قُلتُ: حُدِّثتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَّكَ قُلتَ: صَلاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا عَلَى نِصفِ الصَّلاةِ وَأَنتَ تُصَلِّي قَاعِدًا! ! قَالَ: أَجَل، وَلَكِنِّي لَستُ كَأَحَدٍ مِنكُم.
رواه مسلم (٧٣٥)، وأبو داود (٩٥٠)، والنسائي (٣/ ٢٢٣)، وابن ماجه (١٢٢٩).
* * *
ــ
بيده وتنطلق به حيث شاءت، ويجلس يحدثها حيث أرادت. ومن كانت هذه حاله، فلا يستنكر من بعض أصحابه أن يعامله بمثل ذلك في بعض الأحوال، سيّما وكان مقصود عبد الله: أن يقبل عليه رسول الله ﷺ ، حتى يجيبه عما وقع في خاطره من هذا الأمر الدينيّ المهم في حقّه، والله تعالى أعلم. وهذا كله على ما صح عندنا من الرواية على رأسه وظاهره: أنه عائد على النبي ﷺ ، وقد ذُكر لي أن بعض الناس رواه: رأسِيَه، فألحق به ياء المتكلم وهاء السكت، ووجهها واضح لو ثبت، وأظن أنه إصلاح ورأي، لا رواية. ويقرب من فعل عبد الله فعل جبريل ﵇ معه؛ حيث أسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه (١)، على قول من قال: إنه أراد فخذي النبيِّ ﷺ ، وهو الصحيح (٢).
وقوله: أجل؛ أي: نعم.
وقوله: لست كأحدٍ منكم؛ أي: لا يكون له في صلاته قاعدًا نصف الأجر، بل أكثر من ذلك، أو الأجر كله، والله أعلم. ويحتمل أن يكون معناه: لست كأحدٍ منكم ممن لا عذر له، ممن قلت له هذا القول؛ فإنه لم يصل قاعدًا حتى ثقل، والأول أظهر.
стр. 982
(١٠٣) باب كيف صلاة الليل وكم عددها ؟
[٦١٩]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا قَامَ أَحَدُكُم مِنَ اللَّيلِ فَليَفتَتِح صَلاتَهُ بِرَكعَتَينِ خَفِيفَتَينِ.
رواه أحمد (٢/ ٣٩٩)، ومسلم (٧٦٨)، وأبو داود (١٣٢٣ و ١٣٢٤).
[٦٢٠]- وَعَن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي فِيمَا بَينَ أَن يَفرُغَ مِن صَلاةِ العِشَاءِ (وَهِيَ الَّتِي يَدعُو النَّاسُ العَتَمَةَ) إِلَى الفَجرِ - إِحدَى عَشرَةَ رَكعَةً، يُسَلِّمُ مِن كُلِّ رَكعَتَينِ، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، فَإِذَا سَكَتَ المُؤَذِّنُ مِن صَلاةِ الفَجرِ، وَتَبَيَّنَ لَهُ الفَجرُ، وَجَاءَ المُؤَذِّنُ، قَامَ فَرَكَعَ رَكعَتَينِ خَفِيفَتَينِ، ثُمَّ اضطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيمَنِ حَتَّى يَأتِيَهُ المُؤَذِّنُ لِلإِقَامَةِ.
ــ
(١٠٣) ومن باب: كيفية صلاة الليل
قوله: إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين: هذا أمر على جهة الإرشاد إلى ما يدفع به بقايا النوم، وينشِّط إلى الصلاة، وقد ثبت: أنه ﷺ كان في وقتٍ يفتتح بركعتين خفيفتين، وفي وقت آخر يفتتح بركعتين أطول من اللتين بعدها، وبأربع ركعات طوال، فلهذا لا يُتَخَيَّل أن هذا الأمر من قبيل الواجب، ولم يقل به أحد فيما علمته.
وقولها: إنه ﷺ اضطجع (١) [بعد ركعتي الفجر] (٢) على شقه الأيمن: هذه ضجعة الاستراحة من قيام الليل، والأمر الذي في كتاب الترمذي (٣) محمول على
стр. 983
رواه أحمد (٦/ ٨٣)، ومسلم (٧٣٦)(١٢٢)، وأبو داود (١٣٣٥)، وابن ماجه (١٣٥٨).
[٦٢١]- وَعَنهَا قالت: كَاَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيلِ ثَلاثَ عَشرَةَ رَكعَةً، يُوتِرُ مِن ذَلِكَ بِخَمسٍ، لا يَجلِسُ فِي شَيءٍ إِلا فِي آخِرِهَا.
وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَت: كَانَ يُصَلِّي ثَلاثَ عَشرَةَ رَكعَةً بِرَكعَتَيِ الفَجرِ.
رواه البخاري (١١٤٠)، ومسلم (٧٣٧)، وأبو داود (١٣٣٨)، والترمذي (٤٥٩)، والنسائي (١/ ٢١٠)، وابن ماجه (١٣٥٩).
[٦٢٢]- وعَن أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ: كَيفَ كَانَت صَلاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ؟ قَالَت: مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلا فِي غَيرِهِ عَلَى إِحدَى عَشرَةَ رَكعَةً، يُصَلِّي أَربَعًا فَلا تَسأَل عَن حُسنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَربَعًا فَلا تَسأَل عَن حُسنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاثًا. فَقَالَت عائشة: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَتَنَامُ قَبلَ أَن تُوتِرَ؟ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ! إِنَّ عَينَيَّ تَنَامَانِ وَلا يَنَامُ قَلبِي.
ــ
الإرشاد إلى الراحة، ولينشط لصلاة الصبح، وليست بواجبة عند الجمهور، ولا سنة؛ خلافًا لمن حكم بوجوبها من أهل الظاهر، ولمن حكم بسنيِّتها، وهو الشافعي، والدليل على أنها ليست كذلك؛ أنه ﷺ لم يكن يفعلها دائمًا، ألا ترى أن عائشة ﵂ قالت: إن النبي ﷺ كان إذا صلى ركعتي الفجر، فإن كنت مستيقظة حدثني، وإلا اضطجع؟ وأيضًا فقد كان ﷺ يضطجع هذه الضجعة أيضا بعد فراغه من وتره، وقبل ركعتي الفجر، فدلّ ذلك: على أنها ليست مخصوصة بما بعد ركعتي الفجر، ولا وجوبًا ولا سنة، والله تعالى أعلم.
وقوله: إن عيني تنامان ولا ينام قلبي: قد تقدم أنه من خصائص
стр. 984
رواه أحمد (٦/ ٧٣)، والبخاري (٦٦٢)، ومسلم (٧٣٨)(١٢٥)، وأبو داود (١٣٥١)، والترمذي (٤٣٩)، والنسائي (١/ ٢١٠ - ٢١١).
[٦٢٣]- وعَنهَا قَالَت: كَانَ رَسُول اللهِ ﷺ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيلِ وَيُحييِ آخِرَهُ، ثُمَّ إِن كَانَت لَهُ حَاجَةٌ إِلَى أَهلِهِ قَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ يَنَامُ، فَإِذَا كَانَ عِندَ النِّدَاءِ الأَوَّلِ، قَالَت: وَثَبَ وأَفَاضَ عَلَيهِ المَاءَ؛ وَإِن لَم يَكُن جُنُبًا تَوَضَّأَ وُضُوءَ الرَّجُلِ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ صَلَّى الرَّكعَتَينِ.
رواه أحمد (٦/ ١٠٢ و ٢٥٣)، والبخاري (١١٤٦)، ومسلم (٧٣٩)، والنسائي (٣/ ٢١٨)، وابن ماجه (١٣٦٥).
[٦٢٤]- وعَنهَا، وسُئِلَت عَن عَمَلِ رَسُولِ اللهِ - صلى وسلم - فَقَالَت: كَانَ يُحِبُّ الدَّائِمَ. قَالَ: قُلتُ: أَيَّ حِينٍ كَانَ يُصَلِّي؟ فَقَالَت: إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ، قَامَ فَصَلَّى.
ــ
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وقول عائشة: كان رسول الله ﷺ ينام أول الليل ويُحيِي آخره: تعني به: أن هذا كان آخر فعله، أو أغلب حاله، وإلا فقد قالت: من كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ ؛ من أوله، وأوسطه، وآخره، فانتهى وتره إلى السَّحر (١).
وقولها: إن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته، ثم نام: يفهم منه جواز نوم الجنب من غير أن يتوضأ؛ فإنها لم تذكر وضوءًا عند النوم، وذكرت أنه إن لم يكن جنبًا توضأ وضوء الصلاة، وقد تقدم هذا.
وقولها: كان يحب الدائم: تتميمة قولها في أخرى: وإن قَلَّ. وسبب محبة
стр. 985
رواه أحمد (٦/ ٢٧٩)، ومسلم (٧٤١).
[٦٢٥]- وعَنهَا، قَالَت: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى رَكعَتَيِ الفَجرِ، فَإِن كُنتُ مُستَيقِظَةً حَدَّثَنِي وَإِلا اضطَجَعَ.
رواه أحمد (٦/ ١٢١ و ٢٥٤)، ومسلم (٧٤٣).
* * *
(١٠٤) باب في صلاة الوتر
[٦٢٦]- عَن عَائِشَةَ، قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي باللَّيلِ، فَإِذَا أَوتَرَ قَالَ: قُومِي فَأَوتِرِي، يَا عَائِشَةُ! .
ــ
الدائم: أن فاعله لا ينقطع عن عمل الخير، ولا ينقطع عنه الثواب والأجر، ويجتمع منه الكثير وإن قل العمل في الزمان الطويل، ولا تزال صحائفه مكتوبة بالخير، ومصعد عمله معمورًا بالبر، ويحصل به مشابهة الملائكة في الدوام، والله تعالى أعلم.
وقولها: فإن كنت مستيقظة حدثني (١): فيه دليل على جواز بعد ركعتي الفجر، وهذا مذهب الجمهور، وقد كرهه الكوفيون، وروي مثله عن ابن مسعود وبعض السلف؛ لما جاء أنه وقت الاستغفار، وما ذكرناه أولى. والله أعلم.
(١٠٤) ومن باب: الوتر
قوله ﷺ : قومي قأوتري: دليل على مشروعيه النائم للصلاة إذا
стр. 986
وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَهُ كَانَ يُصَلِي صَلاتَهُ وَهِيَ مُعتَرِضَةٌ بَينَ يَدَيهِ، فَإِذَا بَقِيَ الوِترَ أَيقَظَهَا فَأَوتَرَت.
رواه أحمد (٦/ ١٥٢ و ٢٠٥)، ومسلم (٧٤٤).
[٦٢٧]- وعَنهَاَ قَالَت: مِن كُلِّ اللَّيلِ قَد أَوتَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِن أَوَّلِ اللَّيلِ، وَأَوسَطِهِ، وَآخِرِهِ. فَانتَهَى وِترُهُ إِلَى السَّحَرِ.
رواه البخاري (٩٩٦)، ومسلم (٧٤٥)(١٣٧)، وأبو داود (١٤٣٥ و ١٤٣٧)، والترمذي (٤٥٦)، والنسائي (٣/ ٢٣٠)، وابن ماجه (١١٨٥).
[٦٢٨]- وعَن سَعد بن هِشَامِ قَالَ: انطَلَقتُ أَنا وحَكِيمِ بنِ أَفلَحَ إِلَى
ــ
خيف عليه (١) خروج وقت الصلاة، ولا يبعد أن يقال: إن ذلك واجب في الصلاة الواجبة؛ لأن النائم وإن لم يكن مكلّفًا في حال نومه، لكن مانعه سريع الزوال، فهو كالغافل، ولا شك أنه يجب تنبيه الغافل.
واختلف في حكم الوتر، فذهب مالك، وجمهور العلماء إلى أنه سنة مؤكدة، ولا يُؤَثَّم تاركها من حيث هو تارك. وقال مالك: إنه يحرج تاركه. وذهب أبو حنيفة إلى أنه واجب يأثم تاركه، ولم يسمّه فرضًا، بناءً منه على أن الفرض هو الذي يقطع بلزومه، أو ما وجب بالقرآن، أو ما يكفر من خالف فيه. هذه عبارات أصحاب مذهبه، والمعنى متقارب، وهذا الفرق إن ادعاه لغة أو شرعًا منعناه، وطالبناه بالدليل عليه، وإن كان اصطلاحًا من جهته سلمناه، ولم نناقشه عليه، ونستدل بعد ذلك على أن الوتر ليس بواجب بأدلة قد تقدمت في باب الإسراء، وفي باب التنفُّل على الراحلة.
стр. 987
عَائِشَةَ، فَاستَأذَنَّا عَلَيهَا، فَأَذِنَت لَنَا، فَدَخَلنَا عَلَيهَا، فَقَالَت: أَحَكِيمٌ؟ (فَعَرَفَتهُ) فَقَالَ: نَعَم. فَقَالَت: مَن مَعَكَ؟ قَالَ: سَعدُ بنُ هِشَامٍ، قَالَت: مَن هِشَامٌ؟ قَالَ: ابنُ عَامِرٍ، فَتَرَحَّمَت عَلَيهِ وَقَالَت خَيرًا (قَالَ قَتَادَةُ: وَكَانَ أُصِيبَ يَومَ أُحُدٍ) فَقُلتُ: يَا أُمَّ المُؤمِنِينَ، أَنبِئِينِي عَن خُلُقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فقَالَت: أَلَستَ تَقرَأُ القُرآنَ؟ قُلتُ: بَلَى. قَالَت: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ الله ﷺ كَانَ القُرآنَ. قَالَ: فَهَمَمتُ أَن أَقُومَ، وَلا أَسأَلَ أَحَدًا عَن شَيءٍ حَتَّى أَمُوتَ، ثُمَّ بَدَا لِي فَقُلتُ: أَنبِئِينِي عَن قِيَامِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَت: أَلَستَ تَقرَأُ: ﴿يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ﴾ قُلتُ: بَلَى. قَالَت: فَإِنَّ الله افتَرَضَ قِيَامَ اللَّيلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَقَامَ نَبِيُّ الله ﷺ وَأَصحَابُهُ حَولا، وَأَمسَكَ الله خَاتِمَتَهَا اثنَي عَشَرَ شَهرًا فِي السَّمَاءِ، حَتَّى أَنزَلَ الله فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ التَّخفِيفَ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيلِ تَطَوُّعًا بَعدَ فَرِيضَةٍ، قَالَ: فقُلتُ: يَا أُمَّ
ــ
وقول عائشة: كان خلق رسول الله ﷺ القرآن؛ أي: كان يتخلق بما فيه من محمود الأوصاف، ويجتنب ما فيه من ممنوعها، ويحتمل أن تريد بقولها: القرآن: الآيات التي اقتضت الثناء على رسول الله ﷺ ؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وكقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ إلى آخرها، وما في معنى ذلك، والله أعلم.
وكون سعد هَمَّ أن لا يسأل أحدًا عن شيء حتى يموت؛ إنما كان ذلك منه استقصارًا لفهمه؛ إذ لم يفهم ذلك من القرآن مع وضوح ذلك المعنى فيه، وإنهاضًا لهمته للبحث عن معاني القرآن، واكتفاء بذلك عن سؤال أحد من أهل العلم.
وقول عائشة: إن الله فرض قيام الليل ... إلى قولها: فصار قيام الليل تطوعًا: ظاهر قولها هذا يدل على أنه كان فرضًا عليه وعلى الناس. قال مكي: وهو قول كافة أهل العلم. وقيل: إنه لم يكن فرضًا عليه ولا عليهم، حكاه الأبهري عن
стр. 988
المُؤمِنِينَ، أَنبِئِينِي عَن وِترِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَت: كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ فَيَبعَثُهُ الله مَا شَاءَ أَن يَبعَثَهُ مِنَ اللَّيلِ، فَيَتَسَوَّكُ وَيَتَوَضَّأُ، وَيُصَلِّي تِسعَ رَكَعَاتٍ لا يَجلِسُ فِيهَا إِلا فِي الثَّامِنَةِ، فَيَذكُرُ الله وَيَحمَدُهُ وَيَدعُوهُ، ثُمَّ يَنهَضُ وَلا يُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي التَّاسِعَةَ، ثُمَّ يَقعُدُ فَيَذكُرُ الله وَيَحمَدُهُ وَيَدعُوهُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسلِيمًا يُسمِعُنَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكعَتَينِ بَعدَمَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَتِلكَ إِحدَى عَشرَةَ رَكعَةً يَا بُنَيَّ. فَلَمَّا أسَنَّ رَسُولُ الله ﷺ وَأَخَذَهُ اللَّحمُ أَوتَرَ بِسَبعٍ، وَصَنَعَ فِي الرَّكعَتَينِ مِثلَ صَنِيعِهِ في الأوَّلِ، فَتِلكَ تِسعٌ يَا بُنَيَّ. وَكَانَ نَبِيُّ الله ﷺ إِذَا صَلَّى صَلاةً أَحَبَّ أَن يُدَاوِمَ عَلَيهَا. وَكَانَ إِذَا غَلَبَهُ نَومٌ أَو
ــ
بعضهم، قال لقوله: ﴿نِصفَهُ أَوِ انقُص مِنهُ قَلِيلا * أَو زِد عَلَيهِ﴾ وليس هذا ضرب الفروض، وإنما هو ندب. وقيل: كان فرضًا على النبي ﷺ وحده، مندوبًا لغيره، وكأن هذا مأخوذ من مواجهة النبي ﷺ بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ﴾ فخُصّ بالخطاب، وبما روي عن ابن عباس مرفوعًا: ثلاث عليّ فريضة، ولكم تطوع: الوتر، والضحى، وركعتا الفجر (١). وهو ضعيف. والصحيح ما نقلته عائشة.
وقولها: إن النسخ كان بعد حول: خولفت في ذلك، وقيل: بعد عشر سنين، قال عياض: وهو الظاهر؛ لأن السورة مكية، ومن أول ما نزل من القرآن، إلا الآيتين آخرها نزلت بالمدينة، وهذا الذي قاله صحيح، فصحيح الأحاديث والنقل المشهور على ما قدمناه في كتاب الإيمان.
وقولها: ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم وهو قاعد: تعني أنه كان يسلم من وتره وهو قاعد، مخبرة بمشروعية محل السلام، ولم يرد عنه ﷺ أنه صلى ركعتي الفجر قاعدًا، والله أعلم. وسيأتي الكلام على من غلب عن حزبه.
стр. 989
وَجَعٌ عَن قِيَامِ اللَّيلِ صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنتَي عَشرَةَ رَكعَةً، وَلا أَعلَمُ نَبِيَّ الله ﷺ قَرَأَ القُرآنَ كُلَّهُ فِي لَيلَةٍ، وَلا صَلَّى لَيلَةً إِلَى الصُّبحِ، وَلا صَامَ شَهرًا كَامِلا غَيرَ رَمَضَانَ.
رواه مسلم (٧٤٦)(١٣٩)، وأبو داود (١٣٤٢ - ١٣٥٢)، والنسائي (٣/ ١٩٩).
[٦٢٩]- وعَنِ ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَن صَلاةِ اللَّيلِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : صَلاةُ اللَّيلِ مَثنَى مَثنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبحَ صَلَّى رَكعَةً وَاحِدَةً، تُوتِرُ لَهُ مَا قَد صَلَّى.
وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِذَا خِفتَ الصُّبحَ فَأَوتِر بِوَاحِدَةٍ.
وفي أُخرَى: فَقِيلَ لابنِ عُمَرَ: مَا مَثنَى مَثنَى؟ قَالَ: تُسَلِّمَ مِن كُلِّ رَكعَتَينِ.
رواه أحمد (٢/ ١٥٥)، والبخاري (٩٩٠)، ومسلم (٧٤٩) (١٤٥ و ١٤٦ و ١٥٩)، وأبو داود (١٣٢٦)، والترمذي (٥٣٧)، والنسائي (٣/ ٢٢٧)، وابن ماجه (١١٧٥).
[٦٣٠]- وَعَنهُ عَنِ النَبِي ﷺ قَالَ: اجعَلُوا آخِرَ صَلا تِكُم بِالَليلِ وِترًا.
ــ
وقول ابن عمر في تفسير مثنى مثنى: يُسَلِّم من كل ركعتين: إخبار منه عن صلاته ﷺ كيف كانت، كما تقدم من قول عائشة ﵂.
وقوله ﷺ : اجعلوا آخر صلاتكم وترًا: يفهم منه أن الوتر يضاف إلى شفع قبله، لكن هل هذا الشفع هو العشاء، أو هو نفل، فيكون أقله ركعتين؟ قولان
стр. 990
رواه أحمد (٢/ ٢٠ و ١٠٢)، والبخاري (٤٧٢)، ومسلم (٧٥١)، وأبو داود (١٤٣٨)، والنسائي (٣/ ٢٣٠ و ٢٣١).
[٦٣١]- وَعَنهُ قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : الوِترُ رَكعَةٌ مِن آخِرِ الَليلِ.
رواه أحمد (٢/ ٢٣ و ٥١)، ومسلم (٧٥٢)، والنسائي (٣/ ٢٣٢)، وابن ماجه (١١٧٥).
[٦٣٢]- وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخدري: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَوتِرُوا قَبلَ أَن تُصبِحُوا.
ــ
لأصحابنا، وعليه انبنى الخلاف في الوتر: هل يكتفى فيه بركعة فقط، أو لا بد من شفع؟ وعلى الأول يدل حديث النسائي عن ابن عمر مرفوعًا: والمغرب وتر صلاة النهار، فأوتروا صلاة الليل (١)، وعليه يدل قوله ﷺ : الوتر ركعة من آخر الليل (٢)، وصار إليه جماعة من السلف [والفقهاء] (٣)، وهو قول ابن نافع من أصحابنا، وقد روي في الحديث ما يرفع الخلاف؛ وهو ما خرّجه النسائي عن أبي أيوب: أن رسول الله ﷺ قال: الوتر حق، فمن شاء أوتر بخمس، ومن شاء أوتر بثلاث، ومن شاء أوتر بواحدة (٤). وذُكر في هذا الحديث: أنه روي موقوفًا. والحاصل من مجموع الأحاديث: أنه يصح أن يضاف إلى الفرض وإلى النفل، وإضافته إلى النفل أولى، والله أعلم.
وقوله: أوتروا قبل أن تصبحوا، وقوله: إذا خشي أحدكم الصبح
стр. 991
رواه أحمد (٣/ ٣٧)، ومسلم (٧٥٤)(١٦٠)، والترمذي (٤٦٨)، والنسائي (٣/ ٢٣١).
* * *
ــ
صلى ركعة: دليل على أن آخر وقت الوتر طلوع الفجر، وقد زاد هذا المعنى وضوحًا ما خرّجه أبو داود عن ابن عمر مرفوعًا: إذا طلع الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر، فأوتروا قبل طلوع الفجر (١)؛ تفرد به سليمان بن موسى الأشدق، وهو ثقة إمام. ولا خلاف في أن أول وقته بعد صلاة العشاء، وأما آخر وقته المختار فمذهب الجمهور أنه طلوع الفجر. وقال ابن مسعود: إلى صلاة الصبح. وهل له بعد ذلك وقت ضرورة؟ فقال مالك والشافعي: وقت ضرورته بعد طلوع الفجر ما لم يصل الصبح، وقال أبو مصعب: لا وقت ضرورة له، فلا يصلى بعد طلوع الفجر. وقاله الكوفيون. وقد روي عن مالك، وقال أبو حنيفة: يقضى بعد صلاة الصبح، وقاله طاوس. وقال الأوزاعي وأبو ثور والحسن والليث وغيرهم: يقضى بعد طلوع الشمس، وحكي عن سعيد بن جبير: أنه يوتر من القابلة. قلت: وقد روى أبو داود عن أبي سعيد مرفوعًا: من نام عن وتره، أو نسيه فليصله إذا ذكره (٢)، وهذا الظاهر يقتضي أنه يقضى دائمًا كالفرض. ولم أر قائلا به، والله أعلم.
ثم إن القائلين: بأن أقل الوتر ثلاث اختلفوا، هل يفصل بينهما بسلام أم لا؟ فالأول: مشهور مذهب مالك والشافعي، والثاني: مذهب أبي حنيفة. وقال ابن نافع: إذا صلى شفعًا قبل وتره فلا يسلم منه، ولا يفصل بينهما، وليأت به متصلا كصلاة المغرب، وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز، وذكر: أنه مذهب
стр. 992
(١٠٥) باب فيمن غلب عن حزبه، وفيمن خاف أن يغلب عن وتره، وفضل طول القنوت وآخر الليل
[٦٣٣] عن عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن نَامَ عَن حِزبِهِ أَو عَن شَيءٍ مِنهُ، فَقَرَأَهُ فِيمَا بَينَ صَلَاةِ الفَجرِ وَصَلَاةِ الظُّهرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِن اللَّيلِ.
ــ
الفقهاء السبعة (١)، ومذهب أهل المدينة. وقال الأوزاعي: إن وصل حسن، وإن فصل حسن، ثم المستحبُّ عند الشافعي وأصحابه، وعند مالك، وجل أصحابه: أن يقرأ في الوتر بـ ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين. وقيل عن مالك: بـ ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقط، وبه قال الثوري، وأحمد، وأصحاب الرأي، وعليه أكثر أهل العلم. واختار أبو مصعب: أن يقرأ في كل ركعة من الشفع والوتر بـ قل هو الله أحد. واختارت طائفة من أهل العلم: أن يقرأ في الشفع بـ ﴿سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأَعلَى﴾ و ﴿قُل يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ وفي الوتر بـ ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوّذتين، أخذًا بما خرَّجه النسائي والترمذي من فعله ﷺ لذلك (٢).
(١٠٥) ومن باب: مَن غُلِب عن حزبه (٣)
قوله ﷺ : مَن نام عن حِزبه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كُتِب له كأنما قرأه مِنَ الليل. هذا تفضل من الله تعالى، ودليل: على أن صلاةَ
стр. 993
رواه مسلم (٧٤٧)، وأبو داود (١٣١٣)، والترمذي (٥٨١)، والنسائي (٣/ ٢٥٩)، وابن ماجه (١٣٤٣).
[٦٣٤] وعَن جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعتُ رسول الله ﷺ يَقُولُ: أَيُّكُم خَافَ أَلا يَقُومَ مِن آخِرِ اللَّيلِ فَليُوتِر، ثُمَّ لِيَرقُد. وَمَن وَثِقَ بِقِيَامٍ مِن اللَّيلِ فَليُوتِر مِن آخِرِهِ، فَإِنَّ قِرَاءَةَ آخِرِ اللَّيلِ مَحضُورَةٌ، وَذَلِكَ أَفضَلُ.
ــ
الليل أفضلُ من صلاة النهار. والحزبُ هنا الجزءُ من القرآن يُصلَّى به. وهذه الفضيلةُ إنما تحصلُ لمن غلبه نوم، أو عذر منعه من القيام مع أن نيَّتَهُ القيام. وقد ذكر مالك في الموطأ عنه ﷺ قال: ما مِن امرئ تكونُ له صلاة بليل فَغَلبه عليها نوم إلا كتب الله له أجرَ صلاته، وكان نومُه صدقةَ عليه (١)، وهذا أتَمُّ في التَّفضيل والمجازاة بالنية، وظاهِرُه أن له أجرَه مُكملا مُضاعَفًا، وذلك لحسن نيته، وصدق تلهّفه، وتأسّفه. وهذا قولُ بعضِ شيوخنا، وقال بعضُهم: يُحتمل أن يكونَ غيرَ مضاعَفٍ إذ الذي يُصليها أكمل وأفضل.
قلتُ: والظاهِرُ التمسُّكُ بالظَّاهر، فإن الثوابَ فَضلٌ من الكريم الوهاب، وقد تقدَّم من حديث عائشة ﵂: أنه ﷺ كان إذا غَلَبَهُ نوم، أو وَجَعٌ، صلَّى من النهار اثنتي عشرة ركعة (٢). وهذا كلُّه إنما هو يبقى في تحصيل مثل ما غُلِب عليه، لا أنه قضاءٌ له، إذ ليس في ذمَّته شيء، ولا يُقضَى إلا ما تعلَّق بالذمة، وقد رأى مالك أن يصلِّي حزبه مَن فاته بعد طُلُوع الفجر، وهو عنده وقتُ ضرورة لمن غُلِب على حزبه وفاته. كما يقول في الوتر.
وقوله ﷺ : أيكُم خاف ألَاّ يقومَ من آخر الليل فليوتر ثم ليرقد. . . . إلى
стр. 994
رواه أحمد (٣/ ٣٣٧ و ٣٤٨)، ومسلم (٧٥٥)، والترمذي (٤٥٥)، وابن ماجه (١١٨٧).
[٦٣٥] وعنه، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الصَّلَاةِ أَفضَلُ؟ قَالَ: طُولُ القُنُوتِ.
رواه أحمد (٣/ ٣٠٢ و ٣١٤)، ومسلم (٧٥٦)(١٦٥)، والترمذي (٣٨٧)، والنسائي (٥/ ٥٨)، وابن ماجه (١١٢٤).
ــ
آخره. يدلُّ: على أن تأخيرَ الوتر أفضلُ لمن قَوِيَ عليه، وأنَّ تعجيلَه حزمٌ لئلا يفوتُ بطلوع الفجر. وقد روى أبو سليمان الخطابي عن سعيد بن المسيّب: أنَّ أبا بكر وعمر ﵄ تذاكرا الوترَ عند رسول الله ﷺ ، فقال أبو بكر: أما أنا فإنِّي أنام على وتر، فإن صليتُ صليتُ شَفعًا حتى أصبحَ، وقال عُمر: لكني أنامُ على شفع ثم أوتر من السَّحر. فقال النبي ﷺ لأبي بكر: حَذِر هذا. وقال لعمر: قَوِيَ هذا (١). وقد دلَّ قولُ أبي بكر في هذا الحديث: على أنَّ مَن صلَّى وِترَه في أول الليل، ثم نشطَ للصَّلاة من آخره صلّى ما شاء مِن شَفع، ولا يلزمُه أن يُوتر من آخر صلاته وترًا آخر؛ لقوله ﷺ فيما خرَّجه أبو داود عن طلق بن علي مرفوعًا: لا وتران في ليلة (٢)، وهو صحيح، ولا يجوزُ أن يضيفَ إلى وتره المتقدِّم وِترًا آخر، فينقض المتقدِّم، وقد اختلفَ فيه. وإلى ما فَعَلَه أبو بكر ذهبَ كثير من الصحابة، والتابعين وأئمة الفتوى: مالك، وغيره، وقد ذهبَ إلى النَّقض جماعة من الصَّحابة وغيرهم، وروي عن مالك، والصَّحيحُ: فِعل أبي بكر، والله أعلم.
стр. 995
[٦٣٦] وعنه، قَالَ: سَمِعتُ رسول الله ﷺ يَقُولُ: إِنَّ فِي اللَّيلِ سَاعَةً، لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسلِمٌ، يَسأَلُ اللَّهَ خَيرًا مِن أَمرِ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ إِلَّا أَعطَاهُ إِيَّاهُ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيلَةٍ.
رواه أحمد (٣/ ٣١٣ و ٣٣١)، ومسلم (٧٥٧)(١٦٦).
[٦٣٧] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَنزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ
ــ
وقد تقدَّم الكلامُ في القنوت، وفيما هو الأفضلُ، هل طول القيام [في الصلاة] (١) أفضل؟ أو كثرة السُّجود؟
وقوله: إن في الليل ساعة ... الحديث؛ هذه الساعةُ هي التي يُنادي فيها المنادي: من يسألني فأعطيه ... الحديث. وهي في الثُّلُث الأخير من الليل إلى أن يطلعَ الفجر، كما يأتي.
وقوله: ينزل ربُّنا، كذا صحَّتِ الروايةُ هنا، وهي ظاهِرة في النُزول المعنوي، وإليها يردُّ ينزلُ على أحد التأويلات، ومعنى ذلك: أنَّ مقتضى عظمةِ الله تعالى، وجلاله، واستغنائه، ألَّا يعبأ بحقيرٍ، ذليل، فقير، لكن ينزل بمقتضى كرمه ولُطفه؛ لأن يقول: من يقرضُ غيرَ عَدُوم ولا ظَلُوم (٢). ويكون قولُه: إلى السَّماء الدُّنيا عبارةً عن الحاجة القريبة إلينا، والدُّنيا بمعنى: القُربى، والله أعلم. وقد قيَّده بعضُ الناس يُنزِل بضم الياء، من: أنزل، فيكون مُعدَّى إلى مفعولِ محذوف؛ أي: يُنزل اللهُ مَلَكًا فيقولُ: كذا. وأما رواية: ينزل ثلاثيًّا، مِن نزل، فهي صحيحةٌ أيضًا، وهي من باب حَذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. كما قال: وَاسألِ القَريَةَ. وقد دلَّ على صحَّة هذا التأويل ما رواه
стр. 996
وَتَعَالَى - كُلَّ لَيلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا - حِينَ يَبقَى ثُلُثُ اللَّيلِ الآخِرُ فَيَقُولُ: مَن يَدعُونِي فَأَستَجِيبَ لَهُ! وَمَن يَسأَلُنِي فَأُعطِيَهُ! وَمَن يَستَغفِرُنِي فَأَغفِرَ لَهُ! .
رواه أحمد (٢/ ٤١٩ و ٥٠٤)، والبخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨)(١٦٨)، وأبو داود (١٣١٥)، والترمذي (٣٤٩٣)، وابن ماجه (١٣٦٦).
[٦٣٨] وعنه، عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَنزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا كُلَّ لَيلَةٍ حِينَ يَمضِي ثُلُثُ اللَّيلِ الأَوَّلُ، فَيَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، مَن ذَا الَّذِي يَدعُونِي فَأَستَجِيبَ لَهُ؟ ! مَن ذَا الَّذِي يَسأَلُنِي فَأُعطِيَهُ؟ ! مَن ذَا الَّذِي يَستَغفِرُنِي فَأَغفِرَ لَهُ؟ ! فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الفَجرُ.
وفي رواية: ينزل الله ﵎ في السماء الدنيا.
رواه مسلم (٧٥٨) (١٦٩ و ١٧١).
* * *
ــ
النسائيُّ عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: قال رسولُ اللهِ ﷺ : إن الله يُمهل حتى يمضي شطرُ الليل الأول، ثم يأمرُ مناديًا يقول: هل مِن داعٍ يُستجاب له؟ هل من مُستغفر يُغفر له؟ هل من سائل يُعطى؟ (١) وهذا صحيح، وهو نص. وبه يرتفع الإشكال، وقد قدَّمنا في كتاب الإيمان ما تُحمل عليه هذه المشكلات كلُّها.
وقوله: من يدعوني فأستجيبَ له؛ أي: فأجيبه، وهذا مِنَ الله وعدٌ حق، وقَول صدق: ﴿وَمَن أَوفَى بِعَهدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ وإذا وقعت هذه الشُروطُ من العبد على حقيقتها وكَمالها؛ فلا بُدَّ من المشروط، فإن تخلَّفَ شيء مِن ذلك؟ فذلك لخللٍ في الشرط.
стр. 997
(١٠٦) باب الترغيب في قيام رمضان وليلة القدر وكيفية القيام
[٦٣٩]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ، كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ مِن غَيرِ أَن يَأمُرَهُم فِيهِ بِعَزِيمَةٍ، فَيَقُولُ: مَن قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحتِسَابًا غُفِرَ
ــ
(١٠٦) ومن باب: الترغيب في قيام رمضان
قوله: كان يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، يدل: على أن قيام الليل في رمضان من نوافل الخير، ومن أفضل أعمال البر، لا خلاف في هذا، وإنما الخلاف في الأفضل منه. هل إيقاعه في البيت، أو في المسجد؟ فذهب مالك إلى أن إيقاعه في البيت أفضل لمن قوي عليه، وكان أولا يقوم في المسجد ثم ترك ذلك، وبه قال أبو يوسف، وبعض أصحاب الشافعي. وذهب ابن عبد الحكم وأحمد وبعض أصحاب الشافعي: إلى أن حضورها في الجماعة أفضل، وقال الليث: لو قام الناس في بيوتهم، ولم يقم أحد في المسجد، لا ينبغي أن يخرجوا إليه، والحجة لمالك قوله ﷺ : خير صلاة المرء في بيته إلَاّ المكتوبة (١)، وقول عمر: نعمت البدعة هي، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون فيها. وحجة مخالفه: أن النبي ﷺ قد صلاّها في الجماعة في المسجد، ثم أخبر بالمانع الذي منعه من الدوام على ذلك، وهو خشية أن تفرض عليهم، ثم إن الصحابة كانوا يصلونها في المسجد أوزاعًا متفرقين؛ إلى أن جمعهم عمر على قارئٍ واحد، فاستقرّ الأمر على ذلك، وثبتت سنته بذلك.
стр. 998
لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ. فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالأَمرُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ كَانَ الأَمرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلافَةِ أَبِي بَكرٍ، وَصَدرًا مِن خِلافَةِ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ.
وَفِي رِوَايَةٍ: مَن قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ، وَمَن قَامَ لَيلَةَ القَدرِ إِيمَانًا وَاحتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ.
ــ
قلت: ومالك أحق الناس بالتمسك بهذا؛ بناءً على أصله في التمسّك بعمل أهل المدينة.
وقوله: من قام رمضان، دليل على جواز إطلاق لفظ رمضان غير مضافٍ إلى شهر؛ خلافًا لمن منع ذلك حتى يقال: شهر رمضان، قال: لأن رمضان اسم من أسماء الله تعالى، ولا يصح هذا عن النبي ﷺ .
وقوله: إيمانًا واحتسابًا؛ أي: تصديقًا بما جاء في ذلك، واحتسابًا بالأجرة على الله تعالى. وقد روي: من قام رمضان وصامه إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدّم من ذنبه (١).
وقوله: فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر؛ أي: لم يزل أمر قيام رمضان معلوم الفضيلة يقومونه لكن متفرقين وفي بيوتهم؛ ولم يجمعوه على قارئٍ واحد؛ حتى كان مِن جَمعِ عمر لهم على أُبَيٍّ في المسجد ما قد ذكره مالك في الموطأ.
ثم اختُلف في المختار من عدد القيام، فعند مالك: أن المختار من ذلك ست وثلاثون؛ لأن ذلك عمل أهل المدينة المتصل. وقد قال نافع: لم أدرك الناس إلا وهم يقومون بتسع وثلاثين ركعة، يوترون منها بثلاث. وقال الشافعي: عشرون
стр. 999
وفِي أُخرَى: مَن يُقِم لَيلَةَ القَدرِ فَيُوَافِقهَا. . . .
رواه أحمد (٢/ ٢٨١) و (٤٢٣)، والبخاري (٣٧)، ومسلم (٧٥٩)، وأبو داود (١٣٧١ و ١٣٧٢)، والترمذي (٨٠٨)، والنسائي (٤/ ١٥٧ - ١٥٨).
[٦٤٠]- وعَن عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى فِي المَسجِدِ ذَاتَ لَيلَةٍ، فَصَلَّى بِصَلاتِهِ نَاسٌ. ثُمَّ صَلَّى مِنَ القَابِلَةِ فَكَثُرَ النَّاسُ - وفي رواية: عَجَزَ المَسجِدُ عَن أَهلِهِ - ثُمَّ اجتَمَعُوا مِنَ اللَّيلَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ، فَلَم يَخرُج إِلَيهِم رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا أَصبَحَ قَالَ: قَد رَأَيتُ الَّذِي صَنَعتُم فَلَم يَمنَعنِي مِنَ الخُرُوجِ إِلَيكُم إِلا أَنِّي خَشِيتُ أن تفرَضَ عَلَيكُم، قَالَ: وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ.
رواه البخاري (١١٩)، ومسلم (٦٧١) (١٧٧ و ١٧٨)، وأبو داود (١٣٧٣)، والنسائي (٣/ ٢٠٢).
ــ
ركعة، وقال كثير من أهل العلم: إحدى عشرة ركعة، أخذًا بحديث عائشة المتقدم. وسيأتي الكلام على أحاديث ليلة القدر.
وقوله: من يقم ليلة القدر فيوافقها: اختلف في القدر الذي أضيفت الليلة إليه، فقال ابن عباس: القدر: العظمة؛ من قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدرِهِ﴾؛ أي: ما عظموه حق عظمته، وقال مجاهد: القدر: تقدير الأشياء من أمور السنة. وقال ابن الفضل: يعني سوق المقادير إلى المواقيت، وقيل: قُدِّر في وقتها إنزال القرآن.
ويقم في - هذه الرواية - يعني به: يطلب بقيامه ليلة القدر، وحينئذ يلتئم مع قوله: يوافقها؛ لأن معنى يوافقها: يصادفها، ومن صلى فيها فقد صادفها،
стр. 1000
[٦٤١]- وَعَن أُبَيَّ بنَ كَعبٍ، (وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ عَبدَ الله بنَ مَسعُودٍ يَقُولُ: مَن قَامَ السَّنَةَ أَصَابَ لَيلَةَ القَدرِ) فَقَالَ أُبَيٌّ: وَالله الَّذِي لا إِلهَ إِلا هُوَ! إِنَّهَا لَفِي رَمَضَانَ (يَحلِفُ مَا يَستَثنِي) وَوَالله، إِنِّي لأَعلَمُ أَيُّ لَيلَةٍ هِيَ، هِيَ اللَّيلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقِيَامِهَا، هِيَ لَيلَةُ صَبِيحَةِ سَبعٍ وَعِشرِينَ، وَأَمَارَتُهَا أَن تَطلُعَ الشَّمسُ فِي صَبِيحَةِ يَومِهَا لا شُعَاعَ لَهَا.
رواه مسلم (٧٦٢)، (١٧٩)، وأبو داود (١٣٧٨)، والترمذي (٧٩٣).
* * *
ــ
ويحتمل أن تكون الموافقة هنا: عبارة عن قبول الصلاة فيها والدّعاء، أو يوافق الملائكة في دعائها، أو يوافقها حاضر القلب متأهلا لحصول الخير والثواب؛ إذ ليس كل دعاء يسمع، ولا كل عمل يقبل، فإنه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ وسيأتي استيفاء هذا المعنى إن شاء الله تعالى.
وقوله: وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها، وفي حديث أبي هريرة: إن القمر يطلع فيها مثل شقّ جَفنَة (١)؛ قيل: إن ذلك إنما كان لصعود الملائكة الذين تنزلوا في ليلة القدر حين تطلع الشمس، فكأن الملائكة بكثرتها حالت بين الناظرين إلى الشمس وبين شعاعها، والله أعلم.
ثم هل هذه الأمارات راتبة لكل ليلة قدر تأتي، أو كان ذلك لتلك الليلة الخاصة؟ كما قال النبي ﷺ : وأراني أسجد في صبيحتها في ماء وطين؟ (٢) قولان لأهل العلم، والأول أولى؛ لما رواه أبو عمر بن عبد البر من طريق عبادة بن
стр. 1001
(١٠٧) باب في كيفية صلاة رسول الله ﷺ بالليل، وتَبَتُّلِه ودُعَائِهِ
[٦٤٢]- عَن ابنَ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ بَاتَ لَيلَةً عِندَ مَيمُونَةَ أُمِّ المُؤمِنِينَ، وَهِيَ خَالَتُهُ، قَالَ: فَاضطَجَعتُ فِي عَرضِ الوِسَادَةِ، وَاضطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَهلُهُ فِي طُولِهَا،
ــ
الصامت مرفوعًا: إن أمارة ليلة القدر أنها صافية بَلجَاء، كأن فيها قمرًا ساطعًا، ساكنة لا برد فيها ولا حرّ، ولا يحلّ لكوكب أن يرمى به فيها حتى يصبح، وإن أمارة الشمس أنها تخرج صبيحتها مشرقة ليس لها شعاع، مثل القمر ليلة البدر، ولا يحلّ للشيطان أن يطلع يومئذٍ معها (١). قال: وهذا حديث حسن غريب من حديث الشاميين، رواته كلهم معروفون ثقات (٢).
(١٠٧) ومن باب: كيفيه صلاة رسول الله ﷺ بالليل
قول ابن عباس: فاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله ﷺ في طولها: العَرض - بفتح العين -، خلاف الطول، وهو المراد هنا. وعُرض الوادي: ناحيته؛ بالضم. والعِرض - بالكسر -: السبُّ والذمُّ. والوسادة: ما يُتوسَّدُ إليه وعليه، ويريد به هنا الفراش. وكان اضطجاع ابن عباس لرؤوسهما، أو لأرجلهما؛ وذلك لصغره.
قلت: هذا الذي قاله الشارحون من تسمية الفراش وسادة تجُّوزٌ لا شك فيه؛ إذ الوسادة ما يتوسَّد إليه، كما أن المِرفقة ما يُرتفقُ عليه. ويمكن أن يبقى لفظ
стр. 1002
فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى انتَصَفَ اللَّيلُ، أَو قَبلَهُ بِقَلِيلٍ، أَو بَعدَهُ بِقَلِيلٍ، استَيقَظَ رَسُولُ الله ﷺ فَجَعَلَ يَمسَحُ النَّومَ عَن وَجهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ العَشرَ الآيَاتِ الخَوَاتِمَ مِن سُورَةِ آلِ عِمرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ، فَتَوَضَّأَ مِنهَا فَأَحسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فَقُمتُ
ــ
الوسادة على حقيقته، ويكون اضطجاع رسول ﷺ عليها: وضعه رأسه على طولها، واضطجاع ابن عباس: وضعه رأسه على عرضها، وقد تقدم ذكر سن ابن عباس يوم موت رسول الله ﷺ .
وقوله: فنام رسول الله ﷺ حتى انتصف الليل، أو قبله بقليل، أو بعده بقليل: هذا من ابن عباس تقدير للوقت لا تحقيق، لكنه لم يخرج به عن قول الله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيلَ إِلا قَلِيلا * نِصفَهُ أَوِ انقُص مِنهُ قَلِيلا * أَو زِد عَلَيهِ﴾ وقراءته ﷺ هذا العشر في هذا الوقت؛ لما تضمّنه من الحضّ والتنبيه على الذكر والدعاء والصلاة والتفكر، وغير ذلك من المعاني المنشطة على القيام، على ما لا يخفى.
والشّنّ: القربة البالية (١)، وهو الشجب أيضًا في الرواية الأخرى، ويقال: سقاء شاجب؛ أي: يابس.
وقوله: فأحسن الوضوء؛ أي: أبلغه وأكمله، ومع ذلك فلم يهرق من الماء إلا قليلا، كما جاء في الرواية الأخرى: ولم يكثر، وقد أبلغ، وفي الأخرى: وضوءًا حسنًا بين الوضوءين. ووضعه ﷺ يمينه على رأس عبد الله: تسكين له، وأخذه بأذنه، تثبيت للتعليم، أو زيادة في التأنيس والتسكين، وقيل: فعل ذلك لينفي عنه العين؛ لما أعجبه فعله معه، وقيل: فعل ذلك به طردًا للنوم، وفي بعض طرق هذا الحديث عنه قال: فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني، وهذا نصّ. وشناق
стр. 1003
فَصَنَعتُ مِثلَ مَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ ذَهَبتُ فَقُمتُ إِلَى جَنبِهِ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ اليُمنَى عَلَى رَأسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي اليُمنَى يَفتِلُهَا، فَصَلَّى رَكعَتَينِ، ثُمَّ رَكعَتَينِ، ثُمَّ رَكعَتَينِ، ثُمَّ رَكعَتَينِ، ثُمَّ رَكعَتَينِ، ثُمَّ رَكعَتَينِ، ثُمَّ أَوتَرَ، ثُمَّ اضطَجَعَ، حَتَّى جَاءَ المُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكعَتَينِ خَفِيفَتَينِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبحَ.
زَادَ في رواية: ثُمَّ عَمَدَ إِلَى شَجبٍ مِن مَاءٍ، فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ، وَأَسبَغَ الوُضُوءَ، وَلَم يُهرِق مِنَ المَاءِ إِلا قَلِيلا، ثُمَّ حَرَّكَنِي فَقُمتُ.
وفِي أُخرَى: فَقُمتُ عَن يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي عَن يَمِينِهِ، فَتَتَامَّت صَلاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ اللَّيلِ ثَلاثَ عَشرَةَ رَكعَةً، ثُمَّ اضطَجَعَ، فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ، فَأَتَاهُ بِلالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلاةِ، فَقَامَ فَصَلَّى وَلَم يَتَوَضَّأ، وَكَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: اللهمَّ اجعَل فِي قَلبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمعِي نُورًا، وَعَن يَمِينِي نُورًا، وَعَن يَسَارِي نُورًا، وَفَوقِي نُورًا، وَتَحتِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلفِي نُورًا، وَعَظِّم لِي نُورًا.
ــ
القربة (١): ما تُشنَقُ به القربة، أي: يُشدُّ عنقها. وقيل: هو الذي تُعَلَّقُ به، قال أبو عبيد: والأول أشبه.
وقوله في الرواية الأخرى: فقمت عن يساره، فأخذ بيدي، فأدارني عن يمينه، هذا أخذٌ للإدارة، والأخذ بالأذن أخذ للتنشيط أو التنبيه، على ما تقدم. وقد فسّر هذه الإدارة في رواية أخرى؛ فقال: وأخذ بيدي من وراء ظهره، ولا تعارض بين الأخذين؛ إذ جمعهما له ممكن، والله أعلم.
стр. 1004
وَفِي رِوَايَةٍ: وَسَبعًا فِي التَّابُوتِ فَذَكَرَ عَصَبِي وَلَحمِي وَدَمِي وَشَعرِي وَبَشَرِي. وَذَكَرَ خَصلَتَينِ.
وفي أُخرَى: وفي لِسَانِي نُورًا. وَقَالَ فِي آخِرِه: وَاجعَل لِي نُورًا.
وفي أُخرَى: وَاجعَلنِي نُورًا.
رواه أحمد (١/ ٣٤١)، والبخاري (٦٩٩ و (٦٣١٦)، ومسلم (٧٦٣) (١٨١ و ١٨٢ و ١٨٣ و ١٨٧)، وأبو داود (٥٨ و ٦٦٠)، والنسائي (٢/ ٣٠)، وابن ماجه (١٣٦٣).
[٦٤٣]- وعَن زَيدِ بنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لأرمُقَنَّ صَلاةَ
ــ
وقد تقدم الكلام على مراتب المأموم مع إمامه، وعلى نوم الأنبياء صلى الله عليهم أجمعين وسلم، وعلى الخلاف في كيفية صلاة الليل. وهذه الأنوار التي دعا بها النبي ﷺ يمكن أن تحمل على ظاهرها، فيكون معنى سؤاله: أن يجعل الله له في كل عضو من أعضائه نورًا يوم القيامة، يستضيء به في تلك الظلم هو ومن تبعه، أو من شاء الله تعالى ممن تبعه. والأولى أن يقال: هذه الأنوار هي مستعارة للعلم والهداية، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدرَهُ لِلإِسلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ وكما قال تعالى: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيتًا فَأَحيَينَاهُ وَجَعَلنَا لَهُ نُورًا يَمشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ أي: علمًا وهداية، والتحقيق في معنى النور: أن النور مُظهِر ما ينسب إليه، وهو يختلف بحسبه، فنور الشمس مُظِهرٌ للمبصرات، ونور القلب كاشف عن المعلومات، ونور الجوارح ما يبدو عليها من أعمال الطاعات، فكأنه دعا بإظهار الطاعات عليها دائمًا، والله تعالى أعلم.
وقوله: وسبعًا في التابوت؛ أي: وذكر سبعًا، والتابوت أراد به الجسد، وذكر خمسًا، ولم يعيِّن الخصلتين؛ وهما: اللسان والنفس على ما ذكره في الأم. قال أبو الفرج في قوله: وسبعًا في التابوت؛ أي: سبعة أشياء مكتوبة عنده في
стр. 1005
رَسُولِ اللهِ ﷺ اللَّيلَةَ، فَصَلَّى رَكعَتَينِ خَفِيفَتَينِ، ثُمَّ صَلَّى رَكعَتَينِ طَوِيلَتَينِ طَوِيلَتَينِ طَوِيلَتَينِ، ثُمَّ صَلَّى رَكعَتَينِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَينِ قَبلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكعَتَينِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَينِ قَبلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكعَتَينِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَينِ قَبلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكعَتَينِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَينِ قَبلَهُمَا، ثُمَّ أَوتَرَ. فَذَلِكَ ثَلاثَ عَشرَةَ رَكعَةً.
رواه أحمد (٥/ ١٩٣)، ومسلم (٧٦٥)، وأبو داود (١٣٦٦)، وابن ماجه (١٣٦٢).
[٦٤٤]- وعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ مِن جَوفِ اللَّيلِ: اللهمَّ لَكَ الحَمدُ، أَنتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ،
ــ
الصندوق؛ أي: قد نسيها، وهي عنده مكتوبة، وقد جاء فيما بعد منها: عصبي، ولحمي، ودمي، وشعري، وبشري.
وقوله: اللهم لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض؛ أي: منوّرها في قول الحسن؛ دليله: قراءة علي ﵁: (الله نَوَّرَ السماوات) (١) بفتح النون، والواو مشددة. قال ابن عباس: هادي أهلهما. ومجاهد: مدبرهما، وقيل: هو المنزه في السماوات والأرض من كل عيب، من قول العرب: امرأة نوارة؛ أي: مبرأة من كل ريبة. وقيل: هو اسم مدح، يقال: فلان نور البلد، وشمس الزمان؛ كما قال النابغة:
فإنك شمسٌ والملوكُ كواكبٌ ... إذا طلعت لم يبدُ منهن (٢) كوكبُ
стр. 1006
وَلَكَ الحَمدُ، أَنتَ قَيَّامُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ، وَلَكَ الحَمدُ، أَنتَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَمَن فِيهِنَّ،
ــ
وقال آخر:
إذا سار عبد الله في مَرو ليلةً ... فقد سار فيها نورها وجمالها
وقال أبو العالية: مزيِّن السماوات بالشمس والقمر والنجوم، ومزيِّن الأرض بالأنبياء، والأولياء، والعلماء.
وقوله: أنت قيّام السماوات والأرض: قيام على المبالغة، من قام بالشيء: إذا هيأ له ما يحتاج إليه، ويقال: قيوم، وقيام، وقيِّم. وقرأ عمر: (الله لا إله إلا هو الحي القيّام) (١). وعلقمة: (القيِّم). وقال قتادة: هو القائم بتدبير خلقه. الحسن: القائم على كل نفس بما كسبت. ابن جبير: الدائم الوجود. ابن عباس: الذي لا يحول ولا يزول.
وقوله: أنت رب السماوات والأرض؛ أي: مصلحهما، ومصلح من فيهما، مأخوذ من الربّة، وهي نبت تصلح عليه المواشي، يقال: رَبَّ، يَرُبُّ رَبَّا، فهو رابٌّ، وربٌّ، وربّى يربي تربية، فهو مُربٍّ. قال النابغة:
وربَّ عليه اللَّهُ أحسَنَ صَنعَه
وقال آخر:
يَرُبُّ الذي يأتي من الخير أنه ... إذا فعل المعروف زاد وتمَّما
стр. 1007
أَنتَ الحَقُّ، وَوَعدُكَ الحَقُّ، وَقَولُكَ الحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ،
ــ
والربُّ أيضًا: السِّيِّد، فيكون معناه: أنه سيد من في السماوات والأرض.
والرب: المالك؛ أي: هو مالكهما ومالك من فيهما.
وقوله: أنت الحق؛ أي: الواجب الوجود، وأصله من: حق الشيء؛ إذا ثبت ووجب، ومنه: ﴿أَفَمَن حَقَّ عَلَيهِ كَلِمَةُ العَذَابِ﴾ وَلَكِن حَقَّ القَولُ مِنِّي؛ أي: ثبت ووجب، وهذا الوصف لله تعالى بالحقيقة والخصوصية لا ينبغي لغيره؛ إذ وجوده لنفسه، فلم يسبقه عدم، ولا يلحقه عدم، وما عداه مما يقال عليه هذا الاسم مسبوق بعدم، ويجوز عليه لحاق العدم، ووجوده من موجده لا من نفسه، وباعتبار هذا المعنى كان أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل (١) ... . . . . . . . . . . . . . . . ."
وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إِلا وَجهَهُ لَهُ الحُكمُ وَإِلَيهِ تُرجَعُونَ﴾ ولقاؤنا الله تعالى عبارة عن مآل حالنا بالنسبة إلى جزائنا على أعمالنا في الدار الآخرة، والساعة: يوم القيامة، وأصله القطعة من الزمان، لكن لما لم يكن هناك كواكب تقدر بها الأزمان؛ سُمِّيت بذلك، والله أعلم.
وإطلاق اسم الحق على هذه الأمور كلها؛ معناه: أنها لا بد من كونها، وأنها مما ينبغي أن يصدق بها، وتكرار الحق في تلك المواضع على جهة التأكيد والتفخيم والتعظيم لها.
стр. 1008
وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللهمَّ لَكَ أَسلَمتُ، وَبِكَ آمَنتُ، وَعَلَيكَ تَوَكَّلتُ، وَإِلَيكَ أَنَبتُ، وَبِكَ خَاصَمتُ، وَإِلَيكَ حَاكَمتُ، فَاغفِر لِي مَا قَدَّمتُ وَما أَخَّرتُ، وَما أَسرَرتُ وما أَعلَنتُ، أَنتَ إِلَهِي، لا إِلهَ إِلا أَنتَ.
وَفِي رِوَايَةٍ: قَيِّمُ مَكَانَ: قَيَّامُ.
رواه أحمد (١/ ٢٩٨ و ٣٠٨)، والبخاري (١١٢٠)، ومسلم (٧٦٩)، وأبو داود (٧٧١)، والترمذي (٣٤١٨)، والنسائي (٣/ ٢٠٩ - ٢١٠)، وابن ماجه (١٣٥٥).
ــ
وقوله: لك أسلمت؛ أي: انقَدتُ وخضعت. وبك آمنت؛ أي: صدّقت. وعليك توكلت؛ أي: فوّضت. [وإليك أنبت؛ أي: رجعت. وبك خاصمت؛ أي: بما لقَّنتَنِي من الحجة غلبت الخصوم. وإليك حاكمت؛ أي: إليك فوّضت] (١) الحكومة؛ كما قال تعالى: ﴿أَنتَ تَحكُمُ بَينَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَختَلِفُونَ﴾ وقد تقدم الكلام على عصمة الأنبياء والذنوب المنسوبة إليهم في كتاب الطهارة. فإذا فرّعنا على جواز الصغائر عليهم، فيكون الاستغفار على بابه وظاهره، وإن أحلنا ذلك عليهم، فيكون استغفاره لِيَسُنَّه لأمته، أو على تقدير وقوع ذنوب منه حتى يلازم حالة الافتقار والعبودية.
وقوله: وما قدمت؛ أي: قبل وقتي هذا. وما أخرت: عنه. وما أسررت؛ أي: أخفيت. وأعلنت: أظهرت. أنت إلهي؛ أي: معبودي ومقصودي، الذي وَلِهَ فيك قلبي، وتحيَّر في عظمتك وجلالك عقلي، وكَلَّ عن ثنائك لساني، فغاية الو يلة إليك، لا أحصي ثناءً عليك. لا إله إلا أنت؛ أي: لا معبود غيرك، ولا معروف بهذه المعرفة سواك.
стр. 1009
[٦٤٥]- وعَن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَ نَبِيُّ الله ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيلِ افتَتَحَ صَلاتَهُ: اللهمَّ رَبَّ جَبرَيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ، عَالِمَ الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنتَ تَحكُمُ بَينَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَختَلِفُونَ، اهدِنِي لِمَا اختُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذنِكَ، إِنَّكَ تَهدِي مَن تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ.
رواه أحمد (٦/ ١٥٦)، ومسلم (٧٧٠)، وأبو داود (٧٦٨)، والترمذي (٣٤٢٠)، والنسائي (٣/ ٢١٢ - ٢١٣).
[٦٤٦]- وعَن عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ، عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ قَالَ: وَجَّهتُ وَجهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ حَنِيفًا وَمَا
ــ
وقوله: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل: خص هؤلاء الملائكة بالذكر تشريفًا لهم؛ إذ بهم ينتظم هذا الوجود؛ إذ قد أقامهم الله تعالى في ذلك. وفاطر السماوات والأرض؛ أي: مبتدئ خلقهما. والغيب: ما غاب عن عياننا. والشهادة: ما شاهدناه؛ أي: علمناه بمشاهدتنا. وتحكم بين عبادك: تقضي وتبيّن الحق. اهدني؛ أي: أرشدني ودلَّني على صواب ما اختلف فيه. بإذنك؛ أي: بتمكينك وتسخيرك. والصراط: الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه.
وقوله: وجهت وجهي؛ أي: صوَّبت وجهي، وأخلصت في عبادتي. وحنيفًا؛ أي: مائلا عن جميع المعبودات سوى الله تعالى. ونسكي؛ أي: ما أتَنسكُ به من القُرب والعبادات. والمحيا والممات؛ أي: الحياة والموت، كما قال للأنصار: المحيا محياكم، والممات مماتكم (١). والعالمين:
стр. 1010
أَنَا مِنَ المُشرِكِينَ، إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرتُ وَأَنَا مِنَ المُسلِمِينَ، اللهمَّ أَنتَ المَلِكُ لا إِلهَ إِلا أَنتَ، أَنتَ رَبِّي وَأَنَا عَبدُكَ، ظَلَمتُ نَفسِي وَاعتَرَفتُ بِذَنبِي؛ فَاغفِر لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، إِنَّهُ لا يَغفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أَنتَ، وَاهدِنِي لأَحسَنِ الأَخلاقِ، لا يَهدِي لأَحسَنِهَا إِلا أَنتَ، وَاصرِف عَنِّي سَيِّئَهَا لا يَصرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلا أَنتَ، لَبَّيكَ وَسَعدَيكَ، وَالخَيرُ كُلُّهُ فِي يَدَيكَ، وَالشَّرُّ لَيسَ إِلَيكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيكَ،
ــ
الخلق. وأصله من العلم، وقيل: من العلامة. وأنا من المسلمين؛ أي: مسلم من المسلمين المتمكنين في الاستسلام، الذين سلموا أنفسهم للنيران (١)، وأموالهم للضيفان، وولدهم للقربان، وفوّضوا جميع أمورهم للرحمن. وفي التلاوة: وَأَنَا أَوَّلُ المُسلِمِينَ؛ أي: أوّل سابق بالنسبة إلى زمانه.
وقوله: واهدني لأحسن الأخلاق؛ أي: لأكملها وأفضلها؛ وهي: الخُلق الصحيح، والكفَّ عن القبيح. وقيل: للقيام بالحقوق، والعفو عن العقوق؛ كما قال: أن تعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك (٢). وقد أجاب الله تعالى دعاء نبيه ﷺ في ذلك، فجمع له منها ما تفرق في العالمين؛ حتى قال له تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ولبيك: معناه: إجابة لك بعد إجابة. وسعديك؛ أي: مساعدة بعد مساعدة، وهما من المصادر التي لا تستعمل إلا مضافة مثنَّاة، وقد تقدّم القول في: بيدك الخير.
وقوله: والشرّ ليس إليك؛ أي: لا يضاف إليك مخاطبة ونسبة، تأدُّبًا، مع أنه بقضاء الله تعالى وقدره، وخلقه واختراعه؛ كالخير، كما قال الله تعالى:
стр. 1011
تَبَارَكتَ وَتَعَالَيتَ، أَستَغفِرُكَ وأتوب إِلَيكَ! ! وَإِذَا رَكَعَ قَالَ: اللهمَّ لَكَ رَكَعتُ، وَبِكَ آمَنتُ، وَلَكَ أَسلَمتُ، خَشَعَ لَكَ سَمعِي وَبَصَرِي، وَمُخِّي وَعَظمِي وَعَصَبِي. وَإِذَا رَفَعَ قَالَ: اللهمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمدُ مِلءَ السَّمَاوَاتِ الأَرضِ، وَمَا بَينَهُمَا، وَمِلءَ مَا شِئتَ مِن شَيءٍ بَعدُ. وَإِذَا سَجَدَ قَالَ:
ــ
﴿قُل كُلٌّ مِن عِندِ اللَّهِ﴾ وكما قال: ﴿وَإِن يَمسَسكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِن يَمسَسكَ بِخَيرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾
وقوله: خشع لك سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي وعصبي؛ أي: أخذ كل عضو من هذه الأعضاء حظه من الخضوع والتذلل؛ أي: سكنت وافتقرت، وإن كان أصل الخشوع في القلب؛ لكن ثمرته تظهر على الجوارح والأعضاء، فسُمِّيَ بذلك: خشوعًا، كما قال تعالى: ﴿تَرَى الأَرضَ خَاشِعَةً﴾؛ أي: متذللة، مفتقرة لما تحيا به من الماء، أو يكون هذا على الإغياء (١) والتشبيه، كما قال:
لا عُضوَ لي إلا وفيه محبةٌ ... فكأن أعضائي خلقن قلوبًا
وهذا هو النور الذي دعا به النبي ﷺ في حديث ابن عباس المتقدم. وقد تقدم القول في: ملء السماوات والأرض، في الطهارة.
وقوله: وملء ما شئت من شيء بعد: يحتمل أن يكون معناه: من شيء يمكن أن يخلقه؛ يكون أكبر من السماوات والأرض، ويحتمل أن يراد به العرش والكرسي، ففي الحديث: إن السماوات والأرض في الكرسي كالحلقة الملقاة في فلاة من الأرض، والكرسي وما فيه في العرش كحلقه ملقاة في فلاة (٢). والله تعالى أعلم. ومقصود هذا الحديث: الإغياء في تكثير الحمد والثناء.
стр. 1012
اللهمَّ لَكَ سَجَدتُ، وَبِكَ آمَنتُ، وَلَكَ أَسلَمتُ، سَجَدَ وَجهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ الله أَحسَنُ الخَالِقِينَ. ثُمَّ يَكُونُ مِن آخِرِ مَا يَقُولُ بَينَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسلِيمِ: اللهمَّ اغفِر لِي مَا قَدَّمتُ وَمَا أَخَّرتُ، وَمَا أَسرَرتُ وَمَا أَعلَنتُ وَمَا أَسرَفتُ، وَمَا أَنتَ أَعلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنتَ المُقَدِّمُ وَأَنتَ المُؤَخِّرُ لا إِلهَ إِلا أَنتَ.
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: كَانَ إِذَا استَفتَحَ الصَّلاةَ كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: وَجَّهتُ وَجهِي. وَقَالَ: وَأَنَا أَوَّلُ المُسلِمِينَ. وَقَالَ: وَإِذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ:
ــ
وبعد ظرف مبني على الضم؛ لأنه قطع عن المضاف إليه، مع أنه مراد، ومعناه هنا: بعد السماوات والأرض المذكورة قبل.
وقوله: وشق سمعه وبصره؛ أي: خلق فيه السمع والبصر. وقد يحتج بإضافة السمع إلى الوجه من يقول: إن الأذنين من الوجه فيغسلان بغسله، ولا حجة فيه؛ لأنه يعارضه قوله ﷺ : فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه (١). فجعل الأذن غاية للرأس، فهي منه؛ لأنا نقول بموجب ذلك، ونفرق بين السمع والأذن؛ فإن السمع الإدراك الذي في الأذن لا الأذن؛ ولأن الوجه لا يتضمن الأذنين كما تقدم.
وقوله: أنت المقدم وأنت المؤخر؛ أي: تقدم من تشاء فتجعلهم أنبياء وأولياء، وعلماء، وفضلاء، وتؤخر من شئت فتجعله فرعون، وأبا جهل. أو تملك الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وعلى الجملة فكل تقديم وتأخير منه.
وقوله: كان إذا استفتح الصلاة كبر ثم قال: وجهت وجهي: أخذ به
стр. 1013
سَمِعَ الله لِمَن حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمدُ. وَقَالَ: وَصَوَّرَهُ فَأَحسَنَ صُوَرَهُ. وَقَالَ: إِذَا سَلَّمَ قَالَ: اللهمَّ اغفِر لِي مَا قَدَّمتُ. . . إِلَى آخِرِ الحَدِيثِ.
رواه أحمد (١/ ١٠٢)، ومسلم (٧٧١)، وأبو داود (٧٦١)، والترمذي (٣٤٢٣).
* * *
ــ
الشافعي، وأن هذا التوجيه سنة راتبة في صلاة الفرض بعد التكبير، ولا حجة له فيه؛ لأن هذا يحتمل أنه كان في صلاة الليل فقط، وتكون الصلاة يراد بها صلاة الليل فقط، ولئن سلمنا أنه للعموم لزم منه أن يكون الدعاء المذكور في هذا الحديث في الركوع والسجود سنة راتبة في كل صلاة، ولا قائل به؛ فإن مساق الحديث واحد، فلِمَ يفرق بين التوجيه وغيره من الأدعية والأذكار. ولئن سلمنا الفرق فعندنا ما يعارض ذلك، وهو أمران:
أحدهما: أنه قال في الرواية الأولى: إنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: وجهت وجهي، ولم يذكر التكبير، وظاهره إذا أراد القيام، فيكون قبل التكبير.
وثانيهما: أنه لو كان ذلك سنة راتبة لنقله أهل المدينة بالعمل؛ إذ مثل ذلك لا يخفى عليهم مع شدة بحثهم عن أفعاله وأحواله، وخصوصًا في الصلاة الكثيرة التكرار، العظيمة الموقع، فلما كان ذلك علمنا: أنه ليس بسنة راتبة، ولا يُمنع من قاله كسائر الأذكار والأدعية. وقد روى الدارقطني في حديث علي المتقدم: أن ذلك كان في المكتوبة (١)، فإن صح ذلك كان دليلا على جواز وقوع ذلك في الصلاة المكتوبة، إذ لم يضر بمن خلفه بطول القيام؛ لا أنه سنة راتبة؛ لما تقدم، والله أعلم.
стр. 1014
(١٠٨) باب ترتيل القراءة والجهر بها في صلاة الليل وتطويلها
[٦٤٧]- عَن حُذَيفَةَ، قَالَ: صَلَّيتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيلَةٍ فَافتَتَحَ البَقَرَةَ، فَقُلتُ: يَركَعُ عِندَ المِائَةِ، ثُمَّ مَضَى، فَقُلتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكعَةٍ، فَمَضَى، فَقُلتُ: يَركَعُ بِهَا، ثُمَّ افتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افتَتَحَ آلَ عِمرَانَ فَقَرَأَهَا، يَقرَأُ مُتَرَسِّلا، إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يَقُولُ: سُبحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ. فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحوًا مِن قِيَامِهِ ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ الله لِمَن حَمِدَهُ. ثُمَّ قَامَ طَوِيلا قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَقَالَ: سُبحَانَ رَبِّيَ الأَعلَى. وَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا مِن قِيَامِهِ - وَزَادَ في رواية فَقَالَ: سَمِعَ الله لِمَن حَمِدَهُ، رَبَّنَا لَكَ الحَمدُ.
رواه مسلم (٧٧٢)، وأبو داود (٨٧١ و ٨٧٤)، والنسائي (٢/ ١٧٦ و ١٧٧).
[٦٤٨]- وَعَن عَبدُ الله، قَالَ: صَلَّيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَطَالَ حَتَّى
ــ
(١٠٨) ومن باب: ترتيل القراءة
قوله: يقرأ مترسلا؛ أي: مترفِّقًا متمهِّلا؛ من قولهم: على رسلك؛ أي: على رفقك. وهذا التطويل، وهذه الكيفية التي صدرت عنه في هذه الصلاة، إنما كان منه بحسب وقت صادفه، ووجد وجده، فاستطاب ما كان فيه، واستغرقه عما سواه. [وهو موافق لما قاله في حديث آخر: إذا أمَّ أحدُكم الناس فليخفِّف، وإذا صلى وحده فليطوِّل ما شاء (١).
стр. 1015
هَمَمتُ بِأَمرِ سَوءٍ، قَالَ: قِيلَ: وَمَا هَمَمتَ بِهِ؟ قَالَ: هَمَمتُ أَن أَجلِسَ وَأَدَعَهُ.
رواه أحمد (١/ ٣٨٥)، والبخاري (١١٣٥)، ومسلم (٧٧٣)، وابن ماجه (١٤١٨).
[٦٤٩] وَعَن عَاَئِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَ ﷺ سَمِعَ رَجُلا يَقرَأُ مِنَ اللَّيلِ، فَقَالَ: ﵀، لَقَد أَذكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً كُنتُ أَسقَطتُهَا مِن سُورَةِ كَذَا وَكَذَا.
رواه البخاري (١١٣٥)، ومسلم (٧٨٨)(٢٢٤)، وأبو داود (١١٣١).
* * *
ــ
وقوله: لقد أذكرتني كذا] (١) وكذا آية كنت أسقطتها: قال ابن السيِّد البطليوسي: كذا وكذا: كناية عن الأعداد [المعطوف بعضها على بعض؛ من أحد وعشرين إلى تسعة وتسعين، والمميز بعد هذه الأعداد] (٢) حقه أن ينصب، قال: وإذا قال: له عندي كذا كذا درهمًا؛ فهي كناية عن الأعداد؛ من أحد عشر إلى تسعة عشر، هذا اتفاق من البصريين والكوفيين. وقال الكوفيون خاصة: إذا قال: له عندي كذا أثواب، فهي كناية عن الأعداد المضافة إلى الجمع من ثلاثة إلى عشرة. وإذا قال: له عندي كذا درهم - بالإفراد -، فهي كناية عن الأعداد المضافة إلى المفرد من مائة إلى تسعمائة، ولا يجيز البصريون والكوفيون إضافة ذا إلى ما بعده؛ لأن المبهم لا يضاف. انتهى قوله.
قلت: وعلى نحو ما اتفق عليه البصريون والكوفيون فرَّع الإقرار ابن عبد الحكم، فقال: إن قال: له عندي كذا كذا درهمًا؛ لزمه أحد عشر، وإن قال:
стр. 1016
(١٠٩) باب استغراق الليل بالنوم من آثار الشيطان
[٦٥٠]- عَن عبد الله، قَالَ: ذُكِرَ عِندَ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلٌ نَامَ لَيلَةً حَتَّى أَصبَحَ، قَالَ: ذَلكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيطَانُ فِي أُذُنَيهِ. أَو قَالَ: فِي أُذُنِهِ.
رواه أحمد (١/ ٣٧٥)، والبخاري (٣٢٧٠)، ومسلم (٧٧٤)، والنسائي (٣/ ٢٠٤)، وابن ماجه (١٣٣٠).
ــ
كذا وكذا؛ لزمه أحد وعشرون، وإن قال: كذا درهمًا؛ لزمه عشرون؛ بناء على أقل ما تقتضيه هذه الكنايات. وعلى هذا الأصل فيكون قوله ﷺ : كذا وكذا؛ أنه أقل ما يحمل عليه إحدى وعشرون آية. ولا يجوز في آية في الحديث إلا النصب على ما حكيناه. وقد تقدم القول في نسيان النبي ﷺ ، وأنه إن نسي شيئًا من الوحي لا يقرّ على نسيانه، إلا أن يكون ذلك نسخًا، كما قال تعالى: ﴿سَنُقرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ والله أعلم به.
(١٠٩) ومن باب: استغراق الليل بالنوم من آثار الشيطان
قوله: ذاك رجل بال الشيطان في أذنه: يصح بقاؤه على ظاهره؛ إذ لا إحالة فيه، ويفعل ذلك استهانة به، ويحتمل أن يحمل على التوسُّع، فيكون معناه: أن الذي ينام الليل كله ولا يستيقظ عند أذان المؤذنين، ولا تذكار المذكرين؛ فكأن الشيطان سدَّ أذنيه ببوله، وخصّ البول بالذكر إبلاغًا في التفحيش به، وليجتمع له مع إذهاب سمعه استقذار ما صرف به سمعه، ويحتمل أن يكون معناه: أن الشيطان استولى عليه واستهان به، حتى قد اتخذه كالكَنيف المُعَدّ لإلقاء البول فيه. والله أعلم.
стр. 1017
[٦٥١]- وعَن عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ، فَقَالَ: أَلا تُصَلُّونَ؟ فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّمَا أَنفُسُنَا بِيَدِ الله، فَإِذَا شَاءَ أَن يَبعَثَنَا بَعَثَنَا. فَانصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ قُلتُ لَهُ ذَلِكَ. ثُمَّ سَمِعتُهُ وَهُوَ مُدبِرٌ يَضرِبُ فَخِذَهُ، وَيَقُولُ: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكثَرَ شَيءٍ جَدَلا﴾.
رواه أحمد (١/ ١٠٢)، والبخاري (١١٢٧)، ومسلم (٧٧٥)، والنسائي (٣/ ٢٠٥ - ٢٠٦).
[٦٥٢]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ يبلغُ بِهِ الَّنِبي ﷺ قَالَ: يَعقِدُ الشَّيطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأسِ أَحَدِكُم ثَلاثَ عُقَدٍ إِذَا نَامَ،
ــ
وقوله: طَرَقَهُ وفاطمة؛ أي: أتاهما ليلا، والطارق هو الآتي بالليل، ومنه سُمّيَ النجم: طارقًا في قوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ وهذا الإتيان منه ﷺ ؛ إنما كان منه ليوقظهما للصلاة؛ بدليل قوله: ألا تصلون؟ ! وقد استنكر منهما نومهما في تلك الليلة؛ إذ خالفا عادتهما، ووقت قيامهما؛ ولذلك اعتذر له علي ﵁ بقوله: إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء بعثها؛ أي: أيقظها. وانصراف النبي ﷺ عند سماعه هذا الكلام منه، وضربه فخذه، وتمثُّله بالآية؛ يدل على أنه ﷺ لم يرض بذلك الجواب منه؛ لأن الحزم والتهمُّم بالشيء يقتضي أن لا ينام عنه؛ لأن من تحقق رجاؤه بشيء، واشتَّدت عنايته به ورغبته فيه، أو خاف من شيء مكروه؛ قلّ ما يصيبه ثقيل النوم، أو طويله. والله أعلم.
وقوله: يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عقد. هذا العقد الذي يعقده الشيطان كأنه من باب عقد السواحر ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ﴾؛ وذلك بأنهن يأخذن خيطًا فيعقدن عليه عقدة منه، ويتكلَّمن عليه بالسحر، فيتأثر المسحور عند ذلك؛ إما بمرض، أو تخييل، أو تحريك قلب، أو تحزين، أو غير ذلك، فشبَّه فعل الشيطان بالنائم بفعل السواحر، وذلك أن النائم
стр. 1018
بِكُلِّ عُقدَةٍ يَضرِبُ عَلَيكَ لَيلا طَوِيلا، فَإِذَا استَيقَظَ فَذَكَرَ الله؛ انحَلَّت عُقدَةٌ، وَإِذَا تَوَضَّأَ انحَلَّت عَنهُ عُقدَتَانِ، فَإِذَا صَلَّى انحَلَّتِ العُقَدُ، فَأَصبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفسِ، وَإِلا أَصبَحَ خَبِيثَ النَّفسِ كَسلانَ.
ــ
كلما أراد أن يقوم ليذكر الله أو يصلي غرّه وخدعه؛ بأن يقول له: عليك ليل طويل فارقد، فيريه أنه لطول ما بقي عليه من الليل ما يمكنه استيفاء راحته من النوم، وقيامه بعد ذلك لحزبه، فيصغي لذلك ويرقد، ثم إن استيقظ ثانية فعل به ذلك، وكذلك ثالثة، فلا يستيقظ من الثالثة إلا وقد طلع الفجر، فيفوته ما كان أراد من القيام. وإنما خص العقد بثلاث؛ لأن أغلب ما يكون انتباه النائم في السحر، فإن اتفق له أن يستيقظ ويرجع للنوم ثلاث مرات؛ لم تتقض النومة الثالثة في الغالب إلا والفجر قد طلع. والله أعلم.
وروايتنا الصحيحة: عليك ليل طويل؛ على الابتداء والخبر، وقد وقع في بعض الروايات: عليك ليلا طويلا؛ على الإغراء، والأول أولى من جهة المعنى؛ لأنه الأمكن في الغرور، من حيث إنه يخبره عن طول الليل، ثم يأمره بالرقاد بقوله: فارقد وإذا نُصِبَ على الإغراء لم يكن فيه إلا الأمر بملازمة طول الرقاد، وحينئذ يكون قوله: فارقد ضائعًا. والله أعلم.
وقافية الرأس: آخره، وكذلك قافية كل شيء، ومنه: قافية الشِّعر.
وقوله: فأصبح نشيطًا طيِّبَ النفس؛ أي: نشيطًا لما يرد عليه من عبادات أُخر؛ من صلوات وغيرها، فإنه يألف العبادات ويعتادها، حتى تصير له شِربًا (١)، فتذهب عنه مشقتها، ولا يستغني عنها.
وطيب النفس؛ لرجاء ثواب ما فعل؛ ولانشراح صدره بما يستقبل. والله أعلم.
وقوله: وإلا أصبح خبيث النفس كسلان؛ أي: بشؤم تفريطه، وبإتمام
стр. 1019
رواه أحمد (٢/ ٢٤٣)، والبخاري (٣٢٦٩)، ومسلم (٧٧٦)،
وأبو داود (١٣٠٦)، والنسائي (٣/ ٢٠٣ - ٢٠٤)، وابن ماجه (١٣٢٩).
* * *
ــ
خديعة الشيطان عليه؛ إذ قد حمله على أن فاته الحظ الأوفر من قيام الليل. وكسلان؛ أي: متثاقل عن الخيرات فلا يكاد تسخو نفسه، ولا تخف عليها صلاة، ولا غيرها من القربات، وربما يحمله ذلك على تضييع الواجبات.
وكسلان: غير منصرف؛ للألف والنون الزائدتين، وهو مذكر كسلى. وقد وقع لبعض رواة الموطأ: كسلانًا مصروفًا، وليس بشيء، وقد أضاف النبي ﷺ في هذا الحديث الخبث للنفس، مع أنه قد قال في حديث آخر: لا يقل أحدكم: خبثت نفسي، ولكن ليقل: لقست نفسي (١)، ولا تعارض بينهما؛ لأن الذي منعه النبي ﷺ ، إنما هو: أن يطلق الإنسان على نفسه لفظ الخبث، وهو مذموم، فيذم نفسه، ويضيف الذم إليها، وهو ممنوع في مثل هذا، وأما لو أضاف الإنسان لفظ الخبث إلى غيره مما يصدق عليه، لم يكن ذلك مذمومًا ولا ممنوعًا. والله أعلم.
ولقست: معناه غثت (٢)، ويقال: مقست بالميم والقاف، ونقست بالنون، وكله بمعنى خبثت، وكأن النبي ﷺ كره إطلاق ذلك اللفظ، فنقل إلى غيره، كما قررناه. وقد غيّر رسول الله ﷺ اسم عاصية بجميلة (٣)، وكره لفظ العقوق (٤)، وهذا النحو كثير عنه ﷺ .
стр. 1020
(١١٠) باب أفضل النوافل ما صُلِّي في البيت
[٦٥٣]- عَنِ ابنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: اجعَلُوا مِن صَلاتِكُم فِي بُيُوتِكُم، وَلا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا.
رواه أحمد (٢/ ١٦)، والبخاري (٤٣٢)، ومسلم (٧٧٧)، وأبو داود (١٤٤٨)، والترمذي (٤٥١)، والنسائي (٣/ ١٩٧).
[٦٥٤]- وعَن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا قَضَى أَحَدُكُمُ الصَّلاةَ فِي مَسجِدِهِ، فَليَجعَل لِبَيتِهِ نَصِيبًا مِن صَلاتِهِ، فَإِنَّ الله جَاعِلٌ فِي بَيتِهِ مِن صَلاتِهِ خَيرًا.
رواه أحمد (٣/ ٣١٦)، ومسلم (٧٧٨).
ــ
(١١٠) ومن باب: فضل النوافل
قوله ﷺ : اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم: مِن هنا للتبعيض، ويعني به النوافل؛ بدليل قوله في الحديث الآخر: إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته (١).
وقوله: ولا تتخذوها قبورا؛ أي: لا تصيِّروها كالقبور التي ليس فيها صلاة.
وقوله: فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرًا. الضمير في بيته عائد على المصلي الذي تضمنه الكلام المتقدم. ومن هاهنا سببِّية؛ بمعنى: من أجل. والخير الذي يجعل في البيت بسبب التنفل فيه هو: عمارته بذكر الله، وبطاعته، وبالملائكة، وبدعائهم، واستغفارهم، وما يحصل لأهله من الثواب والبركة.