← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّ الله جَزَّأَ القُرآنَ ثَلاثَةَ أَجزَاءٍ، فَجَعَلَ ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ جُزءًا مِن أَجزَاءِ القُرآنِ. رواه أحمد (٦/ ٤٤٢ و ٤٤٧)، ومسلم (٨١١) (٢٥٩) و (٢٦٠). [٦٨٥]- وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : احشُدُوا فَإِنِّي ــ فهما من الوحدة، وهي راجعة إلى نفي التعدد والكثرة، غير أن استعمال العرب فيهما مختلف: فإن الواحد عندهم أصل العدد، من غير تعرض لنفي ما عداه، والأحد يثبت مدلوله، ويتعرض لنفي ما [سواه، ولهذا] (١) أكثر ما استعملته العرب في النفي، فقالوا: ما فيها أحد، ولم يكن له كفوًا أحد، ولم يقولوا هنا: واحد، فإن أرادوا الإثبات قالوا: رأيت واحدًا من الناس، ولم يقولوا هنا: أحدًا. وعلى هذا فالأحد في أسمائه - تعالى - مشعر بوجوده الخاص به، الذي لا يشاركه فيه غيره، وهو المعبَّر عنه بواجب الوجود، وربما عبر عنه بعض المتكلمين: بأنه أخص وصفه. وأما الصَّمد: فهو المتضمن لجميع أوصاف الكمال، فإن الصمد هو الذي انتهى سؤدده؛ بحيث يُصمَدُ إليه في الحوائج كلها؛ أي: يقصد، ولا يصح ذلك تحقيقًا إلا ممن حاز جميع خصال الكمال حقيقة، وذلك لا (٢) يكمل إلا لله - تعالى -، فهو الأحد الصمد، الذي ﴿لَم يَلِد وَلَم يُولَد * وَلَم يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ فقد ظهر أن لهذين الاسمين من شمول الدلالة على الله - تعالى - وصفاته ما ليس لغيرهما من الأسماء، وأنهما ليسا موجودين في شيء من سور القرآن، فظهرت خصوصية هذه السورة بأنها ثلث القرآن، كما قررناه. والله أعلم. وقد كثرت أقوال الناس في هذا المعنى، وهذا أنسبها وأحسنها حسب ما ظهر، فلنقتصر عليه.

стр. 1052

سَأَقرَأُ عَلَيكُم ثُلُثَ القُرآنِ. فَحَشَدَ مَن حَشَدَ، ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ الله ﷺ فَقَرَأَ: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثُمَّ دَخَلَ. فَقَالَ بَعضُنَا لِبَعضٍ: إِنِّي أُرَى هَذَا خَبَرًا جَاءَهُ مِنَ السَّمَاءِ، فَذلكَ الَّذِي أَدخَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ الله ﷺ فَقَالَ: إِنِّي قُلتُ لَكُم: سَأَقرَأُ عَلَيكُم ثُلُثَ القُرآنِ، أَلا إِنَّهَا تَعدِلُ ثُلُثَ القُرآنِ. رواه أحمد (٢/ ٤٢٩)، ومسلم (٨١٢) (٢٦١)، والترمذي (٢٩٠٢). [٦٨٦]- وعَن عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ رَجُلا عَلَى سَرِيَّةٍ، فَكَانَ يَقرَأُ لأَصحَابِهِ فِي صَلاتِهِم فَيَختِمُ بـ ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فَلَمَّا رَجَعُوا ذُكِرَوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: سَلُوهُ لأَيِّ شَيءٍ يَصنَعُ ذَلِكَ؟ فَسَأَلُوهُ. فَقَالَ لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحمَنِ، فَأَنَا أُحِبُّ أَن أَقرَأَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَخبِرُوهُ أَنَّ الله يُحِبُّهُ. رواه البخاري (٧٣٧٥)، ومسلم (٨١٣)، والنسائي (٢/ ١٧١). * * * ــ وقوله: فحشد من حشد؛ أي: اجتمع من اجتمع، والحشد: الجمع، قاله الهروي وغيره. ومحبة الله - تعالى - للخلق: تقريبه لمحبوبه، وإكرامه له، وليست بميل ولا غرض كما هي منا، وليست المحبة في حقوقنا هي الإرادة بل شيء زائد عليها، فإن الإنسان يجد من نفسه أنه يحب ما لا يقدر على اكتسابه، ولا على تخصيصه به (١). والإرادة: هي التي تخصص الفعل ببعض وجوهه الجائزة، والإنسان يحسُّ من نفسه: أنه يحب الموصوفين بالصفات الجميلة والأفعال الحسنة؛ مثل العلماء، والفضلاء، وإن لم يتعلق له (٢) بهم إرادة مخصصة، وإذا

стр. 1053

(١١٩) باب فضل قراءة المعوذتين [٦٨٧]- عَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَلَم تَرَ آيَاتٍ أُنزِلَتِ هذه اللَّيلَةَ، لَم يُرَ مِثلُهُنَّ قَطُّ؟ ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ وَ ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : أُنزِلَ - أَو أُنزِلَت - عَلَيَّ آيَاتٌ لَم يُرَ مِثلُهُنَّ قَطُّ، المُعَوِّذَتَينِ. رواه أحمد (٤/ ١٥١)، ومسلم (٨١٤) (٢٦٤) و (٢٦٥)، والترمذي (٢٩٠٤ و ٢٩٠٥)، والنسائي (٨/ ١٥٨). * * * ــ وضح فرق ما بينهما فالله تعالى محبوب لمحبيه على حقيقة المحبة، كما هو المعروف عند من رزقه الله - تعالى - منا (١) شيئا من ذلك، فنسأله - تعالى - ألا يحرمنا ذلك، وأن يجعلنا من محبيه المخلصين. * * *

стр. 1054

(١٢٠) باب لا حسد إلا في اثنتين، ومن يرفع بالقرآن [٦٨٨]- عَن ابنِ عُمَر، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لا حَسَدَ إِلا فِي اثنَتَينِ: رَجُلٌ آتَاهُ الله القُرآنَ، فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله مَالا، فَهُوَ يُنفِقُهُ آنَاءَ اللَّيلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ. رواه أحمد (٢/ ٣٦ و ٨٨ و ١٥٢)، والبخاري (٥٠٢٥)، ومسلم (٨١٥) (٢٦٦)، والترمذي (١٩٣٧)، وابن ماجه (٤٢٠٩). ــ (١٢٠) ومن باب: لا حسد إلا في اثنتين (١) أصل الحسد: تمنِّي زوال النّعمة عن المنعَم عليه، ثم قد يكون مذمومًا، وغير مذموم، فالمذموم: أن تتمنَّى زوال نعمة الله عن أخيك المسلم، سواء تمنيت مع ذلك أن تعود إليك أم لا؟ وهذا النوع هو الذي ذمَّه الله - تعالى - بقوله: ﴿أَم يَحسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضلِهِ﴾ وأما غير المذموم فقد يكون محمودًا، مثل: أن يتمنّى زوال النعمة عن الكافر وعمن يستعين بها على المعصية. وأما: فهو أن تتمنّى أن يكون لك من النعمة والخير مثل ما لغيرك، من غير أن تزول عنه، والحرص على هذا يُسمّى: منافسة، ومنه: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَليَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ﴾ غير أنه قد يطلق على الغبطة حَسدًا، وعليه يُحمل الحسدُ في هذا الحديث، فكأنه قال: لا غبطةَ أعظم أو أفضل من الغبطة في هذين الأمرين. وقد نبّه البخاري على هذا؛ حيث بوَّب على هذا

стр. 1055

[٦٨٩]- وَعَن عَبدَ الله بنَ مَسعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لا حَسَدَ إِلا فِي اثنَتَينِ: رَجُلٌ آتَاهُ الله مَالا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله حِكمَةً فَهُوَ يَقضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا. رواه أحمد (١/ ٤٣٢)، والبخاري (٧١٤١)، ومسلم (٨١٦)، وابن ماجه (٤٢٠٨). [٦٩٠]- وَعَن عَاَمِر بنِ وَاَثِلةَ: أَنَّ نَافِع بنِ عَبدِ الحَارِث لَقِيَ عُمَرَ بِعُسفَانَ، وَكَانَ عُمَرُ يَستَعمِلَهُ عَلَى مَكَّةَ، فَقَالَ: مَن استَعمَلتَ عَلَى هذا الوَادِي؟ قَالَ: ابنُ اَبزى. قَالَ: وَمَن ابنُ اَبزىَ؟ قَالَ: مَولَى مِن مَواَلِينَا. قَالَ: فَاستَخلفتَ عَلَيِهِم مَولَى؟ ! قَالَ: إِنَّهُ قَاَرِئٌ لِكِتَابِ اللهِ، وَإِنَّهُ عَاَلِمٌ بِالَفَرائِضِ. قاَلَ عُمَرُ: أَمَا إن نَبِيَّكُم ﷺ قَد قَالَ: إِنَّ الله يَرفَعُ بِهَذَا الكِتَابِ أَقوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ. رواه أحمد (١/ ٣٥)، ومسلم (٨١٧)، وابن ماجه (٢١٨). * * * ــ الحديث: باب الاغتباط في العلم والحكمة. وآناء الليل: ساعاته، واحدتها: إنيٌّ، وإنىً. وقوله: إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، يعني: يُشرف، ويكرم في الدنيا والآخرة، وذلك بسبب الاعتناء به، والعلم به، والعمل بما فيه. ويضع: يعني: يحقِّر ويصغِّر في الدنيا والآخرة، وذلك بسبب تركه، والجهل به، وترك العمل به.

стр. 1056

(١٢١) باب إنزال القرآن على سبعة أحرف [٦٩١]- عَن عُمَرَ بن الخَطَّابِ قَالَ: سَمِعتُ هِشَامَ بنَ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ يَقرَأُ سُورَةَ الفُرقَانِ عَلَى غَيرِ مَا أَقرَؤُهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَقرَأَنِيهَا، فَكِدتُ أَن أَعجَلَ عَلَيهِ، ثُمَّ أَمهَلتُهُ حَتَّى انصَرَفَ ثُمَّ لَبَّبتُهُ بِرِدَائِهِ، فَجِئتُ بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي سَمِعتُ هَذَا يَقرَأُ سُورَةَ الفُرقَانِ عَلَى غَيرِ مَا أَقرَأتَنِيهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَرسِلهُ. اقرَأ. فَقَرَأ القِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعتُهُ يَقرَأُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : هَكَذَا أُنزِلَت، ثُمَّ قَالَ لِي: اقرَأ. ــ (١٢١) ومن باب: إنزال (١) القرآن على سبعة أحرف قوله: فلَبَّبتُهُ بردائه؛ أي: جمعت ثوبه على حَلقه، وأصله من اللّبة، وهي الثغرة التي في أسفل الحلق، وهذا من عمر ﵁ غَيرةٌ على كتاب الله، وقوة في دينه. وقوله لعمر: أرسله؛ أي: أطلقه، لينفِّس عنه، حتى يُعرِب عن نفسه. وقوله لهشام: اقرأ، ليسمعَ ما ادعى عليه إفساده، ليتّضح ذلك. وقوله لعمر: اقرأ: لتجويز الغلَط على عمر، أو ليبيِّن أن كل واحدة من القراءتين جائزة، كما قد صوّبه فيها بعد ذلك بقوله: هكذا أنزلت. واختلف في قوله ﷺ : هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف على خمسة وثلاثين قولا؛ حكاها أبو حاتم بن حِبَّان، أَولاها عند المحققين، وأقربها بمساق الأحاديث: أن

стр. 1057

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ السبعة أحرف هي سبع لغات من لغات العرب. قال أبو عبيد: يَمَنُها، ومَعَدُّها، وهي أفصح اللغات وأعلاها من كلامهم، وقيل: بل هذه السبع لغات لمضر لا لغيرها. قالوا: وهذه اللغات مُتفرِّقة في القرآن، لا يلزم اجتماعها في الكلمة الواحدة، ولو اجتمعت لم يكن في ذلك بُعد، ويمكن أن يُقال: إن النبي ﷺ سمعها من جبريل في عَرَضَات سبع، أو في واحدة، ويُوقفه على المواضع المختلف فيها. ثم لا يشترط أن يكون اختلاف هذه اللغات السبع في كيفيَّات الكلمات من: الإدغام، والإظهار، والمدّ، والقصر، والإمالة، والفتح، وما بين اللفظين، والتغليظ، والترقيق، واختلاف الإعرابات فقط، بل يجوز أن يكون في هذه كلها، وفي ألفاظ مترادفة على معنى واحد، كما قد رُوي أنه قُرئ: ﴿انظُرُونَا نَقتَبِس مِن نُورِكُم﴾ وأخرونا وأنسئونا، وفي قوله: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَشَوا فِيهِ﴾ ومروا وسَعَوا، وفي قوله: ﴿فَاسعَوا إِلَى ذِكرِ اللَّهِ﴾ وامض ا، وفي زيادة ألفاظ: فيزيد بعضهم كلمة، وينقصها غيرهم؛ كما في قوله: من تحتها وأسقطها آخرون، و: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ و (أن الله الغني) بإسقاط هو. وهذا النحو من الاختلاف هو الذي كثر في خلافة عثمان، حتى خاف أن يتبدَّل كثير من القرآن، ويتغيّر، ويختلف الناس، فاتفق نظره ونظر الصحابة أجمعين على جمع الناس على مصحف واحد، فكتبوه على لغة قريش، وعلى حرق ما عداه من المصاحف المخالفة لذلك المصحف، وهذا النحو من الاختلاف هو الذي أنكره عمر، لَمَّا سمعه من هشام، والذي أنكره أُبيٌّ أيضًا وعَظُم عليه؛ لأنهما لما سمعا كلماتٍ مخالفة للتي قرآ بها على النبي ﷺ . [وقد دلّ على هذا: أن النسائي (١) أخرج هذا الحديث. وقال فيه: إن عمر قال: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان، فقرأ فيها حروفًا لم يكن

стр. 1058

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النبي ﷺ أقرأنيها، ولما جاء به النبي ﷺ قال له: إني سمعت هذا يقرأ فيها حروفًا لم تكن أقرأتنيها. وهذا نص] (١). وعن ذلك تحرّج النبي ﷺ من أن يقصر أمته على حرف واحد؛ حتى سأل الله - تعالى - في أن يخفف عنهم، فأجيب إلى ذلك، ووسَّع عليهم، وأنهى التّوسيع إلى هذه؛ لأنها لغات أكثر العرب الحجازيين، ولو ضُيِّق على الناس حتى يقرأ الكل بلغةٍ واحدةٍ؛ لشقَّ ذلك عليهم، وحُرِجُوا؛ لأنهم كانوا يُكلَّفون أن يخرجوا عن أسلوب طباعهم وعاداتهم في كلامهم، لا سيّما في حدّة الأمر وفجأته، فلما وُسِّع عليهم في ذلك [أُمر كلُّ منهم أن يقرأ بلغته ولا ينكر على غيره (٢)، واتسع الناس في ذلك] (٣) في صدر الإسلام، وإلى زمن عثمان ﵁، فلما خاف عثمان ﵁ أن يتعدَّى الناس حدَّ التوسعة ومحلَّها، وأدخل بعض الناس في مصحفه ما ليس بقرآن؛ كالتشهد، والقنوت، وغير ذلك، أو ما كان قد نُسِخَت تلاوته؛ شاور الصحابة على جمع الناس على مصحف واحد، يكتبونه بلغة قريش، فأجابوه لذلك، واجتهدوا في ذلك غايتهم، وبذلوا في حفظه وصيانته غاية وسعهم، ثم أجمعوا على أن يكتبوه كذلك، وأن يكتبوا منه نسخًا، وأن يوجّهوها للأمصار [ففعلوا، فوجّهوا للعراق والشام ومصر بأمهات، فاتخذها قراءُ الأمصار معتمد اختياراتهم] (٤)، ولم يخالف أحدٌ منهم مصحفه على النحو الذي بلغه، وما وُجد بين هؤلاء القراء السبعة من الاختلاف في حروفٍ يزيدها بعضهم، وينقصها بعضهم؛ فذلك لأن كلامهم اعتمد على ما بلغه في مصحفه أو رواه؛ إذ قد كان عثمان قد كتب تلك المواضع في بعض

стр. 1059

فَقَرَأتُ فَقَالَ: هَكَذَا أُنزِلَت. إِنَّ هَذَا القُرآنَ أُنزِلَ عَلَى سَبعَةِ أَحرُفٍ، فَاقرَؤوا مَا تَيَسَّرَ مِنهُ. رواه أحمد (١/ ٤٠)، والبخاري (٦٩٣٦)، ومسلم (٨١٨) (٢٧٠)، وأبو داود (١٤٧٥)، والترمذي (٢٩٤٤)، والنسائي (٢/ ١٥٠ و ١٥٢). ــ نُسخ المصاحف، ولم يكتبها في بعضٍ؛ إشعارًا بأن كل ذلك صحيح، وأن القراءة بكل منها جائزة. قلت: فكلُّ ما تضمنته تلك المصاحف متواتر، مُجمَعٌ عليه من الصحابة وغيرهم، وما خرج عن تلك المصاحف لا تجوز القراءة به، ولا الصلاة؛ لأنه ليس من القرآن المُجمع عليه، فأما هذه القراءات السبع التي تُنسب لهؤلاء القراء السبعة، فقال كثير من علمائنا؛ كالداودي، وابن أبي صفرَة وغيرهما: إنها ليست هي الأحرف السبعة التي اتّسعت الصحابة في القراءة بها، وإنما هي راجعة إلى حرفٍ واحدٍ من تلك السبعة، وهو الذي جمع عليه عثمان المصحف؛ ذكره ابن إسحاق وغيره. وهذه القراءات المشهورة هي اختيار أولئك الأئمة القراء، وذلك أن كل واحد منهم اختار فيما روى وعَلِم وجهة من القراءات ما هو الأحسن عنده والأولى، فالتزمه طريقةً، ورواه، وأقرأ به فاشتهر عنه، وعرف به، فنُسب إليه، فقيل: حرف نافع، وحرف ابن كثير، ولم يمنع واحد منهم اختيار الآخر، ولا أنكره، بل سوّغه وجوَّزه، فكل واحد من هؤلاء السبعة، رُوي عنهم اختياران أو أكثر، وكلٌ صحيح. وقد أجمع المسلمون في هذه الأعصار على الاعتماد على ما صح عن هؤلاء الأئمة، مما رووه ورأوه من القراءات، وكتبوا في ذلك مصنفات، فاستمر الإجماع على الصواب، وحصل ما وعد الله - تعالى - به من حفظ الكتاب، وعلى هذا الذي قررناه الأئمةُ المتقدمون، والفضلاء المحققون؛ كالقاضي أبي بكر ابن الطيِّب والطبري، وغيرهما. وقوله: فاقرؤوا ما تيسر منه، الضّمير في: منه عائد على القرآن،

стр. 1060

[٦٩٢]- وعَن أُبَيِّ بنِ كَعبٍ قَالَ: كُنتُ فِي المَسجِدِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ يُصَلِّي، فَقَرَأَ قِرَاءَةً أَنكَرتُهَا عَلَيهِ، ثُمَّ دَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ قِرَاءَةً سِوَى قَرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَلَمَّا قَضَينَا الصَّلاةَ دَخَلنَا جَمِيعًا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُلتُ: إِنَّ هَذَا قَرَأَ قِرَاءَةً أَنكَرتُهَا عَلَيهِ، وَدَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَرَآ، فَحَسَّنَ النَّبِيُّ ﷺ شَأنَهُمَا، فَسَقَطَ فِي نَفسِي مِنَ التَّكذِيبِ، وَلا إِذ كُنتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا قَد غَشِيَنِي ــ لا على الأحرف؛ إذ لو كان عائدًا على الأحرف؛ لقال: منها، وإنما أعاده على القرآن؛ ليبيّن أنه يجوز أن يقرأ بما تيسَّر من الأحرف، ومن القرآن، لا أنه إذا أباح الاقتصار على قراءة بعض القرآن، فلأن يجوز الاقتصار على بعض الأحرف أولى. وقول أُبيّ: فَسُقط في نفسي من التكذيب، ولا إذ كنت في الجاهلية: هذا الذي وقع لأُبيّ ﵁ نزغة من الشيطان، ليشوِّش عليه حاله، ويكدِّر عليه وقته، فإنه عظم عليه من اختلاف القراءات [ما ليس عظيمًا في نفسه، وإلا فأيّ شيء يلزم من المحال والتكذيب من اختلاف القراءات] (١)، لكن لما تولّى الله بكفايتهم أَمرَ الشيطان لم يؤثر تزيينه وتسويله أثرًا يركنون إليه، ولا يدومون عليه، وإنما كان ذلك امتحانا لسرائرهم؛ ليبرز للوجود ما علمه الله من ضمائرهم، ولـ ﴿يَرفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلمَ دَرَجَاتٍ﴾ وإلا فانظر مآل هذا الواقع ماذا كان، فإنه لما رأى النبي ﷺ ما أصابه من ذلك الخاطر؛ نبّهه بأن ضرب في صدره، فأعقب ذلك بأن شرح الله صدره، وتنوّر باطنه، حتى آل له الكشف والشرح إلى حالة المعاينة، فلما ظهر له قبح ذلك الخاطر، خاف من الله - تعالى -؛ وسببه: أنه قد حصل منه التفات إلى ذلك الخاطر. وفيضه بالعرق؛ إنما كان استحياء من الله - تعالى -. ومعنى: سقط في نفسي؛ أي: اعترتني حيرة ودهشة.

стр. 1061

ضَرَبَ فِي صَدرِي، فَفِضتُ عَرَقًا، وَكَأَنَّمَا أَنظُرُ إِلَى الله فَرَقًا فَقَالَ لِي: يَا أُبَيُّ! أُرسِلَ إِلَيَّ: أَنِ اقرَأ القُرآنَ عَلَى حَرفٍ فَرَدَدتُ إِلَيهِ، أَن هَوِّن عَلَى أُمَّتِي؟ ! فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّانِيَةَ: اقرَأهُ عَلَى حَرفَينِ، فَرَدَدتُ إِلَيهِ: أَن هَوِّن عَلَى أُمَّتِي؟ ! فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّالِثَةَ: اقرَأهُ عَلَى سَبعَةِ أَحرُفٍ؛ فَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدتهَا مَسأَلَةٌ تَسأَلُنِيهَا. فَقُلتُ: اللهمَّ اغفِر لأُمَّتِي، اللهمَّ اغفِر لأُمَّتِي، وَأَخَّرتُ الثَّالِثَةَ لِيَومٍ يَرغَبُ إِلَيَّ الخَلقُ كُلُّهُم حَتَّى إِبرَاهِيمُ ﵇. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ النَبَّي ﷺ أَتَاهُ جِبرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ الله يَأمُرُكَ أَن تَقرَأَ أُمَّتُكَ القُرآنَ عَلَى حَرفٍ، فَقَالَ: أَسأَلُ الله مُعَافَاتَهُ وَمَغفِرَتَهُ، وَإِنَّ أُمَّتِي لا تُطِيقُ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ مِثلَهُ، وَهَكَذَا إِلَى أَن قَالَ: إِنَّ الله يَأمُرُكَ أَن تَقرَأَ أُمَّتُكَ القُرآنَ عَلَى سَبعَةِ أَحرُفٍ فَأَيُّمَا حَرفٍ قَرَؤوا عَلَيهِ فَقَد أَصَابُوا. رواه أحمد (٥/ ١٢٤)، ومسلم (٨٢٠) و (٨٢١)، وأبو داود (١٤٧٧ و ١٤٧٨)، والترمذي (٢٩٤٥)، والنسائي (٢/ ١٥٢ و ١٥٤). * * * ــ يقال للنادم المتحيِّر: سقط في يده، وأسقط؛ أي: حصل في يده منه مكروه. ومنه: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيدِيهِم وَرَأَوا أَنَّهُم قَد ضَلُّوا﴾ وهذا الخاطر الذي خطر لأُبَيّ هو من قبيل ما قد أخبر النبي ﷺ أنه لا يُؤاخذُ به، بل هو من قبيل ما قال فيه: ذلك محض الإيمان (١). وقوله: إن الله يأمرك أن تقرأَ أُمَّتُكَ على سبع؛ أي: لا تَزِد عليها، وأي شيء قرؤوا به كفاهم وأجزأهم؛ بدليل قوله: فأيّ حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا. وقوله: أسأل الله معافاته؛ أي: تسهيله وتيسيره، من عفا الأثر؛ أي:

стр. 1062

(١٢٢) باب قراءة سورتين في ركعة من النوافل [٦٩٣] عَن أَبِي وَائِلٍ قَالَ: غَدَونَا عَلَى عَبدِ الله بنِ مَسعُودٍ يَومًا بَعدَمَا صَلَّينَا الغَدَاةَ، فَسَلَّمنَا بِالبَابِ، فَأَذِنَ لَنَا. قَالَ: فَمَكَثنَا بِالبَابِ هُنَيَّةً قَالَ: فَخَرَجَتِ الجَارِيَةُ فَقَالَت: أَلا تَدخُلُونَ؟ فَدَخَلنَا، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ يُسَبِّحُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكُم أَن تَدخُلُوا وَقَد أُذِنَ لَكُم؟ فَقُلنَا: لا، إِلا أَنَّا ظَنَنَّا أَنَّ بَعضَ أَهلِ البَيتِ نَائِمٌ، قَالَ: ظَنَنتُم بِآلِ ابنِ أُمِّ عَبدٍ غَفلَةً؟ قَالَ: ثُمَّ أَقبَلَ يُسَبِّحُ حَتَّى ظَنَّ أَنَّ الشَّمسَ قَد طَلَعَت، فَقَالَ: يَا جَارِيَةُ! انظُرِي، هَل طَلَعَت؟ قَالَ: فَنَظَرَت فَإِذَا هِيَ لَم تَطلُع، فَأَقبَلَ يُسَبِّحُ حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّ الشَّمسَ قَد طَلَعَت فقَالَ: يَا جَارِيَةُ، انظُرِي هَل طَلَعَت؟ فَنَظَرَت فَإِذَا هِيَ قَد طَلَعَت فَقَالَ: الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي أَقَالَنَا يَومَنَا هَذَا (قَالَ مَهدِيٌّ: أَحسِبُهُ قَالَ: وَلَم يُهلِكنَا بِذُنُوبِنَا). قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ: قَرَأتُ المُفَصَّلَ البَارِحَةَ كُلَّهُ. قَالَ فَقَالَ عبد الله: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعرِ؟ إِنَّا لَقَد سَمِعنَا القَرَائِنَ، وَإِنِّي ــ سهل وتغيّر، وسؤاله المغفرة: مخافةَ وقوع التقصير فيما يلزم من ذلك، والله أعلم. (١٢٢) ومن باب: قراءة سورتين في ركعة قوله: فإذا هو جالسٌ يُسبح؛ أي: يسبح الله ويذكره، لا بمعنى: يتنفَّل؛ لأن ذلك في وقت يُمنع التنفل فيه. وقوله: هذًّا كهذ الشعر: إنكار منه على من يسرع في قراءته، ولا يُرتل ولا يتدبَّر، ونصب هذًّا على المصدر؛ كأنه قال: أتهذّ هذًّا؟ وهذّ الشعر:

стр. 1063

لأَحفَظُ القَرَائِنَ الَّتِي كَانَ يَقرَؤُهُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِنَ المُفَصَّلِ، وَسُورَتَينِ مِن آلِ حم. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِن بَنِي بَجِيلَةَ، يُقَالُ لَهُ: نَهِيكُ بنُ سِنَانٍ، إِلَى عَبدِ الله، فَقَالَ: إِنِّي أَقرَأُ المُفَصَّلَ فِي رَكعَةٍ. فَقَالَ عَبدُ الله: أهَذًّا كَهَذِّ الشِّعرِ؟ ! لَقَد عَلِمتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقرَأُ بِهِنَّ، سُورَتَينِ فِي كل رَكعَةٍ. ــ الاسترسال في إنشاده من غير تدبُّرٍ في معانيه، ومعنى هذا: أن الشعر هو الذي إن فعل الإنسان فيه ذلك سُوِّغ له، وأما في القرآن فلا ينبغي مثل ذلك فيه، بل يقرأ بترتيل وتدبر؛ ولذلك قال: إن قومًا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسَخ فيه نفع (١)، والتراقي: جمع ترقوة، وهي عظامُ أعالي الصدر، وهو كناية عن عدم الفهم؛ كما وصف النبي ﷺ به الخوارج؛ إذ قال: لا يجاوز حناجرهم (٢). والنظائر والقرائن هي: السّور المتقاربة في المقدار، وقد عدّدها ثماني عشرة في رواية، وفي أخرى عشرين، ولا بُعد في ذلك، فإنه يذكر في وقت الأقلّ من غير تعرُّضٍ للحصر، ويزيد في وقت آخر. أو يكون النبي ﷺ قرن في وقت بين ثماني عشرة، وفي أخرى بين عشرين. وقد ذكر أبو داود هذا الحديث عن علقمة والأسود؛ قالا: أتى ابنَ مسعودٍ رجلٌ فقال: إني أقرأ المفصل في ركعة، فقال: أهذًّا كهذِّ الشعرِ، ونثرًا كنثر الدَّقَل؟ لكن رسول الله ﷺ كان يقرأ النظائر؛ السورتين في ركعة: الرحمن والنجم في ركعة، واقتربت والحاقة في ركعة، والطور والذاريات في ركعة، والواقعة ونون في ركعة، وسأل سائل

стр. 1064

وَفِي أُخرَى: فَقَالَ عَبدُ الله: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعرِ؟ إِنَّ أَقوَامًا يَقرَؤونَ القُرآنَ لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُم، وَلَكِن إِذَا وَقَعَ فِي القَلبِ فَرَسَخَ فِيهِ نَفَعَ، إِنَّ أَفضَلَ الصَّلاةِ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ، إِنِّي لأَعلَمُ النَّظَائِرَ. . . الحَدِيث. ــ والنازعات في ركعة، وويل للمطففين وعبس في ركعة، وهل أتى ولا أقسم في ركعة، وعمّ يتساءلون والمرسلات في ركعة، والدخان وإذا الشمس كوّرت في ركعة. وقال أبو داود: هذا تأليف ابن مسعود (١). قلت: وهذا مفسِّرٌ لرواية من روى: ثماني عشرة. وزاد في رواية ابن الأعرابي: والمدثر والمزمل في ركعة، فكملت عشرين. وقوله في رواية أبي داود: ونثر كنثر الدَّقَل، الدَّقَل: رديء التمر. ووجه التشبيه: أنه يتناثر مُتتابعًا على غير ترتيب، فشبَّه المسرع في قراءته بذلك. وقوله في الأم: لا يصعد له عمل (٢)؛ أي: لا يكون له ثواب يصعد به؛ كما قال امرؤ القيس: *عَلَى لاحِبٍ لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِه* أي: ليس له منارٌ فَيُهْتَدَى به. وقوله: إن أفضل الصلاة الركوع والسجود: حجة لمن قال: إن كثرة السجود أفضل من تطويل القيام، وقد تقدّم ذكر الخلاف في هذه المسألة. واختُلف في مبدأ المفصل، فقيل: من سورة محمد ﷺ ، وقيل: من سورة ق، وسُمِّيَ بذلك؛ لكثرة الفصل بين سوره بسطر: بسم الله الرحمن الرحيم.

стр. 1065

وَفِي أُخرَى قَالَ: هِيَ عِشرُونَ. رواه البخاري (٥٠٤٣) مختصرًا، ومسلم (٨٢٢)، (٢٧٨) و (٢٧٩)، وأبو داود (١٣٩٦). * * * (١٢٣) باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها [٦٩٤]- عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعتُ غَيرَ وَاحِدٍ مِن أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، مِنهُم عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وَكَانَ أَحَبَّهُم إِلَيَّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلاةِ بَعدَ الفَجرِ حَتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ، وَبَعدَ العَصرِ حَتَّى تَغرُبَ الشَّمسُ. رواه البخاري (٥٨١) ومسلم (٨٢٦) (٢٨٦)، وأبو داود (١٢٧٦)، والترمذي (١٨٣)، والنسائي (١/ ٢٧٦ و ٢٧٧)، وابن ماجه (١٢٥٠). [٦٩٥]- وَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لا صَلاةَ بَعدَ صَلاةِ العَصرِ حَتَّى تَغرُبَ الشَّمسُ، وَلا صَلاةَ بَعدَ صَلاةِ الفَجرِ حَتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ. ــ وقول ابن مسعود: الحمد لله الذي أقالنا يومنا هذا ولم يهلكنا بذنوبنا؛ خوفا منه للذي رأى من تبدُّل الأحوال. (١٢٣) ومن باب: الأوقات المنهي عن الصلاة فيها قوله: لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس: قد تقدّم من مذهب أبي حنيفة: أنه حمل هذا اللفظ على عمومه

стр. 1066

رواه أحمد (٣/ ٩٥)، والبخاري (٥٨٦)، ومسلم (٨٢٧)، والنسائي (١/ ٢٧٧ و ٢٧٨)، وابن ماجه (١٢٤٩). [٦٩٦]- وعَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لا تَحَرَّوا بِصَلاتِكُم طُلُوعَ الشَّمسِ وَلا غُرُوبَهَا، فَإِنَّهَا تَطلُعُ بِقَرنَي شَيطَانٍ. رواه أحمد (٢/ ١٠٦)، والبخاري (٥٨٥)، ومسلم (٨٢٨)، والنسائي (١/ ٢٧٧). [٦٩٧]- وَعَنهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا بَدَا حَاجِبُ الشَّمسِ فَأَخِّرُوا الصَّلاةَ حَتَّى تَبرُزَ، فَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمسِ فَأَخِّرُوا الصَّلاةَ حَتَّى تَغِيبَ. رواه البخاري (٥٨٢)، ومسلم (٨٢٩)، والنسائي (١/ ٢٧٩). [٦٩٨]- وعَن أَبِي بَصرَةَ الغِفَارِيِّ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ العَصرَ بِالمُخَمَّصِ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ عُرِضَت عَلَى مَن كَانَ قَبلَكُم فَضَيَّعُوهَا، ــ في النوافل كلها، والفرائض المقضيَّات، ولم يستثن من الصلوات شيئًا. وخصّص الجمهور من ذلك: المقضيات، وخصّص الشافعي: ما كان من النوافل مُعلقًا على سبب، فتصلّى لحضور سببها؛ كتحيّة المسجد - كما تقدم -، وسجود التلاوة، وركعتي الطواف، والإحرام، وغير ذلك. وقوله: لا تحرَّوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها؛ أي: لا تقصدوا ذلك الوقت بصلاتكم، وهذان الوقتان هما المقصودان بالنهي لأنفسهما؛ لأنهما الوقتان اللذان يسجد فيهما الكفارُ للشمس؛ كما قال في الحديث الآخر، وما قبل هذين الوقتين إنما نَهى عنه؛ لأنه ذريعة ووسيلة إلى إيقاع الصلاة فيهما، ومن هنا أجاز مالك الصلاة على الجنازة ما لم تغرب الشمس، وكرهها عند ذلك. وحاجب

стр. 1067

فَمَن حَافَظَ عَلَيهَا كَانَ لَهُ أَجرُهُ مَرَّتَينِ، وَلا صَلاةَ بَعدَهَا حَتَّى يَطلُعَ الشَّاهِدُ، وَالشَّاهِدُ: النَّجمُ. رواه أحمد (٦/ ٣٩٧)، ومسلم (٨٣٠)، والنسائي (١/ ٢٥٩ - ٢٦٠). [٦٩٩]- وَعَن عُقبَةَ بنَ عَامِرٍ قَالَ: ثَلاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنهَانَا أَن نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَو أَن نَقبُرَ فِيهِنَّ مَوتَانَا: حِينَ تَطلُعُ الشَّمسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمسُ، . . . . . . . . . . . ــ الشمس: أول ما يبدو منها في الطلوع، وهو أول ما يغيب منها، وقد تقدم مثل ذلك. وقوله في العصر: فمن حافظ عليها كان له أجره مرّتين: يُشعر بتأكُّدِها على غيرها، وذلك مما يدلّ على أنها الصلاة الوسطى كما تقدم. وسُمِّيَ النجم شاهدًا؛ لأنه يشهد بمغيب الشمس ودخول الليل. وقوله: ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلّي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا: رويت هذا اللفظ: بأو التي لأحد الشيئين، ورويته أيضًا: بالواو الجامعة، وهو الأظهر، ويكون مورد النهي: الصلاة على الجنازة والدفن؛ لأنه إنما يكون إثر الصلاة عليها، وأما رواية: أو؛ ففيها إشكال، إلا إن قلنا: إن أو تكون بمعنى الواو؛ كما قاله الكوفي. وقد اختلف في الصلاة عليها في هذه الأوقات المذكورة في هذا الحديث: فأجاز الشافعي الصلاة عليها ودفنها في هذه الأوقات، وكره الجمهور الصلاة عليها حينئذٍ، وعن مالك في ذلك خلاف يُذكر في الجنائز - إن شاء الله تعالى -. وقوله: حين يقوم قائم الظهيرة، الظهيرة: شدة الحر، وقائمها: قائم

стр. 1068

وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمسُ لِلغُرُوبِ حَتَّى تَغرُبَ. رواه أحمد (٤/ ١٥٢)، ومسلم (٨٣١)، وأبو داود (٣١٩٢)، والترمذي (١٠٣٠)، والنسائي (١/ ٢٧٥ و ٢٧٦). [٧٠٠]- وَعَن عَمرُو بنُ عَبَسَةَ السُّلَمِيُّ قَالَ: كُنتُ وَأَنَا فِي الجَاهِلِيَّةِ - أَظُنُّ أَنَّ النَّاسَ عَلَى ضَلالَةٍ، وَأَنَّهُم لَيسُوا عَلَى شَيءٍ، وَهُم يَعبُدُونَ ــ الظل الذي لا يزيد ولا ينقص في رأي العين، وذلك يكون منتصف النهار، حين استواء الشمس. وقد اختلف في الصلاة في ذلك الوقت على ما يأتي في حديث عمرو بن عنبسة. وقوله: حين تضيَّفُ الشمس للغروب؛ أي: تميل للغروب، يقال: ضافت، تضيفُ؛ إذا مالت. وأصل الإضافة: الإسناد والإمالة؛ كما قال الشاعر (١): فلمَّا دَخَلناه أَضَفنا ظُهُورَنا ... إلى كل حاريٍّ جديدٍ مُشَطَّبِ (٢) ومنه: ضفت فلانًا؛ إذا نزلت به، وأضفته: أنزلته عليَّ. وقول عمرو بن عبسة: كنت وأنا في الجاهلية أظن الناس على ضلالة؛ أي: أعلم وأتيقن، فإن الظن قد يطلق على اليقين، كما قال - تعالى -: ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُم مُوَاقِعُوهَا﴾

стр. 1069

الأَوثَانَ، قَالَ: فَسَمِعتُ بِرَجُلٍ بِمَكَّةَ يُخبِرُ أَخبَارًا، فَقَعَدتُ عَلَى رَاحِلَتِي، فَقَدِمتُ عَلَيهِ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مُستَخفِيًا، جُرَءَاءُ عَلَيهِ قَومُهُ، فَتَلَطَّفتُ حَتَّى دَخَلتُ عَلَيَّهِ بِمَكَّةَ، قُلتُ لَهُ: مَن أَنتَ؟ قَالَ: أَنَا نَبِيٌّ الله، فَقُلتُ: وَمَا نَبِيٌّ الله؟ قَالَ: أَرسَلَنِي الله، فَقُلتُ: بِأَيِّ شَيءٍ أَرسَلَكَ؟ قَالَ: أَرسَلَنِي بِصِلَةِ الأَرحَامِ، وَكَسرِ الأَوثَانِ، وَأَن يُوَحَّدَ الله لا يُشرَكُ بِهِ شَيءٌ، قُلتُ: فَمَن مَعَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: حُرٌّ وَعَبدٌ. (قَالَ: وَمَعَهُ يَومَئِذٍ أَبُو بَكرٍ وَبِلالٌ ــ وقوله: قعدت على راحلتي؛ أي: ركبتها. وقوله: جُرَءَاءُ عليه قومه؛ أي: يجترئون - من الجرأة -، وهو مرفوع على أنه خبر مقدم، وقومه مبتدأ، على مذهب البصريين. وقوله: من أنت؟ سؤال عمن يعقل. وقوله: وما نبي الله؟ سؤال عن النبوة، وهي من جنس ما لا يعقل؛ لأنها معنى من المعاني. وقوله: فمن معك على هذا؟ قال: حرّ وعبد؛ الحر: أبو بكر، والعبد: بلال؛ كما فسَّره. ولم يذكر له النبيُّ ﷺ عليًّا لصغره، فإنه أسلم وهو ابن سبع سنين، وقيل: ابن عشر، ولا خديجة ﵂؛ لأنه فهم عنه أنه إنما سأله عن الرجال، فأجابه حسب ذلك. ويُشكل هذا الحديث بحديث سعد بن أبي وقاص، فإنه قال: ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام، وإني لثلث (١) الإسلام، وظاهره أن أبا بكر وبلالا أسلما في اليوم الذي أسلم فيه سعد، وأنه أقام سبعة أيام لم يسلم معهم الثلاثة أحد، وحينئذ يلزم أن يكون مع النبي ﷺ يوم جاءه عمرو بن عبسة: أبو بكر وسعد وبلال، لكن سكت عنه

стр. 1070

مِمَّن آمَنَ مَعَهُ). فَقُلتُ: إِنِّي مُتَّبِعُكَ. قَالَ: إِنَّكَ لا تَستَطِيعُ ذَلِكَ يَومَكَ هَذَا، أَلا تَرَى حَالِي وَحَالَ النَّاسِ؟ وَلَكِنِ ارجِع إِلَى أَهلِكَ، فَإِذَا سَمِعتَ بِي قَد ظَهَرتُ فَأتِنِي قَالَ: فَذَهَبتُ إِلَى أَهلِي، وَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ، وَكُنتُ فِي أَهلِي فَجَعَلتُ أَتَخَبَّرُ الأَخبَارَ، وَأَسأَلُ النَّاسَ حِينَ قَدِمَ المَدِينَةَ، حَتَّى قَدِمَ عَلَيَّ نَفَرٌ مِن أَهلِ يَثرِبَ مِن أَهلِ المَدِينَةَ فَقُلتُ: مَا فَعَلَ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي قَدِمَ المَدِينَةَ؟ فَقَالُوا: النَّاسُ إِلَيهِ سِرَاعٌ، وَقَد أَرَادَ قَومُهُ قَتلَهُ فَلَم يَستَطِيعُوا ذَلِكَ، فَقَدِمتُ المَدِينَةَ، فَدَخَلتُ عَلَيهِ فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَتَعرِفُنِي؟ قَالَ: نَعَم، أَنتَ الَّذِي لَقِيتَنِي بِمَكَّةَ؟ قَالَ: فَقُلتُ: بَلَى، فَقُلتُ: يَا نَبِيَّ الله! أَخبِرنِي عَمَّا عَلَّمَكَ الله وَأَجهَلُهُ، أَخبِرنِي عَنِ الصَّلاةِ؟ قَالَ: ــ النبي ﷺ ، أعني: عن سعد -، فلم يذكره، إما ذهولا عنه، وإما لأن سعدًا لم يكن حاضرًا إذ ذاك بمكة، وإما لأمر آخر. والله أعلم. وقد تقدم الكلام على قرني الشيطان في الإيمان، وعلى ما تضمنه من الأوقات فيها، وعلى تكفير الخطايا في الطهارة. وقوله: إني متبعك، معناه: أصحبك. وأكون معك في موضعك، ولذلك أجابه بقوله: إنك لا تستطيع يومك هذا، ولم يرد عليه إسلامه، وإنما ردّ عليه كونه معه. وقوله: فإذا سمعت أني قد ظهرت؛ أي: علوت وغلبت، وهذا من إخباره ﷺ بالغيب، فهو داخل في باب دلالات نبوته، فإنه أخبر عن غيب وقع على نحو ما أخبر عنه، وهذا معنى قوله - تعالى -: لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ؛ أي: ليعليه. وقوله: أخبرني عن الصلاة: سؤال عن تعيين الوقت الذي يجوز التنفل فيه من الوقت الذي لا يجوز، وإنما قُلنا ذلك؛ لأنه ﷺ فَهِم عنه ذلك، فأجابه به،

стр. 1071

صَلِّ صَلاةَ الصُّبحِ، ثُمَّ أَقصِر عَنِ الصَّلاةِ حَتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ حَتَّى تَرتَفِعَ، فَإِنَّهَا تَطلُعُ حِينَ تَطلُعُ بَينَ قَرنَي شَيطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسجُدُ لَهَا الكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ، فَإِنَّ الصَّلاةَ مَشهُودَةٌ مَحضُورَةٌ حَتَّى يَستَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمحِ، ثُمَّ أَقصِر عَنِ الصَّلاةِ، فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسجَرُ جَهَنَّمُ، فَإِذَا أَقبَلَ الفَيءُ فَصَلِّ، فَإِنَّ الصَّلاةَ مَشهُودَةٌ مَحضُورَةٌ، حَتَّى تُصَلِّيَ العَصرَ، ثُمَّ أَقصِر عَنِ الصَّلاةِ حَتَّى تَغرُبَ الشَّمسُ، فَإِنَّهَا تَغرُبُ بَينَ قَرنَي شَيطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسجُدُ لَهَا الكُفَّارُ. قَالَ: ــ ولو كان سؤاله عن غير ذلك لما كان يكون جوابه مطابقًا للسؤال. وقوله: أقصر؛ أي: كف. وتُسَجَّر؛ أي: تملأ، ومنه: البحر المسجور؛ أي: المملوء. واسم إن محذوف، وهو ضمير الأمر والشأن. تقديره: فإنه حينئذٍ؛ كما قال الشاعر: إن من يدخل الكنيسة يومًا أي: إنه من، ويجوز إثباته؛ كما قال - تعالى -: إِنَّهُ مَن يَأتِ رَبَّهُ مُجرِمًا. وقوله: حتى يستقل الظل بالرمح؛ أي: يكون ظلُّه قليلا، كأنه قال: حتى يقل ظل الرمح، والباء زائدة؛ كما قال - تعالى -: وَمَن يُرِد فِيهِ بِإِلحَادٍ بِظُلمٍ. وقد رواه أبو داود، فقال: حتى يعدل الرمح ظله. قال الخطابي: هذا إذا قامت الشمس، وتناهى قصر الظل. وقد روى الخشني لفظ كتاب مسلم: حتى يستقلّ ظل الرمح؛ أي: يقوم، ولا تظهر زيادته. وفيه حجة لمن منع الصلاة حينئذ؛ وهم أهل الرأي، وقد روي عن مالك، ومشهور مذهبه ومذهب جمهور العلماء: جواز الصلاة حينئذٍ، وحجتهم: عمل المسلمين في جميع الأقطار على جواز التنفُّل يوم الجمعة إلى صعود الإمام على المنبر عند الزوال. قال القاضي أبو الفضل: وتأوّل الجمهور الحديث: على أنه منسوخ بإجماع عمل الناس، أو يكون المراد به: الفريضة، ويكون موافقًا لقوله: إذا اشتد الحرّ فأبردوا عن

стр. 1072

فَقُلتُ: يَا رسول الله، فَالوُضُوءَ؟ حَدِّثنِي عَنهُ. قَالَ: مَا مِنكُم رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيَتمَضمَضُ وَيَستَنشِقُ فَيَستنَثِرُ إِلا خَرَّت خَطَايَا وَجهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجهَهُ كَمَا أَمَرَهُ الله إِلا خَرَّت خَطَايَا وَجهِهِ مِن أَطرَافِ لِحيَتِهِ مَعَ المَاءِ، ثُمَّ يَغسِلُ يَدَيهِ إِلَى المِرفَقَينِ إِلا خَرَّت خَطَايَا يَدَيهِ مِن أَنَامِلِهِ مَعَ المَاءِ، ثُمَّ يَمسَحُ رَأسَهُ إِلا خَرَّت خَطَايَا رَأسِهِ مِن أَطرَافِ ــ الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم (١). قلت: وفي هذا نظر، وهو: أنه لا يصحّ أن يكون نسخًا على حقيقته، وإنما هو تخصيص، فإنه إخراج بعض ما تناوله اللفظ الأول، لا رفع لكلية ما يتناوله. وأما قولهم: إن هذا في الفريضة، فليس بصحيح؛ لوجهين: أحدهما: أن مقصود هذا الحديث: بيان الوقت الذي يجوز فيه التنفل من الوقت الذي لا يجوز فيه؛ كما قررناه آنفًا. وثانيهما: حديث عقبة بن عامر المتقدم (٢)، فإنه قال فيه: ثلاث ساعات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلّي فيهن، وذكر هذا الوقت، ومقصوده قطعًا: بيان حكم التنفل في هذه الأوقات، فالظاهر: حمل النهي على منع التنفل في هذه الأوقات الثلاثة؛ إلا في يوم الجمعة؛ جمعًا بين الأحاديث والإجماع المحكي. والله - تعالى - أعلم. وقوله: خرّت خطاياه: رواية أكثرهم بالخاء المعجمة؛ أي: سقطت، وهو كناية عن مغفرة الذنوب. وعند أبي جعفر: جرت بالجيم في الأولى، وقد رويناه بالجيم في جميعها، ومعناه صحيح؛ كما قال: خرجت خطاياه مع الماء.

стр. 1073

شَعرِهِ مَعَ المَاءِ، ثُمَّ يَغسِلُ قَدَمَيهِ إِلَى الكَعبَينِ، إِلا خَرَّت خَطَايَا رِجلَيهِ مِن أَنَامِلِهِ مَعَ المَاءِ، فَإِن هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ الله وَأَثنَى عَلَيهِ، وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهلٌ، وَفَرَّغَ قَلبَهُ لِلَّهِ إِلا انصَرَفَ مِن خَطِيئَتِهِ كَهَيئَتِهِ يَومَ وَلَدَتهُ أُمُّهُ. رواه أحمد (٤/ ١١٢)، ومسلم (٨٣٢)، وأبو داود (١٢٧٧)، والنسائي (١/ ٢٧٩ - ٢٨٠)، وابن ماجه (١٢٥١). * * * (١٢٤) باب في الركعتين بعد العصر [٧٠١]- عَن كُرَيبٍ مَولَى ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ عَبدَ الله بنَ عَبَّاسٍ، وَعَبدَ الرَّحمَنِ بنَ أَزهَرَ، وَالمِسوَرَ بنَ مَخرَمَةَ أَرسَلُوهُ إِلَى عَائِشَةَ زَوجِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: اقرَأ ﵍ مِنَّا جَمِيعًا، وَسَلهَا عَنِ الرَّكعَتَينِ بَعدَ العَصرِ، وَقُل: إِنَّا أُخبِرنَا أَنَّكِ تُصَلِّينَهُمَا، وَقَد بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنهُمَا، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: وَكُنتُ أَصرفُ مَعَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ النَّاسَ عَنهُمَا، ــ وقوله: وفرغ قلبه لله؛ أي: مما يشغله عن الصلاة؛ كما قال: لا يحدث فيها نفسه. وقوله: إلا انصرف من خطيئته كهيئته في يوم ولدته أمه؛ أي: لا يبقى عليه شيء، لا كبيرة ولا صغيرة؛ هذا ظاهره. وقد بينا هذا المعنى في الطهارة. (١٢٤) ومن باب: الركعتين بعد العصر قول: كنت أصرف مع عمر بن الخطاب الناس عنهما: هذه رواية السمرقندي، ومعناه: أمنع. ورواية أكثر الرواة: أضرب من الضرب، ويحتمل أن

стр. 1074

قَالَ كُرَيبٌ: فَدَخَلتُ عَلَيهَا وَبَلَّغتُهَا مَا أَرسَلُونِي بِهِ، فَقَالَت: سَل أُمَّ سَلَمَةَ، فَخَرَجتُ إِلَيهِم فَأَخبَرتُهُم بِقَولِهَا، فَرَدُّونِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِمِثلِ مَا أَرسَلُونِي بِهِ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَت أُمُّ سَلَمَةَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَنهَى عَنهُمَا، ثُمَّ رَأَيتُهُ يُصَلِّيهِمَا، أَمَّا حِينَ صَلاهُمَا فَإِنَّهُ صَلَّى العَصرَ، ثُمَّ دَخَلَ وعِندِي نِسوَةٌ مِن بَنِي حَرَامٍ مِنَ الأَنصَارِ، فَصَلاهُمَا، فَأَرسَلتُ إِلَيهِ الجَارِيَةَ فَقُلتُ: قُومِي بِجَنبِهِ فَقُولِي لَهُ: تَقُولُ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي سمعتكَ تَنهَى عَن هَاتَينِ الرَّكعَتَينِ، وَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا؟ فَإِن أَشَارَ بِيَدِهِ فَاستَأخِرِي عَنهُ، قَالَ: فَفَعَلَتِ الجَارِيَةُ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ فَاستَأخَرَت عَنهُ، فَلَمَّا انصَرَفَ قَالَ: يَا بِنتَ أَبِي أُمَيَّةَ، سَأَلتِ عَنِ الرَّكعَتَينِ بَعدَ العَصرِ، إِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِن عَبدِ القَيسِ بِالإِسلامِ مِن قَومِهِم فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكعَتَينِ اللَّتَين بَعدَ الظُّهرِ، فَهُمَا هَاتَانِ. رواه البخاري (١٢٣٣)، ومسلم (٨٣٤)، وأبو داود (١٢٧٣)، والنسائي (١/ ٢٨١ - ٢٨٢). ــ يكون هذا مثل: أصرف؛ أي: أمنع؛ من الضرب على اليد، ويحتمل أن يكون من الضرب بالدِّرَّة تأديبًا. وقد جاء ما يعضد هذا في الموطأ (١): أن عمر كان يضرب بالدِّرَّة على الصلاة في هذا الوقت، وهو معلوم من فعله ﵁، وإنما كان عمر [يمنع من ذلك] (٢)؛ للنهي الوارد في ذلك، وهذا القول صادر عن كريب. وما رُوي عن النبي ﷺ من فعله لهما على ما في حديث أم سلمة؛ فقد ذكرت أم سلمة القضية، وتممتها عائشة ﵂ بقولها: ثم أثبتها، وكان إذا صلّى صلاة أثبتها، وقد روى أبو داود عن عائشة أنها قالت: إن رسول الله ﷺ كان يُواصل وينهى عن الوصال، ويصلّي بعد العصر، وينهى عنها، وهذا نصٌ جليٌ في

стр. 1075

[٧٠٢]- وَعَن أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنِ السَّجدَتَينِ اللَّتَينِ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّيهِمَا بَعدَ العَصرِ؟ فَقَالَت: كَانَ يُصَلِّيهِمَا قَبلَ العَصرِ، ثُمَّ إِنَّهُ شُغِلَ عَنهُمَا أَو نَسِيَهُمَا، فَصَلاهُمَا بَعدَ العَصرِ، ثُمَّ أَثبَتَهُمَا، وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلاةً أَثبَتَهَا. رواه مسلم (٨٣٥) (٢٩٨). [٧٠٣]- وَعَنهُمَا، قَالَت: صَلاتَانِ مَا تَرَكَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَيتِي قَطُّ، سِرًّا وَلا عَلانِيَةً: رَكعَتَينِ قَبلَ الفَجرِ وَرَكعَتَينِ بَعدَ العَصرِ. رواه أحمد (٦/ ١٥٩)، ومسلم (٨٣٥) (٣٠٠). * * * ــ خصوصيته ﷺ بذلك، فلا ينبغي لأحد أن يصلّي في هذه الأوقات المنهي عنها نفلا مبتدأً. قلت: ويظهر لي أن النهي عن الصلاة في هذا الوقت، هو ذريعةٌ لئلا تُوقَعَ الصلاة في الوقت الذي إذا صَلَّى فيه قارن فعلُه فعل الكفار، ووقع التشابه بينهم، فإذا أُمِنَتِ العّلةُ التي لأجلها نهي عن الصلاة فيه، جاز ذلك؛ كما فعلت عائشة ﵂، وكما فعله النبي ﷺ على قول (١) من لا يرى خصوصيته بذلك، لكن عموم المنع في الوقت كلّه أدفع للذريعة، وأسدُّ للباب، فيمنع مطلقًا. والله أعلم. وقول عائشة في الركعتين بعد العصر: إن النبي ﷺ ما تركهما في بيتها قط؛ تعني: في الوقت الذي شغل عن الركعتين بعد الظهر، فقضاهما بعد العصر، ثم داوم عليهما، فأخبرت هنا عن الدوام، وإلا فقبلَ أن يفعلَ هذا لم يكن يُصليهما بعد العصر، وبهذا يتفق الجمع بين أحاديثها في هذا الباب، والله تعالى أعلم. وفي هذا الحديث أبواب من الفقه لا تخفى.

стр. 1076

(١٢٥) باب الركوع بعد الغروب وقبل المغرب [٧٠٤]- عَن مُختَارِ بنِ فُلفُلٍ قَالَ: سَأَلتُ أَنَسَ بنَ مَالِكٍ عَنِ التَّطَوُّعِ بَعدَ العَصرِ؟ فَقَالَ: كَانَ عُمَرُ يَضرِبُ بِالأَيدِي عَلَى صَلاةٍ بَعدَ العَصرِ، وَكُنَّا نُصَلِّي عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَكعَتَينِ بَعدَ غُرُوبِ الشَّمسِ قَبلَ صَلاةِ المَغرِبِ، فَقُلتُ لَهُ: أَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلاهُمَا؟ قَالَ: كَانَ يَرَانَا نُصَلِّيهِمَا، فَلَم يَأمُرنَا وَلَم يَنهَنَا. رواه مسلم (٨٣٦). ــ (١٢٥) ومن باب: الركوع بعد الغروب ظاهر حديث أنس: أن الركعتين بعد غروب الشمس وقبل صلاة المغرب كان أمرًا قرّر النبى ﷺ أصحابه عليه. وأنهم عملوا بذلك، وتضافروا عليه، حتى كانوا يبتدرون السواري لذلك. وهذا يدلُّ على [الجواز وعدم الكراهية، بل على] (١) الاستحباب لا سيّما مع قوله ﷺ : بين كل أذانين صلاة. وإلى جواز ذلك ذهب كثير من السلف، وأحمد، وإسحاق، وروي عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وجماعة من الصحابة ﵃: أنهم كانوا لا يصلونها، وهو قول مالك والشافعي. وقال النخعي: هي بدعة، وكأنه لم يبلغه حديث أنس. قال ابن أبي صفرة: وصلاتُها كان في أول الإسلام؛ ليتبَّين خروج الوقت المنهي عنه بمغيب الشمس، ثم التزم الناس المبادرة بالمغرب؛ لئلا يتباطأ الناس عن وقت الفضيلة للمغرب، وقد يُقال: لأن وقتها واحد؛ على قول أكثر العلماء، ولا خلاف بينهم في: أن المبادرة بها وإيقاعها في أول وقتها أفضل، وتجويز الاشتغال بغيرها في ذلك الوقت ذريعة إلى خلاف ذلك.

стр. 1077

[٧٠٥]- وَعَنهُ قَالَ: كُنَّا بِالمَدِينَةِ فَإِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ المَغرِبِ ابتَدَرُوا السَّوَارِيَ، فَركَعُواَ رَكعَتَينِ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ الغَرِيبَ لَيَدخُلُ المَسجِدَ فَيَحسِبُ أَنَّ الصَّلاةَ قد صُلِّيَت مِن كَثرَةِ مَن يُصَلِّيهِمَا. رواه البخاري (٦٢٥)، ومسلم (٨٣٧)، والنسائي (٢/ ٢٨ و ٢٩). [٧٠٦]- وعَن عَبدِ الله بنِ مُغَفَّلٍ المُزَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : بَينَ كُلِّ أَذَانَينِ صَلاةٌ. قَالَهَا ثَلاثًا، قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: لِمَن شَاءَ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: لِمَن شَاءَ. رواه أحمد (٤/ ٨٦ - ٥/ ٥٦)، والبخاري (٦٢٧)، ومسلم (٨٣٨)، وأبو داود (١٢٢١)، وابن ماجه (١١٦٢). * * * (١٢٦) باب صلاة الخوف [٧٠٧]- عَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلاةَ الخَوفِ، ــ وقوله: بين كل أذانين صلاة؛ يعني: الأذان والإقامة، وغَلب عليهما اسم الأذان؛ لأن فيهما إعلامًا بالشروع في الصلاة، ووجه هذا الحديث: أنه إذا أُذِّنَ للصلاةٍ فقد خرج وقت النهي، فتجوز الصلاة حينئذٍ، والله تعالى أعلم. (١٢٦) ومن باب: صلاة الخوف قولنا: صلاة الخوف: هي الصلاة المعهودة تحضر والمسلمون مُتعرّضون لحرب العدو، وقد اختلف العلماء: هل للخوف تأثير في تغيير الصلاة المعهودة

стр. 1078

بِإِحدَى الطَّائِفَتَينِ رَكعَةً، وَالطَّائِفَةُ الأُخرَى مُوَاجِهَةُ العَدُوِّ، ثُمَّ انصَرَفُوا، ــ عن أصل مشروعيتها المعروفة (١) أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أن للخوف تأثيرا في تغيير الصلاة، على ما يأتي تفصيل مذاهبهم. وذهب أبو يوسف إلى أنه لا تغيير في الصلاة لأجل الخوف اليوم، وإنما كان التغيير المروي في ذلك، والذي عليه القرآن، خاصًّا بالنبي ﷺ مستدلا بخصوصية خطابه تعالى لنبيه ﷺ بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِم فَأَقَمتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ قال: فإذا لم يكن فيهم لم تكن صلاة الخوف. وهذا لا حجة فيه لثلاثة أوجه: أحدها: أنا قد أمرنا باتباعه، والتأسِّي به، فيلزم اتباعه مطلقًا؛ حتى يدلّ دليل واضح على الخصوص، ولا يصلح ما ذكره دليلا على ذلك، ولو كان مثل ذلك دليلا على الخصوصية؛ للزم قصر الخطابات على من توجهت له، وحينئذ يلزم أن تكون الشريعة قاصرةً (٢) على من خوطب بها. لكن قد تقرر بدليل إجماعي؛ أن حُكمَه على الواحد حُكمه على الجميع، وكذلك ما يخاطب هو به؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسبُكَ اللَّهُ﴾ ونحوه كثير. وثانيها: أنه قد قال ﷺ : صلوا كما رأيتموني أصلي (٣). وثالثها: أن الصحابة ﵃ اطَّرحوا توهُّم الخصوص في هذه الصلاة، وعَدَّوهُ إلى غير النبي ﷺ ، وهم أعلم بالمقال، وأقعد بالحال، فلا يُلتفت إلى قول من ادعى الخصوصية.

стр. 1079

وَقَامُوا فِي مَقَامِ أَصحَابِهِم، مُقبِلِينَ عَلَى العَدُوِّ، وَجَاءَ أُولَئِكَ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمُ ــ ثم اختلف الجمهور في كيفية صلاة الخوف على أقوال كثيرة لاختلاف الأحاديث المروية في ذلك، فلنذكر تلك الأحاديث، ونذكر مع كل حديث من قال به إن وجدنا ذلك - إن شاء الله تعالى -. فلنبدأ من ذلك بالحديث الأول؛ وهو حديث ابن عمر (١)، ومضمونه: أنه ﷺ صلى بإحدى الطائفتين ركعة، والأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا، وقاموا مقام أصحابهم مقبلين على العدو، وجاء أولئك، وصلى بهم ركعة، ثم سلَّم، فقضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة، وبه أخذ الأوزاعي وأشهب، وحُكي عن الشافعي. واختلف في تأويل قضائهم؛ فقيل: قضوا معًا، وهو تأويل ابن حبيب، وعليه حمل قول أشهب. وقيل: قضوا مفترقين؛ مثل حديث ابن مسعود، وهو المنصوص لأشهب. الحديث الثاني: حديث جابر (٢)، وذلك أنه ﷺ صفهم صفين خلفه، والعدو بينهم وبين القبلة، وصلى بهم جميعهم (٣) صلاة واحدة، لكنه لَمَّا سجد؛ سجد معه الصف الأول (٤) الذي يليه، وقام الصف المؤخر، ثم تقدموا وتأخر المقدم، ثم عملوا بالركعة الثانية كما فعلوا في الأولى. ونحوه حديث ابن عباس. وبهذا قال ابن أبي ليلى، وأبو يوسف في قولٍ له: إذا كان العدوّ في القبلة، وروي عن الشافعي، واختاره بعض أصحابه وأصحابنا. الحديث الثالث: حديث سهل بن أبي حَثمَة (٥)؛ وهو أنه ﷺ صلى بالطائفة الأولى ركعة، ثم ثبت قائمًا، فأتَمُّوا لأنفسهم، ثم انصرفوا، وصفوا وجاه العدوّ،

стр. 1080

النَّبِيُّ ﷺ رَكعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَضَى هَؤُلاءِ رَكعَةً، وَهَؤُلاءِ رَكعَةً. ــ وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم ركعةً، ثم ثبت جالسًا حتى أتَمُّوا، ثم سلّم بهم. ونحوه حديث صالح. وبهذا قال مالك، والشافعي، وأبو ثور. الحديث الرابع: حديث أبي سلمة عن جابر (١): أنه صلى أربع ركعات، بكل طائفة ركعتين، وهو اختيار الحسن، وذُكر عن الشافعي، ورواه غير مسلم من طريق أبي بكرة وجابر. وأنه سلم من كل ركعتين. قال الطحاوي: إنما كان هذا في أول الإسلام؛ إذ كان يجوز أن تُصلى الفريضة مرتين، ثم نُسخ ذلك. الحديث الخامس: رواه أبو هريرة (٢)، وابن مسعود (٣): أنه ﷺ صلى بالطائفة التي وراءه ركعة، ثم انصرفوا، ولم يسلموا، فوقفوا بإزاء العدوّ، وجاء الآخرون، فصلى بهم ركعة، ثم سلم، فقضى هؤلاء ركعتهم، ثم سلموا، وذهبوا، فقاموا مقام أولئك، ورجع أولئك فصلوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا. والفرق بين هذه الرواية ورواية ابن عمر: أن ظاهر قضاء أولئك في حديث ابن عمر في حالة واحدة، ويبقى الإمام كالحارس وحده، وها هنا قضاؤهم متفرق على صفة صلاتهم، وقد تأوّل بعضهم حديث ابن عمر على ما في حديث ابن مسعود، وبهذا أخذ أبو حنيفة وأصحابه، إلا أبا يوسف، وهو نص (٤) قول أشهب من أصحابنا؛ خلاف ما تأوّل عليه ابن حبيب. الحديث السادس: ذكره أبو داود من حديث ابن مسعود (٥): أنه ﷺ كبّر فكبّر

стр. 1081

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ معه الصفّان جميعًا، وفيه: أن الطائفة الثانية لَمَّا صلت معه ركعةً وسلمت؛ رجعت إلى مقام أصحابهم، وجاءت الطائفة الأولى فصلّوا ركعة لأنفسهم، فرجعوا إلى مقام أصحابهم، وأتم أولئك لأنفسهم. الحديث السابع: ذكره أبو داود من رواية أبي هريرة (١): أنها قامت مع النبي ﷺ مقابلة العدو وظهورهم إلى القبلة، فكبّر جميعهم، ثم صلى بالذين معه ركعة، والآخرون قيام، ثم قام وذهبت الطائفة التي معه إلى العدو، وأقبلت تلك فصلى بهم ركعة، ثم أقبلت الطائفة الأولى، فصلوا ركعة ورسول الله ﷺ قائم، ثم صلى بهم ركعة، ثم أقبلت الطائفة الأولى، فصلت ركعة ورسول الله ﷺ قاعد ومن معه، ثم سلم، وسلموا جميعًا. الحديث الثامن: من حديث عائشة (٢)، عن رسول الله ﷺ : أنه كبّر وكبّرت معه الطائفة التي تليه، وصلى بهم ركعة وسجدة، وثبت جالسًا، وسجدوا هم السجدة التي بقيت لهم، ثم انصرفوا القهقرى، حتى قاموا من ورائهم، وجاءت الطائفة الأخرى فكبروا، ثم ركعوا - يعني لأنفسهم -، ثم سجد النبي ﷺ يعني سجدته التي بقيت عليه من الركعة الأولى، فسجدوا معه، ثم قام النبي ﷺ ، وأتَمُّوا هم السجدة التي بقيت عليهم، ثم قامت الطائفتان، فصلى بهم جميعًا ركعة كأسرع الإسراع. الحديث التاسع: حديث ابن أبي حَثمَة (٣) من رواية صالح بن خوَّات عنه: أن الطائفة الأولى لَمَّا صلّت ركعتها مع النبي ﷺ ، ثم صلّت الركعة الأخرى لنفسها

стр. 1082

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سلّمت، ثم تقدّمت، وجاءت الأخرى. وهذا خلاف الحديث الآخر الذي ذكر فيه آخرًا: ثم سلّم بهم جميعًا. ومن رواية القاسم في حديث ابن أبي حثمة: أنه ﷺ سلّم عند تمام صلاته الركعة الثانية بالطائفة الثانية، وأتَموا بعد سلامه؛ خلاف الروايات الأُخَر عن القاسم ويزيد بن رومان: أنه انتظرهم حتى قضوا، ثم سلّم. وقد اختلف قول مالك في الأخذ برواية القاسم، أو برواية يزيد. وبرواية القاسم أخذ أكثر أصحاب مالك لصحة القياس: أن القضاء إنما يكون بعد سلام الإمام. وهو اختيار أبي ثور، واختيار الشافعي في الرواية الأخرى. الحديث العاشر: ما رواه أبو داود من حديث حذيفة وأبي هريرة وابن عمر (١): أنه ﷺ صلّى بكل طائفة ركعة ولم يقضوا، ويؤيده حديث ابن عباس: صلاة الخوف ركعة، وبه قال إسحاق. ثم اختلف العلماء في الأخذ بهذه الأحاديث؛ فمنهم من ذهب إلى أن هذه الكيفيات كلها جائزة، وأن الإمام مُخيّر في أيّها شاء فعل، ومِمَّن ذهب إليه: أحمد بن حنبل، والطبري وبعض الشافعية؛ قالوا: وقد يجوز أن يكون ذلك في مرّات على حسب شدّة الخوف، إلا أن أحمد اختار حديث سهل بن أبي حثمة، وقال: كلها جائزة، وذلك على قدر الخوف، وكل من عيَّن من هذه الكيفيات واحدة فبحسب ترجيحٍ حصل عنده أوجب له المصير إلى ما صار إليه؛ ولذلك قال الخطابي: صلاة الخوف أنواع صلاّها النبي ﷺ في أيام مختلفة، وأشكال متباينة، يتوخى فيها كلها ما هو أحوط للصلاة، وأبلغ في الحراسة. وذكر ابن القصار: أنه ﷺ صلاّها في عشرة مواضع، وذكر غيره: أنه صلاّها أكثر من هذا العدد، ففي حديث ابن أبي حثمة وأبي هريرة وجابر أنه صلاّها يوم

стр. 1083

ثم قَالَ ابنُ عُمَرَ: فَإِذَا كَانَ خَوفٌ أَكثَرَ مِن ذَلِكَ فَصَلِّ رَاكِبًا أَو قَائِمًا، تُومِئُ إِيمَاءً. رواه أحمد (٢/ ١٤٧)، والبخاري (٩٤٢)، ومسلم (٨٣٩) (٣٠٥) و (٣٠٦)، وأبو داود (١٢٤٣)، والترمذي (٥٦٤)، والنسائي (٣/ ١٧١ و ١٧٣)، وابن ماجه (١٢٥٨). [٧٠٨]- وعَن جَابِرٍ قَالَ: غَزَونَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَومًا مِن جُهَينَةَ. فَقَاتَلُونَا قِتَالا شَدِيدًا، فَلَمَّا صَلَّينَا الظُّهرَ قَالَ المُشرِكُونَ: لَو مِلنَا عَلَيهِم مَيلَةً لاقتَطَعنَاهُم. فَأَخبَرَ جِبرِيلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَلِكَ، وَذَكَرَ ذَلِكَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ . قَالَ: وَقَالُوا: إِنَّهُ سَيأتِيهِم صَلاةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيهِم مِنَ الأَولادِ فَلَمَّا حَضَرَتِ العَصرُ، قَالَ: صَفَّنَا صَفَّينِ، وَالمُشرِكُونَ بَينَنَا وَبَينَ القِبلَةِ، ــ ذات الرقاع سنة خمس من الهجرة، وهي غزوة نجد وغطفان. وفي حديث ابن عباس: أنه صلاّها بعُسفان، ويوم بني سليم. وفي حديث جابر: في غزاة جهينة، وفي غزاة محارب بنجد. وقد ذكر بعضهم صلاته إيّاها ببطن نخل على باب المدينة. وعليها حمل بعضهم صلاته بكل طائفة ركعتين. لكن مسلمًا قد ذكرها في غزوة ذات الرقاع. وذكر الدارقطني: أنه صلى بهم المغرب ثلاثًا، ثلاثًا، وبه قال الحسن والجمهور في صلاة المغرب على خلاف هذا؛ وهو: أنه يصلي بالأولى ركعتين، وبالثانية ركعة، وتقضي؛ على اختلاف أصولهم فيه: متى يكون؛ هل قبل سلام الإمام أو بعده؟ على ما تقرر. وقول ابن عمر: فإن كان خوفٌ أكثر من ذلك؛ فصل راكبًا أو قائمًا، تومئ إيماءً: قال في الموطأ: مستقبل القبلة وغير مستقبلها. وبهذا أخذ مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وعامة الفقهاء، ويشهد له قوله تعالى: فَإِن خِفتُم فَرِجَالًا أَو رُكبَانًا. قال بعض علمائنا: بحسب ما يتمكن منه.

стр. 1084

قَالَ: فَكَبَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَكَبَّرنَا، وَرَكَعَ وَرَكَعنَا، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الأَوَّلُ، فَلَمَّا قَامُوا سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي، ثُمَّ تَأَخّرَ الصَفُّ الأَوَّل وَتَقَدَّمَ الصَفُّ الثَّانِي فَقَامُوا مَقَامَ الأَوَّلِ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللهِ وَكَبَّرِنَّا وَرَكَعَ وَرَكَعنَا، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الصَفُّ الأَوَّل، وَقَامَ الثَّانِي، فَلَمَّا سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي، ثُمَّ جَلَسُوا جَمِيعًا، سَلَّمَ عَلَيهِم رَسُولُ اللهِ ﷺ . قَالَ أَبُو الزُّبَيرِ: ثُمَّ خَصَّ جَابِرٌ أَن قَالَ: كَمَا يُصَلِّي أُمَرَاؤُكُم هَؤُلاءِ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ جَابِرٌ: كَمَا يَصنَعُ حَرَسُكُم هَؤُلاءِ بِأُمَرَائِهِم. رواه أحمد (٣/ ٢٩٨)، والبخاري (٤١٢٥)، ومسلم (٨٤٠) (٣٠٧) و (٣٠٨) والنسائي (٣/ ١٧٥ - ١٧٨)، وابن ماجه (١٢٦٠). [٧٠٩]- وعَن سَهلِ بنِ أَبِي حَثمَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى بِأَصحَابِهِ فِي الخَوفِ، فَصَفَّهُم خَلفَهُ صَفَّينِ، فَصَلَّى بِالَّذِينَ يَلُونَهُ رَكعَةً، ثُمَّ قَامَ فَلَم يَزَل قَائِمًا حَتَّى صَلَّى الَّذِينَ خَلفَهُم رَكعَةً، ثُمَّ تَقَدَّمُوا، وَتَأَخَّرَ الَّذِينَ كَانُوا قُدَّامَهُم، فَصَلَّى بِهِم رَكعَةً، ثُمَّ قَعَدَ حَتَّى صَلَّى الَّذِينَ تَخَلَّفُوا رَكعَةً ثُمَّ سَلَّمَ. رواه أحمد (٣/ ٤٤٨)، والبخاري (٤١٣١)، ومسلم (٨٤١)، وأبو داود (١٢٣٧ - ١٢٣٩)، والترمذي (٥٦٥)، والنسائي (٣/ ١٧٠ - ١٧١)، وابن ماجه (١٢٥٩). ــ وقال جماعة من الصحابة والسَّلف: يُصلي في الخوف ركعة، يُومئ فيها إيماءً، وقاله الضحاك؛ قال: فإن لم يقدر على ركعة؛ فتكبيرتين حيث كان وجهه، وقال إسحاق: إن لم يقدر على ركعة إنما يصلي سجدة، فإن لم يقدر فتكبيرة، وقال الأوزاعي نحوه إذا تهيأ الفتح، لكن إن لم يقدر على ركعة ولا على سجدة؛ لم تجزه التكبيرة، وأخّرها حتى يَأمَنُوا. ومنع مكحول وبعض أهل الشام من صلاة

стр. 1085

[٧١٠]- وَعَن صَالِح بنِ خَوَّات، عَمن صَلَّىَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَومَ ذَاتِ الرِّقَاعِ، صَلاةَ الخَوفِ، أَنَّ طَائِفَةً صَفَّت مَعَهُ، وَطَائِفَةٌ وِجَاهَ العَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا وَأَتَمُّوا لأَنفُسهُم، ثُمَّ انصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجَاهَ العَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخرَى فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكعَةَ الَّتِي بَقِيَت، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لأَنفُسِهِم، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِم. رواه أحمد (٣/ ٤٤٨)، والبخاري (٤١٢٩)، ومسلم (٨٤٢). [٧١١]- وعَن جَابِرٍ قَالَ: أَقبَلنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ، قَالَ: كُنَّا إِذَا أَتَينَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكنَاهَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ المُشرِكِينَ، وَسَيفُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُعَلَّقٌ بِشَجَرَةٍ، فَأَخَذَ سَيفَ نَبِيِّ الله ﷺ فَاختَرَطَهُ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : أَتَخَافُنِي؟ قَالَ: لا. قَالَ: فَمَن ــ الخائف جملة متى لم يتهيأ له أن يأتي بها على وجهها، ويؤخّرها إلى أن يتمكنوا من ذلك، واحتجّوا بتأخير النبي ﷺ يوم الخندق، ولا حجة لهم فيه؛ لأن صلاة الخوف إنما شرعت بعد ذلك على ما تقدم. واختلف الذين قالوا بجواز ذلك للمطلوب في جواز ذلك للطالب، فمالك وجماعة من أصحابه على التسوية بينهما، وقال الشافعي والأوزاعي وفقهاء أصحاب الحديث وابن عبد الحكم: لا يصلي الطالب إلا بالأرض. ثم اختلفوا فيما يباح له من العمل في الصلاة؛ فجمهورهم على جواز كل ما يحتاج إليه في مطاردة العدو، وما يضطر إليه من ذلك؛ من مشي ونحوه، وقال الشافعي: إنما يجوز من ذلك الشيء اليسير، والطعنة والضربة، فأما ما كثر فلا تجزئه الصلاة، ونحوه عن محمد بن الحسن. وقوله: وجاه العدو: بكسر الواو، وضمِّها؛ أي: مواجهته، ومقابلته.

стр. 1086

يَمنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: الله يَمنَعُنِي مِنكَ، قَالَ: فَتَهَدَّدَهُ أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَغمَدَ السَّيفَ وَعَلَّقَهُ، قَالَ: فَنُودِيَ بِالصَّلاةِ، فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكعَتَينِ ثُمَّ تَأَخَّرُوا، وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الأُخرَى رَكعَتَينِ، قَالَ: فَكَانَت لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَربَعُ رَكَعَاتٍ، وَلِلقَومِ رَكعَتَانِ. رواه أحمد (٣/ ٣٦٤)، والبخاري (٤١٣٦) تعليقًا، ومسلم (٨٤٣) (٣١١). * * * ــ واختلف في تسمية غزوة ذات الرقاع: بذات الرقاع، فقيل: سمّيت بذلك لجبل هناك، يقال له: الرقاع؛ لبياضٍ وحمرةٍ وسوادٍ فيه. وقيل: لأنهم لفُّوا على أرجلهم رقاعًا لَمَّا نقِبت. وقيل: لأنهم رقّعوا راياتهم. * * *

стр. 1087

(٤) كتاب الجمعة (١) باب فضل الغسل للجمعة وتأكيده، ومن اقتصر على الوضوء أجزأه [٧١٢]- عَن ابنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُم أَن يَأتِيَ الجُمُعَةَ فَليَغتَسِل. رواه أحمد (٢/ ٩ و ٣٥ و ٣٣٠)، والبخاري (٨٩٤)، ومسلم (٨٤٤)، والترمذي (٤٩٢)، والنسائي (٣/ ٩٣ و ١٠٥)، وابن ماجه (١٠٨٨). ــ (٤) كتاب الجمعة (١) باب فضل الغسل للجمعة وتأكيده (١) قوله ﷺ : إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل، وقوله ﷺ : غُسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم: ظاهر في وجوب غسل الجمعة، وبه قال أهل

стр. 1088

[٧١٣]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: بَينَا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ يَخطُبُ النَّاسَ ــ الظاهر، وحكي عن بعض الصحابة، وعن الحسن، وحكاه الخطابي عن مالك، ومعروف مذهبه وصحيحه: أنه سنة، وهو مذهب عامة أئمة الفتوى، وحملوا تلك الأحاديث على أنه واجب وجوب السنن المؤكدة، ودلّهم على ذلك أمور: أحدها: قوله ﷺ في حديث أبي هريرة: من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت؛ غفر له، فذكر فيه الوضوء، واقتصر عليه دون الغسل، ورتَّب الصِّحة والثواب عليه. فدلَّ على أن الوضوء كافٍ من غير غُسل، وأن الغسل ليس بواجب. وثانيها: قوله ﷺ لهم حين وَجد منهم الريح الكريهة: لو اغتسلتم ليومكم هذا؟ ! . وهذا عرضٌ وتحضيضٌ، وإرشادٌ للنظافة المستحسنة، ولا يقال مثل ذلك اللفظ في الواجب. وثالثها: تقرير عمر والصحابة لعثمان ﵃ على صلاة الجمعة بالوضوء من غير غسل، ولم يأمروه بالخروج، ولم ينكروا عليه، فصار ذلك كالإجماع منهم على أن الغسل ليس بشرط في صحة الجمعة، ولا واجب. ورابعها: ما يقطع مادة النزاع، ويحسم كل إشكال: حديث الحسن، عن سَمُرة قال: قال رسول الله ﷺ : من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل (١)، وهذا نصٌ في موضع الخلاف؛ غير أن سماع الحسن من سمرة مختلف فيه، وقد صح عنه أنه سمع منه حديث العقيقة، فيحمل حديثه عنه على السماع إلى أن يدلّ دليلٌ على غير ذلك. والله تعالى أعلم. وخامسها: أنه ﵊ قد قال: غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وسواك، ويمسُّ من الطيب ما قدر عليه. وظاهر هذا وجوب

стр. 1089

يَومَ الجُمُعَةِ، إِذ دَخَلَ عُثمَانُ بنُ عَفَّانَ، فَعَرَّضَ بِهِ عُمَرُ، فَقَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَأَخَّرُونَ بَعدَ النِّدَاءِ، فَقَالَ عُثمَانُ! يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ! مَا زِدتُ حِينَ ــ السواك والطيب، وليس كذلك بالاتفاق، يدلّ على أن قوله: واجب. ليس على ظاهره، بل المراد به ندب المؤكَّد؛ إذ لا يصح تشريك ما ليس بواجب مع الواجب في لفظ الواو (١) والله تعالى أعلم. وفي قوله ﷺ : إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل؛ دليل لمالك على أن الغسل إنما يجب عند الرواح متصلا به، كما هو مذهب مالك والأوزاعي، وأحد قولي الليث وغيرهم، وفيه نظر. وقوله ﷺ : على كل محتلم، يعني به: البالغ، وخصّ المحتلم بالذكر؛ لأن الاحتلام أكثر ما يبلغ به الرجال، وهو الأصل. وهذا كما قال في حق النساء: لا تقبل صلاة حائضٍ إلا بخمار (٢)، يعني بالحائض: البالغ من النساء، وخصّها به؛ لأن الحيض أغلب ما يبلغ به النساء من علامات البلوغ. وفيه دليل: على أن الجمعة لا تجب على صبي ولا امرأة؛ لأنه بيّن محل وجوبها. وقول عمر: ما بال رجال يتأخرون بعد النداء: إنكار منه على عثمان تأخره عن وقت وجوب السعي، ثم عذر عثمان حين اعتذر بقوله: ما زدت على أن توضأت؛ يعني: أنه ذَهَل عن الوقت، ثم تذكره، فإذا به قد ضاق عن الغسل، وكان ذهوله ذلك لعذر مُسوِّغ.

стр. 1090

سَمِعتُ النِّدَاءَ أَن تَوَضَّأتُ ثُمَّ أَقبَلتُ. فَقَالَ عُمَرُ: وَالوُضُوءَ أَيضًا! أَلَم تَسمَعُوا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُم إِلَى الجُمُعَةِ فَليَغتَسِل. رواه مسلم (٨٤٥) (٤). [٧١٤]- وَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: غُسلُ يَومَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحتَلِمٍ، وَسِوَاكٌ، وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ مَا قَدَرَ عَلَيهِ. وَفِي أُخرَى: وَلَو مِن طِيبِ المَرأَةِ. رواه أحمد (٣/ ٦٠)، والبخاري (٢٦٦٥)، ومسلم (٨٤٦) (٧)، وأبو داود (٣٤١)، والنسائي (٢/ ٩٢)، وابن ماجه (١٠٨٩). ــ وقول عمر ﵁: والوضوء أيضًا؟ ! : إنكار آخر على ترك السنة المؤكدة التي هي الغسل على جهة التغليظ، حتى لا يتهاون بالسنن، لا أنه كان يعتقد الغسل واجبًا، ويجوز في الوضوء النصب والرفع، فالرفع على أنه مبتدأ، وخبره محذوف، تقديره: الوضوءُ تقتصر عليه، والنصب على أنه مفعول بإضمار فعل تقديره: أتخصّ الوضوءَ دون الغسل؟ ! أو ما في معنى ذلك، والواو عِوَضٌ من همزة الاستفهام؛ كما قال تعالى: (قال فرعون وآمنتم به) (١) في قراءة ابن كثير. وقوله: ولو من طيب المرأة: يعني بذلك: الطيب المباح للنساء، المكروه للرجال، وهو ما ظهر لونه، فأباحه هنا لعدم غيره، ويدلّ هذا على تأكد التطيب للجمعة.
следующие страницы →