[٧٤٢]- وعَن صَفوَانَ بنِ يَعلَى، عَن أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقرَأُ عَلَى المِنبَرِ: ﴿وَنَادَوا يَا مَالِكُ﴾
رواه أحمد (٤/ ٢٢٣)، والبخاري (٣٢٣٠)، ومسلم (٨٧١)، وأبو داود (٣٩٩٢)، والترمذي (٥٠٨).
[٧٤٣]- وعَن عَمرَةَ بِنتِ عَبدِ الرَّحمَنِ، عَن أُختٍ لِعَمرَةَ، قَالَت: أَخَذتُ ق وَالقُرآنِ المَجِيدِ مِن فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ يَومَ الجُمُعَةِ، وَهُوَ يَقرَأُ بِهَا عَلَى المِنبَرِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ.
رواه أحمد (٦/ ٤٣٦)، ومسلم (٨٧٣)(٥٢)، وأبو داود (١١٠٠)، والنسائي (٣/ ١٠٧).
* * *
ــ
الآخر يحتمل الخصوص، كما قررناه؛ ولأن لهذا الخبر ناقل، والآخر مُبقىً على الأصل؛ فكان الأول أولى؛ ولأنه قول، والثاني فعل؛ فكان أولى. والله أعلم.
وقوله: إن النبي ﷺ قرأ على المنبر: ﴿وَنَادَوا يَا مَالِكُ﴾: يحتمل: أن يكون أراد الآية وحدها، أو السورة كلها، ونبّه ببعضها عليها؛ كما يقال: قرأت: الحمد لله. وفي قراءته ﷺ هذه الآية وسورة (ق) دليل على صحة استحباب مالك قراءة شيء من القرآن في الخطبة، وخص هذه الآية، وسورة (ق)؛ لما تضمنته من المواعظ والزجر والتحذير.
* * *
стр. 1122
(٧) باب ركوع من دخل والإمام يخطب، والتعليم في حالة الخطبة
[٧٤٤]- عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ، قَالَ: جَاءَ سُلَيكٌ الغَطَفَانِيُّ يَومَ الجُمُعَةِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَخطُبُ، فَجَلَسَ، فَقَالَ: يَا سُلَيكُ! قُم فَاركَع رَكعَتَينِ وَتَجَوَّز فِيهِمَا، ثُمَّ قَالَ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُم يَومَ الجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخطُبُ فَليَركَع رَكعَتَينِ وَليَتَجَوَّز فِيهِمَا.
رواه أحمد (٣/ ٣١٧)، والبخاري (٩٣٠)، ومسلم (٨٧٥)(٥٩)، وأبو داود (١١١٥)، والترمذي (٥١٠)، والنسائي (٣/ ١٠٣)، وابن ماجه (١١١٢).
ــ
(٧) ومن باب: ركوع من دخل والإمام يخطب
قوله ﷺ لسليك: قم فاركع ركعتين، وقوله: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوّز فيهما: اختلف العلماء في العمل بهذا الحديث؛ فذهب الشافعي وأحمد وإسحاق والحسن وأبو ثور وفقهاء أصحاب الحديث إلى العمل بظاهره، وهو أن الداخل في حال خطبة الإمام يركع ركعتين. وقال الأوزاعي: إنما يركعهما من لم يركعهما في بيته، وذهب مالك والليث وأبو حنيفة والثوري وأصحابهما وجمهور من الصحابة والتابعين؛ إلى أنه لا يركع، وهو مروي عن عمر وعثمان وعلي، واحتج لهم بقوله ﷺ للذي رآه النبي ﷺ يتخطى رقاب الناس في حال الخطبة: اجلس فقد آذيت (١)، وبأمره ﷺ بالإقبال على الخطبة والإصغاء لها، والصلاة في ذلك الوقت
стр. 1123
[٧٤٥]- وَعَن أَبِي رِفَاعَةَ قَالَ: انتَهَيتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَخطُبُ، قَالَ: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! رَجُلٌ غَرِيبٌ جَاءَ يَسأَلُ عَن دِينِهِ، لا يَدرِي مَا دِينُهُ.
ــ
تصرف عن ذلك، وبالعمل المنقول المستفيض بالمدينة على أنهم كانوا لا يركعون في تلك الحال، ولذلك قال ابن شهاب: خروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام.
وقد تأول أصحابنا حديث جابر تأويلات في بعضها بُعدٌ، وأولى معتمدِ المالكية في ترك العمل به أنه خبر واحد عارضه عمل أهل المدينة خَلَفًا عن سَلَف، من لدن الصحابة ﵃ إلى زمان مالك - رحمه الله تعالى، فيكون العمل بهذا العمل أولى، وهذا أصل مالك - رحمه الله تعالى -، وأما أبو حنيفة فترك العمل به على أصله أيضًا في ردّ أخبار الآحاد فيما تعم به البلوى. والله أعلم. وذهب بعض المتأخرين من أصحاب الحديث إلى الجمع بين الأمرين، فخيّر الداخل بين الركوع وتركه، وهو قول من تعارض عنده الخبر والعمل.
وقول أبي رفاعة: انتهيت إلى النبي ﷺ وهو يخطب؛ يحتمل أن تكون تلك الخطبة للجمعة ولغيرها؛ إذ قد كان النبي ﷺ يجمع الناس لغير الجمعة؛ عند نزول النوازل، فيخطبهم ويعظهم.
وقوله: رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه: استلطاف في السؤال، واستخراج حسن للتعليم؛ لأنه لما أخبره بذلك تعين عليه أن يعلّمه، وأيضًا فإن هذا الرجل الغريب الذي جاء سائلا عن دينه؛ هو من النوع الذي قال فيه النبي ﷺ : إن ناسًا يأتونكم من أقطار الأرض يطلبون العلم، فاستوصوا بهم خيرًا (١)، فإنه ﷺ كان لا يأمر بشيء إلا كان أول آخذٍ به، وإذا نهى عن شيء كان أول تاركٍ له.
стр. 1124
قَالَ: فَأَقبَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَتَرَكَ خُطبَتَهُ حَتَّى انتَهَى إِلَيَّ، فَأُتِيَ بِكُرسِيٍّ، حَسِبتُ قَوَائِمَهُ حَدِيدًا، قَالَ: فَقَعَدَ عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ الله، ثُمَّ أَتَى خُطبَتَهُ فَأَتَمَّ آخِرَهَا.
رواه أحمد (٥/ ٨٠)، ومسلم (٨٧٦)، والنسائي (٨/ ٢٢٠).
* * *
ــ
وقوله: فأقبل عليّ وترك خطبته، إنما فعل ذلك لتعيُّنه عليه في الحال؛ ولخوف الفوت؛ ولأنه لا يناقض ما كان فيه من الخطبة، ومشيُه ﷺ وقربه منه في تلك الحال مبادرة لاغتنام الفرصة، وإظهار التهمم بشأن السائل.
وقوله: فأُتِيَ بكرسي حسبت قوائمه حديدًا: هكذا صحيح الرواية، وذكره ابن قتيبة وقال: بكرسي خُلبٍ، قال: والخُلب: الليف، وهو تصحيف منه، وإنما هو: خِلت؛ كما رواه ابن أبي شيبة، وهو بمعنى: حسبت؛ الذي رواه مسلم. ووقع في نسخة ابن الحذّاء: بكرسي خشب، وهو أيضًا تصحيف، وصوابه ما قدّمناه، وقد فسَّره حميد في كتاب ابن أبي شيبة، فقال: أراه كان من عودٍ أسود فحسبه من حديد، قلت: وأظن أن هذا الكرسي هو المنبر، ويعني به: أنه نقل عن موضعه المعتاد له إلى موضع السائل، ليجلس عليه النبي ﷺ .
وقوله: ثم أتى خطبته فأتم آخرها؛ أي: لما فرغ من تعليم الرجل؛ رجع إلى أسلوب خطبته المتقدم، لا يقال: إن هذا الفعل منه ﷺ قطعٌ للخطبة؛ لما قررناه من أن تعليم العلم والأمر والنهي في الخطبة لا يكون قطعًا للخطبة، والجمهور على أن الكلام في الخطبة لأمر يحدث لا يفسدها. وحكى الخطابي عن بعض العلماء: أن الخطيب إذا تكلم في الخطبة أعادها.
* * *
стр. 1125
(٨) باب ما يُقرَأُ به في صلاة الجمعة، وفي صبح يومها
[٧٤٦]- عَنِ ابنِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: استَخلَفَ مَروَانُ أَبَا هُرَيرَةَ عَلَى المَدِينَةِ، وَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى لَنَا أَبُو هُرَيرَةَ الجُمُعَةَ، فَقَرَأَ بَعدَ سُورَةِ الجُمُعَةِ فِي الرَّكعَةِ الآخِرَةِ: ﴿إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ﴾ قَالَ: فَأَدرَكتُ أَبَا هُرَيرَةَ حِينَ انصَرَفَ، فَقُلتُ لَهُ: إِنَّكَ قَرَأتَ بِسُورَتَينِ كَانَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ يَقرَأُ بِهِمَا بِالكُوفَةِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقرَأُ بِهِمَا يَومَ الجُمُعَةِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَرَأَ بِسُورَةِ الجُمُعَةِ فِي السَّجدَةِ الأُولَى، وَفِي الآخِرَةِ: ﴿إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ﴾
رواه مسلم (٨٧٧)، وأبو داود (١١٢٤)، والترمذي (٥١٩)، وابن ماجه (١١١٨).
ــ
(٨) ومن باب: ما يقرأ في صلاة الجمعة
قراءةُ النبي ﷺ في الجمعة بسورتها ليذكرهم بأمرها، ويُبيّن تأكيدها وأحكامها، وأما قراءة سورة المنافقين فلتوبيخ من يحضرها من المنافقين؛ لأنه قلّ من كان يتأخر عن الجمعة منهم؛ إذ قد كان هدَّد على التخلف عنها بحرق البيوت على من فيها، ولعل هذا - والله أعلم - كان في أول الأمر، فلما عقل الناس أحكام الجمعة وحصل توبيخ المنافقين؛ عدل عنها إلى قراءة: ﴿سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأَعلَى﴾، و ﴿هَل أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ﴾، على ما في حديث عباد بن بشر؛ لما تضمنتاه من الوعظ والتحذير والتذكير، وليخفف أيضًا عن الناس؛ كما قال: إذا أممت
стр. 1126
[٧٤٧]- وعَنِ النُّعمَانِ بنِ بَشِيرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقرَأُ فِي العِيدَينِ وَفِي الجُمُعَةِ: ﴿سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأَعلَى﴾ وَ: ﴿هَل أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ﴾
قَالَ: وَإِذَا اجتَمَعَ العِيدُ وَالجُمُعَةُ فِي يَومٍ وَاحِدٍ قرَأ بِهِمَا أَيضًا فِي الصَّلاتَينِ.
رواه مسلم (٨٧٨)(٦٢)، وأبو داود (١١٢٢ و ١١٢٣)، والترمذي (٥٣٣)، والنسائي (٣/ ١١٢)، وابن ماجه (١١١٩).
ــ
الناس فاقرأ بـ ﴿وَالشَّمسِ وَضُحَاهَا﴾، و ﴿سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأَعلَى﴾، و ﴿هَل أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ﴾ (١).
وقوله: إذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد قرأ بهما أيضًا في الصلاتين: هذا يدل على أنه لا يكتفى بصلاة العيد عن صلاة الجمعة إذا اجتمعا في يوم، وهو المشهور من مذاهب العلماء، خلافًا لمن ذهب إلى أن الجمعة تسقط يومئذ، وإليه ذهب ابن الزبير، وابن عباس، وقالا: هي السنة، وذهب غيرهما إلى أنهما يُصليان، غير أنه يُرخص لمن أتى العيد من أهل البادية في ترك إتيان الجمعة، وإلى ذلك ذهب عثمان ﵁، والذي استمر العمل عليه: ما دلّ عليه ظاهر الحديث المتقدم.
وسجودُه ﷺ في صلاة الجمعة عند قراءة السجدة دليل على جواز قراءة السجدة في صلاة الفريضة، وقد كرهه في المدوّنة (٢). وعُلِّل بخوف التخليط على
стр. 1127
[٧٤٨]- وَعَن ابنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَبَّي ﷺ كَانَ يَقرَأُ فِي صَلاةِ الفَجرِ يَومَ الجُمُعَةِ: ﴿الم * تَنزِيلُ﴾ السَّجدَةِ. وَ: هَل أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهرِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقرَأُ فِي صَلاةِ الجُمُعَةِ سُورَةَ الجُمُعَةِ وَالمُنَافِقِينَ.
رواه مسلم (٨٧٩)، وأبو داود (١٠٧٤)، والترمذي (٥٢٠)، والنسائي (٣/ ١١١١).
* * *
(٩) باب ما جاء في التنفل بعد الجمعة
[٧٤٩]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا صَلَّيتُم بَعدَ الجُمُعَةِ فَصَلُّوا أَربَعًا.
ــ
الناس، وقد علل بخوف زيادة سجدة في صلاة الفرض، وهو تعليل فاسد بشهادة هذا الحديث.
(٩) ومن باب: التنفل بعد الجمعة
قوله ﷺ : إذا صليتم بعد الجمعة فصلوا أربعًا؛ أي: إذا أردتم أن تصلوا نفلا؛ كما قال في الرواية الأخرى: من كان مصلّيًا بعد الجمعة فليصل أربعًا. قال الإمام: وكل هذا إشارة إلى ترك الاقتصار على ركعتين؛ لئلا تلتبس الجمعة بالظهر التي هي أربع على الجاهل، أو لئلا يتطرق أهل البدع إلى صلاتها ظهرًا أربعًا، وإلى الأخذ بظاهر هذا الحديث ذهب أبو حنيفة، وإسحاق؛ فقالا: يصلي أربعًا لا يفصل بينهن، وروي عن جماعة من السلف أنه يصلي بعدهما ركعتين، ثم
стр. 1128
وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِن عَجِل بِكَ شَيءٌ فَصَلِّ رَكعَتَينِ فِي المَسجِدِ، وَرَكعَتَينِ إِذَا رجِعتَ.
وَفِي لَفظٍ آخَر: مَن كَانَ مِنكُم مُصَلِّيًا بَعدَ الجُمُعَةِ فَليُصَلِّ أَربَعًا.
رواه أحمد (٢/ ٢٤٩ و ٤٤٢)، ومسلم (٨٨١)(٦٨)، وأبو داود (١١٣١)، والنسائي (٣/ ١١٣)، وابن ماجه (١١٣٢).
[٧٥٠]- وَعَن ابنِ عُمَرَ، ووَصَفَ تَطَوُّعَ صَلاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: وَكَانَ لا يُصَلِّي بَعدَ الجُمُعَةِ حَتَّى يَنصَرِفَ، فَيُصَلِّي رَكعَتَينِ فِي بَيتِهِ.
رواه أحمد (٢/ ٣٥)، ومسلم (٨٨٢)(٧١)، وأبو داود (١١٢٨)، والترمذي (٤٣٢)، وابن ماجه (١١٣٠).
ــ
أربعًا، وهو مذهب الثوري وأبي يوسف، لكن استحب أبو يوسف تقديم الأربع على الاثنتين، واستحب الشافعي التنفل بعدها، وأن الأكثر أفضل. وأخذ مالك برواية ابن عمر: أنه ﷺ كان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف، فيصلي في بيته ركعتين، وجعله في الإمام أشدّ، ووسع لغيره في الركوع في المسجد، مع استحبابه ألاّ يفعلوا؛ قاله عياض.
والمقصورة: موضع من المسجد، تُقصر على الملوك والأمراء، وأول من عمل ذلك معاوية لما ضربه الخارجي، واستمر العمل عليها لهذه العلة تحصينًا للأمراء، فإن كان اتخادها لغير تلك العلة فلا يجوز، ولا يُصَلَّى فيها؛ لتفريقها الصفوف، وحيلولتها بين الإمام وبين المصلين خلفه، مع تمكنهم من مشاهدة أفعاله. وقد أجاز اتخاذها بعض المتأخرين لغير التحصين، وفيه بُعدٌ. واختلف في الصلاة فيها، فأجازه أكثر السلف وصلوا فيها؛ منهم: الحسن والقاسم بن
стр. 1129
[٧٥١]- وَعَنِ السَّائِبِ ابنِ أُختِ نَمِرٍ قَال: صَلَّيتُ مَع مُعَاوِيَةُ الجُمُعَةَ فِي المَقصُورَةِ، فَلَمَّا سَلَّمَ الإِمَامُ قُمتُ فِي مَقَامِي فَصَلَّيتُ، فَلَمَّا دَخَلَ أَرسَلَ إِلَيَّ فَقَالَ: لا تَعُد لِمَا فَعَلتَ، إِذَا صَلَّيتَ الجُمُعَةَ فَلا تَصِلهَا بِصَلاةٍ حَتَّى تَكَلَّمَ أَو تَخرُجَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَنَا بِذَلِكَ أَلا نوصَلَ بصَلاة حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَو نَخرُجَ.
رواه مسلم (٨٨٣)، وأبو داود (١١٢٩).
* * *
ــ
محمد وسالم وغيره، وأباه آخرون وكرهوه، وروي عن ابن عمر أنه كان إذا حضرت الصلاة وهو في المقصورة خرج عنها إلى المسجد، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، غير أن إسحاق قال: فإن صلى أجزأته، وقيل: هذا إذا كانت مباحة، فإن كانت محجورة إلا على آحاد؛ لم تجز فيها الجمعة؛ لأنها بتحجيرها خرجت عن حكم (١) الجامع المشترك في الجمعة.
وقوله: ألاّ توصل بصلاة، هكذا في إحدى الروايتين، وقد روي: ألا نُوصَل صلاةً، فالأولى: توصل - بالتاء -: مبني لما لم يُسَمّ فاعله، وفيه ضمير هو المفعول الذي لم يسم فاعله، وبصلاة: متعلق به. فعلى هذا يكون النهي مخصوصًا بالجمعة لفظًا. والرواية الأخرى: نُوصل - بالنون -: مبني للفاعل، وصلاة مفعول، وهذا اللفظ يعم جميع الصلوات. ومقصود هذا الحديث منع ما يؤدي إلى الزيادة على الصلوات المحدودات. والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1130
(١٠) باب التغليظ في ترك الجمعة
[٧٥١ م ١]- عَن عَبدَ الله بنَ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيرَةَ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى أَعوَادِ مِنبَرِهِ: لَيَنتَهِيَنَّ أَقوَامٌ عَن وَدعِهِمُ الجُمُعَاتِ، أَو لَيَختِمَنَّ الله عَلَى قُلُوبِهِم، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الغَافِلِينَ.
ــ
(١٠) ومن باب: التغليظ في ترك الجمعة
قوله: لينتهين أقوام عن وَدعِهم الجمعات؛ أي: تركهم. قال شمر: زعمت النحوية: أن العرب أماتوا مصدره وماضيه، والنبي ﷺ أفصح. قلت: وقد قرأ ابن أبي عبلة: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ مخفَّفًا (١)؛ أي: ما تركك، والأكثر في الكلام ما ذكره شمر عن النحويين.
وقوله: أو ليختمنّ الله على قلوبهم، ثم ليكونُن من الغافلين: حجة واضحة في وجوب الجمعة وفرضيتها. والختم: الطبع، وأصله من: ختمت الكتاب؛ إذا طبعته بطابعه، وهو في الحقيقة عبارة عما يخلقه الله تعالى في قلوبهم من الجهل والجفاء والقسوة، وهذا مذهب أهل السنة، وقال غيرهم من أهل الأهواء: هو الشهادة عليهم بما فيها، وقيل عن بعضهم: هو عَلَمٌ جعله الله في قلوبهم لتعرف الملائكة فرق ما بين من يجب مدحه ممن يجب ذمُّه. وجمهور الأئمة على أنها فرض من فروض الأعيان. وروي عن بعض الشافعية: أنها من فروض الكفاية. وقد نَقَل عن مالك من لم يُحقق أنها سنة، وتوّهم على مالك أنه يقول: إنها من قبيل المندوب المتأكد، وليس بصحيح من مذهبه، ولا مذاهب
стр. 1131
رواه أحمد (١/ ٢٣٩ و ٢٥٤ و ٢/ ٨٤)، ومسلم (٨٦٥)، والنسائي (٣/ ١٨٨ و ١٨٩)، وابن ماجه (٧٩٤).
* * *
ــ
أصحابه، لكن روى ابن وهب عنه لفظًا غلط في تأويله بعض المتأولين، وذلك: أنّ ابن وهب روى عن مالك في القرى المتصلة البيوت وفيها جماعة من المسلمين، قال: وينبغي لهم أن يجمِّعوا، إذا كان إمامهم يأمرهم أن يجمعوا فليأمِّروا رجلا فيجمِّع بهم؛ لأن الجمعة سنة، هذا نص كلامه، وظاهره: أن التجميع على هذه الحالة من سنة رسول الله ﷺ ؛ أي: من طريقته التي كان يسلكها. والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1132
(٥) أبواب صلاة العيدين
(١) باب الخروج إلى المصلى في العيدين، وخروج النساء
[٧٥١ م ٢]- عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَخرُجُ يَومَ الفِطرِ وَيَومَ الأَضحَى، فَيَبدَأُ بِالصَّلاةِ، فَإِذَا صَلَّى صَلَاتهُ وَسَلَّمَ، قَامَ فَأَقبَلَ عَلَى النَّاسِ، وَهُم جُلُوسٌ فِي مُصَلاهُم، فَإِن كَانَ لَهُم حَاجَةٌ بِبَعثٍ ذَكَرَهُ لِلنَّاسِ، أَو كَانَت لَهُ حَاجَةٌ بِغَيرِ ذَلِكَ أَمَرَهُم بِهَا. وَكَانَ يَقُولُ: تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا، وَكَانَ أَكثَرَ مَن يَتَصَدَّقُ النِّسَاءُ، ثُمَّ يَنصَرِفُ. فَلَم يَزَل
ــ
(٥) ومن أبواب العيدين
سُمِّي العيد عيدًا؛ لعوده وتكرره في كل سنة، وقيل: لعوده بالفرح والسرور، وقيل: سمّي بذلك على جهة التفاؤل؛ لأنه يعود على من أدركه. واختلف في حكم صلاة العيدين، فالجمهور على أنها سنة، وعن أبي حنيفة: أنها واجبة. وقال الأصمعي: إنها فرض.
стр. 1133
كَذَلِكَ، حَتَّى كَانَ مَروَانُ بنُ الحَكَمِ، فَخَرَجتُ مُخَاصِرًا مَروَانَ، حَتَّى أَتَينَا المُصَلَّى، فَإِذَا كَثِيرُ بنُ الصَّلتِ قَد بَنَى مِنبَرًا مِن طِينٍ وَلَبِنٍ، فَإِذَا مَروَانُ يُنَازعُنِي يَدَهُ، كَأَنَّهُ يَجُرُّنِي نَحوَ المِنبَرِ، وَأَنَا أَجُرُّهُ نَحوَ الصَّلاةِ، فَلَمَّا رَأَيتُ ذَلِكَ مِنهُ. قُلتُ: أَينَ الابتِدَاءُ بِالصَّلاةِ؟ فَقَالَ: لا، يَا أَبَا سَعِيدٍ! قَد تُرِكَ مَا تَعلَمُ. قُلتُ: كَلا، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ! لا تَأتُونَ بِخَيرٍ مِمَّا أَعلَمُ - ثَلاثَ مِرَارٍ - ثُمَّ انصَرَفَ.
رواه الإمام أحمد (١/ ٣٦ و ٤٢)، والبخاري (٣٠٤)، ومسلم (٨٨٩)، والنسائي (٣/ ١٨٧)، وابن ماجه (١٢٨٨).
[٧٥٢]- وعَن أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَت: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَن نُخرِجَهُنَّ فِي
ــ
وقوله: مخاصرًا مروان؛ أي: محاذيًا له، وأصله من الخصر، وكأنه حاذى خاصرته.
وقوله: ينازعني يده؛ أي: يجاذبني، وكلا بمعنى: لا؛ كما قال الشاعر:
فقالوا قد بَكَيَت فَقُلتُ كَلَاّ
أي: لا. وقد تقدم ذكر أول من قدم الخطبة على الصلاة في الإيمان.
وقول أم عطية: أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن؛ تعني: النساء، والضمير عائد على نساء جرى ذكرهن، وقد أبدلت من ضميرهن بقولها: العواتق والحيَّض وذوات الخدور. ولا يصح أن يُستدل بهذا الأمر على وجوب صلاة العيدين والخروج إليهما؛ لأن هذا الأمر إنما يوجه لمن ليس بمكلف بالصلاة باتفاق؛ كالحيَّض، وإنما مقصود هذا الأمر تدريب الأصاغر على الصلاة، وشهود
стр. 1134
الفِطرِ وَالأَضحَى، العَوَاتِقَ وَالحُيَّضَ وَذَوَاتِ الخُدُورِ، فَأَمَّا الحُيَّضُ فَيَعتَزِلنَ الصَّلاةَ، وَيَشهَدنَ الخَيرَ وَدَعوَةَ المُسلِمِينَ. قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِحدَانَا لا يَكُونُ لَهَا جِلبَابٌ. قَالَ: لِتُلبِسهَا أُختُهَا مِن جِلبَابِهَا.
وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَت: الحُيَّضُ يَخرُجنَ فَيَكُنَّ خَلفَ النَّاسِ، يُكَبِّرنَ مَعَ النَّاسِ.
ــ
دعوة المسلمين، ومشاركتهم في الثواب والخير، وإظهار جمال الدين. والعاتق: الجارية حين تدرك. قال ابن السِّكِّيت: العاتق: فيما بين أن تدرك إلى أن تُعَنِّس ما لم تتزوج. والخدور: البيوت، وأصله: الهودج، ويعني به: المخبآت.
وهذا الحديث حجة على خروج النساء في العيدين، وهو مذهب جماعة من السلف؛ منهم: أبو بكر، وعمر، وعلي، وابن عمر، وغيرهم، ومنهم من منعهن من ذلك جملة؛ منهم: عروة، والقاسم، ومنهم من منع الشابة دون غيرها؛ منهم: عروة، والقاسم في قول آخر لهما، ويحيى بن سعيد، وهو مذهب مالك وأبي يوسف، واختلف قول أبي حنيفة في ذلك بالإجازة والمنع، وكان مستند المانع: ما أحدثه النساء من التبرج والزينة الظاهرة.
وقوله: فأما الحيَّض فيعتزلن الصلاة؛ أي: موضع الصلاة؛ كما قال في الرواية الأخرى: يكنّ خلف الناس. وهذا تنزيه للصلاة وللمصلين من اختلاط النساء بهنّ، ولئلا تظهر مخالفة من لا يصلّي بمن يصلّي.
والجلباب: الإزار، وجمعه: جلابيب، وقيل: هي المقنعة، وقيل: هو كالملاءة والملحفة، وقيل: الخمار. ولِتُلبِسهَا أُختُهَا (١): يعني: لتُعِرها من ثيابها، وقيل: هو على المبالغة؛ يعني: أنه يخرج اثنتان في لحاف واحد.
وقوله: يكبرن مع الناس؛ يعني: إذا كبروا. والتكبير في العيد له أربعة
стр. 1135
رواه البخاري (٩٧٤)، ومسلم (٨٩٠) (١١ و ١٢)، وأبو داود (١١٣٦ - ١١٣٩)، والترمذي (٥٣٩ و ٥٤٠)، والنسائي (٣/ ١٨٠ و ١٨١)، وابن ماجه (١٣٠٧).
* * *
(٢) باب لا صلاة قبل صلاة العيدين في المصلى، ولا أذان ولا إقامة
[٧٥٣]- عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ يَومَ أَضحَى أَو فِطرٍ، فَصَلَّى رَكعَتَينِ لَم يُصَلِّ قَبلَهمَا وَلا بَعدَهَما، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلالٌ فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ،
ــ
مواطن: في الخروج إلى المصلى إلى أن يخرج الإمام للصلاة، والتكبير في الصلاة، والتكبير في (١) الخطبة بتكبير الإمام، والتكبير أيام التشريق خلف الصلوات، على الخلاف في هذه الجملة، وسيأتي ذكر بعضه.
(٢) ومن باب: لا صلاة قبل صلاة العيدين ولا بعدهما
خروج رسول الله ﷺ إلى المصلى دليل على أن مشروعية صلاة العيدين الخروج إلى المصلى، وهو الذي عمل عليه الناس. وحكمته إظهار جمال الإسلام، والمباهاة، والغلظة على الكفار، وتستوي في ذلك البلاد كلها مع التمكن، إلا مكة، فإنه لا يخرج منها في العيدين لخصوصية ملاحظة البيت.
وقوله: فأمر النساء بالصدقة؛ أي: نَدبَهن إليها، وحضّهن عليها.
стр. 1136
فَجَعَلَتِ المَرأَةُ تُلقِي خُرصَهَا وَتُلقِي سِخَابَهَا.
رواه أحمد (١/ ٣٥٥)، والبخاري (١٤٣١)، ومسلم (٨٨٤)، وأبو داود (١١٥٩)، والترمذي (٥٣٧)، والنسائي (٣/ ١٩٣)، وابن ماجه (١٢٩١).
[٧٥٤]- وَعَن عَطَاء، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، وَعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ الله الأَنصَارِيِّ، قَالا: لَم يَكُن يُؤَذَّنُ يَومَ الفِطرِ وَلا يَومَ الأَضحَى. ثُمَّ سَأَلتُهُ بَعدَ حِينٍ عَن ذَلِكَ فَأَخبَرَنِي عَن جَابِرُ بنُ عَبدِ الله الأَنصَارِيُّ: أَن لا أَذَانَ لِلصَّلاةِ يَومَ الفِطرِ حتى يَخرُج الإِمَامُ، وَلا بَعدَمَا يَخرُجُ، وَلا إِقَامَةَ، وَلا نِدَاءَ، وَلا شَيءَ. لا نِدَاءَ يَومَئِذٍ وَلا إِقَامَةَ.
رواه البخاري (٩٦٠)، ومسلم (٨٨٦)(٥)، وأبو داود (١١٤٧)، والنسائي (٣/ ١٨٢)، وابن ماجه (١٢٧٤).
ــ
والخُرص: حلقة تعلّق في الأذن، والفتخة: ما يلبس في أصابع اليد، وجمعها: فَتَخَات، وفَتَخٌ؛ قاله ابن السِّكِّيت، وقال الأصمعي: هي خواتيم لا فصوص لها، وتجمع أيضًا: فِتَاخٌ. والسِّخَاب: خيط فيه خرز، وجمعه: سُخُبٌ؛ مثل: كتاب وكتب. وقال البخاري: هي قلادة من طيبٍ أو مسكٍ، غيره: أو قرنفل، ليس فيه من الجوهر شيء. والأقرطة: جمع قرط، وقيل: صوابه: قرطة، وأقراط، [وقروط، وقيل: لا يبعد أن يكون جمع قراط] (١). قال ابن دريد: كل ما علق من شحمة الأذن فهو: قرط، كان من ذهب أو خرز.
وكونه ﷺ لم يصلّ قبلهما ولا بعدهما حجة لمالك وجماعة من السلف على الشافعي وجماعة؛ حيث أجازوا الصلاة قبلهما وبعدهما، وعلى الكوفيين،
стр. 1137
[٧٥٥] عَن جَابر بنِ سَمُرَةَ قالَ: صَلِّيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ العِيدَينِ غَيرَ مَرَّةٍ وَلا مَرَّتَينِ بِغَيرِ أَذَانٍ وَلا إِقَامَةٍ.
رواه أحمد (٥/ ١٠٧)، ومسلم (٨٨٧)، وأبو داود (١١٤٨)، والترمذي (٥٣٢).
* * *
(٣) باب الصلاة فيهما قبل الخطبة
[٧٥٦]- عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: شَهِدتُ صَلاةَ الفِطرِ مَعَ النَبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ، فَكُلُّهُم يُصَلِّيهَا قَبلَ الخُطبَةِ، ثُمَّ يَخطُبُ، قَالَ:
ــ
والأوزاعي؛ حيث أجازوا الصلاة بعدهما ومنعوها قبلهما، لكن خصّ مالك المنع بما إذا صُليا خارج المصر أخذًا بموجب فعل النبي ﷺ .
وكونه ﷺ لم يؤذن لهما، ولم يُقِم دليل على أن ذلك ليس مشروعًا فيهما، ولا في غير الفرائض من السنن الراتبة، وهذا المعلوم من عمل الناس بالمدينة وغيرها، وروي: أن معاوية أحدث الأذان لهما، وقيل: زياد، وهو الأشبه، وهذا الحديث وغيره يرد على من أخذ بذلك.
(٣) ومن باب: تقديم الصلاة على الخطبة
قد قدّمنا ذكر من قدّم الخطبة على الصلاة، وهذا الحديث وما في معناه، ونقل أهل المدينة المتصل يردان على من قدم الخطبة على الصلاة فيهما، ولا قائل به اليوم من فقهاء الإسلام.
стр. 1138
فَنَزَلَ نَبِيّ الله ﷺ كَأَنِّي أَنظُرُ إِلَيهِ حِينَ يُجَلِّسُ الرِّجَالَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَقبَلَ يَشُقُّهُم حَتَّى جَاءَ النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلالٌ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ المُؤمِنَاتُ يُبَايِعنَكَ عَلَى أَن لا يُشرِكنَ بِاللَّهِ شَيئًا﴾ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ حَتَّى فَرَغَ مِنهَا، ثُمَّ قَالَ حِينَ فَرَغَ مِنهَا: أَنتُنَّ عَلَى ذَلِكِ؟ فَقَالَتِ امرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، لَم يُجِبهُ غَيرُهَا مِنهُنَّ: نَعَم، يَا نَبِيَّ الله. لا يُدرَى حِينَئِذٍ مَن هِيَ. قَالَ: فَتَصَدَّقنَ. فَبَسَطَ بِلالٌ ثَوبَهُ، ثُمَّ قَالَ: هَلُمَّ، فِداء لَكُنَّ أَبِي وَأُمِّي، فَجَعَلنَ يُلقِينَ الفَتَخَ وَالخَوَاتِمَ فِي ثَوبِ بِلالٍ.
رواه البخاري (٤٨٩٥)، ومسلم (٨٨٤)(١)، وأبو داود (١١٤٢ - ١١٤٧)، والنسائي (٣/ ١٨٤).
ــ
وقوله: يُجَلِّسُ الرجال بيده، يعني: يشير عليهم بالجلوس، وكأنهم ظنوا أنه قد كمّل الخطبة.
وأما نزوله ﷺ إلى النساء؛ فذلك ليسمعهن، وقيل: هذا خاص بالنبي ﷺ ، ولا يجوز للإمام اليوم قطع الخطبة ووعظ من بَعُد عنه. ويظهر أن دعوى خصوصية النبي ﷺ بذلك فيه بعد؛ لعدم البيان، وإنما محمل هذا - والله أعلم - على أنه لم يقطع الخطبة، ولم يتركها تركًا متفاحشًا، وإنما كان ذلك كله قريبًا؛ إذ لم يكن المسجد كبيرًا، ولا صفوف النساء بعيدة، ولا محجوبة. والله أعلم.
وفيه من الفقه: هبة المرأة اليسير من مالها بغير إذن زوجها، ولا يقال في هذا: إن أزواجهن كانوا حُضُورًا؛ لأن ذلك لم ينقل، ولو نُقل ذلك فلم ينقل تسليم أزواجهن في ذلك، ومن ثبت له حق فالأصل بقاؤه حتى يُصرِّح بإسقاطه، ولم يصرح القوم ولا نُقل ذلك، فصحّ ما قلناه.
وقوله: فقامت امرأة واحدة إلى قوله: ولا يُدرى حينئذ من هي؟ . هكذا عند جميع الرواة، غير أن بعضهم يقول: لا يدري حَسَنٌ من هي؟ ، وكذا ذكره البخاري،
стр. 1139
[٧٥٧]- وَعَنهُ، قَالَ: أَشهَدُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ لَصَلَّى قَبلَ الخُطبَةِ، قَالَ: ثُمَّ خَطَبَ، فَرَأَى أَنَّهُ لَم يُسمِعِ النِّسَاءَ، قَالَ: فَأَتَاهُنَّ، فَذَكَّرَهُنَّ، وَوَعَظَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، وَبِلالٌ قَائِلٌ بِثَوبِهِ، فَجَعَلَتِ المَرأَةُ تُلقِي الخَاتَمَ وَالخُرصَ وَالشَّيءَ.
رواه مسلم (٨٨٤)(٢)، وابن ماجه (١٢٧٣).
[٧٥٨]- وَعَن ابنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَ ﷺ وَأَبَا بَكرٍ وَعُمَرَ، كَانُوا يُصَلُّونَ العِيدَينِ قَبلَ الخُطبَةِ.
رواه البخاري (٩٦٣)، ومسلم (٨٨٨)، والترمذي (٥٣١)،
والنسائي (٣/ ١٨٣)، وابن ماجه (١٢٧٦).
* * *
ــ
ويعني به: الحسن بن مسلم راوي الحديث عن طاوس في كتاب مسلم وغيره، ولعل قولهم حينئذ تصحيفُ حسن؛ قاله الإمام، وقال القاضي عياض: هو تصحيف بلا شك.
* * *
стр. 1140
(٤) باب ما يقال في الخطبة
[٧٥٩]- عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ الله قَالَ: شَهِدتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الصَّلاةَ يَومَ العِيدِ، - وَفِي رِوَايَةٍ: يَوم الفِطر - فَبَدَأَ بِالصَّلاةِ قَبلَ الخُطبَةِ، بِغَيرِ أَذَانٍ وَلا إِقَامَةٍ، ثُمَّ قَامَ يتَوَكّأ عَلَى بِلالٍ، فَأَمَرَ بِتَقوَى الله، وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ، وَوَعَظَ النَّاسَ وَذَكَّرَهُم، ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ، وَقَالَ: تَصَدَّقنَ، فَإِنَّ أَكثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ، فَقَامَتِ امرَأَةٌ مِن سِطَةِ النِّسَاءِ، سَفعَاءُ الخَدَّينِ، فَقَالَت: لِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ ! قَالَ: لأَنَّكُنَّ تُكثِرنَ الشَّكَاةَ، وَتَكفُرنَ العَشِيرَ. قَالَ: فَجَعَلنَ يَتَصَدَّقنَ مِن حُلِيِّهِنَّ، يُلقِينَ فِي ثَوبِ بِلالٍ مِن أَقرِطَتِهِنَّ وَخَوَاتِمِهِنَّ.
ــ
(٤) [ومن باب: ما يقال في الخطبة] (١)
قوله في الأم: فقامت امرأة من سِطة النساء؛ أي: من خيار النساء، يقال: فلان من أوسط قومه، وواسطة قومه، ووسيط قومه، وقد وَسَطَ وساطة، وسِطةً. قال القاضي: كذا وقع هذا الحرف عند عامة شيوخنا، وسائر الرواة، إلا فيما أتى به الخشني والطبري، فإنهما ضبطاه: واسطة، وهو قريب من التفسير الأول، لكن حذّاق شيوخنا زعموا: أن هذا الحرف مغيَّر في كتاب مسلم، وأن صوابه: من سفلة النساء، ويؤيِّده: قول من رواه: ليست من عِليَةِ النساء، ويعضده أيضًا قوله بعد: سفعاء الخَدَّين، والسُّفعة: شُحوب بسواد.
وقوله: تكثرن الشكاة؛ يعني: التشكي بالأزواج؛ أي: يكتمن الإحسان، ويظهرن التشكِّي كثيرًا، والعشير: الزوج، وهو معدول عن اسم الفاعل للمبالغة؛ من
стр. 1141
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ ابنُ جُرَيجٍ: قُلتُ لِعَطَاءَ: زَكَاةُ الفِطرِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِن صَدَقَةً يَتَصَدَّقنَّ بِهَا حِينَئِذٍ. تُلقِي الَمَرأَةُ فَتَخَهَا، وَيُلقِينَ وَيُلقِينَ. قُلتُ لِعَطَاءَ: أَحَقًا عَلَىَ الإِمَامِ الآنَ أَن يَأتِيَ النِساءَ حِين يفرَغَ فَيُذَكِّرهُنَّ؟ قال: أي لَعَمرِي! إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌ عَلِيهِم، وَمَا لَهُم الآنَ لَا يَفعَلُونَ ذَلِكَ؟ ! .
رواه البخاري (٩٦١)، ومسلم (٨٨٥)(٣)، وأبو داود (١٤٤١)، والنسائي (٣/ ١٨٦ - ١٨٧)، وابن ماجه (١٢٨٩).
* * *
(٥) باب ما يقرأ في صلاة العيدين
[٧٦٠]- عَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، أَنَهُ سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيثِيَّ: مَا كَانَ يَقرَأُ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الأَضحَى وَالفِطرِ؟ فَقَالَ: كَانَ يَقرَأُ فِيهِمَا بِـ ﴿ق وَالقُرآنِ المَجِيدِ﴾ واقتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ القَمَرُ.
ــ
المعاشرة والعشرةَ: وهي الخلطة، قال الخليل: يقال: هذا عشيرك، وشعيرك، على القلب.
(٥) [ومن باب: ما يقرأ في صلاة العيدين] (١)
سؤال عمر أبا واقد عما صلى به رسول الله ﷺ في العيدين: يحتمل أن يكون اختبارًا لحفظ أبي واقد، ويحتمل أن يكون استشهد به على من نازعه في ذلك، ويجوز أن يكون نَسي فاستذكر بسؤاله.
стр. 1142
رواه مسلم (٨٩١)(٤)، وأبو داود (١١٥٤)، والترمذي (٥٣٤)، والنسائي (٣/ ١٨٣ - ١٨٤).
* * *
(٦) باب الفرح واللعب في أيام الأعياد
[٧٦١]- عَن عَائِشَةَ، قَالَت: دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو بَكرٍ وَعِندِي جَارِيَتَانِ مِن جَوَارِي الأَنصَارِ، تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَت بِهِ الأَنصَارُ يَومَ بُعَاثَ.
ــ
وتخصيص النبي ﷺ صلاة العيدين بقراءة تينك السورتين؛ لما تضمنتاه من المعاني المناسبة لأحوال الخارجين إلى العيد، واجتماعهم، وصدورهم؛ فإنها تذكر بأحوال الآخرة منزلة منزلة، وفيه دليل على سنة الجهر بالقراءة فيهما، ولا خلاف فيه.
(٦) ومن باب: الفرح واللعب في أيام الأعياد
قول عائشة: وعندي جاريتان من جواري الأنصار: الجارية في النساء كالغلام في الرجال، وهما يقالان على من دون البلوغ منهما؛ ولذلك قالت عائشة عن نفسها: فاقدروا قدر الجارية العَرِبة؛ أي: الصغيرة، والعَرِبة: المحبّبة إلى زوجها، وقيل: الغَنِجة، وقيل: المشتهية للَّعب؛ كما قال في الرواية الأخرى: الحريصة على اللهو بدل: العَرِبة.
وقولها: تغنيان؛ أي: ترفعان أصواتهما بإنشاد العرب (١)، وهو المسمَّى عندهم بالنصب، وهو إنشاد بصوت رقيق فيه تمطيط، وهو يجري مجرى الحداء.
وقولها: بما تقاولت الأنصار يوم بعاث: هو بالباء المعجمة بواحدة من
стр. 1143
قَالَت: وَلَيسَتَا بِمُغَنِّيَتَينِ، فَقَالَ أَبُو بَكرٍ: أَبِمزمُورِ الشَّيطَانِ فِي بَيتِ رَسُولِ اللهِ
ــ
أسفل، والعين المهملة، هكذا رويناه وهو المعروف، وقاله أبو عبيد: بالغين المعجمة، وكان يومًا من أيام الحروب المعروفة بين الأوس والخزرج، كان الظهور فيه للأوس على الخزرج.
وقولها: وليستا بمغنيتين؛ أي: ليستا ممن يعرف الغناء كما تعرفه المغنيات المعروفات بذلك، وهذا منها تحرّز من الغناء المعتاد عند المشتهرين به، الذي يُحرِّك النفوس، ويبعثها على الهوى والغزل والمجون؛ الذي يحرِّك الساكن ويبعث الكامن. وهذا النوع إذا كان في شعرٍ يشبّب فيه بذكر النساء، ووصف محاسنهن، وذكر الخمور والمحرمات؛ لا يختلف في تحريمه؛ لأنه اللهو واللعب المذموم بالاتفاق، فأما ما يسلم من تلك المحرمات، فيجوز القليل منه، وفي أوقات الفرح؛ كالعرس والعيد، وعند التنشيط على الأعمال الشاقة، ويدل على جواز هذا النوع هذا الحديث وما في معناه، على ما يأتي في أبوابه؛ مثل ما جاء في الوليمة، وفي حفر الخندق، وفي حدو الحبشة، وسلمة بن الأكوع. فأما ما أبدعه الصوفية اليوم من الإدمان على سماع المغاني بالآلات المطربة؛ فمن قبيل ما لا يُختلف في تحريمه، لكن النفوس الشهوانية والأغراض الشيطانية قد غلبت على كثير ممن ينُسِب إلى الخير وشُهر بذكره، حتى عموا عن تحريم ذلك وعن فحشه؛ حتى قد ظهرت من كثير منهم عوارات المُجَّان والمخانيث، والصبيان، فيرقصون ويزفنون بحركات مطابقة، وتقطيعات متلاحقة؛ كما يفعل أهل السَّفَه والمجون، وقد انتهى التواقح بأقوام منهم إلى أن يقولوا: إن تلك الأمور من أبواب القرب وصالحات الأعمال، وأن ذلك يُثمر صفاء القلوب وسنِيَّات الأحوال، وهذا على التحقيق من آثار الزندقة، وقول أهل البطالة والمَخرَقَة، نعوذ بالله من البدع والفتن، ونسأله التوبة والمشي على السنن.
وقول أبي بكر: أبمزمور الشيطان؟ : إنكار منه لما سمع، مستصحبًا لما
стр. 1144
- ﷺ ؟ وَذَلِكَ فِي يَومِ عِيدٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَا أَبَا بَكرٍ! إِنَّ لِكُلِّ قَومٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا.
وَفِي رِوَايَةٍ: تَلعَبَانِ بِدُفٍّ.
وَفِي أُخرَى: وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مُسَجًّى بِثَوبِهِ. فَانتَهَرَهُمَا أَبُو بَكرٍ، فَكَشَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنهُ، فَقَالَ: دَعهُمَا يَا أَبَا بَكرٍ، فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ. وَقَالَت: رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَستُرُنِي بِرِدَائِهِ، وَأَنَا أَنظُرُ إِلَى الحَبَشَةِ وَهُم يَلعَبُونَ، وَأَنَا جَارِيَةٌ، فَاقدِرُوا قَدرَ الجَارِيَةِ العَرِبَةِ الحَدِيثَةِ السِّنِّ.
ــ
كان مقررا (١) عنده من تحريم اللهو والغناء جملة؛ حتى ظن أن هذا من قبيل ما يُنكر، فبادر إلى ذلك، قيامًا عن النبي ﷺ بذلك على ما ظهر له، وكأنه ما كان تبيَّن له أن النبي ﷺ قررهن على ذلك بعد، وعند ذلك قال له النبي ﷺ : دعهما، ثم علل الإباحة: بأنه يوم عيد؛ يعني أنه يوم سرور وفرح شرعي، فلا ينكر فيه مثل هذا.
والمزمور: الصوت، ونسبته إلى الشيطان؛ ذمٌّ على ما ظهر لأبي بكر. قال الإمام: فأما الغناء بآلة مُطربةٍ فيُمنع، وبغير آلة اختلف الناس فيه، فمنعه أبو حنيفة، وكرهه الشافعي ومالك، وحكى أصحابُ الشافعي عن مالك: أن مذهبه الإجازة من غير كراهة.
قال القاضي: المعروف من مذهب مالك المنع لا الإجازة. قلت: ذكر الأئمة هذا الخلاف هكذا (٢) مطلقًا، ولم يفصلوا موضعه، والتفصيل الذي ذكرناه لا بد من اعتباره، وبما ذكرناه يجتمع شمل مقصود الشرع الكلي ومضمون
стр. 1145
وفي أخرى: الحَرِيصَةِ عَلَى اللهوِ.
وَفِي أُخرَى: يَلعَبُونَ بِحِرَابِهِم في مَسجِدِ النبي ﷺ .
رواه أحمد (٦/ ٣٣ و ١٢٧)، والبخاري (٩٤٩)، ومسلم (٨٩٢) (١٦ و ١٧ و ١٨)، والنسائي (٣/ ١٩٥).
[٧٦٢] وعنها قَالَت: كَانَ يَومَ عِيدٍ، يَلعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَإِمَّا قَالَ: تَشتَهِينَ؟ فَقَالَت: نَعَم، فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ، خَدِّي عَلَى خَدِّهِ وَهُوَ يَقُولُ: دُونَكُم يَا بَنِي أَرفِدَةَ، حَتَّى إِذَا
ــ
الأحاديث الواردة في ذلك، وينبغي أن يُستثنى من الآلات التي ذكر الإمام: الدّفّ، فإنه قد جاء ذكره في هذا الحديث، وفي حديث العرس.
وتسجية رسول الله ﷺ وجهه بثوبه؛ إعراض عنهما. وقالت في الحديث الآخر: إن النبي ﷺ كان على الفراش مضطجعًا، وإنه حوّل وجهه عند غِناء الجاريتين، وكأنه أعرض عن ذلك الغناء؛ لأنه من قبيل اللغو الذي يعرض عنه. وأما لعب الحبشة في المسجد فكان لعبًا بالحراب والدَّرَق تواثُبًا ورقصًا بهما، وهو من باب التدريب على الحرب والتمرين والتنشيط عليه، وهو من قبيل المندوب؛ ولذلك أباحه النبى ﷺ في المسجد، وفيه دليل على جواز نظر النساء إلى الأجانب من الرجال على مثل هذه الحال التي قد أُمنت المفاسد والفتن فيها.
وإنكار عمر عليهم تمسك منه بالصورة الظاهرة؛ كما قلنا في حق أبي بكر ﵄، وفيه أبواب من الفقه لا تخفى.
وقوله: دونكم يا بني أرفِدة: دونكم: منصوب على الظرف؛ بمعنى (١)
(٦) أبواب الاستسقاء
(١) باب الخروج إلى المصلى لصلاة الاستسقاء، وكيفية العمل فيها
[٧٦٤]- عَن عَبدَ الله بنَ زَيدٍ المَازِنِيَّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى
ــ
(٦) ومن أبواب صلاة الاستسقاء
حديث عبد الله بن زيد يقتضي: أن سنة الاستسقاء الخروج إلى المصلى، والخطبة، والصلاة، وبذلك قال جمهور العلماء. وذهب أبو حنيفة إلى: أنه ليس من سنته صلاة ولا خروج، وإنما هو دعاء لا غير. وهذا الحديث وما في معناه يردّ عليه، ولا حجة لأبي حنيفة في حديث أنس؛ إذ فيه: أن النبي ﷺ دعا من غير صلاة ولا غيرها؛ لأن ذلك كان دعاء عُجِّلت إجابته، فاكتفى به عما سواه، ولم يقصد بذلك بيان سنة الاستسقاء، ولما قصد البيان بيّن بفعله؛ كما في حديث عبد الله بن زيد. وظاهر هذا الحديث: أن الخطبة مقدمة على الصلاة؛ لأنه جاء فيه بـ ثم التي للترتيب والمُهلة، وبذلك قال مالك في أول قوليه، وهو قول كثير من الصحابة. والجمهورُ: على أن الصلاة مقدمة على الخطبة، وإليه رجع مالك، وهو
стр. 1148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله في الموطأ، وكان مستند هذا القول: رواية من روى هذا الخبر بالواو غير المرتبة بدل ثم، وما روي عن إسحاق بن عيسى بن الصباغ عن مالك: أنه ﷺ بدأ بالصلاة قبل الخطبة، وهذا نص. ويُعتضد هذا بقياس هذه الصلاة على صلاة العيدين؛ لسبب أنهما يخرج لهما، ولهما خطبة. ولم يذكر في حديث عبد الله بن زيد هذا: أنها يكبر لها كما يكبر في العيد، ولذلك لم يَصِر إليه أكثر العلماء: مالك وغيره. وقد قال بالتكبير فيها جماعة؛ منهم: ابن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، والشافعي، والطبري، وحجتهم: حديث ابن عباس الذي خرّجه أبو داود، قال فيه: خرج رسول الله ﷺ متذلِّلا، متواضعًا، متضرعًا، حتى أتى المصلى، فرقي على المنبر ولم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير، ثم صلى ركعتين، كما يصلي في العيد (١)، وهذا لا ينتهض حجة، فإنه يصدق على التشبيه، وإن كان من بعض الوجوه، ولا يلزم التشبيه من كل الوجوه، إلا في شبيهٍ ومثيل؛ للمبالغة التي فيه؛ فإن العرب تقول: زيد كالأسد، وكالبحر، وكالشمس؛ تريد بذلك أنه يشبهه في وجهٍ من الوجوه، على أن هذا الحديث قد رواه الدارقطني، وقال فيه: صلّى ركعتين؛ كبّر في الأولى بسبع تكبيرات، وقرأ: بـ (سبح اسم ربك الأعلى)، وقرأ في الثانية: (هل أتاك حديث الغاشية)، وكبّر خمس تكبيرات (٢)، وهذا نصٌّ، غير أن هذا الطريق في إسناده محمد بن عمر بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ضعيف الحديث، ذكره ابن أبي حاتم. ولا خلاف في أنه يجهر فيهما بالقراءة، وقد ذكره البخاري، ويُخطب فيهما خطبتان، يجلس في أولاهما ووسطهما، وهو قول مالك والشافعي، وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن وعبد الرحمن بن مهدي: يخطب خطبة واحدة لا جلوس فيها، وخيّره الطبري.
стр. 1149
المُصَلَّى فَاستَسقَى، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ استَقبَلَ القِبلَةَ.
وَفِي رِوَايَةٍ: خَرَجَ إِلَى المُصَلَّى يَستَسقِي، وَأَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَن يَدعُوَ استَقبَلَ القِبلَةَ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ.
وَفِي أُخرَى: فَجَعَلَ إِلَى النَاسِ ظَهرَهُ يَدعُو الله، وَاستَقبَلَ القِبلَةَ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَ صَلَّى رَكعَتَينِ.
وَفِي أُخرَى: قَلَبَ رِدَاءَهُ، وَصَلَّى رَكعَتَينِ.
ــ
وقوله: استسقى، وحوّل رداءه، وقلب رداءه: استسقى: استفعل؛ أي: طلب السقيا بتضرُّعه ودعائه، وإنما قلب رداءه على جهة التفاؤل؛ لانقلاب حال الشدة إلى السَّعة. وجمهور العلماء على أنه سنة، على ما تضمنه هذا الحديث، وأنكره أبو حنيفة، وضعفه ابن سلَاّم من قدماء العلماء بالأندلس، والحديث حجة عليهم. ثم الذين قالوا بالتحويل اختلفوا؛ فمنهم من قال: إنه يرد ما على يمينه على شماله، ولا ينكسه، وهم الجمهور، وقال الشافعي بمصر (١): ينكسه، فيجعل ما على (٢) رأسه أسفل، وسبب هذا الخلاف: اختلافهم في مفهوم قول الصاحب (٣): حوّل وقلب، هل هما بمعنى واحد، أو بينهما فرقان؟ ثم هل يحوِّل الناس أرديتهم إذا حوَّل الإمام أم لا؟ قال مالك: نعم، وقال الجمهور: لا. ومتى يحوِّله؟ فقيل: بين الخطبتين، وقيل: عند الإشراف عليهما، والقولان لمالك، والثاني هو المشهور عنه، وبه قال الشافعي.
ثم هل يرجع بعد تمام دعائه فيذكّر الناس أو لا؟ قولان. ولا خلاف في تحويل الإمام وهو قائم، وتحويل الناس - عند من يقول به - وهم جلوس.
стр. 1150
رواه البخاري (١٠٠٥)، ومسلم (٨٩٤) (١ و ٢ و ٣ و ٤)، وأبو داود (١٦٦١ - ١١٦٤)، والترمذي (٥٥٦)، والنسائي (٣/ ١٥٥ و ١٥٧).
[٧٦٥]- وعَن أَنَسٍ، أَنَّ نَبِيَّ الله ﷺ كَانَ لا يَرفَعُ يَدَيهِ فِي شَيءٍ مِن دُعَائِهِ إِلا فِي الاستِسقَاءِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبطَيهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَهُ عَلَيهِ الصلاة السَلَام استَسقَى فَأَشَارَ بِظَهرِ كَفَّيهِ إِلَى السَّمَاءِ.
رواه البخاري (٩٣٣)، ومسلم (٨٩٥)(٧) و (٨٩٦)، وأبو داود (١١٧٤ و ١١٧٥)، والنسائي (٣/ ١٥٤ و ١٥٥).
* * *
ــ
وقول أنس: إنه ﷺ كان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء، يعني: أنه لم يكن يبالغ في الرفع، إلا في الاستسقاء. ولذلك قال: حتى يرى بياض إبطيه، وإلا فقد رفع النبي ﷺ يوم بدر عند الدعاء، وفي غير ذلك. وقد روى الترمذي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا رفع يديه عند الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه (١). قال: هذا حديث صحيح غريب. وقد استحب جماعة من العلماء رفع اليدين عند الدعاء. وقد روي عن مالك كراهة رفع الأيدي في شيء من الأشياء، ووجهه: مخافة اعتقاد الجهة. ثم اختلفوا في كيفية الرفع، فاختار مالك: الإشارة بظهور كفيه إلى السماء كما في هذا الحديث، وهو رفع الرَّهب. وقيل: يشير ببطونهما إلى السماء. وهو رفع الرغب والطلب.
стр. 1151
(٢) باب الدعاء في السُّقيَا في المسجد وبغير صلاة
[٧٦٦]- عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَجُلا دَخَلَ المَسجِدَ يَومَ جُمُعَةٍ، مِن بَابٍ كَانَ نَحوَ دَارِ القَضَاءِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ يَخطُبُ، فَاستَقبَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَائِمًا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَتِ الأَموَالُ وَانقَطَعَتِ
ــ
(٢) ومن باب: الدعاء في السقيا
دار القضاء سميت بذلك؛ لأنها بيعت في قضاء دَينِ عمر بن الخطاب الذي كتبه على نفسه لبيت مال المسلمين، وأوصى أن يباع فيها ماله، فباع عبد الله ابنه داره هذه من معاوية، وباع ماله بالغابة، فكان يُقال لها: دار قضاء دين عمر، ثم اختصروا فقالوا: دار القضاء، وهي دار مروان، وكان دين عمر عشرين ألفًا، وقد غلط من قال فيها (١): دار قضاء الأمراء.
وظاهر هذا الحديث يدل على جواز كلام الداخل مع الخطيب في حال خطبته، ويحتمل أن يكون إنما كلّمه في حال سكتةٍ كانت من النبي ﷺ ؛ إما لاستراحة في النطق، وإما في حال الجلوس. والله أعلم.
وقوله: هلكت الأموال؛ أي: المواشي. وأصل المال: كل ما يُتَمَوَّل، وعُرفُه عند العرب: الإبل؛ لأنها معظم أموالهم. وانقطعت السبل؛ أي: الطرق؛ لهلاك الإبل، ولعدم ما يؤكل في الطرق.
стр. 1152
السُّبُلُ، فَادعُ الله يُغِثنَا. قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيهِ ثُمَّ قَالَ: اللهمَّ أَغِثنَا، اللهمَّ أَغِثنَا، اللهمَّ أَغِثنَا، قَالَ أَنَسٌ: فَلا وَالله، مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِن سَحَابٍ وَلا قَزَعَةٍ، وَمَا بَينَنَا وَبَينَ سَلعٍ مِن بَيتٍ وَلا دَارٍ. قَالَ: فَطَلَعَت مِن وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثلُ التُّرسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انتَشَرَت، ثُمَّ أَمطَرَت. قَالَ: فَلا وَالله مَا رَأَينَا الشَّمسَ سَبتًا. قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِن ذَلِكَ البَابِ فِي الجُمُعَةِ
ــ
وقوله: اللهم أغثنا بالهمزة رباعيًا، هكذا رويناه، ومعناه: هب لنا غيثًا، والهمزة فيه للتعدية، وقال بعضهم: صوابه: غِثنا؛ لأنه من غاث. قال: وأما أغثنا؛ فإنه من الإغاثة، وليس من طلب الغيث، والأول الصواب. والله أعلم.
وقوله: ولا قزعة؛ أي: ولا قطعة من سحاب، وجمعه: قزع. قال أبو عبيد: وأكثر ما يكون في الخريف. وسلع: بفتح السين المهملة، وسكون اللام، وهو: جبل مشهور بقرب المدينة. في البخاري: هو الجبل الذي في السوق (١).
وتشبيه السحابة بالتُّرس؛ في كثافتها واستدارتها. وأمطرت: أنزلت رباعيًا، ويقال: ثلاثيًّا؛ بمعنى واحد، وقيل: أمطر في العذاب، ومطر في الرحمة. والأول أعرف.
وقوله: ما رأينا الشمس سبتًا؛ أي: من سبتٍ إلى سبتٍ؛ كما تقول: جمعة؛ أي: من جمعة إلى جمعة. والسبت في اللغة: القطع، وبه سُمِّي يوم السبت. وقال ثابت في تفسير قوله: سبتًا: أنه القطعة من الزمان، يقال: سبتٌ من الدهر؛ أي: قطعة منه، وسبتُّه: قطعته، وقد رواه الداودي: سِتًّا، وفسره: بستة أيام من الدهر، وهو تصحيف.
стр. 1153
المُقبِلَةِ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ يَخطُبُ فَاستَقبَلَهُ قَائِمًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلَكَتِ الأَموَالُ وَانقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادعُ الله يُمسِكهَا عَنَّا. قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيهِ، ثُمَّ قَالَ: اللهمَّ حَولَنَا وَلا عَلَينَا، اللهمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الأَودِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ. قَالَ: فَانقَلَعَت وَخَرَجنَا نَمشِي فِي الشَّمسِ.
رواه أحمد (٣/ ١٠٤ و ١٨٧)، والبخاري (١٠١٣)، ومسلم (٨٩٧)(٨)، وأبو داود (١١٧٤ و ١١٧٥)، والنسائي (٣/ ١٥٤ و ١٥٥).
[٧٦٧]- وَعَنهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخطُبُ يَومَ الجُمُعَةِ فَقَامَ إِلَيهِ النَّاسُ فَصَاحُوا، وَقَالُوا: يَا نَبِيَّ الله، قَحَطَ المَطَرُ،
ــ
وقوله في الثانية: هلكت الأموال وانقطعت السبل؛ أي: لامتناع الرعي والتصرف؛ لكثرة المطر. وحوالينا: ظرف متعلق بمحذوف، تقديره: اللهم أنزل حوالينا ولا تنزل علينا. والآكام: جمع أكمة، وهي: دون الجبال. والآكام: بفتح الهمزة والمد، ويقال بالكسر: إِكام، وأَكم، وأُكم - بفتحها وضمها -، وقال الخليل: الأكَمة: هو تل. والظِّراب: الروابي، واحدتها: ظرب، ومنه الحديث: فإذا حُوتٌ مثل الظِّرب (١). قال الثعالبي: الأكمة: أعلى من الرابية.
وقحط المطر؛ أي: امتنع وانقطع، وفي البارع: قَحَطَ المطر: بفتح القاف والحاء. وقحط الناسُ: بفتح الحاء وكسرها، وفي الأفعال بالوجهين في المطر، وحُكي: قُحِط الناسِ - بضم القاف وكسر الحاء -، يُقحطون، قحطًا وقحوطًا (٢).
стр. 1154
وَاحمَرَّ الشَّجَرُ، وَهَلَكَتِ البَهَائِمُ، وَسَاقَ الحَدِيثَ. وَفِيهِ: فَتَقَشَّعَت عَنِ المَدِينَةِ، فَجَعَلَت تُمطِرُ حَوَالَيهَا، وَمَا تُمطِرُ بِالمَدِينَةِ قَطرَةً، فَنَظَرتُ إِلَى المَدِينَةِ، وَإِنَّهَا لَفِي مِثلِ الإِكلِيلِ.
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: اللهمَّ حَوَالَينَا وَلا عَلَينَا قَالَ: فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ إِلا تَفَرَّجَت، حَتَّى رَأَيتُ المَدِينَةَ فِي مِثلِ الجَوبَةِ، وَسَالَ وَادِي قَنَاة شَهرًا، وَلَم يَجِئ أَحَدٌ مِن نَاحِيَةٍ إِلا أَخبَرَ بِجَودٍ.
وَفِي أُخرَى: فَرَأَيتُ السَحَابَ يَتَمَزَّقُ كَأَنَّهُ المُلَاءُ حِينَ يُطوَى.
ــ
واحمرّ الشجر: يبس. وتقشعت: انكشفت، والإكليل: قال أبو عبيد: هو ما أحاط بالظفر من اللحم، والإكليل أيضًا: العصابة، وروضة مكللة: محفوفة بالنَّور، وأصله: الاستدارة. والجوبة: هي الفجوة بين البيوت، والفجوة أيضًا: المكان المتسع من الأرض، والمعنى: أن السحاب تقطّع حول المدينة مستديرًا، وانكشف عنها حتى باينت ما جاورها مباينة الجوبة لما حولها. وقال الداودي: هي كالحوض المستدير. ومنه قوله: ﴿وَجِفَانٍ كَالجَوَابِ﴾ وواحدة الجوابي: جابية. وقناة: اسم وادٍ من أودية المدينة، وكأنه سمّي مكانه قناة، وقد جاء في غير كتاب مسلم: وسال وادي قناة شهرًا على الإضافة.
والجَود: المطر الواسع الغزير.
ويتمزق: يتقطع، والمُلا مقصورًا - جمع ملاءةٍ -، وهي: الملاحف.
وانجابت انجياب الثوب؛ أي: تقطعت كما يتقطع الثوب قطعًا متفرقة.
وقوله هنا: حين يُطوى؛ يعني: أن السحاب بعد أن كان منتشرًا؛ انضمّ عن جهات المدينة، فصار كأنه ثوب طوي عنها.
стр. 1155
رواه مسلم (٨٩٧) (٩ و ١٠ و ١٢).
* * *
(٣) باب التبرك بالمطر، والفرح به، والتعوُّذ عند الريح والغيم
[٧٦٨]- عَن أَنَسٍ، قَالَ: أَصَابَنَا وَنَحنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَطَرٌ، قَالَ: فَحَسَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَوبَهُ، حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ المَطَرِ، فَقُلنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! لِمَ صَنَعتَ هَذَا؟ قَالَ: لأَنَّهُ حَدِيثُ عَهدٍ بِرَبِّهِ - تعالى -.
رواه أحمد (٣/ ٢٦٧)، ومسلم (٨٩٨)، وأبو داود (١١٠٠).
ــ
ولا يخفى ما في هذا الحديث من الأحكام، ومن كرامات (١) النبي ﷺ .
(٣) ومن باب: التبرك بالمطر
قوله: فحسر رسول الله ﷺ ثوبه؛ أي: كشفه عن جسده.
وقوله: لأنه حديث عهدٍ بربه؛ أي: بإيجاد ربّه له، وهذا منه ﷺ تبرُّك بالمطر، واستشفاء به؛ لأن الله - تعالى - قد سَمّاه رحمة، ومباركًا وطهورًا، وجعله سبب الحياة، ومُبعدًا عن العقوبة. ويستفاد منه احترام المطر، وترك الاستهانة به.
стр. 1156
[٧٦٩]- وَعَن عَائِشَةَ، زَوجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا كَانَ يَومُ الرِّيحِ وَالغَيمِ عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجهِهِ، وَأَقبَلَ وَأَدبَرَ، فَإِذَا مَطَرَت سُرَّ بِهِ، وَذَهَبَ عَنهُ ذَلِكَ. قَالَت عَائِشَةُ: فَسَأَلتُهُ. فَقَالَ: إِنِّي خَشِيتُ أَن يَكُونَ عَذَابًا سُلِّطَ عَلَى أُمَّتِي، وَيَقُولُ إِذَا رَأَى المَطَرَ: رَحمَةٌ.
رواه أحمد (٦/ ٦٦)، والبخاري (٤٨٢٩)، ومسلم (٨٩٩)، وأبو داود (٥٠٩٨)، والترمذي (٣٢٥٧).
[٧٧٠]- وَعَنهَا، قَالَت: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ قَالَ: اللهمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ خَيرَهَا، وَخَيرَ مَا فِيهَا وَخَيرَ مَا أُرسِلَت بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِن شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرسِلَت بِهِ، قَالَت: وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ تَغَيَّرَ لَونُهُ وَخَرَجَ وَدَخَلَ وَأَقبَلَ وَأَدبَرَ، فَإِذَا مَطَرَت سُرِّيَ عَنهُ، فَعَرَفتُ ذَلِكَ فِي وَجهِهِ، قَالَت عَائِشَةُ: فَسَأَلتُهُ. فَقَالَ: لَعَلَّهُ يَا عَائِشَةُ! كَمَا قَالَ قَومُ عَادٍ: ﴿فَلَمَّا رَأَوهُ عَارِضًا مُستَقبِلَ أَودِيَتِهِم قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمطِرُنَا﴾
ــ
وقوله ﷺ : إني خشيت أن يكون عذابًا سُلّط على أمتي؛ يعني: على العُتاة عليه، العصاة له من أمته. وكان ﷺ لعظيم حلمه ورأفته وشفقته، يرتجي لهم الفلاح والرجوع إلى الحق، وهذا كما قال يوم أحد: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون (١)، وقيل: خاف أن تعمّهم عقوبة بسبب العصاة منهم، والأول أوضح.
وعصفت: اشتدَّت وبردت. وتَخيّلت السماء؛ أي: كَثُر فيها السحاب. والمخيلة - بفتح الميم -: سحابة فيها رعد وبرق، لا ماء فيها، ويقال في السماء إذا تغيَّمت: أخالت، فهي مُخيلة - بالضم -، قاله أبو عبيد.
стр. 1157
رواه البخاري (٣٢٠٦)، ومسلم (٨٩٩)(١٥)، والترمذي (٣٤٤٩)، والنسائي (١٠٧٧٦) في الكبرى.
[٧٧١]- وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: نُصِرتُ بِالصَّبَا، وَأُهلِكَت عَادٌ بِالدَّبُورِ.
رواه أحمد (١/ ٣٢٤ و ٣٤١)، والبخاري (٣٣٤٣)، ومسلم (٩٠٠).
[٧٧٢]- وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَيسَتِ السَّنَةُ بِأَلا تُمطَرُوا وَلَكِنِ السَّنَةُ أَن تُمطَرُوا، وَتُمطَرُوا، وَلا تُنبِتُ الأَرضُ شَيئًا.
رواه أحمد (٢/ ٣٤٢)، ومسلم (٢٩٠٤).
* * *
ــ
والصَّبَا: الريح الشرقية، والدَّبور - بفتح الدال -: الريح الغريبة.
والسَّنَة (١): الجدب. وأراد ﷺ بقوله ﷺ : ليست السَّنَة ألا تُمطروا: وأن الأحق باسم السَّنَة والجدب أن يتوالى المطر، حتى تغرق الأرض ويفسد ما عليها بكثرته وتواليه، وإنما كان هذا أحق بالاسم؛ لأنه أمنع من التصرف، وأضيق للحال، وأعدم للقوت، وأسرع في الإهلاك. وأسلوب هذا الحديث كأسلوب قوله: ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس (٢)، وليس المسكين بالطوّاف عليكم (٣)، إلى غير ذلك مما في بابه.
стр. 1158
(٧) أبواب كسوف الشمس والقمر
(١) باب الأمر بالصلاة والذكر والصدقة عند الكسوف
[٧٧٣]- عَن أَبِي مَسعُودٍ الأَنصَارِيُ، قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : إِنَّ الشَّمسَ وَالقَمَرَ لَيسَ يَنكَسِفَانِ لِمَوتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِن آيَاتِ الله، فَإِذَا رَأَيتُمُوهُ فَقُومُوا فَصَلوا.
ــ
(٧) أبواب الكسوف
الكسوف: التغيير إلى سواد، ومنه: كسف وجهه؛ إذا تغير. والخسوف: النقصان، قاله الأصمعي. والخسف أيضًا: الذلّ، ومنه: سامه خُطَّةَ خَسَفٍ؛ أي: ذُلّ، فكسوف الشمس والقمر وخسوفهما: تغيُّرهما، ونقصان ضوئهما، فهما بمعنى واحد، هذا هو المستعمل في القرآن وفي الأحاديث، وقد قال بعض اللغويين: لا يقال في الشمس إلا: كُسفت، وفي القمر إلا: خُسف، وذُكر هذا عن عروة. وقال الليث بن سعد: الخسوف في الكل، والكسوف في البعض، يعني في الشمس والقمر.
وقوله: فإذا رأيتموه فقوموا فصلوا؛ يعني: الكسوف، فأعاد عليه ضمير المذكّر، وفي الأخرى: فإذا رأيتموها، أعاده على كسوف الشمس وخسوف
стр. 1159
وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِذَا رَأَيتُم مِنهَما شَيئًا فَصَلُّوا وَادعُوا حَتَى ينكَشِفَ مَا بِكُم.
رواه البخاري (١٠٤١)، ومسلم (٩١١)(٢١)، والنسائي (٣/ ١٢٦)، وابن ماجه (١٢٦١).
[٧٧٤]- وَمِن حَدِيثِ عَائِشَةَ: فَإِذَا رَأَيتُمُوهُمَا فَكَبِّرُوا وَادعُوا الله، وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا.
رواه أحمد (٦/ ١٦٤ و ١٦٨)، والبخاري (١٠٥٨)، ومسلم (٩٠١)(١)، وأبو داود (١١٧٧ - ١١٩١)، والترمذي (٥٦١ و ٥٦٣)، والنسائي (٣/ ١٢٧)، وابن ماجه (١٢٦٣).
ــ
القمر، وهذا يدل على التسوية بين كسوف الشمس وخسوف القمر في الصلاة في الأمر بالصلاة عندهما، وبذلك قال جميع الفقهاء والعلماء من السلف وغيرهم، غير أنهم اختلفوا في حكم ذلك وكيفيته، فالجمهور: على أن صلاة كسوف الشمس سنة مؤكدة، وأنها يُجمع لها، وأنها تُصلى بإمام، على خلاف في كيفية ذلك يُذكر فيما بعد. وذهب أهل الكوفة إلى أنها لا يُجتمع لها، وأنها ركعتين ركعتين، ومستندهم: حديث عبد الرحمن بن سمرة الآتي (١)، وليس بنص فيما قالوه؛ فإنه قال فيه: فلما حسر عنها قرأ سورتين وصلى ركعتين (١)؛ لاحتمال أن يكون إنما أخبر عن حكم ركعة واحدة، وسكت عن الأخرى. والله أعلم. ثم لو سُلِّم ذلك لأمكن أن يقال: إن النبي ﷺ صلى ذلك كذلك ليبيّن جواز ذلك، وغيره من الأحاديث يدل على أن السنة ما تضمنته تلك الأحاديث.
стр. 1160
[٧٧٥]- وَمِن حَدِيثِ أَبِي مُوسَى: فَإِذَا رَأَيتُم مِنهَا شَيئًا فَافزَعُوا إِلَى ذِكرِ اللهِ وَدُعَائِهِ وَاستِغفَارِهِ.
رواه البخاري (١٠٥٩)، ومسلم (٩١٢)، والنسائي (٣/ ١٥٣ و ١٥٤).
* * *
(٢) باب كيفية العمل فيها، وأنها ركوعان في كل ركعة
[٧٧٦]- عَن عَائِشَةَ قَالَت: خَسَفَتِ الشَّمسُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى المَسجِدِ، فَقَامَ فَكَبَّرَ، وَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ، فَاقتَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قِرَاءَةً طَوِيلَةً - مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَاسٍ: نَحوَ سُورَةِ البَقَرَة - ثُمَّ
ــ
وأما خسوف القمر فذهب مالك وأبو حنيفة: إلى أنه لا يُجتمع لصلاته، وأنها تصلى ركعتين ركعتين كسائر النوافل، وذهب جمهور من الصحابة والعلماء وأصحاب الحديث والشافعي إلى أنها تجمع لها، وتصلى على كيفية مخصوصة، على الخلاف الذي يأتي ذكره.
وقوله: فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه؛ يعني: تفزَّعوا إليهما، وأقبلوا عليهما، وقد قدمنا ذكر أقسام الفزع.
(٢) ومن باب: كيفية العمل فيهما
ذهب الجمهور إلى أن صلاة كسوف الشمس ركعتان، في كل ركعة ركوعان على ما في حديث عائشة ﵂ وما في معناه، قال أبو عمر: وهذا أصح ما في هذا الباب، وغيره من الروايات التي خالفته معلولة ضعيفة، وأما