(١٠٩) باب استغراق الليل بالنوم من آثار الشيطان
[٦٥٠]- عَن عبد الله، قَالَ: ذُكِرَ عِندَ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلٌ نَامَ لَيلَةً حَتَّى أَصبَحَ، قَالَ: ذَلكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيطَانُ فِي أُذُنَيهِ. أَو قَالَ: فِي أُذُنِهِ.
رواه أحمد (١/ ٣٧٥)، والبخاري (٣٢٧٠)، ومسلم (٧٧٤)، والنسائي (٣/ ٢٠٤)، وابن ماجه (١٣٣٠).
ــ
كذا وكذا؛ لزمه أحد وعشرون، وإن قال: كذا درهمًا؛ لزمه عشرون؛ بناء على أقل ما تقتضيه هذه الكنايات. وعلى هذا الأصل فيكون قوله ﷺ : كذا وكذا؛ أنه أقل ما يحمل عليه إحدى وعشرون آية. ولا يجوز في آية في الحديث إلا النصب على ما حكيناه. وقد تقدم القول في نسيان النبي ﷺ ، وأنه إن نسي شيئًا من الوحي لا يقرّ على نسيانه، إلا أن يكون ذلك نسخًا، كما قال تعالى: ﴿سَنُقرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ والله أعلم به.
(١٠٩) ومن باب: استغراق الليل بالنوم من آثار الشيطان
قوله: ذاك رجل بال الشيطان في أذنه: يصح بقاؤه على ظاهره؛ إذ لا إحالة فيه، ويفعل ذلك استهانة به، ويحتمل أن يحمل على التوسُّع، فيكون معناه: أن الذي ينام الليل كله ولا يستيقظ عند أذان المؤذنين، ولا تذكار المذكرين؛ فكأن الشيطان سدَّ أذنيه ببوله، وخصّ البول بالذكر إبلاغًا في التفحيش به، وليجتمع له مع إذهاب سمعه استقذار ما صرف به سمعه، ويحتمل أن يكون معناه: أن الشيطان استولى عليه واستهان به، حتى قد اتخذه كالكَنيف المُعَدّ لإلقاء البول فيه. والله أعلم.
стр. 1017
[٦٥١]- وعَن عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ، فَقَالَ: أَلا تُصَلُّونَ؟ فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّمَا أَنفُسُنَا بِيَدِ الله، فَإِذَا شَاءَ أَن يَبعَثَنَا بَعَثَنَا. فَانصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ قُلتُ لَهُ ذَلِكَ. ثُمَّ سَمِعتُهُ وَهُوَ مُدبِرٌ يَضرِبُ فَخِذَهُ، وَيَقُولُ: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكثَرَ شَيءٍ جَدَلا﴾.
رواه أحمد (١/ ١٠٢)، والبخاري (١١٢٧)، ومسلم (٧٧٥)، والنسائي (٣/ ٢٠٥ - ٢٠٦).
[٦٥٢]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ يبلغُ بِهِ الَّنِبي ﷺ قَالَ: يَعقِدُ الشَّيطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأسِ أَحَدِكُم ثَلاثَ عُقَدٍ إِذَا نَامَ،
ــ
وقوله: طَرَقَهُ وفاطمة؛ أي: أتاهما ليلا، والطارق هو الآتي بالليل، ومنه سُمّيَ النجم: طارقًا في قوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ وهذا الإتيان منه ﷺ ؛ إنما كان منه ليوقظهما للصلاة؛ بدليل قوله: ألا تصلون؟ ! وقد استنكر منهما نومهما في تلك الليلة؛ إذ خالفا عادتهما، ووقت قيامهما؛ ولذلك اعتذر له علي ﵁ بقوله: إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء بعثها؛ أي: أيقظها. وانصراف النبي ﷺ عند سماعه هذا الكلام منه، وضربه فخذه، وتمثُّله بالآية؛ يدل على أنه ﷺ لم يرض بذلك الجواب منه؛ لأن الحزم والتهمُّم بالشيء يقتضي أن لا ينام عنه؛ لأن من تحقق رجاؤه بشيء، واشتَّدت عنايته به ورغبته فيه، أو خاف من شيء مكروه؛ قلّ ما يصيبه ثقيل النوم، أو طويله. والله أعلم.
وقوله: يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عقد. هذا العقد الذي يعقده الشيطان كأنه من باب عقد السواحر ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ﴾؛ وذلك بأنهن يأخذن خيطًا فيعقدن عليه عقدة منه، ويتكلَّمن عليه بالسحر، فيتأثر المسحور عند ذلك؛ إما بمرض، أو تخييل، أو تحريك قلب، أو تحزين، أو غير ذلك، فشبَّه فعل الشيطان بالنائم بفعل السواحر، وذلك أن النائم
стр. 1018
بِكُلِّ عُقدَةٍ يَضرِبُ عَلَيكَ لَيلا طَوِيلا، فَإِذَا استَيقَظَ فَذَكَرَ الله؛ انحَلَّت عُقدَةٌ، وَإِذَا تَوَضَّأَ انحَلَّت عَنهُ عُقدَتَانِ، فَإِذَا صَلَّى انحَلَّتِ العُقَدُ، فَأَصبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفسِ، وَإِلا أَصبَحَ خَبِيثَ النَّفسِ كَسلانَ.
ــ
كلما أراد أن يقوم ليذكر الله أو يصلي غرّه وخدعه؛ بأن يقول له: عليك ليل طويل فارقد، فيريه أنه لطول ما بقي عليه من الليل ما يمكنه استيفاء راحته من النوم، وقيامه بعد ذلك لحزبه، فيصغي لذلك ويرقد، ثم إن استيقظ ثانية فعل به ذلك، وكذلك ثالثة، فلا يستيقظ من الثالثة إلا وقد طلع الفجر، فيفوته ما كان أراد من القيام. وإنما خص العقد بثلاث؛ لأن أغلب ما يكون انتباه النائم في السحر، فإن اتفق له أن يستيقظ ويرجع للنوم ثلاث مرات؛ لم تتقض النومة الثالثة في الغالب إلا والفجر قد طلع. والله أعلم.
وروايتنا الصحيحة: عليك ليل طويل؛ على الابتداء والخبر، وقد وقع في بعض الروايات: عليك ليلا طويلا؛ على الإغراء، والأول أولى من جهة المعنى؛ لأنه الأمكن في الغرور، من حيث إنه يخبره عن طول الليل، ثم يأمره بالرقاد بقوله: فارقد وإذا نُصِبَ على الإغراء لم يكن فيه إلا الأمر بملازمة طول الرقاد، وحينئذ يكون قوله: فارقد ضائعًا. والله أعلم.
وقافية الرأس: آخره، وكذلك قافية كل شيء، ومنه: قافية الشِّعر.
وقوله: فأصبح نشيطًا طيِّبَ النفس؛ أي: نشيطًا لما يرد عليه من عبادات أُخر؛ من صلوات وغيرها، فإنه يألف العبادات ويعتادها، حتى تصير له شِربًا (١)، فتذهب عنه مشقتها، ولا يستغني عنها.
وطيب النفس؛ لرجاء ثواب ما فعل؛ ولانشراح صدره بما يستقبل. والله أعلم.
وقوله: وإلا أصبح خبيث النفس كسلان؛ أي: بشؤم تفريطه، وبإتمام
стр. 1019
رواه أحمد (٢/ ٢٤٣)، والبخاري (٣٢٦٩)، ومسلم (٧٧٦)،
وأبو داود (١٣٠٦)، والنسائي (٣/ ٢٠٣ - ٢٠٤)، وابن ماجه (١٣٢٩).
* * *
ــ
خديعة الشيطان عليه؛ إذ قد حمله على أن فاته الحظ الأوفر من قيام الليل. وكسلان؛ أي: متثاقل عن الخيرات فلا يكاد تسخو نفسه، ولا تخف عليها صلاة، ولا غيرها من القربات، وربما يحمله ذلك على تضييع الواجبات.
وكسلان: غير منصرف؛ للألف والنون الزائدتين، وهو مذكر كسلى. وقد وقع لبعض رواة الموطأ: كسلانًا مصروفًا، وليس بشيء، وقد أضاف النبي ﷺ في هذا الحديث الخبث للنفس، مع أنه قد قال في حديث آخر: لا يقل أحدكم: خبثت نفسي، ولكن ليقل: لقست نفسي (١)، ولا تعارض بينهما؛ لأن الذي منعه النبي ﷺ ، إنما هو: أن يطلق الإنسان على نفسه لفظ الخبث، وهو مذموم، فيذم نفسه، ويضيف الذم إليها، وهو ممنوع في مثل هذا، وأما لو أضاف الإنسان لفظ الخبث إلى غيره مما يصدق عليه، لم يكن ذلك مذمومًا ولا ممنوعًا. والله أعلم.
ولقست: معناه غثت (٢)، ويقال: مقست بالميم والقاف، ونقست بالنون، وكله بمعنى خبثت، وكأن النبي ﷺ كره إطلاق ذلك اللفظ، فنقل إلى غيره، كما قررناه. وقد غيّر رسول الله ﷺ اسم عاصية بجميلة (٣)، وكره لفظ العقوق (٤)، وهذا النحو كثير عنه ﷺ .
стр. 1020
(١١٠) باب أفضل النوافل ما صُلِّي في البيت
[٦٥٣]- عَنِ ابنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: اجعَلُوا مِن صَلاتِكُم فِي بُيُوتِكُم، وَلا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا.
رواه أحمد (٢/ ١٦)، والبخاري (٤٣٢)، ومسلم (٧٧٧)، وأبو داود (١٤٤٨)، والترمذي (٤٥١)، والنسائي (٣/ ١٩٧).
[٦٥٤]- وعَن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا قَضَى أَحَدُكُمُ الصَّلاةَ فِي مَسجِدِهِ، فَليَجعَل لِبَيتِهِ نَصِيبًا مِن صَلاتِهِ، فَإِنَّ الله جَاعِلٌ فِي بَيتِهِ مِن صَلاتِهِ خَيرًا.
رواه أحمد (٣/ ٣١٦)، ومسلم (٧٧٨).
ــ
(١١٠) ومن باب: فضل النوافل
قوله ﷺ : اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم: مِن هنا للتبعيض، ويعني به النوافل؛ بدليل قوله في الحديث الآخر: إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته (١).
وقوله: ولا تتخذوها قبورا؛ أي: لا تصيِّروها كالقبور التي ليس فيها صلاة.
وقوله: فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرًا. الضمير في بيته عائد على المصلي الذي تضمنه الكلام المتقدم. ومن هاهنا سببِّية؛ بمعنى: من أجل. والخير الذي يجعل في البيت بسبب التنفل فيه هو: عمارته بذكر الله، وبطاعته، وبالملائكة، وبدعائهم، واستغفارهم، وما يحصل لأهله من الثواب والبركة.
стр. 1021
[٦٥٥]- وعَن أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَثَلُ البَيتِ الَّذِي يُذكَرُ الله فِيهِ، وَالبَيتِ الَّذِي لا يُذكَرُ الله فِيهِ، مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ.
رواه البخاري (٦٤٠٧)، ومسلم (٧٧٩).
[٦٥٦]- وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لا تَجعَلُوا بُيُوتَكُم مَقَابِرَ. إِنَّ الشَّيطَانَ يَنفِرُ مِنَ البَيتِ الَّذِي تُقرَأُ فِيهِ سُورَةُ البَقَرَةِ.
رواه أحمد (٢/ ٣٦٧)، ومسلم (٧٨٠)، وأبو داود (٢٠٤٢)، والنسائي (١٠٨٠١) في الكبرى.
[٦٥٧]- وعَن زَيدِ بنِ ثَابِتٍ، قَالَ: احتَجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حُجَيرَةً بِخَصَفَةٍ أَو حَصِيرٍ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي فِيهَا، فَتَتَبَّعَ إِلَيهِ رِجَالٌ وَجَاؤوا يُصَلُّونَ بِصَلاتِهِ، قَالَ: ثُمَّ جَاؤوا لَيلَةً فَحَضَرُوا، فأَبطَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنهُم، فَلَم يَخرُج إِلَيهِم، فَرَفَعُوا أَصوَاتَهُم، وَحَصَبُوا البَابَ فَخَرَجَ إِلَيهِم رَسُولُ اللهِ ﷺ مُغضَبًا، فَقَالَ لَهُم: مَا زَالَ بِكُم صَنِيعُكُم حَتَّى ظَنَنتُ أَنَّهُ سَيُكتَبُ عَلَيكُم، فَعَلَيكُم بِالصَّلاةِ فِي بُيُوتِكُم، فَإِنَّ خَيرَ صَلاةِ المَرءِ فِي بَيتِهِ إِلا الصَّلاةَ المَكتُوبَةَ.
رواه أحمد (٥/ ١٨٢ و ١٨٧)، والبخاري (٧٢٩٠)، ومسلم (٧٨١)(٢١٣).
* * *
ــ
والخصفة: حصير يخصف؛ أي: يخاط من السعف، ومنه قوله تعالى: ﴿يَخصِفَانِ عَلَيهِمَا مِن وَرَقِ الجَنَّةِ﴾؛ أي: يخيطان. والخَصَفَةُ: ما يخصف، والحصير: ما ينسج، وهو على الشك من الراوي. وكان هذا الفعل منه ﷺ ، وهذا القول في رمضان، وقد تقدم في حديث عائشة.
стр. 1022
(١١١) باب أَحَبُّ العمل إلى الله أَدوَمُهُ وإن قَلَّ، وكراهية التَّعَمُّقِ والتشديد
[٦٥٨]- عَن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَت: كَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حَصِيرٌ، وَكَانَ يُحَجِّرُهُ مِنَ اللَّيلِ فَيُصَلِّي فِيهِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاتِهِ، وَيَبسُطُهُ بِالنَّهَارِ، فَثَابُوا ذَاتَ لَيلَةٍ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيكُم مِنَ الأَعمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ الله لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ العمَلِ إِلَى الله مَا دُووِمَ عَلَيهِ، وَإِن قَلَّ وَكَانَ آلُ مُحَمَّدٍ إِذَا عَمِلُوا عَمَلا أَثبَتُوهُ.
رواه أحمد (٦/ ٢١٢)، والبخاري (٤٣ و ٦٤٦٤)، ومسلم (٧٨٢)(٢١٥)، وأبو داود (١٣٦٨).
ــ
ومعنى: حصبوا الباب؛ أي: رموه بالحصباء؛ حرصًا على خروجه إليهم للصلاة. وسيُكتب؛ أي: يُفترض، وقد تقدم الكلام على هذا المعنى في قيام رمضان.
(١١١) ومن باب: أحب العمل إلى الله أدومه
قوله ﷺ : عليكم من الأعمال ما تطيقون: هذا حضٌ على التخفيف في أعمال النوافل، ويتضمن الزجر عن التشديد، والغلوّ فيها. وسبب ذلك: أن التخفيف يكون معه الدوام والنشاط، فيكثر الثواب لتكرار العمل، وفراغ القلب، بخلاف الشاقّ منها، فإنه يكون معه التشويش والانقطاع غالبًا.
وقوله: فإن الله لا يملّ حتى تملوا: ظاهره محالٌ على الله تعالى. فإن الملال فتورٌ عن تعب، وألَمٌ عن مشقة، وكل ذلك على الله تعالى محال، وإنما
стр. 1023
[٦٥٩]- وعَن عَلقَمَةَ قَالَ: سَأَلتُ عَائِشَةَ قَالَ: قُلتُ: يَا أُمَّ المُؤمِنِينَ! كَيفَ كَانَ عَمَلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ هَل كَانَ يَخُصُّ شَيئًا مِنَ الأَيَّامِ؟ قَالَت: لا، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأَيُّكُم يَستَطِيعُ مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَستَطِيعُ؟ ! .
رواه أحمد (٦/ ٤٣ و ٥٥)، والبخاري (٦٤٦٦)، ومسلم (٧٨٣)(٢١٧)، وأبو داود (١٣٧٠)، والترمذي (٢٨٥٦).
ــ
أطلق هنا على الله تعالى على جهة المقابلة اللفظية مجازًا؛ كما قال: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ و: ﴿فَمَنِ اعتَدَى عَلَيكُم فَاعتَدُوا عَلَيهِ﴾ ووجه مجازه: أنه تعالى لما كان يقطع ثواب عمل مَن ملَّ العمل وَقَطَعَهُ؛ عبّر عن ذلك بالملل؛ من باب تسمية الشيء باسم سببه.
وقول علقمة: هل كان رسول الله ﷺ يخص شيئًا من الأيام؟ وجواب عائشة بنفي ذلك، خرج على غير الصيام؛ لأنه قد ثبت عنه ﷺ أنه كان يخص الإثنين والخميس بالصيام، فتعيَّن صرف حمله إلى غير ذلك.
وقولها: وأيكم يستطيع ما كان رسول الله ﷺ يستطيع؟ هذا يدل على شدة ما كان النبي ﷺ فيه من كثرة التكاليف، والاجتهاد في الوفاء بها؛ وذلك أنه كُلِّف بتكاليف خاصة به؛ كما خُصَّ به من الواجبات زيادة على ما ساوى فيه جميع المكلفين. ثم إنه قد كُلِّف مراعاة مصالح أهل بيته، ومصالح الخلق كلهم، خاصة وعامة، الدينية والدنيوية، هذا بالنظر إلى ظاهر أمره، وأما بالنظر إلى خواصّ باطنه؛ فمما لا يدرك، ولا يمكن وصفه، وغاية العبارة عنه قوله: إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية (١)؛ ولذلك كان ﷺ متواصل الأحزان، والعبادات، والمشقّات،
стр. 1024
[٦٦٠]- وعَن أَنَسٍ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَسجِدَ، وَحَبلٌ مَمدُودٌ بَينَ سَارِيَتَينِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: لِزَينَبَ، تُصَلِّي فَإِذَا كَسِلَت أَو فَتَرَت أَمسَكَت بِهِ، فَقَالَ: حُلُّوهُ. لِيُصَلِّ أَحَدُكُم نَشَاطَهُ، فَإِذَا كَسِلَ أَو فَتَرَ قَعَدَ.
وَفِي رِوَايَةٍ: فَليَقعُد.
رواه أحمد (٣/ ١٠١)، والبخاري (١١٥٠)، ومسلم (٧٨٤)، وأبو داود (١٣١٢)، والنسائي (٣/ ٢١٨ - ٢١٩)، وابن ماجه (١٣٧١).
[٦٦١]- وَعَن عَاَئِشَةَ: أَنَّ الحَولَاء بِنتَ تُوِيت مَرَّت بِهَا، وَعِندَهَا رَسُولُ الله ﷺ ، فَقَالَت: هَذِهِ الحَولاءُ بِنتُ تُوَيتٍ، وَزَعَمُوا أَنَّهَا لا تَنَامُ اللَّيلَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لا تَنَامُ اللَّيلَ! خُذُوا مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَوَالله! لا يَسأَمُ الله حَتَّى تَسأَمُوا.
رواه مسلم (٧٨٥).
[٦٦٢]- عَن عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُم فِي الصَّلاةِ فَليَرقُد حَتَّى يَذهَبَ عَنهُ النَّومُ؛
ــ
ليست له راحة، وقال في لفظ آخر: إني أخشاكم لله وأعلمكم بحدوده (١). وقد كان تتفطر قدماه من القيام، ويجهد نفسه من الجوع، ويربط على بطنه بالحجر والحجرين، وكان ينتهي من إجهاد نفسه، إلى أن يرقّ عليه وليُّه، ويرحمه الناظر إليه.
وقوله: إذا نعس أحدكم في الصلاة فليرقد (٢). . .، الحديث. نَبَّه في آخره على
стр. 1025
فَإِنَّ أَحَدَكُم إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَعَلَّهُ يَذهَبُ يَستَغفِرُ فَيَسُبُّ نَفسَهُ.
رواه أحمد (٦/ ٢٠٥)، والبخاري (٢١٢)، ومسلم (٧٨٦)، وأبو داود (١٣١٠)، والترمذي (٣٥٥)، وابن ماجه (١/ ٩٩ - ١٠٠).
[٦٦٣]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا قَامَ أَحَدُكُم مِنَ اللَّيلِ فَاستَعجَمَ القُرآنُ عَلَى لِسَانِهِ، فَلَم يَدرِ مَا يَقُولُ فَليَضطَجِع.
رواه أحمد (٢/ ٣١٨)، ومسلم (٧٨٧)، وأبو داود (١٣١١)، وابن ماجه (١٣٧٢).
* * *
ــ
علّة ذلك؛ وهو أنه توقع منه ما يكون منه من الغلط فيما يقرأ أو يقول، ولم يجعل علّة ذلك نقض طهارته، فدلّ على أن النوم ليس بحدث على ما تقدم.
وقوله: لعله يذهب يستغفر، فيسبُّ نفسه: رويناه برفع الباء من يسبّ ونصبها، فمن رفع فعلى العطف على يذهب، ومن نصب فعلى جواب لعلّ، وكأنه أَشرَبَهَا معنى التمنِّي، كما قرأ حفص: ﴿لَعَلِّي أَبلُغُ الأَسبَابَ * أَسبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ﴾ بنصب العين.
وقوله: فاستعجم القرآن: رفعًا على أنه فاعل استعجم؛ أي: صارت قراءته كالعجمية؛ لاختلاف حروف النائم، وعدم بيانها. والله أعلم.
* * *
стр. 1026
أبواب فضائل القرآن وما يتعلق بها
(١١٢) باب الأمر بِتَعاهُدِ القرآن، وذَمِّ من فرط فيه حتى نسي
[٦٦٤]- عَن ابنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ القُرآنِ كَمَثَلِ صاحب الإِبِلِ المُعَقَّلَةِ إِن عَاهَدَ عَلَيهَا أَمسَكَهَا، وَإِن أَطلَقَهَا ذَهَبَت، وَإِذَا قَامَ صَاحِبُ القُرآنِ فَقَرَأَهُ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ ذَكَرَهُ، وَإِذَا لَم يَقُم بِهِ نَسِيَهُ.
رواه أحمد (٢/ ١١٢)، والبخاري (٥٠٣١)، ومسلم (٧٨٩)(٢٢٧)، والنسائي (٢/ ١٥٤).
[٦٦٥]- وعَن عَبدِ الله، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : بِئسَمَا لأَحَدِكم أَن يَقُولُ: نَسِيتُ آيَةَ كَيتَ وَكَيتَ، بَل هُوَ نُسِّيَ، استَذكِرُوا القُرآنَ؛ فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِن صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ بِعُقُلِهَا.
ــ
(١١٢) ومن باب: الأمر بتعاهد القرآن
قوله ﷺ : بئسما لأحدكم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت: بئسما هي بئس التي للذم أخت نعم التي هي للمدح، وهما فعلان غير منصرفين يرفعان الفاعل ظاهرًا، أو مضمرًا؛ إلا أنه إن كان ظاهرًا لم تكن في الأمر العام إلا بالألف واللام للجنس، أو مضافًا إلى ما هما فيه حتى يشتمل على الممدوح بهما والمذموم، ولا بدّ من ذكر الممدوح والمذموم تعيينًا؛ كقولك: نعم الرجل زيد، وبئس الرجل عمرو. فإن كان فاعلهما مضمرًا، فلا بدّ من ذكرِ اسمِ نكرةٍ، ينصب على التمييز لذلك المضمر، كقولك: نعم رجلا زيد. وقد يكون هذا التفسير: ما،
стр. 1027
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كما في الحديث، وكما في قوله تعالى: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ وقد يجمع بين الفاعل الظاهر وبين المفسر؛ فيقال:
تزود مثل زاد أبيك [فينا ... فنعم الزاد زاد أبيك] (١) زادًا
والاسم الممدوح أو المذموم مرفوع بالابتداء، وخبره الجملة المتقدمة، من نعم وفاعلها، وقيل: على الخبر، وإضمار المبتدأ. واختلف العلماء في متعلق هذا الذم، فقال بعضهم: هو على نسبة الإنسان لنفسه النسيان؛ إذ لا صنع له فيه، فالذي ينبغي له أن يقول: أُنسيت، مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعله، وهذا ليس بشيء؛ لأنه ﷺ قد نسب النسيان لنفسه، وقد نسبه الله إليه، في قوله تعالى: ﴿سَنُقرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ وفي قوله ﷺ : إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني (٢). وقيل: كان هذا الذم خاصًّا بزمان النبي ﷺ ؛ لأنه كان من ضروب النسخ نسيان الآية، كما قال تعالى: ﴿سَنُقرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾؛ أن ينسيكه؛ كما قرأت الجماعة: ﴿مَا نَنسَخ مِن آيَةٍ أَو نُنسِهَا﴾ بضم النون، وترك الهمز؛ أي: نُنسِكَها، فلما كان هذا؛ فكأنه نهى عن ذلك القول؛ لئلا يتوهم في كثير من محكم القرآن، أنه قد ضاع بكثرة الناسين، وفيه بُعد. وقيل قول ثالث؛ وهو أولاها: إن نسيان القرآن إنما يكون لترك تعاهده، وللغفلة عنه، كما أن حفظه إنما يثبت بتكراره، والصلاة به؛ كما قال في حديث ابن عمر: إذا قام صاحب القرآن يقرؤه بالليل والنهار ذكره، وإن لم
стр. 1028
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ عَبدُ الله: تَعَاهَدُوا هَذِهِ المَصَاحِفَ - وَرُبَّمَا قَالَ:
ــ
يقم به نسيه (١). فإذا قال الإنسان: نسيت آية كيت فقد شهد على نفسه بالتفريط وترك معاهدته له، وهو ذنب عظيم؛ كما قال في حديث أنس الذي خرّجه الترمذي مرفوعًا: عرضت عليَّ أعمال أمتي، فلم أر ذنبًا أعظم من سورةٍ من القرآن، أو آية أوتيها رجل ثم نسيها (٢). وهو نصٌ، وعلى هذا فمتعلَّق الذم ترك ما أُمر به من استذكار القرآن وتعاهده، والنسيان علامة ترك ذلك، فعلق الذم عليه. ولا يقال: حفظ جميع القرآن ليس واجبًا على الأعيان، فكيف يذم من تغافل عن حفظه؟ ! لأنا نقول: من جمع القرآن فقد علت رتبته ومرتبته، وشرف في نفسه وقومه شرفًا عظيمًا، وكيف لا يكون ذلك، ومن حفظ القرآن فكأنما أدرجت النبوة بين كتفيه؟ ! وقد صار ممن يقال فيه: هو من أهل الله وخاصته، وإذا كان كذلك فمن المناسب تغليظ العقوبة على من أخل بمرتبته الدينية، ومؤاخذته بما لا يؤاخذ به غيره، كما قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَف لَهَا العَذَابُ ضِعفَينِ﴾؛ لا سيما إذا كان ذلك الذنب مما يحبط تلك المنزلة ويسقطها؛ كترك معاهدة القرآن المؤدي به إلى الرجوع إلى الجهالة. ويدل على صحة هذا التأويل: قوله في آخر الحديث: بل هو نُسِّي. وهذا اللفظ رويناه مشدَّدًا مبنيًّا لما لم يسم فاعله، وقد سمعناه من بعض من لقيناه بالتخفيف، وبه ضُبِط عن أبي بحر، والتشديد لغيره، ولكل منهما وجهٌ صحيح. فعلى التشديد يكون معناه: أنه عوقب بتكثير النسيان عليه؛ لما تمادى في التفريط. وعلى التخفيف فيكون معناه: تَركه غير مُلتَفَتٍ إليه، ولا مُعتَنىً به، ولا مرحوم؛ كما قال الله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُم﴾؛ أي: تركهم في العذاب، أو تركهم من الرحمة.
стр. 1029
القُرآنَ؛ فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِن صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ مِن عُقُلِهِ. قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لا يَقُل أَحَدُكُم نَسِيتُ آيَةَ كَيتَ وَكَيتَ، بَل هُوَ نُسِّيَ.
رواه أحمد (١/ ٤٢٩)، والبخاري (٥٠٣٩)، ومسلم (٧٩٠) (٢٢٨ و ٢٢٩)، والترمذي (٢٩٤٣)، والنسائي (٢/ ١٥٤).
(٧٩١) [٦٦٦]- وعَن أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: تَعَاهَدُوا هَذَا القُرآنَ، فَوَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا.
رواه أحمد (٤/ ٣٩٧)، والبخاري (٥٠٣٣)، ومسلم (٧٩١).
* * *
ــ
وقوله: كيت وكيت: كلمة يعبَّر بها عن الجمل الكثيرة، والحديث من الأمر الطويل، ومثلها: ذيت وذيت. قال ثعلب: كان من الأمر كيت وكيت، وكان من فلان ذيت وذيت، فكيت: كناية عن الأفعال، وذيت: إخبار عن الأسماء. والتَّفَصِّي: التَّفَلُّت والانفصال، يقال: تفصّى فلان عن كذا؛ أي: انفصل عنه. والنَّعَم: الإبل، ولا واحد له من لفظه. والعُقُل: جمع عقال، وهو ما تعقل به الناقة.
وقوله: من عقله من: على أصل ما يقتضيه اللفظ من أصل التعدِّي، فأما رواية مَن رواه: بعقلها، وفي عقلها؛ ومن عقلها فعلى أن تكون الباء والفاء بمعنى: من، أو يكون معناهما: المصاحبة والظرفية، ويعني به: تشبيه من يتفلت منه بعض القرآن بالناقة التي انفلتت من عقالها، وبقي متعلِّقًا بها. والله أعلم.
وصاحب القرآن: هو الحافظ له، المشتغل به، الملازم لتلاوته، ولفظ الصحبة مستعمل في أصل اللغة على إلف الشيء وملازمته، ومنه: أصحاب الجنة، وأصحاب النار، وأصحاب النبي ﷺ .
стр. 1030
(١١٣) باب تحسين الصوت بالقراءة والترجيع فيها
[٦٦٧]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَا أَذِنَ الله
ــ
(١١٣) [ومن باب: تحسين الصوت بالقراءة والترجيع فيها] (١)
قوله: ما أذن الله؛ أي: ما استمع الله وأصغى. وأصله: أن المُستَمِع يميل بأذنه إلى جهة المُستَمَع، تقول العرب: أَذِن؛ بكسر الذال، يأذَن بفتحها في المستقبل؛ أَذَنًا بفتح الهمزة والذال في المصدر: إذا أصغى واستمع. وهذا المعنى في حق الله تعالى محال، وإنما هو من باب التوسُّع على ما جرى به عرف التخاطب، وهو منصرف في حق الله تعالى لإكرام القارئ وإجزال ثوابه. ووجه هذا التوسع: أن الإصغاء إلى الشيء قبول له، واعتناء به، ويترتب على ذلك إكرام المُصغَى إليه، فعبّر عن الإكرام بالإصغاء؛ إذ هو عنه. وفائدة هذا الخبر حث القارئ على إعطاء القراءة حقها من: ترتيلها، وتحسينها، وتطييبها بالصوت الحسن ما أمكن.
فأما قوله: يتغنى بالقرآن، فتمسك به من يجوّز القرآن بالألحان، وهو أبو حنيفة وجماعة من السلف، وقال به الشافعي في التحزين، وكرهه مالك وأكثر العلماء، ولا أشك أن موضع الخلاف في هذه المسألة إنما هو إذا لم يغيّر لفظ القرآن بزيادة أو نقصان، أو يبهم معناه بترديد الأصوات، فلا يُفهم معنى القرآن، فإن هذا مما لا شك في تحريمه. فأما إذا سلم من ذلك، وحذى به حذو أساليب الغناء والتطريب والتحزين فقط، فقد قال مالك: ينبغي أن ننَزِّه أذكار الله، وقراءة القرآن عن التشبه بأحوال المجون والباطل؛ فإنها حق، وجد، وصدق. والغناء: هزل، ولهو، ولعب. وهذا الذي قاله مالك وجمهور العلماء هو الصحيح؛ بدليل ما ذُكِر، وبأدلة أُخَرى:
стр. 1031
لِشَيءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوتِ، يَتَغَنَّى بِالقُرآنِ يَجهَرُ بِهِ.
ــ
منها: أن كيفية قراءة القرآن قد بلغتنا متواترة عن كافة المشايخ جيلا فجيلا إلى العصر الكريم؛ إلى رسول الله ﷺ ، وليس فيها تلحين ولا تطريب، مع كثرة المتعمِّقين والمتنطِّعين في مخارج الحروف، وفي المدِّ، والإدغام، والإظهار، وغير ذلك من كيفية القراءات، وهذا قاطع.
ومنها: أن النبي ﷺ قد قال: لست من ددٍ ولا الدَّدُ مني (١)، والدَّدُ: هو اللعب، واللهو، ومعنى ذلك: أن اللعب لا يليق بأحواله، فكيف بقرآنه وقراءته؟ !
ومنها: أنّ التطريب والترجيع يؤدي إلى الزيادة في القرآن، والنقص منه، وهما ممنوعان، فالمؤدِّي إليهما ممنوع؛ وبيانه: أن التطريب، والتلحين يحتاج من ضروراته أن يمد في غير موضع المدّ، وينقص؛ مراعاة للوزن؛ كما هو معلوم عند أهله.
ومنها: أنه يؤدي إلى تشبيه القرآن بالشعر، وقد نزهه الله عن الشعر وأحواله، حيث قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَولُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَولِ شَاعِرٍ﴾
وقد تأوّل من منع من تلحين القرآن، قوله ﷺ : يتغنى به. وقوله: ليس منا من لم يتغن بالقرآن؛ على تأويلات:
أحدها: أن معناه أنه يستغني به، يقال: تغنّيت، وتغانيت، بمعنى: استغنيت، قاله سفيان.
وثانيها: أن معناه يجعله مكان الغناء، وبدلا منه، فيستديم تلاوته، ويستطيبه كما يستطيب الغناء.
стр. 1032
وَفِي رِوَايَةٍ: كَإِذنِهِ، مَكَانَ: مَا أَذِنَ.
رواه أحمد (٢/ ٤٥٠)، والبخاري (٥٠٢٤)، ومسلم (٧٩٢)(٢٣٣) و (٢٣٤)، وأبو داود (١٤٧٣)، والنسائي (٢/ ١٨٠).
[٦٦٨]- وعَن أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَبِي مُوسَى: لَو رَأَيتَنِي وَأَنَا أَستَمِعُ قِرَاءَتكَ البَارِحَةَ، لَقَد أُوتِيتَ مِزمَارًا مِن مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ.
رواه البخاري (٥٠٤٨)، ومسلم (٧٩٣)، والترمذي (٣٨٥٤).
ــ
وثالثها: أن معناه: يجهر به. كما فسّره الصحابي راوي الحديث، وهذا أشبه؛ لأن العرب تسمي كل من رفع صوته ووالى به: غانيًا، وفعله ذلك: غناء، وإن لم يلحنه تلحين الغناء، وعلى هذا فسّره الصحابي، وهو أعلم بالمقال، وأقصد بالحال. والله تعالى أعلم.
وقوله لأبي موسى: لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود: المزمار والمزمور: الصوت الحسن، وبه سُمِّيت آلة الزمر: مزمارًا. وآل داود: نفسه. وآل: صلة، والمراد به: داود نفسه، وفي غير الأم (١) قال أبو موسى للنبي ﷺ : لو علمت أنك تسمع قراءتي لحبرته لك تحبيرًا (٢)؛ أي: لحسَّنته ولجمَّلته. والحبر: الجمال، ومنه الحديث في وصف الرجل من أهل النار: ذهب حبره وسبره (٣)؛ أي: جماله وبهاؤه. وهذا محمول على أبي موسى: على أنه كان يزيد في رفع صوته وتحسين ترتيله، حتى يسمع النبي ﷺ ويعرفه أنه قَبِلَ عنه
стр. 1033
[٦٦٩]- وَعَن عَبدَ الله بنَ مُغَفَّلٍ المُزَنِيَّ، قَالَ: قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ عَامَ الفَتحِ، فِي مَسِيرٍ لَهُ سُورَةَ الفَتحِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَرَجَّعَ فِي قِرَاءَتِهِ.
قَالَ مُعَاوِيَةُ: لَولا أَنِّي أَخَافُ أَن يَجتَمِعَ عَلَيَّ النَّاسُ لَحَكَيتُ لَكُم قِرَاءَتَهُ.
رواه أحمد (٥/ ٥٤)، والبخاري (٤٢٨١)، ومسلم (٧٩٤)(٢٣٧)، وأبو داود (١٤٦٧).
[٦٧٠]- وَعَن عَائِشَةَ، قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : المَاهِرُ بِالقُرآنِ مَعَ
ــ
كيفية أداء القراءة، وأنه متمكِّن منها، فيحمده النبيٌّ ﷺ ويدعو له، فتحصل له فضيلة ومنقبة، كما فعل بأبيٍّ حيث سأله فأجابه، فقال: لِيَهنِكَ العلم أبا المنذر (١). ويحتمل أن يكون ذلك ليبالغ في حالةٍ يطيب بها القرآن له؛ فإن الإنسان قد يتساهل مع نفسه في أموره، ويعتني بها عند مشاركة غيره فيها، وإن كان مخلصًا في أصل عمله.
وقوله: فرجَّع في قراءته؛ أي: ردَّد، وذكره البخاري، وقال في وصفه الترجيع قال: أا أا أا ثلاث مرات. وهذا محمول على إشباع المدّ في موضعه، ويحتمل أن يكون ذلك حكاية صوته، عند هز الراحلة، إذا كان راكبًا من انضغاط صوته، وتقطيعه لأجل هز الركوب.
وقوله: الماهر بالقرآن: يعني: الحاذق به، قال الهروي: أصله: الحذق بالسباحة، قلت: ومنه قول امرئ القيس:
وترى الضَّبَّ خفيفًا ماهرًا ... ثانيًا بُرثُنَه ما يَنعَفِر (٢)
стр. 1034
السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقرَأُ القُرآنَ وَيَتَعتَعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيهِ شَاقٌّ، لَهُ أَجرَانِ.
رواه البخاري (٤٩٣٧)، ومسلم (٧٩٨)، وأبو داود (١٤٥٤)، والترمذي (٢٩٠٦).
* * *
ــ
قال المهلَّب: المهارة في القرآن: جودة التلاوة، بجودة الحفظ، ولا يتردّد فيه؛ لأنه يسره الله تعالى عليه؛ كما يسره على الملائكة، فهو على مثلها في الحفظ والدرجة، والسفرة: جمع سافر، وهم ملائكة الوحي، سُمُّوا بذلك لأنهم يسفرون بين الله وبين خلقه. وقيل: هم الكتبة، والكاتب يسمى: سافرًا، ومنه أسفار الكتاب. وعلى هذا فيكون وجه كونهم مع الملائكة: أن حملة القرآن يبلغون كلام الله إلى خلقه، فهم سفراء بين رسل الله، وبين خلقه، فهم معهم؛ أي: في مرتبتهم في هذه العبادة. ويستفيد من هذا حملة القرآن: التحرُّز في التبليغ والتعليم، والاجتهاد في تحصيل الصدق، وإخلاص النية لله؛ حتى تصح لهم المناسبة بينهم وبين الملائكة.
وقوله: يتتعتع فيه؛ أي: يتردد في تلاوته عِيًّا وصعوبة. والتعتعة في الكلام: العِيُّ. وإنما كان له أجران؛ من حيث التلاوة؛ ومن حيث المشقة، ودرجات الماهر فوق ذلك كله؛ لأنه قد كان القرآن متعتعًا عليه، ثم ترقَّى عن ذلك إلى أن شُبِّه بالملائكة. والله أعلم.
стр. 1035
(١١٤) باب إقراء النبي ﷺ القرآن وتعليمه كيفية الأداء
[٦٧١]- عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لأُبَيّ: إِنَّ الله أَمَرَنِي أَن أَقرَأَ عَلَيكَ: ﴿لَم يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قَالَ: آلله سَمَّانِي لَكَ؟ ! قَالَ: الله سَمَّاكَ لِي قَالَ: فَجَعَلَ أُبَيٌّ يَبكِي.
رواه أحمد (٣/ ٢٧٣)، والبخاري (٣٨٠٩)، ومسلم (٧٩٩)(٢٤٥)، والترمذي (٣٨٩٤).
ــ
(١١٤) ومن باب: إقراء النبي ﷺ
قوله ﷺ لأُبَيٍّ: إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن: إنما كان ذلك ليلقّن عنه أُبيّ كيفية القراءة مشافهة وصفتها، وليبيِّن طريق تحميل الشيخ للراوي بقراءته عليه، وفي حديث عبد الله بن مسعود قراءة التلميذ على الشيخ. وكلاهما طريق صحيح. وتخصيص سورة (لم يكن)، لما تضمنته من ذكر الرسالة، والصحف، والكتب؛ في قوله تعالى: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ وهو مناسب لحالهما. والله تعالى أعلم.
وقوله: آلله سَمَّاني لك؟ ! بهمزة الاستفهام على التعجب منه، إذ كان ذلك عنده مستبعدًا؛ لأن تسميته تعالى له، وتعيينه ليقرأ عليه النبي ﷺ ؛ تشريف عظيم، وتأهيل لم يحصل مثله (١) لأحد من الصحابة رضوان الله عليهم، ولذلك لما أخبره بذلك بكى من شدة الفرح والسرور؛ لحصول تلك المنزلة الشريفة، والرتبة المنيفة.
стр. 1036
[٦٧٢]- وعَن عَبدِ الله قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : اقرَأ عَلَيَّ القُرآنَ قَالَ: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَقرَأُ عَلَيكَ وَعَلَيكَ أُنزِلَ؟ قَالَ: إِنِّي أَشتَهِي أَن أَسمَعَهُ مِن غَيرِي. قَالَ: فَقَرَأتُ النِّسَاء حَتَّى إِذَا بَلَغتُ قوله: ﴿فَكَيفَ إِذَا جِئنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ رَفَعتُ رَأسِي أَو غَمَزَنِي رَجُلٌ إِلَى جَنبِي فَرَفَعتُ رَأسِي، فَرَأَيتُ دُمُوعَهُ تَسِيلُ.
وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ لِي وَهُوَ عَلَى المِنبَرِ: اقرَأ عَلَيَّ.
رواه أحمد (١/ ٤٣٣)، والبخاري (٥٠٥٠)، ومسلم (٨٠٠)(٢٤٧)، وأبو داود (٣٦٦٨)، والترمذي (٣٠٢٧ و ٣٠٢٨)، وابن ماجه (٤١٩٤).
ــ
وقوله: إني أشتهي أن أسمعه من غيري؛ أي: أستطيب ذلك، وذلك أن السامع قد يكون أحضر من القارئ؛ لاشتغال القارئ بالقراءة وكيفيتها، ويحتمل أن يكون: أشتهي بمعنى: أُحِبّ. وفيه: بيان سنة قراءة الطالب على الشيخ كما قدمناه آنفًا.
وقوله: حتى بلغت: ﴿فَكَيفَ إِذَا جِئنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ وذكر بكاء النبي ﷺ ؛ كان ذلك منه لعظم ما تضمنته هذه الآية من هول المطلع، وشدة الأمر. وفي غير الأم أنه قال: لما بلغتها؛ قال: حسبك (١)؛ احتج به أهل التجويد على جواز الوقف الكافي من الآي، والمقاطع؛ لأن الكلام حيث قال له: حسبك، غير تام، بل تمامه فيما بعده. وقد قيل: إن قوله لعبد الله: حسبك تنبيه على ما في الآية، لا أنه وقفه هناك.
стр. 1037
[٦٧٣]- وَعَن عَبدِ الله قَالَ: كُنتُ بِحِمصَ، فَقَالَ لِي بَعضُ القَومِ: اقرَأ عَلَينَا، فَقَرَأتُ عَلَيهِم سُورَةَ يُوسُفَ. قَالَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ: وَالله، مَا هَكَذَا أُنزِلَت قَالَ: قُلتُ: وَيحَكَ! وَالله، لَقَرَأتُهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ لِي: أَحسَنتَ. فَبَينَمَا أَنَا أُكَلِّمُهُ إِذ وَجَدتُ مِنهُ رِيحَ الخَمرِ. قَالَ فَقُلتُ: أَتَشرَبُ الخَمرَ وَتُكَذِّبُ بِالكِتَابِ؟ لا تَبرَحُ حَتَّى أَجلِدَكَ، قَالَ: فَجَلَدتُهُ الحَدَّ.
رواه أحمد (١/ ٤٠٥ و ٤٢٥)، والبخاري (٥٠٠١)، ومسلم (٨٠١).
* * *
ــ
وحدُّ عبد الله للرجل الذي وجد منه ريح الخمر حجة على من منع وجوب الحد بالرائحة، وهو: أبو حنيفة والثوري، وكافة العلماء على ما فعل ابن مسعود. ويحتمل: أن يكون إنما أقام عليه الحد؛ لأنه جعل ذلك له من له ذلك، أو لأنه رأى أنه قام عن الإمام بواجب، أو لأنه كان ذلك في زمن ولايته الكوفة، فإنه ولي القضاء بها زمن عمر، وصدرًا من خلافة عثمان.
وقوله: أتشرب الخمر وتكذب بالكتاب؟ نسبه إلى التكذيب بالكتاب على جهة التغليظ، وليس على حقيقته؛ إذ لو كان ذلك لحكم بردّته أو قتله؛ إذ هذا حكم من كذّب بحرف منه، وكان الرجل إنما كذب عبد الله لا القرآن، وهو الظاهر من قول الرجل: ما هكذا أنزلت، جهالة منه، أو قلّة حفظ، أو قلّة تثبت؛ لأجل السكر. والله أعلم.
* * *
стр. 1038
(١١٥) باب فضل تعلُّم القرآن وقراءته وفضل سورة البقرة وآل عمران
[٦٧٤]- عَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحنُ فِي الصُّفَّةِ فَقَالَ: أَيُّكُم يُحِبُّ أَن يَغدُوَ كُلَّ يَومٍ إِلَى بُطحَانَ أَو العَقِيقِ فَيَأتِيَ مِنهُ بِنَاقَتَينِ كَومَاوَينِ فِي غَيرِ إِثمٍ وَلا قَطعِ رَحِمٍ؟ فَقُلنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! كلنا نُحِبُّ ذَلِكَ. قَالَ: أَفَلا يَغدُو أَحَدُكُم إِلَى المَسجِدِ فَيَعلَمُ أَو يَقرَأُ آيَتَينِ مِن كِتَابِ الله خَيرٌ لَهُ مِن نَاقَتَينِ، وَثَلاثٌ خَيرٌ لَهُ مِن ثَلاثٍ، وَأَربَعٌ خَيرٌ لَهُ مِن أَربَعٍ، وَمِن عدَادِهِنَّ مِنَ الإِبِلِ؟ ! .
رواه أحمد (٤/ ١٥٤)، ومسلم (٨٠٣)، وأبو داود (١٤٥٦).
ــ
(١١٥) ومن باب: فضل تعليم القرآن
الصُّفة: سقيفة كانت في المسجد، يأوي إليها الفقراء. و: يغدو: يبكِّر. وبُطحان والعقيق: واديان بينهما وبين المدينة قريب من ثلاثة أميال أو نحوها، والكَومَاوَان: تثنية كَومَاء؛ وهي الناقة العظيمة السنام؛ كأنه كوم، وفي الأم من حديث أبي هريرة: ثلاث خلفات سمان (١)، وهن: النوق الحوامل إلى أن يمضي لها نصف أمدها، ثم تسمى عشراء، وجمعها: عشار.
ومقصود الحديث الترغيب في تعلم القرآن وتعليمه، وخاطبهم على ما تعارفوه، فإنهم أهل إبل، وإلَاّ فأقلّ جزء من ثواب القرآن وتعليمه خير من الدنيا
стр. 1039
[٦٧٥]- وَعَن أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيُّ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: اقرَؤوا القُرآنَ، فَإِنَّهُ يَأتِي يَومَ القِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصحَابِهِ. اقرَؤوا الزَّهرَاوَينِ؛ البَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمرَانَ، فَإِنَّهُمَا تأتِيَانِ يَومَ القِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَو كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَو كَأَنَّهُمَا فِرقَانِ مِن طَيرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَن أَصحَابِهِمَا، اقرَؤوا سُورَةَ البَقَرَةِ فَإِنَّ أَخذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَركَهَا حَسرَةٌ، وَلا يَستَطِيعُهَا البَطَلَةُ.
قَالَ مُعَاوِيَةُ: بَلَغَنِي أَنَّ البَطَلَةَ السَّحَرَةُ.
رواه أحمد (٥/ ٢٤٩ و ٢٥٤)، ومسلم (٨٠٤).
ــ
وما فيها، وقد قال ﷺ : ولموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها (١).
وقوله: فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا: هذا على جهة التوسع في الإفهام، وتحقيقه: أنه يُشفع له بسببه؛ فإما الملائكة الذين كانوا يشاهدون تلاوته، أو من شاء الله - تعالى - ممن يُشَفِّعهم فيه بسببه، وهذه الشفاعة على تقدير أن يكون القارئ صاحب كبيرة في تخليصه من النار، وإن لم يكن عليه ذنوب؛ شُفع له في ترفيع درجاته في الجنة، أو في المسابقة إليها، أو في جميعهما، أو ما شاء الله منها، إذ كل ذلك بكرمه - تعالى - وتفضله.
وفي تسمية البقرة وآل عمران بالزهراوين وجهان:
أحدهما: أنهما النيرتان، مأخوذ من الزهر، والزَّهرة، والزُّهرة، فإما لهدايتهما قارئهما بما يزهر له من أنوارهما، وإما لما يترتب على قراءتهما من النور التام يوم القيامة. قلت: ويقع لي أنهما سميتا بذلك؛ لأنهما اشتركتا في تضمن اسم الله الأعظم؛ كما ذكر أبو داود من حديث أسماء بنت يزيد: أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 1040
[٦٧٦]- وَعَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَثَلُ
ــ
اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وَإِلَهُكُم إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحمَنُ الرَّحِيمُ﴾ والتي في سورة آل عمران: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ﴾ (١) والله أعلم.
والغمام: السحاب المُلتَفّ، وهي: الغياية إذا كانت قريبًا من الرأس، والظُّلَّةُ أيضًا، وقد جاءت هذه الألفاط الثلاثة في هذا الحديث، وفي حديث النوَّاس. ومعنى هذا الحديث: أن صاحب هاتين السورتين في ظل ثوابهما يوم القيامة؛ كما قال: سبعة يظلهم الله في ظله (٢)، وقال: الرجل في ظل صدقته حتى يُقضى بين الناس (٣). وعبّر عن هذا المعنى بتلك العبارة توسعًا واستعارة؛ إذ كان ذلك بسببهما. وفِرقان: قطيعان، وهما: الحِزقان. والحِزق، والحَزِيقة: الجماعة، وهي رواية السمرقندي في حديث النوّاس، وجمهور الرواة قالوا: فرقان مثل ما في حديث أبي أمامة. وصواف: مُصطَفَّة. وتحاجّان: تقومان بحجّة قارئهما وتجادلان عنه؛ كما قال ﷺ في سورة تبارك: تجادل عن صاحبها (٤). وهذه المجادلة إن حملت على ظاهرها؛ فيخلق الله - تعالى - من يجادل بها عنه ملائكة؛ كما قد جاء في بعض هذا الحديث: أن من قرأ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾؛ خلق الله سبعين ملكًا يستغفرون له إلى يوم القيامة (٥).
стр. 1041
المُؤمِنِ الَّذِي يَقرَأُ القُرآنَ كمَثَلُ الأُترُجَّةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعمُهَا طَيِّبٌ. وَمَثَلُ المُؤمِنِ الَّذِي لا يَقرَأُ القُرآنَ مَثَلُ التَّمرَةِ، لا رِيحَ لَهَا وَطَعمُهَا حُلوٌ. وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي يَقرَأُ القُرآنَ كمَثَلُ الرَّيحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعمُهَا مُرٌّ. وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي لا يَقرَأُ القُرآنَ كَمَثَلِ الحَنظَلَةِ، لَيسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعمُهَا مُرٌّ.
وَفِي رِوَايَةٍ: الفَاجِرِ بَدَلَ: المُنَافِقِ.
رواه أحمد (٤/ ٤٠٣ و ٤٠٤)، والبخاري (٥٠٢٠)، ومسلم (٧٩٧)، وأبو داود (٤٨٣٠)، والترمذي (٢٨٦٥)، والنسائي (٨/ ١٢٤ - ١٢٥)، وابن ماجه (٢١٤).
[٦٧٧]- وَعَنِ النَّوَاس بنِ سِمعَان الكِلابِيَّ قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَ ﷺ يَقُولُ: يُؤتَى بِالقُرآنِ يَومَ القِيَامَةِ وَأَهلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعمَلُونَ بِهِ، تَقدُمُهُ سُورَةُ البَقَرَةِ وَآلُ عِمرَانَ. وَضَرَبَ لَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلاثَةَ أَمثَالٍ. مَا نَسِيتُهُنَّ بَعدُ، قَالَ: كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَو ظُلَّتَانِ سَودَاوَانِ،
ــ
وإن حملت على تأويلها؛ فيكون معنى ذلك: أن الله - تعالى - يوصله إلى ثواب قراءتهما، ولا ينقص منه شيء؛ كما يفعل من يستخرج حقه، ويجادل عليه؛ كما قال: والقرآن حجة لك أو عليك (١).
وقوله في حديث النوّاس: كأنهما غمامتان، أو ظُلَّتان سوداوان، أو كأنهما حزَقان: هذا يدل على أن أو ليست للشك؛ لأنه مثل السورتين بالثلاثة الأمثال، فيحتمل أن يكون أو بمعنى الواو؛ كما يقول الكوفيون، وأنشدوا عليه:
стр. 1042
بَينَهُمَا شَرقٌ، أَو كَأَنَّهُمَا حزقَانِ مِن طَيرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَن صَاحِبِهِمَا.
رواه أحمد (٤/ ١٨٣)، ومسلم (٨٠٥)، والترمذي (٢٨٨٦).
* * *
ــ
نال الخلافَة أو كانت له قَدَرًا ... كما أتى ربَّه موسى على قَدَرِ
وأنشدوا:
وقد زعمت (١) ليلى بأني فاجر ... لنفسي تُقاها أو عليها فُجورُها
وقالوه في قوله - تعالى -: ﴿أَو كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ﴾ وقال البصريون: إنها بمعنى الإباحة، فكأنه قال: شبهوهم بكذا وبكذا، وهذا الخلاف جارٍ في هذا الحديث؛ لأنها أمثال معطوفة بأو، فهي مثل: ﴿أَو كَصَيِّبٍ﴾
وقوله: بينهما شَرق، قال القاضي أبو الفضل عياض: رويناه بكسر الراء وفتحها، قيل: وهو الضياء والنور. قلت: والأشبه: أن الشرق بالسكون، بمعنى المشرق، يعني: أن بين تلك الظلتين السوداوين مشارق أنوار، وبالفتح: هو الضياء نفسه، وإنما نبّه في هذا الحديث على هذا الضياء؛ لأنه لما قال: سوداوان؛ قد يتوهم أنهما مظلمتان، فنفى ذلك بقوله: بينهما شرق؛ أي: مشارق أنوار، أو أنوار، حسب ما قررناه، ويعني بكونهما سوداوين: أى من كثافتهما التي بسببهما حالتا بين من تحتهما وبين حرارة الشمس وشدة اللهب. والله أعلم.
стр. 1043
(١١٦) باب فضل فاتحة الكتاب وآية الكرسي وخواتيم سورة البقرة
[٦٧٨]- عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَينَمَا جِبرِيلُ قَاعِدٌ عِندَ النَّبِيِّ ﷺ ، سَمِعَ نَقِيضًا مِن فَوقِهِ، فَرَفَعَ رَأسَهُ، فَقَالَ: هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ اليَومَ لَم يُفتَح قَطُّ إِلا اليَومَ. فَنَزَلَ مِنهُ مَلَكٌ، فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الأَرضِ، لَم يَنزِل قَطُّ إِلا اليَومَ. فَسَلَّمَ وَقَالَ: أَبشِر بِنُورَينِ أُوتِيتَهُمَا لَم يُؤتَهُمَا نَبِيٌّ قَبلَكَ: فَاتِحَةُ الكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ البَقَرَةِ، لَن تَقرَأَ بِحَرفٍ مِنهُمَا إِلا أُعطِيتَهُ.
رواه مسلم (٨٠٦)، والنسائي (٢/ ١٣٨).
ــ
(١١٦) ومن باب: فضل فاتحة الكتاب
قوله: سمع نقيضًا من فوقه؛ أي: صوتًا. والنقيض: صوت الباب عند فتحه.
وقوله: بنورين؛ أي: بأمرين عظيمين، نيّرين، تبيِّن لقارئهما وتنوره، وخصت الفاتحة بهذا؛ لما ذكرناه؛ من أنها تضمنت جملة معاني الإيمان والإسلام، والإحسان. وعلى الجملة: فهي آخذة بأصول القواعد الدينية، والمعاقد المعارفية. وخصت خواتيم سورة البقرة بذلك: لما تضمنته من الثناء على النبي ﷺ ، وعلى أصحابه ﵃ بجميل انقيادهم لمقتضاها، وتسليمهم لمعناها، وابتهالهم إلى الله، ورجوعهم إليه في جميع أمورهم؛ ولما حصل فيها من إجابة دعواتهم، بعد أن علموها، فخُفِّف عنهم، وغُفر لهم، ونُصروا، وفيها غير ذلك مما يطول تتبعه.
стр. 1044
[٦٧٩]- وعَن أَبِي مَسعُودٍ الأَنصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَن قَرَأَ هَاتَينِ الآيَتَينِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي لَيلَةٍ كَفَتَاهُ.
رواه البخاري (٥٠٠٨ و ٥٠٠٩)، ومسلم (٨٠٨)، وأبو داود (١٣٩٧)، والترمذي (٢٨٨١)، وابن ماجه (١٣٦٩).
[٦٨٠]- وعَن أُبَيِّ بنِ كَعبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَا أَبَا المُنذِرِ! أَتَدرِي أَيُّ آيَةٍ مِن كِتَابِ الله مَعَكَ أَعظَمُ؟ قَالَ:
ــ
وقوله: من قرأ هاتين الآيتين في ليلة كفتاه؛ أي: من قيام الليل، أو من حزبه، إن كان له حزب من القرآن، وقيل: وقتاه شرَّ كل شيطان، وكل ذي شر؛ كما جاء في أن: من قرأ آية الكرسي لم يزل عليه من الله حافظ، ولم يقربه شيطان حتى يصبح (١)، أو لكثرة ما يحصل له بقراءتهما من الثواب والأجر. والله - تعالى - أعلم.
وقوله ﷺ لأُبيٍّ فيه: أيّ آية من كتاب الله معك أعظم؟ حجة لمن يقول بتفضيل بعض آي القرآن على بعض، وتفضيل القرآن على سائر الكتب المنزلة، وهذا مما اختلف فيه، فذهب إلى جوازه إسحاق بن راهويه، وغيره من العلماء والمتكلمين مستدلا بهذا الحديث، وبما يشبهه؛ كقوله: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن (٢). ومنع ذلك الشيخ أبو الحسن الأشعري، والقاضي أبو بكر، وجماعة من الفقهاء، قالوا: لأن الأفضل يشعر بنقص المفضول، وكلام الله - تعالى - لا نقص
стр. 1045
قُلتُ: الله وَرَسُولُهُ أَعلَمُ. قَالَ: يَا أَبَا المُنذِرِ أَتَدرِي أَيُّ آيَةٍ مِن كِتَابِ الله مَعَكَ أَعظَمُ؟ قال: قُلتُ: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ﴾ قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدرِي وَقَالَ: لِيَهنِكَ العِلمُ أَبَا المُنذِرِ.
رواه أحمد (٥/ ١٤٢)، ومسلم (٨١٠).
* * *
ــ
فيه. وتأولوا هذا اللفظ: بأن أفعل يأتي بمعنى فعيل؛ كما قال - تعالى -: ﴿وَهُوَ أَهوَنُ عَلَيهِ﴾ وهذا فيه نظر؛ فإنا نقول: إن أريد بالنقص اللازم من التفضيل إلحاق ما يعيب المفضول؛ فهذا ليس بلازم مطلقًا، وإن أريد بالنقص: أن المفضول ليس فيه ما في الأفضل من ذلك القدر الذي زاد به؛ فهو الحق، ولولا ذلك لما تحققت المفاضلة. ثم لا يجوز إطلاق النقص ولا الأنقص على شيء من كلام الله - تعالى -. وأما تأويل الحديث فهو وإن كان فيه مسوّغًا، فلا يجري في كل موضع يستدل به على التفضيل، فإن منها نصوصًا لا تقبل التأويل؛ كقوله ﷺ : ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن (١)، وغير ذلك مما في هذا المعنى.
وإنما كانت آية الكرسي أعظم؛ لما تضمنته من أوصاف الإلهية وأحكامها، على ما لا يخفى على من تأملها، فإنها تضمنت من ذلك ما لم يتضمنه غيرها من الآي. وقال بعض المتأخرين: إن هذه الآية اشتملت من الضمائر العائدة على الله - تعالى - على ستة عشر، وكلها تفيد تعظيمًا لله - تعالى -، فكانت أعظم آية في كتاب الله - تعالى - لذلك. والله أعلم.
وقوله لأُبيٍّ حين أخبره بذلك: ليهنك العلم، وضربه صدره: تنشيط له، وترغيب في أن يزداد علمًا وبصيرة، وفرح بما ظهر عليه من آثاره المباركة، وفيه إلقاء العالم المسائل على المتعلم؛ ليختبره بذلك.
стр. 1046
(١١٧) باب فضل سورة الكهف، وتنزل السكينة عند قراءتها
[٦٨١]- عَنِ البَرَاءِ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَقرَأُ سُورَةَ الكَهفِ، وَعِندَهُ فَرَسٌ مَربُوطٌ بِشَطَنَينِ، فَتَغَشَّتهُ سَحَابَةٌ، فَجَعَلَت تَدُورُ وَتَدنُو، وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنفِرُ مِنهَا، فَلَمَّا أَصبَحَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ فَقَالَ: تِلكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَت لِلقُرآنِ.
رواه أحمد (٤/ ٢٩٣ و ٢٩٨)، والبخاري (٣٦١٤)، ومسلم (٧٩٥)(٢٤٠)، والترمذي (٢٨٨٧).
ــ
(١١٧) ومن باب: فضل سورة الكهف
قوله: بشطنين؛ أي: حَبلَين. والشَّطَن: الحبل الطويل، والنوى: الشطون البعيدة، وشَطَن؛ أي: بعد، ومنه الشيطان على أحد التأويلين. وتغشته: غطَّته. والسكينة: مأخوذة من السكون، وهو الوقار والطمأنينة، وهي هنا اسم للملائكة؛ كما فسرها في الرواية الأخرى، وسَمّاهم بذلك لشدّة وقارهم وسكونهم؛ تعظيمًا لقراءة هذه السورة (١)، واختلف المفسرون في قوله - تعالى -: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُم﴾ على أقوال كثيرة، فقيل: السكون: الرحمة. وقيل: حيوان كالهرّ له جناحان وذنب، ولعينيه شعاع، فإذا نظر للجيش انهزم، وقيل: آيات يسكنون لها. وقال ابن وهب: روح من الله يتكلم معهم، ويبيّن لهم إذا اختلفوا. وهذا القول أشبهها؛ لأنه موافق لما في هذا الحديث. والمربد للتمر مثل الأندر (٢)
стр. 1047
[٦٨٢]- وَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيَّ: أَنَّ أُسَيدَ بنَ حُضَيرٍ بَينَمَا هُوَ لَيلَةً يَقرَأُ فِي مِربَدِهِ، إِذ جَالَت فَرَسُهُ فَقَرَأَ، ثُمَّ جَالَت أُخرَى فَقَرَأَ، ثُمَّ جَالَت أَيضًا، فَقَالَ، أُسَيدٌ: فَخَشِيتُ أَن تَطَأَ يَحيَى، فَقُمتُ إِلَيهَا، فَإِذَا مِثلُ الظُّلَّةِ فَوقَ رَأسِي، فِيهَا أَمثَالُ السُّرُجِ، عَرَجَت فِي الجَوِّ حَتَّى مَا أَرَاهَا. قَالَ: فَغَدَوتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! بَينَمَا أَنَا البَارِحَةَ مِن جَوفِ اللَّيلِ أَقرَأُ فِي مِربَدِي، إِذ جَالَت فَرَسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اقرَأِ، ابنَ حُضَيرٍ. قَالَ: فَقَرَأتُ. ثُمَّ جَالَت أَيضًا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اقرَأِ، ابنَ حُضَيرٍ! قَالَ: فَقَرَأتُ. ثُمَّ جَالَت أَيضًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اقرَأِ، ابنَ حُضَيرٍ! قَالَ: فَانصَرَفتُ، وَكَانَ يَحيَى قَرِيبًا مِنهَا، خَشِيتُ أَن تَطَأَهُ، فَرَأَيتُ مِثلَ الظُّلَّةِ، فِيهَا أَمثَالُ السُّرُجِ، عَرَجَت فِي الجَوِّ حَتَّى مَا أَرَاهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : تِلكَ المَلائِكَةُ كَانَت تَستَمِعُ لَكَ،
ــ
للطعام. وجالت: اضطربت. والرواية المشهورة: تنفر؛ من النفور، وعند أبي بحر: تنقز بالقاف والزاي، ومعناه: تَثِب؛ يقال: نَقَزَ الصبي، وقَفَزَ: إذا وثب.
وقوله: فخشيت أن تطأ يحيى، يعني: أنه خشي أن تطأ الفرس يحيى ابنه، وقد فسره بعد ذلك. والظُّلَّة: السحابة فوق الرأس؛ مأخوذة من الظل. والجَوّ: ما بين السماء والأرض. والسُّرُج: جمع سراج؛ شَبَّه الأنوار التي رأى في السحابة بها.
وقوله ﷺ لابن حُضير: اقرأ؛ عند إخباره له بما رأى، هو أمر له بمداومة على القراءة فيما يستأنفه؛ فرحًا بما أطلعه الله عليه، وكرر ذلك تأكيدًا (١).
وقوله ﷺ : تلك الملائكة كانت تستمع لك: استطابة لقراءته؛ لحسن
стр. 1048
وَلَو قَرَأتَ لأَصبَحَت يَرَاهَا النَّاسُ مَا تَستَتِرُ مِنهُم.
رواه البخاري (٥٠١٨) من حديث أُسيد، ورواه مسلم (٧٩٦) من حديث أبي سعيد.
[٦٨٣]- وعَن أَبِي الدَّردَاءِ، أَنَّ نَّبِيّ الله ﷺ قَالَ: مَن حَفِظَ عَشرَ آيَاتٍ مِن أَوَّلِ سُورَةِ الكَهف عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ.
ــ
ترتيلها، وحضور قلبه فيها، وخشوعه وإخلاصه. والله - تعالى - أعلم، وإطلاع الله - تعالى - له على ذلك: إظهار كرامته له؛ ليزداد يقينًا مع يقينه، واجتهادًا في عبادته. وهذا دليل على جواز رؤية من ليس بنبي للملائكة.
وقوله: لو قرأت لأصبحت يراها الناس: يعني: لو دمت على حالتك في قراءتك لأصبحت على تلك الحال ظاهرة للناس، لكنه قطع القراءة، فارتفعت الملائكة وغابت؛ لتخصيص الكرامة به، وليعمل الناس على التصديق بالغيب.
وقوله ﷺ : من قرأ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال. وفي الرواية الأخرى: من آخر الكهف. واختلف المتأوِّلون في سبب ذلك؛ فقيل: لما في قصة أصحاب الكهف من العجائب والآيات، فمن علمها لم يستغرب أمر الدجال، ولم يَهُلهُ ذلك، فلا يفتتن به. وقيل: لما في قوله - تعالى -: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَولِيَاءَ﴾ - إلى آخر السورة - من المعاني المناسبة لحال الدجّال، وهذا على رواية من روى: من آخر الكهف. وقيل: لقوله - تعالى -: ﴿قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأسًا شَدِيدًا مِن لَدُنهُ﴾؛ تمسُّكًا بتخصيص البأس بالشدة واللدنِّية، وهو مناسب لما يكون من الدجال من دعوى الإلهية، واستيلائه، وعظيم فتنته، ولذلك عظَّم النبي ﷺ أمره، وحذّر منه، وتعوّذ من فتنته. فيكون معنى هذا الحديث: أن من قرأ هذه الآيات وتدبرها، ووقف على معناها؛ حذره، فأمن من ذلك. وقيل: هذا من خصائص هذه السورة كلها، فقد روي: من حفظ
стр. 1049
وفي رِوَايَةٍ: مِن آخِرِ الكَهفِ.
رواه أحمد (٦/ ٤٤٩)، ومسلم (٨٠٩)، وأبو داود (٤٣٢٣)، والترمذي (٢٨٨٨).
* * *
ــ
سورة الكهف، ثم أدرك الدجال لم يسلط عليه (١). وعلى هذا تجتمع رواية من روى: من أول سورة الكهف، ورواية من روى: من آخرها، ويكون ذكر العشر على جهة الاستدراج في حفظها كلها. وقيل: إنما كان ذلك لقوله: ﴿قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأسًا شَدِيدًا مِن لَدُنهُ﴾ فإنه يهون بأس الدجال، وقوله: ﴿وَيُبَشِّرَ المُؤمِنِينَ الَّذِينَ يَعمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُم أَجرًا حَسَنًا﴾؛ فإنه يهون الصبر على فتن الدجال بما يظهر من جنته وناره، وتنعيمه وتعذيبه، ثم ذمُّه - تعالى - لمن اعتقد الولد؛ يفهم منه: أن من ادعى الإلهية أولى بالذم، وهو الدجال، ثم قصة أصحاب الكهف فيها عبرة تناسب العصمة من الفتن، وذلك أن الله - تعالى - حكى عنهم أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِن لَدُنكَ رَحمَةً وَهَيِّئ لَنَا مِن أَمرِنَا رَشَدًا﴾ فهؤلاء قوم ابتلوا فصبروا، وسألوا إصلاح أحوالهم، فأصلحت لهم، وهذا تعليم لكل مدعو إلى الشرك. ومن روى: من آخر الكهف؛ فلما في قوله - تعالى -: ﴿وَعَرَضنَا جَهَنَّمَ يَومَئِذٍ لِلكَافِرِينَ عَرضًا﴾ فإن فيه ما يهون ما يظهره الدجال من ناره.
وقوله: ﴿الَّذِينَ كَانَت أَعيُنُهُم فِي غِطَاءٍ عَن ذِكرِي﴾ تنبيه على أحوال تابعي الدجال؛ إذ قد عموا عن ظهور الآيات التي تكذبه. والله أعلم. والكهف: المغار الواسع في الجبل، والصغير منها يسمى الغار.
стр. 1050
(١١٨) باب فضل قراءة ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾
[٦٨٤]- عَن أَبِي الدَّردَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَيَعجِزُ أَحَدُكُم أَن يَقرَأَ فِي لَيلَةٍ ثُلُثَ القُرآنِ؟ قَالُوا: وَكَيفَ يَقرَأُ ثُلُثَ القُرآنِ؟ قَالَ: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تَعدِلُ ثُلُثَ القُرآنِ.
ــ
(١١٨) ومن باب: فضل ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾
قوله ﷺ : ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن؛ أي: تساوي جزءًا منه، كما قال في الرواية الأخرى: إن الله جزَّأ القرآن ثلاثة أجزاء، فجعل ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ جزءًا، من أجزاء القرآن، وإيضاحه كما قال المحققون من علمائنا: أن القرآن بالنسبة إلى معانيه الكلية على ثلاثة أنحاء: قصص، وأحكام، وأوصاف لله. و ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تشتمل على ذكر أوصاف الحق ، فكانت ثلثًا من هذه الجهة. قلت: وهذا إنما يتمّ إذا حُقِّق: أن هذه السورة مشتملة على جميع ذكر أوصافه - تعالى -، وليس ذلك فيها ظاهرًا، لكنها اشتملت على اسمين من أسمائه - تعالى -؛ يتضمنان جميع أوصاف كماله - تعالى -، لم يوجدا في غيرها من جميع السور، وهما: الأحد، والصمد؛ فإنهما يدلاّن على أحديَّة الذات المقدسة الموصوفة بجميع صفات الكمال المعظمة، وبيانه: أن الأحد والواحد وإن رجعا إلى أصل واحد لغة، فقد افترقا استعمالا وعرفًا، وذلك: أن الهمزة من أحد منقلبة عن الواو من: وحد، كما قال النابغة:
كأن رحلي وقد زال النهار بنا ... يوم الجَليل على مُستَأنِسٍ وَحَدِ (١)
стр. 1051
وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّ الله جَزَّأَ القُرآنَ ثَلاثَةَ أَجزَاءٍ، فَجَعَلَ ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ جُزءًا مِن أَجزَاءِ القُرآنِ.
رواه أحمد (٦/ ٤٤٢ و ٤٤٧)، ومسلم (٨١١)(٢٥٩) و (٢٦٠).
[٦٨٥]- وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : احشُدُوا فَإِنِّي
ــ
فهما من الوحدة، وهي راجعة إلى نفي التعدد والكثرة، غير أن استعمال العرب فيهما مختلف: فإن الواحد عندهم أصل العدد، من غير تعرض لنفي ما عداه، والأحد يثبت مدلوله، ويتعرض لنفي ما [سواه، ولهذا] (١) أكثر ما استعملته العرب في النفي، فقالوا: ما فيها أحد، ولم يكن له كفوًا أحد، ولم يقولوا هنا: واحد، فإن أرادوا الإثبات قالوا: رأيت واحدًا من الناس، ولم يقولوا هنا: أحدًا. وعلى هذا فالأحد في أسمائه - تعالى - مشعر بوجوده الخاص به، الذي لا يشاركه فيه غيره، وهو المعبَّر عنه بواجب الوجود، وربما عبر عنه بعض المتكلمين: بأنه أخص وصفه. وأما الصَّمد: فهو المتضمن لجميع أوصاف الكمال، فإن الصمد هو الذي انتهى سؤدده؛ بحيث يُصمَدُ إليه في الحوائج كلها؛ أي: يقصد، ولا يصح ذلك تحقيقًا إلا ممن حاز جميع خصال الكمال حقيقة، وذلك لا (٢) يكمل إلا لله - تعالى -، فهو الأحد الصمد، الذي ﴿لَم يَلِد وَلَم يُولَد * وَلَم يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ فقد ظهر أن لهذين الاسمين من شمول الدلالة على الله - تعالى - وصفاته ما ليس لغيرهما من الأسماء، وأنهما ليسا موجودين في شيء من سور القرآن، فظهرت خصوصية هذه السورة بأنها ثلث القرآن، كما قررناه. والله أعلم. وقد كثرت أقوال الناس في هذا المعنى، وهذا أنسبها وأحسنها حسب ما ظهر، فلنقتصر عليه.
стр. 1052
سَأَقرَأُ عَلَيكُم ثُلُثَ القُرآنِ. فَحَشَدَ مَن حَشَدَ، ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ الله ﷺ فَقَرَأَ: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثُمَّ دَخَلَ. فَقَالَ بَعضُنَا لِبَعضٍ: إِنِّي أُرَى هَذَا خَبَرًا جَاءَهُ مِنَ السَّمَاءِ، فَذلكَ الَّذِي أَدخَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ الله ﷺ فَقَالَ: إِنِّي قُلتُ لَكُم: سَأَقرَأُ عَلَيكُم ثُلُثَ القُرآنِ، أَلا إِنَّهَا تَعدِلُ ثُلُثَ القُرآنِ.
رواه أحمد (٢/ ٤٢٩)، ومسلم (٨١٢)(٢٦١)، والترمذي (٢٩٠٢).
[٦٨٦]- وعَن عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ رَجُلا عَلَى سَرِيَّةٍ، فَكَانَ يَقرَأُ لأَصحَابِهِ فِي صَلاتِهِم فَيَختِمُ بـ ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فَلَمَّا رَجَعُوا ذُكِرَوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: سَلُوهُ لأَيِّ شَيءٍ يَصنَعُ ذَلِكَ؟ فَسَأَلُوهُ. فَقَالَ لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحمَنِ، فَأَنَا أُحِبُّ أَن أَقرَأَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَخبِرُوهُ أَنَّ الله يُحِبُّهُ.
رواه البخاري (٧٣٧٥)، ومسلم (٨١٣)، والنسائي (٢/ ١٧١).
* * *
ــ
وقوله: فحشد من حشد؛ أي: اجتمع من اجتمع، والحشد: الجمع، قاله الهروي وغيره. ومحبة الله - تعالى - للخلق: تقريبه لمحبوبه، وإكرامه له، وليست بميل ولا غرض كما هي منا، وليست المحبة في حقوقنا هي الإرادة بل شيء زائد عليها، فإن الإنسان يجد من نفسه أنه يحب ما لا يقدر على اكتسابه، ولا على تخصيصه به (١). والإرادة: هي التي تخصص الفعل ببعض وجوهه الجائزة، والإنسان يحسُّ من نفسه: أنه يحب الموصوفين بالصفات الجميلة والأفعال الحسنة؛ مثل العلماء، والفضلاء، وإن لم يتعلق له (٢) بهم إرادة مخصصة، وإذا
стр. 1053
(١١٩) باب فضل قراءة المعوذتين
[٦٨٧]- عَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَلَم تَرَ آيَاتٍ أُنزِلَتِ هذه اللَّيلَةَ، لَم يُرَ مِثلُهُنَّ قَطُّ؟ ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ وَ ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : أُنزِلَ - أَو أُنزِلَت - عَلَيَّ آيَاتٌ لَم يُرَ مِثلُهُنَّ قَطُّ، المُعَوِّذَتَينِ.
رواه أحمد (٤/ ١٥١)، ومسلم (٨١٤)(٢٦٤) و (٢٦٥)، والترمذي (٢٩٠٤ و ٢٩٠٥)، والنسائي (٨/ ١٥٨).
* * *
ــ
وضح فرق ما بينهما فالله تعالى محبوب لمحبيه على حقيقة المحبة، كما هو المعروف عند من رزقه الله - تعالى - منا (١) شيئا من ذلك، فنسأله - تعالى - ألا يحرمنا ذلك، وأن يجعلنا من محبيه المخلصين.
* * *
стр. 1054
(١٢٠) باب لا حسد إلا في اثنتين، ومن يرفع بالقرآن
[٦٨٨]- عَن ابنِ عُمَر، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لا حَسَدَ إِلا فِي اثنَتَينِ: رَجُلٌ آتَاهُ الله القُرآنَ، فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله مَالا، فَهُوَ يُنفِقُهُ آنَاءَ اللَّيلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ.
رواه أحمد (٢/ ٣٦ و ٨٨ و ١٥٢)، والبخاري (٥٠٢٥)، ومسلم (٨١٥)(٢٦٦)، والترمذي (١٩٣٧)، وابن ماجه (٤٢٠٩).
ــ
(١٢٠) ومن باب: لا حسد إلا في اثنتين (١)
أصل الحسد: تمنِّي زوال النّعمة عن المنعَم عليه، ثم قد يكون مذمومًا، وغير مذموم، فالمذموم: أن تتمنَّى زوال نعمة الله عن أخيك المسلم، سواء تمنيت مع ذلك أن تعود إليك أم لا؟ وهذا النوع هو الذي ذمَّه الله - تعالى - بقوله: ﴿أَم يَحسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضلِهِ﴾ وأما غير المذموم فقد يكون محمودًا، مثل: أن يتمنّى زوال النعمة عن الكافر وعمن يستعين بها على المعصية. وأما: فهو أن تتمنّى أن يكون لك من النعمة والخير مثل ما لغيرك، من غير أن تزول عنه، والحرص على هذا يُسمّى: منافسة، ومنه: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَليَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ﴾ غير أنه قد يطلق على الغبطة حَسدًا، وعليه يُحمل الحسدُ في هذا الحديث، فكأنه قال: لا غبطةَ أعظم أو أفضل من الغبطة في هذين الأمرين. وقد نبّه البخاري على هذا؛ حيث بوَّب على هذا
стр. 1055
[٦٨٩]- وَعَن عَبدَ الله بنَ مَسعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لا حَسَدَ إِلا فِي اثنَتَينِ: رَجُلٌ آتَاهُ الله مَالا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله حِكمَةً فَهُوَ يَقضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا.
رواه أحمد (١/ ٤٣٢)، والبخاري (٧١٤١)، ومسلم (٨١٦)، وابن ماجه (٤٢٠٨).
[٦٩٠]- وَعَن عَاَمِر بنِ وَاَثِلةَ: أَنَّ نَافِع بنِ عَبدِ الحَارِث لَقِيَ عُمَرَ بِعُسفَانَ، وَكَانَ عُمَرُ يَستَعمِلَهُ عَلَى مَكَّةَ، فَقَالَ: مَن استَعمَلتَ عَلَى هذا الوَادِي؟ قَالَ: ابنُ اَبزى. قَالَ: وَمَن ابنُ اَبزىَ؟ قَالَ: مَولَى مِن مَواَلِينَا. قَالَ: فَاستَخلفتَ عَلَيِهِم مَولَى؟ ! قَالَ: إِنَّهُ قَاَرِئٌ لِكِتَابِ اللهِ، وَإِنَّهُ عَاَلِمٌ بِالَفَرائِضِ. قاَلَ عُمَرُ: أَمَا إن نَبِيَّكُم ﷺ قَد قَالَ: إِنَّ الله يَرفَعُ بِهَذَا الكِتَابِ أَقوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ.
رواه أحمد (١/ ٣٥)، ومسلم (٨١٧)، وابن ماجه (٢١٨).
* * *
ــ
الحديث: باب الاغتباط في العلم والحكمة.
وآناء الليل: ساعاته، واحدتها: إنيٌّ، وإنىً.
وقوله: إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، يعني: يُشرف، ويكرم في الدنيا والآخرة، وذلك بسبب الاعتناء به، والعلم به، والعمل بما فيه. ويضع: يعني: يحقِّر ويصغِّر في الدنيا والآخرة، وذلك بسبب تركه، والجهل به، وترك العمل به.