وسمع الحديث الكثير وله به المعرفة التامة, وتوفي في شوال سنة ثمان وتسعين. أبو منصور محمد بن أحمد بن علي بن عبد الرزاق الخيّاط , وكان من أهل القرآن الأخيار, وسمع الحديث الكثير, وتفقه على القاضي أبي يعلى, كان كثير الصيام والصلاة وله كرامات, وتوفي في محرم سنة تسع وتسعين, وقد بلغ سبعًا وتسعين سنة, ودفن في دكة قبر أحمد. أبو بكر أحمد بن علي بن أحمد العُلبي , أحد المشهورين بالزهد والصلاح, سمع الحديث على القاضي أبي يعلى, وقرأ عليه شيئًا من المذهب؛ وكان يعمل بيده تجصيص الحيطان, ثم ترك ذلك, ولازم المسجد يُقرئ القرآن ويؤم الناس؛ وكان عفيفًا لا يقبل من أحد شيئًا, وكان يذهب بنفسه كل ليلة إلى دجلة فيأخذ في كوزٍ له ما يُفطر عليه, وكان يمشي بنفسه في حوائجه ولا يستعين بأحد. وكان إذا حجَّ يزور القبور بمكة, ويجيء إلى قبر الفُضيل بن عياض, ويخط

стр. 699

بعصاه, ويقول: يا ربّ هاهنا, يا ربّ هاهنا, فاتفق أنه خرج في سنة ثلاث وخمس مئة إلى الحج, وكان قد وقع من الجمل في الطريق دفعتين؛ فشهد عَرفَة مُحرمًا, وتوفي عشية ذلك اليوم في أرض عرفات, فحمل غلى مكة وطيف به البيت, ودُفن في يوم النَّحر إلى جنب قبر الفُضيل بن عياض. أبو الفتح محمد بن علي الحلواني , شاهَدَ القاضي أبا يعلى, لكنه تفقه على يعقوب البرزبيني, والشريف أبي جعفر؛ ثم درس في المسجد الذي كان يدرس فيه الشريف بالحرم. وتوفي في ذي الحجة سنة خمس وخمس مئة. أبو منصور علي بن محمد بن الأنباري , تَفقه على القاضي أبي يعلى, وسمع الحديث الكثير, وكان أحد الشهود والواعاظ. وتوفي في سنة سبع وخمس مئة. أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي , انتهت إليه الرئاسة فيب الأصول والفروع, وله الخاطر العاطر, والفهم الثاقب, واللّباقة والفِطنة البغدادية, التبريز في المناظرة على الأقران, والتصانيف الكبار. ومن طالع مُصنفاته, أو قَرأ شيئًا من خواطره وواقعاته في كتابه المسمى "بالفنون" وهو مئتا مجلد, عَرف مقدار الرجل, ووقع إليَّ من هذا الكتاب نحو من مئة وخمسين مُجلدة. سمع أبا بكر بن بشْران, وأبا الفتح بن شيطا, وأبا محمد الجوهري, والقاضي أبا يعلى, وغيرهم.

стр. 700

ومولده في سنة ثلاثين وأربه مئة, وروى بعضهم: سنة إحدى وثلاثين. وتوفى في سنة ثلاث عشرة وخمس مئة. أبو الخطاب مَحفوظ بن أحمد الكَلْواذي , ولد في شوال سنة اثنتين وثلاثين وأربع مئة, وسمع من الجوهري, والعشاري, والقاضي أبي يعلى. وبرع في الفقه, وصنَّف, ونفع بتصنيفه لحسن قصده. وتوفي سحرة يوم الخميس, ودفن يوم الجمعة قبل الصلاة, الثالث والعشرين من جمادي الآخرة, سنة عشر وخمس مئة.

стр. 701

ذكر المختارين من الطبقة السابعة أبو سعد المبارك بن علي المُخرِّمي , سمع أبا الحسين بن المهتدي, وابن المأمون, وابن النَّقور, وتفقه على يعقوب, والشريف أبي جعفر, وولي قضاءَ باب الأزج. وتوفي في محرم سنة ثلاث عشرة وخمس مئة. علي بن المبارك بن الفاعوس أبو الحسن , كان زاهدًا حسن الطريقة, وسمع من القاضي أبي يعلى وغيره. وتوفي في شوال سنة إِحدى وعشرين وخمس مئة, وحَضر جنازته خلق لا يُحصون, ودُفن بمبقبرة أحمد. وحدثني إبراهيم بن دينار الفقيه, قال: كانَ ابن الفاعوس إذا صلى الجُمعة جلس يَقرأ على أصحابه الحديث, فيأتي ساقي الماء فيأخذ منه فَيشرب ليريهم أنه مُفطر, وربما صامها في بعض الأيام. محمد بن أبي طاهر عبد الباقي بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الربيع بن ثابت بن وهب بن مَشْجعة بن الحارث بن عبد الله ابن كعب بن مالك الأنصاري , أحِد الثلاثة الذين خُلَّفوا. ولد في صفر سنة اثنتين وأربعين بالكَرخ, وكان يقول: لما ولدتُ جاءَ مُنجم

стр. 702

من قِبل أبي, ومُنجم من جهة أمي, وأخذا الطالع واتفق حسابهما على أن عُمري اثنتان وخَمسون سنة, فها أنا في عشر المئة. وهو آخر من حدث عن أبي إسحاق البَرْمكي, وأبي الطيب الطبري, وأبي طالب العُشاري, وأبي الحسن الباقلاني, وأبي محمد الجوهري, في آخرين. وكان يقول: حفظتُ القرآن وأنا ابن سَبع سنين, وما من علم إلا وقد نظرتُ فيه, وحَصَّلت منه الكُلّ أو البعض, وما أعرف أني ضيعت ساعة من عمري في لهو ولعب. وانفرد بعلم الحساب والفَرائض, ودخلنا إليه وقد تم له ثلاث وتسعون سنة, وما تغيَّر من حواسه شيء. وتوفي في يوم الأربعاء قبل الظهر, ثاني رجب من سنة خمس وثلاثين وخمس مئة, ودُفن قريبًا من بشر الحافي, وبقي ثلاثة أيام قبل موته لا يفتر عن قراءَة القرآن. أبو بكر محمد بن الحُسين بن علي المَزْرَفّي , ولم يكن من المَزْرَفة, وإنما انتقل أبوه في زمان الفتنة إلى المزرفة فأقام بها مدة, فلما رجع, قالوا: المزرفي, فعُرف بذلك. ولد في سنة تسع وثلاثين, وقيل: في سنة أربعين.

стр. 703

وكان إِمامًا في القرآن, والفرائض, وسمع الحديث الكثير من الكبار, كابن المُسلمة وغيره. وتوفي أول يوم من المحرم, سنة سبع وعشرين وخمس مئة. أبو الحسين محمد بن محمد بن الفَرّاء , ولد ليلة النِّصف من شَعبان سنة إحدى وخمسين, وسمع الحديث الكثير, وتفقه على الشريف أبي جعفر, وقتله اللصوص ليلة عاشوراء من سنة ست وعشرين وخمس مئة. أخوه أبو خازم محمد بن مُحمد بن الفراء , كان فقيهًا زاهدًا, وتوفي في صَفر سنة سبع وعشرين وخمس مئة. أبو الحسن علي بن عُبيد بن نَصر الزّاغوني , سمع الحديث الكثير من ابن النَّقور, وابن المأمون, وابن المُسلمة وغيرهم. وقرأ بالقراءات, وتفقه على يَعقوب البرزبيني, وصنف في الأصول والفروع, وكان له في كُلّ فن من العلم حظ, ووعظ مدة طويلة. ولد في سنة خمس وخمسين, وتوفي في محرم سنة سبع وعشرين وخمس مئة.

стр. 704

ذكر المختارين من الطبقة الثامنة أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي , ما رأينا في مشايخ الحديث أكثر سماعًا منه, ولا أكثر كتابة للحديث بيده مع المعرفة منه, ولا أصبر على الإقراء, ولا أسرع دمعة وأكثر بكاء مع دوام البِشر وحُسن اللقاء. ولد في رجب سنة اثنتين وستين, ومات في محرم سنة ثمان وثلاثين وخمس مئة, ودُفن بالشونيزيّة. أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد الدّينوري , تفقه على أبي الخَطاب الكَلواذاني, وبرع في الفقه, وتقدم في المناظرة على أبناء جنسه, حتى كان أسعد الميهني, يقول: ما اعترض أبو بكر الدينوري على دليل أحدٍ إلَّا ثلَلَم فيه ثُلْمةً. وكان يَرقُّ عند ذكر الصالحين ويبكي, ويقول: للعلماء عند الله قدرٌ فلعل [الله أن يَجعلني منهم] وحضرت درسه بعد موت شيخنا أبي الحسن الزاغوني نحوًا من أربع سنين؛ وأنشدني: أَصِخ لن تَنَالَ العلْم إلا بستةٍ ... سَأنبيكَ عن مَكنونها ببيانٍ ذكاءٍ وحِرص وافتقار وِبُلغةٍ ... وإرشاد أُستاذٍ وطول زمان وأنشدني: تمنيت أن تُمسي فقيهًا مُناظرًا ... بغير عَناءٍ فالجنون فنونُ وليس اكتسابُ المال دونَ مَشقةٍ ... تلقَّيتها فالعِلمُ كيف يَكونُ

стр. 705

وتوفى في سنة اثنتين وثلاثين وخمس مئة, ودفن قريبًا من قبر أحمد. أبو منصور موهوب بن أحمد الجَواليقي , سمع الحديث الكثير, وانتهى إليه علم اللغة, وكان مُتقنًا في علمه, متورعًا في نطقه, شديد التثبت في قوله. وتوفي في محرم سنة أربعين وخمس مئة. أبو محمد عبد الله بن علي بن أحمد المقرئ , سمع الحديث الكثير, وقرأ بالقراءات الكثيرة, وصنَّف فيها التصانيف الحِسان, وكانت له معرفة بالعربية, وما سمعنا أحسن قراءَة منه, ولا أكمل أداة ولا أصح أداء. وكان قويًّا في السنة, وكان طول عُمره منفردًا في مسجده. ومولده في شعبان سَنة أربع وستين, وتوفي في يوم الاثنين ثامن عشري ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين وخمس مئة, وكان له جمع يزيد على الحصر ما رأينا لأحدٍ مثله. أبو الفضل محمد بن ناصر بن محمد بن علي , ولد في شعبان سنة سبع وستين, وسمع الحديث الكثير, وكان له حظٌّ وافر من معرفته, وقرأ علم اللغة على أبي زكريا, وهو الذي جعله الله تعالى سبَبًا لإرشادي إلى العلم؛ فإنه كان يجتهد معي في الصغر ويحملني إلى المشايخ, وأسمعني "مسند" الإمام أحمد بقراءته على ابن الحُصين, والأجزاء العوالي, وأنا إذ ذاك لا أدري ما العلم من
следующие страницы →