← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قَالَ: فَأَخبِرنِي عَنِ السَّاعَةِ؟ قَالَ: مَا المَسؤُولُ عَنهَا بِأَعلَمَ مِنَ السَّائِلِ. قَالَ: فَأَخبِرنِي عَن أَمَاراتِهَا؟ ــ والملائكة: جمعُ مَلَك، وقد اختُلِفَ في اشتقاقه ووزنه؛ فقال ابن شُميل: لا اشتقاقَ له، وقال ابن كَيسَانَ: وزنه: فَعَلٌ من المُلكِ، وقال أبو عُبَيدَة: هو مَفعَلٌ من: لَأَكَ، أي: أرسَلَ، وقال غيره: إنه مأخوذٌ من الأَلُوكَة، وهي الرسالة، فكأنها تؤلك في الفم، قال لَبِيدٌ: وَغُلَامٍ أَرسَلَتهُ أُمُّهُ ... بِأَلُوكٍ فَبَذَلنَا ما سَأَل فأصله على هذا: مَألَكٌ؛ فالهمزة فاءُ الفعل، لكنَّهم قلبوها إلى عينه، فقالوا: مَلأَكٌ، ثم سهَّلوه، فقالوا: مَلَاكٌ، وقد جاء على أصله في الشعر؛ قال (١): فَلَستَ لِإِنسِيٍّ ولَكِن لِمَلأَكٍ ... تَنَزَّلَ مِن جَو السَّمَاءِ يَصُوبُ وقيل: هو مَلكٌ من مَلَكَ، نحو: شَمَلٍ من شَمَلَ. والساعة في أصل الوضع: مقدارٌ مَّا من الزمان، غيرُ معيَّن ولا محدود؛ لقوله تعالى: مَا لَبِثُوا غَيرَ سَاعَةٍ. وفي عرف أهل الشرع: عبارةٌ عن يوم القيامة. وفي عرف المعدِّلين (٢): جزءٌ من أربعة وعشرين جزءا من أوقاتِ الليل والنهار. والأشراط: هي الأَماراتُ والعلامات (٣)؛ ومنه قوله تعالى: فَقَد جَاءَ أَشرَاطُهَا وبها سمي الشُّرَطُ؛ لأنَّهم يُعلِمُون أنفسَهُم بعلامات يُعرَفون بها.

стр. 142

قَالَ: أَن تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، ــ والأمَة هنا هي: الجاريةُ المستَولَدَة، وربَّها سَيِّدها، وقد سُمِّي بعلا في الرواية الأخرى، كما سماه الله تعالى بعلا في قوله: أَتَدعُونَ بَعلًا وَتَذَرُونَ أَحسَنَ الخَالِقِينَ. في قول ابن عباس، وحُكِيَ عنه أنه قال: لم أدر ما البَعلُ حتَّى قلتُ لأعرابيٍّ: لِمَن هذه الناقةُ؟ فقال: أنا بَعلُها. وقد سُمِّي الزوجُ بَعلاً، ويجمع: بُعُولة؛ كما قال تعالى: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا بَعلِي شَيخًا ورَبَّتها: تأنيثُ رَبٍّ. واختُلِف في معنى (قوله: أن تلد الأمةُ رَبَّتهَا) على ثلاثة أقوال: أحدها: أن المراد به: أن يستولي المسلمون على بلاد الكُفرِ، فيكثُرُ التسرِّي؛ فيكونُ ولَدُ الأَمَةِ من سيِّدها بمنزلة سيِّدها؛ لشرفِهِ بأبيه، وعلى هذا: فالذي يكون مِن أشراطِ الساعة: استيلاءُ المسلمين على المشركين، وكَثرَةُ الفتوح والتسرِّي. وثانيها: أن يبيعَ السادةُ أمّهاتِ أولادهم، ويكثُرَ ذلك؛ فتتداوَلُ الأمهات المستولَدَةَ، فربَّما يشتريها ولدها أو ابنتها ولا يشعر بذلك؛ فيصيرُ ولدُهَا ربَّها، وعلى هذا: فالذي يكون من الأشراط: غلبةُ الجهلِ بتحريمِ بيعِ أُمَّهَاتِ الأولاد، والاستهانةُ بالأحكام الشرعيَّة؛ وهذا على قولِ مَن يرى تحريمَ بيعِ أُمَّهاتِ الأولاد، وهم الجمهور؛ ويصحُّ أن يحمَلَ ذلك على بيعهنَّ في حال حَملِهِنَّ، وهو محرَّمٌ بالإجماع. وثالثها: أن يكثُرَ العقوقُ في الأولاد، فيُعَامِلَ الولدُ أُمَّهُ معاملةَ السيِّد أمَتَهُ من الإهانة والسَّبِّ؛ ويشهدُ لهذا قولُهُ في حديث أبي هريرة: المَرأَة مكان الأَمَة. وقولُهُ ﷺ : لا تقومُ الساعةُ حتَّى يكونَ الوَلَدُ غَيظًا (١).

стр. 143

وَأَن تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي البُنيَانِ. ــ و(قوله: وَأَن تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي البُنيَانِ). الحُفَاةُ: جمعُ حافٍ، وهو الذي لا يلبس في رِجلهِ شيئًا. والعُرَاة: جمعُ عارٍ، وهو الذي لا يلبس على جَسَدِهِ ثوبًا. والعَالَةُ مخفَّفةَ اللام: جمع عائل، وهو الفقير، والعَيلة: الفقر؛ يقال: عال الرجلُ يَعِيل عَيلَةً: إذا افتقر، وأَعال يُعِيلُ: إذا كَثُرَ عياله، وهذه الأوصاف هي غالبة على أهل البادية، وقد وصفهم في حديث أبي هريرة بأنهم صُمٌّ بكم عمي، ويعني بذلك - والله تعالى أعلم -: أنهم جَهَلَةٌ رَعَاعٌ، لم يستعملوا أسماعهم ولا كلامهم في عِلمٍ ولا في شيء من أمر دينهم، وهذا نحو قوله تعالى: صُمٌّ بُكمٌ عُميٌ فَهُم لَا يَعقِلُونَ؛ أطلَقَ ذلك عليهم مع أنَّهم كانت لهم أسماعٌ وأبصار، ولكنَّهم لما لم تحصُل لهم ثمراتُ تلك الإدراكات، صاروا كأنَّهم عَدِمُوا أصلَهَا، وقد أوضح هذا المعنى قولُهُ تعالى: لَهُم قُلُوبٌ لَا يَفقَهُونَ بِهَا وَلَهُم أَعيُنٌ لَا يُبصِرُونَ بِهَا وَلَهُم آذَانٌ لَا يَسمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنعَامِ بَل هُم أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ. ومقصودُ هذا الحديث: الإخبارُ عن تبدُّلِ الحال وتغيُّره؛ بأن يستولي أهلُ الباديةِ الذين هذه صفاتُهم على أهل الحاضرة، ويتملَّكوا بالقهر والغلبة، فتكثُرَ أموالُهُم، وتتسعَ في حُطَامِ الدنيا آمالُهُم، فتنصرفَ هِممهُم إلى تشييد المَبانِي، وهَدمِ الدين وشريفِ المعاني، وأنَّ ذلك إذا وُجِدَ، كان من أشراط الساعة. ويؤيِّد هذا: ما ذُكِرَ عن رسول الله ﷺ أنه قال: لا تقومُ الساعةُ حتى يكونَ أَسعَدَ الناسِ بالدنيا لُكَعُ بنُ لُكَعَ (١) وقد شوهد هذا (٢) كلُّه (٣) عِيَانَا، فكان ذلك على صِدقِ رسول الله ﷺ وعلى قرب الساعة حُجَّةً

стр. 144

قَالَ: ثُمَّ انطَلَقَ، ــ وبرهانَا، وفيه: دليلٌ على كراهية ما لا تدعو الحاجةُ إليه مِن تطويلِ البناء وتشييدِه؛ وقد قال ﵊: يُؤجَرُ ابنُ آدَمَ في كلِّ شيء إلا ما يَضَعُهُ في هذا التراب (١) ومات رسولُ الله ﷺ ولم يَضَع حَجَرًا على حجرِ، ولا لَبِنَةً على لبنة، أي: لم يشيِّد بناءً، ولا طوَّله، ولا تأنَّق فيه. والرِّعَاء: جمعُ راع، وأصلُ الرعي: الحفظ. والشاء: جمع شاة، وهو من الجمعِ الذي بينه وبين واحده الهاء، وهو كثيرٌ فيما كان خِلقَةً لله تعالى؛ كشَجَرَةٍ وشَجَر، وثَمَرَةٍ وثَمَر، وإنما خَصَّ رِعَاءَ الشاء بالذِّكر؛ لأنهم أضعفُ أهلِ البادية. والبَهم بفتح الباء: جمعُ بَهيمَة، وأصلها: صغار الضَّأن والمَعز، وقد يختصُّ بالمعز، وأصله من استبهَمَ عن الكلام، ومنه البهيمة. ووقع في البخاري: رِعَاءُ الإبلِ البُهمُ بضم الباء، جمع بَهِم، وهو: الأسود الذي لا يخالطه لونٌ آخر، وقُيِّدَت ميم البُهم بالكسر والضم، فمَن كسرها جعلها صفةً للإبل، ومن رفعها جعلها صفةً للرعاء، وقيل: معناه: لا شيءَ لهم؛ كما قال ﵊: يُحشَرُ الناسُ يومَ القيامة حُفَاةً عُرَاةً غرلا (٢). قال المؤلف رحمه الله تعالى: وهذا التأويلُ فيه نظر (٣)؛ لأنه قد نَسَبَ لهم إِبِلاً، وظاهرها المِلكُ، وقال الخَطَّابيُّ: هو جمعُ بَهِيمٍ، وهو المجهولُ الذي لا يُعرَف. قال المؤلف رحمه الله تعالى: والأَولَى أن يُحمَلَ على أنَّهم سودُ الألوان؛ لأن الأَدَمَةَ غالبة على ألوانهم، وروايةُ مسلم في رعاء البَهمِ من غير ذكر الإبل أولى؛ لأنَّها الأنسب لِمَسَاقِ الحديث ولمقصوده؛ فإنَّ مقصودَهُ، أنَّ أضعف

стр. 145

فَلَبِثتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ: يَا عُمَرُ، أَتَدرِي مَنِ السَّائِلُ؟ قُلتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ. ــ أهل البادية وهم رعاء الشاء، سينقلب بِهِمُ الحال إلى أن يصيروا ملوكًا مع ضعفهم وبُعدِهِم عن أسباب ذلك، وأمَّا أصحابُ الإبل فهم أهلُ الفخرِ والخُيَلَاء؛ فإنَّ الإبل عِزُّ أهلها، ولأنَّ أهلَ الإبل ليسوا عالةً ولا فقراءَ غالبًا. و(قوله: وَتُؤمِن بالبعثِ الآخِرِ) وصفُ البعثِ بالآخر يَحتَمِلُ أن يكون (١) على جهة التأكيد، كما قالوا: أَمسِ الدابرُ، وأَمسِ الذاهبُ. ويَحتمل أن يقال: إن البعث: إحياءٌ بعد إماتة، وقد فعل الله ذلك مرتين؛ فأحياناً بعد أَن كنَّا نُطَفًا وعَلَقًا ومُضَغًا وهي أمواتٌ، ثم يحيينا ليومِ القيامة وهو البَعثُ الآخِر؛ كما قال الله تعالى: كَيفَ تَكفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُم أَموَاتًا فَأَحيَاكُم ثُمَّ يُمِيتُكُم ثُمَّ يُحيِيكُم قال أهلُ التفسير: أمواتًا في حال كوننا نُطفًا وعَلَقًا في الأرحام، ثُمَّ نفخَ الرُّوحَ وأحيا. و(قوله: فعجبنا له يَسأَلُهُ ويُصَدِّقُهُ)؛ إنَّما تعجَّبوا من ذلك؛ لأنَّ ما جاء به النبي ﷺ لا يُعرَفُ إلا مِن جهته، وليس هذا السائلُ مِمَّن عُرِفَ بلقاءِ النبيِّ ﷺ ، ولا بالسَّمَاعِ منه، ثم هو قد سأل سؤالَ عارفٍ محقِّقٍ مصدِّقٍ؛ فتعجَّبوا من ذلك تعجُّبَ المُستَبعِدِ لأن يكونَ أحدٌ يعرف تلك الأمورَ المسؤولَ عنها من غير جهة النبي ﷺ . و(قوله: فَلَبِثَ مليًّا) أي: أقام بعد انصرافه حينًا، يعني: النبيَّ ﷺ ، ويُروى: فَلَبِثتُ بتاء مضمومة للمتكلِّم، فيكونُ عمر هو الذي أخبَرَ بذلك عن نفسه، وكلاهما صحيحُ المعنى.

стр. 146

قَالَ: فَإِنَّهُ جِبرِيلُ؛ أَتَاكُم يُعَلِّمُكُم دِينَكُم [٨] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : سَلُونِي، فَهَابُوهُ أَن يَسأَلُوهُ، ــ و(قوله: إنَّه جبريل) دليلٌ على أنَّ الله تعالى مكَّنَ الملائكةَ من أن يتمثَّلوا فيما شاؤوا من صور بني آدم؛ كما قد نصّ الله تعالى على ذلك في قوله تعالى: فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا. وقد كان جبريلُ يتمثَّلُ للنبيِّ ﷺ في صورة دِحيَةَ بنِ خَلِيفَة، وقد كان لجبريل صورةٌ خاصَّة خُلِقَ عليها لم يَرَهُ النبيُّ ﷺ عليها غير مرتين؛ كما صحَّ الحديث بذلك؛ وهذا يدلُّ على أنَّ النبيَّ ﷺ عرَفَ جبريلَ لكن في آخر الأمر، فأمَّا قبلَ ذلك، فقد جاء في كتاب البخاري: التصريحُ بأنَّه لم يَعرِف أنَّهُ جبريلُ إلا في آخر الأمر. و(قوله: أتاكم يُعلِّمُكُم دِينَكُم) أي: قواعدَ دينكم، أو كُلِّيَّاتِ دينكم؛ قال القاضي (١): وهذا الحديث قد اشتمل على جميعِ وظائف العبادات الظاهرة والباطنة؛ مِن عقودِ الإيمان، وأعمالِ الجوارح، وإخلاصِ السرائر، والتحفُّظِ مِن آفاتِ الأعمال، حتى إنَّ علومَ الشريعة كُلَّهَا راجعةٌ إليه، ومتشعِّبَةٌ منه. قال المؤلف - رحمه الله تعالى -: فيصلُحُ هذا الحديث أن يقالَ فيه: إنه أُمُّ السُّنَّة؛ لما تضمَّنه مِن جُمَلِ عِلمِ السُّنَّة، كما سُمِّيَتِ الفاتحةُ: أُمُّ الكتاب؛ لما تضمَّنته مِن جملِ معاني القرآن، كما سيأتي بيانُهَا، إن شاء الله تعالى. (قوله ﵊: سَلُونِي؛ فَهَابُوهُ أَن يَسأَلُوهُ) كان هذا منه لمَّا

стр. 147

قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ فَجَلَسَ عِندَ رُكبَتَيهِ، فَقَالَ: يَا رسولَ الله، مَا الإِسلَامُ؟ قَالَ: أَلَاّ تُشرِكَ بِاللهِ شَيئًا - فِي رِوَايَةٍ: تَعبُدُ اللهَ، لَا تُشرِكُ بِهِ شَيئًا - وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ - فِي رِوَايَةٍ: المَكتُوبَةَ - وَتُؤتِي الزَّكَاةَ - فِي رِوَايَةٍ: المَفرُوضَةَ - ــ أكثروا عليه من الأسئلة، واستشعروا أنّه كان هناك مَن سأل تعنتًا وتجهيلاً، فَغَضِبَ لذلك حتى احمَرَّ وجهُهُ، وجعَلَ يقول: سلوني سلوني؛ فوالله لا تسألوني عن شَيءٍ إلا أخبرتُكُم به ما دُمتُ في مقامي هذا فدخل الناسَ مِن ذلك خوفٌ، فلم يَزَل كذلك حتَّى بَرَكَ عمَرُ بين يدَيهِ، وجعل يقول: رَضِينَا باللهِ رَبًّا، وبالإسلامِ دِينًا، وبمحمَّدٍ رسولاً، حتى سكَنَ غضبه ﷺ ، وسيأتي الحديث بكماله (١). وفي ذلك الوقت أنزَلَ اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسأَلُوا عَن أَشيَاءَ إِن تُبدَ لَكُم تَسُؤكُم﴾؛ فانكفَّ الناسُ عن سؤالِ النبيِّ ﷺ ؛ ولذلك قال: نُهِينَا أن نسأَلَ رسولَ الله ﷺ عن شيء؛ فلمَّا انكفُّوا عن ذلك؛ امتثالاً لأمر الله تعالى، وتعظيمًا لحرمة رسول الله ﷺ ، عَلِمَ اللهُ ذلك منهم، فأرسَلَ السائلَ البصير، فأجابه العالِمُ الخبير، فجعلَ العلم للسامعينَ الممتثلينَ مِن غير سؤال، كما قد كَفَى اللهُ المؤمنينَ القتالَ، وقد نبَّه على ذلك النبي ﷺ بقوله: هذا جِبرِيلُ؛ أَرَادَ أَن تَعَلَّمُوا إِذ لَم تَسأَلُوا. وقولُهُ في حديث أبي هريرة ﵁ في جوابه عن الإسلام: تعبُدُ الله لا تُشرِكُ بِهِ شَيئًا، بدَلَ قوله في حديث عمر: أن تَشهَدَ أن لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ. . . إلى آخره، فهو نقلٌ بالمعنى، وحديثُ عمر نَقلٌ باللفظ، والله أعلم. وتقييدُهُ في هذا الحديث الصلاةَ بالمكتوبة، والزكاةَ بالمفروضة: دليلٌ على أنَّ النوافلَ لا تدخُلُ في مسمَّى الإسلامِ الشرعيِّ، فيخرُجُ منه الصلواتُ المسنونات وغيرها، وزكاةُ الفِطرِ على قولِ مَن يَرى أنها سنَّة، وصدقاتُ التطوُّع، وهذا كلّه يدور على القولِ بدليلِ الخطاب على ما أوضَحناه في الأصول.

стр. 148

وَتَصُومُ رَمَضَانَ. قَالَ: صَدَقتَ. قَالَ: يَا رسولَ الله، مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: أَن تُؤمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكِتَابِهِ وَلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَتُؤمِنَ بِالبَعثِ الآخر، وَتُؤمِنَ بِالقَدَرِ كُلِّهِ. قَالَ: صَدَقتَ. قَالَ: يَا رسولَ الله، مَا الإِحسَانُ؟ قَالَ: أَن تَخشَى اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ؛ فَإِنَّكَ إِن لَا تَكُن تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. قَالَ: صَدَقتَ. قَالَ: يَا رسولَ الله، مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ؟ قَالَ: مَا المَسؤُولُ عَنهَا بِأَعلَمَ مِنَ السَّائِلِ، ــ و(قوله: وَتَصُومُ رَمَضَانَ) دليلٌ على جواز قول القائل: رمضانُ، من غير إضافة الشهر إليه؛ خلافًا لمن يقول: لا يقالُ إلا شَهرُ رمضان؛ متمسكاً في ذلك بحديثٍ لا يَصِحُّ، وهو أنَّه يروى عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: لا تقولوا رمضانُ، فإنَّ رَمَضَانَ اسمٌ من أسماء الله تعالى. خرَّجه ابنُ عَدِيٍّ مِن حديثِ أبي مَعشَرٍ نَجِيحٍ، ولا يُحتَجُّ به. ولو سلَّمنا صِحَّته، لكانت الأحاديث التي فيها ذِكرُ رمضان من غير شهر الأولى؛ لأنّها أصحُّ وأشهر، ولأنَّ مثبته منكر؛ إذ لم يُوجَد في شيءٍ من أسماء الله تعالى رمضان، ولأنَّ المعنى الذي اشتُقَّ منه رمضان محالٌ على الله تعالى (١). وحُكِيَ عن القاضي أبي بكر بنِ الطَّيِّبِ (٢) أنه قال: إنما يُكرَهُ ذلك فيما يُدخل في الكلام لَبسًا؛ مِثلُ: جاء رَمضانٌ، ودخل رمضانُ، وأما: صُمنَا رمضانَ، فلا بأس به. و(قوله: متى تقومُ السَّاعَةُ؟ ) مقصودُ هذا السؤالِ امتناعُ السامعين مِنَ السؤال عنها؛ إذ قد كانوا أكثروا السؤال عن تعيينِ وقتها؛ كما قال تعالى: يَسأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرسَاهَا ويَسأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ وهو كثيرٌ في الكتابِ والسنَّة، فلمَّا أجابه النبي ﷺ بأنّه لا يَعلَمُها إلا الله، يَئِسَ السائلون مِن معرفتها، فانكفُّوا عن السؤال عنها، وهذا بخلاف الأَسئلَةِ الأُخَرِ؛ فإنَّ

стр. 149

وَسَأُحَدِّثُكَ عَن أَشرَاطِهَا: إِذَا رَأَيتَ المَرأَةَ تَلِدُ رَبَّهَا، فَذَاكَ مِن أَشرَاطِهَا، وَإِذَا رَأَيتَ الحُفَاةَ العُرَاةَ الصُّمَّ البُكمَ مُلُوكَ الأَرضِ، فَذَاكَ مِن أَشرَاطِهَا، وَإِذَا رَأَيتَ رِعَاءَ البَهمِ يَتَطَاوَلُونَ فِي البُنيَانِ، فَذَاكَ مِن أَشرَاطِهَا، فِي خَمسٍ مِنَ الغَيبِ لا يَعلَمُهُنَّ إِلا اللهُ، ثُمَّ قَرَأَ: إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيثَ وَيَعلَمُ مَا فِي الأَرحَامِ وَمَا تَدرِي نَفسٌ مَاذَا تَكسِبُ غَدًا وَمَا تَدرِي نَفسٌ بِأَيِّ أَرضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ــ مقصودها: استخراجُ الأجوبةِ عنها ليستعملها السامعون، ويعمل بها العاملون. و(قوله: سَأُحَدِّثُكَ عَن أَشرَاطِهَا) وفي حديث عمر قال: فَأَخبِرنِي عَن أَمَارَتِهَا، ووجه التلفيق: أنَّه لم يقل له النبي ﷺ : سَأُحَدِّثُك عَن أَشرَاطِهَا، حتَّى قال له جبريلُ: فَأَخبِرني عَن أَمَارَتِهَا؛ فذكر في إحدى الروايَتَينِ السؤالَ والجواب، وفي الأخرى الجوابَ فقط، والله أعلم. وقد اقتصَرَ في هذا الحديث على ذِكرِ بعضِ الأشراط التي يكونُ وقوعُهَا قريبًا مِن زمانه، وإِلَاّ فالشروطُ كثيرةٌ، وهي أكثَرُ مما ذكر هنا؛ كما دَلَّ عليه الكتاب والسنة. ثم إنها منقسمةٌ إلى ما يكونُ مِن نوعِ المعتاد: كهذه الأشراطِ المذكورة في هذا الحديث، وكرفع العِلمِ وظهورِ الجهل وكثرةِ الزنى وشربِ الخمر إلى غير ذلك، وأما التي ليست من النوع المعتاد: فكخروج الدَّجَّال، ونزولِ عيسى ابنِ مريم، وخروجِ يأجوجَ ومأجوجَ، ودابَّةِ الأرض، وطلوعِ الشمس من مَغرِبها، والدُّخَانِ، والنَّارِ التي تسوقُ الناسَ وتحشُرُهم؛ على ما يأتي. و(قوله: في خَمسٍ مِنَ الغَيبِ لَا يَعلَمُهَا إِلَاّ اللهُ) فيه حذفٌ وتوسُّع، أي: هي من الخَمس التي قد (١) انفرَدَ الله بعلمها، أو في عددهنَّ؛ فلا مطمَعَ لأحدٍ في عِلمِ شيء من هذه الأمور الخمس، ولقوله تعالى: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيبِ

стр. 150

ثُمَّ قَامَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : رُدُّوهُ عَلَيَّ، فَالتُمِسَ فَلَم يَجِدُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : هَذَا جِبرِيلُ، أَرَادَ أَن تَعَلَّمُوا إِذ لَم تَسأَلُوا. وَفِي رِوَايَةٍ: إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ بَعلَهَا يَعنِي: السَّرَارِيَّ. رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩) و (١٠)، وأبو داود (٤٦٩٨)، والنسائي (٨/ ١٠١). * * * ــ لَا يَعلَمُهَا إِلَّا هُوَ؛ فلا طريقَ لِعِلمِ شيءٍ من ذلك إلا أن يُعلِمَ اللهُ تعالى بذلك - أو بشيءٍ منه - أحداً ممن شاءه؛ كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الغَيبِ فَلا يُظهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا﴾ إِلَّا مَنِ ارتَضَى مِن رَسُولٍ. فمَنِ ادعَى عِلمَ شيء من هذه الأمور، كان في دعواه كاذبًا، إلا أن يُسنِدَ ذلك إلى رسولٍ بطريقٍ تُفيدُ العِلمَ القطعيَّ؛ ووجودُ ذلك متعذِّر بل ممتنعٌ. وأما ظنُّ الغيب فلم يتعرَّض شيءٌ من الشرع لنفيِهِ ولا لإثباته؛ فقد يجوزُ أن يَظُنَّ المنجِّمُ - أو صاحبُ خَطِّ الرَّملِ، أو نحو هذا - شيئًا مما يقعُ في المستقبل، فَيَقَعَ على ما ظنّه؛ فيكونُ ذلك ظنًّا صادقًا، إذا كان عن مُوجِبٍ عاديٍّ يقتضي ذلك الظَّنَّ، وليس بِعِلمٍ، فيفهم هذا منه؛ فإنَّه موضعٌ غَلِطَ بسببه رجال، وأُكِلَت به أموال، ثم اعلم أنّ أَخذَ الأجرةِ والجُعلِ على ادِّعَاءِ عِلمِ الغيبِ أو ظَنِّهِ لا يجوزُ بالإجماع؛ على ما حكاه أبو عُمَرَ بنُ عبدِ البَرِّ. وفي الحديث أبوابٌ من الفقه وأبحاثٌ يَطُولُ تَتَبُّعُهَا، والله أعلم.

стр. 151

(٢) بَابُ وُجُوبِ التِزَامِ شَرَائِعِ الإِسلَامِ [٩] عَن طَلحَةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ، قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ مِن أَهلِ نَجدٍ، ثَائِرُ الرَّأسِ، ــ (٢) ومِن بَابِ وُجُوبِ التِزَامِ شَرَائِعِ الإِسلَامِ الشرائع: جمع شَرِيعَةٍ، وهي في أصل اللغة: مَشرَعَةُ الماء، وهي مَورِدُ الشارعة، فسمِّيَت شرائعُ الإسلام بذلك؛ لأنَّهَا الأحكامُ التي لا بُدَّ للمكلَّفين من الورود عليها والعمل بها. و(قوله: جاء رَجُلٌ مِن أهل نَجدٍ ثَائِرُ الرَّأسِ) قيل: إن هذا الرجل هو ضِمَامُ بنُ ثَعلَبَةَ الذي سمَّاه البخاريُّ في حديث أنسٍ المذكورِ بعدَ هذا، وإنَّ الحديثَين حديثٌ واحد، وهذا فيه بُعدٌ؛ لاختلافِ مساقهما، وتباينِ الأَسئلَةِ فيهما، ولزيادةِ الحجِّ في حديث أنس، ويبعُدُ الجَمعُ بينهما؛ فالأَولَى أن يقال: هما حديثانِ مختلفانِ، وكذلك القَولُ في كُلِّ ما يَرِدُ من الأحاديث التي فيها الأسئلةُ المختلفة؛ كحديث أبي أيُّوبَ، وجابرٍ، وغيرِهما ممّا يُذكَرُ بعد هذا. وقد رام بعضُ العلماءِ الجَمعَ بينها، وزَعَم أنَّها كلَّها حديثٌ واحد، فادَّعَى فَرَطَا، وتكلَّف شَطَطَا، من غير ضرورةٍ نقليّةٍ، ولا عقليّةٍ. والنَّجدُ: المرتفعُ من الأرض، والغَورُ: المنخفض منها، وهما بحكم العرف جهتانِ مخصوصتان. وثائرُ الرأس: منتفشُ الشَّعرِ مرتفعُهُ، مِن قولهم: ثار الشَّيءُ: إذا ارتفَعَ، ومنه: ثارَتِ الفتنةُ، وهذه صفةُ أهلِ البادية غالبًا.

стр. 152

يُسمَعُ دَوِيُّ صَوتِهِ، وَلا يُفقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَإِذَا هو يَسأَلُ عَنِ الإِسلامِ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : خَمسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَومِ وَاللَّيلَةِ، فَقَالَ: هَل عَلَيَّ غَيرُهُنَّ؟ ــ و(قوله: نسمَعُ دَوِيّ صَوتِهِ ولا نفقَهُ مَا يَقُولُ) رويناه: يُسمَع، ويُفقَه بالياء اثنتين من تحتها مبنيًّا لِمَا لم يُسَمَّ فاعلُهُ، وبالنون فيهما للفاعل، وكلاهما واضحُ الصحَّة، وإنَّمَا لم يفهموا ما يقولُ؛ لأنَّه نادى مِن بُعدٍ، فلمَّا دنا فهموه؛ كما قال: حتَّى دَنَا مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ . و(قوله: فَإِذَا هو يَسأَلُ عَنِ الإِسلَامِ) إذا هذه هي المفَاجِئَةُ التي تقدَّم ذِكرها. وهذا السائلُ إنَّما سَأَلَ عن شرائعِ الإسلام، لا عن حقيقة الإسلام؛ إذ لو كان ذلك، لأجَابَهُ بما أجاب به جبريلَ ﵇ في حديثه، ولِمَا رواه البخاريُّ (١) في هذا الحديث؛ فإنَّه قال: فأخبرَهُ رسولُ الله ﷺ بشرائعِ الإسلام، وكأنّ النبيَّ ﷺ فَهِمَ عنه أَنَّهُ إِنَّما (٢) سأل عمَّا تعيَّن فعلُهُ مِن شرائعِ الإسلام الفعليَّة لا القلبيَّة؛ ولذلك لم يذكُر له: أَن تشهَدَ أن لا إِلَهَ إلَاّ الله، وأنَّ محمَّدًا رسول الله، وكذلك لم يذكُر له الحَجَّ؛ لأَنَّهُ لم يكن واجبًا عليه؛ لأنَّه غيرُ مستطيع، أو لأنَّ الحجَّ على التراخي، أو لأنَّهُ كان قبل فَرضِ الحجِّ، والله أعلم، وسيأتي ذكر (٣) الاختلافُ في وقت فرضِ الحجِّ. و(قوله: خمسُ صَلَواتٍ فِي اليَومِ واللَّيلَةِ، فَقَالَ: هَل عَلَيَّ غَيرُهُنَّ؟ فقال: لَا يدُلُّ هذا على أنَّ الوِترَ ليس بلازمٍ ولا واجب؛ وهو مذهبُ الجمهور، وخالفهم

стр. 153

فَقَالَ: لا، إِلَاّ أَن تَطَّوَّعَ، وَصِيَامُ شَهرِ رَمَضَانَ، فَقَالَ: هَل عَلَيَّ غَيرُهُ؟ قَالَ: لا، إِلاّ أَن تَطَّوَّعَ، وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ الزَّكَاةَ، فقَالَ: هَل عَلَيَّ غَيرُهَا؟ قَالَ: لا، إِلاّ أَن تَطَّوَّعَ، قَالَ: فَأَدبَرَ الرَّجُلُ وهو يَقُولُ: وَالله، لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا، وَلَا أَنقُصُ مِنهُ! ! ــ أبو حنيفة، فقال: إنَّه واجبٌ، ولا يسمِّيه فرضًا؛ لأنَّ الفرضَ عنده ما كان مقطوعًا بلزومه؛ كالصلوات الخمس. و(قوله: هَل عَلَيَّ غَيرُهُنَّ؟ فَقَالَ: لَا، إِلَاّ أَن تَطَّوَّعَ) ظاهرٌ في أنَّ معنى هذا الكلامِ: هل يجبُ عليَّ مِن تطوعِ الصلواتِ شيءٌ غيرُ هذه الخَمس؟ فأجابه: بأَنَّهُ لا يَجِبُ عليه شيءٌ، إلَاّ أن تَطَّوَّعَ، فَيَجِبُ عليك. وهذا ظاهرٌ؛ لأنَّ أصلَ الاستثناءِ من الجنس، والاستثناءُ من غير الجنس مُختَلَفٌ فيه، ثُمَّ هو مَجَازٌ عند القائلِ به. فإذا حَمَلنَاه على الاستثناءِ المتَّصِل، لَزِمَ منه أن يكون التطوُّعُ واجبًا، ولا قائلَ به؛ لاستحالتِهِ وتناقُضِهِ، فلم يَبقَ إلَاّ ما ذهب إليه مالكٌ، وهو أنَّ التطوُّعَ يصيرُ واجبًا بنفس الشروع فيه، كما يصير واجبًا بالنذر؛ فالشروعُ فيه التزامٌ له؛ وحينئذٍ: يكونُ معنى قوله: أن تَطَّوَّعَ: أن تشرَعَ فيه وتبتدئه، ومن ادَّعى أنَّه استثناءٌ من غير الجنسِ، طولبَ بتصحيحِ ما ادَّعاه، وتمسَّك مانعُهُ بالأصل الذي قرَّرناه. و(قوله: فأدبر الرجل وهو يقول: واللهِ لا أزيد على هذا ولا أنقص) قيل معناه: لا أُغيِّر الفروض المذكورة بزيادة فيها ولا نقصان منها. ولا يصحّ أن يقال: إنّ معناه: لا أفعل شيئًا زائدًا على هذه الفرائض المذكورة من السنن، ولا من فروض أُخَر إن فُرضت، فإنّ ذلك لا يجوزُ أن يقوله ولا يعتقده؛ لأنَّهُ مُنكَرٌ، والنبيُّ ﷺ لا يُقِرُّ على مثله.

стр. 154

فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : أَفلَحَ إِن صَدَقَ. ــ و(قوله: أَفلَحَ وأَبِيهِ إن صَدَقَ) أي: فاز بمطلوبه؛ قال الهَرَوِيُّ: العرب تقول لكلِّ من أصاب خيرًا: مُفلِح، قال ابنُ دُرَيدٍ: أَفلَحَ الرجلُ وأَنجَحَ: إذا أدرَكَ مطلوبَهُ. وأصلُ الفلاح الشَّقُّ والقطع؛ قال الشاعر: . . . . . . . . . . . ... إِنَّ الحَدِيدَ بِالحَدِيدِ يُفلَحُ (١) أي: يُشَقّ؛ فكأنَّ المُفلِحَ قد قطَعَ المصاعبَ حتَّى نال مطلوبَهُ. وقد استُعمِلَ الفلاحُ في البقاء. كما قال: لَو كَانَ حَيٌّ مُدرِكَ الفَلَاحِ ... أدرَكَهَا مُلاعِبُ الرِّمَاحِ وقال آخر: نَحُلُّ بِلَادًا كُلُّهَا حُلَّ قَبلَنَا ... وَنَرجُو الفَلَاحَ بَعدَ عَادٍ وَحِميَرِ و(قوله: وأبيه) الروايةُ الصحيحةُ التي لا يُعرَفُ غيرُها هكذا، بصيغة القسم بالأب. وقال بعضهم: إنَّما هي: واللهِ وصُحِّفَت بأَن قُصِرَتِ اللامان؛ فالتبسَت بأبيه؛ وهذا لا يُلتَفَتُ إليه؛ لأَنَّهُ تقديرٌ يَخرِمُ الثقةَ برواية الثقاتِ الأثبات. وإنَّما صار هذا القائلُ إلى هذا الاحتمال؛ لِمَا عارضَهُ عنده مِن نهيه ﷺ عن الحلف بالآباء؛ حيثُ قال: لَا تَحلِفُوا بِآبَائِكُم؛ مَن كاَنَ حَالِفًا فَليَحلِف باللهِ أو لِيَصمُت (٢). وَيُنفَصَلُ عن هَذَا مِن وجهين: أحدهما: أَن يقال: إنَّ هذا كان قبل النَّهيِ عن ذلك. والثاني: أن يكونَ ذلك جَرَى على اللسان بِحُكمِ السَّبقِ مِن غَيرِ قَصدٍ

стр. 155

وَفِي رِوَايَةٍ: أَفلَحَ وَأَبِيهِ إِن صَدَقَ، أو: دَخَلَ الجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِن صَدَقَ. رواه البخاري (٢٦٧٨)، ومسلم (١١)، وأبو داود (٣٩١)، والنسائي (١/ ٢٢٧) و (١٨/ ١١٨). [١٠] وَعَن أَنَسِ بنِ مَالِك، قَالَ: نُهِينَا أَن نَسأَلَ رسولَ الله ﷺ عَن شَيءٍ، فَكَانَ يُعجِبُنَا أَن يَجِيءَ الرَّجُلُ مِن أهل البَادِيَةِ العَاقِلُ، فَيَسأَلَهُ وَنَحنُ نَسمَعُ، ــ للحَلِفِ به، كما جَرَى منه: تَرِبَت يمِينُكِ، وعَقرَى حَلقَى (١)، وهذه عادةٌ عربيَّةٌ بشريَّةٌ لا مؤاخذةَ عليها، ولا ذمَّ يتعلَّق بها. وقد جاء في هذا الحديث: الصدقُ في الخبر المستقبل، وهو رَدٌّ على ابن قتيبة إذ قال: الصِّدقَ إنّما يدخُلُ على الماضي، والخُلفَ في المستقبل، ويَرُدُّ عليه أيضًا قولُهُ تعالى: ذَلِكَ وَعدٌ غَيرُ مَكذُوبٍ (٢). و(قوله: أَفلَحَ وَأَبِيهِ إِن صَدَقَ أو: دَخَلَ الجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِن صَدَقَ) هذا شكٌّ من بعض الرواة في هذا الطريق، وقد جاء طريقٌ آخَرُ بالجزم على أحدهما؛ كما تقدَّم. ثم معنى اللفظَين واحدٌ، فلا يَضُرُّ (٣) الشكّ، وإنَّما ذكره الراوي متحرِّيًا. و(قوله: نُهِينَا أَن نَسأَلَ رسولَ الله ﷺ في القرآن - عَن شَيءٍ) يعني بذلك قولَهُ تعالى: لَا تَسأَلُوا عَن أَشيَاءَ إِن تُبدَ لَكُم تَسُؤكُم وقد تقدَّمَ سببُ ذلك، وسيأتي تكميله.

стр. 156

فَجَاءَ رَجُلٌ مِن أهل البَادِيَةِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَتَانَا رَسُولُكَ فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزعُمُ أَنَّ اللهَ أَرسَلَكَ. قَالَ: صَدَقَ. قَالَ: فَمَن خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: اللهُ. قَالَ: فَمَن خَلَقَ الأَرضَ؟ قَالَ: اللهُ. قَالَ: فَمَن نَصَبَ هَذِهِ الجِبَالَ، وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ؟ قَالَ: اللهُ. قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ، وَخَلَقَ الأَرضَ، وَنَصَبَ هَذِهِ الجِبَالَ، آللهُ أَرسَلَكَ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَينَا خَمسَ صَلَوَاتٍ فِي يَومِنَا وَلَيلَتِنَا. قَالَ: صَدَقَ. قَالَ: فَبِالَّذِي أَرسَلَكَ، آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَينَا زَكَاةً فِي أَموَالِنَا؟ ــ و(قوله: فَجَاءَ رَجُلٌ) هذا الرجلُ هو ضِمَامُ بن ثَعلَبَةَ أخو بني سعد بن بكر، قَدِمَ على رسول الله ﷺ سنَةَ تِسع؛ قاله أبو عُبَيدَ، وقيل: سنةَ سَبع، وقال محمَّد بن حَبِيب: سنةَ خَمس، وهو أبعدها؛ لأنَّ فرض الحَجِّ لم يكن نزل إذ ذاك، والله أعلم، وسيأتي ذلك في الحجِّ إن شاء الله تعالى. وقد خرَّج البخاريُّ هذا الحديثَ، وقال فيه: عن أنس ﵁: بَينَمَا نَحنُ جُلُوسٌ فِي المَسجِدِ، دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ، فَأَنَاخَهُ فِي المَسجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: أيُّكم محمَّدٌ بن عبد الله؟ وَالنَّبيُّ ﷺ بين ظَهرانيهم، فقُلنا: هذا الرجل الأبيضُ المُتَّكِئُ، فقَالَ الرَّجُلُ: ابنَ عبدِ المُطَّلب؟ فقال لَهُ النَّبيُّ ﷺ : قَد أَجَبتُكَ، فقالَ الرَّجُلُ: إنِّي سَائِلُك فمُشَدِّدٌ عَلَيك في المَسأَلةِ، فلا تجِد عليَّ في نفسِكَ، فقَالَ: سَل عَمَّا بَدَا لَكَ فَقَال: أَسأَلُكَ بربِّكَ ورَبِّ مَن قَبلَكَ، آللهُ أرسَلَكَ إلَى النّاس كُلِّهِم؟ فقال: اللَّهُمَّ نعم. وذكر نحو حديثِ مسلم. وقد فَهِمَ البخاريُّ مِن هذا الحديثِ: أنَّ هذا الرجُلَ قد كان أسلَمَ على يدَي رسول رسولِ الله ﷺ حين جاءهم، وصَحَّ إيمانه، وحَفِظَ شرائعه، ثُمَّ جاء يَعرِضها على النبيّ ﷺ ؛ أَلَا تَرَى البخاريّ كيف بوَّب على هذا بابُ: القِرَاءَةِ وَالعَرضِ على المحدِّث؟ وكأنَّ البخاريَّ أخذ هذا المعنى من قولِ الرجل في آخر الحديث: آمَنتُ

стр. 157

قَالَ: صَدَقَ. قَالَ: فَبِالَّذِي أَرسَلَكَ، آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَم. قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا. قال: صدق. قال: ــ بما جِئتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَن وَرَائِي مِن قَومِي، وفيه نَظَرٌ. وأمَّا مساقُ حديثِ مسلم: فظاهره أنَّ الرجُلَ لم يَشَرِح صدرُهُ للإسلامِ بَعدُ، وأنَّه بَقِيَت في قلبه منازعاتٌ وشكوكٌ، فجاء مجيءَ الباحثِ المستَثبِت؛ أَلَا تراه (١) يقولُ: يا محمَّدُ، أتانا رسُولُكَ فزَعَمَ لنا أَنَّكَ تزعُمُ أنَّ الله أَرسَلَكَ؛ فإنَّ الزَّعم قولٌ لا يُوثَقُ به. قاله ابن السِّكِّيتِ وغيرُهُ، غير أنَّ هذا الرجُلَ كان كاملَ العَقل، وقد كان نظر بعقله في المخلوقات، فَدَلَّهُ ذلك على أنَّ لها خالقًا خلقها (٢)؛ ألا ترى أنَّهُ استفهَمَ النبيَّ ﷺ عن خالقِ المخلوقاتِ استفهامَ تقريرٍ للقاعدة التي لا يَصِحُّ العلمُ بالرسول إلَاّ بعد حصولها، وهي التي تفيدُ العِلمَ بالمُرسِلِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمَّا وافقَهُ على ما شَهِدَ به العقلُ، وأنَّ الله تعالى هو المُنفَرِدُ بِخَلقِ هذه المخلوقات: أقسَمَ عليه وسأله به: هل أرسلَهُ؟ ثمَّ إنَّ الرجُلَ استمرَّ على أَسئلتِه، إلى أن حَصَلَ على طَلِبَتِه، فانشرَحَ صدرُهُ للإسلام، وزاحَت عنه الشكوك والأوهام، وذلك ببركَةِ مشاهدِته أنوارِ رسولِ الله ﷺ ؛ فلقد كان كثيرٌ من العقلاء يحصُلُ لهم العلمُ بصحَّةِ رسالَتِه، بنفسِ رؤيتِهِ ومشاهدتِه قبلَ النظر في معجزتِه؛ كما قال أبو ذرٍّ: فَلَمَّا رَأَيتُهُ عَلِمتُ أنَّ وَجهَهُ لَيسَ بِوَجهِ كَذَّابٍ، حتَّى قال بعضهم: لَو لَم تَكُن فِيهِ آيَاتٌ مُبَيِّنَةٌ ... لَكَانَ مَنظَرُهُ يُنبِيكَ بِالخَبَرِ والحاصلُ: مِن حال هذا السائل أنَّهُ حصَلَ له العلمُ بصدقِ رسولِ الله ﷺ ، وبصحَّةِ رسالتِهِ لمجموع قرائن لا تتعيَّنُ إحداها ولا تنحصرُ أعدادها.

стр. 158

فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا. قال: صدق، قال: ثم ولى، قال: ــ ويستفادُ من هذا الحديث: أنَّ الشرع إنَّما طلَبَ مِنَ المكلَّفين التصديقَ الجزم بالحقِّ، كيف حَصَل، وبأيِّ وجهٍ ثَبَت، ولم يَقصُرهُم في ذلك على النظر في دلالةٍ معيَّنة، ولا معجزةٍ ولا غيرها، بل كُلُّ مَن حصَلَ له اليقينُ بِصِدقِهِ: بمشاهدةِ وجهه، أو بالنظرِ في (١) معجزتِه، أو بتحليفهِ، أو بقرينةٍ لَاحَت له كان من المؤمنين، وكان مِن جُملَةِ عبادِ الله المخلصين؛ لكن دلالاتُ المعجزات هي الخاصَّةُ بالأنبياء، والطرقُ العامَّةُ للعقلاء. وقد روى ابنُ عبَّاس ﵄ حديثَ ضِمَامٍ هذا بأكملَ مِن هذا، وقال فيه ما يَدُلُّ على أنَّ ضِمَامًا إِنَّما أسلَمَ بعد أن أجابه رسول الله ﷺ على أسئلته المتقدِّمة، فلمَّا أن فرَغَ، قال ضِمَام: أَشهدُ أَن لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ، وَأَشهَدُ أنَّ محمّدًا رسولُ اللهِ، وَسَأُؤدِّي هذه الفرائضَ، وَأَجتَنِبُ ما نهَيتَنِي عنه، ثمّ لا أزيد ولا أنقُصُ، فقال رسولُ الله ﷺ : إِن يَصدُق ذُو العَقِيصَتَينِ (٢) يَدخُلِ الجَنَّة (٣) ثُمَّ قَدِمَ عَلَى أهلِهِ، فَعَرَضَ عَلَيهِمُ الإِسلَامَ، فَمَا أَمسَى ذَلِكَ اليَومُ في حَاضرِهِ مِن رجُلٍ ولا امرأةٍ إلَاّ مسلمًا، قال ابنُ عَبَّاسٍ: فَمَا سَمِعنَا بِوَافِدٍ قَطُّ كَانَ أَفضَلَ مِن ضِمَامٍ. ونادى هذا الرجلِ النبيّ ﷺ يا محمَّد، ويا ابنَ عَبدِ المطَّلب، ولم ينادِه بالنبوَّةِ ولا بالرسالة، إمَّا لأنَّهُ لم يؤمن بَعدُ؛ كما قلناه، وإمَّا لأنَّهُ باقٍ على صفة أهلِ الباديةِ والأعراب؛ إذ لم يتأدَّب بَعدُ بشيء من آداب الشرع، ولَا عَلِمَ ما يجبُ عليه مِن تَعزِيرِ النبيِّ ﷺ وتوقيره؛ فإنّ اللهَ تعالى قد نهى أن ينادَى النبيُّ ﷺ : يا محمَّدُ، حين

стр. 159

والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهن، فقال رسول الله ﷺ : إن صدق ليدخلن الجنة. وَفِي رِوَايَةٍ: كُنَّا نُهِينَا فِي القُرآنِ أَن نَسأَل. . . وَذَكَرَهُ. رواه أحمد (٣/ ١٩٣)، والبخاري (٦٣)، ومسلم (١٢)، وأبو داود (٤٨٦)، والترمذي (٦١٤)، والنسائي (٤/ ١٢١ - ١٢٤). * * * ــ قال تعالى: لَا تَجعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَينَكُم كَدُعَاءِ بَعضِكُم بَعضًا، وأَولَى ما يقال: إنّ ضِمَامًا قَدِمَ على النبي ﷺ سنة تِسعٍ؛ كما قاله أبو عُبَيدَةَ وغيرُهُ من أهل التواريخ، ولأنَّها كانت سنةَ الوفود؛ وذلك أنَّ الله تعالى لمَّا فتَحَ على رسول الله ﷺ مَكَّةَ، وهزَمَ جَمعَ هَوَازِنَ، وأسلَمت قريشٌ كلُّها -: دوَّخَ اللهُ العرَبَ، ونصَرَ نبيَّه ﷺ ، وذلك سنةَ ثمانٍ من الهجرة؛ فدخَلَ الناسُ في دين الله أفواجًا، وقَدِمَ رؤساءُ العربِ وفودا (١) على النبيِّ ﷺ سنة تسع، فَسُمِّيَت: سنةَ الوفود لذلك. وفي هذا الحديث أبوابٌ من الفقه لا تخفَى يطولُ تتبُّعُهَا. * * *

стр. 160

(٣) بَابُ مَنِ اقتَصَرَ عَلَى فِعلِ مَا وَجَبَ عَلَيهِ وَانتَهَى عَمَّا حُرِّمَ عَلَيهِ دَخَلَ الجَنَّةَ [١١] عَن أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ أَعمَلُهُ يُدنِينِي مِنَ الجَنَّةِ، وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ، قَالَ: تَعبُدُ اللهَ ــ (٣) ومن بَاب مَنِ اقتَصَرَ عَلَى فِعلِ مَا وَجَبَ عَلَيهِ، وَانتَهَى عَمَّا حُرِّمَ عَلَيهِ دَخَلَ الجَنَّةَ هذه الترجمةُ يشهدُ بصحَّتها الحديثان المذكورانِ تحتها؛ فأمَّا حديثُ أبي أَيُّوبَ، فمِن حيثُ إنَّ النبيَّ ﷺ دلَّ السائلَ على فِعلِ ما وجَبَ عليه، وقال: إن تَمَسَّكَ بِمَا أَمَر بهُ دَخَلَ الجَنَّةَ. وأمَّا حديثُ جابرٍ فمِن حيثُ إنّ السائل إنّما سأله عن دخولِ - مَن فَعَلَ ما يجبُ عليه، وَانتَهَى عمَّا حُرِّمَ عليه - الجَنَّةَ، فأجابه بـ نعم، ولم يَذكُر لهما في هذَين الحديثين شيئًا مِن فعل التطوُّعات؛ فدَلّ على صِحَّةِ ما ذكرناه، وعلى جواز ترك التطوُّعاتِ على الجملة، لكن مَن تركها ولم يعمل شيئًا منها، فقد فوَّت على نفسه ربحًا عَظِيمًا، وثوابًا جسيمَا، ومَن داوم على ترك شيءٍ من السنن، كان ذلك نقصًا في دينه، وقدحًا في عدالته، فإن كان ترَكَهُ تهاوُنًا به ورغبةً عنها، كان ذلك فِسقًا يستحقُّ به ذمًّا. وقال علماؤنا: لو أنَّ أهلَ بلدةٍ تواصلوا على ترك سنة، لقوتلوا عليها حتى يرجعوا، ولقد كان صَدرُ الصحابة ومَن بعدهم يثابرون على فعل السنن والفضائل مثابرتَهُم على الفرائض، ولم يكونوا يفرِّقون بينهما في اغتنامِ ثوابهما؛ وإنما احتاج أئمَّةُ الفقهاء إلى ذِكرِ الفرق بينهما؛ لما يترتَّب عليه مِن وجوبِ الإعادةِ وتركها، وخَوفِ العقابِ على الترك، ونَفيِهِ إِن حصل تركٌ ما بوجهٍ ما. وإنما سكَتَ النبيُّ ﷺ لهؤلاء السائلين عن

стр. 161

لا تُشرِكُ بِهِ شَيئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ ذَا رَحِمِكَ، فَلَمَّا أَدبَرَ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : إِن تَمَسَّكَ بِمَا أَمَر بهُ، دَخَلَ الجَنَّةَ. رواه البخاري (١٣٩٦)، ومسلم (١٣)، والنسائي (١/ ٣٤). [١٢] وَعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ؛ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رسولَ الله ﷺ ، فَقَالَ: أَرَأَيتَ إِذَا صَلَّيتُ الصَّلَوَاتِ المَكتُوبَاتِ، وَصُمتُ رَمَضَانَ، وَأَحلَلتُ الحَلَالَ، وَحَرَّمتُ الحَرَامَ، ــ ذِكرِ التطوُّعات، ولم يذكُرهَا لهم كما ذكرها في حديث طلحة بن عبيد الله؛ لأنَّ هؤلاءِ - والله أعلم - كانوا حديثي عهدٍ بإسلام؛ فاكتفى منهم بفعل ما وجب عليهم في تلك الحال؛ لئلَاّ يَثقُلَ ذلك عليهم فيَمَلُّوا، أو لِئَلَاّ يعتقدوا أنَّ تلك السنن والتطوُّعاتِ واجبة، فتركَهُم إلى أن تنشرحَ صدورهم بالفهم عنه، والحرصِ على تحصيلِ ثوابِ تلك المندوبات؛ فتسهل عليهم. ومن المعلوم أنَّ هؤلاءِ ما سُوغُ لهم تركُ الوتر ولا صلاةِ العيدَين، ولا غير ذلك، مِمَّا فعله النبيُّ ﷺ في جماعة المسلمين، ولا يجترئون على ترك ذلك؛ للذي يُعلَمُ مِن حرصهم على الاقتداء بالنبي ﷺ ، وعلى تحصيل الثواب، والله تعالى أعلم. و(قوله: وَتَصِلُ ذَا رَحِمِكَ) يعني: قرابتَكَ؛ وعلى هذا؛ فتكون القرابة جنسًا مضافًا إلى ذي؛ فإنَّ حكمها أن تضافَ إلى الأجناس. وهذا أَولَى مِن قول من قال: إنَّ الرحم هنا اسمُ عَين، وإنّها هنا بمنزلة قولهم: ذو نُوَاسٍ، وذو يَزَنَ، وذو عَينٍ؛ لأنَّ هذه أسماءُ أعلامٍ لا أسماءُ أجناس، وذو بمعنى صاحب، وهي من الأسماء الستَّة التي اعتلَّت بحذف لاماتها في الإفراد، ورفعُهَا بالواو، ونصبُهَا بالألف، وخفضها بالياء، وقد ذَكَرَ النحويون أوزانَهَا وأحكامها. و(قوله: أَرَأَيتَ إِذَا أَحلَلتُ الحَلَالَ، وَحَرَّمتُ الحَرَامَ) يعني: اكتسبتُ الحلال، وامتَنَعتُ مِن كسب الحرام، هذا عرفُ الحلالِ والحرامِ في الشرع. وأمَّا

стр. 162

وَلَم أَزِد عَلَى ذَلِكَ شَيئًا، أَأَدخُلُ الجَنَّةَ؟ قَالَ: نَعَم، قَالَ: وَاللهِ، لا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ شَيئًا. رواه أحمد (٣/ ٣٤٨)، ومسلم (١٥). * * * (٤) بَابُ مَبَانِي الإِسلَامِ ١٦ - [١٣] عَنِ ابنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : بُنِيَ الإِسلامُ عَلَى خَمسٍ: شَهَادَةِ أَن لَا إِلهَ إِلا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البَيتِ، وَصَومِ رَمَضَانَ. ــ في أصل الوضع: فيصلُحُ أن يطلق الحلالُ على كلِّ ما للإنسان أن يفعلَهُ شرعًا، ولا يُمتنَعَ منه، والحرامُ على ما منَعُ الإنسانُ من فعله مطلقاً. و(قوله: وَلَم أَزِد عَلَى ذَلِكَ شَيئًا) يصلُحُ أن يُحمَلَ على ما ذكرناه آنفًا، وَيَحتَمِلُ أن يكون قال ذلك؛ لأنَّه لم يتفرّغ لفعلِ شيء من النوافل في تلك الحال: إمَّا لِشَغله بالجهاد، أو لغيره من أعمال الدين، والله تعالى أعلم. (٤) وَمِن بَابِ مَبَانِي الإِسلَامِ (قوله ﵊: بُنِيَ الإِسلامُ عَلَى خَمسٍ) يعني: أن هذه الخمس أساسُ دين الإسلام، وقواعدُه عليها تنبني، وبها تقوم، وإنما خَصَّ هذه بالذكر ولم يذكُر معها الجهاد، مع أنه به ظهر الدين، وانقمع به عُتَاةُ الكافرين؛ لأنَّ هذه الخمس فرضٌ دائم على الأعيان، ولا تسقطُ عمَّن اتَّصَفَ بشروط ذلك، والجهادُ من فروض الكفايات، وقد يسقُطُ في بعض الأوقات، بل وقد صار جماعةٌ

стр. 163

وَفِي رِوَايَةٍ: وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَالحَجِّ. فَقَالَ رَجُلٌ: الحَجِّ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ؟ قَالَ: لا، صِيَامِ رَمَضَانَ، وَالحَجِّ، هكَذَا سَمِعتُهُ مِن رَسُولِ الله ﷺ . ــ كثيرةٌ إلى: أنّ فرضَ الجهاد قد سقَطَ بعد فتح مكَّة، وذُكرَ أنَّه مذهبُ ابنِ عمر، والثوري، وابن سِيرِينَ، ونحوُهُ لسُحنُون من أصحابنا، إلا أن ينزلَ العَدُو بقوم، أو يأمر الإمامُ بالجهاد، فيلزمُ عند ذلك. وقد ظهَرَ مِن عدولِ ابن عمر عن جواب الذي قال له: ألا تغزو؟ إلى جوابه بقول النبيِّ ﷺ : بُنِيَ الإِسلامُ عَلَى خَمسٍ، أنَّه كان لا يرى فرضيَّةَ الجهاد في ذلك الوقت خاصَّةً، أو على أنَّهُ يرى سقوطَهُ مطلقًا؛ كما نُقِلَ عنه. وحديث ابن عمر هذا قد روي من طرق: ففي بعضها: شَهَادَةِ أَن لَا إِلهَ إِلا اللهُ، وفي بعضها: على أن تعبَدَ اللهُ، وتكفَرَ بما دونه، فالأُولَى نَقلٌ للفظ، والأخرى نقلُ بالمعنى، والأصل نقل اللفظ، وهو المتفق عليه. وقد اختُلِفَ في جواز نقل الحديثِ بالمعنى مِنَ العالِمِ بمواقعِ الكلم، وتركيبها على قولين: الجواز، والمنع. وأما مَن لا يَعرِف، فلا خلافَ في تحريمِ ذلك عليه، وقد أوضحنا المسألةَ في الأصول. وقد وقع في بعضِ الرواياتِ في الأصل تقديمُ الحجِّ على الصوم، وهي وَهَمٌ، والله أعلم؛ لأنَّ ابن عمر لمَّا سَمِعَ المستعيدَ يُقدِّمُ الحجَّ على الصوم، زجَرَهُ ونهاه عن ذلك، وقدَّم الصومَ على الحجِّ، وقال: هكَذَا سَمِعتُهُ مِن رَسُولِ الله ﷺ . ولا شك في أنَّ نقل اللفظ كما سُمِعَ هو الأَولَى والأسلم، والأعظم للأجر؛ لقوله ﵊: نَضَّرَ اللهُ امرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، ثُمَّ أَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا؛ فَرُبَّ حَامِلِ فِقهٍ إِلَى مَن هو أَفقَهُ مِنهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقهٍ لَيسَ بِفَقِيهٍ (١). ويَحتَمِلُ أن

стр. 164

وَفِي أُخرَى: بُنِيَ الإِسلَامُ عَلَى خَمسٍ: عَلَى أَن يُعبَدَ اللهُ، ويُكفَرَ بِمَا دُونَهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ. . . الحَدِيثَ. رواه أحمد (٢/ ٢٦ و ٩٣)، والبخاري (٨)، ومسلم (١٦)، والترمذي (٢٧٣٦)، والنسائي (٨/ ١٠٧). * * * ــ يكون محافظةُ النبيِّ ﷺ على ترتيب هذه القواعد؛ لأنَّها نزلَت كذلك: الصلاةُ أولاً، ثُمَّ الزكاةُ، ثُمَّ الصوم، ثُمَّ الحج. وَيَحتَمِلُ ذلك أن يكونَ لإفادة الأوكد فالأوكد؛ فقد يَستَنبِطُ الناظرُ في ذلك الترتيب تقديمَ الأوكدِ على ما هو دونَهُ إذا تعذَّر الجمعُ بينهما؛ كمن ضاق عليه وقتُ الصلاة، وتعيَّن عليه في ذلك الوقتِ أداءُ الزكاة لضرورة المستَحِقِّ؛ فيبدأ بالصلاة، أو كما إذا ضاق وقتُ الصلاة على الحَاجِّ، فيتذكَّرُ العشاءَ الآخرة، وقد بقي عليه مِن وقت صلاة العشاء الآخرة ما لو فعلَهُ فاته الوقوفُ بِعَرَفَةَ، فقد قال بعضُ العلماء: إنَّه يبدأُ بالصلاة وإن فاته الوقوفُ؛ نظرًا إلى ما ذكرناه، وقيل: يبدأ بالوقوف؛ للمشقَّةِ في استئناف الحَجِّ. ومن ذلك: لو رجلٌ بزكاةٍ فرَّط في أدائها، وبكفَّارةِ فِطرٍ من رمضان، وضاقَ الثلثُ عنهما، بدَأَ بالزكاة أولا لأوكديَّتها على الصوم، وكذلك: لو بكفَّارةِ الفطر وبَهديٍ واجبٍ في الحَجِّ، قدَّمَ كَفَّارَةَ الفِطر؛ وهذا كلُّه على أصل مالك، فإنَّ ذلك كلَّه يُخرَجُ من الثلث، وأمّا مَن ذهب إلى أنَّ ذلك يُخرَجُ من رأس المال، فلا تفريعَ على ذلك بشيء ممَّا ذكرناه، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 165

(٥) بَابُ إِطلَاقِ اسمِ الإِيمَانِ عَلَى مَا جَعَلَهُ فِي حَدِيثِ جِبرِيلَ إِسلَامًا [١٤] عَن أَبِي جَمرَةَ، قَالَ: كُنتُ أُتَرجِمُ بَينَ يَدَيِ ابنِ عَبَّاسٍ وَبَينَ النَّاسِ، فَأَتَتهُ امرَأَةٌ فَسَأَلَتهُ عَن نَبِيذِ الجَرِّ؟ فَقَالَ: إِنَّ وَفدَ عَبدِ القَيسِ أَتَوا ــ (٥) وَمِن بَابُ إِطلَاقِ اسمِ الإِيمَانِ عَلَى مَا جَعَلَهُ فِي حَدِيثِ جِبرِيلَ إِسلَامًا معنى جَعَلَ في هذه الترجمة: سمّى، كما قال تعالى: وَجَعَلُوا المَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُم عِبَادُ الرَّحمَنِ إِنَاثًا ويصلُحُ أن يكون بمعنى: صيَّر؛ كما تقول العرب: جعلتُ حُسنَ فلانٍ قبحًا، أي: صيَّرتُهُ، وقد تقدَّم القولُ في الإيمان والإسلام من حديث جبريل. (قوله: أبو جمرة) هذا الذي يروي عن ابن عبَّاسٍ حديثَ وَفدِ عبد القَيس، هو بالجيم والراء، واسمه: نَصرُ بنُ عِمرَانَ الضُّبَعِيُّ، وقد روى عن ابنِ عبَّاسٍ رجلٌ آخر يقالُ له: أبو حَمزةَ - بالحاء المهملة والزاي - واسمه: عِمرَانُ بنُ أبي عطاءٍ القَصَّابُ (١). و(قوله: كُنتُ أُتَرجِمُ بَينَ يَدَيِ ابنِ عَبَّاسٍ وبَينَ النَّاسِ) أي: أبلِّغُ كلامه، وأفسِّره لِمَن لا يفهمه، وعُرفُ الترجمةِ: التعبيرُ بلغةٍ عن لغةٍ لمن لا يفهم، وقيل كان أبو جمرة يتكلَّم بالفارسيَّة. وفيه دليلٌ على أنَّ ابنَ عبَّاس كان يكتفي في الترجمة بواحد؛ لأنَّهُ مُخبِرٌ، وقد اختُلِفَ فيه، فقيل: لا يكفي الواحدُ، بل لا بدَّ من اثنين؛ لأنَّها شهادة. و(قوله: فَأَتَتهُ امرَأَةٌ فَسَأَلَتهُ عَن نَبِيذِ الجَرِّ) وهي: جمعُ جَرَّةٍ، وهي: قِلَالٌ من

стр. 166

رسولَ الله ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : مَنِ الوَفدُ؟ - أو: مَنِ القَومُ؟ - قَالُوا: رَبِيعَةُ، قَالَ: مَرحَبًا بِالقَومِ - أو بِالوَفدِ - غَيرَ خَزَايَا وَلا النَّدَامَى، قَالَ: فَقَالُوا: يَا رسولَ الله، إِنَّا نَأتِيكَ مِن شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وَإِنَّ بَينَنَا وَبَينَكَ هَذَا الحَيَّ ــ فَخَّارٍ، غير أنها مَطلِيَّةٌ بالزجاج، وهو الحَنتَمُ، ونبيذُ الجرِّ: هو ما يُنبَذُ فيها من التمر وغيره. وإنما سأَلَتهُ عن حكم النبيذ في الجِرَارِ: هل يَحِلُّ أم لا؟ فذكَرَ لها ما يدُلُّ على منع ذلك، ثم أخذ في ذكر الحديث بقصَّته. ففيه: ما يدلُّ على أن المفتي يجوز (١) له أن يذكر الدليلَ مستغنيًا به عن النصِّ على الفتيا إذا كان السائلُ بصيرًا بموضع الحُجَّة. و(قوله ﵊: مَنِ القَومُ؟ أو مَنِ الوَفدُ؟ ) هذا شَكٌّ من بعض الرواة. والوَفد: الوافدون، وهم القادمون والزائرون، يقال: وَفَدَ يَفِدُ، فهو وافد، والجمع: وَافِدونَ وَوُفُود، والقوم وَفدٌ، وقال ابنُ عبَّاسِ ﵄ في قوله تعالى: يَومَ نَحشُرُ المُتَّقِينَ إِلَى الرَّحمَنِ وَفدًا رُكبانًا. و(قوله: مَرحَبًا) هو من الرُّحب - بضمِّ الراء - وهو السعة، والرَّحبُ - بفتح الراء -: هو الشيءُ الواسع، وهو منصوبٌ بفعلٍ مضمَرٍ، لا يُستعمل إظهارُهُ، أي: صادفتَ رُحبًا، أو أتيتَ رَحبًا؛ فاستَأنِس ولا تَستَوحِش. والخَزَايَا جمع خَزيَان؛ مثلُ: نَدمَان ونَدَامَى، وسَكران وسَكَارَى؛ كما قال تأَبَّطَ شَرًّا: . . . . . . . . . ... . . . . . . وَالمَوتُ خَزيَانُ يَنظُرُ (٢) خَزِيَ الرجلُ يَخزَى خِزيًا؛ إذا ذَلَّ، وخَزَايَةً: إذَا خَجِلَ واستحيى. والنَّدَامَى هنا: جمعُ نادمٍ؛ لكنَّه على غير قياس؛ لأنَّ قياس نَدَامَى أن يكون جمع نَدمَان، كما

стр. 167

مِن كُفَّارِ مُضَرَ، وَإِنَّا لا نَستَطِيعُ أَن نَأتِيَكَ إِلَاّ فِي شَهرِ الحَرَامِ، ــ قلناه، والندمان: هم المُجَاليِسُ على الخمر وساقيها؛ كما قال الشاعر: فَإِن كُنتَ نَدمَانِي فَبِالأَكبَرِ اسقِنِي ... وَلَا تَسقِني بِالأَصغَرِ المُتَثَلِّمِ وليس مرادًا هاهنا، وإِنَّمَا جَمَعَ نَادِماً هذا على نَدَامَى؛ إتباعًا لخَزَايَا؛ على عادتهم في إتباع اللفظِ اللفظَ، وإن لم يكن بمعناه؛ كما قالوا: إنِّي لآتيه بالغَدَايَا والعَشَايَا؛ فجمعوا الغُدوَةَ: غَدَايَا؛ لمَّا ضمَّوه إلى العشايا؛ كما قال شاعرهم: هَتَّاكِ أَخبِيَةٍ وَلاجِ أَبويَةٍ (١) ... . . . . . . . . . . . . فجمَعَ البابَ على أَبوِيةً، لَمَّا أتبعَهُ أَخبِيَة، ولو أفرده لما جاز ذلك، ومن هذا النوع: قولُهُ ﵊ للنساء المتَّبعات للجنازة: ارجِعنَ مَأزُورَاتٍ غَيرَ مَأجُورَاتٍ (٢)، ولولا مراعاةُ الإتباع قال: مَوزُورات بالواو؛ لأنه من الوِزرِ. وقال القَزَّاز (٣) في جامعه: يقال في النادم: نَدمَانُ؛ فيكون نَدَامَى على القياس، ومعنى هذا القول: التأنيسُ، والإكرامُ والثناءُ عليهم بأنَّهم بادروا بإسلامهم طائِعِينَ من غيرِ خِزيٍ لَحِقَهُم من قَهرٍ ولا سِبَاء، ثُمَّ إنَّهم لمَّا أسلموا كذلك احتُرِمُوا وأُكرِموا وأُحِبُّوا، فلم يَندَمُوا على ذلك، بل انشرحَت صدورهم للإسلام، وتنوَّرَت قلوبُهُم بالإيمان. وغَيرَ خزايا: منصوبٌ على الحال، أي: أتيتُم في هذه الحال. وروي: ولا الندامى، ولا ندامى، معرَّفًا وغير مُعَرَّف؛ وهما بمعنىً واحدٍ. والشُّقَّة البعيدة: المسافةُ البعيدة الصعبة. والحَيُّ: القبيل، وربيعة: هو خبَرُ مبتدأ محذوف؛ أي: نحنُ بنو ربيعة. و(قوله: وَإِنَّا لا نَستَطِيعُ أَن نَأتِيَكَ إِلَاّ فِي شَهرِ الحَرَامِ) كذا الرواية الصحيحة

стр. 168

فَمُرنَا بِأَمرٍ فَصلٍ نُخبِرُ بِهِ مَن وَرَاءَنَا نَدخُل بِهِ الجَنَّةَ، قَالَ: فَأَمَرَهُم بِأَربَعٍ، وَنَهَاهُم عَن أَربَعٍ؛ ــ بتعريف الحرام، وإضافة الشهر إليه، وهو من باب إضافةِ الشيء إلى صفته؛ كما قالوا: مسجدُ الجامع، وصلاةُ الأُولَى؛ وقال تعالى: وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيرٌ وهو على تقدير محذوف؛ فكأنّه قال: شَهرٌ الوقتِ الحرامِ، ومسجدُ المكانِ الجامعِ، ولدارُ الحالةِ الآخِرَةِ، ونحوه. ويعنون بشَهرِ الحرامِ: رجبًا؛ لأنَّه متفردٌ بالتحريم من شهور الحِلِّ، بخلاف سائر الأشهر الحُرُم؛ فإنَّها متوالية؛ ولذلك قال فيها: ثلاثةٌ سَرد، وواحدٌ فَرد، يعنون به: رجبًا، وهو الذي قال النبي ﷺ : إنَّهُ شَهرُ مُضَرَ (١)، وإنما نسبُهُ إليهم: إمَّا لأنَّها انفردَت بابتداء احترامه، أو لتخصيص الاحترامِ به، أو بزيادةِ التعظيمِ له على غيرهم، والله تعالى أعلم. وقد وقع في بعض النسخ: في شهرٍ حَرَامٍ، وهو يصلُحُ لرجبٍ وحدَهُ، ولجميعِ الأشهُرِ الحُرُمِ، وحاصلُ قولهم هذا أنه اعتذارٌ عن امتناعِ تكرُّرِ قدومهم عليه. و(قوله: فَمُرنَا بِأَمرٍ فَصلٍ نُخبِرُ بِهِ مَن وَرَاءَنَا، نَدخُل بِهِ الجَنَّةَ) قيّدناه على مَن يُوثَقُ بعلمِه: نُخبِر بهُ مرفوعًا، وندخل مرفوعًا ومجزومًا؛ فرفعهما على الصفة لأَمر، وجزمُ ندخُل على جوابِ الأمرِ المتضمِّنِ للجزاء؛ فكأنَّه قال: إن أمرتَنَا بأمرٍ واضحٍ، فعلنا به، ورجَونَا دخولَ الجنة بذلك الفعل. والقولُ الفصلُ: هو الواضحُ البليغُ الذي يَفصِلُ بين الحقِّ والباطل؛ كما قال تعالى: إِنَّهُ لَقَولٌ فَصلٌ. و(قوله: فَأَمَرَهُم بِأَربَعٍ، وَنَهَاهُم عَن أَربَعٍ) ثُمَّ إنَّه ذكر خمسًا: فقيل في ذلك:

стр. 169

قَالَ: أَمَرَهُم بِالإِيمَانِ بِاللهِ وَحدَهُ، وَقَالَ: هَل تَدرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللهِ؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ، قَالَ: شَهَادَةُ أَن لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَومُ رَمَضَانَ، وَأَن تُؤَدُّوا خُمُسًا مِنَ المَغنَمِ، وَنَهَاهُم عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالحَنتَمِ، وَالمُزَفَّتِ - وَرُبَّمَا قَالَ: المُقَيَّرِ، وَرُبَّمَا قَالَ: النَّقِيرِ - وَقَالَ: احفَظُوهُ، وَأَخبِرُوا بِهِ مِن وَرَائِكُم. وَفِي رِوَايَةٍ: مَن وَرَاءَكُم. رواه البخاري (٥٣)، ومسلم (١٧)، وأبو داود (٣٦٩٢) و (٣٦٩٤) و (٣٦٩٦)، والترمذي (٢٦١٤)، والنسائي (٨/ ٣٢٣). [١٥] وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ؛ أَنَّ نَاسًا مِن عَبدِ القَيسِ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ وَذَكَر نَحو مَا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ: فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : آمُرُكُم بِأَربَعٍ، وَأَنهَاكُم عَن أَربَعٍ: اعبُدُوا اللهَ، وَلَا تُشرِكُوا بِهِ شَيئًا، وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ، ــ إنَّ أَوَّلَى الأربعِ الموعود بها: هو إقامُ الصلاة، في ذكَرَ كلمةَ التوحيد؛ تبرُّكًا بها، وتشريفًا لها ... كما قيل ذلك في قوله تعالى: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ في قولِ كثيرٍ من أهل العلم. وقيل: إنما قصد إلى ذِكرِ الأركان الأربع التي هي: التوحيدُ، والصلاة، والصوم، والزكاة، ثم ظهر له أنَّهُم أهلُ غزو وجهاد، فَبَيَّنَ لهم وجوبَ أداءِ الخُمُسِ، والله أعلم. وإنما لم يذكُر لهم الحجَّ؛ لأنَّهم لم يكن لهم إليه سبيلٌ من أجلِ كُفَّارِ مُضَرَ، أو لأَنَّ وجوبَ الحجِّ على التراخي، والله تعالى أعلم. وقد تقدَّم القولُ في الإيمان والإسلام، وأنَّهما حقيقتان متباينتانِ في الأصل، وقد يُتَوَسَّعُ فَيُطلَقُ أحدها على الآخر، كما جاء هنا؛ فإنَّهُ أطلَقَ الإيمانَ على الإسلام؛ لأنَّهُ عنه يكون غالبًا، وهو مُظهِرُهُ. و(قوله: وَأَنهَاكُم عَن أَربَعٍ) أي: عن الانتباذِ في هذه الأواني الأربع؛ فالمنهيُّ عنه واحدٌ بالنوع، وهو الانتباذُ، ثمَّ إنَّه تعدَّد بحَسَبِ هذه الأوعية الأربعِ

стр. 170

وَآتُوا الزَّكَاةَ، وَصُومُوا رَمَضَانَ، وَأَعطُوا الخُمُسَ مِنَ الغَنَائِمِ، وَأَنهَاكُم عَن أَربَعٍ: عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالحَنتَمِ، وَالمُزَفَّتِ، وَالنَّقِيرِ، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، مَا عِلمُكَ بِالنَّقِيرِ؟ قَالَ: بَلَى؛ جِذعٌ تَنقُرُونَهُ، فَتَقذِفُونَ فِيهِ مِنَ القُطَيعَاءِ - أو قَالَ: مِنَ التَّمرِ - ثُمَّ تَصُبُّونَ فِيهِ مِنَ المَاءِ، حَتَّى إِذَا سَكَنَ غَلَيَانُهُ شَرِبتُمُوهُ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَكُم - أو إِنَّ أَحَدَهُم - لَيَضرِبُ ابنَ عَمِّهِ بِالسَّيفِ، قَال: وَفِي القَومِ رَجُلٌ ــ التي هي: الدُّبَّاء، والحَنتَم، والمزفَّت، والنَّقِير، وخَصَّ هذه بالنهي؛ لأنَّها أوانيهم التي كانوا ينتبذون فيها: فالدُّبَّاء ممدودًا، وهي: القَرعَةُ كانت يُنبَذُ فيها فيضَرَّى (١)؛ قاله الهروي. والحَنتَمُ: أَصَحُّ ما قيلَ فيها: إنَّها كانت جِرَارًا مَطلِيَّةً بالحَنتَمِ المعمولِ من الزجاجِ، كانت الخمرُ تُحمَلُ فيها، ونُهُوا عن الانتباذ فيها؛ لأنَّها تعجِّلُ إسكارَ النبيذ كالدُّبَّاء، وقال عطاءٌ: كانت تُعمَلُ مِن طين يعجن بالدم والشعر؛ وعلى هذا يكونُ النهيُ عنها؛ لأجل أصل النجاسة، والأوَّل أعرفُ وأصحُّ. والمُزَفَّت: المطليُّ بالقارِ، وهو نوعٌ من الزِّفت. والنَّقِيرُ: مفسَّر في الحديث. والجِذع: أصل النخلة، ويجمع على جذوع. وتَقذِفُون: تجعلون وترمون، وأصل القذف: الرمي. والقُطَيعَاء: نوعٌ من التمر يقال له: الشِّهرِيز. وفي رواية أخرى: وتُدِيفُونَ مِنَ القُطَيعَاءِ، والرواية: مضموم التاء رباعيًّا، وبالدال المهملة، وقد حكى ابن دُرَيد: دُفتُ الدَّوَاءَ وغيرَهُ بالماء أَدُوفُهُ، بإهمال الدال، وحكى غيره أنه (٢) يقال: ذُفتُه أَذُوفُهُ، وسُمٌّ مَذُوفٌ ومَذِيفٌ، ومُذَوَّوفٌ، ومُذَافٌ، بالذال المعجمة، وحكى غيره أنه يقال: أَدافَ الدواءَ بالدواء؛ فالروايةُ على هذا صحيحةٌ، ومعناه: خَلَطَ ومزَجَ. والأَسقِية: جمعُ سِقَاءٍ، وهو الإناءُ من الجِلدِ. والأَدَمُ: جمع أَديم، وهو الجلدُ أيضًا.

стр. 171

أَصَابَتهُ جِرَاحَةٌ كَذَلِكَ، وَكُنتُ أَخبَأُهَا حَيَاءً مِن رَسُولِ الله ﷺ ، فَقُلتُ: فَفِيمَ نَشرَبُ يا رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: فِي أَسقِيَةِ الأَدَمِ الَّتِي تُلاثُ عَلَى أَفوَاهِهَا، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّ أَرضَنَا كَثِيرَةُ الجِرذَانِ، وَلَا تَبقَى فيِهَا أَسقِيَةُ الأَدَمِ، ــ و(تُلَاثُ عَلَى (١) أَفوَاهِهَا) أي: تُشَدُّ وتُربَط. قال القُتَبِيُّ (٢): أصلُ اللَّوثِ: الطَّيُّ، ولُثتُ العمامةَ: لَفَفتُها؛ وهذا نحو ممَّا يقال: عليكم بالمُوكَى بالقصر، أي: السقاء الذي يُربَطُ فوه بالوِكَاء، وهو الخيط. والجِرذَان جمعُ جُرَذٍ، وهو الفأر، وإنما حضَّهم على الانتباذ في الأسقية؛ لأنها إذا غلا فيها النبيذُ انشقَّت لرقَّةِ (٣) الجلود خلافِ الأواني المذكورةِ؛ قيلُ: فإنها تعجِّل الشدَّةَ وتُخفِيهَا. و(قولهم: إِنَّ أَرضَنَا كَثِيرَةُ الجِرذَانِ، وَلَا تَبقَى فيِهَا أَسقِيَةُ الأَدَمِ) أي: لأنَّ الجِرذَانَ تأكلها؛ ولذلك قال لهم: وَإِن أَكَلَتهَا الجِرذَانُ، ولم يعذرهم بذلك؛ لأنَّهم يمكنهم التحرُّزُ بتعليق الأَسقية، أو باتِّخَاذِ ما يُهلِكُ الفئران مِن حيوانٍ أو غيره، والله تعالى أعلم. وقد تمسَّكَ بعض أهل العلم بظاهر هذا النهي عن الانتباذ في تلك الظروف؛ فحمله على التحريم، ومِمَّن قال هذا: ابن عمر، وابن عباس، على ما يأتي في الأشربة؛ فسنبيِّن هنالك - إن شاء الله تعالى - أنَّ ذلك منسوخٌ بقوله ﵊: كنتُ نَهَيتُكُم عَنِ الاِنتِبَاذِ إِلَاّ فِي الأسِقَية، فَانتَبِذُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ غَيرَ أَلَاّ تَشرَبُوا مُسكِرًا (٤).

стр. 172

فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : وَإِن أَكَلَتهَا الجِرذَانُ! وَإِن أَكَلَتهَا الجِرذَانُ! وَإِن أَكَلَتهَا الجِرذَانُ! قَالَ: وَقَالَ نبي الله ﷺ لِأُشَجِّ عَبدِ القَيسِ: إِنَّ فِيكَ لَخَصلَتَينِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الحِلمُ وَالأَنَاةُ. رواه أحمد (٣/ ٢٣)، ومسلم (١٨)، والنسائي (٨/ ٣٠٦). * * * ــ وأشجُّ عبد القيس اسمه: المنذر بن عائذ، بالذال المعجمة، وقيل: المنذر بن الحارث، وقيل: هو عبد الله بنُ عَوف، وقيل: قيس، والأوَّلُ أصحُّ. وقد روى أبو داودَ، من حديثِ أُمِّ أَبَانَ بنتِ الوازعِ بن زارع، عن جَدِّها زارع، وكان في وَفدِ عبد القيس، قال: فلمَّا قَدِمنَا المدينةَ، تبادَرنَا مِن رواحلنا نُقبِّلُ يدَ النبيِّ ﷺ وَرِجلَهُ، وانتظَرَ المنذرُ حتى أتى عَيبَتَهُ (١)، فَلَبِسَ ثوبه، ثم أتى النبيَّ ﷺ ، فقال له: إِنَّ فِيكَ لَخَصلَتَينِ يُحِبُّهُمَا اللهُ ورسوله: الحِلمُ، والأَنَاةُ، فَقَالَ: يَا رسولَ الله، أَنَا أَتَخَلَّقُ بِهِمَا، أَمِ اللهُ جَبَلَنِي عَلَيهِمَا؟ فَقَالَ: بَلِ اللهُ جَبَلَكَ عَلَيهِمَا، قَالَ: الحَمدُ للهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلُقَينِ يُحِبُّهُمَا اللهُ وَرَسُولُهُ (٢). والحِلمُ هنا: هو العَقلَ، وهو بكسر الحاء؛ يقال منه: حَلُمَ الرجلُ يَحلُمُ، بضم اللام: إذا صار حليمًا، وتحلَّم: إذا تكلَّف ذلك. والأناة: الرفقُ والتثبُّت في الأمور؛ يقال منه: تأنَّى الرجل يتأنَّى تَأَنِّيًا؛ ومنه قولُ الشاعر: أَنَاةً وحِلمًا وانتِظَارًا بِهِم غَدًا وقد يقال الحِلمُ على الأناة. وقد ظهَرَ من حديث أبي داود: أنّ نبي الله ﷺ إنما قال ذلك للأشَجِّ؛ لِمَا ظَهَرَ له منه مِن رِفقِهِ وتَركِ عجلته. وقد رُوي في غير

стр. 173

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كتاب أبي داود: أنَّه لمَّا بادَرَ قومُهُ إلى نبي الله ﷺ تأنَّى هو، حتَّى جمَعَ رحالَهُم، وعقَلَ ناقته، ولَبِسَ ثيابًا جُدُدًا، ثم أقبَلَ إلى النبيِّ ﷺ على حالِ هدوءٍ وسكينة، فأجلَسَهُ النبيُّ ﷺ إلى جانبه، ثم إنَّ النبيَّ ﷺ قال لِوَفدِ عبد القيس: تُبَايِعُونَ عَلَى أَنفُسِكُم وَعَلَى قَومِكُم؟ فقال القومُ: نَعَم، فقال الأَشَجُّ: يا رسولَ الله، إِنَّكَ لم تُزَاوِلِ الرَّجُلَ عَلَى أَشَدَّ عَلَيهِ مِن دِينِهِ، نُبَايِعُكَ عَلَى أَنفُسِنَا، وتُرسِلُ معنا مَن يَدعُوهُم، فمَنِ اتَّبَعَنَا كَانَ مِنَّا، ومَن أَبَى قَاتَلنَاهُ، قال: صَدَقتَ؛ إِنَّ فِيكَ لَخَصلَتَينِ. . الحديثَ (١). فالأُولى: هي الأناة، والثانية: هي العقل. وفيه من الفقه: جَوَازُ مدحِ الرجلِ مشافهةً بما فيه إذا أُمِنَت عليه الفتنةُ، والأصلُ منعُ ذلك؛ لقوله ﵊: إِيَّاكُم والمَدح فَإِنَّهُ الذَّبح (٢)، ولقوله للمادح: وَيلَكَ! قَطَعتَ عُنُقَ أَخِيكَ (٣)، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى. و(قوله: وَفِي القَومِ رَجُلٌ أَصَابَتهُ جِرَاحَةٌ كَذَلك) قيل: اسمُ هذا الرجل: جَهمُ بن قُثَمَ؛ قاله ابن أبي خَيثَمَةَ، وقيل: كانت الجراحةُ في ساقه. قال المؤلِّف رحمه الله تعالى: وهذا الرجل ليس هو أشج عبد القيس؛ لأن اسمهما مختلف كما ذكر هنا وفيما تقدم؛ ولأنَّ الأصل في الشِّجاجِ لا يكون إلا في الرأس والوجه. وفي الصحاح: رَجُلٌ أَشَجُّ بيِّنُ الشَّجَجِ: إذا كان في جبينه أَثَرُ الشَّجَّةِ؛ وعلى هذا: يدُلُّ كونُ هذا الرجل غلب عليه الأشَجُّ؛ لأنَّهُ إنَّما يغلبُ على

стр. 174

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الإنسان ما كان ظاهرًا من أمره، ولمَّا كانت ظاهرةً في وجهه، نسَبَهُ إليها كُلُّ من كان رآه منه؛ فغلب عليه ذلك، ولو كانت في ساقه، لَمَا غلَبَ عليه ذلك، والله أعلم. وأصلُ الشَّجِّ القطعُ والشَّقُّ؛ ومنه قولهم: شَجَّتِ السفينةُ البحرَ؛ أي: شَقَّتهُ، وشَجَجتُ المفازة: قطعتُهَا؛ قال الشاعر: تَشُجُّ بِيَ العَوجَاءُ كُلَّ تَنُوفَةٍ ... كَأَنَّ لَهَا بَوًّا بِنِهيٍ تُغَاوِلُه (١) وتعريف النبي ﷺ بحالِ ذلك الرجل يَدُلُّ على أنَّه عَرَفَهُ بعينه؛ غير أنه لم يواجههُ بذلك؛ حُسنَ عِشرةٍ منه ﷺ على مقتضى كَرَمِ خُلُقه؛ فإنّهُ كَانَ لَا يُوَاجِهُ أَحَدًا بِمَا يَكرُهُه. وإنَّما خَصَّ النبيُّ ﷺ هذه الأربعَ الأواني بالذكر؛ لأنها أغلب أوانيهم، ويلحق بها في النهي ما كان في معناها؛ كأواني الزُّجَاج، والحديد، والنُّحَاس، وغير ذلك مما تعجِّل الإسكار؛ بدليل قوله ﵊ في جواب قولهم: فِبمَ نَشرَبُ يَا رسولَ الله؟ فَقَالَ: في أَسقِيةِ الأَدَمِ، وبدليلِ قوله في حديث بُرَيدَةَ: وكُنتُ نَهَيتُكُم عَنِ النَّبِيذِ إِلَاّ فِي سِقَاءٍ، ولأنَّ ما عدا تلك الأربعَ في معناها، فَيُلحَقُ بها على طريقة نَفيِ الفارق، والله أعلم. * * *

стр. 175

(٦) بَابُ أَوَّلِ مَا يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِينَ [١٦] عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ قَالَ: إِنَّكَ سَتَقدَمُ عَلَى قَومٍ أهل كِتَابٍ، فَليَكُن أَوَّلَ مَا تَدعُوهُم إِلَيهِ عِبَادَةُ اللهِ ، فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ فَأَخبِرهُم ــ (٦) وَمِن بَابِ أَوَّلِ مَا يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِينَ (قوله: إِنَّكَ سَتَقدَمُ عَلَى قَومٍ أهل كِتَابٍ) يعني به: اليهودَ والنصارى؛ لأنهم كانوا في اليمنِ أكثرَ مِن مشركي العَرَبِ أو أغلَبَ، وإنما نبَّهه على هذا؛ ليتهيَّأَ لمناظرتهم، ويُعِدَّ الأدلَّةَ لإفحامهم؛ لأنَّهم أهلُ عِلمٍ سابقٍ، بخلافِ المُشرِكين وعَبَدَةِ الأوثان. و(قوله: فَليَكُن أَوَّلَ مَا تَدعُوهُم إِلَيهِ عِبَادَةُ اللهِ) قد تقدَّم أنَّ أصلَ العبادةِ التذلُّلُ والخضوع، وسُمِّيَت وظائفُ الشرعِ على المكلَّفين: عباداتٍ؛ لأنَّهم يلتزمونها ويفعلونها خاضعين متذلِّلين لله تعالى. والمراد بالعبادة هنا: هو النطقُ بشهادة أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمَّدًا رسولُ الله؛ كما جاء في الرواية الأخرى مفسَّرًا: فَادعُهُم إِلَى شَهَادَةِ أَن لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ. و(قوله: فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ، فَأَخبِرهُم) أي: إن أطاعوا بالنطق بذلك، أي: بكلمتي التوحيد؛ كما قال في الرواية الأخرى: فَإِن هُم أَطَاعُوا بذَلِكَ فَأَعلِمهُم، فسمَّى الطواعية بذلك والنطقَ به: معرفةً؛ لأنَّه لا يكونُ غالبًا إلا عن المعرفة. وهذا الذي أَمَرَ النبيُّ ﷺ به معاذًا، هو الدَّعوَةُ قبلَ القتالِ؛ التي كان النبيُّ ﷺ يُوصِي بها أُمَرَاءَهُ، وقد اختُلِفَ في حُكمها على ما يأتي في الجهاد. وعلى هذا فلا يكونُ في حديث معاذٍ حُجَّةٌ لمن تمسَّكَ به من المتكلِّمين على أنَّ أوَّلَ واجبٍ على كلِّ مكلَّفٍ: معرفةُ الله تعالى بالدليل والبرهان، بل هو حُجَّةٌ لمن يقول: إنَّ أَوَّلَ

стр. 176

أَنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيهِم خَمسَ صَلَوَاتٍ فِي يَومِهِم وَلَيلَتِهِم، فَإِذَا فَعَلُوا، ــ الواجباتِ التلفُّظُ بكلمتَيِ الشهادةِ، مُصَدِّقًا بها. وقد اختلف المتكلِّمون في أوَّل الواجبات على أقوالٍ كثيرةٍ، منها ما يَشنُعُ ذكره، ومنها ما ظَهَرَ ضعفه، والذي عليه أئمَّةُ الفتوى، وبهم يُقتَدَى كمالكٍ، والشافعيِّ، وأبي حنيفةَ، وأحمدَ بن حنبل، وغيرِهِم من أئمَّةِ السلف: أنَّ أوَّلَ الواجباتِ على المكلَّف: الإيمانُ التصديقيُّ الجَزمِيُّ الذي لا رَيبَ معه بالله تعالى ورسلِهِ وكُتُبِه، وما جاءت به الرسلُ، على ما تقرَّرَ في حديثِ جبريلَ، كيفما حصَلَ ذلك الإيمان، وبأيِّ (١) طريقٍ إليه تُوُصِّلَ، وأما النطقُ باللسان: فمُظهِرٌ لما استَقَرَّ في القلب من الإيمان، وسَبَبٌ ظاهرٌ تترتَّبُ عليه أحكامُ الإسلام. وتفصيلُ ما أجملناه يستدعي تفصيلاً وتطويلاً يُخرِجُ عن المقصود، ولعلَّنَا بِعَونِ الله تعالى نكتُبُ في هذه المسألة جزءًا؛ فإنها حَرِيَّةٌ بذلك. وقد احتَجَّ بهذا الحديث مَن قال بأنَّ الكفَّارَ ليسوا مخاطَبِينَ بفروع الشريعة؛ وهو أحدُ القولَينِ لأصحابنا وغيرِهم؛ من حيثُ إنّهُ ﵊ إنما خاطبهم بالتوحيد أوَّلاً، فلمَّا التزموا ذلك خاطبهم بالفروع التي هي الصلاةُ والزكاة، وهذا لا حجة فيه؛ لوجهين: أحدهما: أنّه لم يَنُصَّ النبيُّ ﷺ على أنَّه إنما قدّم الخطابَ بالتوحيد لِمَا ذكروه، بل يَحتَمِلُ ذلك، ويحتملُ أن يقال: إنَّه إنَّما قدَّمه لكونِ الإيمانِ شَرطًا مصحِّحًا للأعمالِ الفروعيَّة، لا للخطابِ بالفروع؛ إذ لا يَصِحُّ فِعلُهَا شرعًا إلا بتقدُّم وجوده، ويصحُّ الخطابُ بالإيمانِ وبالفروعِ معًا في وقتٍ واحد، وإن كانت في الوجودِ متعاقبةً؛ كما بيَّناه في الأصول؛ وهذا الاحتمالُ أظهَرُ مما تمسَّكوا به، ولو لم يكن أظهَرَ، فهو مساو له؛ فيكونُ ذلك الخطابُ مجمَلاً بالنسبةِ إلى هذا الحكم. وثانيهما: أنَّ النبيَّ ﷺ إنما رتَّب هذه القواعدَ؛ ليبيِّن الأوكَدَ فالأوكد، والأهَمَّ فالأهم؛ كما بيَّنَّاه في حديثِ ابن عمر الذي قبل هذا، والله تعالى أعلم.

стр. 177

فَأَخبِرهُم أَنَّ اللهَ قَد فَرَضَ عَلَيهِم زَكَاةً تُؤخَذُ مِن أَغنِيَائِهِم، وتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِم، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا، فَخُذ مِنهُم وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَموَالِهِم. ــ واقتصارُ النبي ﷺ على ذِكرِ القواعد الثلاث؛ لأنَّها كانت هي المتعيِّنَةَ عليهم في ذلك الوقتِ المتأكِّدَ فيه؛ ولا يُظَنُّ أنّ الصومَ والحجَّ لم يكونا فُرِضَا إذ ذاك؛ لأنَّ إرسالَ معاذٍ إلى اليمن كان في سنة تِسعٍ، وقد كان فُرِضَ الحَجُّ، وأما الصوم: ففُرِضَ في السنة الثانية من الهجرة، ومات النبي ﷺ ومعاذٌ باليمن على الصحيح. وقولُ مَن قال: إنَّ الرواةَ سَكَتُوا عن ذكر الصومِ والحجِّ؛ قولٌ فاسد؛ لأنَّ الحديث قد اشتهر، واعتنى الناسُ بنقله سلفًا وخلفًا؛ فلو ذكر رسولُ الله ﷺ له شيئًا مِن ذلك لَنُقِلَ. و(قوله: إنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيهِم زَكَاةً تُؤخَذُ مِن أَغنِيَائِهِم، فتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِم) دليلٌ لمالك على أنَّ الزكاةَ لا تجبُ قِسمتها على الأصنافِ المذكورين في الآية، وأنَّه يجوزُ للإمامِ أن يصرفها إلى صِنفٍ (١) واحد من الأصناف المذكورين في الآية (٢)؛ إذا رآه نَظَرًا ومصلحةً دينيَّة، وسيأتي هذا كاملا (٣) في كتاب الزكاة، إن شاء الله تعالى. وفيه دليلٌ لمن يقول: يدفعها مَن وجبَت عليه للإمامِ العدل، الذي يضعها مواضعها، ولا يجوزُ لمن وجبَت عليه أن يَلِيَ تفرقتَهَا بنفسه إذا أقام الإمامُ من تُدفَعُ إليه، ومن ذلك تفصيلٌ يُعرَفُ في الفروع. و(قوله: وَإيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَموَالِهِم) أي: خيارَهَا ونفائسَهَا؛ حذَّرَهُ مِن ذلك؛ نظرًا لأربابِ الأموال، ورِفقًا بهم، وكذلك أيضا: لا يأخُذُ مِن شرارِ المال ولا مَعِيبِهِ؛ نظرًا للفقراء؛ فلو طابَت نفسُ رَبِّ المال بشيءٍ من كرائم أمواله؛ جاز

стр. 178

وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، عَن مُعَاذٍ، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ: إِنَّكَ تَأتِي قَومًا مِن أهل الكِتَابِ، فَادعُهُم إِلَى شَهَادَةِ أَن لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإِن هُم أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعلِمهُم أَنَّ اللهَ افتَرَضَ. . . وَذَكَرَ الحَدِيثَ نَحوَهُ، وَزَادَ: وَاتَّقِ دَعوَةَ المَظلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيسَ بَينَهَا وَبَينَ اللهِ حِجَابٌ. رواه أحمد (١/ ٢٣٣)، والبخاري (١٤٥٨) و (٤٣٤٧) و (٧٣٧١)، ومسلم (١٩)، وأبو داود (١٥٨٤)، والترمذي (٦٢٥)، والنسائي (٥/ ٥٢ و ٥٥)، وابن ماجه (١٧٨٣). * * * ــ للمُصَدِّقِ أخذُهَا منه، ولو أن المُصَدِّقُ رأى أن يَأخُذَ مَعِيبَةً على وجه النظر والمصلحةِ للفقراء جاز. و(قوله: وَاتَّقِ دَعوَةَ المَظلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيسَ بَينَهَا وَبَينَ اللهِ حِجَابٌ) الروايةُ الصحيحة في فإنَّه بضمير المذكَّر؛ على أن يكونَ ضميرَ الأمر والشأن، ويَحتملُ: أن يعودَ على مذكَّرِ الدعوة؛ فإنَّ الدعوةَ دعاءٌ. ووقع في بعض النسخ: فإنَّها بهاء التأنيث، وهو عائدٌ على لفظ الدعوة. ويستفادُ منه: تحريمُ الظُّلمِ، وتخويفُ الظالم، الدعاء للمظلوم عليه، والوَعدُ الصِّدقُ بأنَّ الله تعالى يستجيبُ للمظلومِ فيه، غيرَ أنَّهُ قد تعجِّلُ الإجابةَ فيه، وقد يؤخِّرها إملاءً للظالم؛ كما قال ﵊: إِنَّ اللهَ يُملِي للِظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَم يُفلِتهُ (١)، ثُمَّ قرأ: وَكَذَلِكَ أَخذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ، وكما قد رُوِيَ عن النبي ﷺ أنه قال: إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَرفَعُ دَعوَةَ المَظلُومِ عَلَى الغَمَامِ، وَيَقُولُ لَهَا: لَأَنصُرَنَّكِ وَلَو بَعدَ حِينٍ (٢).

стр. 179

(٧) بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ إِلَى أَن يُوَحِّدُوا الله وَيَلتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ [١٧] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ الله ﷺ وَاستُخلِفَ أبو بَكرٍ ﵁ بَعدَهُ، وَكَفَرَ مَن كَفَرَ مِنَ العَرَبِ، ــ (٧) ومِن بَابٍ يُقَاتَلُ النَّاسُ إِلَى أَن يُوَحِّدُوا الله، وَيَلتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ (قوله: وَكَفَرَ مَن كَفَرَ مِنَ العَرَبِ) قال ابنُ إسحاق: لمَّا قُبِضَ رسولُ الله ﷺ ارتدَّتِ العربُ إلَاّ ثلاثةَ مساجدَ: مسجدَ المدينةِ، ومسجدَ مَكَّةَ، ومسجدَ جُؤاثَا. قال القاضي أبو الفضلِ عِيَاضٌ: كان أهلُ الردَّةِ ثلاثةَ أصناف: فصنفٌ كفَرَ بعد إسلامه، وعاد لجاهليته، واتَّبَعَ مُسَيلِمَة والعَنسِيَّ، وصدَّقَ بهما. وصنفٌ أقرَّ بالإسلام إلا الزكاة فجحدها، وتأوَّلَ بعضُهُم أنَّ ذلك كان خاصًّا للنبيِّ ﷺ ؛ لقولِهِ تعالى: خُذ مِن أَموَالِهِم صَدَقَةً تُطَهِّرُهُم وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيهِم إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُم وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، وصنفٌ اعترَفَ بوجوبِها، ولكنِ امتنع مِن دفعها إلى أبي بكر، فقال: إنما كان قَبضُهَا للنبيِّ ﷺ خاصَّةً لا لغيره، وفرَّقوا صدقاتِهم بأيديهم، فرأى أبو بَكرٍ والصحابةُ قتالَ جميعِهم، الصِّنفانِ الأَوَّلانِ لِكُفرهم، والثالثُ لامتناعهم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وهذا الصنفُ الثالثُ هم الذين أشكَلَ أمرُهم على عمر، فباحَثَ أبا بكرٍ في ذلك حتَّى ظهَرَ له الحقُّ الذي كان ظاهرًا لأبي بكر، فوافقه على ذلك؛ ولذلك قال: فَوَاللهِ! مَا هو إِلا أَن رَأَيتُ اللهَ قَد شَرَحَ صَدرَ أَبِي بَكرٍ لِلقِتَالِ؛ فَعَرَفتُ أنّهُ الحَقُّ، أي: ظَهَرَ له من الدليل، وحصَلَ له من ثَلَجِ الصدر وانشراحِهِ لذلك، مثلُ الذي حصَلَ لأبي بكر، لأنَّه قلَّده واتَّبَعَهُ بعد ظهور الدليل؛ لأنَّ التقليد لا ينشرحُ به الصدرُ، ولا يُعرَفُ به الحقُّ، ولأنه لا يجوزُ لمجتهدٍ أن

стр. 180

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يقلِّد مجتهدًا عند تمكُّنِهِ من الاجتهادِ؛ كما بيَّنَّاه في أصول الفقه، ثُمَّ إنَّ أبا بكر قاتَلَ جميعَ المرتدِّين الثلاثة الأصناف (١)، وسَبَى ذراريهم؛ قال القاضي: وحكَمَ فيهم بحكم الناقضين للعهد، فلمَّا تُوُفِّيَ أبو بكرٍ ووَلِيَ عمر رَدَّ عليهم سَبيَهُم، وحكَمَ عليهم (٢) بحكم المرتدِّين، وكان أبو بكر يرى سَبيَ أولاد المرتدِّين؛ وبذلك قال أصبَغُ بن الفَرَجِ (٣) من أصحابنا، وكان عمر يرى أنهم لا يُسبَونَ، ولذلك ردَّ سبيهم؛ وبهذا قال جمهورُ العلماءِ وأئمَّةُ الفتوى. ويستفاد مِن فعل عمر وحُكمِهِ: أنَّ الإمام المجتِهدَ العدلَ إذا أمَرَ بأمر، أو حكم بحكم، وجبَت موافقتُهُ على الجميع، وإن كان فيهم مَن يرى خلافَ رأيه، بل يجبُ عليه تركُ العمل والفُتيَا بما عنده، وإن اعتقَدَ صِحَّته، فإن عاد الأمرُ إليه، عَمِلَ على رأيه الذي كان يعتقده صوابًا. ويحصَّل من قضيَّة أبي بكر وعمر: أنَّ سَبيَ أولادِ المرتدِّين لم يكن مُجمَعًا عليه، وأنَّ عمر إنَّما وافق أبا بكرٍ ظاهرًا وباطنًا على قتال الجميعِ لا غيرُ، وأمَّا سبيُ الذراري، فلم يوافقهُ عليه عمرُ باطنًا، لكنَّه تركَ العملَ بما ظهَرَ له والفُتيَا به؛ لِمَا يجبُ عليه مِن طاعة الإمام وموافقتِهِ، فلمَّا وَلِيَ عمل بما كان عنده؛ هذا هو الظاهرُ من حال عمر. ولا يجوزُ أن يقال: إنَّهُ كان قد ظهَرَ له مِن جواز السَّبيِ ما ظهر لأبي بكر، ثمّ تغيَّر اجتهاده؛ لأنّ ذلك يلزمُ منه خرقُ إجماعِ الصحابة السابق؛ فإنَّهم كانوا قد أجمعوا مع أبي بكر على السَّبيِ، وَعَمِلُوا بذلك مِن غير مخالفة ظهرَت من أحد منهم ولا إنكارٍ ظاهرٍ؛ غير أنَّهم منقسمون في ذلك إلى
следующие страницы →