← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

يَمنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: الله يَمنَعُنِي مِنكَ، قَالَ: فَتَهَدَّدَهُ أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَغمَدَ السَّيفَ وَعَلَّقَهُ، قَالَ: فَنُودِيَ بِالصَّلاةِ، فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكعَتَينِ ثُمَّ تَأَخَّرُوا، وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الأُخرَى رَكعَتَينِ، قَالَ: فَكَانَت لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَربَعُ رَكَعَاتٍ، وَلِلقَومِ رَكعَتَانِ. رواه أحمد (٣/ ٣٦٤)، والبخاري (٤١٣٦) تعليقًا، ومسلم (٨٤٣) (٣١١). * * * ــ واختلف في تسمية غزوة ذات الرقاع: بذات الرقاع، فقيل: سمّيت بذلك لجبل هناك، يقال له: الرقاع؛ لبياضٍ وحمرةٍ وسوادٍ فيه. وقيل: لأنهم لفُّوا على أرجلهم رقاعًا لَمَّا نقِبت. وقيل: لأنهم رقّعوا راياتهم. * * *

стр. 1087

(٤) كتاب الجمعة (١) باب فضل الغسل للجمعة وتأكيده، ومن اقتصر على الوضوء أجزأه [٧١٢]- عَن ابنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُم أَن يَأتِيَ الجُمُعَةَ فَليَغتَسِل. رواه أحمد (٢/ ٩ و ٣٥ و ٣٣٠)، والبخاري (٨٩٤)، ومسلم (٨٤٤)، والترمذي (٤٩٢)، والنسائي (٣/ ٩٣ و ١٠٥)، وابن ماجه (١٠٨٨). ــ (٤) كتاب الجمعة (١) باب فضل الغسل للجمعة وتأكيده (١) قوله ﷺ : إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل، وقوله ﷺ : غُسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم: ظاهر في وجوب غسل الجمعة، وبه قال أهل

стр. 1088

[٧١٣]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: بَينَا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ يَخطُبُ النَّاسَ ــ الظاهر، وحكي عن بعض الصحابة، وعن الحسن، وحكاه الخطابي عن مالك، ومعروف مذهبه وصحيحه: أنه سنة، وهو مذهب عامة أئمة الفتوى، وحملوا تلك الأحاديث على أنه واجب وجوب السنن المؤكدة، ودلّهم على ذلك أمور: أحدها: قوله ﷺ في حديث أبي هريرة: من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت؛ غفر له، فذكر فيه الوضوء، واقتصر عليه دون الغسل، ورتَّب الصِّحة والثواب عليه. فدلَّ على أن الوضوء كافٍ من غير غُسل، وأن الغسل ليس بواجب. وثانيها: قوله ﷺ لهم حين وَجد منهم الريح الكريهة: لو اغتسلتم ليومكم هذا؟ ! . وهذا عرضٌ وتحضيضٌ، وإرشادٌ للنظافة المستحسنة، ولا يقال مثل ذلك اللفظ في الواجب. وثالثها: تقرير عمر والصحابة لعثمان ﵃ على صلاة الجمعة بالوضوء من غير غسل، ولم يأمروه بالخروج، ولم ينكروا عليه، فصار ذلك كالإجماع منهم على أن الغسل ليس بشرط في صحة الجمعة، ولا واجب. ورابعها: ما يقطع مادة النزاع، ويحسم كل إشكال: حديث الحسن، عن سَمُرة قال: قال رسول الله ﷺ : من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل (١)، وهذا نصٌ في موضع الخلاف؛ غير أن سماع الحسن من سمرة مختلف فيه، وقد صح عنه أنه سمع منه حديث العقيقة، فيحمل حديثه عنه على السماع إلى أن يدلّ دليلٌ على غير ذلك. والله تعالى أعلم. وخامسها: أنه ﵊ قد قال: غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وسواك، ويمسُّ من الطيب ما قدر عليه. وظاهر هذا وجوب

стр. 1089

يَومَ الجُمُعَةِ، إِذ دَخَلَ عُثمَانُ بنُ عَفَّانَ، فَعَرَّضَ بِهِ عُمَرُ، فَقَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَأَخَّرُونَ بَعدَ النِّدَاءِ، فَقَالَ عُثمَانُ! يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ! مَا زِدتُ حِينَ ــ السواك والطيب، وليس كذلك بالاتفاق، يدلّ على أن قوله: واجب. ليس على ظاهره، بل المراد به ندب المؤكَّد؛ إذ لا يصح تشريك ما ليس بواجب مع الواجب في لفظ الواو (١) والله تعالى أعلم. وفي قوله ﷺ : إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل؛ دليل لمالك على أن الغسل إنما يجب عند الرواح متصلا به، كما هو مذهب مالك والأوزاعي، وأحد قولي الليث وغيرهم، وفيه نظر. وقوله ﷺ : على كل محتلم، يعني به: البالغ، وخصّ المحتلم بالذكر؛ لأن الاحتلام أكثر ما يبلغ به الرجال، وهو الأصل. وهذا كما قال في حق النساء: لا تقبل صلاة حائضٍ إلا بخمار (٢)، يعني بالحائض: البالغ من النساء، وخصّها به؛ لأن الحيض أغلب ما يبلغ به النساء من علامات البلوغ. وفيه دليل: على أن الجمعة لا تجب على صبي ولا امرأة؛ لأنه بيّن محل وجوبها. وقول عمر: ما بال رجال يتأخرون بعد النداء: إنكار منه على عثمان تأخره عن وقت وجوب السعي، ثم عذر عثمان حين اعتذر بقوله: ما زدت على أن توضأت؛ يعني: أنه ذَهَل عن الوقت، ثم تذكره، فإذا به قد ضاق عن الغسل، وكان ذهوله ذلك لعذر مُسوِّغ.

стр. 1090

سَمِعتُ النِّدَاءَ أَن تَوَضَّأتُ ثُمَّ أَقبَلتُ. فَقَالَ عُمَرُ: وَالوُضُوءَ أَيضًا! أَلَم تَسمَعُوا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُم إِلَى الجُمُعَةِ فَليَغتَسِل. رواه مسلم (٨٤٥) (٤). [٧١٤]- وَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: غُسلُ يَومَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحتَلِمٍ، وَسِوَاكٌ، وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ مَا قَدَرَ عَلَيهِ. وَفِي أُخرَى: وَلَو مِن طِيبِ المَرأَةِ. رواه أحمد (٣/ ٦٠)، والبخاري (٢٦٦٥)، ومسلم (٨٤٦) (٧)، وأبو داود (٣٤١)، والنسائي (٢/ ٩٢)، وابن ماجه (١٠٨٩). ــ وقول عمر ﵁: والوضوء أيضًا؟ ! : إنكار آخر على ترك السنة المؤكدة التي هي الغسل على جهة التغليظ، حتى لا يتهاون بالسنن، لا أنه كان يعتقد الغسل واجبًا، ويجوز في الوضوء النصب والرفع، فالرفع على أنه مبتدأ، وخبره محذوف، تقديره: الوضوءُ تقتصر عليه، والنصب على أنه مفعول بإضمار فعل تقديره: أتخصّ الوضوءَ دون الغسل؟ ! أو ما في معنى ذلك، والواو عِوَضٌ من همزة الاستفهام؛ كما قال تعالى: (قال فرعون وآمنتم به) (١) في قراءة ابن كثير. وقوله: ولو من طيب المرأة: يعني بذلك: الطيب المباح للنساء، المكروه للرجال، وهو ما ظهر لونه، فأباحه هنا لعدم غيره، ويدلّ هذا على تأكد التطيب للجمعة.

стр. 1091

[٧١٥]- وعَن عَائِشَةَ، قَالَت: كَانَ النَّاسُ يَنتَابُونَ الجُمُعَةَ، مِن مَنَازِلِهِم وَمِنَ العَوَالِي، فَيَأتُونَ فِي العَبَاءِ، وَيُصِيبُهُمُ الغُبَارُ، فتخرُجُ مِنهُمُ الرِّيحُ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ إِنسَانٌ مِنهُم وَهُوَ عِندِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَو أَنَّكُم تَطَهَّرتُم لِيَومِكُم هَذَا. رواه البخاري (٩٠٢)، ومسلم (٨٤٧)، وأبو داود (٣٥٢)، والنسائي (٣/ ٩٣ - ٩٤). ــ وقول عائشة ﵂: كان الناس ينتابون؛ أي: يجيئون. والانتياب: المجيء نوّبًا، والاسم: النوب، وأصله: ما كان من قرب؛ كالفرسخ والفرسخين. والكُفاةُ: جمع كافٍ؛ أي: عبيد وخدم يكفونهم العمل. والعباء: جمع عباءة، وهو كساء غليظ، وقد تقدم: أن أقرب العوالي من المدينة على ثلاثة أميال أو نحوها، وهذا ردّ على الكوفيّ الذي لا يوجبها على من كان خارج المصر، وخالفه في ذلك الجمهور؛ مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق؛ فقالوا: تجب الجمعة على من كان خارج المصر ممن يسمع النداء، غير أن مالكًا حدّه بثلاثة أميال، أخذًا بحديث عائشة هذا، وأيضًا فإن هذا المقدار يُسمع منه النداء من المؤذن الصيّت في الوقت الهادئ غالبًا. واختلف أصحابه: هل تعتبر الثلاثة الأميال من طرف المدينة، أو من المنار؟ ولا خلاف أنها تجب على أهل المصر، وإن عَظُم وزاد على ستة أميال، إلا شيئًا روي عن ربيعة: أن الجمعة إنما تجب على من إذا سمع النداء وخرج ماشيًا أدرك الصلاة، وروي عن جماعة أنها تجب على من آواه الليل إلى أهله (١)، فيجيء (٢) على هذا: أنها تجب على من يكون على نصف يومٍ، وهو مذهب

стр. 1092

[٧١٦]- وَعَنهَا، قَالَت: كَانَ النَّاسُ أَهلَ عَمَلٍ، وَلَم تكُن لَهُم كُفَاةٌ، فَكَانُوا يَكُونُ لَهُم تَفَلٌ، فَقِيلَ لَهُم: لَوِ اغتَسَلتُم يَومَ الجُمُعَةِ. رواه البخاري (٩٠٣)، ومسلم (٨٤٧). [٧١٧]- وعَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: حَقٌّ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ أَن يَغتَسِلَ فِي كُلِّ سَبعَةِ أَيَّامٍ، يَغسِلُ رَأسَهُ وَجَسَدَهُ. رواه مسلم (٨٤٩). ــ الحكم والأوزاعي وعطاء وأبي ثور، وذهب الزهري إلى أنها تجب على من هو من المصر على ستة أميال. وروي عنه وعن ابن المنكدر، وربيعة: أربعة أميال. وقوله: فيكون لهم تَفَل: بالتاء باثنتين من فوق، وفتح الفاء؛ وهي الرائحة الكريهة. وفي رواية الأم: فيصيبهم الغبار والعرق، وهو دليل: على أنهم كانوا يُهجِّرون. وقوله: حقُّ الله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام: لم يُعيّن في الصحيح يوم هذا الغسل، وقد عينّه البزار في زيادة زادها في هذا الحديث. قال: وهو يوم الجمعة (١). وتمسك به من قال من أهل الظاهر: بأن الغسل ليوم الجمعة لا للجمعة، ولا حجة فيه؛ لأن الصحيح ليس فيه: يوم الجمعة. والمفسر ظاهره أنه قول الراوي، والله تعالى أعلم. والصحيح أن الغسل للجمعة لإضافته إليها، ولأن معقوله المبالغة في النظافة؛ كما فهم من حديث عائشة المتقدِّم.

стр. 1093

[٧١٨]- وَعَنهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: مَنِ اغتَسَلَ يَومَ الجُمُعَةِ غُسلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَن رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَن رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبشًا أَقرَنَ، وَمَن رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَن رَاحَ فِي السَّاعَةِ الخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ المَلائِكَةُ يَستَمِعُونَ الذِّكرَ. ــ وقوله ﷺ : من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة: يعني في الصفة. والأغسال الشرعية كلها على صفة واحدة وإن اختلفت أسبابها. وهكذا رواية الجمهور، ووقع عند ابن ماهان: غسل الجمعة مكان غسل الجنابة. وفي كتاب أبي داود من حديث أوس بن أوس مرفوعًا - مشدد السين -: من غسَّل واغتسل (١)، وذكر نحو حديث مسلم. وقد روي مخفف السين، وروايتنا التشديد. واختُلف في معناه، فقيل: معناه: جامَعَ؛ يقال: غسَل وغَسَّل؛ أي: جامَعَ. قالوا: ليكون أغضَّ لبصره في سعيه إلى الجمعة. وقيل في التشديد: أوجب الغسل على غيره، أو حمله عليه. وقيل: غسّل للجنابة، واغتسل للجمعة، وقيل: غسّل رأسه، واغتسل في بقية جسده. وقيل: غسَّل: بالغ في النظافة والدَّلكِ، واغتسل: صبّ الماء عليه. وأنسبُ ما في هذه الأقوال: قول من قال: حمل غيره على الغسل بالحث والترغيب والتذكير، والله تعالى أعلم. وقوله: ثم راح. والرواح في أصل اللغة: الرجوع بِعَشِيّ، ومنه قول امرئ القيس: ورحنا كأنَّا من جُواثَى عَشِيَّةً ... نُعالي النِّعاجَ بَينَ عِدلٍ وَمِحقَبِ

стр. 1094

رواه أحمد (٢/ ٤٦٠)، والبخاري (٨٨١)، ومسلم (٨٥٠)، وأبو داود (٣٥١)، والترمذي (٤٩٩)، والنسائي (٣/ ٩٧ - ٩٩)، وابن ماجه (١٠٩٢). ــ وأول العشي: زوال الشمس، وهو أوّل وقت أمرنا الله فيه بالسعي إلى الجمعة؛ لأنه تعالى قد قال: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَومِ الجُمُعَةِ فَاسعَوا﴾ وهذا النداء هو الذي يحصل به الإعلام بدخول الوقت، وبعده يخرج الإمام فيجلس على المنبر، ويؤذن الأذان الثاني، وفائدته: الإعلام بحضور الخطبة، وعند هذا الأذان تطوي الملائكة صحف المبكِّرين، ويستمعون الذكر، كما جاء في حديث أبي هريرة، ولذلك قال العراقيون من أصحابنا: للجمعة أذانان: عند الزوال، وعند جلوس الإمام على المنبر. وهذه الساعات المذكورة في هذا الحديث هي مراتب أوقات الرائحين إلى الجمعة، من أول وقت الزوال إلى أن يجلس الإمام على المنبر ويؤذن الأذان الثاني، وليست عبارة عن الساعات التعديلية التي النهار منها: اثنتي عشرة ساعة، وهذا الذي ذكرناه هو مذهب مالك، وخالفه في ذلك الشافعي. وأكثر العلماء وابن حبيب من أصحابنا قالوا: هذه الساعات المذكورات في هذا الحديث هي المعروفة عند المعدِّلين، وعلى هذا الخلاف انبنى الخلاف في الأفضل: هل البكور إليها من أوّل ساعات النهار إلى الزوال؟ أو الأفضل البكور في أول الزوال إلى أن يجلس الإمام على المنبر؟ واحتجَّ لمالك بثلاثة أوجه: أحدها: التمسك بلفظ: الرواح، كما تقدم. ولئن سُلِّم أنه يُقال على المشي مطلقًا؛ فعلى خلاف الأصل، وهو مجاز. ولا يُعارضُ هذا بما في حديث الآخر من قوله: المهجِّر إلى الجمعة (١)، فيقال: إنه من الهاجرة، وذلك قبل

стр. 1095

[٧١٩]- وَعَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَن تَوَضَّأَ فَأَحسَنَ ــ الزوال؛ لأنا لا نُسلِّم أنها تختصّ بما قبل الزوال، بل بشدَّة الحرّ. فهو صالح لما قبل الزوال وبعده. فبين لفظ الرواح أن المراد به ما بعد الزوال. ولا يُقال: إنّ حقيقة الساعة العرفية إنما هي المتعارفة عند المعدِّلين؛ لأنا نمنع ذلك، ونقول: بل الساعة في عرف اللغة: القطعة من الزمان غير محدود بمقدار؛ كما قال تعالى: مَا لَبِثُوا غَيرَ سَاعَةٍ، وتقول العرب: جئتك ساعة كذا. فتتعيَّن بحسب ما تضاف إليه، وليست محدودة. والأصل: التمسك بالأصل. وثانيها: قوله ﷺ : على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول، فالأول كالجزور، ثم نزلهم حتى صغر مثل البيضة. وهذا السياق تفسير الحديث الأول، فإنَّ الفاء للترتيب وعدم المهلة، فاقتضى هذا سبقيَّة الأول، وتعقيب الثاني، فالأوّل هو الذي راح في الساعة الأولى، وهو الذي شُبِّه بِمُهدي البدنة، والثاني في الساعة الثانية، وهو المهدي بقرة، وبعده المهدي شاة، وبعده دجاجة، وبعده بيضة. فهذه الخمس المراتب هي من أوّل الساعة السابعة إلى أن يجلس الإمام على المنبر؛ فهي ساعات الدخول للجمعة، لا ساعات النهار. والله أعلم. وثالثها: عمل أهل المدينة المتصل [وقد جاء في سنن النسائي ما ينص على هذا المعنى] (١) بترك البكور للجمعة في أول النهار، وسعيهم إليها قُرب (٢) خطبتها وصلاتها، وهو نَقلٌ معلوم عندهم غير منكرٍ، وما كان أهل عصر النبي ﷺ والتابعين من بعدهم ممن يترك الأفضل إلى غيره، ويتمالؤون على العمل بأقل الدرجات.

стр. 1096

الوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الجُمُعَةَ فَاستَمَعَ وَأَنصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَينَهُ وَبَينَ الجُمُعَةِ، وَزِيَادَةَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَن مَسَّ الحَصَى فَقَد لَغَا. ــ ورابعها: إنّا لو تنزَّلنا على أن الساعات في الحديث هي التعديلية؛ للزم عليه انقضاء فضائل المبكِّرين للجمعة بانقضاء الخامسة ولا يبقى لأهل السادسة فضل، فيلزم طيّ الصحف إذ ذاك، وهو خلاف الحديث. وبيان ذلك: أن البدنة لأهل الساعة الأولى إلى أن تنقضي، والبقرة لأهل الساعة الثانية إلى انقضائها، والشاة لأهل الثالثة إلى انقضائها، والدجاجة لأهل الرابعة، والبيضة لأهل الخامسة، وقد فرغت ساعات البكور، ولم يبق لأهل السادسة ثواب في سعيهم، وهذا مناقض للحديث الذي ذكرناه ولمعناه؛ فإنه أخبر فيه: أن أجورهم لا تزال تكتب إلى أن يخرج الإمام، وهو إنما يخرج في السابعة، وحينئذ تَطوي الملائكة الصحف، وتستمع الذكر، فلا تكتب للداخل إذ ذاك ثواب البكور؛ إذ قد فرغت مراتب ثواب المبكرين. والله تعالى أعلم. وقوله: غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام: زيادة الثلاثة لتكمل عشرة أيام بالتضعيف؛ حتى تكون الحسنة بعشر أمثالها؛ كما قال تعالى: ﴿مَن جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشرُ أَمثَالِهَا﴾ وقوله: ومن مسَّ الحصى فقد لغا؛ أي: قد أتى لغوًا من الفعل أو القول. قال الهروي: تكلم بما لا يجوز له، وقيل: لغا عن الصواب؛ أي: مال عنه. وقال النضر بن شُمَيل: خاب، أَلغَيته: خَيَّبته. قال ابن عرفة: اللغو: الشيء المسقط؛ أي: المُلغى. يقال: لغا يلغو، ولَغِيَ يَلغَى. وفي هذا الحديث ما يدلّ على وجوب الإقبال على استماع الخطبة، والتجرُّد لذلك، والإعراض عن كل ما يُشغل عنها؛ ولذلك قال ﷺ في الحديث

стр. 1097

رواه أحمد (٢/ ٣٨٠)، ومسلم (٨٥٧)، (٢٧)، وأبو داود (١٠٥٠)، والترمذي (٤٩٨)، وابن ماجه (١٠٩٠). * * * الآخر: من قال لصاحبه أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب؛ فقد لغا (١)، وهو حُجَّة على وجوب الإنصات للخطبة على من كان مستمعًا، وهو مذهب الجمهور. وذُكر عن الشعبي والنخعي وبعض السلف أنه ليس بواجب إلا عند تلاوة القرآن، وهذه الأحاديث حجَّة عليهم. واختلف الجمهور فيمن لا يسمع الخطبة: هل يلزمه الإنصات أَو لا؟ فأكثرهم: على أن ذلك لازم. وقال أحمد والشافعي في أحد قوليه: إنما يلزم من يسمع، ونحوه عن النخعي. فلو لغا الإمام، هل يلزم الإنصات أم لا؟ قولان لأهل العلم، ولمالك. وقوله: والإمام يخطب؛ حجة لعامة العلماء: على أنه إنما يجب الإنصات عند شروع الإمام في الخطبة. وذهب أبو حنيفة: إلى أنَّ الإنصات يجب بخروج الإمام. والبدنة: ما يُهدَى إلى الكعبة من الإبل؛ لأنها تَبدُن؛ أي: تَسمَن. والبدانة: السّمنُ، وعظم البدن. وتفريقه بين البدنة والبقرة يدل على أن البقر لا يقال عليها بُدنٌ، وهو مذهب عطاء. ومالك يرى أن البقر من البُدن. وفائدة هذا الخلاف فيمن نذر بدنة، أو وجبت عليه فلم يجد البدنة، أو لم يقدر عليها وقدر على البقرة، فهل تجزئه أم لا؟ فعلى مذهب عطاء: لا، وعلى مذهب مالك: نعم. وظاهر هذا الحديث يدلّ على أن الأفضل في الهدايا الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، وهذا الترتيب لا خلاف فيه في الهدايا، وإنما اختلفوا في ترتيب الأفضل في الضحايا، فذهب الجمهور إلى أن الضحايا مثل الهدايا. وذهب مالك إلى أن

стр. 1098

(٢) باب فضل يوم الجمعة، والساعة التي فيه [٧٢٠]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيرُ يَومٍ طَلَعَت عَلَيهِ الشَّمسُ يَومُ الجُمُعَةِ؛ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدخِلَ الجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخرِجَ مِنهَا، وَلا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلا فِي يَومِ الجُمُعَةِ. ــ الغنم أفضل، ثم البقر، ثم الإبل؛ نظرًا إلى طيب لحومها، وإلى أن النبي ﷺ ضحى بالغنم دائمًا. وإطلاق اسم الهدي على الدجاجة والبيضة مجاز، قصد به تمثيل مقدار أجور المبكِّرين للجمعة؛ لأن الهدي إنما هو من النعم؛ كما قال تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحكُمُ بِهِ ذَوَا عَدلٍ مِنكُم هَديًا بَالِغَ الكَعبَةِ﴾ وإنما أطلق اسم الهدي على هذين؛ لمقابلته ما يُهدَى من الإبل والبقر والغنم. وقد جاء في الرواية الأخرى: قرَّب مكان أهدى، وهو لفظ ينطلق على الهدي وغيره. (٢) ومن باب: فضل يوم الجمعة قوله: خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة: خيرٌ وشرٌ: يستعملان للمفاضلة ولغيرها، فإذا كانتا للمفاضلة؛ فأصلها: أخير وأشر؛ على وزن أفعل، وقد نطق بأصلها، فجاء عنه ﷺ أنه قال: توافون يوم القيامة سبعين أمة أنتم أخيرهم (١). ثم أفعل إن قرنت بـ من كانت نكرة، ويستوي فيها المذكر والمؤنث، والواحد، والاثنان، والجمع، وإن لم تقرن بها لزم تعريفها بالإضافة، أو بالألف واللام، فإذا عرف بالألف واللام أُنِّث وثُنّي وجمع، وإن أضيف ساغ فيه الأمران، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلنَا فِي كُلِّ قَريَةٍ أَكَابِرَ مُجرِمِيهَا﴾ وقال: وَلَتَجِدَنَّهُم أَحرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ. وأما

стр. 1099

رواه أحمد (٢/ ٤٠١ و ٤٨٦)، ومسلم (٨٥٤) (١٨)، وأبو داود (١٠٤٦)، والترمذي (٤٨٨ و ٤٩١)، والنسائي (٣/ ٨٩ - ٩٠). ــ إذا لم يكونا للمفاضلة؛ فهما من جملة الأسماء، كما قال تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيرًا﴾ وقال: وَيَجعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيرًا كَثِيرًا، وهي في هذا الحديث للمفاضلة، غير أنها مضافة لنكرة موصوفة، ومعناها في هذا الحديث: أن يوم الجمعة أفضل من كل يوم طلعت شمسه. ثم كون الجمعة أفضل الأيام لا يرجع ذلك إلى عين اليوم؛ لأن الأيام متساوية في أنفسها، وإنما يَفضُل بعضها بعضًا بما به من أمر زائد على نفسه. ويوم الجمعة قد خصّ من جنس العبادات بهذه الصلاة المعهودة التي يجتمع لها الناس، وتتفق هممهم ودواعيهم ودعواتهم فيها، ويكون حالهم فيها كحالهم في يوم عرفة، فيستجاب لبعضهم في بعض، ويغفر لبعضهم ببعض، ولذلك قال ﷺ : الجمعة حج المساكين (١)؛ أي: يحصل لهم فيها ما يحصل لأهل عرفة. والله أعلم. ثم إن الملائكة يشهدونهم، ويكتبون ثوابهم، ولذلك سُمّي هذا اليوم: المشهود، ثم تخطر فيه لقلوب العارفين من الألطاف والزيادات بحسب ما يدركونه من ذلك، ولذلك سُمّي: بيوم المزيد، ثم إن الله تعالى قد خصّه بالساعة التي فيه على ما يأتي ذكرها، ثم إن الله تعالى قد خصّه بأن أوقع فيه هذه الأمور العظيمة التي هي: خلق آدم الذي هو أصل البشر، ومن ولده الأنبياء والأولياء والصالحون، ومنها: إخراجه من الجنة الذي حصل عنده إظهار معرفة الله وعبادته في هذا النوع الآدمي. ومنها: توبة الله عليه التي بها ظهر لطفه تعالى ورحمته لهذا النوع الآدمي مع اجترامه (٢) ومخالفته. ومنها: موته الذي بعده وُفِّي أجره، ووصل

стр. 1100

[٧٢١]- وَعَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : نَحنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يَومَ القِيَامَةِ، وَنَحنُ أَوَّلُ مَن يَدخُلُ الجَنَّةَ، بَيدَ أَنَّهُم أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِن بَعدِهِم فَاختَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا الله لِمَا اختَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ، فَهَذَا ــ إلى مأمنه، ورجع إلى المستقرّ الذي خرح منه. ومن فهم (١) هذه المعاني، فَهِمَ فضيلة هذا اليوم وخصوصيته بذلك، فحافظ عليه وبادر إليه. وقوله ﷺ : نحن الآخرون الأولون، قد فسرته الرواية الأخرى التي قال فيها: نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضي لهم قبل الخلائق، وأول من يدخل الجنة. وهذا كلّه شرف لهذه الأمة بشرف نبيها، ولأنهم خير أمة أخرجت للناس. وقوله: بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا: هكذا روينا هذا الحرف بيد بفتح الباء، وسكون الياء، وفتح الدال. قال أبو عبيد: تكون بيد بمعنى غير، وبمعنى على، وبمعنى: من أجل، وأنشد: عَمدًا فَعَلتُ ذاكَ بَيدَ أنِّي ... أخافُ (٢) إن هَلَكتُ لم تُرِنِّي (٣) قال الليث: ويقال: مَيدَ وبَيدَ؛ بالباء والميم؛ بمعنى غير. قلت: ونصبه إذا كان بمعنى غير على الاستثناء، ويمكن أن يقال: إنه بمعنى مع، ويكون نصبه على الظرف الزماني. وأُوتوا الكتاب: أُعطوه. والكتاب: التوراة، ويحتمل أن يريد به التوراة والإنجيل؛ بدليل: أنه قد ذكر بعد هذا اليهود والنصارى. وقوله: فاختلفوا: يعني: في يوم الجمعة. وقد اختلف العلماء في كيفية

стр. 1101

يَومُهُمِ الَّذِي اختَلَفُوا فِيهِ، هَدَانَا الله لَهُ - قَالَ: يَومُ الجُمُعَةِ - فَاليَومَ لَنَا، وَغَدًا لِليَهُودِ، وَبَعدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى. ــ ما وقع لهم من فريضة يوم الجمعة، فقالت طائفة: إن موسى أمرهم بيوم الجمعة، وعيَّنه لهم، وأخبرهم بفضيلته على غيره، فناظروه: أن السبت أفضل. فقال الله له: دعهم وما اختاروا لأنفسهم. ونقلوا هذا القول. ويؤيد هذا قول نبينا ﷺ في بعض طرق هذا الحديث: وهذا يومهم الذي فُرض عليهم، ثم اختلفوا فيه (١). وقيل: إن الله لم يعيِّنه لهم، وإنما أمرهم بتعظيم يوم في الجمعة، ووكل تعيينه إلى اختيارهم، فاختلف اجتهادهم في تعيينه، فعيَّنت اليهود السبت؛ لأن الله فرغ فيه من الخلق. وعيَّنت النصارى يوم الأحد؛ لأن الله تعالى بدأ فيه الخلق، فألزم كل واحد منهم ما أدّاه إليه اجتهاده، وعيَّنه الله لهذه الأمة من غير أن يَكِلَهم إلى اجتهادهم؛ فضلا منه ونعمة. ويدلّ على صحة هذا: قوله ﷺ : فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه؛ أي: في تعيينه: هدانا الله له؛ أي: بتعيينه لنا، لا باجتهادنا. وممَّا يؤيده: أنه لو عُيّن لهم فعاندوا فيه لما قيل: اختلفوا فيه، وإنما كان ينبغي أن يقال: فخالفوا فيه وعاندوا. وممّا يؤيده أيضًا قوله في الأم في بعض طرقه: أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا (٢). وقوله: فاليوم لنا، وغَدا لليهود، وبعد غد للنصارى؛ أي: بعد إلزام المشروعية بالتعيين لنا، وبالاختيار لهم. وحقّ غد وبعد أن يكونا مرفوعين على المبتدأ، وخبراهما في المجرورين بعدهما، وقد قيَّدهما كذلك بعض من نعتمده. و (٣) قيدناهما أيضًا بالنصب بناء على أنهما ظرفان غير متمكنين، والأول أولى؛ لأنهما قد أخبر عنهما هنا، فقد خرجا عن الظرفية. وقد جاء في رواية:

стр. 1102

وَفِي رِوَايَةٍ: وَهَذَا يَومُهُمِ الَّذِي فرضَ الله عَلَيهِم، فَاختَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا الله لَهُ، فَهُم لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، فَاليَهُودُ غَدًا وَالنَّصَارَى بَعدَ غَدٍ. رواه أحمد (٢/ ٢٧٤)، والبخاري (٨٧٦)، ومسلم (٨٥٥) (١٩)، والنسائي (٣/ ٨٥ و ٨٧). [٧٢٢]- وَمِن حَدِيثِ حُذَيفَةَ نَحوهُ، قَالَ: نَحنُ الآخِرُونَ مِن أَهلِ الدُّنيَا، وَالأَوَّلُونَ يَومَ القِيَامَةِ، المَقضِيُّ لَهُم قَبلَ الخَلائِقِ. وَفِي رِوَايَةٍ: المَقضِيُّ بَينَهُم. رواه مسلم (٨٥٦) (٢٢)، والنسائي (٣/ ٨٧). [٧٢٣]- وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو القَاسِمِ ﷺ : إِنَّ فِي الجُمُعَةِ لَسَاعَةً، لا يُوَافِقُهَا عَبدٌ مُسلِمٌ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسأَلُ الله خَيرًا إِلا أَعطَاهُ إِيَّاهُ. وَقَالَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا، يُزَهِّدُهَا. ــ فاليهود غدًا والنصارى بعد غدٍ منصوبين على الظرف، إلا أنهما متعلقان بمحذوف تقديره: فاليهود يعظمون غدًا، والنصارى بعد غد، وضمّ إلى ذلك: أن ظروف الزمان لا تكون أخبارًا عن الجثث (١). وقوله: إن في الجمعة ساعة: اختلف في تعيينها، فذهبت طائفة من السلف: إلى أنها من بعد العصر إلى الغروب، وقالوا: إن معنى قوله ﷺ : وهو قائم يصلي، أنه بمعنى: ملازم ومواظب على الدعاء. وذهب آخرون: إلى أنها فيما بين خروج الإمام إلى أن تُقضى الصلاة؛ كما في حديث أبي موسى. وذهب

стр. 1103

وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ. رواه أحمد (٢/ ٤٠١)، والبخاري (٩٣٥)، ومسلم (٨٥٢) (١٣ و ١٤ و ١٥)، والنسائي (٣/ ١١٥ - ١١٦)، وابن ماجه (١١٣٧). [٧٢٤]- وعَن أَبِي بُردَةَ بنِ أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ قَالَ: قَالَ لِي عَبدُ اللهِ بنُ عُمَر: أَسَمِعتَ أَبَاكَ يُحَدِّث عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي شَأنِ سَاعَةِ الجُمُعَةِ؟ قَالَ: قُلتُ: نَعَم، سَمِعتُهُ يَقُولُ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: هِيَ مَا بَينَ أَن يَجلِسَ الإِمَامُ إِلَى أَن تُقضَى الصَّلاةُ. رواه مسلم (٨٥٣)، وأبو داود (١٠٤٩). * * * ــ آخرون (١): إلى أنها وقت الصلاة نفسها. وقيل: من وقت الزوال إلى نحو الذراع، وقيل: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وقيل: هي مخفيّة في اليوم كله؛ كليلة القدر. قلت: وحديث أبي موسى نصٌ في موضع الخلاف، فلا يلتفت إلى غيره. والله أعلم. وقوله: وهي ساعة خفيفة؛ أي: قصيرة غير طويلة؛ كما قال في الرواية الأخرى: يُزهِّدها؛ أي: يقللها. وهذا يدل على أنها ليست من بعد العصر إلى غروب الشمس؛ لطول هذا الوقت. * * *

стр. 1104

(٣) باب فضل التهجير للجمعة ووقتها [٧٢٥]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا كَانَ يَومُ الجُمُعَةِ كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِن أَبوَابِ المَسجِدِ مَلائِكَةٌ يَكتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّل، فَإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ طَوَوُا الصُّحُفَ وَجَاؤوا يَستَمِعُونَ الذِّكرَ، وَمَثَلُ المُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهدِي بَدَنَةَ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهدِي الكَبشَ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهدِي الدَّجَاجَةَ، ثُمَّ كَالَّذِي يُهدِي البَيضَةَ. رواه أحمد (٢/ ٢٣٩ و ٢٦٤)، والبخاري (٩٢٩)، ومسلم (٨٥٠) (٢٤). [٧٢٦]- وَعَن سَلَمَةَ بنِ الأَكوَعِ قَالَ: كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذَا زَالَتِ الشَّمسُ، ثُمَّ نَرجِعُ نَتَتَبَّعُ الفَيءَ. رواه مسلم (٨٦٠)، وأبو داود (١٠٨٥). ــ (٣) ومن باب: فضل التهجير للجمعة قد تقدم الكلام على التهجير، وعلى كثير مما تضمنه حديث أبي هريرة. وقوله: كنا نُجمِّع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس، دليل للجمهور على أحمد بن حنبل وإسحاق إذ قالا: إنه يجوز أن تصلى الجمعة قبل الزوال، وهذا الحديث مُبيِّن للأحاديث التي بعده، ولا متمسك لأحمد وإسحاق في شيء منها مع هذا النص، فإنها كلها محتملة، وهو القاضي عليها، المبيِّنُ لها.

стр. 1105

[٧٢٧]- وعَنهُ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الجُمُعَةَ، ثم نَرجِعُ وَمَا نَجِدُ لِلحِيطَانِ فَيئًا نَستَظِلُّ بِهِ. رواه أحمد (٤/ ٤٦ و ٥٤)، والبخاري (٤١٦٨)، ومسلم (٨٦٠) (٣٢)، والنسائي (٣/ ١٠٠)، وابن ماجه (١١٠٠). [٧٢٨]- وعَن جَعفَر بِن مُحَمَدّ، عَن أَبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَ جَابِرَ بنَ عَبدِ الله: مَتَى كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الجُمُعَةَ؟ قَالَ: كَانَ يُصَلِّي، ثُمَّ نَذهَبُ إِلَى جِمَالِنَا فَنُرِيحُهَا. وَفِي رِوَايَةٍ: نَوَاضِحَنَا. قَالَ حَسَن بِنُ عِيَاشٍ فَقُلتُ لِجَعفَرٍ: فِي أَيِّ سَاعَةٍ تِلكَ؟ قَالَ: زَوَالَ الشَّمسِ. رواه أحمد (٣/ ٣٣١)، ومسلم (٨٥٨) (٢٨ و ٢٩)، والنسائي (٣/ ١٠٠). * * * ــ وقوله: فنرجع وما نجد للحيطان فيئًا نستظل به، يعني أنه كان يفرغ من صلاة الجمعة قبل تمكن الفيء من أن يستظل به؛ كما قال: ثم نرجع نتتبع الفيء، وهذا يدل على إيقاعه ﷺ الجمعة (١) في أول الزوال. والنواضح: الإبل التي يُستَقَى عليها. ونريحها؛ أي: نروِّحها لتستريح. قال القاضي أبو الفضل: لا خلاف بين فقهاء الأمصار أن الجمعة لا تصلى إلا بعد الزوال، إلَاّ أحمد وإسحاق. وروي من هذا عن الصحابة أشياء لم تصح عنهم؛ إلا ما عليه الجمهور. وقد روي عن مجاهد: أنها صلاة عيد.

стр. 1106

(٤) باب الإنصات للخطبة وفضله [٧٢٩]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِذَا قُلتَ لِصَاحِبِكَ: أَنصِت، يَومَ الجُمُعَةِ، وَالإِمَامُ يَخطُبُ، فَقَد لَغَوتَ. وَفِي رِوَايَةٍ: لَغَيتَ، وَهِيَ لُغَةُ أَبِي هُرَيرَةَ. رواه أحمد (٢/ ٢٧٢ و ٣٩٦)، والبخاري (٩٣٤)، ومسلم (٨٥١) (١١ و ١٢)، وأبو داود (١١١٢)، والترمذي (٥١٢)، والنسائي (٣/ ١٠٣ - ١٠٤)، وابن ماجه (١١١٠). [٧٣٠]- وَعَنهُ، قال عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنِ اغتَسَلَ ثُمَّ أَتَى الجُمُعَةَ فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ أَنصَتَ حَتَّى يَفرُغَ مِن خُطبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي الجُمُعَةَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَينَهُ وَبَينَ الجُمُعَةِ الأُخرَى. وَفَضلَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ. زَادَ في رواية: وَمَن مَسَّ الحَصَى فَقَد لَغَا. رواه مسلم (٨٥٧) (٢٦ و ٢٧). * * * ــ قلت: ويلزم على هذا ألا تنوب عن ظهر يوم الجمعة، كظهر يوم العيد. والله أعلم.

стр. 1107

(٥) باب الخطبة، والقيام لها، والجلوس بين الخطبتين، والإشارة باليد [٧٣١]- عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ الله: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخطُبُ قَائِمًا يَومَ ــ (٥) ومن باب: الخطبة والقيام لها (١) قوله: كان رسول الله ﷺ يخطب قائمًا: هكذا سنّة الخطبة ليكون أبلغ في الإسماع؛ كالمؤذن [عند الجمهور] (٢)، إلا أن تدعوه حاجة من ضعف أو غيره. وقد حُكي عن أبي حنيفة: أنه لا يرى القيام لها مشروعًا. حكاه ابن القصار، بل هو عنده مُباح. ثم اختلف (٣) في مشروعيته؛ هل هو شرط في صحة الخطبة والجمعة أم لا؟ فذهب الشافعي إلى أنه شرطٌ إلا مع العذر، ومذهبنا: أنه ليس من شروط الصحة للخطبة ولا للجمعة، ومن تركه أساء ولا شيء عليه. وقد روي: أن أول من خطب جالسًا معاوية لما ثقل. واختُلف في الخطبة: هل هي شرط في صحة الجمعة أم لا؟ فكافة العلماء على أنها شرط، وشذّ الحسنُ، فرأى أن الصلاة تجزئ دونها، وتابعه أهل الظاهر في هذا، وحكاه ابن الماجشون عن مالك. ثم اختلف هؤلاء: هل هي فرض، أو سنة؟ واضطربت الروايات عن أصحابنا في ذلك، ثم

стр. 1108

الجُمُعَةِ، فَجَاءَت عِيرٌ مِنَ الشَّامِ، فَانفَتَلَ النَّاسُ إِلَيهَا، حَتَّى لَم يَبقَ إِلا اثنَا عَشَرَ رَجُلا - وفي رواية: فِيهِم أَبُو بَكر وَعُمَر - فَأُنزِلَت هَذِهِ الآيَةُ: ــ اختلفوا في الخطبة المشروعة: فذهب مالك وجمهور العلماء إلى أنه لا يجزئ في الخطبة إلا ما وقع عليه اسم الخطبة عند العرب. وأبو حنيفة وأبو يوسف ذهبا إلى أنه يُجزئ من ذلك تحميدةٌ، أو تهليلة، أو تسبيحة، وحكاه ابن عبد الحكم عن مالك. والعير: الإبل التي تحمل الأطعمة والتجارة، وهي المسماة في الرواية الأخرى: سويقة، وهي تصغير سوق. وقوله: فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا: فيه ردّ على من يقول: إن الجمعة لا تُقام إلا على أربعين فصاعدًا، وحُكي ذلك عن الشافعي، وقد تمسّك بهذا الحديث طائفة من أهل العلم على أن أقل ما تنعقد به الجمعة اثنا عشر، ولا حجة فيه على ذلك؛ لأنه ﷺ إنما عَقَدَهَا، وشرع فيها بأكثر من هذا (١) العدد، ثم عرض لهم أن تفرقوا، ولم يبق منهم غير ذلك العدد. وقد رُوي في بعض روايات هذا الحديث: أنه بقي معه أربعون رجلا، والأول أصح وأشهر. وعلى الجملة فقد اختلف العلماء في العدد المشروط في وجوب الجمعة، وفي العدد الذي تصح ببقائهم إذا تفرقوا عن الإمام بعد شروعه فيها على أقوال كثيرة، فلنرسم فيه مسألتين: المسألة الأولى: اختلف هل يُشترط في وجوب الجمعة عدد؟ فذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء إلى اشتراطه، وذهب داود إلى أنه لا يُشترط ذلك في وجوبها، وتلزم المنفرد، وهي ظهرُ ذلك اليوم عنده لكل أحد. قال القاضي عياض: وهو خلافُ الإجماع. واختلف المشترطون: هل هو مختصٌ

стр. 1109

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بعدد محصور أم لا؟ فعدم الحصر هو مذهب مالك؛ فإنه لم يشترط في ذلك حدًّا محدودًا، وإنما قال: يكونون بحيث يمكنهم الثَّواء في بلدهم، وتتقرَّى (١) بهم قرية. وفسّره بعض أصحابنا بنصب الأسواق فيها؛ حكاه عياض. والمشترطون للعدد اختلفوا: فمن قائل: مئتان، ومن قائل: خمسون؛ قاله عمر بن عبد العزيز، ومن قائل: أربعون؛ قاله الشافعي، ومن قائل: ثلاثون بيتًا؛ قاله مطرف، وعبد الملك، عن مالك، ومن قائل: اثنا عشر، ومن قائل: أربعة؛ قاله أبو حنيفة، لكن إذا كانوا في مصر. وقال غيره: ثلاثة، وقيل: واحد مع الإمام. وهذه أقوال متكافئة، وليس على شيء منها دليل، فالأصل ما صار إليه مالك من عدم التحديد، والتمسك بفعل النبي ﷺ ، والعمل المتصل في ذلك: فإنهم كانوا يُجمِّعون في الأمصار الكِبار، والقرى الصغار؛ كجواثا وغيرها. وأما المسألة الثانية: فقد اختلفوا فيما إذا كمل ما تنعقد به الجمعة، ثم تفرقوا عن الإمام، فقيل: إنها تجزئ وإن بقي وحده؛ قاله أبو ثور، وحُكي عن الشافعي. وقيل: إذا بقي معه اثنان، وهو قول الثوري، والشافعي، وقيل: إذا بقي معه اثنا عشر رجلا؛ تمسُّكًا بهذا الحديث، وحكاه أبو يعلى العبدي عن أصحاب مالك، وبه قال إسحاق، ثم اختلفوا في الحال التي يتفرقون عنها؛ فقال أبو حنيفة: إن عقد بهم ركعة أو سجدة ثم تفرقوا عنه أجزأه أن يُتمها جمعة، وإن كان قبل ذلك استقبل ظهرًا. وقال مالك والمزني: إن صلّى بهم ركعة بسجدتيها أتمها جمعة، وإلا لم تجزه، وقال زفر: متى تفرقوا قبل الجلوس للتشهد لم تصح جمعة، وإن جلس وتفرقوا عنه قبل السلام صحَّت، وقال ابن القاسم وسحنون: إن تفرقوا عنه قبل سلامه لم تجزئ الجمعة. وللشافعي قول ثالث: إنها لا تجزئه حتى يبقى معه

стр. 1110

﴿وَإِذَا رَأَوا تِجَارَةً أَو لَهوًا انفَضُّوا إِلَيهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ رواه مسلم (٨٦٣) (٣٨)، وأبو داود (١٠٩٣ - ١٠٩٥)، والنسائي (١١٠/ ٣). [٧٣٢]- وعَن كَعبِ بنِ عُجرَةَ، أَنهُ دَخَلَ المَسجِدَ وَعَبدُ الرَّحمَنِ بنُ أُمِّ الحَكَمِ يَخطُبُ قَاعِدًا، فَقَالَ: انظُرُوا إِلَى هَذَا الخَبِيثِ يَخطُبُ قَاعِدًا، وَقَالَ الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوا تِجَارَةً أَو لَهوًا انفَضُّوا إِلَيهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ رواه مسلم (٨٦٤)، والنسائي (٢/ ١٠٢). ــ أربعون رجلا إلى تمام الصلاة. والأصحّ من هذه الأقوال ما يعضده هذا الحديث، وهو قول إسحاق وأصحابنا، والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: وَإِذَا رَأَوا تِجَارَةً أَو لَهوًا: التجارة هنا: العير التي تحمل التجارة، واللهو: الطبل؛ الذي كانوا يضربونه عند قدومهم، وانفضّوا؛ أي: تفرقوا. وقوله: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾؛ أي: تخطب. [فهذا ذمٌّ لمن ترك الخطبة بعد الشروع فيها، ونهي للمسلمين أن يتفرقوا عن إمامهم] (١). [وقد استدل به على اشتراط الخطبة في الجمعة، وفيه بُعد] (٢)، وأحسن مُتَمَسَّك فيه قوله ﷺ : صلوا كما رأيتموني أصلي (٣). وقول كعب بن عجرة: انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدًا: يدل على خلاف قول أبي حنيفة؛ حيث رأى أن الخطيب إن شاء قام، وإن شاء قعد في

стр. 1111

[٧٣٣]- وعَنِ ابنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخطُبُ يَومَ الجُمُعَةِ قَائِمًا، ثُمَّ يَجلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ، قَالَ: كَمَا تَفعَلُونَ اليَومَ. رواه البخاري (٩٢٠)، ومسلم (٨٦١)، وأبو داود (١٠٩٢)، والترمذي (٥٠٦)، والنسائي (٣/ ١٠٩)، وابن ماجه (١١٠٣). [٧٣٤]- وعَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ خُطبَتَانِ، يَجلِسُ بَينَهُمَا يَقرَأُ القُرآنَ، وَيُذَكِّرُ النَّاسَ. رواه أحمد (٥/ ١٠١)، ومسلم (٨٦٢) (٣٤)، وأبو داود (١١٠١)، والترمذي (٥٠٧)، والنسائي (٣/ ١١٠)، وابن ماجه (١١٠٥). [٧٣٥]- وَعَنهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَخطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَجلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخطُبُ قَائِمًا، فَمَن نَبَّأَكَ أَنَّهُ كَانَ يَخطُبُ جَالِسًا فَقَد كَذَبَ، فَقَد وَالله صَلَّيتُ مَعَهُ أَكثَرَ مِن أَلفَي صَلاةٍ. رواه مسلم (٨٦٢) (٣٥). ــ خطبته. ويدل حديثا ابن عمر وجابر بن سمرة بعده على مشروعية الجلوس في وسطها، وقد اختلف في ذلك. قال القاضي أبو الفضل: اختلف أئمة الفتوى في حكم الجلوس بين الخطبتين؛ فذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابهما وجمهور العلماء إلى أنه سنة، وإن لم يجلس فقد أساء، ولا شيء عليه. وقال الشافعي: هي فرض، ومَن لم يجلسها فكأنه لم يخطب، ولا جمعة له. وقد حُكي عن مالك نحوه، ورأى مالك والشافعي وأبو ثور: الجلوس على المنبر قبل القيام إلى الخطبة، ومنعه أبو حنيفة، وقد روي عن مالك، وهو غير معروف من مذهبه. وقول جابر: فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة: ظاهر هذا أنه أراد

стр. 1112

[٧٣٦]- وَعَنه قَالَ: كُنتُ أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَكَانَت صَلاتُهُ قَصدًا، وَخُطبَتُهُ قَصدًا. رواه مسلم (٨٦٦) (٤١)، وابن ماجه (١١٠٦). [٧٣٧]- وَعَن أَبي وَائِلٍ، قَالَ: خَطَبَنَا عَمَّارٌ، فَأَوجَزَ وَأَبلَغَ، فَلَمَّا نَزَلَ قُلنَا: يَا أَبَا اليَقظَانِ. لَقَد أَبلَغتَ وَأَوجَزتَ، فَلَو كُنتَ تَنَفَّستَ؟ ! فَقَالَ: إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ طُولَ صَلاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِن فِقهِهِ، ــ ألفي صلاة جمعة، وهو محال؛ لأن هذا القدر من الجُمع؛ إنما يكون في نيف وأربعين سنة، ولم يصلّ النبي ﷺ هذا المقدار من الجمع، فيتعيّن أن يراد به الصلوات المفروضات، أو قصد به الإغياء والتكثير. والله أعلم. وقوله: كانت صلاة رسول الله ﷺ قصدًا وخطبته قصدًا؛ أي: متوسطة بين الطول والقصر، ومنه: القصد من الرجال، والقصد في المعيشة، والإكثار في الخطبة مكروه؛ للتشدُّق والإملال للتطويل؛ كما مضى في حديث معاذ. وقوله: خطبنا عمار فأبلغ وأوجز؛ أي: أبلغ في المعنى، وأوجز في اللفظ، وهذه المسمّاة بالبلاغة والفصاحة. وقوله: فلو كنت تنفست؛ أي: أطلت الكلام شيئًا؛ يقال: نفَّس الله في عمرك (١)؛ أي: أطاله. وقوله ﷺ : مَئِنَّة من فقهه: الرواية في هذا اللفظ: مَئِنَّة بالهمز، والقصر، وتشديد النون، ووقع لبعضهم: مائنّة بالمدّ، وهو غلط، وكذلك كل تقييد خالف

стр. 1113

فَأَطِيلُوا الصَّلاةَ وَأقصِرُوا الخُطبَةَ، وَإِنَّ مِنَ البَيَانِ سِحرًا. رواه أحمد (٤/ ٢٦٣)، ومسلم (٨٦٩)، وأبو داود (١١٠٦). ــ الأول. قال الأصمعي: سألني شعبة عن هذا الحرف، فقلت: هو كقولك: علامة، ومخلقةٌ، ومَجدرةٌ [ومحراة] (١). قال أبو عبيد: يعني: إن هذا مما يُستدل به على فقه الرجل. قال أبو منصور: جعل أبو عبيد الهمزة فيه أصلية. قال أبو الحسن بن سراج: الميم في: مئِنَّة أصلية، ووزنها فَعِلة، من مأنت إذا شعرت، وقاله أبوه أبو مروان. قال الأزهري: الميم في مَئِنة ميم مفعلة، وليست بأصلية. ومعنى قول المرَّار (٢): فَتَهَامَسوا سِرًّا وقالوا عَرَّسوا ... من غَير تَمئِنَةٍ لغيرِ مُعَرَّسِ أي: لم يتأكدوا من وقت التعريس. ويقال: أتاني فلان ما مأَنتُ مَأنَه، ولا شأنت شأنه؛ أي: لم أفكر فيه، ولم أتهيأ له. وقوله: فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة: غير مخالف لقوله: كانت صلاته قصدًا وخطبته قصدًا؛ لأن كل واحد قصد في بابه، لكن الصلاة ينبغي أن تكون أطول من الخطبة، مع القصد في كل واحد منهما. وقوله: وإن من البيان سحرا: البيان هنا: الإيضاح البليغ مع اللفظ المستعذب، وفي هذا الحديث تأويلان:

стр. 1114

[٧٣٨]- وعَن عُمَارَةَ بنِ رُؤَيبَةَ؛ ورَأَى بِشرَ بنَ مَروَانَ عَلَى المِنبَرِ رَافِعًا يدَيهِ، فَقَالَ: قَبَّحَ الله هَاتَينِ اليَدَينِ، لَقَد رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَا يَزِيدُ عَلَى أَن يَقُولَ بيديه هَكَذَا وَأَشَارَ بِإِصبَعِهِ المُسَبِّحَةِ. رواه مسلم (٨٧٤)، وأبو داود (١١٠٤)، والترمذي (٥١٥)، والنسائي (٣/ ١٠٨). * * * ــ أحدهما: أنه قصد به الذم؛ لأن الإبلاغ في البيان يفعل في القلوب من الإمالة، والتحريك، والتطريب، والتحزين ما يفعل السحر. واستدلّ متأوِّل هذا بإدخال مالك الحديث في موطئه في باب ما يكره من الكلام بغير ذكر الله، وأنه مذهبه في تأويل الحديث. وثانيهما: أنه على جهة المدح، فإن الله تعالى قد امتن على عباده بالبيان، حيث قال: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ﴾، ﴿عَلَّمَهُ البَيَانَ﴾ وشبّهه بالسحر لميل القلوب إليه. وأصل السحر: الصرف، والبيان يصرف القلوب، ويميلها إلى ما يدعو إليه. قلت: وهذا التأويل أولى؛ لهذه الآية وما في معناها. وقوله: وأشار بإصبعه المسَبِّحة: كان ذلك - والله أعلم - من رسول الله ﷺ عند التشهد في الخطبة؛ كما كان يفعل في الصلاة. * * *

стр. 1115

(٦) باب ما يقال في الخطبة ورفع الصوت بها [٧٣٩]- عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ الله، قَالَ: كَانَت خُطبَةُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَومَ الجُمُعَةِ؛ يَحمَدُ الله، وَيُثنِي عَلَيهِ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثرِ ذَلِكَ، وَقَد عَلا صَوتُهُ وَاشتَدَّ غَضَبُهُ - في رواية: واحمَرَّت عَينَاهُ - حَتَّى كَأَنَّهُ مُنذِرُ جَيشٍ، يَقُولُ: صَبَّحَكُم وَمَسَّاكُم، وَيَقُولُ: بُعِثتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَينِ وَيَقرُنُ بَينَ إِصبَعَيهِ ــ (٦) ومن باب: ما يقال في الخطبة كونه ﷺ تحمرُّ عيناه، ويعلو صوته، ويشتدّ غضبه في حال خطبته؛ كان هذا منه في أحوال، وهذا مُشعر بأن الواعظ حقُّه أن يكون منه في وعظه بحسب الفصل الذي يتكلم فيه ما يطابقه، حتى لا يأتي بالشيء وضده ظاهر عليه، وأما اشتداد غضبه؛ فيحتمل أن يكون عند نهيه عن أمر خولف فيه، أو يريد أن صفته صفة الغضبان. ومُنذر الجيش: هو المخبر بجيش العدو الذي يخوف به. وقوله ﷺ : بُعثت أنا والساعة كهاتين: قيّدناه بالفتح، والضم. فأما الفتح؛ فهو على المفعول معه، والرفع على أنه معطوف على التاء في بُعثت، وفصل بينهما بـ أنا توكيدًا للضمير؛ على ما هو الأحسن عند النحويين، وقد اختار بعضهم النصب بناءً على أن التشبيه وقع بملاصقة الأصبعين واتصالهما، واختار آخرون الرفع بناءً على أن التشبيه وقع بالتفاوت الذي بين رؤوسهما، ويعني أن ما بين زمان النبي ﷺ وقيام الساعة قريب؛ كقرب السَّبابة من الوسطى، وهذا أوقع. والله أعلم.

стр. 1116

السَّبَّابَةِ وَالوُسطَى وَيَقُولُ: أَمَّا بَعدُ؛ فَإِنَّ خَيرَ الحَدِيثِ كِتَابُ الله، وَخَيرُ الهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، ــ وقد جاء من حديث سهل عنه ﷺ أنه قال: سبقتُها بما سبقت هذه هذه (١)؛ يعني الوسطى والسبابة. وقوله: أما: كلمة تفصل ما بعدها عما قبلها، وهي حرف متضمن للشرط، ولذلك تدخل الفاء في جوابها، وقدَّرها النحويون بـ مهما. وبعد: ظرف زماني قُطع عن الإضافة مع كونها مرادة، فبُني على الضم، وخُصَّ بالضم؛ لأنه حركة ليست له في حال إعرابه، والعامل فيه ما تضمنه أما من معنى الشرط، فإن معناه: مهما يكن من شيء بعد حمد الله فكذا. والله أعلم. وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَآتَينَاهُ الحِكمَةَ وَفَصلَ الخِطَابِ﴾ أنه قوله: أما بعد. وقوله: خير الهدي هدي محمد: روي: الهدى: بضم الهاء، وفتح الدال فيهما، وبفتح الهاء، وسكون الدال فيهما، وهما من أصل فعل واحد من الهداية، وهي الدّلالة والإرشاد. والهَدي في مستعمل (٢) العرف هَديان: هَدي دلالة وإرشاد، وهو الذي يضاف إلى الرسل والكتب؛ كما قال تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهدِي إِلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ، وفي القرآن: ﴿هُدًى لِلمُتَّقِينَ﴾ والهَدي الثاني: بمعنى التأييد والعصمة من تأثير الذنوب، والتوفيق، وهذا هو الهَدي الذي لا ينسب إلا لله تعالى، وهو المراد بقوله تعالى: إِنَّكَ لَا تَهدِي مَن أَحبَبتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهدِي مَن يَشَاءُ، وحملت القدرية هذا الهدي على البيان بناءً على أصلهم الفاسد في القدر، كما قدمناه في أول كتاب الإيمان، ويردُّ

стр. 1117

وَشَرُّ الأُمُورِ مُحدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدعَةٍ ضَلالَةٌ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا أَولَى بِكُلِّ مُؤمِنٍ مِن نَفسِهِ، مَن تَرَكَ مَالا فَلأَهلِهِ، ــ عليهم قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ﴾ ففرق بين الدلالة والهداية، ولهذا موضعٌ يُعرف فيه، قال أبو عبيد: الهَديُ بفتح الهاء وإسكان الدال: هو الطريق، فهَديُ محمد: طريقه؛ كما يقال: فلان حسن الهَدي؛ أي المذهب في الأمور كلها والسيرة، ومنه: اهتدوا بهدي عمار (١). وقوله: شر الأمور محدثاتها: يعني: المحدثات التي ليس لها في الشريعة أصل يشهد لها بالصحة والجواز، وهي المسمّاة بالبدع؛ ولذلك حكم عليها بأن كل بدعة ضلالة. وحقيقة البدعة: ما ابتُدئ وافتُتح من غير أصل شرعي، وهي التي قال فيها ﷺ : من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردّ (٢). وقوله: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه؛ أي: أقرب له من نفسه، أو أحق به منها، ثم فسر وجهه بقوله: من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دينًا أو ضياعًا فإليّ وعليّ. وبيانه: أنه إذا ترك دينا أو ضياعًا ولم يقدر على أن يُخلِّص نفسه منه؛ إذ لم يترك شيئًا يسدُّ به ذلك، ثم يخلّصه النبي ﷺ بقيامه به عنه، أو سدّ ضيعته؛ كان أولى به من نفسه؛ إذ قد (٣) فعل معه ما لم يفعل هو بنفسه. والله تعالى أعلم. وأما رواية من رواه: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، في غير الأصل فيحتمل أن يحمل على ذلك، ويحتمل أن يكون معناه: أنا أولى بالمؤمنين من

стр. 1118

وَمَن تَرَكَ دَينًا أَو ضَيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ. وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ يَخطُبُ النَّاسَ؛ يَحمَدُ الله وَيُثنِي عَلَيهِ بِمَا هُوَ أَهلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: مَن يَهدِهِ الله فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَن يُضلِل فَلا هَادِيَ لَهُ، وَخَيرُ الحَدِيثِ كِتَابُ الله. . . وسَاقَ الحَدِيثَ. رواه مسلم (٨٦٧) (٤٣ و ٤٥)، والنسائي (٣/ ١٨٨ - ١٨٩). [٧٤٠]- وعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ في مُخَاطَبَته ضِمَادًا: إِنَّ الحَمدَ لِلَّهِ، نَحمَدُهُ وَنَستَعِينُهُ، مَن يَهدِهِ الله فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَن يُضلِل فَلا هَادِيَ لَهُ. أَشهَدُ أَن لا إِلهَ إِلا الله وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعدُ. . .، وَسَيَأتِي بِكَمَالِهِ. رواه أحمد (١/ ٣٠٢)، ومسلم (٨٦٨)، والنسائي (٦/ ٨٩ - ٩٠)، وابن ماجه (١٨٩٣). ــ بعضهم لبعض؛ كما قال تعالى: أَنِ اقتُلُوا أَنفُسَكُم؛ أي ليقتل بعضكم بعضًا، في أشهر أقوال المفسرين. والضياع: العيال؛ قاله النضر بن شُمَيل، وقال ابن قتيبة: هو مصدر ضاع يضيع، ضياعًا، ومثله: مضى يمضي، مضاءً، وقضى يقضي قضاءً، أراد: من ترك عيالا (١) عالة أو أطفالا، فجاء بالمصدر موضع الاسم؛ كما تقول: ترك فقرًا؛ أي: فقراء. والضياع بالكسر: جمع ضائع؛ مثل: جائع وجياع، وضيعة الرجل أيضًا: ما يكون منه معاشه؛ من صناعة أو غلة؛ قاله الأزهري. وقال شمر: ويدخل فيه: التجارة والحرفة، يقال: ما ضيعتك؟ فتقول: كذا.

стр. 1119

[٧٤١]- وعَن عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ: أَنَّ رَجُلا خَطَبَ عِندَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَد رَشَدَ، وَمَن يَعصِهِمَا فَقَد غَوَى. فَقَالَ ــ قلت: وهذا الكلام إنما قاله النبي ﷺ حين رفع ما كان قرّر من امتناعه من الصلاة على من مات وعليه دين لم يترك له وفاء؛ كما قاله أبو هريرة: كان النبى ﷺ يؤتى بالميت عليه الدين، فيسأل: هل ترك لدينه وفاء؟ فإن قيل: إنه ترك وفاء صلى عليه، وإن قالوا: لا؛ قال: صلوا على صاحبكم. قال: فلما فتح الله عليه الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من توفي فترك دينًا، فعلي، ومن ترك مالا فلورثته (١). قال القاضي: وهذا مما يلزم الأئمة من الفرض في مال الله تعالى للذرية وأهل الحاجة، والقيام بهم وقضاء ديون محتاجيهم. وقوله للخطيب الذي قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى: ظاهره: أنه أنكر عليه جمع اسم الله واسم رسوله ﷺ في ضمير واحد، ويعارضه ما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود: أن النبي ﷺ خطب فقال في خطبته: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضرّ إلا نفسه (٢). وفي حديث أنس: ومن يعصهما فقد غوى (٣). وهما صحيحان، ويعارضه أيضًا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ فجمع بين ضمير اسم الله وملائكته، ولهذه المعارضة صرف بعض القُرَّاء هذا الذّم إلى أن ذلك الخطيب وقف على: ومن يعصهما، وهذا تأويل لم تساعده الرواية؛ فإن

стр. 1120

رَسُولُ اللهِ ﷺ : بِئسَ الخَطِيبُ أَنتَ، قُل: وَمَن يَعصِ الله وَرَسُولَهُ. رواه أحمد (٤/ ٢٥٦)، ومسلم (٨٧٠)، وأبو داود (١٠٩٩)، والنسائي (٦/ ٩٠). ــ الرواية الصحيحة أنه أتى باللفظين في مساق واحد، وأن آخر كلامه إنما هو: فقد غوى. ثم إن النبي ﷺ ردّ عليه وعلّمه صواب ما أخلّ به، فقال: قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى؛ فظهر أن ذمّه له إنما كان على الجمع بين الاسمين في الضمير، وحينئذ يتوجه الإشكال، ونتخلّص عنه من أوجه: أحدها: أن المتكلم لا يدخل تحت خطاب نفسه إذا وجّهه لغيره، فقوله ﷺ : بئس الخطيب أنت منصرف لغير النبي ﷺ لفظًا ومعنى. وثانيها: أن إنكاره ﷺ على ذلك الخطيب يحتمل أن يكون كأن هناك من يتوهم التسوية من جمعهما في الضمير الواحد، فمنع ذلك لأجله، وحيث عُدِمَ ذلك جاز الإطلاق. وثالثها: أن ذلك الجمع تشريف، ولله تعالى أن يُشرف من شاء بما شاء، ويمنع من مثل (١) ذلك للغير؛ كما قد أقسم بكثير من المخلوقات، ومنعنا من القسم بها، فقال : إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسلِيمًا، وكذلك (٢) أذن لنبيه ﷺ في إطلاق مثل ذلك، ومنع منه الغير على لسان نبيه. ورابعها: أن العمل بخبر المنع أولى لأوجه؛ لأنه تقعيد قاعدة، والخبر

стр. 1121

[٧٤٢]- وعَن صَفوَانَ بنِ يَعلَى، عَن أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقرَأُ عَلَى المِنبَرِ: ﴿وَنَادَوا يَا مَالِكُ﴾ رواه أحمد (٤/ ٢٢٣)، والبخاري (٣٢٣٠)، ومسلم (٨٧١)، وأبو داود (٣٩٩٢)، والترمذي (٥٠٨). [٧٤٣]- وعَن عَمرَةَ بِنتِ عَبدِ الرَّحمَنِ، عَن أُختٍ لِعَمرَةَ، قَالَت: أَخَذتُ ق وَالقُرآنِ المَجِيدِ مِن فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ يَومَ الجُمُعَةِ، وَهُوَ يَقرَأُ بِهَا عَلَى المِنبَرِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ. رواه أحمد (٦/ ٤٣٦)، ومسلم (٨٧٣) (٥٢)، وأبو داود (١١٠٠)، والنسائي (٣/ ١٠٧). * * * ــ الآخر يحتمل الخصوص، كما قررناه؛ ولأن لهذا الخبر ناقل، والآخر مُبقىً على الأصل؛ فكان الأول أولى؛ ولأنه قول، والثاني فعل؛ فكان أولى. والله أعلم. وقوله: إن النبي ﷺ قرأ على المنبر: ﴿وَنَادَوا يَا مَالِكُ﴾: يحتمل: أن يكون أراد الآية وحدها، أو السورة كلها، ونبّه ببعضها عليها؛ كما يقال: قرأت: الحمد لله. وفي قراءته ﷺ هذه الآية وسورة (ق) دليل على صحة استحباب مالك قراءة شيء من القرآن في الخطبة، وخص هذه الآية، وسورة (ق)؛ لما تضمنته من المواعظ والزجر والتحذير. * * *

стр. 1122

(٧) باب ركوع من دخل والإمام يخطب، والتعليم في حالة الخطبة [٧٤٤]- عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ، قَالَ: جَاءَ سُلَيكٌ الغَطَفَانِيُّ يَومَ الجُمُعَةِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَخطُبُ، فَجَلَسَ، فَقَالَ: يَا سُلَيكُ! قُم فَاركَع رَكعَتَينِ وَتَجَوَّز فِيهِمَا، ثُمَّ قَالَ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُم يَومَ الجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخطُبُ فَليَركَع رَكعَتَينِ وَليَتَجَوَّز فِيهِمَا. رواه أحمد (٣/ ٣١٧)، والبخاري (٩٣٠)، ومسلم (٨٧٥) (٥٩)، وأبو داود (١١١٥)، والترمذي (٥١٠)، والنسائي (٣/ ١٠٣)، وابن ماجه (١١١٢). ــ (٧) ومن باب: ركوع من دخل والإمام يخطب قوله ﷺ لسليك: قم فاركع ركعتين، وقوله: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوّز فيهما: اختلف العلماء في العمل بهذا الحديث؛ فذهب الشافعي وأحمد وإسحاق والحسن وأبو ثور وفقهاء أصحاب الحديث إلى العمل بظاهره، وهو أن الداخل في حال خطبة الإمام يركع ركعتين. وقال الأوزاعي: إنما يركعهما من لم يركعهما في بيته، وذهب مالك والليث وأبو حنيفة والثوري وأصحابهما وجمهور من الصحابة والتابعين؛ إلى أنه لا يركع، وهو مروي عن عمر وعثمان وعلي، واحتج لهم بقوله ﷺ للذي رآه النبي ﷺ يتخطى رقاب الناس في حال الخطبة: اجلس فقد آذيت (١)، وبأمره ﷺ بالإقبال على الخطبة والإصغاء لها، والصلاة في ذلك الوقت

стр. 1123

[٧٤٥]- وَعَن أَبِي رِفَاعَةَ قَالَ: انتَهَيتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَخطُبُ، قَالَ: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! رَجُلٌ غَرِيبٌ جَاءَ يَسأَلُ عَن دِينِهِ، لا يَدرِي مَا دِينُهُ. ــ تصرف عن ذلك، وبالعمل المنقول المستفيض بالمدينة على أنهم كانوا لا يركعون في تلك الحال، ولذلك قال ابن شهاب: خروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام. وقد تأول أصحابنا حديث جابر تأويلات في بعضها بُعدٌ، وأولى معتمدِ المالكية في ترك العمل به أنه خبر واحد عارضه عمل أهل المدينة خَلَفًا عن سَلَف، من لدن الصحابة ﵃ إلى زمان مالك - رحمه الله تعالى، فيكون العمل بهذا العمل أولى، وهذا أصل مالك - رحمه الله تعالى -، وأما أبو حنيفة فترك العمل به على أصله أيضًا في ردّ أخبار الآحاد فيما تعم به البلوى. والله أعلم. وذهب بعض المتأخرين من أصحاب الحديث إلى الجمع بين الأمرين، فخيّر الداخل بين الركوع وتركه، وهو قول من تعارض عنده الخبر والعمل. وقول أبي رفاعة: انتهيت إلى النبي ﷺ وهو يخطب؛ يحتمل أن تكون تلك الخطبة للجمعة ولغيرها؛ إذ قد كان النبي ﷺ يجمع الناس لغير الجمعة؛ عند نزول النوازل، فيخطبهم ويعظهم. وقوله: رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه: استلطاف في السؤال، واستخراج حسن للتعليم؛ لأنه لما أخبره بذلك تعين عليه أن يعلّمه، وأيضًا فإن هذا الرجل الغريب الذي جاء سائلا عن دينه؛ هو من النوع الذي قال فيه النبي ﷺ : إن ناسًا يأتونكم من أقطار الأرض يطلبون العلم، فاستوصوا بهم خيرًا (١)، فإنه ﷺ كان لا يأمر بشيء إلا كان أول آخذٍ به، وإذا نهى عن شيء كان أول تاركٍ له.

стр. 1124

قَالَ: فَأَقبَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَتَرَكَ خُطبَتَهُ حَتَّى انتَهَى إِلَيَّ، فَأُتِيَ بِكُرسِيٍّ، حَسِبتُ قَوَائِمَهُ حَدِيدًا، قَالَ: فَقَعَدَ عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ الله، ثُمَّ أَتَى خُطبَتَهُ فَأَتَمَّ آخِرَهَا. رواه أحمد (٥/ ٨٠)، ومسلم (٨٧٦)، والنسائي (٨/ ٢٢٠). * * * ــ وقوله: فأقبل عليّ وترك خطبته، إنما فعل ذلك لتعيُّنه عليه في الحال؛ ولخوف الفوت؛ ولأنه لا يناقض ما كان فيه من الخطبة، ومشيُه ﷺ وقربه منه في تلك الحال مبادرة لاغتنام الفرصة، وإظهار التهمم بشأن السائل. وقوله: فأُتِيَ بكرسي حسبت قوائمه حديدًا: هكذا صحيح الرواية، وذكره ابن قتيبة وقال: بكرسي خُلبٍ، قال: والخُلب: الليف، وهو تصحيف منه، وإنما هو: خِلت؛ كما رواه ابن أبي شيبة، وهو بمعنى: حسبت؛ الذي رواه مسلم. ووقع في نسخة ابن الحذّاء: بكرسي خشب، وهو أيضًا تصحيف، وصوابه ما قدّمناه، وقد فسَّره حميد في كتاب ابن أبي شيبة، فقال: أراه كان من عودٍ أسود فحسبه من حديد، قلت: وأظن أن هذا الكرسي هو المنبر، ويعني به: أنه نقل عن موضعه المعتاد له إلى موضع السائل، ليجلس عليه النبي ﷺ . وقوله: ثم أتى خطبته فأتم آخرها؛ أي: لما فرغ من تعليم الرجل؛ رجع إلى أسلوب خطبته المتقدم، لا يقال: إن هذا الفعل منه ﷺ قطعٌ للخطبة؛ لما قررناه من أن تعليم العلم والأمر والنهي في الخطبة لا يكون قطعًا للخطبة، والجمهور على أن الكلام في الخطبة لأمر يحدث لا يفسدها. وحكى الخطابي عن بعض العلماء: أن الخطيب إذا تكلم في الخطبة أعادها. * * *

стр. 1125

(٨) باب ما يُقرَأُ به في صلاة الجمعة، وفي صبح يومها [٧٤٦]- عَنِ ابنِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: استَخلَفَ مَروَانُ أَبَا هُرَيرَةَ عَلَى المَدِينَةِ، وَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى لَنَا أَبُو هُرَيرَةَ الجُمُعَةَ، فَقَرَأَ بَعدَ سُورَةِ الجُمُعَةِ فِي الرَّكعَةِ الآخِرَةِ: ﴿إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ﴾ قَالَ: فَأَدرَكتُ أَبَا هُرَيرَةَ حِينَ انصَرَفَ، فَقُلتُ لَهُ: إِنَّكَ قَرَأتَ بِسُورَتَينِ كَانَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ يَقرَأُ بِهِمَا بِالكُوفَةِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقرَأُ بِهِمَا يَومَ الجُمُعَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَرَأَ بِسُورَةِ الجُمُعَةِ فِي السَّجدَةِ الأُولَى، وَفِي الآخِرَةِ: ﴿إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ﴾ رواه مسلم (٨٧٧)، وأبو داود (١١٢٤)، والترمذي (٥١٩)، وابن ماجه (١١١٨). ــ (٨) ومن باب: ما يقرأ في صلاة الجمعة قراءةُ النبي ﷺ في الجمعة بسورتها ليذكرهم بأمرها، ويُبيّن تأكيدها وأحكامها، وأما قراءة سورة المنافقين فلتوبيخ من يحضرها من المنافقين؛ لأنه قلّ من كان يتأخر عن الجمعة منهم؛ إذ قد كان هدَّد على التخلف عنها بحرق البيوت على من فيها، ولعل هذا - والله أعلم - كان في أول الأمر، فلما عقل الناس أحكام الجمعة وحصل توبيخ المنافقين؛ عدل عنها إلى قراءة: ﴿سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأَعلَى﴾، و ﴿هَل أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ﴾، على ما في حديث عباد بن بشر؛ لما تضمنتاه من الوعظ والتحذير والتذكير، وليخفف أيضًا عن الناس؛ كما قال: إذا أممت
следующие страницы →